ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ".
وحديث عائشةَ أنها قالت لِعُرْوَةَ: ابن أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ. فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَاه.
الشرح:
أصل الهبة من هبوب الريح، أي: مروره، وحقيقتها التمليك بلا عوض شرعًا في الحياة. وحقيقة ما ذكره البخاري أنه هدية، فإنها ما نقل إلى مكان الموهوب له على وجه الإكرام، فكل هدية هبة ولا عكس، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللترمذي في أوله: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور ولا تحقرن جارة .. " إلى آخره (٢)، والبخاري ساقه عن عاصم بن علي أنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الدارقطني: رواه عن ابن أبي ذئب يحيى القطان وابن عجلان وأبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه (٣).
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٤).
стр. 9452
إذا عرفت ذلك، فالكلام على الحديثين من أوجه:
أحدها:
في إعراب "يا نساء" أوجه ذكرها القاضي عياض أصحها وأشهرها بنصب النساء وجر المسلمات على الإضافة.
قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق (١)، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، والأعم إلى الأخص، كمسجد الجامع، وجانب الغربي. وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره، وعند البصريين يقدرون فيه محذوفًا أي: مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي ويقدر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال:
هؤلاء رجال القوم أي: ساداتهم وأفاضلهم.
ثانيها: رفعهما على معنى النداء والصفة، أي: يأيها النساء المسلمات. قال الباجي: كذا يرويه أهل بلدنا (٢).
ثالثها: رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: يا زيدُ العاقل برفع زيد ونصب العاقل (٣).
واقتصر ابن التين على أن قال: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾.
وقال ابن بطال: هو على غير الإضافة، التقدير: يأيها النساء
стр. 9453
المسلمات، ومثله: يا رجال الكرام، فالمنادي هنا محذوف وهو أيها، والنساء في تقدير النعت لأيها والمؤمنات نعت النساء. وحكى سيبويه: يا فاسق الخبيث (١)، ومذهبه أن فاسق وشبهه يعرف بـ (يا) كتعريف زيد في النداء، وكذلك يا نساء ها هنا، فَيُخّرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته، كما جازيا زيد العاقلَ، فيجوز على هذا يا نساءُ المسلمات.
ومن رواه بالإضافة ونصب النساء، فيستحيل أن يكون المسلمات هنا من صفات النساء؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه وإنما يضاف إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليه. هذا مذهب البصريين.
وقد أجازه الكوفيون -أعني: إضافة الشيء إلى نفسه- واحتجوا بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم منها قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾.
وقال الزجاج وغيره: معناه: دار الحال الآخرة، أن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله: صلاة الأولى، والمراد: صلاة الفريضة الأولى والساعة الأولى؛ لأنها أول ما فرض منها، ومعنى: دين القيمة: دين الملة القيمة، ولهذا وقع التأنيث لكنه يخرج يا نساء المسلمات على تقدير بعيد، وهو أن يُجعل نعتًا لشيء محذوف كما سلف في المسلمات كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات والمراد بالأنفس: الرجال، وفيه بعد لفساد المعنى؛ لأنه ﷺ إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص، وعلى هذا الوجه لا فضيلة لهن في ذلك إلا أن يُراد بالأنفس الرجال والنساء معًا،
стр. 9454
فيكون تقديره: يا نساء من الأنفس المؤمنات، على تقدير إضافة البعض إلى الكل، كما تقول: أخذت دراهم مال زيد، ومال زيد واقع على الدراهم وغيرها.
الثاني:
الفْرسن -بفاء مكسورة ثم راء ساكنة ثم سين ثم نون- وأصل الفرسن للإبل وهو موضع الحافر من الفرس، ويقال لموضع ذلك من البقر والغنم الظلف (١). قال ابن دريد: وهو ظاهر الخف والجمع: فراسن (٢).
وقال ابن سيده: هو طرف خُفِّ البعير، أنثى، حكاه سيبويه في الثلاثي، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنَات، كما قالوا: خَناصِر ولم يقولوا خِنْصِرات (٣).
وقال في "المخصص": هو عند سيبويه (فِعْلِنْ). لم يحك غيره في الأسماء ولا علمه صفة (٤). وقال أبو عبيد: السلامى: عظام الفرسن كلها (٥).
وقال في "الجامع": هو للبعير بمنزلة الظفر من الإنسان.
وقال في "المغيث": هو عظم قليل اللحم وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خف البعير (٦).
стр. 9455
وقال الجوهري: ربما استعير للشاة (١)، وكذا قال ابن السكيت وأنشد:
أشكو إلى مولاي من مولاتي … ترْبُط (٢) بالحبل أكرعاتي
فاستعار الأكارع للإنسان كما استعار الفرسن للشاة.
قال ابن السراج: والنون زائدة (٣)، ووضعها النضر بن شميل في كتاب "الإبل" فأحسن فقال في الفرسن: أم القِردان من ظاهر وباطن، وفي كل فرسن ست سلاميات ومنسمان، والأظل والخف: هو الجلدة الغليظة التي في باطن فرسنه. وفي الفراسن ستة أشياء عَدَّدَها. والفرسن أسفل الرجل من البعير ثم الوظيف ثم الذراع ثم العضد ثم الكتف، وعبارة الأصمعي: الفرسن ما دون الرسغ من يدي البعير
وهي مؤنثة والجمع: الفراسن.
الثالث:
فيه الحض على التهادي والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة المقيمة للأرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدي لإطراح التكليف، وفي حديث عائشة ما كان عليه إليك من الزهد في الدنيا والصبر على التعلل وأخذ البلغة من العيش وإيثاره الآخرة على الدنيا؛ لأنه قد خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وأن يكون نبيًّا عبدًا ولا يكون ملكًا فهذِه سنته وطريقته.
стр. 9456
وفيه فضل التقلل والكفاف على النعم والترفه، وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى، وفيه: أن من السنة مشاركة الواجد المعدم، وأن يكون الناس يشتركون فيما في أيديهم بالتفضل من الواجد.
قال عياض: وفيه الحض على الصدقة، ويحتمل أن يكون نهيًا للمعطاة عن الاحتقار، ولا يحقر المهدي إليه ولا المهدي؛ لأن في احتقاره انقطاعًا عن المعروف وربما لم يكن الكثير كل وقت، فإذا تواصل اليسير كان كثيرًا.
وفيه: ما كانت الأنصار عليه من الكرم والمواساة، وقد آثروا على أنفسهم.
الرابع:
قولها: (الأسودان: التمر والماء) هو من باب التغليب كالأبيضين الماء واللبن وغير ذلك.
وقال ابن سيده: فسره أهل اللغة بالماء والتمر وعندي أنها إنما أرادت: الحرة والليل، قيل لهما: الأسودان لاسودادهما؛ وذلك لأن وجود التمر والماء عندهم شبع وري وخصب لا شِصْب، وإنما أرادت عائشة أن تبالغ في شدة الحال، وتنتهى في ذلك بأن لا يكون معها إلا الليل والحرة، أذهب في سوء الحال من وجود التمر والماء، وضاف مُزبّدًا المدني قوم فقال لهم: ما لكم عندنا إلا (الأسودان) (١). فقالوا: إن في ذلك لمقْنَعا التمر والماء. فقال: ما ذلك أردت والله، إنما أردت الحرة والليل. وقيل: إن الأسودين الماء واللبن وجعلهما بعض الرجاز الماء والفَثّ وهو ضرب من البقل يُخْتَبَر، فيؤكل فقال:
стр. 9457
الأسودان أبردا عظامي … الماء والفث دوا أسقامي (١)
والمنائح: جمع منيحة، قال الفراء: منحته أَمْنَحُه وأَمْنِحُه: وهي الناقة والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة.
قال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، وأن يمنحه ناقة أو شيئًا هبةً، أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها (٢).
وقال الحربي: العرب تقول: منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعومتك (٣) النخلة، وأعمرتك الدار، وهذِه كلها هبة منافع يعود بعدها مثلها.
قال الداودي: ويقال لعطية ركوب الدواب ولبس الثياب: عارية، مشددة ومخففة.
قال ابن حبيب: ويقال للعبد: أخدمتك، ومن المنحة قرض الذهب
والورق، ويقال لما وقف مؤبدًا: حَبْس. وأكثر العرب يجعلها للعارية دون الهبة وهو تأويل قوله: "المنيحة مردودة" (٤).
стр. 9458
وقال التوزي في "شرح شعر أبي ( … ) (١) ": أصلها العارية، ثم استعمل حتى صارت كل هبة منيحة.
وقال اللحياني: لا تكون إلا المعارة للبن (٢) خاصة، وقيل: كل شيء يقتصد به قصد شيء فقد منحته إياه، كما تمنح المرأة وجهها المرأة (٣).
وقول القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة، ولا تكون شاة، والأول أعرف.
стр. 9459
٢ - باب القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ". [٥١٧٨ - فتح: ٥/ ١٩٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعِ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ".
هذا الحديث من أفراده وأخرجه في الأنكحة بلفظ: "لو دعيتُ إلى كراعِ لأجبتُ، ولو أهدي إلى ذراع لقبلتُ" (١) والكُراع في حد الرسغ وهو في البقر والغنم بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير أي: وهو خفه وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث وفي المثل: (أُعْطِى) (٢) العبد كراعًا فطلب ذراعًا (٣). والذراع من جيد اللحم، وقيل: إن الكراع هنا اسم موضع وذكره الغزالي في "الإحياء" بلفظ: كراع الغميم (٤)، ولم أره كذلك، ويرده رواية الترمذي عن أنس مرفوعًا: "لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت" ثم صححه (٥).
وادعى صاحب "التنقيب على المهذب" أن سبب هذا الحديث أن أم حكيم بنت وادع قالت: يا رسول الله، أتكره الهدية؟ فقال ﷺ :
стр. 9460
"ما أقبح ردّ الهدية، لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع لقبلت" (١).
فائدة: الذراع أفضل من الكراع وكان ﷺ يحب أكله ولهذا سُمَّ فيه وإنما كان يحبه؛ لأنه مبادئ الشاة وأبعد من الأذى.
ثانية: قد ذكرنا الحديث من طريقين وزيادة ثالث إن صح، وذكره ابن منده في "مستخرجه" أيضًا من حديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله.
ثالثة: هذا منه ﷺ حَضّ لأمته على المهاداة والصلة والتأليف والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحتقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدي، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
رابعة: قوله: "لو أهدي إليّ ذراع" أي: لحم ذراع؛ لأن الذراع مؤنثة وسُمِعَ من العرب: جاءته كتابي فخرقها (٢).
وادعى ابن التين أن الكراع من الدواب ما دون الكعب من غير الإنسان، ومن الإنسان ما دون الركبة. قال عن ابن فارس: كراع كل شيء طرفه (٣).
стр. 9461
وقال أبو عبيد: الأكارع قوائم الشاة وأكارع الأرض أطرافها (١).
وفي الحديث: "لا بأس بالطلب في أكارع الأرض" (٢) أي: أطرافها القاصية، شبهه بأكارع الشاة أي: قوائمها.
قال (٣): وفيه إجابة الدعوة لما قَلّ أو كَثُر، وَتَقبَّلهَا هدية ليُقْتدى به فيه.
وحديث أبي قتادة مطولًا، وفيه: فناولته العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
وقد سلفا (١)، وقائل ذلك هو محمد بن جعفر راويه أولًا، عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي، عن أبيه، كما سيأتي في الأطعمة (٢)، والتعليق سلف عنده مسندًا في أجر الرقية (٣) إذا تقرر ذلك فاستيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أنّ ما يستوهبه تطيب به نفسه ويُسَرّ بهبته.
ويبينُ هذا أنه قد جاء أن المرأة كانت تطوعت لرسول الله ﷺ وسألته أن تصنع له المنبر ووعدته بذلك، وإنما قال: "اضربوا لي معكم سهمًا" في الغنم التي أخذوا في الرقية بالفاتحة. وقال في لحم الصيد: "هل معكم منه شيء؟ " ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا بأكله منه، ومن هذا الحديث قال بعض الفقهاء: إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم مندبون إلى مشاركتهم.
فصل:
قوله في الحديث الأول: (امرأة من المهاجرين)، كذا وقع هنا، وفي أصل ابن بطال بدله: من الأنصار (٤)، وهو الصواب.
стр. 9464
قال ابن التين: أكثر الروايات أنها من الأنصار، ولعلها كانت هاجرت وهي مع ذلك أيضًا أنصارية الأصل أو يكون وَهَلا (١).
ومعنى قضاه: صنعه وأحكمه. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
وقوله: "فليعمل لنا أعواد المنبر" وحكاه الخطابي (فليفعل) أي: فعلا في أعواد المنبر من نجر وتسوية وخرط، قال: والظاهر في الاستعمال أن يقال: فليصنع أو فليجعل وذلك أن لفظ الفعل جملة تحتها أقسام، وجنس يتفرع منه أنواع، وتمام البيان إنما يقع بتنزيل الكلام منازله، وصنع يستعمل غالبًا فيما يدخله التدبير والتقدير، ولذلك اختير في اسم الله الصانع (٢).
стр. 9465
فصل:
قوله: في حديث أبي قتادة: "أخصف نعلي".
قال الداودي: أصله أعمل له شعسًا إذا انقطع، والذي قاله أهل اللغة: إن خصف النعل إطباق طاق على طاق، مثل قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يطبقان على أبدانهما ورقه.
وقوله: (حتى نفدها وهو محرم) أي: أتى عليها، يقال: نفد الشيء إذا أفنى، وأنفد القوم: نفدت أزوادهم.
стр. 9466
٤ - باب مَنِ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "اسْقِنِي". [انظر: ٥٢٥٦]
٢٥٧١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طَوَالَةَ -اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَارِنَا هَذِهِ، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: "الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا". قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٢٣٥٢ - مسلم: ٢٠٢١ - فتح: ٥/ ٢٠١].
ثم ساق حديث أنس: أَتَانَا النبي ﷺ فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هذِه، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هذا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ، ثُمِّ قَالَ: "الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا". قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنّةٌ، فهي سنة.
هذا الحديث سلف في باب: الشرب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في الأشربة (٢)، وهو مثل الباب الذي قبله، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب به النفوس، ولا يتشاح فيه، ولا سيما أنه من النبي ﷺ ، ومن مكارمه ومشاركته، وقد وصفهم الله تعالى أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن الغلام ليتألفه بذلك؛ لقرب عهده بالإِسلام.
стр. 9467
وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقي من عن يمينه، وإن كان من عن يساره أفضل ممن جلس عن يمينه، ألا ترى قول أنس: وهي سنَّة ثلاث مرات وذلك يدل على تأكيدها، وقد تقدم ذلك، وستأتي له
زيادة في الأشربة.
وقوله: (فاستسقى).
فيه: جواز ذلك ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل منا للمنة فيه بخلافه.
وفيه: جواز المسألة بالممعروف على وجه الفقر.
وفيه: إتيان دار من يصحبه اقتداء به.
وفيه: كما قال الداودي: الإتيان بأفضل ما يجد.
وفيه: شرب اللبن إذا خلطه بالماء.
وفيه: جلوس القوم على قدر سبقهم.
وقوله: (وعُمر تجاهه) أي: مستقبله، وكان أصله: وجاهه فأبدل من الواو تاء مثل تراث. وقوله: (وأعرابي عن يمينه). قال ابن التين: قيل: هو خالد بن الوليد.
وقوله: "ألا فيمنوا" ثلاثًا فيه: فضل التيامن وتكرار الكلام للتأكيد.
و (لغبوا) بفتح اللام والغين وهو الأجود.
قال ابن قتيبة: لَغِيب ولَغَيب والفتح أجود. قال ابن التين: ضبط في بعض الأمهات بكسر الغين، وقيل: هي لغة، والفتح أعرف، ومعنى لغبوا: أعيوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقال الأصمعي: تقول العرب: لغَبت ألغب لغوبًا: أعييتُ، ولا يقال: لغبت.
وقال أبو عبيد: لغبت من الإعياء ولغَبت.
وقال الداودي: لغبوا: عطشوا ولم يذكر غيره.
و (الوَرِك) بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وإسكان الراء، و (الفخذ) تكسر الخاء وتخفف، وقد سلف، والورك: ما فوق الفخذ.
وقوله: قال: (فخذها لا شك فيه فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثم قال بعد: قبله) كأن شعبة شك في الفخذين أولًا، ثم استيقن، وكذلك شك أخيرًا في الأكل، (ومر الظهران) هو الذي تسميه العامة بطن مر، وكان القوم غير حرم.
وفيه: حل الأرنب ولا عبرة بمن شذ فيها.
وفيه: قبول هدية الصيد وغيره.
وفيه: أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأنه- ﵇ إنما رده عليه؛ لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدل أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام أو بالغصب والظلم فإنه لا يجوز قبول هديته.
وفيه: الاعتذار إلى الصديق وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن.
خامسها:
حديث عائشة في قصة بريرة وفيه: وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "ما هذا؟ " فقلت: تُصدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ قال: "هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَة".
سادسها: حديث أم عطية: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ على عَائِشَةَ فَقَالَ: "أعِنْدَكُمْ شَيْ؟ ". قَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطيَّةَ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثَتْ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: "إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
الشرح:
في حديث عائشة جواز تحري الهدية ابتغاء مرضات المهدي إليه، وفي حديث ابن عباس إهداء الأقط والسمن والأضب، والأقط سلف بيانه في صدقة الفطر، وهو: لبن مجمد غير منزوع الزبد، والأضب:
جمع ضب مثل: فلس وأفلس.
وأم حُفَيد خالة ابن عباس بضم الحاء المهملة.
وقول ابن عباس: (لو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ ) احتجاج حسن، وهو قول الفقهاء كافة، ونص عليه مالك في "المدونة" (١)، وعنه رواية بالمنع، وعن أبي حنيفة الكراهة (٢).
وقد روى مالك في حديث الضب أنه ﷺ أمر ابن عباس وخالد بن الوليد بأكله في بيت ميمونة، وقالا له: لم لا تأكل يا رسول الله؟ فقال: "إني يحضرني من الله حاضرة" (٣) يعني: الذين يناجيهم، ورائحة الضب
стр. 9473
ثقيلة، ولذلك تقذره خشية أن يؤدي الملائكة بريحه، ففيه من الفقه أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته لأكله ولزومه.
وقوله: (أكل على مائدته). قال الداودي: يعني القصعة والمنديل ونحوهما؛ لأن أنسًا قال: ما أكل على خوان قط، وأصل المائدة من الميد وهو العطاء يقال: مادني يميدني.
وقال أبو عبيدة: هي فاعلة بمعنى مفعولة من العطاء (١). وقال الزجاج: هي عندي من ماد يميد إذا تحرك. وقال ابن فارس: هي من ماد يميد إذا أطعم، وقال قوم: مادني يميدني إذا أنعشني، ومنه المائدة (٢).
قال: والخوان -فيما يقال- اسم أعجمي غير أني سمعت إبراهيم ابن علي القطان يقول: سئل ثعلب وأنا أسمع: أيجوز أن يقال: إن الخوان سمي بذلك؛ لأنه يتخون ما عليه؟ أي: ينتقص. فقال: ما يبعد ذلك (٣).
وفي حديث أبي هريرة: حرمة الصدقة عليه دون غيره، وفي آله خلاف، والأصح عندنا إلحاقهم به في الفرض دون التطوع (٤)، وهي
стр. 9474
عند المالكية حرام على آله -أعني: التطوع (١) - خلافًا لابن القاسم (٢).
وقال أصبغ: يكره (٣). ذكره ابن التين.
وقد علل الشارع كونه لا يتناولها لأنها أوساخ الناس، الصلاة والسلام لقوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن مواضع الضعة والذلة، والصدقة لا تنبغي للأغنياء، وقد عدد الله على نبيه كونه وجده عائلًا فأغناه، فكذا حرمت عليه الصدقة، ومن أعلام نبوته عدم قبولها بخلاف الهدية. وقوله في لحم بريرة: "هو لها صدقة ولنا هدية".
وقوله: "قد بلغت محلها" فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها ولرسول الله ﷺ وتحولت عن معنى الصدقة لملك المتصدق عليه بها، ولذلك قال: "وهي لنا هدية" أي: من قبلها، و"قد بلغت محلها" أي: صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على المعهود منه ﷺ ، وليس ذلك شأن الصدقة، وقد أسلفنا هذِه المعاني فيما مضى أيضًا وأعدناها لطول العهد بها.
وقول عبد الرحمن في زوج بريرة: (لا أدري حر أو عبد).
المشهور أنه عبد، وهو قول مالك والشافعي، وعليه أهل الحجاز، وهو ما ذكره النسائي عن ابن عباس (٤)، واسمه مغيث كما سلف، وذكره
стр. 9475
أبو داود والنسائي عن عائشة (١)، وخالف أهل العراق فقالوا: كان حرًا (٢).
وفيه: أن للحرة أن تنكح العبد؛ لتخييره بريرة في بقائها معه وهو عبد.
قال الداودي: والذي بعثت به أم عطية، إنما بعثت به إلى عائشة هدية، وظنت عائشة أنه إذا كان أصلها صدقة لا تحل لرسول الله ﷺ ، وفيه دليل أنه كان قبل لحم بريرة، أو إنما تأولت أن أم عطية ابتدأت بتوجيهه وأن بريرة لم تبتدئ بإعطائه، أو يكون في أحد الحديثين وهم.
العَدْلَ في بِنْتِا ابن أَبِي قُحَافَةَ. فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا، حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهْيَ قَاعِدَة فَسَبَّتْهَا، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا. قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: "إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكرٍ". [انظر: ٢٥٧٤ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح: ٥/ ٢٠٥]
قَالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأخَيرُ قِصَّة فَاطِمَةَ يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ الَموَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحارِثِ بْنِ هِشَامٍ: قَالَتْ عَائِشَة: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
فيه حديث عائشة: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي. ثم ساقه بطوله، وفي آخره: عن هشام عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قال: قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
وهذا أخرجه مسلم (١) عن حسن الحلواني وأبي بكر بن النضر (٢) وعبد بن حميد، ثلاثتهم: عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، [عن أبيه] (٣) عن صالح بن كيسان، عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري.
стр. 9478
ولما رواه النسائي (١) من طريق يعقوب بن إبراهيم (٢) وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: وكذلك رواه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهري.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
ورواه يحيى بن صالح الوحاظي، عن إسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة ولم يتابع عليه.
ورواه ابن عيينة وزياد بن سعد، عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا.
قال الذهلي محمد بن يحيى: ورواه أبو مروان الغساني أيضًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، والصواب حديث الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة (٣).
وقوله قبل ذلك: (وقال أبو مروان: عن هشام، عن عروة) أبو مروان اسمه يحيى بن أبي زكريا (٤) الغساني، وأصله من الشام نزل واسط (٥).
стр. 9479
وهذا الحديث تقدم بعضه في الباب قبله، وفيه هنا زيادات، منها: أن نساءه كن حزبين.
وقوله في زينب: (فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة). قيل: إنا ذلك على ما ظهر لها، ولا بأس أن يحابي بعض نسائه إذا لم ينقص من لوازم الباقيات شيئًا، وفيه إدلال زينب لقرابتها منه، ولأن الله أنكحها منه، كانت تقول لنسائه: كلكن زوجكن الأولياء، إلا أنا فإن الله زوجني إياه (١). وكانت بنت عمته، وكانت تسامي عائشة وقد سألها ﷺ حين قال أهل الإفك ما قالوا في عائشة فقالت: أحمي سمعي وبصري! ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت عائشة: فعصمها الله بالورع (٢).
وفيه: أن الناس لم يكونوا يتحرون يوم عائشة بأمره.
وفيه: كما قال الداودي: عذره ﷺ لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه.
وقوله: "إنها بنت أبي بكر" أي: يعلم مناقب مضر ومثالبها، ولما أمر حسان أن يهجو قريشًا. قال: "امض إلى أبي بكر فإنه أعلم مثالب العرب"، وكان من أعلم الناس، وكان أعلمهم به بعده جبير بن مطعم، تعلم من أبي بكر.
стр. 9480
قال المهلب: وفيه من الفقه أنه ليس على الزوج حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل، وإنما يلزمه العدل في المبيت والمقام معهن، وإقامة نفقاتهن، وما لا بد منه من القوت والكسوة، وأما غير ذلك فلا.
وفيه: تحري الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها من المهدى إليه ليزيد بذلك في سروره.
وفيه: أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن في ذلك، ولا يميل مع بعضهن علي بعض، كما سكت ﵇ حين تناظرت زينب وعائشة، ولكن قال أخيرًا: "إنها بنت أبي بكر" ففيه إشارة إلى التفضيل بالشرف والفهم.
стр. 9481
٩ - باب مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ
٢٥٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ ﵁ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. قَالَ وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. [٥٩٢٩ - فتح: ٥/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديث ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. قَالَ: وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ.
ويأتي في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه الترمذي في الاستئذان وصححه، والنسائي في الوليمة والزينة (٢).
الشرح:
الضمير في قوله: (دخلت عليه) على أنس؛ لأنه جده والراوي عنه، وإنما كان لا يرد الطيب لمناجاته الملك، كما كان لا يأكل الثوم وما شاكله، وكان مما حبب إليه من الدنيا حيث قال: "حبِّب إليَّ من دنياكلم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٣) فكان أنس يتبع آثاره اقتداء به، وكذا ابن عمر في خضابه وإهلاله، ومسه الأركان اليمانية، والتحري في منازله، وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ وأشبه
стр. 9482
ولده به سالم، وكذا كان ابن مسعود يتحرى الاقتداء بأفعاله، وكان علقمة أشبه الناس به وكان إبراهيم النخعي أشبه الناس بعلقمة. وقال ﵇ في جعفر: "أشبهت خَلقي وخُلقي" (١).
وفي الحديث دلالة أن من الهدايا ما يرد لعلة إذا كان لذلك وجه، وأن الطيب لا وجه لرده؛ لأنه من المباحات المستحسنات.
فائدة:
في الترمذي، -وقال: غريب- من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن" (٢).
стр. 9483
١٠ - باب مَنْ رَأَى الهِبَةَ الغَائِبَةَ جَائِزَةً
٢٥٨٣ و ٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا". فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ. [انظر: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - فتح: ٥/ ٢٠٩]
فيه عن ابن شهاب قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأثْنَي عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قد رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ" .. الحديث، وفي آخره: فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيَّبْنَا لَكَ.
قال المهلب: هبة الشيء الغائب جائزة عند العلماء، ولا أعلم في ذلك خلافًا (١).
وفيه: أن للسلطان أن يدفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة وائتلاف.
стр. 9484
١١ - باب المُكَافَأَةِ فِي الهدية (١)
٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. [فتح: ٥/ ٢١٠]
المكافأة: مهموز من قولك: كفأت فلانًا إذا قابلته (٢).
ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَليْهَا.
قال أبو عبد الله: لَمْ يَذْكُرْ وَكِيع وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عيسى بن يونس (٣).
وقال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن أبيه عن عائشة إلا عيسى بن يونس. يعني: ذكر عائشة في الإسناد تفرد به عيسى.
ووقع في كتاب الطرقي أن أبا داود أخرجه من طريق عيسى وأبي إسحاق كلاهما عن هشام.
ثم قال: وذكر أبي إسحاق مع (أبي عيسى) (٤) لا أدري كيف هو.
стр. 9485
وهو كما قال، والذي في أصول أبي داود عن عيسى بن يونس وهو ابن أبي إسحاق السبيعي (١)، فتنبَّه لذلك.
إذا تقرر ذلك فالمكافأة على الهبة مطلوبة؛ اقتداءً بالشارع، وعندنا لا يجب فيها ثواب مطلقًا، سواء وهب الأعلى للأسفل أو عكسه أو للمساوي (٢).
قال المهلب: والهدية ضربان: للمكافأة فهي بيع وجبر على دفع العوض. ولله وللصلة فلا يلزم عليها مكافأة، وإن فعل فقد أحسن.
واختلف العلماء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب.
فقال مالك: ينظر فيه فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني والغلام لصاحبه والرجل لأميره ومن فوقه (٣). وهو أحد قولي الشافعي (٤).
وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه (٥). وهو قول الشافعي الثاني، قال: والهبة للثواب باطل لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول (٦).
واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصار في معنى المعاوضات، والعرب قد فرقت
стр. 9486
بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع واقعًا على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك.
واحتُج لمالك بحديث الباب والاقتداء به واجب؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وروى أحمد في "مسنده" وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عباس أن أعرابيًا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها وقال: "رضيت؟ " قال: لا. فزاده قال: "رضيت؟ " قال: لا. فزاده قال: "رضيت؟ " قال: نعم. قال النبي ﷺ : "لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي" (١).
وعن أبي هريرة نحوه، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم (٢).
وهو دال على الثواب فيها (٣) وإن لم يشرطه؛ لأنه أثابه وزاده منه حتى بلغ رضاه.
احتج به من أوجبه، قال: ولو لم يكن واجبًا لم يشبه ولم يرده، ولو أثاب تطوعًا لم يلزمه الزيادة، وكان ينكر على الأعرابي طلبها.
قلت: طمع في مكارم أخلاقه وعادته في الإثابة.
стр. 9487
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فمحمول على الندب إن استدل به على كل هدية وهبة.
قالوا: وقد روي عن عمر وعلى أنهما قالا: إذا وهب الرجل هبةً ولم يُثب منها، فهو أحق بها (١). ولا مخالف لهما، قلت: وصححه الحاكم (٢).
وقال ابن التين: إذا شرط الثواب أجازه الجماعة إلا عبد الملك، وله عند الجماعة أن يردها ما لم تتغير إلا عبد الملك فألزمه الثواب بنفس القبول (٣)، وعبارة ابن الحاجب: فإذا صرح بالثواب فإن عَيّنه فبيع وإن لم يعيّنه. فصححه ابن القاسم ومنعه بعضهم للجهل بالثمن، قال: ولا يلزم الموهوب إلا قيمتها قائمة أو فائتة.
وقال مطرف: للواهب أن يأبى إن كانت قائمةً. وفي تعين الدنانير والدراهم.
ثالثها (٤) لابن القاسم: إلا الحطب والتِّبن وشِبْهَهُ وليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبض (٥).
стр. 9488
١٢ - باب الهِبَةِ لِلْوَلَدِ
وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ". [٢٥٨٧]
وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى؟ وَاشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَالَ: "اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ" [انظر:٢١١٥]
٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا. فَقَالَ: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَارْجِعْهُ". [٢٥٨٧، ٢٦٥٠ - مسلم: ١٦٢٣ - فتح: ٥/ ٢١١]
ثم ساق حديث النعمان بن بشير أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غُلَامًا. فَقَالَ: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَارْجِعْهُ".
الشرح:
هذا التبويب منتزع من حديث النعمان بن بشير.
وقوله: ولا يشهد عليه. قال ابن بطال: معناه الرد لفعل الأب إذا فضّل بعض بنيه، وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك إذا تبين لهم الميل من الأب كما لم يشهد الشارع على عطية بشير ابنه النعمان دون أخوته، وكان ذلك سُنّة من الشارعِ ألا يشهد على عطية
стр. 9489
تبين فيها الجور (١).
قلت: هذا تأويل من منع، وهو الظاهر، ومن قال: خالف المستحب، أجاب بأنه قد أَذِن في الشهادة وقال: "أشهد على هذا غيري".
وقد يجاب بأنه من باب التهكم، وقد ذكره البخاري في كتاب: الشهادات، وقال فيه: "لا أشهد على جور" (٢).
وقوله: وقال النبي ﷺ : "اعدلوا بين أولادكم في العطية" قد أسنده في الباب بعده بدون لفظ العطية (٣).
وقوله: (وهل للوالد أن يرجع في عطيته)؟
قد أسند بعده قوله: فارجعه.
ومراده إذا جاز له ارتجاع هبته -كما في الحديث- جاز الأكل.
وهذا يدل على أن مذهبه الصحة، كما سيأتي.
وقوله: (وما يأكل من مال ولده). إلى آخره. هذا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند الحاكم مرفوعًا (٤)، وحسنه الترمذي من حديث عائشة (٥).
стр. 9490
قال ابن المنير: جميع ما في هذِه الترجمة يظهر استخراجه من حديث النعمان إلا هذا (١).
ووجه مناسبة هذِه الزيادة أن الاعتصار انتزاع، وكأنه حقق معناه من الحديث ويُمَكّن الأب منه بالوفاق على أن له أن يأكل من ماله، فإذا انتزع ما يأكله من ماله الأصلي، ولم يتقدم له فيه ملك، فلأن ينتزع ما وهبه بحقه السابق فيه أولى، واشتراؤه من عمر البعير وإعطاؤه ابن عمر قد سلف قريبًا مسندًا (٢)، وهو دال على ما بوب به البخاري من التسوية بين الأبناء في الهبة لأنه ﵇ لو سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لم يكن عدلًا بين بني عمر، فلذلك اشتراه ووهبه لابنه عبد الله، ولو أشار على عمر ليهبه لابنه عبد الله لبادر إلى ذلك، وهذا من لطيف تبويبه، وإن كان يحتمل أنه ﵇ اشتراه ثم بدا له بعد ذلك هبته لابن عمر، وفي ذلك إشارة إلى أنّ غير الأبّ لا يلزمه التسوية فيما يهبه بعض ولد الرجل كما يلزم الأب أو يستحب في ولده لما جبل الله النفوس عليه من الغضب عند أثرة الأباء بعض بنيهم دون بعض، ولو لزمت التسوية بين الأخوة من غير الأب كما لزمت من الأب لما وهب ﵇ أحد بني عمر دون أخوته.
وحديث النعمان أخرجه مسلم أيضًا (٣).
وله ألفاظ منها: أعطاني عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى؛
حتى تُشهد رسول الله ﷺ . فأتاه فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، فأمرتني أن أشهدك. فقال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ " قال: لا.