← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التوضيح لشرح الجامع الصحيح تصنيف سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن المُلقّن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بإشراف: خالد الرباط - جمعة فتحي تقديم: فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بجامعة الأزهر إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2

فريق العمل في تحقيق وإخراج كتاب التوضيح في دار الفلاح - الفَيُّوم بإشراف: خالد محمود الرباط جمعه فتحى عبد الحليم التحقيق والمقابلة والتعليق وائل إمام عبد الفتاح أحمد فوزي إبراهيم حسام كمال توفيق خالد مصطفى توفيق عصام حمدي محمد عبد الله أحمد فؤاد ربيع محمد عوض الله أحمد روبي عبد العظيم أحمد عويس جنيد هاني رمضان هاشم محمد زكريا يوسف - سامح محمد عيد - سعيد عزت عيد عادل أحمد محمود - طه مصطفى أمين - عماد مصطفى أمين محمد عبد الفتاح علي - محمد أحمد عبد التواب - مصطفى عبد الحميد الإصلابي

стр. 3

تقدير وعرفان إلي سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر السيد فيصل بن عبد الله بن زايد آل محمود وفضيلة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بجامعة الأزهر على توجيهاته النافعة وما أولاه من اهتمام لهذا الكتاب دار الفلاح

стр. 4

إهداء * إلى روح والدي الشيخ محمود علي الرباط ﵀ * وإلى فضيله الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم حفظه الله سائلا المولى أن يجزيهما عنا خير الجزاء خالد محمود الرباط

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إن الحمد لله نحمده ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونصلى ونسلم على صفوته من خلقه وخاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: فإن الأمم الواعيه هى التي تعرف قيمه تراث أسلافها وتدرك أن حاضرها لا يمكن أن ينهض إلا على أساس من مخزون ثقافتها وفكر أئمتها. ومن أجل هذا تعمل وزاره الأوقاف والشؤون الإسلاميه جهدها على المشاركه في إحياء هذا التراث وتقديمه إلى العلماء وإتاحته للباحثين. والحمد لله على توفيقه فقد وقع ما قدمته الوزاره من ذخائر وما أخرجته من أمهات المراجع والمصادر، وقع موقع الرضا والإكبار من أهل الشأن والإختصاص وذوى الرأى من كبار العلماء والمفتين. وهذا من فضل الله علينا وحسن توفيقه. واليوم نقدم هذا الكتاب الجليل الكبير: (التوضيح لشرح الجامع الصحيح) لسراج الدين بن الملقن. وهو كتاب كبير بحجمه الذي بلغ ستهً وثلاثين مجلدًا وكبير بمؤلفه ومنزلته ومكانته وإمامته في فنه وكبير بموضوعه فهو شرح لصحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله. ونحن تقدم هذا الكتاب نسأل الله سبحانه أن ينال من الرضا والقبول ما نالته أعمالنا السابقه وإليه -جلّ وعلا - نضرع أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم وأن يديم توفيقنا وأن يهبنا من حوله وقوته فإنه لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين فيصل بن عبد الله آل محمود وزير الأوقاف والشؤون الإسلاميه رئيس مجلس إداره الهيئه القطريه للأوقاف دوله قطر

стр. 6

لجنة إحياء التراث الإسلامي إدارة الشؤون الإسلامية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة لجنة إحياء التراث الإسلامي الحمد لله وكفى وسلام على رسوله الذي اصطفى وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فإن كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) جاء حافلًا بالفوائد والفرائد وبخاصة في النصف الأول منه. والكتاب يطبع لأول مرة حيث تولي الوزارة اهتمامًا كبيرًا بالمخطوطات وتحقيقها سعيًا لاستكمال المكتبة الإسلامية ولا تخفى أهمية شروح الحديث النبوي الشريف في توضيح المعاني واستنباط الأحكام وإزالة للإشكال ورفع اللَّبس وقد قام خبراء الوزارة بفحص الكتاب والثناء على عمل المحققين وتوجيه النصح حيثما لزم. وقد أشرف على تحقيقة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بالأزهر فأجاد وأفاد فله الشكر منّا والأجر من الله تعالى. وكلنا أمل أن يحظى الكتاب بما يستحق من عناية العلماء والباحثين وطلبة العلم وأن يرفدوا الوزارة بآرائهم واقتراحاتهم للمضيّ قُدمًا في مشروع إحياء التراث الإسلامي والله من وراء المقصد. لجنة إحياء التراث الإسلامي

стр. 7

تقديم بقلم أ. د/ أحمد معبد عبد الكريم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن من يستعرض الشروح لكتب الحديث المسندة في مظانها من كتب التراجم، أو مصادر بيان المؤلفات الحديثية ومصادر فهرسة المخطوطات والمطبوعات فسيجد أن شروح صحيح البخاري تعد أكثر من شروح أي كتابٍ آخر من كتب الحديث المسندة، وقد قام أحد الباحثين المعاصرين وهو الشيخ محمد عصام عرار الحسيني بجمع ما تيسر له من الشروح والتعليقات على صحيح البخاري فبلغ ما ذكره (٣٧٥) مؤلفا، وذلك في كتاب له بعنوان "إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري" (طبع للمرة الأولى سنة ١٤٠٧ هـ ط دار اليمامة للطبع والنشر- لبنان- بيروت). ومن يستعرض ما طُبع من هذِه الشروح والتعليقات فسيجد عددا غير

стр. 8

قليل، لكن سيجد أن ما طُبعَ محققا تحقيقا علميا موثقا يُعد نادِرًا، ولهذا فإنه عندما عرض عليَّ الأخ الأستاذ خالد الرباط نماذج من تحقيقه هو وزملائه لهذا الشرح، أرشدته إلى بعض الأمور التي ينبغي أن يُعتنى بها، ثم أتموا تحقيقه والتعليق عليه، فسررتُ بذلك؛ لأنه يُعد إضافة جديدة تدعم هذا العدد النادر من شروح هذا الجامع الصحيح المطبوعة بعد تحقيقها تحقيقًا علميا موثقًا. وأعني بالتحقيق العلمي الموثق باختصار: أنه الذي يعتمد فيه على أكبر قدر ممكن من النسخ الخطية الموثقة للكتاب، مع الإعتناء بتوثيق نصوصه بالعزو إلى المصادر الأصلية لتلك النصوص أو المصادر الوسيطة عند افتقاد الأصلية، ثم التعليق المفيد على ما يحتاج إلى توضيح أو تصويب. كما يُعتنى فيه بالفهارس المتعددة التي ترشد القارئ إلى أكبر قدر ممكن من محتويات الكتاب. وقد طلب مني الأخ خالد الرباط كتابة تقديم لهذا الشرح، مع ما يعرفه من ضيق وقتي وشواغلي، مما جعله يصبر عليَّ فترة ليست قصيرة، فيسَّر الله تعالى لي بعض الوقت لكتابة هذِه السطور المتواضعة، بعد أن نظرتُ في عدد من أجزاء الكتاب، واطلعتُ على عملهم فيه. وقد كنتُ أعلم أن الكتاب وُزِّعَ تحقيقه على عدد من الرسائل الجامعية بقسم الكتاب والسُّنَّة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونُشرت فعلا إحدى الرسائل في مجلد عام ١٤١٨ هـ، دراسة وتحقيق أحمد حاج محمد عثمان، طبع المكتبة المكية ومؤسسة الريان- بيروت- لبنان. أما بقية الرسائل فلم تُطبع حتى الآن حسب علمي، والاطلاع عليها

стр. 9

محدود، وغير متيسر إلا بمكةَ، وفي مكتبة الدراسات العليا، كما هو معلوم. وعندما راجعت القسم المطبوع المشار إليه، وقارنتُ بينه وبين الأجزاء التي قدمها لي الأخ خالد، لاحظتُ أنَّ العمل لا يقل عنه تحقيقا وتوثيقًا، وبالجملة فإنَّ عملَهم لا يقل عن مستوى الرسائل الجامعية، وأحب أن أشير أنني وجدتُ أن أحد النسخ الخطية للكتاب وهي نسخة حلب التي نُقلت حاليا إلى مكتبة الأسد بدمشق، لم يعتمد عليها الأخ أحمد حاج في القسم الذي حققه، كما صرَّح بذلك في مقدمة بحثه، في حين ذكر لي الأخ خالد الرباط أنه رغم صعوبة هذِه النسخة فإنهم اعتبروها الأصل لما لها من مميزات عن غيرها، واعتنوا بها في المواضع المشتركة مع باقي النسخ، لكنني مع ذلك أشرتُ عليه ببعض جوانب يسيرة في الأجزاء التي اطلعتُ عليها سواءً في تحرير النص، أو توثيقه بالتخريج. أما بالنسبة للكتاب، فسبحان الله؛ فإن ما عده الحافظ ابن حجر مغمزًا في هذا الشرح في وقته، أصبحنا الآن في وقتنا نراه ميزةً مهمة، فقد ذكر ابن حجر ﵀ أن شيخه المؤلف اعتمد في هذا الشرح على شيخيه القطب الحلبي ومغلطاي، وزاد فيه قليلًا، وقال أيضًا: إنه جمع النصف الأول من عدة شروح، وأما النصف الثاني، فلم يتجاوز النقل من شرحي ابن بطال وابن التين، والمعنيون بفهارس المخطوطات في العالم حتى اليوم يعلمون أن شرحي قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي ومغلطاي بن قليج، لصحيح البخاري لا يوجد منهما في تلك الفهارس إلا بعض القطع اليسيرة، أما شرح ابن التين فلا يُعرف وجود شيء من نسخه كليةً. وبالتالي يصبح ما حفظه الإمام ابن الملقن من نقول عن هذِه

стр. 10

الشروح الثلاثة ثروة علمية لا تُقدَّر، ويستحق عليها الثناء والترحم عليه. ورحم الله الحافظ ابن حجر فقد كان توافر النُّسخ الخطيَّة لهذِه الشروح وغيرها في مكتبات مصر في أيامه، وعدم تصوره لما تعرضت له خزائن تلك المكتبات من التشتت والضياع والإحراق والنهب بعد ذلك، كل ذلك جعله ينتقد صنيع شيخه في كثرة تلك النقول، بل إنه سجل بنفسه في ترجمة شيخه المؤلف أنه كان له مكتبة خاصة ضخمة وأنه احترق جلها في أواخر حياته، فتغير عقله حزنًا عليها. فلذلك يُعد ما حفظه هذا الشرح من نقول من هذِه الشروح أو من غيرها ميزةً له الآن لا مَغمزًا، بل إن ابن الملقن نفسه عدَّ نقوله هذِه مَفْخرة حرص على تقريرها كما سيأتي. ومما ذكره من مصادره أو عز إليه أثناء الشرح ويُعد الآن مفقودًا جلُّه أو كله: "تاريخ نيسابور" للحاكم، و"سنن أبي علي بن السكن"، و"المختلف فيهم" لابن شاهين، و"الكنى" للنسائي، و"المراسيل" لابن بدر الموصلي، و"الصحابة" للعسكري، و "الأطراف" لأبي مسعود الدمشقي، و"أمالي ابن السمعاني"، و"الناسخ والمنسوخ" للأثرم، و"المبهمات" لابن بشكوال، وشرح كل من القزاز والمهلب بن أبي صفرة للبخاري، و"تاريخ حران" لأبي الثناء حماد، و"الإكليل" للحاكم، و"السيرة" لأحمد بن أبي عاصم النبيل، و"تفسير سُنيد"، و"تفسير ابن مردويه"، و"تفسير عبد بن حميد"، و"تهذيب الآثار" للطبري، و"صحيح الإسماعيلي"، و"مسند أحمد بن منيع"، وغير ذلك. وقد أشار ابن الملقن بنفسه في خاتمة كتابه إلى اعتماده على تلك المصادر بما فيها شرح كل من شيخيه القطب الحلبي ومغلطاي،

стр. 11

واعتزازه بذلك حيث يقول: (واعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أنه نخبة عمر المتقدمين والمتأخرين إلى يومنا هذا، فإني نظرت عليه جل كتب هذا الفن من كل نوع، ولنذكر من كل نوع جملة منها، فنقول: .. ) وساق قائمة طويلة، حتى قال: (ومن المتأخرين: شيخنا قطب الدين عبد الكريم في ستة عشر سفرا، وبعده علاء الدين مغلطاي في تسعة عشر سفرًا صغارا). ثم ذكر أنه هذب كثيرًا من هذِه الكتب بزيادات واستدركات. كما سيأتي في نهايه الكتاب. على أن في مجموع هذا الشرح كغيره ما لا يسلم منه جهد بشر من الخطأ والقصور، والكمال لله وحده. ونسأل الله تعالى للأخ المحقق وزملائه كل توفيق وسداد، وأن يجعل عملهم هذا فاتحة خير تحفز الهمم منهم ومن غيرهم لمواصلة المسيرة في الإحياء الحقيقي لشروح هذا الجامع الصحيح وغيره من الشروح الحديثية للصحيحين والسنن الأربعة وغيرها مما طال انتظاره لجهود المخلصين وخبرة الباحثين. والله الموفق. وكتب أ. د/ أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بجامعه الأزهر

стр. 12

مقدمه التحقيق بقلم / خالد الرباط إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].

стр. 13

وبعد: فإن التفكير في إنجاز الأعمال العظيمة يصحبه شعور النفس باستعظامها، أو شعورها باستصغارها، ولكلا الحالين دواعيه وعواقبه، ولكن الشروع في الإنجاز نفسه ثم مواصلته يحتاج إلى حماسة لا تلهبها إلا حرارة الجُرْأة .. الجُرْأة التي تُخرج الآمال من ظلمات العدم إلى نور الوجود. ولو كان عملنا هذا يدًا سريَّة أو صدقة مَخْفيَّة، لابتدرنا إلى كتمانها، حتى لا تعلم شمالنا ما أنفقتْ يمينُنا، ولكن أبى الله إلا أن يجْعله علانيةً تضيءُ أبصار المنصفين، وتُعْشي أعين الجاحِدين. وإنَّما نُلمح بكلماتٍ قليلة إلى تلك الجهود المبذولة والسنوات المَقْضيَّة التي استغرقها هذا العمل، ولسنا بذلك نعتفي إعجاب المطَّلعين، ولسنا بالعجب مُجاهِرين، ولكنَّا قصدنا من هذِه اللمحة إلى أمرين: أولهما: بيان الإمكانات البحثية التي تمتاز بها مؤسستنا مع ما اعتراها من صعوبات وضغوط تفوق الطاقة، وقد بدأنا بهذا الكتاب منذ ستة أعوام، لم يَقْطعها- نادِرًا- إلا الإنشغال بأعمال أخرى نضطر إليها لتسيير أمور العمل، ثم ما يلبث العمل أن يستمر في طريقه متحديًّا الظروف التي ربما عوَّقت كبريات المؤسسات عن إتمام عملها، كما نرى ونسمع ذلك كثيرًا. ورغم هذِه المثابرة الطويلة، ثم هذا النجاح، الذي كلَّل الله به جهودنا؛ فإننا كنَّا نطمحُ أن نزيد بهاءه بهاءً، وجلاله جلالا، فاعترضنا طريقان: أن نُعجِّلَ للباحثين منفَعته، وأن نؤخرها، فاخترنا تعجيل المنفعة على تأخيرها؛ فإن من الصعب حقًّا الوصول بهذِه

стр. 14

الكتب إلى الصدارة التي تُرضي أهل العلم، وعزاؤنا أنه من أفضل الشروح -التي خرجت- تحقيقًا حتى الآن، إن لم يَكُن أفضلها على الإطلاق. وثانيهما: الإشارة بلمحة وفاء إلى هذِه الثُّلَّة من الباحثين الذين تربَّوا في أكنافِ دار الفلاح، وأُسنِدَ إليهم تحقيق الكتاب، والمتأمل في الأصل الذي عليه الكتاب يعرف حجم ما بذلوه لإخراجه، ليضعوه بين يدي أهل العلم في حُلة رائعة سهلة المنال عذبة المذاق، وقد يبذل الواحد منهم جُهدًا مضنيًا في التحقق من كلمة أو سطر ثم لا يظهر هذا الجهد في حاشية أو تعليق، ولا أدعي أنهم كلهم على درجة عالية من الكفاءة والعلم، بل هم متفاوتون في ذلك، ولكن عندهم من الجد والإخلاص ما يجعلني أستبشر لهم -بعد مزيد من الخبرة والعلم- بإذن الله بمستقبل مشرق في خدمة تراث أمتنا العظيم. خالد الرباط ت ٠١٠٦٦١٣٣٦٩/ ٠٠٢ Email: Kh_rbat@yahoo.com

стр. 15

فصل في التحقيق والتراث والمحققين قد أفردت للذين شاركوا في هذا الكتاب لوحة شرف، وهذا أقل ما يجب نحوهم، حتى وإن اعترى عملهم شيء من التقصير، ولسائل أن يقول: لِمَ هذا الزحام في كتابة أسماء المشاركين في التحقيق، ألا يكفي اثنان أو ثلاثة من المحققين البارزين؟ والحقيقة أني تعمدت ذلك لأسن سُنَّةً حسنة، وإنْ سبقني إليها غيري فأنا أُحييها، فإن المقتدين بها قلة، وأرى أن إظهار الذين قاموا بالعمل أفضل من عمل البعض من التنويه بهم في صفحات مخفية بُغية ألا يطلع عليهم أحد، وأرى أن فعلي هذا هو الذي تقتضيه الديانة والأمانة، والغريب أن غالب أهل الباطل يعزون العمل إلى فاعِلِيه كما في الأفلام والمسلسلات بل وفي الأغاني القصيرة! تجد عشرات؛ بل أحيانا مئات الأسماء لوصف طبيعة عملهم بدقة، أليس حريًّا بأهل العلم أن يكونوا مَثَلا يُحتذى به في الصدقِ والأمانة ونسبة العمل إلى أصحابه؟ ولا ندعو بذلك إلى تقليد الأفلام، ولكن كثيرًا من الأخلاق والمعاملات الإسلامية قد افتقدها المسلمون وأخذ بها طلاب الدنيا ففاقوا بها كثيرًا من المسلمين، ولستُ بحاجة أن أدلل على ذلك. إن من طبائع النفس البشرية التطلع إلى حب الشهرة والظهور، وهذِه طبيعة تحتاج إلى توجيه وترشيد وتقويم، ولو أُطلق لها العنان ووجدت

стр. 16

لذلك أرضا خصبة لأفسدت في الأرض أيما إفساد، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ولتعذرني أُخيَّ إن أطلتُ قليلا في هذا الموضوع، وأستعرضُ هنا حُجَج المخالفين، الذين يسوِّلون لأنفسهم الانفرادَ بنسبة أعمالٍ إليهم لم يقوموا بنصفها ولا رُبْعها بل ربما لم يروها إلا بعد الطباعة، ولستُ بذلك أقصد رجلًا بذاته؛ فإنَّ منهم من نَفَعَ الله به ما لم يبلغه نفع المئاتِ من غيره، ولكنِّي لا أستئني في حديثي هذا حتَّى لا يكون الاستثناءُ مَطيّةً، ويُعد كلُّ شخص نفسه داخلا في الاستثناء، ولكن دعونا نتعاون في صياغة قواعد إسلامية لهذا الباب، لا ننحرف عنها إذا اتفقنا عليها، فالخطأ في كلامي وارد. * أما حجج المؤيدين والفاعلين لهذا السلوك فتتلخص في الآتي: ١ - أنه صاحب الفكرة. ٢ - أنه الممول لهذا العمل العلمي. ٣ - أن الذين عاونوه في العمل قاموا بأعمال ثانوية. ٤ - أن الذين عاونوه في العمل مستواهم العلمي دون المطلوب ولا يليق بأن يضعهم معه. ٥ - أن بعض الجهات الرسمية لن تدعم هذا العمل إذا وجدت عليه أسماء من جنسيات أخرى. ٦ - أنه عمل جماعي هو الذي قام بالإشراف والتوجيه والتمويل وجلب ما يلزم من مخطوطات وكتب وكوادر علمية وفنية (مثل أصحاب المكاتب).

стр. 17

٧ - أن بعض المشايخ الثقات قد أفتى بذلك. وسوف نستعرض كل حُجة مفصلين لها ومدحضين إياها، نقول وبالله التوفيق: ١ - أنه صاحب الفكرة. إن أفكار المشروعات العلمية وتحقيق الكتب متكررة وموجودة عند أعداد كبيرة من أهل العلم والباحثين، بل وعند بعضهم خطط هذِه الأعمال وربما نماذج منها، لكن العبرة بالإنجاز. فإن قيل: إن صاحب الفكرة قام بتمويلها ومتابعتها حتى خرجت للنور؟ قلتُ: وهل تعجز كلمات اللغة العربية عن وصف عمله وعمل الآخرين، حتى يستأثر به لنفسه. ثم مسألة التمويل سيأتي ذكرها. فإن قيل: إن الفكرة كالاختراع لها حقوق ينبغي احترامها ونسبتها إلى صاحبها؟ قلتُ: الأمر يختلف في الأبحاث والتحقيقات الشرعية، ألا يحدث كثيرًا أن يتقدم باحث بخطة لحصوله على الماجستير أو الدكتوراه لكلية ما، فتُرفض الخطة، فيأخذها غيره ويقدمها لكلية أو جامعة أخرى فتُجاز وينفذها .. لمن يُنسب العمل؟ ألصاحب الخطة الأولى، أم لمنفذها؟ الجواب معروف؛ لأن إشكالات الأعمال العلمية في التنفيذ لا الفكرة، ليس هذا تقليلا من شأن الفكرة؛ ولكن لأن الواقع هو توارد الأفكار في الحقل الإسلامي وتكرارها بصورة كبيرة. كم شخصٍ وجهةٍ فكَّر وخطط لعمل "موسوعة حديثية"، وكثيرًا ما تكون بمنهج يكاد يكون متطابقًا، فهل يعني ذلك أن صاحب أول

стр. 18

تفكير هو الذي يحتكرها؟ وإذا قام غيره بتنفيذها نكتب اسم صاحب الفكرة الأولى على أنها من عمله. وانظر كذلك إلى فكرة "الموسوعة الفقهية"، خططت لها عشرات الجهات وأقدم على تنفيذها الكثير، وأيضًا موسوعات المصطلحات والأصول .. وغير ذلك كثير. إن انسحاب براءة الإختراع على أفكار الأعمال العلمية الشرعية لا يتطابق بالضرورة، وإنما الذي يتطابق هو تنفيذ العمل نفسه، ولنضرب مثلا آخر: ماذا لو أعلنت خزانة من خزانات المخطوطات عن عثورها على نسخة من كتاب كبير ونفيس كان مفقودا، ثم أعلن شخص أنه سيبادر إلى إخراجه وتحقيقه، ثم أعلن غيره وغيره .. هل نقول: هذِه فكرة الأول ولا يصح التعدي عليها ومن ينفذها فينبغي أن ينسبها لأول مُعلِن عن الفكرة. وألفت النظر أن هذا يختلف عن التعاون والتنسيق بين المحققين. ٢ - أنه الممول لهذا العمل العلمي: أقول: إن منفذي الأعمال في أنحاء العالم كله غالبا غير مموليها، ولنضرب مثلا قريبا من هذا الدكتور أحمد زويل الفائز بجائزة نوبل، كرر مرارا تقديره للجهات التي يعمل فيها ودعمت أبحاثه التي فاز بها، ولم يُنفق عليها من جيبه فلسا، أما الحقوق .. فإنها ترجع لاتفاق التمويل، وليس هذا هو محور حديثي، وإنما الحديث حول نسبة العمل لعامليه. وكثير من الولاة ووجهاء المسلمين والحكومات قد مولوا أعمالا علمية أو صناعية ونُسبت إلى فاعليها، وماذا لو دعمت حكومات أو وزارات أو جهات أو تجار وأفراد لا علاقة لهم بالعلم بعض الأعمال، بل ربما يكون أحدهم أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة،

стр. 19

ولا يمنعه هذا الأجر إن شاء الله، هل نكتب مثلا: "سؤالات الدارقطني" تحقيق الحاج حسن تاجر الملابس والخردوات، أو مقاول البناء والتشطيبات؟! أو "معجم الشيوخ" تحقيق شركة الإسمنت ومواد البناء! أو "الفقه الإسلامي" من تأليف شركة تسويق الخضار والفاكهة! أو "الأعمال الكاملة" جمعتها مؤسسة النظافة والصيانة! وليعذرني قارئي الكريم على هذِه الأمثلة، فقد استشرى الداء، ولم يعد بد من مناقشة هذا الأمر. ولو أخذنا بهذِه الحجة فلننسب أعمال البعثات العلمية التي تتحمل تكاليفها الحكومات إلى رئاسة الجمهورية أو الديوان الملكي أو وزير الخزانة! ٣ - أن الذين عاونوه في العمل قاموا بأعمال ثانوية: أقول: هذِه الأعمال إما أنها قليلة جدًا فلا بأس بالإشارة فقط إلى فاعليها، أما إذا كانت الأعمال الثانوية مثلا: نسخ المخطوط، ومقابلة النسخ، واستخراج المصادر .. إلى آخره، ثم قام سعادته بالنظر إلى العمل الذي استغرق سنوات ثم تَصَفَّحهُ في ساعات وأبدى ملاحظاته وتوجيهاته، فلا بأس أن يكتب اسمه كإشراف أو اعتنا مع ضرورة كتابة العاملين الحقيقيين لهذا العمل. ٤ - أن الذين عاونوه في العمل مستواهم العلمي لا يليق بأن يضعهم معه، وأنه يصلح الكثير من أخطائهم: إذا كان الوضع كذلك فلا يستعن بهؤلاء أصلًا أو ليَسْتَغْنِ عنهم بعد معرفة حالهم، أو أن عملهم كان قابلا للتعديل، فليكتب أنه قام بالتصحيح والمراجعة والتعديل. نعم في حالات يكون هناك طلبة علم

стр. 20

تحت التدريب ويعطيهم الشيخ بعض الأعمال ليتمرسوا فيها، ثم إنه قد يراجعها ويفيد منها، وهذِه صورة قليلة بعيدة عن محور كلامي. ٥ - أن بعض الجهات الرسمية لن تدعم هذا العمل إذا وجدت عليه أسماء من جنسيات أخرى. أقول: وهل من الشرع التدليس على الجهات الرسمية؟ وإن لم يكن من الأمر بد فعلى الجهات الرسمية القيام بالسلوك الصحيح، ولو حاول الجميع في إيصال هذا المعنى لهم لوجدنا استجابة، وهل الجهات الرسمية إلا أنا وأنت أو ابن عمي وابن خالي، وجاري. وإلا فلنترك المجال لمستحقيه من الذين يعملون بأيديهم وتنطبق عليهم شروط هذِه الجهات. ٦ - أنه عمل جماعي هو الذي قام بالإشراف والتوجيه والتمويل وجلب ما يلزم من مخطوطات وكتب وكوادر علمية وفنية (مثل أصحاب المكاتب). أقول: وما المانع أن يُنسب العمل إلى الجماعة، وقد سبق بيانه. ٧ - أن بعض المشايخ الثقات قد أفتى بذلك: أقول: وماذا لو أفتى غيرهم بخلاف ذلك؟ ألا يحتاج منا ذلك أن نتبين الحكم الشرعي الراجح؟ أليس واردا أنه قد تم التلبيس على هؤلاء المشايخ؟ أليس واردا عدم إحاطتهم- مع احترامي لهم- بالملابسات الحاصلة، أو أخذهم الأمر وكأن أحد تلاميذهم يقابل معه مؤلَفَهُ المنسوخ من دروسه، أو يصوب له التجارب؟ وهذا أبسط حق للشيخ على تلميذه. ثم ماذا لو كان الأمر مسألة أخرى متعلقة بحق مادي وأفتاه أحدهم

стр. 21

بأن ليس له حق، وأفتاه غيره بأن له الحق، ألن يدقق في المسألة ويبحث ويجادل ويسأل غير هذا وهذا، وربما يأتي للمخالف بالردود ولهذا بالحجج والبراهين، زاعمًا أنه يحرر المسألة، أليس في ذلك تشبهًا بالمنافقين ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾. إن اختطاف مثل هذِه الفتوى والعمل بها لهو تأسيس بناء على شفا جُرُفٍ هار .. أين تحرير المسألة والوصول لأصلها وبحث فروعها؟ أين تحري الحلال، والبعد عن المشتبهات؟ أين درء المفاسد وسد الذرائع؟ هل هذا فقط متعلق بعوام المسلمين الذين نعظهم ونخاطبهم فننتقد إسرافهم في الحلال، ونرجح وقوعهم في الحرام، ونختار لهم من الأحكام أشدّها، ومن الأعمال أعسرها، حرصا على شدة إيمانهم وقوة عزيمتهم! * مفاسد هذا العمل بحسب ما رأيتُ: ١ - فيه تدليس وتلبيس على طلبة العلم وعموم المسلمين. واعتياد المفترض فيهم القدوة على الكذب والافتراء. ٢ - احتكار القادرين وأصحاب الأموال وتوجيههم لبعض الأعمال العلمية بحسب ما يرون مع ضعف علمهم. ٣ - إذلال الفقراء من أهل العلم وعدم الإنفاق عليهم ما لم يُشاركوا في هذا التدليس. ٤ - تدهور أحوال مكاتب التحقيق قليلة الحيلة ما لم يُشاركوا في هذا التدليس. ٥ - إسناد الأمور إلى غير أهلها نتيجة الإعتقاد بأنهم أصحاب هذِه الأعمال. ورفع شأنهم العلمي بين عوام المسلمين فيفتونهم بغير علم فيَضلوا ويُضلوا.

стр. 22

٦ - تنافس طلبة العلم الموسرين المبتدئين على إخراج أعمال لا يصل إليها مستواهم العلمي، عن طريق غيرهم، مما يؤدي إلى تصدرهم هذا المجال ودخول العُجب عليهم، وتوقفهم عن طلب العلم، لأنهم طبعا أصبحوا علماء لا يُشق لهم غبار! ولا يصح أن يكونوا في مقام أقل من ذلك. ٧ - دخول أموال لهؤلاء المدلسين لا يستحقونها بما في ذلك التكريم والجوائز والدعوات والندوات والمؤتمرات .. وهذا من أكل الحرام. ويصل الأمر ببعضهم بأن يستحل ما اتفق عليه مع الباحث القائم بالعمل فلا يعطيه حقه رغم أنه يستفيد أضعافًا مضاعفة. ٨ - نشر العداوة والبغضاء والحسد في الأوساط العلمية بين القادرين وغيرهم. ٩ - وأد روح الإبداع والطموح عند المتميزين من طلبة العلم الفقراء ومتوسطي الحال. ١٠ - إقبال الهيئات العلمية الرسمية -والأهلية- وكذلك بعض الجهات التي تحتاج هيئات شرعية، على اتخاذ بعض المزيفين من هؤلاء المدلسين كعلماء أعضاء وكوادر بها، اعتمادا على كم الأعمال وذياع الصيت، ولعَمري إن كثيرًا من علماء المسلمين مات ولم يترك إلا كتابا أو بضعة رسائل، منهم من المتقدمين سيبويه لم يترك إلا "الكتاب"، ومن المتأخرين الشيخ عبد الرزاق عفيفي لم يترك إلا رسائل كانت تدرس في الجامعة. بالله عليك أخي الكريم هل تُنكر عليَّ خطأً في عبارة واحدة مما

стр. 23

سبق؟ وهل مرت عليك مثل هذِه المفاسد أو سمعت بها قبل ذلك؟ ولست أريد هنا أن أقطع الصلة بين العلماء غير المتفرغين للعمل العلمي وبين طلابهم الذين يستفيدون علميًّا وعمليًّا بمشاركتهم مشايخهم في إنجاز أعمالهم، أو أَنْهى عن معاونة المشايخ والدعاة في تحضير دروسهم ومناظراتهم وخطبهم، بل إن هذا قد يكون واجِبًا في بعض الأحيان، إنما أتحدث عن واقعٍ مرير، وداءٍ انتشر ويزداد انتشارًا بصورةٍ لم نسمع عنها من قبل، ولا يمكن لأحد في مجال البحث والتحقيق والنشر أن يُنكر ذلك، وأظن أن حديثي واضحٌ بما فيه الكفاية فلا تُحَمِّلُّوه ما لا يحتمل. ولا يعني ذلك أن الصورة سوداء، فالحمد لله الخير كثير، وأهل الحق لا زالت لهم الغلبة. قيل: الكلام السابق يغلب عليه السطحية والبساطة، وليس فيه عُمق وغير مبني على قواعد قوية! قلتُ: نعم فيه شيء من السطحية والبساطة؛ لأن التبحر في الموضوع سيُظهر كثيرًا من الفضائح والطَّامات واللصوصية التي نود أن نضرب عنها -الآن- صفحًا لعل الأمور تسير نحو الأفضل، ونأمل أن ينتشر الوعي بهذا الداء، ليقل خطره وليُعْطَى كل ذي حق حقه، والتعمق في الموضوع قد يؤدي إلى كثير من اللغط والأخذ والرد، وربما اتهام لكثير من الأفاضل بالباطل، فكم من متربصٍ بهم، يتمنى أن يظْهر من عوراتهم ما لا يوجد أصلًا، أو يبالغ في بعض أحوالهم التي لا ترقى لهذا التدليس. ولا يعني ذلك أيضًا أن هذا هو الداء الوحيد الموجود في الأوساط العلمية، فهناك السرقات العلمية الصريحة ومن آخرها محاولة فردٍ السطو على أعمال لا يقدر عليها إلا فريق كبير، والادعاء بأنه قد أنجز هذا

стр. 24

العمل، ولو قضى عمره كله فيه لما استطاع ذلك، مع ضعفه العلمي وقصور اطلاعه .. لكن مع خبرة كبيرة في الكذب والزور قد ينطلي كلامه على غيرِ أهل النظر والفراسة، "ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتبَ عِنْد اللهِ كذابا"، وكما أنَّ هناك أنواعًا مختلفة من اللصوصية ظهرتْ وانتشرف في هذا الحقل تحتاجُ إلى الأخذ على اليد، هناك أمراض أخرى تحتاج إلى نصح ومعالجة، وليس هذا مجال بسطها، وأظن أيضًا أنني قد وضعت نفسي موضعًا لا أُحسد عليه، ربما أتسبب في إغضاب بعض معارفنا، وربما يتخذني البعض غَرَضًا، لكن الحق أحق أن يُتبع، والله أسأل أنْ يُسلمنا وأن يقينا شرور أنفسنا وشرور خَلقه. اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.

стр. 25

فريق العمل على كتاب التوضيح قد ذكرتهم في واجهة الكتاب، وجميعهم من العاملين بدار الفلاح، وكما أشرف آنفا فهم متفاوتون في المستوى العلمي والفني، إلا أني أود أن أنوه بعمل بعضهم؛ فما كان من تخريجات مطولة فغالبا للأخ أحمد فوزي، وما كان من دقة في تتبع المصادر وتوثيقها فهي للإخوة وائل إمام وحسام كمال وعبد الله فؤاد، ثم ربيع محمد وأحمد عويس، وأكثر المقابلات كانت للأخين خالد مصطفى وعصام حمدي. وأما التعليقات العقدية فأكثرها مني، ومراجعات متن البخاري لي مع الدكتور جمعة فتحي والأخ أحمد روبي، والعمل في مجمله مشترك والأمور السابقة هي للغالب. وهناك بعض الذين لم أذكرهم لقصر المدة التي قضوها مع الكتاب أو لقلة عملهم فيه، وهم: كمال محمود موسى، ووئام الحوشي، ومحمد رمضان، وأحمد عبد الله محمد علي، وسيد قطب، وشريف عبد اللطيف، ومحمد سعد، وأحمد عبد المجيد، والسيدة/ مها محمود.

стр. 26

شكر وتقدير أتقدم بوافر الشكر لكل من عاون في إخراج هذا الكتاب ومنهم: الأخ العزيز محمد طه آل بيوض التميمي بوزارة الأوقاف بقطر، والأخ عبد العزيز الراجحي، بمركز الملك فيصل للمخطوطات بالرياض، الذي يسر لي تصوير ما أحتاجه من نسخ بالمركز، والأخ عبد الرحمن الجميزي الذي تابع لي التصوير من الجامعة الإسلامية، وأخي الشيخ إمام علي إمام، وكذلك الدكتور سليمان العازمي بالكويت. والأخ غنيم عباس صاحب مكتب الكوثر الذي آثر أن نقوم بهذا العمل بعد أن بدأه. ولا يفوتني أن أشكر الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري على ملاحظاته وتوجيهاته، سواءً المتعلقة مباشرة بالكتاب، أو ما استفدناه من كتبه. والشكر موصول لمشايخنا وأساتذتنا وأصحاب الفضل على: الدكتور سعد الحميد، والدكتور حمد الشتوي، والشيخ صالح السدلان، نسأل الله أن يبارك فيهم وأن يحفظهم من كل سوء، وأن يغفر لنا ولهم ولكل من له حق علينا. أما فريق العمل القائم على نشر التراث بوزارة الأوقاف بقطر فقد وجدتُ عندهم من الهمة والدأب والإخلاص ما لم أجده في غيرهم؛ وعلى رأسهم سعادة الوزير، والإخوة: علي المهندي، وعبد الله البكري، وحسن الأصفر وغيرهم ممن لا أعلمهم، ولا يعلمهم آلاف المستفيدين من جهودهم العظيمة، لكن الله يعلمهم، ولا ينفعهم ولا يفيدهم شكري أو ثنائي، والله حسيبهم وهو يجزيهم إن شاء الله بما هو أهله من الثواب الجزيل والأجر العظيم، والآخرة خيرٌ وأبقى.

стр. 27

مقدمة حول السُّنَّة النبوية * السنه ومكانتها: إن المتتبع لما كُتب عن السُّنَّة ومكانتها من التشريع، وطرق تدوينها وحفظها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ليجد كمًّا هائلا من المؤلفات القديمة والحديثة التي تفي ببيان هذا الموضوع بما يغني عن التكرار والكتابة فيه، ولكن من العجيب ظهور طوائف معاصرة من المتعالمين الذين يشككون في السُّنة ووجدوا من يناصرهم في السر والعلانية، وأكثرهم -إن لم يكن كلهم- لم يطلع على حجج أهل الإسلام على صحة السنة وسلامة وصولها إلينا، وهذا إما بسبب الإغترار بما يظنون أنهم عليه من علم، أو تسفيههم لأهل الدين، أو أنهم مغرر بهم، أو تأدية بعضهم لدور مطلوب منهم في الحملات المنسقة لمحاربة الإسلام. وإن كانت هذِه الشبهات ليست بالجديدة فهي أفكار لبعض الفرق الخارجة عن أهل السُّنة والجماعة، ولم تتوقف في وقت من الأوقات؛ إلا أن حدتها تختلف، وكانت قد قلت لفترة طويلة نسبيا، ثم هي منذ سنوات مع تطور وسائل الإعلام تستعر وتثير كثيرًا من الغبار والدخان في محاولة للحد من الصحوة الحديثية الموجودة عند كثير من طلبة العلم في العالم الإسلامي.

стр. 28

وهنا أذكر ما كان يكرره علينا بعض إخواننا في بداية الطلب -تبعا لمنظريهم- من عدم الحاجة للتبحر في علوم الحديث، بحجة أن السابقين قد كفونا مؤونة ذلك ولا حاجة للتدقيق الشديد في روايات السنة والبحث في خباياها، واستبدال ذلك بما هو أكثر نافعا من علوم واقعية -زعموا- تنفع المسلمين ولا تجدد الخلافات المذهبية التي عفا عليها الزمان. ولك أن تتصور إلى أي مدًى كان سيصل الحال بالمسلمين لو اتبعوا كلام هؤلاء المنظرين وقصَّروا في تعلم سنة نبيهم، ولوجد المشككون مَرْتعا خصبًا لأفكارهم التي هي بداية لإنكار الإسلام بالتشكيك في أصليه العظيمين: الكتاب والسنة. وأحب أن أشير إلى أمور في هذا السياق: الأول: أن من بدايات بدعة إنكار السنة في الأوساط المنتسبة للإسلام بالطريقة المنتشرة هذِه الأيام كانت من المعتزلة، فإنهم غلوا في شأن العقل، وجعلوه هو العالِم بحسن الفعل وقبحه، وصار الاستدلال بالقرآن والسُّنة عندهم اعتضادًا لا اعتمادًا، وردُّوا الأحاديث غير الموافقة لأغراضهم ومذاهبهم، وهذا هو عين فكر منكري السُّنة اليوم؛ لذا تجد الفريقين قد اشتركا في التشكيك في منزلة الصحاح، وفي إنكار عذاب القبر والميزان ورؤية الله في الآخرة .. وغير ذلك من البدع المشهورة عنهم. وأنكر حجية السنة أيضًا الخوارج والروافض. الثانى: أن التسليم بهذا القول يترتب عليه فساد أصل الدين والاعتقاد، بل والرسالة كلها، فلو كان الأمر كما يظنون فكان يكفي أن ينزل القرآن من عند الله بطريقة ما وقد تكفل سبحانه بحفظه، ولا حاجة لرسول أو لتطبيق عملي لهذا الكتاب لأننا سننكر هذا التطبيق لو وصل إلينا، ومفاسد هذا القول أكثر من أن تُحصى، وأقل

стр. 29

ما يُقال أنها فكرة شيطانية لاجتثاث الإسلام وتدميره ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]. الثالث: يمكننا القول أن عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة هو قسيم لبدعة إنكار السنة وقرينها، فحجج منكري السنة تقف عاجزة أمام كثير من شرائع الإسلام كعدد ركعات الصلاة، ومقدار الزكاة ونصابها .. إلخ، فزيَّن لهم الشيطان أن هذِه سنة عملية أو متواترة لا ننكرها، غير أن منكري الاستدلال بأخبار الآحاد في العقيدة يأخذون بها في غير العقيدة، بل إن كثيرًا منهم يستدل بالأخبار الضعيفة والموضوعة لنصرة مذهبه الفقهي وعمل البدع، وهذا من التناقض العجيب، فأحاديث الآحاد الصحيحة لا يأخذون بها في جانب، والموضوعات والواهيات يستدلون بها في جانب آخر!. وبهذا البيان السابق لا أجد حرجا أن تتضمن مقدمة هذا الكتاب لمحة موجزة ومفيدة عن هذا الموضوع.

стр. 30

فصل فى أهميه علم الحديث اعلم أنَّ أنف العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دِقّها وجلّها، وأسوة جملة الأحكامِ وأُسَّها، وقاعدة جميع العقائد وأصلها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارِّها وقارها، هو علم الحديث الشريف الذي تُعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأثر، وهو ملاك كل أمر ونهي، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء، فطوبى لمن جدَّ فيه، وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم والنواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من درِّه، ولم يَخُض في بحْرِه، ولم يقتطف من زهْرِهِ، ثم تعرَّض للكلام في المسائل والأحكام، فقد جار في ما حكم، وقال على الله ما لم يعلم، كيف وهو كلام رسول الله ﷺ ، والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين .. وهو تلو كلام الله تعالى، وثاني أدلة الأحكام، فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأثرها وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذلك الكشفيات العقليات بنقيرها وقطميرها، تتوقف على بيانه ﷺ .. فكل قول يصدقه خبر الرسول ﷺ فهو الأصح للقبول، وكل ما لا يساعده

стр. 31

الحديث والقرآن، فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان، .. وما الحق إلا فيما قاله ﷺ أو عمل به، أو قرره أو أشار إليه، أو تفكَّر فيه، أو خطر بباله، أو هجس بخلده واستقام عليه، .. فياله من علمٍ سيط بدمه الحق والهُدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العُلى (١). * أهمية الإسناد وفضله، وبيان أنه من خصائص هذه الأمة: لقد خص الله هذِه الأمة المحمدية بالإسناد، وأن الوقائع كانت تروى بالسند المتصل ساعة حدوثها إلى أن استودعت في بطون الكتب، ينقلها الرواة طبقة بعد طبقة، وهذا الإسناد لا يوجد عند الأمم الأخرى، حيث أغفلته، ولم تتنبه إليه. قال أبو عليّ الجيّاني ت ٤٩٨ هـ: "خص الله تعالى هذِه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قبلَها: الإسناد، والأنساب، والإعراب" (٢)، وروي هذا أيضًا عن أبي بكر محمد بن أحمد. وقال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله قد أكرم هذِه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم. فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات. وهذِه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم؛ ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، _________ (١) "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص ٣٥، ٣٦ بتصرف يسير. (٢) "تدريب الراوي" ٢/ ١٦٠.

стр. 32

والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًّا، فهذا من أفضل نعم الله على هذِه الأمة، فلْيُوزع الله شكر هذِه النعمة. وقال أبو حاتم الرازي ت ٢٧٧ هـ: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسول إلا في هذِه الأمة (١). ويقول عبد الله بن طاهر ت ٢٣٠ هـ: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمنى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله لأمة محمد ﷺ (٢). وقال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: مَثَل الذي يطلب العلم بلا حجة- يعني: بلا إسناد- مَثَل حاطب ليل يجمع حزمة حطب فيه أفعى يلدغه وهو لا يدري (٣). وقال يزيد بن زريع ت ١٨٣ هـ: لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد. ويقول عبد الله بن المبارك ت ١٨١ هـ: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٤). وعنه أيضًا: مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم. _________ (١) "فتح المغيث" للسخاوي ٣/ ٣. (٢) "فتح المغيث" للسخاوي ٣/ ٤. (٣) "المدخل إلى الصحيح" للحاكم ص ٢، "فتح المغيث" للسخاوي ٣/ ٤. (٤) مقدمة "صحيح مسلم" باب: بيان أن الإسناد من الدين. "الإلماع إلى معرفة أصول الهداية وتقييد السماع" للقاضي عياض ص ١٩٤، "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص ٤٠.

стр. 33

ويقول أيضًا: بيننا وبين القوم القوائم، يعني: الإسناد (١). وسئل عن حديث عن الحجاج بن دينار، عن النبي ﷺ فقال: إن بين الحجاج وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (٢). وقال حماد بن زيد ت ١٧٩ هـ: وقد ذاكره بقية بن الوليد بأحاديث، فقال حماد: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: أسانيد (٣). وقال مالك بن أنس ت ١٧٩ هـ: في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال: قول الرجل: أخبرني أبي عن جدي .. إلخ. يقصد الرواية بالسند المتصل (٤). وقال سفيان الثوري ت ١٦١ هـ: الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟! (٥). وقال شعبة بن الحجاج ت ١٦٠ هـ: كل علم ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل. يريد بالعلم هنا: الحديث (٦). _________ (١) قوائم الحديث: يعني: إسناده، فجعل ابن المبارك الحديث كالبيت لا يستقيم بدون أعمدة أو قوائم فكذا الحديث. والأثر رواه مسلم في المقدمة باب: بيان أن الإسناد من الدين. (٢) المفاوز: الأرض البعيدة عن العمران والماء ويخشى فيها الهلاك، وهذِه العبارة فيها استعارة جميلة. لأن الحجاج من تابعي التابعين، فأقلُّ ما يمكن أن يكون بينه وبين الرسول ﷺ اثنان: التابعي والصحابي، ولذا قال: مفاوز، أي: انقطاع كبير. (٣) انظر: "فتح المغيث" للسخاوي ٣/ ٤. (٤) "المدخل" للحاكم ص ٢. (٥) رواه السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" ص ٨. (٦) رواه الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" هـ ٢٨٣ باب: ما جاء في عبارة الرواية. والسمعاني في "أدب الإملاء الاستملاء" ص ٧، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص ٥١٧ باب: القول في التحديث والإخبار.

стр. 34

وقال الأوزاعي ت ١٥٧ هـ: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد. وقال عبد الله بن عون ت ١٥١ هـ: كان الحسن البصري يحدثنا بأحاديث لو كان أسندها كان أحب إلينا. وقال أبو سعيد الحداد (١) ت ٢٢١ هـ: الإسناد مثل الدرج، ومثل المراقي، فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت (٢). وقال مطر الوراق ت ١٢٥ هـ: في قوله الله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]. قال: إسناد الحديث. * مكانة السنة: القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين، والسُّنة هي الأصل الثاني، ومنزلة السُّنة من القرآن أنها مبيِّنه وشارحة له تُفصل مُجْمله، وتوضح مُشْكله، وتقيِّد مُطلقه، وتُخصص عامَّه، وتَبْسُط ما فيه من إيجاز. * حجيتها: قال الشوكاني: إن ثبوت حجية السُّنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يُخالِف في ذلك إلا مَنْ لا حظَّ له في الإسلام. (٣) ولم يُخالف في الاحتجاج بالسنة إلا الخوارج والروافض، وخالف المعتزلة بتحكيم عقلهم في السنة، فتمسك هؤلاء بما بدا لهم من فهم لظاهر القرآن وأهملوا السنن، فضلوا وأضلوا، وحادوا عن الصراط _________ (١) هو أحمد بن داود الواسطي. (٢) رواه الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" ص ٣٩٣. (٣) "إرشاد الفحول" ص ٢٩.

стр. 35

المستقيم. وقد استفاض القرآن والسُّنَّه الصحيحة الثابتة بحجية كل ما ثبت عن الرسول ﷺ ، قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. فهل قال أحد أن الأمر باتباع النبي ﷺ متعلق بحياته فقط؟ وإذا كان الأمر باق، فهل يأمرنا الله بشيء مبهم وغير موجود لو اعتبرنا أن السنة الحقيقية غير موجودة! قد قال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فإذا كان الأمر كما يظن منكرو السنه فما فائده أمر الله لرسوله ببيان القرآن؟!

стр. 36

الإمام البخاري وكتابه الصحيح

стр. 37

الإمام البخارى وكتابه الصحيح * عصر البخاري: ولد البخاري في أواخر عهد الأمين، وعاش في عهد المأمون والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمستنصر، والمستعين، والمعتز، وبذلك استغرقت حياته النصف الثاني من العصر العباسي الأول، وأوائل العصر العباسي الثاني، وكلاهما كانا من أرقى وأعظم عصور بني العباس. وقد امتاز العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) بقوة سلطان الخلفاء، وانتشار نفوذهم، فقد كانت لهم الكلمة العليا والسيادة التامة على جميع العالم الإسلامي عدا بلاد الأندلس، وكانت الدولة الإسلامية قوية الشوكة، مهابة الجانب، عزيزة كريمة. وامتاز هذا العصر أيضًا، بأن أغلب من تولى فيه الخلافة من بني العباس، كانوا من العلماء، يعقدون مجالس العلم ويشاركون فيها بالحوار والمناقشة، كما كانوا يكرمون العلماء ويجلونهم ويقربونهم ويعولون على آرائهم (١) وكان المنصور نفسه من أحسن رواة الحديث، كما ذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" (٢). _________ (١) "تاريخ آداب اللغة العربية" ٢/ ٢١. (٢) "البيان والتبيين" ٢/ ١٥٦.

стр. 38

وبلغ الإهتمام بالعلم والعلماء، وانتشار المعرفة والرغبة فيها مداه في عهد المأمون، حيث كثرت مجالس العلماء والحوار والمناظرة، وكان الخليفة نفسه يشارك فيها مما أدى إلى إطلاق الفكر من قيود التقليد، وانتشار الحرية الدينية، فظهرت البدع والفرق، وتأثر المأمون بآراء المعتزلة في القول بخلق القرآن وانتصر لهم (١). ودعا العلماء والفقهاء إلى القول بذلك، فحصلت الفتنة وأوذي فيها خلق كثير، وعلى رأسهم الإمام ابن حنبل والإمام البخاري فيما بعد. وقد ظل الناس مفتونين مضطهدين بمقولة خلق القرآن، مدة طويلة حتى عهد المتوكل، فهو الذي أمر برفع هذِه المحنة، وترك الناس أحرارًا فيما يعتقدون. وامتاز هذا العصر أيضًا بأن المسلمين نقلوا فيه إلى لغتهم، ما كان معروفًا من العلم والطبيعة والطب والرياضيات عن سائر الأمم المتمدنة كاليونان والفرس والهند، حتى قيل بأن ما نقله العرب في قرن لم يستطع نقله الفرس في قرون. وفي هذا العصر أيضًا ازدهر علم الأرصاد وتطور، وبدأت الفلسفة تنتشر وتنمو، وظهر فلاسفة كبار كيعقوب بن إسحاق الكندي وغيره. ويمكن القول بأنه في العصر العباسي الأول، توطدت دعائم الفقه وازدهر، ونقل إلى العربية أغلب علوم اليونان والفرس والهند، وظهر علم الكلام وأخذ ينتشر. أما العصر العباسي الثاني (٢٣٢ - ٣٣٤ هـ) فيبتدئ بخلافة المتوكل، ومحاولته كبح جماح الموالي ونفوذ الأتراك، الذي أخذ يطغى أواخر _________ (١) "تاريخ آداب اللغة العربية" ٢/ ٢٢، ٢٣.

стр. 39

العصر العباسي الأول، لكن المتوكل عجز عن ذلك لقوة نفوذهم في القصر والدواوين، وسيطرتهم على أغلب مواقع الدولة ونشاطها، حتى أصبحت كلمتهم هي العليا، مما أدى إلى انقسامات في الصفوف بسبب الصراع بين الطبقات، وخاصة بين الموالي والعرب الذين أبعدوا عن مناصبهم (١). ومن الناحية العلمية، فقد أراح المتوكل الأمة من محنة القول بخلق القرآن، فرفعها وأبطل الجدال فيها (٢). وأمر العلماء بالحديث وإظهار السنة. كما ظلت العلوم في ازدهار وتقدم مطرد. وكثرت مجالس العلم وانتشرف، فازدهرت الفلسفة وعلوم الطبيعيات والمنطق خاصة، وبرزت كثير من الآراء والنظريات العلمية، وتولدت مذاهب فقهية، وتفرع مذهب الاعتزال، وازدهر علم الكلام وعلم التفسير. وفي هذا العصر بالذات، ازدهر تدوين الحديث وأفرد بالتأليف فيه، خلافًا لما كان عليه الأمر في القرن الثاني، حيث كانت كتب الحديث تجمع بين الصحيح والسقيم، وبين الحديث والفتاوى وأقوال التابعين وغيرها، وكما هو الشأن في "مصنف شعبة بن الحجاج" المتوفى سنة ١٦٠ هـ، و"مصنف الليث بن سعد" المتوفى سنة ١٧٥ هـ، و "موطأ مالك" المتوفى سنة ١٧٩ هـ، و"مصنف سفيان بن عيينة" المتوفى سنة ١٩٨ هـ، وغيرهم (٣). _________ (١) "تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها" ص ٢٥٢، ٢٥٣. (٢) "التنبيه والإشراف" ص ٤٠٠. (٣) "مفتاح السنة" ص ٢٨، ٢٩.

стр. 40

أما في هذا العصر فقد أفرد الحديث بالجمع والتدوين والتأليف وحده دون سواه من فتاوى وأقوال الصحابة والتابعين، وأصبح للحديث كتب يستقل بها وظهر محدثون أئمة كبار، كالإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، حتى يمكننا أن نسمي هذا العصر عهد ازدهار الحديث والمحدثين، وعصر تدوين الحديث وظهور المحدثين وكتبهم كالصحاح والمسانيد والسنن (١). في هذا العصر الذي تصادمت فيه الملل والنحل، وتكاثرت المذاهب والآراء، وتصارعت الأفكار والمبادئ، وظهر إلى جانب أهل الخير والصلاح في الدين، جماعات من أهل الشر والفساد والإلحاد تحاول الكيد للدين بوضع الأحاديث المختلقة تأكيدًا لمذهب أو انتصارًا لفريق. وفي كنف أسرة فاضلة متدينة خيرة غنية، قوامها والد عالم ورع محدث، ووالدة فاضلة خيرة صالحة من أصحاب الكرامة والولاية، في هذا العصر وتلك البيئة ولد البخاري وعاش. _________ (١) "حياة البخاري" ص ٣، ٤.
следующие страницы →