← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى ﴿صَومًا﴾: إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام: إذا أمسك عن الكلام. ولا يعترض عَلَى هذا بقوله: ﴿فَقُولى﴾ لأن المراد به الإشارة، بدليل قوله بعد ﴿فَأَشَارَت إِلَيهِ﴾ الآية، وقيل: معناه: أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر الله جلّ وعز عَلَى مقدار ثوابها بعض مخلوقاته -وقد سلف- وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اَللهِ﴾. وقال الثقفي في "نضرة الصحاح": لأنه يتعلق بالنية، والنية محلها القلب فلا يطلع عليها غير المطلع عليها، فالرب يتولى جزاءه، والحفظة لا تعلم النية، وما أحسن ما حكاه ابن العربي عن الزهاد أن الصوم عن الطعام والمحظورات صوم العوام، وأن صوم الخواص هو الصوم عن غير ذكر الله، وخواص الخواص هو الصوم عن رؤيته، فلا يفطر إلا برؤيته. ولقائه، ويوم أراكم ذاك فطر صيامي، وهذا الذي قَالَ فيه تعالى: "الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (١)، وفيه أقوال أخرى ذكرها الطالقاني في كتابه "حظائر القدس". فائدة: سيأتي في باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، عقب قوله: "من ريح المسك" "وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (٢) أما عند لقاء ربه فلما يرى من الخيرات المعدة له وما قدمه، وعند

стр. 7282

فطره لتمام عبادته، وسلامتها من المفسد، وأبعد من قَالَ أنه بإباحة الأكل. فائدة أخرى: قوله: ("وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ") أقسم للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبّ اَلسَّمّاَءِ وَالأَرضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]. أخرى: أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة السواك للصائم بعد الزوال وقال: إنه يزيل الخلوف، ورأيت في البويطي عدم الكراهة، وبه قَالَ مالك (١)، وأكثر الفقهاء، ومنعوا أنه يزيل؛ لأنه من المعدة. وقوله: ("يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي") يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف عَلَى المسك، وأن يكون لأجل الصوم.

стр. 7283

٣ - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ". قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ التِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٤/ ١١٠] ذكر فيه حديث جامع -هو ابن أبي راشد أخو الربيع الكوفي، وفي طبقته جامع بن شداد أبو صخرة الكوفي- عَنْ أَبِي وَائِلٍ -وهو شقيق بن سلمة الأسدي- عن حذيفة قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَحْفَظُ حديث رسول الله ﷺ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّيَامُ وَالصَّدَقَة" الحديث. وقد سلف في: الصلاة كفارة (١). ومعنى "فِتْنَةُ الرَّجُلِ": قَالَ الداودي: يعني ينقص له من حسناته إن ظلم أحدًا منهم، والفتنة هنا النبلاء والاختبار، وهي هنا شدة حب الرجل لأهله وشغفه بهن، كما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قَالَ: رأيت النبي ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ ووضعهما في حجره، ثم قَالَ: "صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر" ثم

стр. 7284

أخذ في خطبته (١) وسمع عمر رجلًا يستعيذ بالله من الفتنة، فقال له: أتدع الله أن لا يرزقك مالًا وولدًا؟! فاستعذ بالله من مضلات الفتن (٢). وقال ابن مسعود: لا يقل أحدكم اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل عَلَى فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُم وَأَولَدُكمُ فِتنَةٌ﴾ (٣) [الأنفال: ٢٨] فأيكم استعاذ فليستعذ باللهِ من مضلات الفتن، ومن فتنة الأهل الإسراف والغلو في النفقة عليهن والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل، وفتنته في ماله أن يشتد سروره

стр. 7285

بحيث يغلب عليه، وهو مذموم، ألا ترى أنه ﷺ لما رأى علم الخميصة في الصلاة ردها إلى (أبي جهم) (١). وقال: "كاد يفتنني" (٢) فتبرأ مما خشي منه الفتنة، وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في حائطه فطار دُبْسِى، فأعجبه فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته فلم يَدْرِكم صلى فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذَلِكَ له فقال: هو صدقة يا رسول الله فضعه حيث شئت (٣). ومن فتنة المال أيضًا أن لا يصل أقاربه ويمنع معروفه أجانبه، وفتنته في جاره أن يكون أكثر مالًا منه وحالًا فيتمنى مثل حاله، وهو معنى قوله

стр. 7286

تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] فهذِه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فما دونها، تكفرها أعمال البر، ومصداق ذَلِكَ ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. قال أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلوات الخمس (١)، والسيئات: الصغائر. وقوله: (ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ) أي: ذَلِكَ أحرى كأنه يقول ذَلِكَ أولى به (وأحق) (٢).

стр. 7287

٤ - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ ١٨٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ". [٣٢٥٧ - مسلم: ١١٥٢ - فتح: ٤/ ١١١] ١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". [٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦ - مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٤/ ١١١] ذكر فيه حديث سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ". وحديث ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا خَيْرٌ. فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ .. الحديث

стр. 7288

الشرح: حديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي رواية للبخاري: "في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون" (٢) وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ولابن زنجويه في "الأول": "فإذا دخلوا أُغْلق، فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدًا" (٤) وفي رواية لأبي موسى المديني في "ترغيبه": "من دخل منه لم يظما أبدًا" قَالَ أبو موسى: وفي الباب عن ابن مسعود. وزعم الدارقطني أن نبيه بن عثمان رواه عن خليد بن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة وقال: غريب تفرد به نبيه، عن خليد. وأخرجه ابن حبان من حديث أبي صالح عنه: سأل الناس رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وفيه: "فإذا جاوز الجسر فكل من أنفق زوجًا من المال مما يملكه في سبيل الله تعالى، فكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله، يا مسلم هذا خير" فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن ذَلِكَ عبد لا توى عليه يدع بابًا

стр. 7289

ويلج من آخر .. الحديث (١). وفي مسلم: "أي فل هلم" (٢)، ولأبي عمر من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عنه: "ما من أحد ينفق زوجين من ماله إلا دُعي من أبواب الجنة الثمانية" وقال: لا يصح هذا الإسناد عن مالك، ومحمد بن عبد الله وأبوه متهمان بوضع الأحاديث والأسانيد (٣). قَالَ: وأكثر الرواة عَلَى وصل هذا الحديث -يعني: حديث الباب- إلا يحيى بن بكير فإنه أرسله عن حميد، عن النبي ﷺ ، وكذا رواه التنيسي، عن مالك، وقد أسنده جلة عن مالك، وليس هو عند القعنبي لا مسندًا ولا مرسلًا (٤). قلت: قد ذكر الدارقطني في كتاب "الموطآت" أن القعنبي رواه كما رواه أبو مصعب ومعن وغيرهما مسندًا، والله أعلم. وفي "صفة الجنة" لأبي نعيم الحافظ من حديث عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود مرفوعًا (٥): "للجنة ثمانية أبواب، سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة، حَتَّى تطلع الشمس من مغربها" (٦).

стр. 7290

إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الريان: فعلان من الرِيّ بالكسر هو نقيض العطش، وسمي بذلك لأنه جزاء الصائمين عَلَى عطشهم وجوعهم. واكتفي بذكر الري عن الشبع (١)؛ لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا؛ وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش كما خص رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق بباب في المسجد؛ يقرب منه خروجه إلى الصلاة فلا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا (٢). وفي "مسند البزار" من حديث الوليد بن رباح بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا أن لهم حوضًا لا يرده غيرهم -يعني الصوام- ثم قَالَ: لا نعلمه رواه عن أبي هريرة إلا الوليد (٣).

стр. 7291

قلت: قد رواه المطلب بن عبد الله عنه أيضًا، ذكره ابن أبي عاصم في كتاب "الصوم" حيث قَالَ: وللصوام حوض لا يرده غيرهم، ثم ساقه. ثانيها: معنى: "دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاةِ" أي: المكثر من صلاة التطوع، وكذا غيرها من أعمال البِّر، لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن يدعى من أبواب جهنم. وأما أسماء هذِه الأبواب، ففي "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي من أبواب الجنة: باب محمد ﷺ وهو: باب الرحمة، وباب التوبة، وهو منذ خلقه الله تعالى مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة (١). روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألم به هل له فيه توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت فرأى عينيه تزرفان فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة، فإن عليه ملكًا موكلًا به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس (٢). ذكره ابن بطال (٣). ووجه الاتفاق في ذَلِكَ ما يتقوى به عَلَى طاعة الله تعالى، ويتحلل من المحارم التي سلفت منه، ويؤدي المظالم إلى أهلها، وسائر الأبواب

стр. 7292

مقسومة عَلَى أعمال البر، باب الزكاة، العمرة، الحج، الصلة، وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين، الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. وفي كتاب "الصوم" لابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: "لكل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل" (١) وذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم (٢). وفي كتاب الآجري عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن في الجنة بابًا يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يدومون عَلَى صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا" (٣).

стр. 7293

وفي "الفردوس" عن ابن عباس مرفوعًا: "للجنة باب يقال له: باب الفرح، لا يدخل منه إلا بفرح الصبيان" (١). وفي "التحبير" للقشيري عن رسول الله ﷺ : "الخُلُق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة،

стр. 7294

والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة، حيثما ذهب الخُلُق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها حَتَّى تدخله من ذَلِكَ الباب إلى الجنة" (١). وعند الحافظ أبي عيسى الترمذي باب الذكر، وذكر البراء في كتاب "الروضة" عن أحمد بن حنبل، حَدّثَنَا روح، ثَنَا أشعث، عن الحسن قَالَ: إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة، فقال لابنه: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حَتَّى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دواد، وعبد الرحمن بن إسحاق، فإنهما طلبا دمي وأنا أهون عَلَى الله من أن يُعذب فيَّ أحد، أشهدك أنهما في حل. ومنها: باب الحافظين فروجهم والحافظات، المستغنين بالحلال عن الحرام، غير المتبعين للشهوات، ذكره ابن بطال حيث قَالَ: أبواب الجنة ثمانية، وذكر منها في الحديث أربعة، فمن الأربعة الباقية: باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ثم ساق حديث الحسن. وباب التوبة. ويمكن أن يكون من الثلاثة الباقية باب المتوكلين الذين يدخلون الجنة في سبعين ألفًا من باب واحد، لا يدخل أولهم حَتَّى يدخل آخرهم، ووجوههم كالبدر الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 7295

ووجه الإنفاق في ذَلِكَ أنهم ينفقون عَلَى أنفسهم في حال المرض النافع لهم من التصرف في طلب المعاش، صابرين عَلَى ما أصابهم، وينفقون عَلَى من أصابه ذَلِكَ البلاء من غيرهم. ومنها: باب الصابرين لله عَلَى المصائب، المحتسبين، الذين يقولون عند: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٦]. ومنها: باب الحافظين السالف. ووجه الإنفاق في ذَلِكَ الصداق، والوليمة، والإطعام، حَتَّى اللقمة يضعها في في امرأته، والله تعالى أعلم بحقيقة الثلاثة أبواب (١). وفي "صحيح مسلم" و"جامع الترمذي"، واللفظ له من حديث عمر مرفوعًا: "من توضأ ثم قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه، فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء"، ولم يذكر مسلم لفظة: "من" وقال: "فتحت له ثمانية أبواب الجنة" (٢) قَالَ أبو عمر في "تمهيده": كذا قَالَ: "من أبواب الجنة" (٣)، وذكره أبو داود والنسائي: "فتحت له أبواب الجنة الثمانية" ليس فيها ذكر (من) (٤). والمؤمن لا يدخل إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها عَلَى سبيل الإكرام.

стр. 7296

ثالثها: معنى قوله: "زَوْجَيْنِ": أي: شيئين، كدينارين، أو درهمين، أو ثوبين، وشبه ذَلِكَ. وقيل: دينار وثوب، أو درهم ودينار، أو ثوب مع غيره، أو صلاة مع صوم، فيشفع الصدقة بأخرى، أو فضل خير بغيره. قَالَ الداودي: والزوج هنا: الفرد، يقال للواحد: زوج، وللاثنين: زوج. قَالَ تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] وصوابه: للاثنين زوجان، تدل عليه الآية. وروى حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد وحميد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذر أن النبي ﷺ قَالَ: "من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة" ثم قَالَ: بعيرين، شاتين، حمارين، درهم. قَالَ حماد: وأحسبه قَالَ: خفين، وللنسائي: "فرسان من خيله، (يعني: بعيران) (١) من إبله"، وروي عن صعصعة قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرًا له عليه مزادتان، قَالَ: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده" قلت: زوجين ماذا؟ قَالَ: إن كان صاحب خيل ففرسين، وإن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، حَتَّى أعد أصناف المال (٢).

стр. 7297

وشبيه بهذا حديث الحماني عن مبارك بن سعيد عن أبي المحبر يرفعه: "من عال ابنتين أو أختين أو خالتين أو عمتين أو جدتين، فهو معي في الجنة" (١) لا يقال: إن النفقة إنما تسوغ في الجهاد والصدقة، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام، لأنهما أفعال جسمية، لأن معنى زوجين أراد نفسه وماله. والعرب تسمي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة، فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعه من سائر الأعمال: أنفقت في هذا عمري، وبذلت فيه نفسي، فتكون النفقة عَلَى هذا الوجه في باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه، لا يقال: كيف تكون النفقة في ذَلِكَ زوجين؟ وإنما نجد الفعل في هذا الباب نفقة الجسم لا غير؛ لأن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم في ذَلِكَ؛ لأنه لا بد للمصلي وللصائم من قوت يقيم

стр. 7298

به رمقه، وثوب يستره، وذلك من فروض الصلاة، ويستعين بذلك عَلَى الطاعة، فقد صار منفقًا لزوجين لنفسه وماله. وقد تكون النفقة في باب الصلاة أن يبنى مسجدًا لله للمصلين بدلالة قوله: "من بني لله مسجدًا بني الله له بيتًا في الجنة" (١). والنفقة في الصيام إذا فطر صائمًا وأنفق عليه يبتغي وجه الله بدلالة قوله ﵇ "من فطر صائمًا" فكأنما صام يومًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] فجعل الإطعام له عوضًا من صيام يوم. فإن قلت: إذا جاز تسمية استعمال الجسم في الطاعة نفقة، فيجوز أن يدخل في معنى الحديث "من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله" فالجواب: نعم، وهو أعظم أجرًا من الأول، يوضحه ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قَالَ: قَالَ رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قَالَ: "أن يعقر جوادك، ويهراق دمك" (٢) لا يقال: دخل في ذَلِكَ صائم رمضان، أو المزكي لماله

стр. 7299

ومؤدي الفرائض؛ لأن المراد النوافل وملازمتها، والتكرير منها، فذلك الذي يستحق أن يدعى من أبوابها. وسبيل الله: سبل الخير كلها، وقول المَلك: "هذا خير" في كل باب، يعني: ثوابًا وغبطة فيه؛ لأنه قاله عَلَى طريق التفاضل بين الأبواب. رابعها: قوله: (هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قَالَ: "نعم") يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة يدعى منها كلها، فلا ضرورة عليه (١) في دخوله من أي باب شاء، لاستحالة دخوله منها كلها معًا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو عَلَى سبيل الإكرام والتخيير له في الدخول من أيها شاء، كما أسلفناه. خامسها: قوله: ("وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ") الرجاء من النبي ﷺ واجب، نبه عليه ابن التين، وقال غيره أيضًا: والصديق من أهل هذِه الأعمال كلها. سادسها: فيه: أن أعمال البر كلها يجوز أن يقال فيها: سبل الله، ولا يخص ذَلِكَ بالجهاد وحده.

стр. 7300

وفيه: أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن الصديق منهم. وفيه: أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، وقد أرسل عبد الله بن عمر العمري (١) العابد إلى مالك يحضه عَلَى الانفراد، وترك الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجلٍ يفتح له في باب الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر يفتح له في باب الصدقة، ولم يفتح له في الصيام، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البِّر، وقد رضيت بما فتح لي من ذَلِكَ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كل منا عَلَى خير، ويجب عَلَى كل أحدٍ أن يرضى بما فتح الله له، والسلام (٢).

стр. 7301

٥ - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ". وَقَالَ: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ". ١٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ". [١٨٩٩، ٣٢٧٧ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١١٢] ١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ". [١٨٩٨ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١٩١٢] ١٩٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ: لِهِلَالِ رَمَضَانَ. [١٩٠٦، ١٩٠٧، ١٩٠٨، ١٩١٣، ٥٣٠٢ - مسلم: ١٠٨٠ (٨) - فتح: ٤/ ١١٣] ذكر فيه حديث أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ". وحديث الزهري: حدثني ابن أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطينُ".

стр. 7302

وحديث ابن عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْل وُيونُسُ: لِهِلالِ رَمَضَان. الشرح: تعليق "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ"، و"لَا تقدموا رَمَضَانَ" سيأتيان مسندين قريبًا (١). وحديث أبي هريرة الأول والثاني أخرجهما مسلم (٢)، ولمسلم: "فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرحمة" (٣)، وأبو سهيل في الأول هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وهو ابن أبي أنس في الثاني. قَالَ ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي المدينة: أخبرني عم جدى الربيع بن مالك بن أبي عامر -وهو عم مالك بن أنس المفتي- عن أبيه، فذكر حديثًا أنه عاقد عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فعدادهم اليوم في بني تيم لهذا السبب (٤). وقيل: حلف لبني عثمان أخي طلحة. وحديث ابن عمر: أخرجه مسلم أيضًا من طرق (٥). وقول البخاري: (وقال غيره): (يعني: غير يحيى بن بكير، والضمير في غيره) (٦) لعله يريد به كاتب الليث. وقد رواه الإسماعيلي عن إبراهيم بن هانئ، ثَنَا الزيادي، ثَنَا ابن بكير وأبو صالح، أن الليث

стр. 7303

حدثهما، ثَنَا عقيل .. الحديث. ثم قَالَ: قَالَ ابن ناجية في حديث البخاري، ثم ذكر مثل حديث يونس، وزاد فيه: وكان أبو هريرة يقول فيه: سمعت النبي ﷺ ، مثله. وقال: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين" (١). وللشافعي: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاِثينَ" (٢). قَالَ أبو عمر: كذا قَالَ، والمحفوظ من حديث ابن عمر: "فاقدروا له" (٣) وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه أن رسول الله ﷺ قَالَ لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يومًا". قَالَ: وحَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع: عنه: "إن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" (٤). قال أبو عمر: كذا في حديث ابن عمر، وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة وأبو بكرة وطلق الحنفي وغيرهم عن رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" بمعني واحد (٥).

стр. 7304

قلت: حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (١)، وأصله في مسلم (٢)، وحديث أبي بكرة وطلق أخرجهما البيهقي، وأخرجه أيضًا من حديث جابر من حديث أبي الزبير عنه، وعائشة (٣). قَالَ الدارقطني: إسناده صحيح (٤). وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين (٥)، وعمر ورافع بن خديج، وحديث حذيفة خرَّجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٦)، وهو عند النسائي مرسل (٧). قَالَ: ولم يقل في الحديث: عن حذيفة. غير حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اعترض بعضهم فقال: حديث ابن عمر غير مطابق للباب، وكان البخاري أشار إلى ما جاء في بعض طرقه الصحيحة أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حَتَّى تروا الهلال" .. الحديث (٨).

стр. 7305

ثانيها: فيما ذكره دلالة واضحة أنه لا يُكره أن يقال جاء رمضان، ولا صمنا رمضان، وهو ما اختاره هو والمحققون، وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان، وإنما يقال كما قَالَ تعالى: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى (١)، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضًا قَالَ: والطريق إليه والتي مجاهد ضعيفة (٢)، وهو قول أصحاب مالك، قَالَ النحاس: وهذا قول ضعيف؛ لأنه ﷺ نطق به، فذكر ما ذكره البخاري ثم قَالَ: والأحاديث كثيرة في ذَلِكَ. وفي "المصنف" من حديث الفضل الرقاشي عن عمه عن أنس مرفوعًا: "هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنان" الحديث (٣) ولأبي داود بإسناد جيد من حديث أبي بكرة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكُم: إني قمت رمضان كله، أو صمته كله" قَالَ: فلا أدري أكره التزكية، أو قَالَ: لا بد من نومة أو رقدة (٤).

стр. 7306

وفي "كامل ابن عدي" مضعفًا (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله جل وعز، ولكن قولوا: شهر رمضان" (٢)، وقال أبو حاتم: إنه خطأ، وإنما هو قول أبي هريرة (٣). وفي المسألة قول ثالث، وهو قول أكثر أصحابنا: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، فلا كراهة له، وإلا فيكره. قالوا: فيقال قمنا رمضان،

стр. 7307

ورمضان أفضل الأشهر، وإنما يكره أن يقال: قد (١) جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر، ونحو ذلك. قلت: قد روى البخاري -كما سلف- "إذا دخل رمضان" و"إذا جاء رمضان"، وأما ما رُوِي عن ابن عباس أن يهوديًّا سأل: لم سمي رمضان؟ فقال: لأن الذنوب ترمض فيه إرماضًا، أي: يحرقها ويذهبها، فواهٍ، فيه جماعةٌ متهمون. وفي بعض كتب الترغيب والترهيب من حديث عائشة: "أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين، وغفرها لهم" (٢) وعن أنس نحوه (٣). وقوله: ("أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ") يجوز فيه فتح الهاء. حكاه ابن دحية، والمشهور الإسكان، قَالَ ابن سيده: الشهر: القمر، سمي بذلك لشهرته (يعني في الثبوت) (٤) وظهوره، وسمي الشهر بذلك؛ لأنه يشهر بالقمر (٥). ثالثها: قالَ ثعلب: رمضان شهر حر ترمض فيه الإبل، فلا يقدرون عَلَى المسير. قَالَ ابن سيده: جمعه رمضانات ورماضين (٦)، وذكر غير ذَلِكَ. وقال المطرز: كره مجاهد أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله تعالى (٧).

стр. 7308

وفي "الجامع" هو مشتق من اسم الزمان، وذلك أنهم لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة سموها بالأزمنة التي فيها فوافق أيام رمضان أيام رمض الحر. وفي "الغريبين": هو مأخوذ من رمض الصائم، يرمض إذا حرَّ جوفه من شدة العطش، وفي "المغيث" لأبي موسى: اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضًا: إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي به لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها، وقيل: من رمضت في المكان بمعنى احتبست؛ لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه. وفعلان لا يكاد يوجد في باب فَعِل، وهو من باب فَعَل بالفتح كثير، فعلى هذا هو بهذا أشبه من قولهم: رمضت الفصال (١). وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب رمضان إلا شيئان، اسم هذا الشهر. وعن العرب أنها تقول: جاء فلان يعدو رَمْضًا، ورَمَضًا، وترميضًا، ورمضانًا إذا كان قلقًا فزعًا. رابعها: قوله: ("فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ") روي بتشديد التاء وتخفيفها، وهو محمول عَلَى الحقيقة فيه، وفي غيره، وأبواب السماء هنا المراد بها: أبواب الجنة كما جاء في الرواية الأولى، ويؤيده قوله في آخره: "وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ" وقد أسلفنا أنه حقيقة، فيسلسلون، ويقل أذاهم ووسوستهم، ولا يكون ذَلِكَ منهم كما هو في غير رمضان، ويدل عليه ما يذكر من تغليل الشياطين ومردتهم، بدخول أهل المعاصي كلها في الطاعة،

стр. 7309

والبعد عما كانوا عليه من الشهوات، وذلك دليل بين. وفيه تأويل آخر أنه عَلَى المجاز، ويكون فتح أبواب الجنة المراد بها: ما فتح الله عَلَى العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها الجنة من الصيام والصلاة والتلاوة، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل، والأعمال فيه أسرع إلى القبول، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصي وترك الأعمال المستوجبة بها النار، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، ليستنقذ منها ببركة الشهر قومًا، ويهب المسيء للمحسن، ويتجاوز عن السيئات، فهذا معنى الغلق، وكذلك "سُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ" يعني: اللهُ يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب عن المعاصي والميل إلى وسوسة الشيطان وغرورهم. وجاء في رواية أخرى: "وصفدت الشياطين" (١) والتصفيد: جعل الغل في العنق، ويكون ذَلِكَ علامة لدخول الشهر وتعظيم حرمته. وقال القرطبي: معناه أن الجنة تفتح وتزخرف لمن مات في رمضان لفضيلة هذِه العبادة الواقعة فيه، وتغلق عنهم أبواب النار فلا يدخلها منهم أحد مات فيه، وتصفيد الشياطين لئلا تفسد عَلَى الصائمين. وأما الاعتراض بأنا قد نرى الشر والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا فجوابه من وجوه: أحدها: أنها تُغَلَّ عن الصائمين في الصوم الذي حوفظ عَلَى شروطه بخلاف غيره. ثانيها: أن الشر واقع من غيرهم كالنفس الخبيثة والعادات الركيكة والشياطين الإنسية.

стр. 7310

ثالثها: أنه إخبار عن غالب الشياطين والمردة منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يصفد، والمقصود: تقليل الشر وهو موجود في شهر رمضان (١). وقد يقال: الحاصل من تلك الحركة -أعني: حركة المغلول- وإن قلَّتْ. خامسها: معنى: "فاقدروا له" ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، قَالَ تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَليهِ رِزفُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق. وممن قَالَ بهذا أحمد وغيره ممن يجوِّز صوم ليلة الغيم عن رمضان. وقَالَ آخرون منهم ابن سريج ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة والداودي: معناه: قدروه بحسب المنازل. يعني: منازل القمر. وفي "الفصيح": قدرت الشيء والثوب من التقدير قَدَرًا وقَدْرًا، وأنا أقَدِّره وأَقدُرُه جميعًا. وقال غيره: قدرته وأقدرته. ورواية: "فأكملوا" هي تفسير لأقدروا، ولهذا لم يجتمعا في رواية. قَالَ أبو عمر في "استذكاره": وقد كان كبار بعض التابعين يذهب في هذا إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب. قَالَ ابن سيرين: وكان أفضل له لو لم يعمل. وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قَالَ: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه، جاز له أن يعتقد الصوم وينويه ويجزئه، قَالَ: والذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية فاشية، أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وعلى هذا مذاهب

стр. 7311

جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلا أحمد، ومن قَالَ منهم بقوله: ذهابًا إلى أن معناه: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا (١). وفي "قنية المنية" من كتب الحنفية: لا بأس بالاعتماد عَلَى قول المنجمين. وعن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم. وقول من قَالَ: إنه يرجع إليهم عند الاشتباه بعيد. وعند الشافعي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان (٢). وقال المازري: حمل جمهور الفقهاء: "فاقدروا له" على أن المراد: كمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم؛ لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم (٣). وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان" (٤)

стр. 7312

فليس بمحفوظ كما قَالَ أبو حاتم (١)، وبعض المالكية من البغاددة ركن إلى أن المراد به: حساب النجوم. وقال به بعض الشافعية كما سلف. والحق أن الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصوم، وإنما إذا دلَّ الحساب عَلَى أن الهلال قد طلع من الأفق عَلَى وجه يُرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا، فهذا قد يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشترطة في اللزوم، فإن الاتفاق عَلَى أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدد أو بالاجتهاد أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه.

стр. 7313

وفي "الإشراف" لابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو إجماع من الأمة أنه لا يجب، بل هو منهي عنه، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك أنه من رمضان، منهم علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم (١)، والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور إسحاق (٢). وفي "المحلى" عن ابن عمر والضحاك بن قيس أنهما قالا: لو صمنا السنة كلها لأفطرنا اليوم الذي يشك فيه (٣). وجاء ما يدل عَلَى الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاصي ومعاوية وعائشة وأسماء بنت الصديق (٤)، فإن حال دون منظره غير وشبهه فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك والشافعي والأوزاعي، ورواية عن أحمد، فلو صامه وبان (له) (٥) أنه من رمضان يحرم عندنا، وبه قَالَ الثوري والأوزاعي. وقال ابن عمر، وأحمد وطائفة قليلة: يجب صومه في الغيم دون الصحو (٦).

стр. 7314

وقال قوم: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية (١)، ورواية عن أحمد (٢). قَالَ مطرف وجماعة أسلفناهم: ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطرًا متلومًا غير آكل ولا عازم عَلَى الصوم، حَتَّى إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال نوى وإلا أفطر، فيما ذكره الطحاوي. حجة الجماعة قوله: "فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (٣). وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عقد ثلاثين يومًا ثم صام. قَالَ الدارقطني: إسناد صحيح (٤). ولأبي داود عن حذيفة بإسناد جيد

стр. 7315

"لا تقدموا الشهر حَتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدة" (١).

стр. 7316

وعن ابن عباس: "فإن حال بينكم وبينه غمام فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان" (١).

стр. 7317

ومعنى غمَّ: ستر، ومنه الغم؛ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم: المستور الجبهة بالشعر. وسمي السحاب غيمًا؛ لأنه يستر السماء. ويوم الشك: أن يتحدث الناس برؤية الهلال أو يشهد بها من لا تقبل شهادته، فلو صامه عَلَى نية التطوع فهو حرام عَلَى الأصح، وغير مكروه عند الحنفي، وبه قَالَ مالك (١). قَالَ في "شرح الهداية": والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف. وفرض العوام التلوم إلى أن يقرب الزوال -وفي "المحيط": إلى وقت الزوال- فإن ظهر أنه من رمضان نواه وإلا أفطر، وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام، أو شعبان كله، أو وافق يوم الشك يومًا كان يصومه فالأفضل صومه بنية الفضل.

стр. 7318

وفي "المبسوط": الصوم أفضل، وتأويل النهي أن ينوي الفرض فيه (١). وفي "المحيط": إن وافق يومًا كان يصومه فالصوم أفضل وإلا فالفطر أفضل، والصوم قبله بيوم أو يومين مكروه، أي صوم كان، ولا يكره بثلاثة (٢)، وهو قول أحمد (٣). وأما ما ذكره الخطيب الحافظ عن عبد الله بن جراد: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، فكان الشهر قد غم علينا، فأتينا رسول الله ﷺ فوجدناه مفطرًا، فقلنا: يا نبي الله، صمنا اليوم. قَالَ: "أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يكون منه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه" (٤).

стр. 7319

فقد قَالَ هو: فيه كفاية عما سواه. لكن ضعفه أبو أحمد بن عدي وابن حبان وغيرهما. واستدل أبو حنيفة بما قَالَ مالك عن أهل العلم أنهم لا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا. وعندنا: إذا انتصف شعبان حرم الصوم ابتداء عَلَى الأصح. وفيه: حديث في السنن من طريق أبي هريرة، صححه الترمذي وابن حزم، واحتج به (١)، وخولف، ضعفه النسائي وأحمد (٢).

стр. 7320

وحديث عمران بن حصين الثابت في "الصحيح": "أصمت من سرر شعبان شيئا؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "فإذا أفطرتَ فصم يومين معًا" (١). إذا قلنا: إن سرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيها
следующие страницы →