Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
كالتزام الكسر عند غير بني عامر فيما فاؤه واو، وعند الجميع فيما عينه ياء، وعند غير طيئ فيما لامه ياء وعينه غير حلقية.
والتزام الكسر أيضا في المضاعف اللازم غير المحفوظ ضمه، والضم فيما عينه أو لامه واو، وليس أحدهما حلقيا، وفي المضاعف المتعدي غير المحفوظ كسره، وفيما لغلبة المقابل خاليا من ملزم الكسر، ولا تأثير لحلقي فيه خلافا للكسائي. وقد يجيء ذو الحلقي غيره بكسر أو ضم أو بهما أو مثلثا.
ش: الأصل توافق حركتي عين الماضي وعين المضارع، كما فعل بالأمر والمضارع، فخص التوافق المشار إليه بفعُل لخفته بعدم التعدي، فإن المتعدي ذو زيادة، والأصل عدم الزيادة، وجعل لفَعِل حظ من التوافق في حسب وأخواتها بغير سبب، لشبه فعِل بفعُل في كون الكسرة أخت الضمة، وأهمل في فعَل التوافق إلا بسبب، وهو كون عينه أو لامه حرف حلق، لأن من حروف الحلق الألف، وهي مجانسة للفتحة، فناسب ذلك أن يحرك بها ما هو والألف من مخرج واحد، ويحرك بها متلو ما هو كذلك. فالأول كسأل يسأل، وذهب يذهب. والثاني كطرأ يطرأ، وجبه يجبه، فحصل لفعل نصيب من التوافق لأجل السبب المذكور، فإن لم يوجد السبب امتنع التوافق، إلا ما شذ من قولهم: أبى يأبى، ووذر يذر، وما ألحق بأبى يأبى كجبى يجبى، وقلى يقلى، فموجه بأن الأصل: يجبى ويقلى بكسر الباء واللام ففتحتا، فانقلبت الياء ألفا، وهي لغة طيئ. ولم يحكم على يأبى بذلك لأنه لم يسمع فيه الكسر كما سمع في: يجبى ويقلى، فإن المشهور فيهما: يجبى ويقلى بالكسر، فصح جعله أصلا وتفريع يجبَى ويقلَى عليه. وأما يذر فمحمول على يدع لأنهما بمعنى واحد، وإذا أهمل التوافق عند انتفاء السبب تعين التخالف بكسر أو ضم، فلذلك قلت: بل يكسر أو يضم تخييرا، كنشر ينشِر وينشُر،
стр. 1262
وعتل يعتِل ويعتُل، وقيدت التخيير بعدم اشتهار أحد الأمرين، فإنه إذا اشتهر أحد الأمرين، وكان الفعل مستعملا في ألسنة العامة كأكل يأكُل، وطلب يطلُب، وكسب يكسِب، وغلب يغلِب، لم يكن فيه تخيير، بل يجب فيه الاقتصار على الوزن المستعمل.
ويلتزم الكسر في مضارع فعَل إن كانت فاؤه واوا، كوجد يجد، أو كانت عينه أو لامه ياء، كسار يسير، ومشى يمشي. وروي عن بني عامر: يجُد بضم الجيم، وروي عن طيئ إبدال الكسرة فتحة والياء ألفا في: يقلى، ونحوه.
وأما الفتح لأجل حرف الحلق فمسموع في كل لغة في أفعال محفوظة، كوقع يقع، ووضع يضع، وودع يدع، وكنأى ينأى، ونهى ينهى، وسعى يسعى، ورعى يرعى، ولحا يلحى، ومحا يمحى.
والكسر أو الضم مع كون العين أو اللام حرف حلق كثير، نحو: وأل يئل، وصأى يصئى، وجاء يجيء، وزها يزهو، وساء يسوء.
والتزام الكسر في مضارع فعَل المضاعف إذا كان لازما، كحنّ يحنّ، وعزّ يعز، وجلّ يجل، وعنّ يعن. واستثنيت الذي تضم عينه سماعا من هذا النوع، تنبيها على نحو: هبّ الريح، وتذُرّ الشمس.
فإن كان فعل المضاعف متعديا التزم الضم في عين مضارعه، كصب يصُب، ورد يرد، وضم يضم، ولم يلم، واستثنيت الذي تكسر عينه سماعا من هذا النوع، تنبيها على نحو: ينم الحديث، ويعله بالشراب، وعلى قراءة العطاردي: (فاتبعوني يحبكم الله).
ثم نبهت على لزوم الضم في عين مضارع فعل المقصود به غلبة المقابل نحو: كاتبني زيد، فكتبته أكتُبه، إذا كنت أكتب منه، وعالمني فعلمته أعلمه، إذا كنت أعلم منه، وهو مطرد في كل ثلاثي، أعني صوغ فعل للغلبة وضم عين المضارع
стр. 1263
منه، إلا أن يوجب لزوم الكسر كونه من باب وعد أو سار أو سرى، ولذلك قلت: "وفيما لغلبة المقابل خاليا من ملزم الكسر" ثم قلت: "ولا تأثير لحلقي فيه" منبها على أن الضم في مضارع فعل الذي يقصد منه الغلبة لازم، مع كون عينه أو لامه حرف حلق نحو: فاهمني ففهمته أفهمُه، وفاقهني ففقهته أفقُهه، إذا فقته فهما وفقها. ثم قلت: "خلافا للكسائي" مشيرا إلى أن الكسائي يجيز فتح العين من هذا النوع لأجل حرف الحلق قياسا، فيجيز أن يقال: أفهَمه وأفقَهه، بمعنى فقته فهما وفقها، وإن لم يسمع في هذا النوع إلا الضم قياسا على غيره من المفتوح لأجل حرف الحلق. ومما سمع فيه الضم: شاعرته فشعرته أشعُره.
وقد يجيء مضارع فعل غير الذي للغلبة بلغتين أو ثلاث، إذا كانت عينه أو لامه حرف حلق، نحو: منَحه يمنَحه ويمنُحه، ومحوت الكتاب، أمحاه وأمحوه، ورجح الدنيار يرجَح ويرجُح، ونبع الماء ينبَع وينبُع وينبِع.
فصل: ص: يكسر ما قبل آخر المضارع إن كان ماضيه غير ثلاثي، ولم يبدأ بتاء المطاوعة أو شبهها، ويضم أوله إن كان ماضيه رباعيا، وإلا فتح، ويكسره غير الحجازيين مالم يكن ياء إن كسر ثاني الماضي، أو زيد أوله تاء معتادة أو همزة وصل، ويكسرونه مطلقا في مضارع أبِيَ ووَجِل ونحوه. وربما حمل على تِعلم تذهب وشبهه، وعلى يئبى يسلم.
ش: قد تقدم تبيين ما يحرك به الحرف الذي يليه آخر المضارع الثلاثي، والغرض الآن تبيين ما يحرك به الحرف الذي يليه آخر مضارع الرباعي المجرد من الزيادة كدحرج، والمزيد فيه كجهور، والخماسي كاستمع، والسداسي كاستغفر، فتضمن قولي استحقاق كسر راء يدحرج، وواو يجهور، وميم يستمع، وفاء يستغفر.
واستثنيت من الزائد على ثلاثة أحرف ما بدئ ماضيه بتاء المطاوعة أو شبهها، تنبيها على فتح ما قبل آخر يتدحرج ويتعلم ويتضاعف، فإن ماضي كل واحد منها مبدوء بتاء المطاوعة، وسميت هذه التاء تاء المطاوعة لأن أكثر ما يبدأ بها مطاوع العاري منها، أي دال على تأثر به كتدحرج وتعلم وتضاعف، بالنسبة إلى: دحرج وعلّم وضاعف.
стр. 1264
وقد تزاد فيما ليس مطاوعا كتبختر وتكبر وتوانى، فلذلك قلت: "بتاء المطاوعة أو شبهها".
ثم بينت ما لأول المضارع من الحركات فقلت: "يضم أوله إن كان ماضيه رباعيا، وإلا فتح" فعلم بذلك ضم أول يُدحرج ويُجهور ويُعلِّم ويُسالم وأشباهها. وفتح أول الثلاثي والخماسي والسداسي.
ثم نبهت على أن غير الحجازيين يكسرون غير الياء من أحرف المضارعة إن كسرت عين الماضي، أو بدئ بهمزة وصل أو بتاء المطاوعة أو شبهها، وعبرت عن هذه التاء بالتاء المعتادة، احترازا من التاء المزيدة في أول الماضي شذوذا، كتَرْمَسَ الشيء بمعنى رَمَسَه أي ستره.
ثم نبهت على أن الذين يكسرون حرف المضارعة ويستثنون الياء، لا يستثنونها من مضارع أبى، ولا مضارع فعِل الذي فاؤه واو كوجل، بل يجعلون لها من الكسر نصيبا، فيقولون: إيبَى ونِئبَى وتئبى ويئبَى، وإيجل ونيجل وتيجل وييجل، وكذلك ما أشبهه. وروي عن بعضهم تِذهب بالكسر حملا على تِعلم لشبهه به في فتح عين المضارع، وقرأ يحيى: (فإنهم يِئْلَمون كما تِئْلَمون) بكسر الياء والتاء وكسر الياء غريب، وإليه أشرت بقولي: "ورُبّما حمل على يِئبى يسلم".
فصل: ص: انفرد الرباعي بفَعْلَلل لازما ومتعديا لمعان كثيرة، وقد يصاغ من اسم رباعي لعمل بمسماه، أو لمحاكاته، أو لجعله في شيء أو لإصابته، أو لإصابة به، أو لإظهاره، وقد يصاغ من مركب لاختصار حكايته.
ش: فعلل المتعدي كدحرج، واللازم كعربد، والمصوغ لعمل المسمى كقرمص القرموص، إذا حفره.
والذي لمحاكاة المسمى كعقرب الشيء، إذا لواه كالعقرب.
والذي لجعله في شيء كفلفل الطعام، وعصفر الثوب.
стр. 1265
والذي لإصابة مسماه كعرقبه، إذا أصاب عرقوبه.
والإصابة بمسماه كعَرْجَنه إذا أصابه بعرجون، وفرجن الدابة حسّها بالفرجون، أي المحسة.
ولإظهار مسماه عسلجت الشجرة، أخرجت عساليجها.
والذي لاختصار الحكاية كبسمل وحسبل وسبحل وحمدل وجعفل، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وحسبي الله، وسبحان الله والحمد لله، وجعلني الله فداءك.
فصل: ص: من أمثلة المزيد فيه أفْعَل، وهو للتعدية، أو للكثرة، أو للصيرورة، أو للإعانة، أو للتعريض، أو للسلب، أو لإلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه، أو لجعل الشيء صاحب ما اشتق من اسمه، أو لبلوغ عدد، أو زمان، أو مكان، أو لموافقة ثلاثي، أو لإغنائه عنه، أو لمطاوعة فعَل.
ش: أفعل للتعدية كأدنيت زيدا، وألبسته ثوبا، وأعلمته عمرا قاصده.
وللكثرة كأظبى المكان وأضب وأذأب، إذا كثر ظباؤه وضبابه وذئابه.
وللصيرورة كأغد البعير إذا صار ذا غدة، وأجرب الرجل إذا صار ذا جرب في إبله أو غنمه، وألام إذا صار ذا شيء يلام عليه، وأصرم النخل إذا صار ذا تمر صالح للصرام، وأحصد الزرع إذا صار ذا سنبل صالح للحصاد، وأتلت الناقة إذا صارت ذات ولد يتلوها، وأجرت الكلبة إذا كانت ذات جراء، وألبنت الشاة وغيرها إذا صارت ذات لبن، وأنجبت المرأة إذا صار لها أولاد نجباء.
وللإعانة كأحلبت فلانا وأرعيته وأقريته وأبغيته وأطلبته وأحربته، إذا أعنته على الحلب، وعلى الرعي، وعلى قرى الأضياف، وعلى مبتغاه، وعلى مطلوبه، وعلى حرب عداه.
وللتعريض كأقتلت فلانا، إذا عرضته للقتل، وأبَعْت الشيء إذا عرضته للبيع.
وللسلب كأشكيت الرجل إذا أزلت عنه سبب شكواه، وأعتبته إذا أرضيته وأزلت عنه سبب عتبه. وأعجمت الكتاب إذا سلبت عنه الإبهام بنقط ما ينقط، وإهمال ما يهمل.
ولإلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كأحمدت فلانا إذا ألفيته متصفا بما يوجب
стр. 1266
حمده، وأبخلته وأجبنته وأفحمته إذا ألفيته ذا بخل، وذا جبن، وذا إفحام أي عاجزا عن قول الشعر، ومنه قول عمرو بن معد يكرب لبني سليم: لقد سألتنا فما أبخلتنا، وقابلتنا فما أجبنتنا، وهما جيتنا فما أفحمتنا.
وأما ورود أفعل لجعل الشيء صاحب ما هو مشتق من اسمه فكأشفيت فلانا إذا أعطيته دواء يستشفى به، وأسقيته إذا جعلته ذا ماء يسقى به ما هو محتاج إلى السقي، وكذلك إذا أعطيته ما يصنع منه سقاء. ومن هذا النوع: أقبرته إذا جعلت له قبرا، وأنعلته إذا جعلت له نعلا، وأخدمته إذا جعلت له خادما.
وأما أفعل الذي لبلوغ عدد فكأعشرت الدراهم إذا بلغت العشرين، وكذلك أثلثت وأربعت وأخمست وأسدست وأسبعت وأثمنت وأتسعت وأمأت وآلفت، إذا صارت ثلاثين وأربعين وخمسين وستين وسبعين وثمانين وتسعين ومائة وألفا.
والذي لبلوغ زمان كأصبحنا وأضحينا وأمسينا وأعشينا وآصلنا، أي بلغنا الصباح والضحى والمساء والعشي والأصيل.
والذي لبلوغ مكان كأشام القوم وأعرقوا وأنجدوا وأتهموا وأيمنوا، إذا قصدوا الشام والعراق ونجدا وتهامة واليمن أو بلغوها.
والذي لموافقة ثلاثي كحزنه وأحزنه، وقاله البيع وأقاله، وشغله الأمر وأشغله، وحب فلان فلانا وأحبه.
والذي لإغنائه عن ثلاثي كأرقل وأغذ بمعنى سار سيرا سريعا، وأذنب بمعنى أثم، وأقسم بمعنى حلف، وأفلح بمعنى فاز، وأحضر بمعنى عدا.
والذي لمطاوعة فعَل كظأرت الناقة على حُوار غيرها فأظأرت إذا رعته، وقشعت الريح السحاب فأقشع، إذا فرقته فتفرق، وكببت الرجل فأكب إذا أسقطته فسقط، وشنقتُ البعيرَ فأشنق إذا استوقفته بجذب زمامه فوقف.
стр. 1267
ص: ومنها فَعّل وهو للتعدية، وللتكثير، وللسلب، وللتوجه، ولجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه، ولاختصار حكايته، ولموافقة تفعّل وفَعَل، وللإغناء عنهما.
ش: فَعّل للتعدية، كأدبت الصبي، وعلمته الخير. وللتكثير كفتحت الأبواب، وذبّحْت الغنم.
وللسلب كقرّدت البعير وحلّمته وقذّيت عينه إذا نزعت عنه القِردان والحَلَم، وأزلت عن عينه القذى.
وللتوجه كشرّق وغرّب وغوّر وكوّف.
ولجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كعدّلته وأمّرته إذا جعلته عدلا وأميرا، وفسّقته وكفّرته وزنَّيته وجهّلته، إذا نسبته إلى الفسق والكفر والزنى والجهل. ومنه بطّنت الثوب، وجيّبته إذا جعلت له بطانة وجيبا.
والذي لاختصار الحكاية كقولهم: أمّن وأيّه وأفّف وسوّف وسبّح وحمّد وهلّل، إذا قال: آمين، ويأيها، وأفٍّ، وسوف، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله.
ومعنى اختصار الحكاية أن الأصل: قال آمين، وقال يأيها، فأغنى عن ذلك صوغ فعّل.
ولموافقة تفعّل كقولهم: ولّى عنه وتولّى، إذا أعرض عنه، وبيّن الشيءُ بمعنى تبيّن، وفكّر في الأمر وتفكر، ويمّم الشيء وتيمّمه أي قصده.
والمغني عن تفعّل كأوّنت الحبلى، إذا صار بطنها كالأوْنَيْن، وعجّزت إذا صارت عجوزا، ومنه قولهم: من دخل ظَفار حمّر، أي صار كالحميريين في كلامه بلغتهم.
стр. 1268
وأما فعّل الموافق فعَل فكقدّر الله وقَدَر، وبشّر وبشَر، وعاض وعوّض، وماز وميَّز، وزال وزيّل.
والمغني عن فعَل كجرّب الشيء، وعرّد في القتال إذا تركه جبنا، وعيّره بالشيء إذا عابه، وعوّل عليه إذا اعتمد عليه.
ص: ومنها تفعّل وهو لمطاوعة فعّل، وللتكلف، والتجنب، والصيرورة، والتلبس بمسمى ما اشتق منه، وللعمل فيه، والاتخاذ، ولمواصلة العمل في مهلة، ولموافقة استفعل، وموافقة المجرد، والإغناء عنه، وعن فعّل، ولموافقته.
ش: تفعّل لمطاوعة فعّل كثير، كتعلم وتأدب وتهذب وتخلص، بالنسبة إلى علّم وأدّب وهذّب وخلّص.
والذي للتكلف كتحلّم وتشجّع وتسخّى وتصيّر إذا تكلف الحلم والسخاء والشجاعة والصبر.
والذي للتجنب كتأثم وتحوّب وتحرّج وتهجّد، إذا تجنب الإثم والحوب والحرج والهجود.
والذي للصيرورة كتأيّمت المرأة إذا صارت أيما، وتكبّد اللبن إذا صار كالكبد، وتجبن إذا صار جبنا، وتحجر الطين إذا صار كالحجر، وتسكر الشراب إذا صار كالسكر، ومنه تقيّس وتنزّر إذا صار بالانتماء إليهم كواحد منهم.
والذي للتّلبس بمسمى ما اشتق منه كتقمّص وتأزر وتفرّى وتدرّع وتعمّم وتقبّى، إذا لبس قميصا وإزارا وفروة ودرعا وعمامة وقباء.
والذي للعمل في مسمى ما اشتق منه كتغدّى وتضحّى وتسحّر وتعشّى.
والذي للاتخاذ كتبنّيتُ الصبي، وتديّرت المكان، وتوسّدت التراب.
стр. 1269
والذي لمواصلة العمل في مهلة كتفهّم وتبصّر وتسمّع وتعرّف وتجرّع وتحسّى.
والذي لموافقة استفعل كتكبّر وتعظّم وتعجّل الشيء وتيقّنه وتقضّاه وتبيّنه، وتغنى به أي استغنى. ومنه قوله ﷺ : "من لم يتغن بالقرآن فليس منا".
والذي لموافقة المجرد كتعدّى الشيء وعداه، إذا جاوزه، وتحجّى وحجا إذا أقام، وتبيّن إذا بان، وتبسّم بمعنى بسم، ولبث وتلبّث، وأذى وتأذّى، وبرى وتبرّى، وعجب وتعجب، وأصل وتأصل.
والذي أغنى عن ثلاثي مجرد كتكلم وتأنى وتصدى.
والمغني عن فعّل كقول الشاعر:
تَوَيّلَ إذ أملتُ يدي وكانتْ ... يميني لا تُعلَّلُ بالقليل
أي قال: ياويلا.
والمعروف في اختصار الحكاية فعّل كأمّن. والموافق فعّل تولّى بمعنى ولّى.
ص: ومنها فاعَلَ لاقتسام الفاعلية والمفعولية لفظا، والاشتراك فيهما معنى، ولموافقة أفْعَل ذي التعدية، والمجرد، وللإغناء عنهما.
ومنها تفاعل للاشتراك في الفاعلية لفظا، وفيها وفي المفعولية معنى، ولتخييل تارك الفعل كونه فاعلا، ولمطاوعة فاعل الموافق أفعل، ولموافقة المجرد، والإغناء عنه.
وإن تعدّى تفاعل أو تفعّل دون التاء إلى مفعولين تعدى بها إلى واحد، وإلا لزم.
ش: فاعل لانقسام الفاعلية والمفعولية لفظا والاشتراك فيهما معنى، نحو: ضارب زيد عمرا، فزيد وعمرو شريكان في الفاعلية والمفعولية من جهة المعنى، لأن كل واحد منهما قد فعل بصاحبه مثل ما فعل به الآخر، وهما في اللفظ مجعول أحدهما
стр. 1270
فاعلا والآخر مفعولا، فقد اقتسما في اللفظ الفاعلية والمفعولية، واشتركا فيهما من جهة المعنى، وليس أحدهما أولى من الآخر بالرفع ولا بالنصب، ولو أتبع منصوبهما بمرفوع، أو مرفوعهما بمنصوب لجاز، ومن ذلك قول الراجز:
قد سالمَ الحياتُ منه القَدَما ... الأُفْعُوانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما
بنصب الأفعوان وهو بدل من الحيات، وهو مرفوع لفظا، لأنه منصوب معنى، كما أن القدم منصوب لفظا مرفوع معنى، لأن كل شيئين تسالما فهما فاعلان مفعولان. وهذا التوجيه أسهل من أن يكون التقدير: قد سالم الحيات منه القدم، وسالمت القدم الأفعوان والشجاع الشجعم.
وأما فاعَلَ الذي لموافقة أفعل ذي التعدية، فكباعدت الشيء وأبعدته، وضاعفته وأضعفته، وناعمته وأنعمته، وعافاه الله وأعفاه.
والذي لموافقة المجرد كجاوزت الشيء وجزته، وسافرت وسفرت، وواعدته ووعدته.
والمغني عنه نحو: قاسى، وبالى به، وبارك الله فيه.
والمغني عن أفعل: واريت الشيء بمعنى أخفيته، وراءيته بمعنى أريته غير ما أقصده.
وأما تفاعل الذي للاشتراك في الفاعلية لفظا، وفيها وفي المفعولية معنى كتضارب زيدٌ وعمرٌ، فزيد وعمرو شريكان في الفاعلية لفظا، ولذلك رفعا، وهما من جهة المعنى شريكان في الفاعلية والمفعولية، لأن كل واحد منهما قد فعل بصاحبه مثل ما فعل به الآخر.
والذي لتخييل تارك الفعل كونه فاعلا كتغافل زيد، إذا ظهر بصورة غافل وهو
стр. 1271
غير غافل. وكذلك تجاهل وتباله وتطارش وتلاكن وتمارض، ومنه قول الراجز:
إذا تخازَرْتُ وما بي من خَزَر
والذي لمطاوعة فاعل فكباعدته فتباعد، وضاعفت الحساب فتضاعف.
والذي لموافقة المجرد كتعالى وعلا، وتوانى وونى.
والذي أغنى عن المجرد كتثاءب وتمارى.
وإن كان تفاعل أو تفعل متعديا دون التاء إلى مفعولين، تعدى بالتاء إلى مفعول واحد، فمن مثل ذلك في تفاعل: نازعته الحديث، وناسيته البغضاء، وتنازعنا الحديث، وتناسينا البغضاء.
ومن مثل ذلك في تفعل، علمته الرماية فتعلمها، وجنبته الشر فتجنبه.
فصار تناسى وتنازع متعديين إلى مفعول واحد حين وجدت التاء، لأنهما كانا قبل وجودها متعديين إلى مفعولين، وكذا تعلم وتجنب. فلو كان التعدي دون التاء إلى واحد لعدم بوجودها، نحو: ضارب زيدٌ عمرا، وتضارب زيدٌ وعمرٌو، وأدّبت الصبيَّ، وتأدب الصبيُّ.
ص: ومنها افتعل وهو للاتخاذ، والتسبب، ولفعل الفاعل بنفسه، وللتخير، ولمطاوعة أفعل، ولموافقة تفاعل، وتفعّل، واستفعل، والمجرد وللإغناء عنه.
ش: افعتل للاتخاذ نحو: اذّبح، واطّبخ، واشتوى إذا اتخذ لنفسه ذبيحة وطبيخا وشواء. ومنه اكتال واتزن.
والذي للتسبب نحو: اعتمل واكتسب في العمل والكسب، فزيادة التاء بإزاء زيادة التسبب في حصول الأمر، فعمل وكسب يطلقان على كل عمل وكل كسب، واعتمل واكتسب لا يطلقان إلا على ما في حصوله تكلف وجهد.
والذي لفعل الفاعل بنفسه نحو: اضطرب وائتكل من الغيظ، وارتعد من
стр. 1272
الحمى، وارتعش واختتن واختص واستاك وامتشط واكتحل وادّهن.
والذي للتخير نحو: انْتصى وانتخب واصطفى واعتمى واجتبى وانتقى.
والذي لمطاوعة أفعل نحو: أنصفته فانتصف، وأنهيته فانتهى، وأنجزته فانتجز، وأنحسته فانتحس، وأشعل النار فاشتعلت، وأضرمها فاضطرمت، وأوقدها فاتقدت.
والذي لموافقة تفاعل كاجْتَوَروا واشْتَوَرُوا وازدوجوا واعتونوا وانتصروا واظطفروا واحتربوا واطعنوا واقتتلوا، بمعنى تجاوروا وتشاوروا وتزاوجوا وتعاونوا وتناصروا وتظافروا وتحاربوا وتطاعنوا وتقاتلوا.
والذي لموافقة تفعّل كابتسم وتبسّم، وائتزر وتأزر، واعتم وتعمّم، واعتدى وتعدّى، واغتدى وتغدّى، وانتظر وتنظّر، واختار وتخيّر.
والذي لموافقة استفعل كارتاح واستراح، واعتصم واستعصم، واختفى واستخفى، واحتمى واستحمى، وانتجى واستنجى.
والذي لموافقة الثلاثي المجرد كقدر واقتدر، وسمع واستمع، وقرب واقترب.
والمغني عنه كاستلم الحجر، وانتجى الرجل.
ص: ومنها انفعل لمطاوعة فعَل علاجا، وقد يطاوع أفعل، وقد يشارك المجرد، وقد يغني عنه وعن أفعل، ويغني عنه افتعل فيما فاؤه لام أو راء أو واو أو ميم أو نون، وقد يشاركه فيما ليس كذلك ويغني عنه.
ش: انفعل المطرد ما كان كانصرف وانكشف وانفصم وانحسم وانقسم وانسكب وانفرط، في كون كل واحد منها مطاوعا لفعل ثلاثي على فعل دال على معالجة وتأثير. فلو لم يدل على معالجة وتأثير كعرف وجهل وسمع ورأى لم يجز أن يصاغ منه انفعل ولا افتعل الذي بمعناه، فلا يقال: عرفته فانعرف، ولا جهلته فانجهل، ولا سمعته فانسمع.
стр. 1273
وكذا لو دل على معالجة وتأثير ولم يكن ثلاثيا، كأحكم الشيء وأكمله، لم يجز أيضا أن يصاغ منه انفعل ولا افتعل الذي بمعناه، فلا يقال: أحكمه فانحكم، ولا أكمله فانكمل. وشذ قولهم: أقحمته فانقحم، وأوكأته فاتكأ، وأفردته فانفرد، وأغلقته فانغلق، وأزعجته فانزعج، وأسفقت الباء فانسفق. ويجوز أن يكون: انغلق وانسفق على لغة من قال: غلِقت وسفقت فإنهما مقولان ومنقولان.
وسمع: قلت الحديث فانقال، لأن القائل يعمل في تحريك لسانه، ويعالج في ترتيب أجزاء العبارة وجعلها موافقة المعنى بعض علاج.
وأما قول من قال: انعدم، فخطأ، وكذلك قول من قال: ذلك شيء لا ينبصِر.
وقد يشارك المجرد كقولهم: انطفأت النار وطَفِئَت، وساب الشيءُ فانساب.
وإغناؤه وإغناء هذا عنه كقولهم: انطلق بمعنى ذهب، وانزرب في الزريبة إذا دخلها، وانبرى يفعل انبعث. وإغناؤه عن أفعل كقولهم: انحجز، إذا أتى الحجاز. ويغني عنه افتعل فيما فاؤه لام، كلويت الشيء فالتوى، ولففته فالتف، ولحمته فالتحم. وفيما فاؤه راء نحو: ردعته فارتدع، ورفعته فارتفع. وفيما فاؤه واو كوصلته فاتصل، ووكلته فاتكل، ووضعته فاتضع، ووسمته فاتسم. وفيما فاؤه نون نحو: نقلته فانتقل، ونبذته فانتبذ، ونفيته فانتفى، ونسأته فانتسأ. وفيما فاؤه ميم نحو: مددته فامتد، ومططته فامتط، وملأته فامتلأ.
وندر: محوته فامّحى، ومزته فامّاز، وامتحى وامتاز أقيس.
وقد يشترك افتعل وانفعل فيما ليس فاؤه لاما ولا راء ولا واوا ولا نونا ولا ميما نحو: شويت اللحم فاشتوى وانشوى، وحجبت الشيء فاحتجب وانحجب، وأطرته فاتطر وانأطر، وفصلته فافتصل وانفصل، وفتتّه فانفت وافتت.
وقد يغني افتعل عن انفعل في غير ما فاؤه لام ولا شيء من أخواتها، كسترت الشيء فاستتر، وبللته فابتل، وكفيته فاكتفى، وعززته فاعتز، وشددته فاشتد.
ص: ومنها استفعل للطلب، وللتحول، وللاتخاذ، ولإلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه، أو لعدِّه كذلك، ولمطاوعة أفعل، ولموافقته وموافقة تفعّل وافتعل والمجرد والإغناء عنه وعن فعّل.
стр. 1274
ش: استفعل الذي للطلب كاستعان واستغفر واستوهب واستطعم.
والذي للتحول كاستنسر البغاث، واستنوق الجمل، واستتيست العنز، واستحجر الطين.
والذي للاتخاذ كاستأبى أبا، واستبعد عبدا، واستأمى أمة، واستأجر أجيرا، واستفحل فحلا، واستعد عدة. ومنه استخلف فلان فلانا، واستعمره في أرضه. ومنه استشعر الرجل إذا لبس شعارا، واستثفرت المرأة إذا شدّت بثفرتها دم الحيض.
والذي لإلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كاستعظمته إذا وجدته عظيما، واستصغرته إذا وجدته صغيرا، واستكثرته إذا وجدته كثيرا، واستقللته إذا وجدته قليلا، واستحسنته إذا وجدته حسنا، واستقبحته إذا وجدته قبيحا، واستحليته إذا وجدته حلوا، واستفظعته إذا وجدته فظيعا.
وكذا تقول فيما تعده عظيما أو صغيرا أو كثيرا أو قليلا أو حسنا أو قبيحا أو حلوا أو فظيعا، وهو بخلاف ذلك.
واستفعل الذي لمطاوعة أفعل كأكانه فاستكان، وأشلاه فاستشلى، وأحكمه فاستحكم، وأراحه فاستراح. وأكنه فاسكتن، وأضاءه فاستضاء، وأبانه فاستبان، وأمرّه فاستمر.
والذي لموافقة أفعل كأبل من المرض فاستبل، واستحصد الزرع وأحصد، واستيقن الإنسان وأيقن، واستبان الأمر وأبان، واستعجله وأعجله، وأهل الهلال واستهل، وأثار الشيء واستثاره.
والذي لموافقة تفعّل كاستكبر وتكبّر، واستمتع وتمتع، واستعاذ وتعوّذ،
стр. 1275
واستضاف وتضيف، واستيسر وتيسر، واستعفف وتعفف، واستبدل وتبدل، نحو: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير): (ومن يتبدل الكفر بالإيمان).
والذي لموافقة المجرد كاستغنى وغنى، واستبشر وبشر، واستهزأ وهزئ، واستبان وبان، واستقر وقر، واستخفى وخفى، واستعلى وعلا.
والذي للإغناء عن المجرد كاستحيا واستأثر واستبدل، واستعبر واستنكف.
والذي للإغناء عن فعّل استرجع إذا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والأصل فيه كأمّن إذا قال آمين، وسبح إذا قال سبحان الله.
ومن الجائي على استفعل وهو مغن عن فعّل قولهم: استعان إذا حلق عانته، فالأصل فيه: عوّن كقرّد البعير إذا أزال عنه القِردان.
ص: ومنها للألوان افعلّ غير مضاعف العين، ولا معتل اللام دون شذوذ، وقد تلي عينه ألف، وقد يدل بحالية على عيب حسي، وربما طاوع فعَل، وقد يدلان على غير لون وعيب، وإفهام العروض مع الألف كثير، وبدونها قليل. ومنها افعوعل للمبالغة، وللصيرورة. وقد يوافق استفعل ويطاوع فعَل.
ش: أصل افعلّ: افعلَلَ، ويدل على ذلك وجوب استعماله مفتوح العين مع تاء الضمير ونونَيْه، نحو: احمررت واحمررنا واحمررْن.
وشرط ما يصاغ منه ألا يكون مضاعف العين، ولا معتل اللام كألمى. وشذ قولهم: ارعوى مطاوع رَعَوْته بمعنى كففته، من ثلاثة أوجه: أحدها أنه معتل اللام. الثاني أنه لغير لون ولا عيب حسي. الثالث أنه مطاوع، والمطاوعة في هذا النوع نادرة.
стр. 1276
وإنما حق هذا الوزن أن يكون مقتضبا كابيضّ واحمرّ. أو موافقا لفعِل أو فعُل كاسمرّ وسمِر وسمُر، وأن يدل على لون وهو الكثير، أو على عيب حسي كاعرجّ واعورّ. وقد قيل من الحوّة احوَوَى، وفيه شذوذ من قبل الاعتلال وموافقة النظائر، من قبل دلالته على لون.
وقد تزاد ألف قبل لامه كاحمارّ واصفارّ وادهامّ، والأكثر أن يقصد عروض المعنى إذا جيء بالألف، ولزومه إذا لم يجأ بها. وقد يكون الأمر بالعكس، فمن قصد اللزوم مع ثبوت الألف قول الله تعالى في وصف الجنتين: (مُدْهامّتان) ومن قصد العروض مع عدم الألف قولك: اصفر وجهه وجلا، واحمر خجلا، ومنه قوله تعالى في قراءة ابن عامر: (تَزْوَرّ عن كهفهم ذات اليمين)
ومثال وقوع افعلّ وافعالّ لغير لون وعيب: انقضّ الحائط، وانهارّ الليل إذا انتصف. ومثال انهارّ: اشعارّ الرأس، إذا تفرق شعره.
وقد كثر وزن افعوعل في قصد التكثير والمبالغة، كقولهم: اخشوشن الشيء إذا كثرت خشونته، واعشوشب المكان إذا كثر عشبه، واغدودن الشعر إذا وفر وكثر سواده ولينه.
وقد يجيء للصيرورة نحو: احلولى الشيء إذا صار حلوا، واحقوقف الجسم إذا صار أحقف أي منحنيا.
وقد يوافق استفعل في الدلالة على إلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كقوله:
فلمّا أتى عامان بعد انفصاله ... عن الضَّرع واحلَوْلى دِماثا يَرُودها
أي وجدها حلوة، فاستعمل احلولى استعمال استحلى، واستعماله بمعنى صار حلوا أشهر، ومنه في خطاب الدنيا: ولا تحلولي لهم فتفتنيهم، أي: لا تصيري لهم حلوة.
стр. 1277
وقد يوافق انفعل في مطاوعة فعَل كقولهم: ثنيته فانثنى، ومنه قراءة من قرأ: (ألا إنهم يثنوني صدورهم).
وقد يوافق المجرد كقولهم: خَلُق أن يفعل كذا، واخلولق أن يفعل، إذا كان بذلك خليقا أي حقيقا.
ص: وافعوّل بناء مقتضب، وكذا ما ندر من افعولل وافعيّل، وأما فوعل وفعول وفعْلل ذو الزيادة، وفيْعل وفَعْيل وفَعْلى فملحقات بفعلل، وإلحاق ما سواها به نادر.
وتزاد التاء قبل متعدياتها للإلحاق بتفعلل، وهو افعنلل لمطاوعة فعْلَلَ تحقيقا أو تقديرا. وألحق بافعنلل افْعَنْلى وافعنْلَل الزائد الآخر، وإلحاق ما سواهما به نادر.
وافعَلَلّ بناء مقتضب، وقد يطاوع فَعْلَلَ، والإلحاق به نادر.
ش: المقتضب من الأبنية هو المصوغ على مثال غير مسبوق بآخر هو له أصل أو كالأصل، مع خلوه من حرف مزيد لمعنى أو لإلحاق.
ومثال افعوّل اجلوّذ واعلوّط واخروّط.
ومثال افعولل وافعيّل اعْثَوْجج واهبيّج، وهما من الأوزان التي أغفلها سيبويه.
ومثال فوعل وفعول وفعلل بزيادة إحدى اللامين: حوقل وجهور وجلبب.
ومثال فيعل وفعيل وفعلى: بيطر وعَذْيَط وسلقى. وفعيل أيضا مما أغفله سيبويه.
ونبهت بقولي: "وإلحاق ما سواها به نادر" إلى الإلحاق بهمزة متوسطة كتأبل القدر بمعنى تبلها، وبنون متقدمة كنرجس الدواء، أو متأخرة كقطرن البعير، أو
стр. 1278
بميم مطلقا كمندله بمعنى ندله، وغلصمه بمعنى غلصه، وبتاء متقدمة كتَرْمس بمعنى ارتمس، وترفل في معنى ترفّل، وتفرض بمعنى فرض، وبهاء مطلقا كهلقم إذا أكثر اللقم، وذهبل اللقمة إذا التقطها، وعلهصه بمعنى علصه. وبياء متقدمة كيرْنأ الشيب. وبسين متقدمة أو متأخرة كسنبس بمعنى نبس، وخلبس بمعنى خلب. وبتضعيف عين قبل الفاء كزهزق بمعنى أزهق، ورهرم بمعنى هرم.
وإذا لبس جلبابا فتجلبب، ملحق بتسربل إذا لبس سربالا، فتسربل، تفعلل، وتجلبب تفعلل، إلا أن لام تجلبب الثانية زائدة، ولا زيادة في تسربل إلا التاء. وتفعلل العاري من زيادة إحدى اللامين لمطاوعة المجرد كسربلته فتسربل. وقد يوجد غير مطاوع لفعلل مستعملا فيحكم بمطاوعته لفعلل مقدرًا كتبختر، فإنه مطاوع لبختر تقديرا.
وافعنلل مثل تفعلل في مطاوعة فعلل تحقيقا أو تقديرا، فذو المطاوعة تحقيقا كاحرنجمت الإبل إذا اجتمعت، فإنه مطاوع لحرجمتها أي جمعتها. وذو المطاوعة تقديرا كابرنشق بمعنى انبسط فرحا، فإنه مطاوع لبرشق تقديرا كتقدير بختر، وبختر وبرشق مهملان.
وألحق بافعنلل افعنلى كاسلنقى، وافعنلل المزيد إحدى لاميه كاقعنسس، وإلحاق غيرهما به نادر، كاحبنطأ واحونصل.
ص: صيغة فعل الأمر من كل فعل كمضارعه المجزوم المحذوف أوله، فإن لم يكن من أفعل وسكن تالي حرف المضارعة لفظا أُولِيَ همزة الوصل. وإن كان
стр. 1279
من أفعل افتتح بهمزة مطلقا.
ش: التعبير عن فعل الأمر بكونه كمضارعه المجزوم المحذوف أوله يعم نحو: عدْ، ورَ، وسلْ، وقم، وزد، ودحرج، وراقب، فإنها ليس بينها وبين مضارعاتها المجزومة إلا حذف حرف المضارعة منها، وثبوته في المضارع المجزوم. وهكذا كل أمر من فعل يلي حرف المضارعة منه متحرك.
فإن سكن لفظا تالي حرف المضارعة ولم يكن ماضيه أفعل، حذف حرف المضارعة وجعل موضعه همزة وصل كقولك في: يستمع وينطلق ويستخرج ويحبنطى: استمع وانطلق واستخرج واحبنط.
فإن كان ماضيه أفعل حذف حرف المضارعة، وجعلت مكانه همزة قطع مفتوحة، وذلك واجب في كل فعل أمر ماضيه على وزن أفعل، صحيحا كأكْرِمْ، أو معتلا، كأقِمْ، أو مُدْغما عينه في لامه كأعدّ، ولاستواء الأنواع الثلاثة في الافتتاح بالهمزة المفتوحة قلت: وإن كان من أفعل افتتح بهمزة مطلقا".
стр. 1280
باب همزة الوصل
ص: وهي المبدوء بها في الأفعال الماضية الخماسية والسداسية، ومصادرها، والأمر منها، ومن الثلاثي الساكن ثاني مضارعه لفظا عند حذف أوله. وفي: ابن واثنين، وامرئ، وإناثها، واسم، واست، وابنم، وايمن المخصوص بالقسم، والمبدوء بها أل، وتفتح مع هذين، وتضم مع غيرهما قبل ضمة أصلية موجودة أو مقدرة، وتُشَم قبل المُشَمة، وتكسر فيما سوى ذلك، وقد تكسر في ايمن، وربما كسرت قبل الضمة الأصلية، وأصلها الكسر على الأصح.
ش: لما فرغ من استيفاء أبنية الأفعال، وعلم المبدوء منها بهمزة وما ليس كذلك واحتيج إلى تبيين همزة الوصل، استعين على ذلك بالإحالة على ما تقدم، فاحترز بذكر الماضية من همزة المتكلم فإنها همزة قطع في الأفعال كلها. واحترز بالخماسية والسداسية من الرباعي الذي وزنه أفعل كأكرم، وفاعل كآخذ ماضي يؤاخذ، ومن الثلاثي الذي أوله همزة كأخذ.
وأمثلة الخماسي والسداسي قد ذكرت فلا حاجة إلى ذكر شيء منها، وقد علم أن كل مثال منها مفتوح الثالث، فإذا قصد مصدره كسر ثالثه، وزيد قبل آخره ألف، وترك ما سوى ذلك على ما كان عليه عند قصد الفعلية، إلا أن يكون ذا إدغام مع الفعلية فيجب مع المصدرية الفك من أجل الألف، كقولك فيما لا إدغام فيه: استمتع استمتاعا، واستخرج استخراجا. وفيما فيه إدغام: اشتد اشتدادا، واستعد استعدادا.
ومثال المبدوء بهمزة وصل من أمر الخماسي والسداسي استمِعْ واستخرِجْ.
وقد سبق الكلام على كيفية صوغ فعل الأمر، وبيان ما هو منه مفتقر لهمزة الوصل، فزدت الآن بيانا بالتنبيه على الأمر من الخماسي والسداسي. ثم نبهت على الأمر من الثلاثي وقيدته بسكون تالي حرف المضارعة منه لفظا عند حذف أوله، فعلم
стр. 1281
بذلك أن الأمر من يعلم ويضرب ويخرج: اعلم واضرب واخرج، وكذلك ما أشبهها. وقد عرف ذلك من الفصل السابق، ولكن زيادة البيان أحوط.
وخرج بتقييد السكون باللفظ المحرك ثانيه لفظا لا تقديرا كيقوم ويرد ويرى ويسل، فإن ثوانيها محركة لفظا مسكنة تقديرا، فلو لم يقيد السكون باللفظ لتناولت العبارة ما هو مستغن عن همزة الوصل، من المحرك ثانيه لفظا المسكن تقديرا.
وخرج بقولي: "عند حذف أوله" خذْ وكلْ ومرْ، وكان حقها أن يقال فيها: اؤخذ واؤكل واؤمر، كما يقال في الأمر من: أثر الحديث، وأجر الأجير: اؤثر واؤجر، لكن كثر استعمال الأفعال الثلاثة، فحذفت الهمزة من الأمر منها على غير قياس، وللكلام على الحذف موضع هو أولى من هذا.
ولما حصرت مواقع همزة الوصل في الأفعال والمصادر كملت ذلك بضبط مواقعها الباقية وهي: ابن، وابنة، واثنان، واثنتان، وامرؤ، وامرأة، واسم واست، وايمن المخصوص بالقسم، وابنم، وال موصولة كانت أو معرفة أو زائدة. وقيد ايمن بكونه المخصوص بالقسم احترازا من أيمن جمع يمين، وقد تقدم الكلام في باب القسم على ايمن مكملا، لكن بعد العهد به، فلم أر بأسا بإعادة بعض ذلك تأكيدا للبيان، وتوقيا للنسيان.
ولما كان سبب الإتيان بهمزة الوصل التوصل إلى الابتداء بالساكن، وجب كونها متحركة كسائر الحروف المبدوء بها، وأحق الحركات بها الكسرة، لأنها راجحة على الضمة لقلة الثقل، وعلى الفتحة لأنها لا توهم استفهاما بخلاف الفتحة فإنها توهمه، فإنه لو قيل في: اصطفى: اَصطفى، والاستفهام غير مراد، لكان لفظه كاللفظ به والاستفهام مراد. فإذا قيل في الإخبار: اِصطفى بالكسر، وفي الاستفهام: اَصطفى بالفتح، أمن الإيهام، وتأكد الإفهام.
وفي فتح همزة الوصل أيضا محذور آخر وهو تأديته إلى التباس الأمر بالمضارع المسند إلى المتكلم، وذلك أنه لو قيل في الأمر بالانطلاق: اَنطلق، بفتح الهمزة، لتوهم أنه مضارع مسند إلى المتكلم، ولا يكفي الفرق بالسكون، فإن المضارع قد يسكن في مواضع الرفع تخفيفا، كتسكين أبي عمرو: "ينصركم" وأخواته.
стр. 1282
ولما استحقت همزة الوصل الكسر في الأفعال كسرت أيضا في الأسماء، لتجري على سنن واحد، فإن عرض فيما يلي الساكن الذي جيء بها لأجله ضمة لازمة ضمت هي إتباعا، وتخلصا من تتابع كسر وضم. وبعض العرب يغتفر ذلك لأجل الانفصال بالساكن، والضم هو المأخوذ به حتى في نحو: اغزى، إتباعا للضمة المنوية قبل الياء.
ومن أشم في نحو: اختير وانقيد لزمه الإشمام في الهمزة.
فصل: ص: لا تثبت همزة الوصل غير مبدوء بها إلا في ضرورة، ما لم تكن مفتوحة تلي همزة استفهام فتبدل ألفا أو تسهل. وثبوتها قبل حرف التعريف المحرك بحركة منقولة راجح، ويغني عنها في غيره. وشذ في: سَل: إسَل. وإن اتصل بالمضمومة ساكن صحيح أو جار مجراه جاز كسره وضمه.
ش: مثال ثبوته غير مبدوء بها في الضرورة قول الشاعر:
إذا جاوَزَ الاثنين سِرٌّ فإنه ... بنَتٍّ وإفشاءِ الحديث قمينُ
ومثال إبدالها ألفا لكونها مفتوحة بعد همزة الاستفهام قوله تعالى: (آلذكرين حرم أم الأنثيين) وكان حقها أن تحذف كما يحذف غيرها من همزات الوصل إذا وليت همزة الاستفهام نحو: (أصطفى البنات على البنين) إلا أنها لو حذفت لم يعلم أن الباقية همزة الاستفهام، لأنها مفتوحة، واللفظ بالاستفهامية في موضعها كاللفظ بها دون استفهام، فلو لم تبدل أو تسهل بعد همزة الاستفهام لكان الاستفهام لا يعرف به، والمشهور إبدالها ألفا، وقد تسهل كقول الشاعر:
وما أدري إذا يَمّمْتُ أرضا ... أريد الخير أيُّهما يليني
стр. 1283
أالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني
وكقول الآخر:
ألحقَّ إن دارُ الرباب تباعدت ... أو انبتّ حبْلٌ أن قلبك طائر
وإذا نقلت حركة همزة الوصل إلى الساكن الذي جيء بهمزة الوصل لأجله استغنى عن همزة الوصل، كقول بعض العرب ن نُؤيك، يريد: انأ نؤيك أي: أصلحه. وكذا يقال لمن يؤمر بالنأي: ن عني، والأصل: انأ عني، فنقلت حركة الهمزة إلى النون، واستغنى عن همزة الوصل، كما استغنى في الإدغام إذا قلت في: اردد: ردّ، وشذّ قول بعض العرب في: سل: اسَل.
ولو كان الساكن المنقول إليه الحركة لام أل لجاز حذف الهمزة وثبوتها، والثبوت أجود، لأن استعماله في القراءة أشهر.
وإذا اتصل بهمزة الوصل مضمومة ساكن صحيح، أو جار مجرى الصحيح حذفت وكسر الساكن أو ضم، نحو: (أنِ اقتلوا أنفسكم أوِ اخرجوا من دياركم) وأنُ اقتلوا أوُ اخرجوا.
стр. 1284
باب مصادر الفعل الثلاثي
ص: منها الثلاثي محرك الفاء بالثلاث، مفتوح العين، مجردا، أو ذا ألف بعدها، مذكرا أو مؤنثا بالتاء، أو ساكن العين مجردا، أو مؤنثا بالتاء أو الألف المقصورة، أو مزيدا آخره ألف ونون.
ش: محرك الفاء بالثلاث، أي الفتحة والكسرة والضمة. ومفتوح العين مجردا مع فتح الفاء كفَرَح، ومع كسرها كغِلَظ، ومع ضمها كهُدًى.
وذا ألف بعدها، أي بعد العين المفتوحة كصَلاح وجِماع ونُباح.
أو مؤنثا بالتاء كجِناية وخَطابة ودُعابة. فهذه تسعة أمثلة للمفتوح العين.
وللساكن العين مجردا: فَعْل كصبر، وفِعْل كذكر، فُعْل كشكر.
وله مؤنثا بالتاء: فَعْلة كرحمة، وفِعلة كنِشْدة، وفُعْلة كقدرة.
وله مؤنثا بالألف المقصورة: فَعْلى كدعوى، وفِعْلى كذكرى، وفُعْلى كرُجعى.
وله ذا ألف ونون زائدتين: فَعلان، ولم يجئ منه إلا ليّان وشنْآن بمعنى شنَآن.
وفِعلان كإتيان، وفُعلان كغُفران.
ص: ومنها فَعَلان، وفَعِل، وفَعِلة، وفَعيل، وفَعيلة، وفُعُول، وفُعُولة، وفَعُول، وفُعُوليّة، وفُعْلِيّة، وفُعْل، وفَعالية، وفُعْلَل، وفَيْعولة، وفَيْعوليّة، وفَعَلى، وفَعْلاء، وفُعَلاء، وفِعَلاء، ومَفعولاء، وفِعِّيلَى، وفِعِّيلاء، وإفْعيلى، وإفْعيلاء، وفُعُلّة، وفُعُلّى، وفِعَلّى، وفعلوت، وفُعَلْنية، وفَعالّة، وفِعِلّان، وفَعُّول، وتَفْعِلة، وتَفْعُلة ومَفْعَل مثلث العين مجردا وبالتاء، ومفعول، ومفعولة، وفاعِل، وفاعِلة.
стр. 1285
ش: ترتيب أمثلة من هذه الأوزان: جَولان، وكَذِب، وسرقة وذَميل، وتَميمة، وحُلول، وسُهولة، وقَبُول، وخصه خُصُوصيّة، وحَقَره حُقْرِيّة، وحكم حُكْما، وكره كراهية، وساد سُودَدًا، وبان بَيْنونة، ودام ديمومة، وكعّ كعاعة وكعوعا وكَيْعُوعيّة إذا ضعف وجبن، وجمز جمَزَى، وهلك هَلْكاء، وغلا غُلَواء، وخال خُيلاء، وخال خيلا وخِيلاء، وحلف محلوفاء، وشعر مشعوراء، وحضّه على الأمر حِضِّيضَى، وحَثّه حِثِّيثى، وهجر هجيرى وهجيراء، وإهجيرى، وإهجيراء، وغلب غُلُبّة وغُلُبّى، ورغب رغبوتا، ورهب رهبوتا، وسَحَفه سُحَفْنِية، وزَعَر زعارة بتخفيف الراء وتشديدها إذا فجر ومجن، وعرفه عِرِفّانا بكسر العين والراء وتشديد الفاء بمعنى عِرْفان، وصار صُيّورا رجع، وحلّ تَحِلّة أي حلالا، وهلك تهلكة أي هلاكا، وذهب مَذْهبا، ورجع مَرْجِعا، وهلك مَهْلُكا، وقدر على الشيء مقدُرة، ومقدَرة مقدِرة، وعقل معقولا، وجلد مجلودا فهو جلد، وأوى له مأويّة إذا رحمه، وفلج فالجا، وكذب كاذبة ولغا لاغية.
ص: والغالب أن يعني بفَعالة وفُعولة المعاني الثابتة، وبفِعالة الحرف وشبهها، وبفِعال ما فيه تأبٍّ، وبفُعال الأدواء والأصوات، وبفَعيل الأصوات وضروب السير، وبفَعلان ما فيه تقلب، وبفَعَل الأعراض، وبفُعْلة الألوان.
ش: قصد المعاني الثابتة بفَعالة كالفطانة والبلادة والجراءة والرداءة واللبابة الجهالة والظرافة والنجابة والبراعة والرهافة.
وقصدها بفُعولة كالسهولة والصعوبة والرطوبة واليبوسة والعذوبة والملوحة والرعونة والخشونة.
وقصد الحرف بفِعالة كالنجارة والخياطة والنساجة والحياكة والصناعة والحراثة والفلاحة والكتابة.
والمراد بشبه الحِرَف الولايات كالإمارة والعرافة والوزارة والنقابة.
وكون فِعال لما فيه تأبّ كالشراد والجماح والقماص والشباب والخلاء والحماء
стр. 1286
والصراف والهياج والحران والشماس.
وكون فُعال للأدواء كالزكام والسلاق والقياء والصداع والدوار والظهار والسلال والنحاز والمشاء.
وكونه للأصوات كالرغاء والثغاء والمواء والعواء والخوار والجؤار والضباح والنباح والنعاق والنهاق.
وكون فَعيل للأصوات كالصهيل والنهيق والهدير والصفير والهزيز والنعيب والنسيب والنشيج والأزيز والعجيج والكشيش.
وكون فَعيل لضروب السير كذمل ذميلا، ورسم رسيما، ووجف وجيفا، ودب دبيبا.
وكون فَعلان للتقلب كالطوفان والجولان والنزوان والخفقان والضربان والجيشان والثوران والغليان والهيجان.
وكون فَعَل للأعراض كفَرَح وتَرَح وعَطَش وغرث وخجل ووجل وحزن ووسن وطمع وطبع.
وكون فُعْلة للألوان كشهلة وسمرة وأدمة وورقة وظلمة وكدرة وغبرة وشقرة وخضرة ودهمة وحمرة وصفرة.
ونبهت في أول هذه الأوزان بقولي: "في الغالب" على أن معاني هذه الأوزان قد يدل عليها بغيرها، وأنها قد يدل بها على معان أخر.
ص: والمقيس في المتعدي من فَعَل مطلقا، ومن فَعِل المفهم عملا بالفم "فَعْل"، وفي اللازم من فَعِل "فَعَل"، ومن فَعَل "فُعُول" ما لم يغلب فيه "فِعالة" أو "فِعال" أو "فُعال" أو "فَعيل" أو "فَعلان" فيندر به فُعول.
ويدل على المرّة بفَعْلة، وعلى الهيئة بفِعلة، مالم يوضع المصدر عليهما، وشذ نحو: إتيانة ولقاءة.
стр. 1287
ش: مصادر الثلاثي مقيسة وغير مقيسة، فمن المقيسة "فَعْل" لفَعَل المتعدي كأكل أكلا، وجمع جمعا، وبذل بذلا، ومنع منعا، وقبض قبضا، وبسط بسطا ولفعِل مقيدا بدلالته على عمل بالفم كلَقِم لَقْما، ولسِب لَسْبا، وسرط سرطا، وزرد زردا، ولهم لهما، ولثم لثما، وبلع بلعا، وقضِم وقضما، وخضم خضما، وعضّ عضّا، ومصّ مصّا، وسفّ سفّا.
ومنها "فَعَل" لفعِل اللازم كفرِح فَرَحا، وترح ترحا، وأشر أشرا، وبطر بطرا، وندم ندما، وألم ألما، وكسل كسلا، وفشل فشلا.
ومنها "فُعُول" لفَعَل اللازم الذي لم يغلب فيه فِعالة كتجر تجارة، ولا فِعال كحران حرانا، ولا فُعال كبغم بغاما، ومشى مُشاء، ولا فعيل كصهيل صِهيلا، وذمل ذميلا، ولا فَعَلان كطاف طوفانا. فما استحق من فَعَل مصدرا على أحد هذه الأوزان فلا يجيء مصدره على فُعول إلا نادرا، كجمح جموحا، ونفر نفورا.
стр. 1288
باب مصادر غير الثلاثي
ص: يصاغ المصدر من كل ماض أوله همزة وصل بكسر ثالثه، وزيادة ألف قبل آخره. ومن كل ماض أوله تاء المطاوعة أو شبهه بضم ما قبل آخره إن صح الآخر، وإلا خلف الضمَّ الكسر.
ويصاغ من "أفعل" على إفعال، ومن "فَعّل" على تفعيل، وقد يشركه تفعلة، ويغني عنه غالبا فيما لامه همزة، ووجوبا في المعتل، و:
تنزى دلوها تنزيا، من الضرورات.
ومصدر "فاعَلَ" مُفاعلة وفِعال، وندر فيما فاؤه ياء.
ومصدر "فَعْلَلَ" والملحق به بزيادة هاء التأنيث في آخره، أو بكسر أوله وزيادة ألف قبل آخره. وفتح أول هذا إن كان كالزلزال جائز، والغالب عليه أن يراد به حينئذ اسم فاعل. هـ
تم والحمد لله ما وجد بخط الشيخ جمال الدين ﵀ من شرحه لتسهيل الفوائد وتكميل المقاصد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1289
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد
قال الإمام العالم الفاضل المحقق
العلامة بدر الدين أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي ﵀:
باب إعراب الفعل وعوامله
ص: قوله: يرفع المضارع لتعريه من الناصب والجازم، لا لوقوعه موقع الاسم، خلافا للبصريين.
ش: قد تقدم في أول الكتاب بيان المعرب من الأفعال، وهو المضارع الذي لم تتصل به نون توكيد ولا نون إناث، وأن إعرابه رفع ونصب وجزم، فلم يحتج إلى ذكر ذلك هنا، بل إلى ذكر ما يعمل في الأفعال، وهو ثلاثة أنواع: رافع وناصب وجازم.
أما الرافع فقد بينه بقوله: يرفع المضارع لتعريه من الناصب والجازم، أي الذي يعمل في المضارع هو خلوه من عامل النصب وعامل الجزم، ولا خلاف أن الرافع للمضارع عامل معنوي، ولكن اختلفوا في هذا المعنى ما هو؟ فقال البصريون: الرافع للمضارع هو موقعه موقعا صالحا للاسم، ومتى كان الفعل لا يجوز أن يقع موقعه اسم لم يجز رفعه، تقول: يقوم زيد، ويقعد عمر، وبكر ينطلق، وبشر يقول ذلك، فترفع في هذا كله لوقوع الفعل منه موقع المبتدأ أو الخبر المفرد.
ولا يجوز الرفع في: أن يقوم زيد، ولم يقعد عمرو، لأن الفعل فيه لم يقع موقع الاسم.
وأما نحو: كدت أفعل، فمثل: كنت أفعل، وقعت فيه أفعل موقع فاعل وإن لم يتكلم به.
стр. 1290
وقال الكوفيون: الرافع للمضارع خلوه من الناصب والجازم، فجعلوا الرافع له تجرده من العوامل اللفظية ليسند، كما كان الرافع للمبتدأ تجرده من العوامل اللفظية ليسند إليه. وبهذا القول قال شيخنا ﵀، واستدل على صحته بفساد ما قاله البصريون، من قِبَلِ أن الرافع للمضارع لو كان وقوعه موقع الاسم لما ارتفع بعد "لو" وحروف التحضيض لأنها مختصة بالأفعال، فليس المضارع بعدها في موضع الاسم، وقد رفعوه بعدها نحو: لو يقومُ زيد قمت، وهلا تفعلُ ذاك. فعلم أن الرافع له ليس وقوعه موقع الاسم، فوجب أن يكون تجرده من الناصب والجازم.
فإن قيل: لا نسلم أن الرافع للمضارع لو كان وقوعه موقع الاسم لما ارتفع بعد هذه الحروف، لأن المراد بموقع الاسم، الموضع الذي هو للاسم بالجملة، وما بعد هذه الحروف هو للاسم، بدليل قولهم: لو ذاتُ سوار لطمتني، وهلا زيدٌ قام. فإذا وقع فيه المضارع استحق الرفع للعلة المذكورة.
فالجواب: لا يخلو مراد كم بموقع الاسم إما أن يكون الموضع الذي هو للاسم في الأصل، أو الموضع الذي هو للاسم في الاستعمال، أو الموضع الذي هو للاسم في أحدهما. وأيا ما كان يلزم منه بطلان قولكم: رافع المضارع وقوعه موقع الاسم، لأنه ينتقض على الأول بالرفع بعد حروف التحضيض قطعا، لأنه موضع ليس للاسم في الأصل. وعلى الثاني بالرفع بعد كاد ونحوها، لأنه موضع ليس للاسم في الاستعمال. وعلى الثالث بالجزم بعد إن الشرطية، فإنه موضع هو للاسم في الاستعمال، كما قي قوله تعالى: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك) فلو كان رافع المضارع وقوعه موقع الاسم في الجملة ما كان بعد إن الشرطية إلا مرفوعا، فلما لم يرفع علم أن رافع المضارع ليس وقوعه موقع الاسم، فتعين أن يكون خلوَّه من الناصب والجازم، كما قال الكوفيون.
ص: وينصب بأنْ، ما لم تل عِلْما أو ظنّا في أحد الوجهين فتكون مخففة
стр. 1291
من أنّ، ناصبة لاسم لا يبرز إلا اضطرارا، والخبر جملة ابتدائية، أو شرطية، أو مصدرة برُبّ، أو فعلٌ يقترن – غالبا إنْ تصرّف -، ولم يكن دعاء – بقدْ وحدها، أو بعد نداء، أو بلو، أو بحرف تنفيس أو نفي.
ش: الذي يعمل النصب في المضارع أربعة أحرف: أنْ، ولن، وكي، وإذن.
فأما أنْ فهي في الكلام على ثلاثة أضرب: مفسرة وزائدة ومصدرية.
فالمفسرة هي المصدر بها حكاية ما فيه معنى القول دون حروفه، كما في قوله تعالى: (وأوحينا إليه أن اصنع الفلك).
والزائدة دخولها في الكلام كخروجها، كما في نحو: (فلما أن جاء البشير) ولا عمل لها.
والمصدرية هي التي يؤول منها ومن صلتها مصدر، وتنقسم إلى مخففة من أنّ باقية على عملها، وإلى غير مخففة وهي الناصبة للمضارع، وإنما نصبته لأنها شبيهة بأحد عوامل الأسماء وهي أنّ، وهي أقوى النواصب، ولذلك نصبت الفعل مظهرة ومضمرة.
ولا تخلو المصدرية من أن يعمل فيها فعل علم أو فعل ظن أو غيرهما. فإن عمل فيها غير فعل علم أو ظن فهي الناصبة للفعل، كما في: (وأنْ تصوموا خير لكم) و: (يريد الله أن يخفف عنكم).
وإن عمل فيها فعل علم فهي المخففة من أنّ، فإذا وقع بعدها المضارع كان مرفوعا. وإن عمل فيها فعل ظن جاز أن تكون المخففة، وأن تكون الناصبة للفعل المضارع وهو الأكثر فيها، ولذلك اتفق على النصب في: (أحسب الناسُ أن
стр. 1292
يُتْرَكوا) واختلف في: (وحسبوا أن لا تكون فتنة) فقرأ بالرفع أبو عمرو وحمزة والكسائي، وقرأ بالنصب الباقون.
ولا يجوز في المخففة أن تلغى، بل يجب أن تنصب اسما لا يبرز إلا في الضرورة، كقول الشاعر:
لقد علم الضيفُ والمرملون ... إذا اغْبرَّ أفْق وهبت شَمالا
بأنْك ربيعٌ وغَيْثٌ مَرِيع ... وأنْك هناك تكون الثِّمالا
ولا يكون خبرها حال حذف الاسم إلا جملة، إما ابتدائية كقوله:
في فِتْيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِل
والتقدير: أنه هالك كل من يحفى وينتعل. أو شرطية كقولك: قد علمت أنْ متى تقم أقم معك. ومثله:
فعلمت أن من تثقفوه فإنه ... جزر لخامعة وفرخ عقاب
ولك أن تجعل منه قوله:
سالتاني الطلاق أنْ رأتاني ... قَلّ مالي قد جئتماني بنُكْر
ويك أنْ من يكنْ له نَشَب يُحْـ ... ـبَبْ ومن يفتقر يَعش عيش ضر
بناء على أن الكاف مع "وي" حرف خطاب، والمعنى: أعجب لأنه من
стр. 1293
يكون له نشب يحب، ويجوز أن تكون "وي" مفصولة من الكاف، وهي مع أن للتشبيه على طريق التهكم.
وإما مصدرة برب كقول الشاعر:
أفاطم ما يدريك أنْ ربّ ليلة ... كأنّ دُجاها من قُرونك يُنْشَر
ومثله:
تيقنت أنْ رُبَّ امْرِئٍ خِيلَ خائنا ... أمينٌ وخَوّانٍ يُخال أمينا
وإما فعلا غير متصرف كقوله تعالى: (وأنْ عسى أن يكونَ قد اقترب أجلهم) وقوله: (وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى).
وإما فعلا متصرفا يفيد الدعاء، كقراءة من قرأ: (والخامسةَ أنْ غضِب الله عليها إن كان من الصادقين).
أو هو مقرون في الغالب إما بقد وحدها كقوله تعالى: (ونعلم أنْ قد صدقتنا) أو بعد نداء، كما تقول: أعلم أنْ يا زيد قد قام عمرو. وأجاز سيبويه أن يكون منه قوله تعالى: (وناديناه أنْ يا إبراهيمُ قد صدَّقْتَ الرؤيا) وأجاز أيضا أن تكون أن فيه حرف تفسير.
وإما بلو كقوله تعالى: (أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) وقوله تعالى: (تبَيَّنت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين).
стр. 1294
وإما بحرف تنفيس كقوله تعالى: (علم أن سيكونُ منكم مرضى) وإما بحرف نفي كقوله: (أفلا يرون أنْ لا يرجعُ إليهم قولا) وقوله تعالى: (أيحسب الإنسانُ أنْ لن نجمع عظامه) وقوله تعالى: (أيحسَب أنْ لم يره أحد).
ولا يجيء خبر أن المخففة فعلا متصرفا غير دعاء ولا مفصول بأحد الأحرف المذكورة إلا فيما شذ كقوله:
علموا أنْ يُوَمَّلون فجادوا ... قبل أنْ يُسْألوا بأعظم سُؤْل
وقول الآخر، أنشده الفراء:
إني زعيمٌ يا نُوَيْـ ... ـقَهُ إن أمنت من الرَّزاح
وأمِنْت من عَرَضِ المَنُو ... ن من الغُدُوِّ إلى الصباح
أن تهبطين بلادَ قو ... مٍ يرتَعُون من الطِّلاح
وإلى هذا أشار بقوله: غالبًا.
ص: وقد تخلو من العلم والظن فتليها جملة ابتدائية، أو مضارع مرفوع، لكونها مخففة من أنّ عند الكوفيين، ومشبهة بما آختها عند البصريين.
ش: قد تخلو أن المصدرية من أن يعمل فيها علم أو ظن وتليها جملة ابتدائية، أو فعل مضارع مرفوع، وهو قليل في الكلام، ومنه قول الشاعر:
رأيتك أحييت الندى بعد موته ... فعاش الندى من بعد أنْ هو خامل
стр. 1295
وقراءة بعضهم: (لمن أراد أن يُتمُّ الرضاعة) وقول الشاعر، أنشده السيرافي:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لُقِّيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خف محملها ... تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تشعرا أحدا
وفي الحكم على أنْ فيما جاء من هذا النحو قولان:
فعند الكوفيين أنها المخففة من أنَّ، وجاز خلوها من العلم والظن، لأنه لا مانع منه في القياس.
ومذهب البصريين أنها التي تنصب المضارع، ولكنها شبهت بما أختها، وهي المصدرية، فحملت عليها في الإلغاء، فوقع المضارع بعدها مرفوعا، ووليها جملة ابتدائية، كما قد تلي ما، كقوله:
واصِلْ خليلَك ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ
وكلا القولين حسن.
ص: ولا يتقدم معمول معمولها عليها، خلافا للفراء، ولا حجة فيما استشهد به لندوره، وإمكان تقدير عامل مضمر.
ولا تعمل زائدة خلافا للأخفش، ولا بعد عِلْم غير مؤول خلافا للفراء وابن الأنباري. ولا يمتنع أن تجري بعد العلم مجراها بعد الظن لتأوله به، ولا بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف خلافا للمبرد. ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين.
стр. 1296
ش: أن المصدرية مع صلتها في تأويل المصدر، فلهما كمال شبه بجزأي الاسم، فيجب لهما ما وجب للجزأين من الترتيب، ومنع الفصل، فلا يجوز: طعامك يعجبني أن تأكل، زيدا أريد أن تضرب. قال ابن كيسان: فقد أجاز الكوفيون تقديم بعض هذا في مواضع، منها: طعامك أريد أن آكل، وطعامك عسى أن آكل، فجعلوا أن كالمجلبة بعسى وأريد، كأن الكلام كان: طعامك آكل فيما أرى وفيما أريد، وليس ذلك بجائز عند البصريين.
وذكر الشيخ ﵀ أن الفراء مستشهد بقول الشاعر:
وإني امرُؤٌ من عُصْبة تُغْلبية ... أبت للأعادي أن تَذِيخَ رقابُها
أي: تذل، قال: ولا حجة فيه لندوره، وإمكان تقدير عامل مضمر دل عليه المظهر.
وذهب الأخفش إلى أنّ أنْ في قوله تعالى: (ومالنا أن لا نقاتلَ في سبيل الله) زائدة، وقد نصبت المضارع حملا على أن المصدرية، كما جرت الباء الزائدة حملا على التي بمعنى الإلصاق، قال: لأن التقدير: وما لنا لا نقاتل، كما جاء في موضع آخر: (وما لنا لا نؤمنُ بالله) (مالي لا أرى الهدهد) وهو مذهب ضعيف، لأن أن الزائدة غير مختصة، فلم يجز أن تعمل، لأن من شرط العمل الاختصاص. وأما الآية الكريمة فحمْلُ أن فيها على أنها مصدرية، وهي بصلتها في تأويل مصدر منصوب على إسقاط الخافض، والتقدير: ومالنا في ألا نقاتل، أسهل مما ذهب إليه الأخفش، فوجب اجتنابه.
وذهب الفراء وابن الأنباري إلى جواز نصب المضارع بعد علم غير متأول تمسكا بمثل قراءة مجاهد: (أفلا يرون ألا يرجعَ إليهم قولا) وقول الشاعر:
стр. 1297
نرضى عن الله إنّ الناس قد علموا ... ألا يُدانينا من خلقة بشرُ
وهو مذهب حسن لأنه قد جاء به السماع، ولا يأباه القياس.
ولو كان العلم مؤولا بغيره جاز عند الأخفش وسيبويه في أنْ بعده أن تكون الناصبة، فيقال: ما علمت إلا أن تقومَ. لأنه كلام خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى قولك: أشير عليك أن تقوم. ومنعه المبرد نظرا إلى ظاهر اللفظ. وإذا جاز مثل ذلك بعد العلم غير المؤول، فجوازه بعد المؤول أولى.
ولا يمتنع أن تجري أن المصدرية بعد الخوف المؤول بالعلم لتيقن المخوف مجراها بعد العلم، فيرتفع الفعل بعدها، لأنها المخففة من الثقيلة، قال سيبويه: "ولو قال: أخشى أن تفعلُ، يريد أن يخبره أنه يخشى أمرا مشتهرا عنده أنه كائن، جاز، وليس وجه الكلام".
وقال أبو الحسن: وأما خشيت ألا تكرمني، فنصب، ولو رفعته على أمر قد استقر عندك، كأنك جرّبته فكان لا يكرمك، فقلت: خشيت ألا تكرمُني، أي خشيت أنك لا تكرمني، جاز. ومنع ذلك المبرد، وأنشدوا في الرد عليه:
إذا مِتُّ فادفنِّي إلى جنب كَرْمَةَ ... تُرَوِّي عظامي في الممات عُرُوقُها
ولا تدفنَنِّي في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مِتُّ ألا أذوقُها
وأشار بقوله: "ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين" إلى قوله في بعض الحواشي: وجدت بخط الجواليقي أن سلمة أخبر عن الفراء عن الكسائي عن الرؤاسي قال: فصحاء العرب ينصبون بأن وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، وعنده أن مستند الراوي في ذلك ما جاء في الشعر من نحو قوله:
لقد طال كِتماني عزيزةَ حاجةً ... من الحاج لا تدري عزيزةُ ما هيا
أحاذر أنْ تعلم بها فتردَّها ... فتتركها ثِقْلا علّ كما هيا
стр. 1298
ولا حجة في ذلك، لجواز كونه سكون وقف للضرورة، لا سكون إعراب.
ص: وينصب المضارع أيضا بلن مستقبلا، بحدٍّ وغير حد، خلافا لمن خصها بالتأييد، ولا يكون الفعل معها دعاء، خلافا لبعضهم، وتقديم معمول معمولها عليها دليل على عدم تركيبها من لا أن خلافا للخليل.
ش: من نواصب الفعل لن، وهي حرف نفي للمستقبل، يقول القائل: سيقوم زيد، وسيقعد عمرو. فتقول: لن يقوم زيد، ولن يقعد عمرو. إنما عملت النصب في الفعل لأنها مثل أنْ في الاختصاص بالفعل المستقبل، وفي كونها على حرفين أولهما مفتوح، وثانيهما نون ساكنة. هي كغيرها من حروف النفي في جواز كون استقبال المنفي بها منقطعا عند حدٍّ وغير منقطع.
وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد، قال الشيخ رحمه: وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل، لصحة ثبوت الرؤية عن رسول الله ﷺ . واستدل على عدم اختصاصها بالتأييد بمجيء استقبال المنفي بها مُغَيّا إلى غاية ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) وهو واضح.
ولا يجوز أن يكون الفعل المنفي بلن إلا خبرا. وأجاز بعضهم كونه دعاء كالمنفي بلا في نحو:
ولا زال مُنْهَلًا بجَرْعائِك القَطْرُ
وقال ابن السراج: وقال قوم: يدعى بلن، مثل قوله تعالى: (فلن
стр. 1299
أكون ظهيرا للمجرمين) وقال الشاعر:
لن يزالوا كذلكمُ ثم لا زلـ ... ـتُ لهم خالدا خلودَ الجبال
والدعاء بلن غير معروف".
وذهب الخليل والكسائي في "لن" إلى أن أصلها: لا أنْ، وأنها مركبة من "لا" النافية، وأن الناصبة محذوفة الهمزة لكثرة الاستعمال كما قالوا: وَيْلُمِّه.
وألزمه سيبويه بأنه لا خلاف في جواز تقديم معمول معمولها عليها نحو: زيدا لن أضرب، فلو كان أصلها: لا أنْ، للزم تقديم ما في الصلة على الموصول، وهو ممتنع.
وقال السيرافي: المختار أنها غير مركبة، لأن التركيب على خلاف الأصل، فلا تقبل دعواه إلا بدليل، ولا دليل. ولأن لن مع الفعل والفاعل كلام تام، فلو كان أصلها: لا أن لكان الكلام تاما بالمفرد، وهو محال.
وحكى ابن كيسان عن الفراء في "لن" أن أصلها: لا، فجعلت ألفها نونا، ونفى بها المستقبل. وفي "لم" أن أصلها: لا، فجعلت ألفها ميما، ونفى بها الماضي، ثم قال: ولا يحسن أن تقول لن يقوم زيد ولا يقعد، حتى تقول: ولن يقعد. فإن قلت: لن يقوم زيد ولا عمرو، عطفت بلا مع الأسماء، ولم يجز مع الفعل.
ص: وينصب أيضا بكي نفسها إن كانت الموصولة، وبأن بعدها مضمرة غالبا إن كانت الجارة، وتتعين الأولى بعد اللام غالبا، والثانية قبلها، وتترجح مع إظهار أن مرادفة اللام على مرادفة أن، ولا يتقدم معمول معمولها، ولا يبطل عملها الفصل، خلافا للكسائي في المسألتين.
стр. 1300
ش: من نواصب الفعل كي، وهي حرف لا يستعمل إلا في مقام التعليل، يقول القائل: لم فعلت كذا؟ فتقول: كي يكون كذا. ولم جئتني؟ فتقول: كي أعطيك.
وهي على ضربين: أحدهما: أن تكون حرف جر، ولذلك ساوت اللام في المعنى والاستعمال، فدخلت في مقام السؤال عن العلة على "ما" الاستفهامية محذوفة الألف نحو: لمه. وفي مقام تعليل الخبر على "ما" المصدرية، كقوله:
إذا أنت لم تنفعْ فَضُرّ فإنما ... يُرَجَّى الفتى كيما يضُرُّ ويَنْفَعُ
قال أبو الحسن: جعل: "ما" اسما، ويضر وينفع من صلته، وأوقع عليه كي بمنزلة اللام.
والثاني: أن تكون مصدرية ناصبة للمضارع، ولذلك حسن دخول لام الجر عليها في السعة، كقوله تعالى: (لكي لا يكون على المؤمنين حرجٌ) فإن حرف الجر لا يجوز أن يدخل على مثله.
وإنما نصبت المضارع لشبهها بأن في كونها مصدرية مختصة بالمستقبل، وهي على حرفين أولهما مفتوح وثانيهما ساكن.
وإذا دخلت كي على الفعل مجردة من اللام، احتمل أن تكون الناصبة للفعل، واللام قبلها مقدرة تقديرها في نحو: جئت إليك لتحسن، واحتمل أن تكون الجارة، والفعل بعدها منصوب بأن لازمة الإضمار عند البصريين إلا في الضرورة كقوله:
فقالت أكلَّ الناس أصبحتَ مانحًا ... لسانك كيما أن تَغُرّ وتَخْدعا
следующие страницы →