← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

٧٥ - باب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ ١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. [انظر: ١٥٠٥ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧٢] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ زيدِ [عن عِيَاض] (١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوَيةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرى مُدًّا مِنْ هذا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. هذا الحديث أسلفناه بطرقه، والسمراء: الحنطة الشامية، وهذا قاله معاوية على المنبر كما أخرجه مسلم (٢)، وهو معتمد أبي حنيفة ومن وافقه في جواز نصف صاع بر، وقدموه على خبر الواحد، وخالفه الجمهور في ذَلِكَ كما سلف، ويجيبون بأنه قول صحابي قد خالفه أبو سعيد الخدري وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بأحوال الشارع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن بعضهم أولى من بعض فيرجع إلى دليل آخر. وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصالح من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرَّح معاوية بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع

стр. 6092

كثرتهم (١) تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن رسول الله ﷺ لذكره كما جرى في غير هذِه القصة. وفيه: الرجوع إلى النص وطرح الاجتهاد، وقد أسلفنا عن أبي حنيفة أنه انفرد بإخراج القيمة، وقال أبو يوسف ومحمد: ما سوى التمر والزبيب والشعير يخرج بالقيمة (٢)، قيمة نصف صاع من بر، أو قيمة صاع من شعير أو تمر، وعن أبي حنيفة: لو أعطيت في زكاة الفطر (إهليجا) (٣) أجزأ. والمراد: قيمته، وفيه دلالة أن الصالح لا يبعض، وهو كذلك عندنا. قال ابن التين: يجزئ في مذهبنا في ذَلِكَ قولان قياسًا على كفارة اليمين، فقد ذكر ابن القاسم عن محمد يجزئ أن يكسو خمسة، ويطعم خمسة. وفيه: دلالة على أبي حنيفة في تجويزه السويق والدقيق.

стр. 6093

٧٦ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ العِيدِ ١٥٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٦ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ١٥٠٥ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المصلى، وقد سلف فقهه. وحديث حفص بن ميسرة عن زيد، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سعيد: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وقد أسلفناه. وقوله: (كنا نخرج يوم الفطر) ليس صريحًا في كونه قبل الصلاة، واحتج بهذا الحديث من قال: الطعام يقع على الشعير وما ذكر معه. وصوابه أن ذَلِكَ كان غالب قوتهم في ذَلِكَ الزمان، وليس فيه دلالة على أن اسم الطعام يقع عليه؛ لأن التخيير والتقسيم لا يقعان بين الشيء ونفسه.

стр. 6094

٧٧ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ: يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِي الفِطْرِ. ١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ- عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِى التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ .. الحديث، وقد سلف. وفي آخره: فَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي (١) عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ. قال أبو عبد الله: (عن بني) يعني عن بني نافع، يعني: يعطون فيجمعون، فإذا كان يوم الفطر أخرجوه حينئذ إليهم يعطون قبل الفطر حتى تصل إلى الفقراء. وهكذا في بعض نسخ البخاري قال مالك: أحسن ما سمعت إن الرجل تلزمه زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته. ولا بد أن ينفق عليه وعن مكاتبه ومدبره ورقيقه، غائبهم وشاهدهم، للتجارة كانوا أو لغير التجارة (٢) إذا

стр. 6095

كان مسلمًا، وهو قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يلزمه زكاة الفطر عن عبيد التجارة، وهو قول عطاء والنخعي (١). حجة الموجب: الحديث لم يخص عبد الخدمة من عبد التجارة، وكذلك خالف أبو حنيفة والثوري الجمهور فقالا: ليس على الزوج فطرة زوجته (٢) كما سلف ولا خادمها (٣). وقوله: (فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأعْطَى شَعِيرًا). يدل على أنه لا يجوز أن يعطي في زكاة الفطر إلا من قوته؛ لأن التمر كان من جل عيشهم فأعطى شعيرًا حين لم يجد التمر. وقوله: (كَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ). يريد الذين يجتمع عندهم، ويكون تفريقها صبيحة يوم العيد؛ لأنها السنة، وكان كثير الاتباع للسنة. وقال ابن جريج: أخبرني ابن عمر قال: أدركت سالم بن عبد الله وغير من علمائنا فلم يكونوا يخرجونها إلا حين يغدون، وقال عكرمة وأبو سلمة: كانوا يخرجونها ويأكلون قبل أن يخرجوا إلى المصلى (٤). وقضية ما فعله ابن عمر أن الإمام ينصب لها من يقبلها، وصرح به في "الموطأ" قال مالك: إذا كان الإمام عدلًا فأرسلها إليه أحب إليَّ، وذلك أن أهل الحاجة إنما يقصدون الإمام، وقال أيضًا: أحب إلى أن يفرقها أربابها.

стр. 6096

٧٨ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ ١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤ - فتح: ٣/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث ابن عمر: فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ .. الحديث. فرع: العبد المشترك تجب فطرته وفاقًا لمالك، وخلافًا لأبي حنيفة وخالفه صاحباه، ومشهور مذهب مالك أنها على الأجزاء لا على العد، وعندهم في المعتق بعضه ثلاثة أقوال: مشهورها على السيد حصته وعليهما وعلى السيد الجميع، وعندنا وعند أحمد بالقسط، وعندنا المشترك كالمبعض. خاتمة: مصرف الفطرة عندنا مصرف الزكاة، وهو مذهب مالك وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها. وعلى الأول يعطي الواحد عن متعدد عند المالكية. وقال في "المدونة": لا بأس أن يعطي عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا (١)، وقال أبو يوسف: لا يعطي مسكين أكثر من زكاة إنسان ولا يعطى من أخذ (٢).

стр. 6097

٢٥ - كتاب الحجِ ١ - باب وُجُوبِ الحَجِّ وَفَضلِهِ وقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١٥١٣ - حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْل رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْطرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الَحجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفأَحجُّ عَنْة؟ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨ - مسلم: ١٣٣٤ - فتح: ٣/ ٣٧٨] ذكر فيه حديث الزهري: عَنْ سُلَيْمَانَ عَنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ،

стр. 6098

أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَلِكَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ. الشرح: هذا الباب كذا هو هنا في الأصول، وقدم ابن بطال عليه كتاب الصوم وهو قريب فلنقتد بالجم الغفير، فنقول: قرئ في السبعة ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾ بالفتح والكسر، فقيل: لغتان، وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقيل: عكسه وقال ابن السكيت: بالفتح القصد، وبالكسر القوم الحجاج، والحجة المرة الواحدة، وبالكسر التلبية والإجابة، وقيدها الجوهري بالكسر (١)، قال أبو موسى الحافظ: وهو من النوادر. قُلْتُ: وأنكره قوم، وحكي عن الكسائي أنه قال: يقال في كل شيء فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة رويته روية يعني إلى الغزو (٢) وقال أبو إسحاق: والحج بفتح الحاء الأصل تقول: حججت الشيء أحجه حجا إذا قصدته، والفتح والكسر اسم للعمل (٣). قُلْتُ: وأكثر القراء على الفتح، وفي "أمالي الهجري": الحج أكثر العرب يكسرون الحاء فقط. قُلْتُ: ويجمع على حجج. وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: من أهل الملك أو: بفرضه، ونقله ابن التين عن أكثر المفسرين، أو هو من إن حج لم يره برًّا وإن حبس لم يره إثمًا، وفي حديث: "من حج لا يرجو ثوابه ولا يخاف عقابه فقد كفر" (٤). قال

стр. 6099

سعيد بن جبير، عن عمر: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة (١). وأصله في اللغة: القصد (٢). وفي الشرع: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانه، وقام الإجماع ودلائل الكتاب والسنة على فرضتيه، واختلفوا متى فرض على آراء: أغربها قبل الهجرة، وأقربها قولان: سنة خمس أو سنة ست، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وصححه القاضي عياض (٣). وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة عشر، وهما غريبان، فصارت ستة أقوال غير الأول مرتبة على السنين، وسنة ست هو ما ذكره البيهقي (٤). وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذكر الحج (٥)، وقدومه سنة تسع كما قاله الطرطوسي، لكن قال محمد بن حبيب: سنة خمس، وقام الإجماع على أنه لا يتكرر إلا لعارض كنذر (٦). فرع: يجب الحج عندنا على التراخي خلافًا للمزني (٧)، ووفاقًا للأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن وابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس. وقال مالك في روايةٍ: وأبو يوسف على الفور، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذَلِكَ، قال أبو يوسف: مذهبه يقتضي أنه على الفور، وهو الصحيح عندهم، وقال ابن خواز

стр. 6100

منداد: واختلف في هذِه المسألة أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي على قولين (١). وفي "مستدرك الحاكم" من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من أراد الحج فليتعجل" ثم قال: صحيح الإسناد (٢). حجة من لم يوجبه على الفور أنه فرض سنة خمس أو ست كما سلف، وفتحت مكة سنة ثمان فأقامه عَتَّاب (٣) بأمر رسول الله ﷺ ،

стр. 6101

وحج الصديق في التاسعة، وحج ﷺ في العاشرة، وأما حديث الباب فأخرجه أيضًا مسلم في "صحيحه" (١)، وأخرجه البخاري في الاستئذان أيضًا وقال: وأعجبه حسنها -يعني: الفضل- فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، وأخرجه بلفظ: هل يقضي أن أحج عنه؟ (٢)، وذكره في الاعتصام أيضًا عنه: إن أمي نذرت الحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها" (٣) وسيأتي في الباب وقال: امرأة من جهينة (٤). وذكر في النذور: أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت. بمثله، وقال: "فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء" (٥). قال أبو العباس الطرقي: مدار هذا الحديث على الزهري، وقد اختلف عليه في إسناده، رواه ابن جريج عنه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس وهو الصحيح عندي، والحديث حديث الفضل؛ لأنه كان رديف سيدنا رسول الله ﷺ غداة النحر من مزدلفة إلى مني، وابن عباس قدمه أن ﵇ في ضعفة أهله من جمع بليل، فقد دل عن شاهد واحد أن ابن عباس لم يحضر في تلك الحال، وإنما سمع ذَلِكَ من الفضل كما جاء في حديث ابن عباس

стр. 6102

حين دفعوا عشية عرفة: "عليكم بالسكينة" (١). قال عبد الله: وأخبرني الفضل أنه ﵇ لم يزل يلبي حتَّى رمى جمرة العقبة (٢)، وكذا قال البخاري فيما حكاه الترمذي عنه أنه أصح ما روى عبد الله، عن الفضل قال: ويحتمل أن عبد الله سمعه من الفضل وغيره عن رسول الله ﷺ ، ثم روى هذا فأرسله ولم يذكر الذي سمعه منه (٣). وعند ابن حزم صحيحًا من حديث عبيد الله بن عباس قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة، إن حزمتها خشيت أن يقتلها، وإن لم أحزمها لم تستمسك فأمره أن يحج عنها (٤). قال أبو حاتم في "علله": عبيد الله عن رسول الله مرسل (٥). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وهو إجماع، وقد جمع ابن منده الإرداف في جزء فزاد على الثلاثين، وقد تقدم ذكر ذَلِكَ ويحتمل الزيادة، فالارتداف للسادة الرؤساء سائغ ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ومشقة الرحالة؛ ولأن الراكب فيه أفضل كما ستعلمه.

стр. 6103

ثانيها: قوله: (فجاءت امرأة من خثعم) وأسلفنا رواية أخرى: من جهينة، وهاتان القبيلتان لا يجتمعان؛ لأن جهينة هو: ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافي بن قضاعة. وخثعم هو: ابن أغار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن لهلان. ثالثها: هذِه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غائثة، لكن فيه أنها سألت عن أمها ففي كتاب "الصحابة" لابن مسنده وأبي نعيم في باب الغين المعجمة غائثة أو غاثية أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: "اقضي عنها" (١). رابعها: فيه دلالة أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع كما حكاه ابن عبد البر (٢)، ويحتمل كما قال ابن التين أنها سدلت ثوبًا على وجهها. خامسها: في نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات. سادسها: أن العالم يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه، وأسند ابن المنذر من حديث ابن عباس قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ يوم عرفة

стр. 6104

فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن فقال: "يا ابن أخي، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له" (١) ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إليه، وكان الفضل وسيمًا أي: جميلًا، ويحتمل أن يكون الشارع اجتزى بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأن حكمهما واحد، أو تنبهت لذلك أو كان ذَلِكَ الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها. وقال الداودي: فيه احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن وجوه الرجال، إنما يغضضن عورتهن، وقال بعض المالكية: ليس على المرأة تغطية وجهها لهذا الحديث، وإنما على الرجل غض بصره، وقيل: إنما لم يأمرها بتغطية وجهها، لأنه محل إحرامها، وصَرْفُ وجه الفضل بالفعل أقرب من الأمر، وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه الوجه والكفان (٢)، وبه قال مجاهد وعطاء وأكثر الفقهاء (٣). وقال ابن مسعود: الثياب (٤). سابعها: فيه أن النيابة في الحج سائغة بأجرة وبغيرها، وهو أن يكون عاجزًا

стр. 6105

عن المباشرة بنفسه، إما بزمانة لا يرجى زوالها وسببها، فله أن يستنيب، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها لا تجوز النيابة، ثالثها: تجوز في الولد، وقال: يتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق، وتنفذ الوصية به على المشهور عندهم ويكون لمن حج أحب إلي، فإن لم يوص لم يجز، وإن كان فلا ضرورة على الأصح، ويكره للمرء إجارة نفسه على المشهور وتلزم. قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه، لا يجزئ أن يحج غيره عنه (١)، وقد روينا عن علي أنه قال لرجل كبير لم يحج: إن شئت فجهز رجلًا يحج عنك (٢). وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره (٣)، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النخعي (٤). وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا، وهو واجب في تركته، وعندنا تجوز الاستنابة في

стр. 6106

حج التطوع على أصح القولين، والحديث حجة على الحسن بن حي في قوله: إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل، وهو حجة لمن أجازه. وقال صاحب "الهداية": الأصل أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صدقة أو صومًا أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما روي أنه ﵇ ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته، والعبادات أنواع مالية محصنة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركب منها كالحج، والنيابة تجزئ في النوع الأول ولا الثاني، وتجزئ في الثالث عند العجز دون القدرة، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت، وظاهر مذهبهم أن الحج يقع عن المحجوج عنه؛ لحديث الخثعمية، وعند محمد أنه يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة. قال الخطابي: العجب من مالك كيف روى هذا الحديث ولم يقل به، قال: وقد تأول بعضهم أن معنى (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) أي أسلم وهو شيخ بهذِه الصفة (١). وقال ابن عبد البر: اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، فذهب جماعة منهم إلى أنه مخصوص به أبو الخثعمية: لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره، بدليل الآية السالفة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فلما لم يكن عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال ذَلِكَ مالك وأصحابه (٢)؛ لأن الحج عندهم من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد عن أحد كالصلاة.

стр. 6107

وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد (العبدوي) أن امرأة قالت: إن أبي شيخ كبير، فقال النبي ﷺ : "حجي عنه، وليس لأحد بعده" وكذا رواه محمد بن حبان (الإخباري) (١) أن امرأة قالت، الحديث (٢)، وهو ضعيف بالإرسال وغيره، ويحتمل أن يكون معنى (أدركت أبي) أي: أن الحج فُرض وأبوها على تلك الحالة، ويبعده قولها: عليه فريضة الحج، والشارع أنما أجابها بالإحجاج عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير له، كما أجاب الأخرى في النذر وشبهه بالدين، والإجماع على أنه لا يجب على وليه قضاء الدين عنه، وجعله بعض المالكية خاصًّا بالابن عن أبيه، حكاه القرطبي (٣) وحكاه ابن حزم مرسلًا، وضعفه عن محمد بن الحارث التيمي أن النبي ﷺ قال: "لا يحج أحد عن أحد إلا ولد عن والد" (٤). قال الطرطوسي في "الحج" تأليفه في هذا الحديث أربعة: أوله وجوب الحج على المعضوب لإقرارها عليه تشبيهه بالدين، وهو واجب جواز فعلها عنه وأنه ينفعه، ويحتمل أن تريد: أحج عنه؛ أي: بعد موته، أو يكون أوصى به. فرع: بذل الولد الطاعة يصير مستطيعًا به على الأصح.

стр. 6108

فرع: لو صح المعضوب بعد ذَلِكَ أعاده عندنا وفاقًا للكوفيين وأبي ثور، وخلافًا لأحمد وإسحاق. فرع: لولي الصبي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون. فرع غريب: عن ابن سيرين: كانوا يرون أن المرأة إذا حجت وفي بطنها ولد، أن له حجًا، وعن طاوس يجزئ عن الصغير حجة حتَّى يكبر (١). ثامنها: أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط في إيجاب الحج. واختلفوا في تفسيرها على قولين: أحدهما: أن من قدر على الوصول ببدنه فقد لزمه، وإن لم يجد راحلة، وهو بمنزلة من يجدها ويعجز عن المشي، وهو قول ابن الزبير وعكرمة والضحاك، وبه قال مالك. ثانيها: أنها الزاد والراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير (٢)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وعبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وظاهر قول ابن حبيب، وأثبته الطرطوسي قولًا وادعى أن ذكر الراحلة لم يذكر في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس كما ذكر، فهي فيه في الدارقطني (٣).

стр. 6109

وأخذ المهلب من حديث الباب ما نحا إليه مالك فقال فيه: إن الاستطاعة لا تكون الزاد والراحلة، ألا ترى أن ما اعتذرت به هذِه المرأة عن أبيها ليس بهما، وإنما كان ضعف جسمه، فثبت أن الاستطاعة شائعة كيفما وقعت وتمكنت، وقال غيره: إنها في لسان العرب: القدرة، فإن جعلناها عمومًا في كل قادر جاز سواء قدر ببدنه أو به وبماله أو بماله إلا أن تقوم دلالة، وإن قلنا: إن حقيقتها أن تكون صفة قائمة في المستطيع كالقدرة والكلام والقيام والقعود فينبغي أن تكون الاستطاعة صفة فيه تخصه، وهذا لا يكون إلا لمن هو مستطيع ببدنه دون ماله، وقد سلم المخالف أن المريض ليس بمستطيع وإن وجدهما، وأهل الحرم والمواقيت فما دونهم لا يعتبر فيهم زاد ولا راحلة (١). فاحتج الشافعي ومن وافقه أنه ﵇ لما سئل عن السبيل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: "الزاد والراحلة" أخرجه الحاكم -أبو عبد الله- في "مستدركه" من حديث أنس، قال: صحيح على شرط الشيخين، ثم ذكر له متابعًا على شرط مسلم (٢)، وضعفه البيهقي بلا دليل (٣). وحكى القاضي حسين وجهًا أنه لا يشترط وجود الزاد في حق من هو على دون مسافة القصر؛ لأنه كالحاضر. وحكى ابن كج عن أبي علي الطبري أنه إذا كان في الحرم يلزمه الحج إذا كان صحيحًا ولم يكن له مال ولا كسب قال: وهذا فاسد إذ لا يكلف المسألة في الطريق.

стр. 6110

وقول ابن بطال: فإن احتجوا بحديث: "السبيل الزاد والراحلة"، فإن ابن معين وغيره قالوا: راويه إبراهيم الخوزي، وهو ضعيف (١) عجيب منه في اقتصاره على طريق ضعيف، وطرحه لما صح كما أسلفناه على أن الترمذي حسنه من الوجه المذكور، قال: وإبراهيم يُضعف (٢)، وقد رواه الدارقطني بإسقاطه (٣)، ثم نقل عن ابن المنذر أنه قال: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة وليس بمتصل (٤). قُلْتُ: ما ذكرناه ثابت متصل فقدم على الطريقة الضعيفة، ثم قال: والآية عامة ليست مجملة لا تفتقر إلى بيان فكأنه تعالى كلف كل مستطيع على أي وجه قدر بمال أو بدن، قال: والدليل على ذَلِكَ حديث: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" (٥) فجعل صحة الجسم مساوية للغنى، فسقط قول من اعتبر الراحلة. قُلْتُ: لا يسقط فإن الحديث مفسر للاستطاعة في الآية، وهو المبين عن الله، وقال إسماعيل بن إسحاق: لو أن رجلًا كان في موضع يمكنه

стр. 6111

المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج؛ لأنه مستطيع إليه سبيلًا (١). قُلْتُ: لا نسلم له ثم قال: وما رووه عن السلف في ذَلِكَ أن السبيل الزاد والراحلة، فإنما أرادوا التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان إلى الحج. قُلْتُ: لا نسلمه بل أرادوا التشريع، فإن قيل: فإنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فوجبت فيها الراحلة أصله الجهاد، قيل: لا فرق بينهما، ومن تعين عليه فرض الجهاد وهو قادر ببدنه على المشي فليست الراحلة شرطًا في وجوبه عليه (٢). فرع: انفرد أبو محمد بن حزم حيث قال: الحج واجب على العبد أيضًا؛ احتجاجًا بقول جابر وابن عمر: ما من مسلم. وقال الآخر: ما من أحد من خلق الله إلا وعليه عمرة وحجة معًا، ولم يخصا إنسيًّا من جني ولا حرًّا من عبد، وسئل القاسم وسلمان بن يسار عن العبد يحج بإذن سيده فقالا: يجزئ عنه من حجة الإسلام، فإذا حج بغير إذنه لم يُجْزِهِ

стр. 6112

وقال مجاهد: إذا حج العبد وهو فحل أجزأت عنه حجة الإسلام، قال: وأما خبر محمد بن كعب عن النبي ﷺ فمرسل لا يعرف، وحديث ابن عباس وقفه جماعة (١). فإن صح وقفه فهو منسوخ؛ لأنه كان قبل الفتح، ومن قال: إنه ﵇ لم يحج بأم ولده فكذب شنيع لا يوجد. تاسعها: ادعى الطحاوي والطرطوسي، أن في هذِه الأحاديث ما يدل على أنه جائز للرجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاقها ولم يسألها أحججت أم لا، ويدل عليه تشبيهه بالدين ويجوز قضاؤه بغير إذن من عليه، قال: والذي يدل عليه أن من حج تطوعًا ولم يحج الفرض أنها تكون تطوعًا -كما قاله من قاله من أهل المدينة يعني: المالكيين والكوفة ولا يكون من حجة الإسلام كما قاله من قاله- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أول ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله جل وعلا لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا ما ضيع به من فريضته" (٢). والزكاة مثل ذَلِكَ ثم تؤخذ الأعمال على مثل ذَلِكَ، فدل أنه جائز للرجل أن يحج تطوعًا، وإن لم يكن حج الفرض، وأنه جائز أن يحج عن

стр. 6113

غيره قبل نفسه، قال: وأما حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: "من شبرمة" قال: أخ لي -أو قريب لي- قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "اجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (١). فلا حجة فيه لمن تعلق به، وهو حديث معلول. والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وكذا قال أحمد: الصواب وقفه عليه، وأعله بعضهم بالإرسال، والذي يصح في هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من رواية ابن عباس أنه سئل عن رجل لم يحج، أيحج عن غيره؟ فقال: "دين الله جل وعز أحق أن يقضيه" وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذَلِكَ الإحرام عن نفسه. وقال الطرطوسي: وهو حجة على من قال به؛ لأن قوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" وفي لفظ: "اجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" دليل على أنه كان انعقد عن شبرمة، فلو كان قد وقع هذا عن نفسه كما زعمتم كيف يقول له: "حج عن نفسك؟! " غير أن هذا كان في عام الفتح (٢)؛ لأنه ﵇ فسخ حجهم إلى عمرة، وإن خالف الشافعي في الفسخ، فقد رده عليه المتقدمون والمتأخرون والفقهاء

стр. 6114

والمحدثون، والجماعة مطبقون على أن هذا كان عام الفتح، فلما جاز فسخ الحج إلى العمرة جاز فسخه من شخص إلى شخص. فإن قُلْتَ: أراد بقوله: "اجعل هذِه عن نفسك" التلبية لا الإحرام. قُلْتُ: هذا غلط؛ لأنه قال: "أحججت عن نفسك؟ " وهو صريح في الحج دونها. قُلْتُ: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح بلفظ: "حج عن نفسك" (١)، ورواية ابن حبان في "صحيحه": "فاجعل هذِه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" (٢) قال البيهقي: إسناده صحيح ليس في الباب أصح منه (٣)، وصححه ابن القطان أيضًا عنه (٤) وحمله بعضهم على الندب عملًا بقوله: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وفي رواية للدارقطني: وها هنا بدل شبرمة نبيشة، والصواب شبرمة (٥). وما سلف من الجواز هو قول الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن محمد وأبي حنيفة ومالك، وحكي عن أحمد أيضًا مثله. وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق: لا يجوز، ويقع إحرامه عن حجة الإسلام، وعن ابن عباس يقع الحج باطلًا ولا يصح عنه ولا عن غيره، ونقل عن بعض الحنابلة كما في "المغني".

стр. 6115

وقال الشافعي في "مسنده": حَدَّثَنَا سعيد بن سالم، عن سفيان بن سعيد، عن طاوس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض الحج؟ قال: لا (١). وقال الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه يحج عن نفسه، وإلا حج عن غيره، وحكاه النووي عن أبي ثور وداود أيضًا محتجين بأن الحج بما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره ممن لم يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد في الرجل يحج عن الرجل ولم يكن حج قط قال: يجزئ عنه وعن صاحبه الأول. وعن يزيد بن هارون، حدثنا حميد بن الأسود، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا كان لا يرى بأسًا أن يحج الصرورة عن الرجل. وحَدَّثَنَا يزيد بن هشام، عن الحسن، أنه كان لا يرى بأسًا أن يحج الضرورة عن الرجل. وعن ابن المسيب بإسناد جيد إن الله واسع لهما (٢). فرع: لو كان عليه قضاء ونذر قدم القضاء ثم النذر، فإن خبّط ترتب، وعند أبي حنيفة ومالك يقع عما نواه (٣).

стр. 6116

٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]: الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ. ١٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الُحلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٣٧٩] ١٥١٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأوزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذِي الحلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃. [فتح: ٣/ ٣٧٩] ذكر فيه عن ابن عمر: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃. الشرح: معنى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: رجالة كما قاله ابن عباس (١)، وقرأه عكرمة مشددًا، وقرأ مجاهد رجالًا مخففًا، ويجوز رجلة ورجل

стр. 6117

ورجالًا، فهذِه ستة أوجه في جمع راجل، إلا أن ما روي عن مجاهد غير معروف، قال ابن عباس فيما ذكره ابن المنذر في الآية: هم المشاة والركبان على كل ضامر من الإبل. وروى محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما فاتني من شيء أشد علي إلا أن أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: ركبانًا، فبدأ بالرجال قبل الركبان (١). وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مجاهد قال: أهبط آدم بالهند فحج على قدميه البيت أربعين حجة. وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ حجا ماشيين (٢)، وحج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد بين يديه (٣). وفعله ابن جريج والثوري، وحج رسول الله ﷺ راكبًا، وكذلك حديث ابن عمر وجابر في هذا الباب، وذلك كله مباح لكن الأظهر عندنا أن الركوب أفضل وفاقًا لمالك للاتباع ولفضل النفقة؛ فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة (٤). وقال المروذي: قرئ على أبي عبد الله، ثنا وكيع، ثنا فضيل -يعني: ابن عياض- عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال (٥).

стр. 6118

وصحح جماعة أن المشي أفضل، وبه قال إسحاق؛ لأنه أشق على النفس، ولذلك بدأ به في الآية. وفي حديث صححه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من حج إلى مكة ماشيًا حتَّى يرجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم" فقيل: وما حسنات الحرم؟ قال: "كل حسنة بمائة ألف حسنة" (١). ولأبي موسى المديني بإسناده: "الحاج الراكب له بكل خف يضعه بعيره حسنة، والماشي له بكل خطوة يخطوها سبعون حسنة من حسنات الحرم" وفيه القدامي (٢). وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج رسول الله ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة فقال: "اربطوا على أوساطكم مآزركلم وامشوا مشيًا خلط الهرولة" ثم قال: صحيح الإسناد (٣). قُلْتُ: ينظر هذا أو يبدأ بأصحابه (٤).

стр. 6119

قال ابن القصار: في قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب على الرجالة، وهذا خلاف الآية. ولا نسلم له ما ذكره وأين القطع. وقول البخاري: (﴿فِجَاجًا﴾: الطرق الواسعة) اعترض عليه الإسماعيلي فقال: الفج: الطريق في الجبل بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك لم يسم الطريق فجًا. وليس بجيد منه؛ فقد قال ابن سيده: الفج: الطريق الواسع في جبل أو قبل جبل، وهو أوسع من الشعب، وقال ثعلب: هو ما انخفض من الطرق، وجمعه فجاج، وأفجة نادرة (١). وقال صاحب "المنتهى": فجاج الأرض: نواحيها. وقال القزاز، وابن فارس (٢)، والفارسي في "مجمعه": الفج: الطريق الواسع. وفي "التهذيب": ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: واسع غامض (٣). وكذا ذكره أبو عبيد. وقال الطبري: يأتين من كل طريق ومكان ومسلك بعيد، وقال: ابن عباس، وقتادة: من كل مكان بعيد (٤)، والعميق في اللغة: البعيد، بئر عميق أي: بعيدة القعر. وقال الزجاج: ﴿يَأْتِينَ﴾ على معنى الإبل وعلى كل بعير ﴿ضَامِرٍ﴾ يعني: الجماعة. وقال الفراء: وقرئ (يأتون) فذهب إلى الركبان (٥).

стр. 6120

وعزيت إلى ابن مسعود، وذكر بعضهم أنه يقال: ناقة ضامر فيجيء ﴿يَأتينَ﴾ مستقيمًا عليه وقيل: الضامرة: ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذَلِكَ، وهو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق، فيحسن لذلك قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ وذكر أن العميق البعيد في المسافة، وذكر عن الفراء. وأما في الحفير في الأرض وشبهه، فهو بغين معجمة. وقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فقال ابن عباس وسعيد بن جبير: التجارة (١). زاد مجاهد وعطاء: ما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة (٢). وقال أبو جعفر: المغفرة (٣)، واختاره إسماعيل بن إسحاق. وسيأتي الاختلاف في بدءِ إهلال رسول الله ﷺ بعد في موضعه إن شاء الله. وأحمد بن عيسى شيخ البخاري في حديث ابن عمر هو: التستري، وأخرجه البخاري عن شيخه هذا، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أخيه. والذي في "مسند ابن وهب" عبد الله، رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا. وعطاء في حديث جابر هو ابن أبي رباح، وإن كان أيضًا ابن يسار روى عن جابر، لكن الأوزاعي لم يرو إلا عن ابن أبي رباح. والحديث من رواية الأوزاعي عنه.

стр. 6121

واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديثين شيء بما ترجم الباب به. قُلْتُ: قد أسلفنا مناسبته، ولا شك أن ذا الحليفة فج عميق، وركوبه تفسير للضامر في الآية، وحديث أنس يأتي مسندًا في باب: من بات بذي الحليفة (١). وحديث ابن عباس أسنده في باب ما يلبس المحرم (٢).

стр. 6122

٣ - باب الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ ١٥١٦ - وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارِ، عَنِ القَاسِمِ عنِ مُحَمَّدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الَحجِّ، فَإنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٣٨٠] ١٥١٧ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بن أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسً عَلَى رَحْلٍ، وَلم يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. [فتح: ٣/ ٣٨٠] ١٥١٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلم أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٣٨٠] وَقَالَ أَبَانُ: ثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَب. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. ثم قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ وهو بالباء الموحدة قبل اللام، ثنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ

стр. 6123

فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَنْعِيمِ". فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. الشرح: التعليق الأول أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من حديث عبدة بن عبد الله، نا حَرَمي بن عمارة، ثنا أبان، يعني: ابن يزيد العطار فذكره. والتعليق الثاني: وهو قوله. وقال محمد بن أبي بكر -وهو: المقدمي شيخ البخاري- ووقع في بعض النسخ: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر، وقد وصله أيضًا الإسماعيلي فرواه عن يوسف القاضي وغيره عنه. وقال أبو نعيم: حَدَّثَنَا علي بن هارون وأبو الفرج النسائي، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد فذكره، ورَوى حجَّه على رَحْلٍ ابن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا روح، عن يزيد بن أبان، عن أنس قال: حج رسول الله ﷺ على رحل وقطيفة لتساويان -أو قال لا تسوي- إلا أربعة دراهم (١). زاد ابن ماجه "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة" (٢) قال ابن أبي شيبة: وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ حج على رحل فاهتز -وقال مرة: فاجتيح- فقال: "لا عيش إلا عيش الآخرة" (٣). وحديث عائشة أخرجه الإسماعيلي أيضًا، ومستخرجه عن القاسم بن زكريا، عن محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر، عن أيمن به، وصريح إيراد البخاري أنه أخرج لأيمن استقلالًا كما قال المزي أنه متابعة. والرحل: مركب للبعير لا غير، والرحال جمع رحل (٤).

стр. 6124

والقتب -بالتحريك- رحل صغير على قدر السنام، قاله في "المنتهى"، والجمع أقتاب، ويجوز تأنيثه عند الخليل (١)، وغيره يرى أن قتيبة تصغير قتب وهو المعاء، وحكى ابن سيده كسر القاف وإسكان التاء أيضًا وقال هو أكاف البعير قال: وقيل: هو الأكاف الصغير على قدر سنام البعير (٢)، وقال في "المخصص": وقيل: القَتَب لبعير الحمل، والقِتب لبعير السانية (٣). والزاملة: الدابة التي يحمل عليها من الإبل وغيرها (٤). قال القزاز: وهي بعير يستظهر به أي يحمل متاعه وطعامه عليه. وجزم به ابن التين وهذا الباب معقود لفضل الحج على الرواحل، وفعله الشارع تواضعًا لربه تعالى وإتعابًا لنفسه وضنًّا لبدنه شكرًا ويضحي يصيبه الحر والبرد ولئلا يتعجل شيئًا من حسناته وتتأسى به أمته. ومعنى أحقبها: أردفها (٥). والتنعيم: موضع بقرب مكة من جهة المدينة، وهو أول الحل (٦). وقول عمر: (فإنه أحد الجهادين) يعني: الحج سماه جهادًا؛ لأنه يجاهد فيه نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء الشيطان عن الشهوات.

стр. 6125

٤ - باب فَضْلِ الحَجِّ المَبُرْورِ ١٥١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أَيُّ الأَعمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". ١٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الُمبَارَكِ، حَدّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْن أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الُمؤْمِنِينَ ﵂ أنَهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". [١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦ - فتح: ٣/ ٣٨١] ١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الَحكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لله، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمّهُ". [١٨١٩، ١٨٢٠ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٣/ ٣٨٢] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة: قَالَ: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبرورٌ". وهذا الحديث سلف واضحًا في باب من قال: إن الإيمان هو: العمل، "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (١)، كما أخرجاه من حديث أبي هريرة بزيادة في أوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما

стр. 6126

بينهما" (١) ولأحمد من حديث جابر قالوا: يا رسول الله، ما الحج المبرور؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام، (٢) علقه محمد بن ثابت، قال أبو حاتم: حديث منكر شبه الموضوع (٣). وفي رواية للجُوزي: ما بره؟ قال: "العج والثج" قال: فإن لم يكن. قال: "طيب الكلام"، وللحاكم: "طيب الكلام" بدل "إفشاء السلام" ثم قال: صحيح الإسناد ولم يحتجا بأيوب بن سويد، لكن له شواهد كثيرة (٤)، وروى سعيد بن المسيب مرفوعًا: "ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال". وقوله: "مبرور" قال ابن التين: يحتمل أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف جر، ونقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بمبرور وصف المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديًا، قال: وحديث: "المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٥) قيل: يريد به النافلة؛ لأنه سبق على الحج الجهاد، وليس فرضه كفرض الحج فيدل ذَلِكَ على أن هذا الحج نافلة. ثانيها: حديث عائشة: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبرورٌ".

стр. 6127

وهو من أفراده وأخرجه في موضع آخر بلفظ: استأذنت رسول الله ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" (١) وله عنها: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور" قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٢). وذكره في الجهاد عنها بلفظ: سأله نساؤه عن الجهاد، قال: "نعم الجهاد الحج" (٣) وفي آخر: واستأذنته عائشة، فقال: "جهادكن الحج" (٤) ولابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح عنها قُلْتُ: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: "نعم جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" (٥). وضبطه (٦) الأصيلي بضم الكاف وتشديد النون، وكذا في أصل الدمياطي أيضًا، قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي تميل إليه نفسي، وسماه جهادًا لما أسلفنا في الباب قبله. قال ابن بطال: وإنما جعل الجهاد في حديث أبي هريرة أفضل من الحج؛ لأن ذَلِكَ كان في أول الإسلام، وقلت: وكان الجهاد فرضًا متعينًا على كل أحد، فأما إذا ظهر الإسلام وفشى، صار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به، فالحج حينئذ أفضل ألا ترى قوله ﵇ لعائشة: "أفضل جهادكن الحج" لما لم تكن من أهل (القتال) (٧) والجهاد

стр. 6128

للمشركين، فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه وكان له ظهور وقوة وخيف منه توجه فرض الجهاد على الأعيان وصار أفضل من الحج (١). وكذا قال ابن التين الحج أفضل، وقال المهلب: وقوله: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" يفسر قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أنة ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" فدل أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، فإن قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد قيل: قالت حفصة: قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله ﷺ ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وهو في الصحيح (٢)، وكان ﵇ إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها غزا بها (٣). قال: في هذا وفي إذن عمر لهن بالحج إبطال إفك المشغبين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أنه ﵇ قال لأزواجه: "هذِه ثم ظهور الحصر" (٤)، وهذا ظاهر لا خلاف؛ لأنه حضهن على الحج وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن، وسير عثمان معهن. يعني الحديث المذكور آخر كتاب الحج حجة قاطعة على

стр. 6129

ما كذب به عليه في أمر أم المؤمنين، وكذا قولهم عنه أنه قال لها: "تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة" فإنه لا يصح. قُلْتُ: حديث "ثم ظهور الحصر" أخرجه أبو داود في "سننه" من حديث أبي واقد الليثي، عن أبيه بإسناد جيد (١)، وأما حديث: "تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة" فليس بمعروف، والمعروف أن هذا قاله للزبير بن العوام مع ضعفه. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لله، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". هذا الحديث أخرجه مسلم بألفاظ ليس فيه لفظة (لله) منها: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" (٢). ومنها: "من حج فلم يرفث ولم يفسق". وهذا الحديث من قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والرفث: الجماع أو التعريض به أو القبيح من القول. والفسوق: المعاصي كلها أو الذبح لغير الله أو إتيان المعاصي في الحرم أو السباب، أقوال. وقال ربيعة: هو قول الزور. وقرئ (فلا رفوث ولا فسوق) وكذا هو في مصحف عبد الله، وزعم ابن حزم أنه لا يحرم على المحرم إلا الإيلاج فقط، ويباح له أن يقبلها ويباشرها قال: لأن الله تعالى لم ينه إلا عن الرفث، وهو الجماع فقط ولا عجب أعجب ممن نهى عن ذَلِكَ، ولم ينه الله تعالى ولا رسوله عن ذَلِكَ (٣).

стр. 6130

٥ - باب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ ١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكٌ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرِ: أنَهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلهِ -وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ- فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لأهلِ نَجْدٍ قَرْنَا، وَلأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الُحلَيفَةِ، وَلأهْلِ الشاْمِ الجُحْفَةَ. ذكر فيه حديث زيد بن جبير أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ -وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ- فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَا، وَلأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ. هذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه. وزيد بن جُبير -بضم الجيم- ثقة (١)، وهو غير زيد بن جَبيرة (ت. ق) -بالفتح- الواهي (٢).
следующие страницы →