← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها إلا تبوكًا، فإنه ﷺ خلفه عَلَى أهله، وآخاه رسول الله ﷺ مرتين، وقال في كل منهما: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (١) وفضائله مشهورة، وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري إن شاء الله (٢). وحديث: "أنا مدينة العلم" (٣) وفي لفظ: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" (٤) منكر كما قاله الترمذي. ولي الخلافة خمس سنين وقيل:

стр. 1612

إلا شهرًا، بويع لَهُ بعد عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ. روي لَهُ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا، اتفقا منها عَلَى عشرين، وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر. روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وخلق. ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي -وهو من حمير- بسيف مسموم فأوصله دماغه في ليلة الجمعة ومات بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين. ولما ضربه ابن ملجم قَالَ: فزت ورب الكعبة، ولما فرغ من وصيته قَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثمَّ لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتَّى مات عن ثلاث وستين سنة في قول الأكثر. وكان آدم اللون، أصلع ربعة أبيض الرأس واللحية وربما خضب لحيته. وأولاده: الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم من فاطمة، ومحمد بن الحنفية وغيره من غيرها. وليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب غيره. وإن كان في الرواة علي بن أبي طالب ثمانية سواه ذكرتهم في "العدة في معرفة رجال العمدة" وبسطت فيه ترجمته وقد أُفردت بالتأليف (١). وأما الراوي عنه فهو ربعي بن حراش-بكسر الحاء المهملة- بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس (بن) (٢) سعد بن غيلان بن مضر

стр. 1613

الغطفاني العبسي -بالموحدة- أبو مريم الكوفي، أخو مسعود الذي تكلم بعد الموت (١)، وأخوهما ربيع. قَالَ الكلبي: كتب النبي ﷺ إلى حراش بن جحش، فحرق كتابه، وليس لربعي عقب، والعقب لأخيه مسعود. قَالَ ابن سعد: روى عن عمر وعلي، وخرشة بن (الحر) (٢)، قَالَ: قيل لشعبة: أدرك ربعي عليًّا؟. قَالَ: نعم حدّث عن علي. ولم يقل: سمع (٣). وعن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي غير هذا الحديث، وقدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية. قَالَ العجلي: تابعي ثقة، لم يكذب كذبة قط، وكان لَهُ ابنان يعصيان عَلَى الحجاج، فقيل للحجاج: إنه لم يكذب كذبة قط، فلو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه. فقال: أين ابناك؟ فقال: هما في البيت. فقال: قد عفونا عنهما بصدقك (٤). وقيل: إنه آلى أن لا يفتر ضاحكًا حتَّى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقيل: توفي سنة أربع ومائة (٥).

стр. 1614

وأما الراوي عنه فهو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبيعة -بضم الراء- أبو عتاب. ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله. ويقال: ابن المعتمر بن عباد بن فرقد الكوفي السلمي، المجمع عَلَى جلالته وتوثيقه وفضله وصلاحه وعبادته. روى عن أبي وائل وغيره، وعنه السفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. ومناقبه جمة. وهو أتقن من الأعمش، أُكْره عَلَى قضاء الكوفة، وكان فيه تشيع. ويقال: إنه صام أربعين سنة وقام ليلها وعمش من البكاء. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما حديث الزبير: فراويه حواري النبي ﷺ وابن عمته الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. يلتقي مع النبي ﷺ في الأب الخامس وهو أول من سلَّ سيفه في سبيل الله، وأمه صفية بنت عبد المطلب، هاجرت إلى المدينة، وهو أحد العشرة، وأحد الستة الشورى. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود من المهاجرين، وبينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش من الأنصار، شهد بدرًا والمشاهد كلها واليرموك وفتح مصر، وهاجر الهجرتين، وأسلم وهو ابن ست عشرة سنة. وكان أسمر. وقيل: أبيض. ربعة معتدل اللحم أشعر الكتف طويلًا تخط رجلاه بالأرض إِذَا ركب الدابة. روى عنه ابناه عبد الله، وعروة، ونافع بن جبير. استشهد يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان ترك القتال وانصرف بوادي

стр. 1615

السباع بناحية البصرة، فقتله عمرو بن جرموز بغيًا وظلما، وقبره هناك، وسنه بضع وستون. وقيل: خمس وسبعون. وكان لَهُ ألف مملوك يؤدون الخراج إليه، فيتصدق به في مجلسه، ما يقوم منه بدرهم، روي لَهُ ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بسبعة (١). وراويه عنه ولده عبد الله (ع) أبو بكر وأبو خبيب أمير المؤمنين، روى عنه أخوه عروة، وابنه عامر وكان نهاية في الشجاعة، غاية في العبادة، استخلف سنة أربع وستين. ومات شهيدًا في حصر الحجاج له بالبيت العتيق سنة ثلاث وسبعين (٢). وراويه عنه ولده عامر (ع) بن عبد الله أبو الحارث المدني أخو عباد وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر كان عابدًا فاضلًا ثقة. مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة (٣). والراوي عنه جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، وقيل: أبو صخر الكوفي الثقة روى عنه شعبة وغيره، وهو قليل الحديث، لَهُ نحو عشرين

стр. 1616

حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمانٍ وعشرين (١). وأما حديث أنس: ففيه عبد العزيز بن صهيب البُنَاني مولاهم الأعمى التابعي الحجة، وعنه شعبة وغيره، مات سنة ثلاثين ومائة، وقد سلف أيضًا. وأما حديث سلمة فراويه سلمة (ع) بن عمرو بن الأكوع (٢) سنان الأسلمي أحد من بايع تحت الشجرة. عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وكان راميًا محسنًا يسبق الفرس، مات سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة، أحاديثه سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة، كلمه الذئب، وقيل: إنه شهد مؤتة، ولما قتل عثمان خرج إلى الربذة، فتزوج هناك وأقام بها إلى قبل موته بليال، فنزل المدينة ومات بها (٣). والراوي عنه يزيد (ع) بن أبي عبيد مولاه، كنيته أبو خالد، روى عنه مكي وغيره، ومات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (٤).

стр. 1617

وأما حديث أبي هريرة: ففيه موسى وهو: ابن إسماعيل التبوذكي، سلف، وأبو عَوَانة، واسمه: الوضاح. وقد سلف أيضًا. وأبو حصين بفتح الحاء -كما سلف في الفصول أول الكتاب- واسمه: عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا صاحب سنة، من حفاظ الكوفة، مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة (١). الوجه الثالث: في فوائده: وهو حديث جليل حفيل متواتر مقطوع به لا يوجد لَهُ مشابه في طرقه وكثرتها. قَالَ الحافظ أبو بكر البزار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًا (٢). وقال ابن الصلاح: إنه حديث بلغ عدد التواتر، رواه الجم الكبير من

стр. 1618

الصحابة، قيل: إنهم يبلغون ثمانين نفسًا، ولم يزل في اشتهار وكثرة طرق في هذِه الأزمان (١). وحكى أبو بكر الصيرفي (٢) في "شرح الرسالة": إنه رواه أكثر من ستين صحابيًا، وجمع الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (٣) طرقه في جزء ضخم بلغ رواته فوق سبعين صحابيًا، وذكر في جملة من رواه العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف. وبلغ بهم الطبراني (٤) وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة، ويجتمع من كلام ابن منده في "مستخرجه" وكلام ابن خليل نحو المائة. وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ولم يزل في ازدياد. وقال ابن دحية (٥) في كلامه عَلَى رجب بعد أن قَالَ روي من نحو تسعين صحابيًّا: قد أخرج من نحو أربعمائة طريق. قَالَ بعضهم: ولا يُعْرَف حديثٌ اجتمع عَلَى روايته العشرة سواه. وليس كما ذكر، فقد اجتمع ذَلِكَ في رفع اليدين والمسح عَلَى الخفين، كما أوضحته في تخريج أحاديث الرافعي (٦) ولله الحمد.

стр. 1619

إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى: "فَلْيَتَبَوَّأْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١) " فليتخذ، وقال الخطابي: تبوأ بالمكان إِذَا أخذه موضعًا لمقامه، وأصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها (٢). والمعنى بالحديث: لينزل منزله منها، وإن كان بلفظ الأمر فمعناه: الخبر. أي: أن الله يبوؤه مقعده من النار، أو أنه استوجب ذَلِكَ واستحقه فليوطن نفسه عليه. ويوضحه ما جاء في بعض طرق مسلم (٣)، وفي حديث علي السالف: "فليلج النار" وقيل: معناه: التهديد والوعيد. وقال الطبري: هو عَلَى معنى الدعاء منه ﷺ أي: بوأه الله ذَلِكَ والمعنى: أنَّ هذا جزاؤه وقد يعفي عنه، وكل ما جاء من الوعيد بالنار لأهل الكبائر غير الكفر ينزل عَلَى هذا ومنه: "لا يدخل الجنَّةَ نَمَّام" (٤) أي: جزاؤه أن لا يدخل الجنة. ثانيها: الكذب عند الأشاعرة: الإخبار عن الشيء عَلَى خلاف ما هو عليه، وإن كان سهوًا، واشترطت فيه المعتزلة العمدية، ودليل الخطاب في هذِه الأحاديث عليهم؛ لأنه يدل عَلَى أن من لم يتعمد يقع عليه اسم

стр. 1620

الكذب (١)، وقيد بالعمد في رواية لبيان أنه يكون سهوًا وعمدًا، والإجماع منعقد عَلَى أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول عَلَى المقيد في الإثم. ثالثها: الأحاديث دالة عَلَى تعظيم حرمة الكذب عليه ﷺ ، وأنه كبيرة؛ والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله خلافًا للجويني حيث قَالَ: يكفر ويراق دمه. وضعفه ولده الإمام، وجعله من هفوات والده. نعم من كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت رواياته كلها وإن تاب، وبه قَالَ أحمد بن حنبل (٢) وغيره. وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إِذَا تاب، أنه لا تقبل شهادته. وما قاله الشافعي (٣) وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق أو العداوة ثمَّ تاب وحسنت (توبته و) (٤) حالته (٥)، لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، وما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إِذَا تاب لا تقبل شهادته أبدا (٦). وما قاله أيضًا من أنه إِذَا ردت شهادة أحد الزوجين بالآخر ثمَّ مات لا تسمع للتهمة، ولأنها مفسدة عظيمة؛ لأنه يصير شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامة. فجعل ذَلِكَ تغليظًا وزجرًا من الكذب عليه بخلاف غيره.

стр. 1621

قَالَ عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب أنه يرد عليه صدقه. وخالف النووي فقال: المختار القطع بصحة توبته من ذَلِكَ وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا عَلَى قبول رواية من كان كافرًا ثمَّ أسلم، وأجمعوا عَلَى قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة (١). رابعها: لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد به، ولا عبرة بالكرَّامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب، وتشبثهم برواية: "مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا ليُضل به" (٢) بهذِه الزيادة، ولأنه كذب لَهُ لا عليه. وهو من الأعاجيب، فهذِه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، أو أنها

стр. 1622

للتكثير لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أو أن اللام في "ليُضِلَّ" ليست للتعليل بل للصيرورة والعاقبة، والمعنى عَلَى هذا يصير كذبه إلى الإضلال، والكذب لَهُ لما بما لم يخبر به كذب عليه (١). ثمَّ الواضع عَلَى أقسام بينتها في كتابي "المقنع في علوم الحديث" فليراجع منه (٢). خامسها: من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد، إِذَا لم يبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله ﷺ : "مَنْ حدَّث عنِّي بحديثٍ يرى أنه كَذِب فهو أحد الكاذِبين" (٣) ومن روى حديثًا ضعيفًا، لا يذكره بصيغة الجزم بخلاف الصحيح والحسن. تنبيه: ينعطف عَلَى ما مضى: قَالَ أبو العباس القرطبي في "المفهم": استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية وحكاية نقلية، فنقول في ذَلِكَ: قَالَ رسول الله ﷺ كذا وكذا.

стр. 1623

قَالَ: ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة (تشهد) (١) متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين، مع أنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد (٢). سادسها: ذهب قوم إلى أن هذا الحديث ورد في رجل بعينه، كذب على النبي ﷺ في حياته وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم، فأمر ﷺ بقتله إن وجد حيًّا وبإحراقه إن وجد ميتًا. والصواب عمومه في كل خبر تعمد به الكذب عليه في الدين والدنيا، ولا يخص بالدين، ولهذا قال ﷺ : "إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذبٍ عَلَى أحدِكم" (٣). ومما يؤيد عمومه استدلال عمر والزبير بهذا الوعيد لتوقفهم عن (التحديث) (٤)، ولو كان في رجل بعينه أو مقصورًا عَلَى سبب لما حذروا، وذكر ابن الجوزي سبب وروده من طرق في مقدمة كتابه "الموضوعات" (٥). سابعها: فيما يظن دخوله في النهي: اللحن وشبهه، ولهذا قَالَ العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم به من قول ما لم يقل. قَالَ الأصمعي: أخوف ما أخاف عَلَى طالب العلم إِذَا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله ﷺ : "من كذب علي .. " الحديث؛ لأنه ﷺ

стр. 1624

لم يكن يلحن فمهما لحن الراوي فهو كذب عليه (١). وكان الأوزاعي يعطي كتبه إِذَا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مقيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها عَلَى ما يجوز فيه، روي ذَلِكَ عن أحمد وغيره، قَالَ أحمد: يجب إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون (٢). وقال النسائي فيما حكاه القابسي: إِذَا كان اللحن شيئًا تقوله العرب -وإن كان في غير لغة قريش- فلا يغير لأنه ﷺ كان يكلم الناس بلسانهم، وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن (٣). قَالَ الأوزاعي: كانوا يعربون، وإنما اللحن من حملة الحديث فأعربوا الحديث (٤). وقيل للشعبي: أسمع الحديث ليس بإعراب، أفأعربه؟ قَالَ: نعم. فرع: لو صح في الرواية ما هو خطأ، فالجمهور عَلَى روايته عَلَى الصواب، ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية: كذا وقع، وصوابه كذا وهو الصواب. وقيل: يغيره ويصلحه، روي ذَلِكَ عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قَالَ: كان أبي إِذَا مر به لحن فاحش غيره، وإن كان سهلًا تركه (٥).

стр. 1625

وعن أبي زُرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم (١). ومحل بسط ذَلِكَ "علوم الحديث"، وكذا ما يتعلق به من استفهام الكلمة الساقطة عَلَى الراوي من المستملي، وكذا رواية الحديث بالمعنى، وغير ذلك، وقد أوضحت ذَلِكَ في "علوم الحديث" (٢). ثانيها: توقى جماعة (٣) من الإكثار في الرواية خوف دخول الوهم عليهم ولقيام غيرهم به. وأما حديث أبي هريرة: "تسموا باسمي .. " إلى آخره، فاختلف في هذا النهي، هل هو عام أو خاص أو منسوخ؟ عَلَى أقوال. ومذهب الشافعي وأهل الظاهر المنع مطلقًا، ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم؛ لكيلا يكون سببًا للتكنية، وقيل: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا دون غيره، وفيه حديث (٤) صحيح، ووقع في بعض نسخ "الروضة" التعبير عنه بعكسه، وهو أنه يجوز لمن اسمه محمد دون غيره (٥)، وهو سهو فاحذره، فإن أحدًا لم يقل به.

стр. 1626

ومذهب مالك أنه يجوز التكني به مطلقًا، وجعل النهي مختصًّا بحياته (١)؛ لأن الحديث ورد عَلَى سبب، فإن اليهود تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فيلتفت ﷺ فيقولون: لم نَعْنِكَ؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذَلِكَ المعنى. قَالَ في "الروضة": وهذا المذهب أقرب (٢). ومنع قوم، كما قَالَ القاضي التسمية بالقاسم، كيلا يكون سببًا للتكنية (٣) ويؤيد هذا قوله فيه: "إنما أنا قاسِم" (٤) فأخبر بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذِه الكنية. وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة (٥)، ونقل عن الجمهور وسمى جماعة أبناءهم محمدًا وكنوهم بأبي القاسم. وفي "سنن أبي داود" من حديث محمد بن الحنفية قَالَ: قَالَ علي: يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟ قَالَ: "نعم" (٦). قَالَ أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم، رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وسيأتي لنا عودة إلى هذِه المسألة في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى ذلك وقدره، وقد أوضحتها في كتابي "الخصائص" (٧) أيضًا.

стр. 1627

وأما قوله ﷺ : ("وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَام فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي"). وجاء في موضع آخَر: "ومن راَني فقد رأى الحق" (١). وجاء أيضًا: "فسيراني في اليقظة" (٢) وجاء أيضًا: "فكأنما رآني في اليقظة" (٣). وجاء أيضًا: "فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي" (٤) وهو تفسير للأولى واختلف في تأويله، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنها صحيحة وليست بأضغاث أحلام (٥). وقال غيره: معناه: رآه حقيقة (٦). وفي قول ثالث: إنه إن رآه عَلَى صفته فهو حقيقة، وإن رآه عَلَى غيرها فهو رؤيا تأويل لا حقيقة، قاله ابن العربي والقاضي وضعفه النووي وصوب الثاني (٧). ومعنى: "فسيراني" أي: يرى تفسيره؛ لأنه حق، أو يراه في القيامة، أو المراد أهل عصره ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام علمًا لَهُ عَلَى رؤيته في اليقظة أقوال. وخص ﷺ بذلك لئلا يكذب عَلَى لسانه في النوم، كما منعه أن يتصور في صورته في اليقظة؛ إكرامًا له، وقد ذكرت فروعًا فقهية تتخرج عَلَى ذَلِكَ في "الخصائص" (٨) فراجعها منه.

стр. 1628

فائدة: اختلف في حقيقة الرؤيا هل هي اعتقادات أو إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد؟ عَلَى قولين: وبالأول قَالَ القاضي أبو بكر، وبالثاني قَالَ الشيخ أبو إسحاق. ومنشأ الخلاف كما قَالَ ابن العربي إن الشخص قَدْ يرى نفسه بهيمة أو ملكًا أو طيرًا، وهذا ليس إدراكًا، لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي إلى أنها اعتقادات، لأن الاعتقاد قَدْ يأتي عَلَى خلاف المعتقد (١). قَالَ: وذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل، والإدراك إنما يتعلق بالمثل (٢) وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره.

стр. 1629

٣٩ - باب كِتَابَةِ الْعِلْمِ ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هذِه الصَّحيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسَيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ١/ ٢٠٤] ١١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحٍ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَة، فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ -أَوِ الفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّا الإِذْخِرَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَة هذِه الُخطْبَةَ. [٢٤٣٤، ٦٨٨٠ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح: ٥/ ٢٠١] ١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْروٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكتُبُ وَلَا أَكْتبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [فتح: ٢٠٦/ ١] ١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،

стр. 1630

عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُة قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَط. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. [٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - مسلم: ١٦٣٧ - فتح: ١/ ٢٠٨] ذكر فيه ﵀ أربعة أحاديث: الحديث الأول: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. الكلام عليه من (أوجه) (١): أحدها: هذا الحديث خرجه البخاري أيضًا في الجهاد عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن مطرف (٢)، وفي الديات عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة، عن مطرف (٣). قَالَ أبو مسعود الدمشقي: يقال: إن حديث وكيع، عن سفيان هو ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه قَالَ: وقد رواه يزيد العدني عن

стр. 1631

الثوري أيضًا. قَالَ الغساني: هو محفوظ من حديث سفيان بن عيينة. وانفرد به البخاري عن مسلم من طريق أبي جحيفة، واتفقا عَلَى معناه بدون بيان ما في الصحيفة من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي (١). ورواه أبو داود من حديث قيس بن عباد عن علي (٢)، ورجاله رجال الصحيح. ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما أبو جحيفة فهو وهب (ع) بن عبد الله السُوَائي -بضم السين وفتح الواو- ويقال: وهب بن وهب. ويقال: وهب الخير، من بني حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله ﷺ ولم يبلغ الحلم. نزل الكوفة، (روي لَهُ خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بثلاثة، وكان علي ﵁ يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله عَلَى بيت المال بالكوفة) (٣) وشهد مشاهده كلها. مات سنة أربع وسبعين في خلافة بشر بن مروان (٤). وأما مُطَرِّف (ع) فهو أبو بكر ويقال: أبو عبد الرحمن مطرِّف بن طريف الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو،

стр. 1632

ويقال: الخارفي -بالخاء المعجمة والفاء- نسبة إلى خارف بن عبد الله. وثقه أحمد وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين (١). وأما وكيع فهو أحد الأعلام الثقات أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة، وقيل: غيره. أصله من قرية من قرى نيسابور، الرؤاسي الكوفي، من قيس غيلان، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد، وقال: إنه أحفظ من ابن مهدي. وقال حماد بن زيد: لو شئت قُلْتُ: إنه أرجح من سفيان. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ومات بفيد سنة سبع وتسعين ومائة (٢). ثالثها: في فوائده: الأولى: كتابة الحديث: وقد اختلف الصدر الأول في ذَلِكَ، فمنهم من كره كتابته وكتابة العلم وأمروا بحفظه، ومنهم من جوز ذَلِكَ (٣).

стр. 1633

وجاء في النهي حديث: "لا تكتبوا عني شيئًا (إلا القرآن) (١) ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" أخرجه مسلم (٢). وفي الإباحة الحديث الأتي: "اكتبوا لأبي شاة" (٣) ولعل الإذن لمن خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف اتكاله، أو نهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، وأذن حين أمن، ثم إنه زال ذَلِكَ الخلاف وأجمعوا عَلَى الجواز، ولولا تدوينه لدرس في الأعصار الأخيرة (٤).

стр. 1634

الثانية: فيه إبطال ما يخترعه الرافضة والشيعة من قولهم: إن عليًّا ﵁ أوصى إليه النبي ﷺ بأسرار العلم، وقواعده وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره، وإنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهي دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها. الثالثة: فيه دلالة لمالك والشافعي والجمهور في أن المسلم لا يقتل بكافرٍ قصاصًا (١)، وروي ذَلِكَ عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وبه قَالَ جماعة من التابعين (٢)، وهو مذهب الأوزاعي أيضًا والليث والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٣)، إلا أن مالكًا والليث قالا: إن قتله غيلة قتل. والغيلة: أن يقتله عَلَى ماله كما يصنع قاطع الطريق (٤). وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى أنه يُقتل المسلم بالذمِّي ولا يُقتل بالمستأمن والمعاهد (٥)، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي، واحتجوا بحديث ابن عمر أنه ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: "أنا كرم من وَفَّى بذمته" أخرجه الدارقطني ووهاه فقال: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، والصواب إرساله، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إِذَا وصل الحديث،

стр. 1635

فكيف إِذَا أرسله (١)؟! واحتجوا أيضًا بالإجماع عَلَى أن المسلم تقطع يده إِذَا سرق مال الذمي، وبحديث علي في أبي داود: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (٢) أي: بكافر، وجعلوه من باب عطف الخاص عَلَى العام، وأنه يقتضي تخصيصه؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. والجواب: أما القياس فهو في مقابلة النص وهو باطل، وأما الحديث فجوابه من أوجه: أحدها: أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف، وما بعد ذَلِكَ جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر. ثانيها: سلمنا أنه من باب العطف لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما في قول القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرٍو. فإن المنقول كما قَالَ القرافي عن أهل اللغة والنحو أن ذَلِكَ لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقًا بل الاشتراك في مطلق المرور.

стр. 1636

ثالثها: أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد؛ لأن الذمة تنعقد له ولأولاده. الرابعة: الكلام عَلَى العقل وفكاك الأسير يأتي إن شاء الله في الجهاد (١). الحديث الثاني: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ -أَوِ القَتْلَ قال أبو نُعَيمٍ: وجعلوه على الشَّك؟ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ، وغيره يقول: الفِيلَ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحَلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَا الِاذْخِرَ".

стр. 1637

الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الديات عن أبي نعيم به وقال فيه: "فمن قتل له قتيل" (١) وهو الصواب، خلاف ما وقع هناا. وأخرجه أيضًا في اللقطة عن يحيى بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي (٢)، وفي الديات، وقال عبد الله بن رجاء: حَدَّثنَا حرب (٣). وأخرجه مسلم في المناسك: عن زهير و (عبيد) (٤) الله بن سعيد، عن الوليد، عن الأوزاعي، وعن إسحاق بن منصور، عن (عبيد) (٥) الله بن موسى، عن شيبان ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به (٦). ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف. أما يحيى فهو: أبو نصر يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل، ويقال: نشيط. ويقال: دينار. ودينار مولى على اليمامى الطائى مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد. روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام الدستوائي وغيره. قَالَ أيوب: ما بقي عَلَى وجه الأرض مثله. مات

стр. 1638

سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة (١). وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره، نعم فيها يحيى بن كثير العنبري (٢)، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي (٣)، وابن ماجه: يحيى بن كثير صاحب البصري (٤) وهما ضعيفان.

стр. 1639

وأما شيبان (ع) فهو أبو معاوية (شيبان بن عبد الرحمن) (١) النحوي المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم، سمع الحسن وغيره. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات. قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي (٢). فائدة: النحوي نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، وليس في هذِه القبيلة من يروي الحديث سواه ويزيد بن أبي سعيد (م، د)، وأما من عداهما فنسبه إلى النحو علم العربية كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره (٣).

стр. 1640

فائدة ثانية: ليس في "صحيح البخاري" من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم: هو وشيبان بن فروخ (١)، وفي أبي داود: شيبان أبو حذيفة القتباني (٢)، وليس في الكتب الستة غير ذَلِكَ. ثالثها: في فوائده: وقد تقدم جملة من معناه في حديث أبي شريح الخزاعي في باب: ليبلغ الشاهد الغائب، ونذكر هنا نبذًا منه: الأولى: خزاعة قبيلة وكذا بنو ليث، وقد أسلفنا هناك أن المقتول كان في الجاهلية، فقتلوا هذا به. وعند ابن إسحاق أنه بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك. وذكر القصة: وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأكوع الهذلي، وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال النبي ﷺ : "يا معشر

стр. 1641

خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل .. " (١) الحديث كما ذكرناه هناك. وقال الدارقطني فيه أنه ﷺ قَالَ: "لو كنتُ قاتِل مسلم بكافر لقتلت خراشًا بالهذلي" (٢). قَالَ بعضهم: لو كان القتل قبل الإسلام لهدر النبي ﷺ كما هدر دماء الجاهلية. الثانية: "الفيل" هو بالفاء ثمَّ مثناة تحت، وشك أبو نعيم بينه وبين القتل -بالقاف ثم مثناة فوق كما سلف- وصوب الأول، والمراد بحبس الفيل أهله، ويجوز أن يكون المراد نفسه كما ورد في قصته كما هي مشهورة في السير والتفاسير (٣). الثالثة: في خطبته ﷺ راكبًا دلالة عَلَى استحبابها في موضع عال منبرًا كان أو غيره، جمعة كانت أو غيرها. الرابعة: استدل بالتسليط من يرى أن مكة فتحت عنوة، وأن التسليط وقع له ﷺ مقابل الحبس الذي وقع لأصحاب الفيل وهو الحبس عن القتال، وقد تقدمت المسألة في الحديث المشار إليه قريبًا. قَالَ ابن بطال: ولا خلاف أنه ﷺ منَّ عَلَى أهل مكة وعفا عن أموالهم (٤).

стр. 1642

وذهب مالك والكوفيون إلى أن الغنائم لا تملك ملكًا مستقرًا بنفس الغنيمة، بل للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ عَلَى الأسارى وهم من جملة الغنائم. الخامسة: قَالَ الطحاوي: الذي أحل له ﷺ وخص به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده بدونه (١). وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وأبي حنيفة، وصاحبيه (٢)، ولمالك (٣) والشافعي (٤) قولان فيمن لم يرد الحج والعمرة. وقال الطبري: الذي أحل لَهُ قتال أهلها ومحاربتهم. وقد سلف شيء من ذَلِكَ في الحديث المشار إليه. السادسة: قوله: ("ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا") هو بمعنى: "لا يعضد" وقد سلف هناك يقال: خليت الخلا أخليه: إِذَا قطعته، والخلا بفتح الخاء مقصور: الرطب من الكلأ. السابعة: قوله: "وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ" وجاء: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" (٥). وجاء: "ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها" (٦). والمنشد: المعرف. وأما الطالب فيقال له: ناشد. يقال: نشدت الضالة إِذَا طلبتها، وأنشدتها إِذَا عرفتها. وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر. والمعنى عَلَى هذا:

стр. 1643

لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها أبدًا من غير (توقيت) (١) بسنة، ثم يملكها كغيره من البلاد. وبه قَالَ الشافعي (٢)، وابن مهدي، وأبو عبيد (٣)، والداودي، والباجي، وابن العربي، والقرطبي (٤). وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أنها كغيرها في التعريف والتمليك (٥). وحمل المازري الحديث عَلَى المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة. وعن ابن راهويه والنضر بن شميل: تقديره: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا. فحينئذ يجوز رفعها إِذَا رآها ليردها (على) (٦) صاحبها. وقيل: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قَالَ أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد (٧). قُلْتُ: قد حكاه بعضهم فجعل الناشد: المعرف، والمنشد: الطالب، عكس ما سلف حكاه عياض في "مشارقه" عن الحربي (٨). الثامنة: قوله: ("إما أن يعقل، (وإما أن) (٩) يقاد أهل القتيل")، كذا رواه هنا. وقال في الديات: "إما يودي و (أو) (١٠) يقاد" (١١) قَالَ: وقال عبيد الله: "وإما أن يقاد أهل القتيل": والمعنى: إما أن يعقل المقتول

стр. 1644

بالدية، وإما أن يقاد، أي: يقتل القاتل. وحكى بعضهم عن رواية مسلم: "يفادى" (١) بالفاء. والصواب: بالقاف، لأن العقل هو الفداء، فيختل المعنى. وسميت الدية عقلًا بالمصدر لأنها تعقل بفنائه. التاسعة: فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس لَهُ إجبار الجاني عَلَى أي الأمرين شاء، وبه قَالَ الشافعي (٢) وأحمد (٣). وقال مالك في المشهور عنه: ليس لَهُ إلا القتل أو العفو، وليس لَهُ الدية إلا برضا الجاني (٤). وبه قَالَ الكوفيون (٥)، وهو خلاف نص الحديث، وأوّله المهلب بأنه ﷺ حض الولي عَلَى أن ينظر إن كان القصاص خيرًا من الدية اقتص، وإن كانت الدية خيرًا قبلها من غير أن يجبر عليها. العاشرة: فيه أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص (أو) الدية، وهو أحد قولي الشافعي، وأصحهما عنده أن الواجب القصاص، والدية تدل (عند) (٦) سقوطه (٧)، وهو مشهور مذهب مالك (٨).

стр. 1645

وعلى القولين للولي العفو عَلَى الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية. وبه قَالَ أحمد (١). وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي (٢)، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين و"العمدة" ترجيحه (٣). الحادية عشرة: الإذن في كتابة العلم وقد سلف في الحديث ما فيه، ومعنى قوله: "اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ" أراد خطبة النبي ﷺ يوم الفتح بمكة قَالَه الأوزاعي، كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح (٤). وقوله: فقال: "اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ" هو: أبو شاه، كما جاء في رواية أخرى في "الصحيح" (٥) ولا يعرف اسمه، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبًا، وقال في "المطالع": أبو شاه مصروفًا، ضبطه وقراءته (٦) أبا، معرفة ونكرة. وقال النووي: وهو بهاء في آخره؛ درجًا ووقفًا (٧)، قَالَ: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم عَلَى وجهه ومن مظانه. الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا الإِذْخِرَ) هو العباس

стр. 1646

كما جاء مبينًا في رواية أخرى في "الصحيح" (١). الثالثة عشرة: "الإذخر" بكسر الهمزة، والخاء والذال المعجمتين: نبت معلوم طيب الريح، واحده إذخرة. الرابعة عشرة: المراد بالبيوت: المعلومة، وأبعد من قَالَ: المراد بها القبور: لقوله بعده: (وقبورنا). وفي كتاب: الحج من حديث ابن عباس: لصاغتنا وقبورنا (٢). وفي أخرى: لقينهم (٣) أي: لصائغهم، والقَيْن: الحداد، ومنه قوله: كان خباب قينا، والقينة أيضًا: المغنية، والماشطة (٤)، ويجمع بين الروايات أنهم كانوا يستعملونه في هذِه الأمور؛ لمسيس الحاجة إليه، وكانوا يخلطونه؛ لئلا يتشقق ما بني به كما يفعل بالتبن، وكانوا يسقفون به فوق الخشب. الخامسة عشرة: قوله ﷺ : "إلا الإذخر" هو استثناء من قوله: (لا يختلَى شوكها" وهو بعض من كل، وقد استدل به الأصوليون عَلَى أنه ﷺ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه، وهو الأصح. وتوقف أكثر المحققين فيه وفي وقوعه، وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره، ومثل هذا الحديث "لو سمعت ما قتلت" لأخت النضر (٥) بن

стр. 1647

الحارث (١). "ولو قُلْتُ: نعم لوجبت" (٢) في تكرار الحج، وبقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآية [الأنفال: ٦٧] في أسارى (٣) بدر وغير ذَلِكَ (٤). وأجاب المانعون بأنه يجوز أن يقارن بها نص أو يتقدم عليها وحي، أو كان جبريل حاضرًا فأشار به، فليس ذَلِكَ من باب الاجتهاد، ويجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فلما سأل العباس ذَلِكَ أجاب به. وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قيل: إنه مخصوص بالحرب (٥). الحديث الثالث حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثنا سُفْيَانُ ثنا عَمْرٌو أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وهذا الحديث من أفراده، ولم يخرجه إلا هنا، وسبب قلة رواية

стр. 1648

عبد الله بن عمرو أنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنه توطن المدينة، وهي المقصد من كل جهة، وانتصب للرواية، لا جرم روى فوق الخمسة آلاف (حديث) (١)، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمائة حديث كما ذكرته في ترجمتهما (٢). وأخو وهب هو همام، وهو أكبر من وهب، وهم أربعة إخوة: وهب، ومعقل أبو عقيل، وهمام، وغيلان، وكان أصغرهم. وكان آخرهم موتًا همام. ومات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلان ثمَّ همام. ووالدهم منبه بن كامل (بن) (٣) سيج -بسين مهملة كما سلف، وقيل: معجمة ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمَّ جيم- بن ذي كبار وهو الأسوار الصنعاني اليماني الذماري -بكسر الذال المعجمة، وقيل: بفتحها، وذمار عَلَى مرحلتين من صنعاء (٤) - الأبناوي نسبة إلى الأبناء -بباء موحدة ثمَّ نون- وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن، كما سلف في باب حسن إسلام المرء. ولم يذكر البخاري وهب بن منبه إلا في هذا الموضع كما نبه عليه الباجي، وسمع في غير البخاري جابرًا، وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة، وثقوه خلا الفلاس فإنه ضعفه، وكان إخباريًّا قاضيًا صاحب (ليث) (٥). مات سنة أربع عشرة ومائة، ابن ثمانين سنة فيما قيل، أخرجوا لَهُ خلا ابن ماجه (٦).

стр. 1649

وأخوه همام أبو عقبة، أخرج لَهُ الجماعة، وهو تابعي يروي عن ابن عباس أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سلف في الباب السالف المشار إليه ترجمته واضحة. الحديث الرابع: حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَه الوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَنَازُعُ". فَخَرَخ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُل الرَّزِّيَةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبَيْنَ كِتَابِهِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطب (١) والاعتصام عن

стр. 1650

إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر (١). وفي المغازي عن علي (٢)، وفي الطب عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٣). وأخرجه مسلم في الوصايا عن محمد بن رافع وعبد (٤)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به (٥). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا. ثالثها: في فوائده: الأولى: قوله: (لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ)، هو المراد بقوله في كتاب الطب: لما حضر رسول الله ﷺ . وفيه: واختلف أهل البيت فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قَالَ عمر. وفي بعض طرقه في "الصحيح" "ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا" (٦). الثانية: اختلف العلماء في الكتاب الذي همَّ ﷺ بكتابته ما هو؟ قَالَ الخطابي: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد أن ينص عَلَى الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين.
следующие страницы →