الشرح:
حديث ابن عباس سلف في باب الخطبة بعد العيد (١) بشرحه واضحًا، وأما حديث أبي موسى فلا شك أن الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر مرغب فيها مندوب إليها. فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودل قوله ﷺ : "وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ مَا شَاءَ" أنَّ الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، ولم تنجح طلبته لهذِه الأمة. فإنه قَالَ: من يشفع، ولم يقل: من يُشفَّع. بضم أوله، وتشديد ثالثه، والمراد بـ"وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبيهِ مَا شَاءَ". ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال ﷺ : "والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عونِ أخيه" (٢). ولأبي الحسن: "شفعوا" بحذف الألف، وإنما أمرهم بالشفاعة لما فيه من الأجر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] الآية.
ولأنهم إذا شفعوا، واجتمعت عليه المسألة كان أنجح، ولا يتأبى كبير أن يشفع عند صغير. فإن شفع عنده، ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع. فقد شفع الشارع عند بريرة أن ترد زوجها فأبت (٣). وقد احتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس السالف، وأوجبوا الزكاة
стр. 5778
في الحلي المتخذ للنساء (١)، وقال مالك: لا زكاة فيه، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣)، ولا حجة في الحديث الأول؛ لأنه ﷺ إنما حضهن على صدقة التطوع. فقال: "تصدقوا" ولو كان ذلك واجبًا لما قال: "ولو مِنْ حُليِّكن" (٤)، ومما يرد قوله أنه لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار، فدل أنه تطوع. وأيضًا هو كالأثاث، وليس كالرقة. وهذا إجماع أهل المدينة، وذكر مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها -يتامى كن في حجرها- لهن الحلي ولا تخرج منه الزكاة، وكان يفعله ابن عمر (٥).
وأما حديث أسماء قد أخرجه مسلم أيضًا (٦). فإنما سألته عن الصدقة، وقالت يا رسول الله: ما لي إلا ما أدخل على الزبير. أفأتصدق؟ قَالَ: "تصدقي ولَا تُوكِي فَيُوكِي الله عَلَيْكِ". والمعنى: لا توكي مالكِ عن الصدقة، ولا تتصدقين خشية نفاده، وتدخريه فيوكي الله عليك أي: يمنعكِ. ويقطع مادة الرزق عنكِ، و (توكي) بالتاء لأنه خطاب للمؤنث، فسقطت النون للنهي فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه، ويمنعه من البركة في ماله، والنماء فيه.
стр. 5779
والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به (١).
قَالَ ابن فارس: وهو البخل (٢).
وهذا محمول على ما إذا أعطاه صاحب البيت نصيبًا لها. وقيل: إنَّ صاحب البيت إذا دخل بالشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضًا إلى ربة المنزل، فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت. فكأنه قال: إذا كان الشيء مفوضًا إليكِ فاقتصري على قدر الحاجة للنفقة، وتصدقي بالباقي منه.
وقوله: "ولا تُحصي" الإحصاء للشيء معرفة قدره، أو وزنه، أو عدده، وهذا مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، أي: يمنعكِ كما منعتِ. كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل: معناه لا تحصي ما تعطين فتستكثريه. فيكون سببًا لانقطاعه، ويحتمل أن يراد بالإحصاء ونحوه عدده، خوف أن تزول البركة منه. كما قالت عائشة: حَتَّى كِلناه ففني.
ورجحه بعضهم، وقيل عددت ما أنفقته، فنهاها عن ذلك، وجاء أيضًا النفح وهو العطاء ويجوز أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته، إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة. أو من نفحت الريح إذا هبت باردة.
стр. 5780
٢٢ - باب الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ
١٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَي النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "لَا تُوعِي فَيُوعِىَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ". [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث أسماء السالف في الباب قبلَه، وفيه: "لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ".
ومعنى "تُوعِي": تُمْسكي، والوعاء: الظرف يخبأ فيه، يقال منه: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه، قَالَ:
والشرُّ أخبثُ ما أوعيتَ في زادٍ
وقوله ("ارْضَخِي") يقال: رضَخ -بفتح الضاد- يرضخُ رضخًا، وهو العطاء اليسير وقيل: هو أن يعطي يسيرًا من كثير.
стр. 5781
٢٣ - باب الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ
١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ المُنْكَرِ". قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ التِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ. قَالَ: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ.
فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ ﵁. قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث حذيفة، وقد سلف بطوله في باب الصلاة كفارة (١)، ويأتي في الصوم أيضًا (٢)، ونذكر نبذة من الكلام عليه لطول العهد به فـ (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ) يريد: ما يفتن به من صغار الذنوب التي تكفرها الصلاة والصدقة، وما جانسها. وفي ضرب الأمثال في العلم.
وفيه: حجة لسد الذرائع، ويعبر عنه بغلق الباب وفتحه كما عبد عنه حذيفة وعمر، وأن ذلك من المتعارف في الكلام.
وفيه: أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند المعلم المبرز.
стр. 5782
وفيه: أن العالم قد يرمز رمزًا ليفهم المرموز له دون غيره؛ لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس متفهم له، ولا عالم بمعناه.
وفيه: أن الكلام في الحدثان مباح إذا كان في ذلك أثر عن النبوة، وما سوى ذلك ممنوع؛ لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر، وذلك الجزء إنما هو على غلبة الظن لقوله ﷺ : "تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا الجِنَّيّ، فيضيفُ إليها أكْثَرَ مِنْ مِائَة كذْبَةٍ" (١).
وقوله في آخره (حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) الأغلوطة: ما يغلط به عن الشارع، ونَهَى الشارع عن الأغلوطات، وهذا منه.
стр. 5783
٢٤ - باب مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
١٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ". [٢٢٢٠، ٢٥٣٨، مسلم: ٥٩٩٢ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أوَ صِلَةٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ".
الشرح:
قالَ "صاحب المطالع": رواه المروزي (١) أَتَحَنَّتُ بتاء مثناة، وهو غلط من جهة المعنى دون الرواية، والوهم قبل شيوخ البخاري (٢) بدليل قوله في باب: من وصل رحمه: ويقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنث أو أتحنت على الشك، والصحيح الذي رواه الكافةُ بثاء مثلثة. وعن عياض: بالتاء المثناة غلط من جهة المعنى، ويحتمل أن يكون معناه الحانوت؛ لأن العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت، يعني: كنت أتجنب حوانيتهم.
وقال ابن التين: أتَحَنَّث. أي: أتقربُ: إلى الله، وأصلُه إطراح الحنث عن النفس كما تقول: يتأثم. أي: يلقي الإثم عن نفسه،
стр. 5784
وكذلك يتحرج. وقوله: (عتاقة) وذلك أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وفي رواية قَالَ: يا رسول الله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله (١). ففعل ذلك.
وقوله: ("أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلف مِنْ خَيْرٍ") قَالَ المازري: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مُثابًا على طاعاته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، لكنه لا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه، وهو في حين كفره لم يحصل له العلم بالله بعد.
فإذا (قرب) (٢) هذا علم أن الحديث متأول، وهو محتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون المعنى: أنك اكتسبت طباعًا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون العادة تمهيدًا لك، ومعونة على فعل الخير والطاعات.
ثانيها: معناه: اكتسبت بذلك (شيئًا) (٣) جميلًا، فهو باقٍ في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم لك من الأفعال الجميلة. وقد تأولوا في الكافر أنه إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، ولا يبعد أن يزاد هذا في الأجور (٤).
وقال عياض: ببركة ما سبق لك من خير هداك الله إلى الإسلام، فإن
стр. 5785
من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه، وحسن عاقبته (١).
وزعم ابن بطال وغيره أنه على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على إسلامه يثاب على ما فعله من الخير في حالة الكفر، وقال عن بعض أهل العلم: معنى الحديث أن كل مشرك أسلم أنه يكتب له خير عمله مثل إسلامه ولا يكتب عليه شيء من سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك، وإنما كتب له الخير؛ لأنه أراد به وجه الله؛ لأنهم كانوا مقرين بالله تعالى إلا أنهم كان عملهم مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات، ومحا عنهم السيئات كما قَالَ ﷺ : "ثلاثة يُؤْتَونَ أجرَهم مَرَّتين" (٢) أحدهم: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بنبينا (٣). ومما يدل على ذلك أن حديث أبي سعيد الخدري السالف في باب: حسن إسلام المرء من كتاب الإيمان معلقًا عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه (٤). ورواه عبدٍ الله بن وهب عن مالك به (٥).
وذكره الدارقطني في غريب حديث مالك من تسع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه كتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، ولعل حكيمًا لو مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار كما جاء في أبي طالب، وأبي لهب بعتاقته ثويبة.
стр. 5786
قلتُ: لا يقاس.
وقيل: إنه ﷺ وروَّى عن جوابه، فإنه سأله: هل لي فيها أجر؟ يريد ثواب الآخرة، ومعلوم نفيه عنه، فقال له ذلك. والعتق فعل خير، فأراد إنك فعلت خيرًا، والخير يمدح فاعله، وقد يجازى عليه في الدنيا. حكاه ابن الجوزي. وفي مسلم من حديث أنس: "أما الكافِرُ فيُطْعَم بحسناتِهِ في الدنيا، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة" (١)، وروي أن حسنات الكافر إذا أسلم محسوبة له مقبولة، فإن مات على كفره كانت هدرًا. ذكره الخطابي. قَالَ ابن الجوزي: فإن صح هذا كان المعنى: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير.
قلتُ: ومراد الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها المراد في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة وإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم يجب عليه إعادته، وسيأتي إن شاء الله في كتاب العتق اختلاف أهل العلم في عتق المشرك.
واختلف أصحابنا في من أجنب ثم اغتسل ثم أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعضهم فقال يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم. فإذا أسلم صلى بها، وقال القرطبي: الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر. وقال الحربي:
стр. 5787
معنى الحديث: ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم على أن أحوزها لنفسي. قَالَ القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي: هو أشبهها وأولاها (١).
فرع:
طلق امرأته أو أعتق عبده ولم يبن عن مدة، فلا يلزمه ذلك في المشهور من مذهب مالك، وقال المغيرة: يلزمه، فإن حلف بذلك وهو نصراني ثم أسلم فحنث. قال مالك: لا يلزمه، وقال أشهب: نعم. ورُدَّ هذا بقوله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
٢٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. "اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالًا خَلَفًا".
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". [مسلم: ١٠١٠ - فتح: ٣/ ٣٠٤]
ذكر فيه حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، واسمُهُ عبد الرَّحمن: صدوق، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".
أما الآية فقَالَ ابن عباس -فيما حكاه الطبري-: أعطى مما عنده، واتقى ربه، وصدق بالخلف من الله تعالى (١). وقال قتادة: أعطى حق الله، واتقى محارمه التي نهى عنها. وقال الضحاك: زكى واتقى الله (٢).
وقيل: الحسنى: لا إله إلا الله، قاله أبو عبد الرحمن وعطاء والضحاك، وابن عباس في رواية (٣).
وقال مجاهد: بالجنة (٤).
стр. 5791
وقال قتادة: صدّق بموعود الله على نفسه فعمل بذلك الموعود الذي وعده (١). قَالَ الطبري وغيره: والأشبه والأولى قول ابن عباس السالف. قَالَ: وإنما قلتُ ذلك؛ لأنه سياق الآية، وذكر أن هذِه الآية نزلت في الصديق كان اشترى نسمًا كانوا في أيدي المشركين فنزلت إلى آخر السورة، ورُوي أنها نزلت في رجل ابتاع نخلة كانت على حائط أيتام، فكان يمنعهم أكل ما سقط منها فابتاعها رجل منه، وتصدق بها عليهم، وأما الحديث فهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٢) [سبأ: ٣٩] ولقوله: "ابن آدم أنفق أنُفِقْ عليك" (٣)، وهذا يعم الواجب والمندوب، والممسك يريد به: عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء، اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها وإن قلَّتْ في أنفسها كالحبة واللقمة، وما شابههما فقد يتناوله؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذموم عليه وقلما يكون ذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات. إذ لا تطيب نفسه بها.
وفيه: الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض على ما أسلفناه. ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب بدليل قوله ﷺ : "مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبهِ" (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٧] أي للحالة اليسَرى، وسمى العمل بما يرضاه الله تعالى منه في الدنيا ليوجب به الجنة في الآخرة.
стр. 5792
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾: فيروى يعني أنه أبو سفيان.
وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى (٩)﴾ أي: كذب بالخلف، عن ابن عباس (١).
وروي عنه أيضًا: بلا إله إلا الله. كما سلف. وقال قتادة: كذب بموعود الله تعالى أن ييسره (٢).
﴿لِلْعُسْرَى﴾. أي: للعمل بالمعاصي. ودلت هذِه الآية أن الرب تعالى هو الموفق للأعمال الحسنة والسيئة كما قَالَ ﷺ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فييسرون لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فييسرون لِعَمَلِ الشَّقَاء" (٣). ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية.
وقال الضحاك: العُسْرى: النار. فإن قلت: التيسير إنما يكون لليسرى، فكيف جاء للعسرى؟ فالجواب أنه مثل قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢١] أي أن ذلك لهم يقوم مقام البشارة.
وقال الفراء (٤): إذا اجتمع خير وشر فوقع للخير تيسير جاز أن يقع للشر مثله. (٥)
стр. 5793
٢٨ - باب مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ". وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَي تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ -أَوْ وَفَرَتْ- عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ". تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتَيْنِ. [١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: "جُنَّتَانِ". وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "جُنَّتَانِ". [انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
ذكر في حديث أبي هريرة من طريق ابن طاوُس، عن أبيه، عنه، ومن طريق أبي الزناد: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ (أَبَا هُرَيْرَةَ) (١) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ .. " الحديث. تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتيْنِ.
وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسِ: "جُنَتَانِ". بالنون، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابن هُرْمُزٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "جُنَّتَانِ".
الشرح:
أما متابعة الحسن فقد أسندها في اللباس عن عبد الله بن محمد، عن
стр. 5794
أبي عامر، عن نافع، عنه (١). وأخرجها العدني في "مسنده" عن ابن جريج عن الحسن عن طاوس عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ "يُوَسِّعُهَا فلَا تتَوَسَّع" مرتين. ومتابعة حنظلة، وهو ابن أبي سفيان. ذكرها أيضًا في اللباس معلقة (٢).
وقوله: (وقال الليث: حَدَّثَني جعفر) كذا ذكرها معلقة. وكذا ذكر أبو مسعود وخلف أنه علقه أيضًا في الصلاة. وروى العدني محمد بن أبي عمر في "مسنده" عن سفيان عن أبي الزناد به. وأخرجه مسلم بألفاظ (٣)، ومن حديث عمرو الناقد عن ابن عيينة: "مثل المنفق والمصدق كمثل رجل .. " الحديث، وفيه: "فإذا أراد المنفق أن يتصدق سبغت عليه أو مرت، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت" (٤).
قَالَ عياض (٥): إنه وهم، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: "مثلُ البخيلِ والمتصدق" والتقسيم آخر الحديث بين ذلك. وقد يحتمل أن تكون على وجهها، وفيها محذوف مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما، -وهو البخيل- حذف لدلالة المنفق والمتصدق عليه كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أي: والبرد. فحذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. ووقع في بعض الروايات: "والمصدق". وفي أخرى: "والمتصدق" (٦)، وفي أخرى: حذف التاء وتشديد الصاد. وكلاهما صحيح.
стр. 5795
وقوله: "كمثل رجلين" وفي رواية مسلم: "كمثل رجل" (١) بالإفراد.
وكأنه تغيير من بعض الرواة.
وقوله: "جُبّتَانِ" روي كما سلف بالباء والنون. وفي رواية: "جبتان أو جنتان" (٢) وكلا الوصفين يصح أن يمثل به. والأفصح بالنون: وهو ما يتستر به الإنسان فيجنه، وكذا قَالَ صاحب "المطالع" وغيره أن النون أصوب، وهو الدرع. يدل عليه قوله في الحديث "لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ".
وفي لفظ: "وأخذتْ كُلُّ حَلْقَةٍ موضِعَها" (٣). وكذا قوله: "من حديد".
وقوله: "من ثُدِيِّهِمَا" قَالَ ابن التين: كذا في رواية أبي الحسن.
وضبطه بعضهم بضم الثاء، ويصح أن يكون بنصبها. وعند أبي ذر "ثَدْيَيْهما" ولا يكون إلا بنصب الثاء. قَالَ ابن فارس: والثَّدي -بالفتح- للمرأة، والجمع الثدى، يذكر ويؤنث. وثُندؤة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فُتح لم يهمز. ويقال: هو طرف الثدي (٤). فانظر على هذا كيف قَالَ: "ثديهما"، وهو قد قَالَ: "كمثل رجلين؟ " وقال الجوهري: الثدي للمرأة والرجل، والجمع أثدٍ وثدى على فعول، وثِدى بكسر الثاء (٥).
وقوله: "إِلَي تَرَاقِيهِمَا" الترقوة، قَالَ الخليل: هي فعلوة وهو عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. والتراقي جمع ترقوة. وهذا يشهد لرواية أبي الحسن أن ثديهما بالضم لتجانس اللفظ. وقد يكون قد
стр. 5796
جمع الثدي والترقوة. ولأنهن جمع؛ لأن في كل واحد منها ثديين، كالعينين، لا تقول في الرجلين: عيناهما حسنتان. إنما تقول: عيونهما. بخلاف أن يكون في كل واحد منهما شيء واحد. فهذا إذا ثنيت جاز لك ثلاثة أوجه: الإفراد، والجمع، والتثنية. ونعني بذلك الأصل الذي هما عليه.
وقوله: "سبغت" أو "وفرت" كذا بخط الدمياطي: "وفرت" وكذا هو في شرح ابن التين، وابن بطال (١)، وفي بعضها "مرت" (٢) بالميم.
قَالَ النووي (٣): وصوابه في مسلم: "مُدَّتْ" بالدال بمعنى سبغت كما في الحديث الآخر: "انبسطت" (٤) لكنه قد يصح "مرت" على هذا المعنى. والسابغ: الكامل. وفي بعض نسخ البخاري: "مادت" بدال مخففة من ماد: إذا مال. ورواه بعضهم "مارت" أي: سالت عليه وانقلبت.
وقال الأزهري (٥): معناه ترددت، وذهبت، وجاءت بكمالها. وسبغت أي امتدت وطالت. وعند ابن طريف: هو شيء طال من فوق إلى أسفل سبوغًا، ألا ترى: سبع الثوب، يسبغ: اتسع. غيره: سبغت النعمة: سترت. وضبطه الأصيلي بضم الباء، وهو شيء لا يعُرف.
ولما ذكره ابن التين كما سلف شك -يعني الراوي- أيهما قال، ومعناهما واحد، فهو إذ أنفق طال ذلك اللباس. وحقيقة المعنى أن
стр. 5797
الجواد تطاوعه يده في (النفقة) (١) إذا أعطى، وينمى ماله، ويستر بها من قرنه إلى قدمه. والبخيل تنقبض يده فدرعه عليه ثقل ووبال بالوقاية. وإليه أشير في قوله: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله: "حَتَّى تُخفِي بنانه" ورواه الخطابي: "حَتَّى تجن بنانه" أي: تسترها. جن، وأجن بمعنى، وروي "تحز" -بحاء وزاي- وهو وهم. قَالَ النووي: والصواب: "تجن" -بجيم ونون- أي تستره. ومنه رواية بعضهم "ثيابه" بثاء مثلثة، وهو وهم، والصواب "بنانه" بالنون، وهي رواية الجمهور كما في الحديث الآخر "أنامله" (٢).
وقوله: "ويعفو أثره" أي كما يعفي الثوب الذي يجر الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه، كذلك تُذهب الصدقة خطاياه فتمحوها.
وقوله -في البخيل-: "لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا" ويروى: لزمت أي: ضُيقت عليه. ولزمت بجلده فهي تؤذيه بمعنى أنها تحمى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. ولزق مثل لصق.
وقال النووي: معنى "تعفو أثره": تمحو أثر مشيه، تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، ويعود ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له.
وقيل: معنى "تمحو أثره" أي: تذهب بخطاياه وتمحوها. وهذا مثل ضربه الشارع للبخيل والجواد. وذلك أن الدرع أول ما تلبس تقع على
стр. 5798
الصدور والثديين إلى أن يدخل اللابس يديه في كميه، فجعل مثل المنفق مثل من يلبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حَتَّى سبغت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حَتَّى تعفو أثره" أي: تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كرجل غلت يداه إلى عنقه، فلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه. وهو معنى "قلصت" أي: تضامت واجتمعت. والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، والبخيل إذا حدث نفسه بها ضاق صدره، وانقبضت يده.
وقال المهلب: معناه أن الله تعالى ينمي مال المتصدق ويستره ببركته من قرنه إلى قدمه، وجميع عوراته في الدنيا، والأجر في الآخرة.
والبخيل ماله لا يمتد عليه، فلا يستر من عوراته شيئًا حَتَّى يبدو للناس منكشفًا مفتضحًا في الدنيا والآخرة، كمن يلبس جبة تبلغ إلى ثدييه لا تجاوز قلبه الذي يأمره بالامتثال (١).
стр. 5799
٢٩ - باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] [فتح ٣/ ٣٠٧]
اقتصر البخاري ﵀ على هذِه الآية، ولم يذكر فيها حديثًا. والمعنى أي: من طيب أموالكم وأنفسها. قاله ابن عباس (١). وقال مجاهد: من التجارة الحلال (٢).
وقال علي: نزلت في الزكاة المفروضة، يقول: تصدقوا من أطيب أموالكم (وأنفسها) (٣)(٤).
وذكر أبو جعفر النحاس في سبب نزولها حديثًا أسنده عن البراء قَالَ: كانوا يجيئون في الصدقات بأردأ تمرهم، وأردأ طعامهم، فنزلت هذِه الآية إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو كان لكم فأعطاكم لم تأخذوه إلا وأنتم ترون أنه قد نقصكم من حقكم (٥). وهذا قول الصحابة والعلماء.
وقال ابن زيد: المعنى: لا تنفقوا من الحرام، وتدعوا الحلال (٦).
وقال عبد الله بن معقل: ليس في مال المؤمن خبيث، ولكن ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا
стр. 5800
الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ لا يتصدق بالحشف، ولا بالدرهم الزَّيف، ولا بما لا خير فيه (١). ومعنى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: لا تقصدوا وتعمَّدوا. وفي قراءة عبد الله: (ولا تؤمّوا) من أممت. والمعنى سواء.
وقال البراء: نزلت في الأنصار، كانت إذا كان جداد النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر فعلقوه على حبل بين الأسطونتين في مسجد رسول الله ﷺ ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر بظن جوازه، فأنزل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) واستدرك الحاكم لزكاة التجارة من حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: "في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته" استدركه بإسنادين صحيحين، وقال: هما على شرط الشيخين (٣).
والبَز بفتح الباء وبالزاي، كذا رواه. وصرح بالزاي الدارقطني، والبيهقي (٤).
стр. 5801
٣٠ - باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ". فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ". [٦٦٠٢ - مسلم: ١٠٠٨ - فتح: ٣/ ٣٠٧]
ذكر فيه حديث سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ". قالوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ" .. الحديث.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأطلق الصدقة هنا وبينها في حديث أبي هريرة بقوله: "في كلِّ يَوْم"، وأن ظاهره الوجوب، لكن خففه عنا الرب ﷻ حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطًا له. وهو مثل قوله ﷺ : "عَلَى كُلِّ سُلامَى صدَقَةٌ" (٢) أي على وجه الندب. والملهوف يُطلق على المضطر، وعلى المتحير، وعلى المظلوم.
قوله: "وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ" وذلك [أنه] (٣) إذا أمسك شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة. فإن كان شرًّا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم.
стр. 5802
ومقصود الباب أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. ولا شك أن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل، ولن يتقرب المتقربون بأفضل بما افترضه عليهم كما أخبر به الرب ﷻ في هذا "الصحيح" من حديث أبي هريرة كما سيأتي (١).
وقال بعضهم (٢): إن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل بسبعين (٣) درجة.
стр. 5803
٣١ - باب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: بُعِثَ إِلَي نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَي عَائِشَةَ ﵂، مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ". فَقُلْتُ: لَا، إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ: "هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا". [١٤٩٤، ٢٥٧٩ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَي عَائِشَةَ منها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ". فقالت: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: "هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
الشرح:
أم عطية هي نسيبة المبعوث إليها بالشاة، وكأنها عنت نفسها. ويكون قولها (بُعِثَ) بباء موحدة مضمومة ثم عين مكسورة وفتح الثاء. وقد جاء في موضع آخر عن أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي رسول الله ﷺ بشاةٍ من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها .. الحديث (١).
وتوهم ابن التين أنها غيرها فقال: تقدم عن أبي الحسن أن أم عطية اسمها أيضًا نسيبة. وكأن البخاري أراد بمقدار الشاة هو الذي يعطى في الزكاة. وأنه يجوز أن تتصدق من مالها بشاة كاملة.
وقد اختلف العلماء في قدر ما يجوز أن يعطى الإنسان من الزكاة:
стр. 5804
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره أن يدفع إلى شخص واحد بمائتي درهم فصاعدًا، وإن دفع أجزأ، ولا بأس أن يدفع أقل من ذلك. وقال محمد: وإن يُغْنَى به إنسان أحب إليَّ (١). وقال ابن حبيب: لا بأس أن يعطي من زكاة غنمه للرجل شاة، ولأهل البيت شاتين والثلاث. وإذا كثرت الحاجة فلا بأس أن يجمع بين النفر في الشاة (٢).
وذكر ابن القصار عن مالك أنه قَالَ: يعطى الفقير من الزكاة قدر كفايته وكفاية عياله، ولم يبين مقدار ذلك لمدة معلومة. وعندي أنه يجوزأن يعطيه ما يغنيه حَتَّى يجب عليه ما يزكي.
قَالَ ابن بطال: قد بين المدة في رواية علي، وابن نافع عنه في "المجموعة": قَالَ مالك: يعطى الفقير قوت سنة، ثم يزيد في الكسوة بقدر ما يرى من حاجته. وقال المغيرة: لا بأس أن يعطيه من الزكاة أقل مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة. وروى عنه علي أن ذلك لاجتهاد الوالي (٣). وقال الثوري وأحمد: لا يُعطى من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا إلا أن يكون غارمًا (٤). وقال الشافعي: يعطى من الزكاة حَتَّى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة (٥)، ولا بأس أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك؛ لأنه لا يجب عليه الزكاة إلا بمرور الحول، وهو قول أبي ثور (٦).
стр. 5805
وعنه قول: أنه يعطى كفاية سنة، وصححه من المتأخرين الرافعي (١). وقد روي أن النبي ﷺ أعطى الأنصار في دية عبد الله بن سهل مائة من الإبل (٢).
واشترى أبو زرارة أمةً من الصدقة وأعتقها، وأعطاها مائة شاة.
واستجاز قوم من حديث عبد الله بن سهل أن يعطى المسكين في المرة الواحدة مائة من الإبل.
وقال محمد بن عبد الله قاضي البصرة: يعطى من الصدقة أكثر ما تجب فيه الزكاة.
وقوله: "مَحِلَّهَا" أي قد صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية كذا شرحه ابن بطال (٣)، وهذا مثل قوله: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلنَا هَدِيةٌ" (٤) في لحم بَرِيرة التي أهدته لعائشة، وقد ترجم لهذا الباب بعد هذا باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ، وضبط محلها بكسر الحاء (٥) الدمياطي في أصله، وتبعه شيخنا علاء الدين، فقال في شرحه: محلها بكسر الحاء، أي: موضع الحلول والاستقرار، يعني: أنه قد حصل المقصود منها من ثواب التصدق ثم صارت ملكًا لمن وصلت إليه.
وفي الحديث دلالة أن الحاج لا ينقص من فضله أخذ الصدقة، وأن
стр. 5806
خبر الواحد يقبل، وأن المتصدق عليه إذا أهدى لمن لا يجوز له الأخذ جاز له أخذها؛ لقوله: "هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
وفيه دليل لمن يقول أن لحم الأضحية إذا قبضه المتصدق عليه وسائر الصدقات يجوز للقابض التصرف فيه بالبيع.
وفيه أنها تحل لمن أهداها إليه أو ملكها بطريق آخر، وقال بعض المالكية: لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها، وعلله القرطبي بأن أصل مشروعية الأضحية ألا يباع منها شيء مطلقًا (١)، وأصح القولين جوازه.
стр. 5807
٣٢ - باب زَكَاةِ الوَرِقِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا عَندُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْروٌ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبي سَعِيدِ ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بهذا. [١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣١٠]
وذكر فيه حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: " .. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ .. ".
وقد سلف في باب ما أدي زكاته فليس بكنز (١)، ثم ذكره من طريق آخر عنه مع الكلام عليه واضحًا (٢). وظاهره نفي الزكاة عما دون ذلك، وإيجابها في ذلك المقدار، وما زاد فبحسابه؛ لأن النص الصحيح لما عدم في تحديد الزائد تعلق الوجوب به، ويروى هذا عن علي، وابن عمر، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، والليث، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور ومن سلف هناك.
وما أسلفناه عن أبي حنيفة هناك روي عن عمر رواه الليث عن يحيى ابن أيوب، عن حميد، عن أنس، عنه، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، وابن شهاب (٣)، واحتجوا بحديث عبادة بن نسي، عن معاذ: أنه ﷺ لما بعثه إلى
стр. 5808
اليمن أمره ألا يأخذ من الكسور شيئًا، إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منه خمسة دراهم. ولا يأخذ ما زاد حَتَّى يبلغ أربعين (١). قَالَ الطبري: عليهم من طريق النظر القياس على أوقاص البقر، وما بين الفريضتين في الإبل والغنم أنه لا شيء في ذلك. فالواجب أن يكون كذلك كل ما وجبت فيه الصدقة [أن لا] (٢) يكون بين الفريضتين غير الفرض الأول، وأجاب الأولون عن حديث معاذ بأنه منقطع، عبادة لم يسمع منه (٣). ورواه أبو العطاف، وهو متروكُ الحديثِ (٤).
وعليهم من طريق النظر القياس على الحبوب والثمار، وأن الذهبَ والفضة مغيبان مستخرجان من الأرض بكلفة ومؤنة، ولا خلاف بين الجميع أن ما زاد على خمسة أوسق من الحبِّ، وما توصل إليه بمثل ذلك من التمر والزبيب فيه الصدقة بحساب ذلك، فالواجب قياسًا أن يكون مثله كلَّ مَا وجبت فيه بما استخرج من الأرض بكلفة ومؤنة، وهذا القول هو الصواب، وما لا مشقة في أوقاصه يخرج بخلاف غيره كالماشية، وقياسهم فاسد فيما يروى عن أبي حنيفة في خمسين من البقر مسنة وربع.
وساق عن ابن عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ أن رَسُولَ الله ﷺ لَصلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِع النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَ أَنْ يَتَصَدَّقنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وإلَى حَلْقِهِ.
الشرح:
أما أثر معاذ فأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس قال معاذ: ائتوني بخميص … الحديث. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم، عن طاوس أن معاذًا كان يأخذ العروض في الصدقة (١). وهذا مرسلٌ؛ طاوس لم يدرك معاذًا كما نص عليه الدارقطني وغيره (٢).
وقال البيهقي: كذا قال إبراهيم بن ميسرة، وخالفه عمرو بن دينار، عن طاوس: فقال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، قال: وقال الإسماعيلي: حديث طاوس عن معاذ إذا كان مرسلًا لا حجة، وقد قال بعضهم فيه: من الجزية، بدل: الصدقة.
قال البيهقي: وهذا الأليق بمعاذ، والأشبه بما أمره النبي ﷺ به من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار وعدله معافر ثياب اليمن في الجزية، وأن ترد الصدقات على فقرائهم [لا] (٣) أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فَيء لا أهل صدقة (٤).
стр. 5811
قال الإسماعيلي: حديث طاوس لو كان صحيحًا لوجب ذكره؛ لينتهى إليه، وإن كان مرسلًا فلا حجة فيه، وقد يقول: ائتوني به آخذه مكان الشعير والذرة الذي أخذه شراء بما أخذه، فيكون بأخذه قد بلغت محله، ثم يأخذه مكان ما يشتريه بما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ، ولو كانت هذِه من الزكاة لم تكن مردودة على أصحاب النبي بالمدينة دون غيرهم، ولو كان الوجه رده عليهم، وقد قال له ﷺ : "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (١).
وقوله: (خميص) كذا هو بالصاد، قال صاحب "المطالع": كذا ذكره البخاري، وأبو عبيد وغيره يقولونه بالسين، ويقال له أيضًا: خموس، وهو الثوب الذي طوله خمسة أذرع، كأنه يعني الصغير من الثياب، وقال أبو عمرو الشيباني: أول من عملها باليمن ملك يقال له: الخميس (٢)، وقد يكون بالصاد من الخميصة، ولا وجه له، وإن صحت الرواية بالصاد فيكون مذكر الخميصة، فاستعارها في الثوب، وذكره ابن التين أولًا بالسين، ثم قال: ووقع في بعض الأمهات بالصاد، ولا وجه له إلا أن يكون أراد خميصة.
وقال ابن بطال: وقع هنا بالصاد، والصواب بالسين، كذا فسره أبو عبيد وأهل اللغة، قال صاحب "العين": (الخميسي والمخموس) (٣) ثوب طوله خمس أذرع، وذكره أبو عبيد عن الأصمعي (٤).
وقال صاحب "المغيث": الخميس: الثوب المخموس الذي طوله
стр. 5812
خمس (١)، قال ابن فارس وغيره: وكأن معاذًا أراد أنه بمعنى الصغير من الثياب (٢)، وقال في "مجمع الغرائب": أول من عمله ملك يقال له: الخمس، قال الطبري: وقولهم: مخموس فيه ما يدل أنه مما جاء مجيء ما يصرف من الأشياء التي أصلها مفعول إلى فعيل مثل: جريح وقتيل، أصله: مجروح ومقتول.
وقوله: (أو لبيس) يريد: أو ملبوس، كما قال ابن التين: مثل: قتيل ومقتول، ولو كان أراد الاسم لقال: لبوس؛ لأن اللبوس: كل ما يلبس من ثياب ودرع.
وحديث: ("وأما خالد") فقد وصله وسيأتي عن قريب (٣)، قال الإسماعيلي: إذا احتبسها: جعلها حبسًا، وإذا جعلها حبسًا وأعيانها لا زكاة فيه سقطت الزكاة عنها فهذا لا يتصل بأخذ العرض في فرض الزكاة. قُلْتُ: كأن البخاري ترجم لزكاة العرض وأخذ الفرض، فذكر دليل الأول مرة والآخر أخرى.
وقوله: (وأعتده) (٤) هو بالتاء وبالباء كما ستعلمه في موضعه والأول أصح.
وحديث: "تصدقن" سلف في العيد وغيره مسندًا (٥). وقال الإسماعيلي: هذا حث على الصدقة، ولو (لمن نفس مال) (٦)، وليس في ذَلِكَ فرض،
стр. 5813
فلو كان من الفرض لقيل: أدّين صدقة أموالكن، إلا أن يشار إلى ما منه يتصدقن لنفاسته عليهن أو قريب متناوله منهن، والله أعلم.
قال: وما ذكره في الباب يؤخذ كذا وكذا، فليس ذَلِكَ أخذ عرض عن عين، بل الموجب فيها حال الوجود كذا، وفي حال عدمه في إبله كذا، فهو كأخذ شاة عن خمس من الإبل لا يقال: إنه أخذ عرضًا عن زكاة ولكن ذاك هو الموجب عليه، وكذلك الموجب في حال كذا وفي حال كذا فخالف الأول.
وحديث ثمامة عن أنس في كتاب الصديق فرقه البخاري في عشرة مواضع من هذا "الصحيح" كما ستراه (١)، ولا عبرة بمن طعن في اتصاله، فقد صححه الأئمة، قال الحاكم في "مستدركه": وهو صحيح على شرط مسلم، وأوضحه (٢).
وقال البخاري في كتاب الجهاد عن أنس: إن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين وكتب له هذا الكتاب وختمه بخاتم النبي ﷺ (٣)، قال الحاكم: وتفرد البخاري بإخراجه من وجه علا فيه عن الأنصاري عن
стр. 5814
ثمامة، وحديث حماد بن سلمة عن ثمامة، وحديث حماد أصح وأشفى وأتم من حديث الأنصاري (١).
وقال الميموني: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن حديث حماد، عن ثمامة فقال: لا أعلم في الصدقات حديثًا أحسن منه، إلا أن عفان يقول عن حماد: سمعت من ثمامة، وأبو كامل عن حماد: دفع إلى ثمامة كتابه، قيل: فأي حديث أحسن في الصدقة؟ فقال: حديث حماد وعمرو بن حزم.
وقال مرة في حديث عمرو: أرجو أن يكون صحيحًا.
وخرجه في "مسنده" (٢) عن الحكم بن موسى عنه، وقال إمامنا الشافعي فيما نقله عنه البيهقي: حديث أنس حديث ثابت عن رسول الله ﷺ من جهة حماد وغيره وبه نأخذ ولمَّا ذكره البيهقي في "المعرفة"، من حديث حماد قال: تعلق به بعض من ادعى المعرفة بالآثار فقال: هذا حديث منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، وأنتم لا تجعلون عبد الله حجة، ولم يعلم أن موسى بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة، قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة، عن أنس أن أبا بكر كتب له، وكذا رواه شريح بن النعمان، عن حماد، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر .. الحديث.
قال البيهقي: وقد رواه ابن المنذر في كتابه محتجًا به، ورواه
стр. 5815
إسحاق بن راهويه وهو إمام عصره عن النضر بن شميل، وهو متفق عليه في العدالة والإتقان والتقدم، فقال: حَدَّثَنَا حماد قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله يحكيه عن أنس، عن رسول الله ﷺ (١)، وقال الدارقطني: إسناد صحيح، وكلهم ثقات (٢).
قال البيهقي: وقد اعتمد محمد -يعني: البخاري- على عبد الله بن المثنى لكثرة الشواهد لحديثه هذا بالصحة (٣)، وقال الدارقطني: رواه محمد بن مصفي، عن نعيم [بن] (٤) حماد، عن المعتمر، عن أبيه، عن أنس، عن أبي بكر، عن النبي ﷺ ، وروي عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس نحو قول ثمامة (٥).
وقال ابن حزم: هذا الحديث لا يصح في الماشية غيره، إلا خبر ابن عمر وليس بقائم، وحديث ثمامة في نهاية الصحة وعمل أبي بكر بحضرة الصحابة، ولا يعرف منهم مخالف، رواه عن أنس ثمامة، وهو ثقة سمعه من أنس، وعن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد الله بن المثنى، وكلاهما ثقة إمام، وعن ابن المثنى ابنه محمد، وهو مشهور ثقة، وعنه البخاري، وأبو قلابة والناس، ورواه عن حماد يونس، وشريح، والتبوذكي، وأبو كامل المظفر بن مدرك، وغيرهم، وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور (٦).