Полный текст (1 399 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الجمل: وإنما قلنا البعض والكل. قال ابن خروف: ونصب الكل والبعض على تقدير: وإنما قلنا هاتين الكلمتين، لأنك تقول: قلت كلمة، كما تقول: "قلت قولا. والقول يقع على ما يفيد وعلى ما لا يفيد" انتهى كلامه.
قال الشيخ ﵀: وبنو سليم يجرون القول وفروعه مُجْرى الظن وفروعه في نصب المبتدأ والخبر، وفتح أنّ الواقعة بعده، فمن نصب المبتدأ والخبر على لغة بني سليم قول الراجز:
قالت وكنتُ رجلا فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا
فنصب إسرائين بقالت مفعولا ثانيا، وجعل هذا مفعولا أول، وإسرائين لغة في إسرائيل. ومن فتح أنّ بعد القول على لغة سليم قول الشاعر:
إذا قلت أني آيب أهلَ بلدة ... وضعت بها عنه الوّلِيّة بالهَجْر
هكذا أنشده أبو علي في التذكرة بالفتح على ما ذكرت لك. وهذا الاستعمال عند غير بني سليم لا يكون إلا في المضارع، المسند إلى المخاطب، مقصودا به الحال، بعد استفهام متصل، نحو قول الراجز:
متى تقولُ القُلُص الرَّواسِما ... يَحْمِلن أمَّ قاسم وقاسما
ومثله قول عمرو بن معد يكرب:
علام تقول الرمحَ يُثْقِل عاتقي ... إذا أنا لم أطعُن إذا الخيل كرّت
فلو انفصل الاستفهام بأنت ونحوه بطل الإلحاق ورجع إلى الحكاية، نحو: أأنت تقول: زيدٌ منطلق؟ فلو كان الفصل بظرف أو جار ومجرور لم يبطل الإلحاق،
стр. 492
كقول الشاعر:
أبَعْدَ بُعْد تقول الدارَ جامعةً ... شملى بهم أم دوام البعد محتوما
وكذا الفصل بأحد المفعولين مغتفر أيضا، كقول الشاعر:
أجُهّالا تقولُ بني لُؤَيٍّ ... لعَمْر أبيك أم متجاهلينا
والحكاية جائزة مع استيفاء شروط الإلحاق لأنها الأصل، ولذلك ينشد بيت عمرو بن معد يكرب الذي سبق بنصب الرمح ورفعه، فمن نصب فعلى الإلحاق، ومن رفع فعلى الحكاية.
ص: ولا يُلْحَق في الحكاية بالقول ما في معناه، بل ينوى معه القول خلافا للكوفيين، وقد يضاف قولٌ وقائلٌ إلى الكلام المحكي، وقد يغني القول في صلةٍ وغيرها عن المحكي لظهوره، والعكس كثير.
وإن تعلق بالقول مفرد لا يؤدي معنى جملة، ولا يراد به مجردُ اللفظ، حُكِيَ مُقَدّرا معه ما هو به جملة، وكذا إن تعلق بغير القول.
ش: المراد بما في معنى القول النداء والدعاء ونحوهما، فإذا جاء بعد شيء منهما مقول ففيه مذهبان: أحدهما: أن يقدّر قول يكون به المقول محكيا. والآخر: أن يحكى المقول بما قبله إجراء له مجرى القول دون حاجة إلى تقدير، وهو قول الكوفيين، والأول قول البصريين وهو الصحيح، لأن حذف القول استغناء عنه بالمقول مجمع عليه في غير محل النزاع، كقوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) أي فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول لدلالة المعنى عليه، فحذفه في محل النزاع أولى: لأنه مدلول عليه بدلالتين: معنوية ولفظية، وأيضا بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل، وذلك في الكلام
стр. 493
كثير، فيلحق به النظير. وأيضا قد جاء بعد النداء وشبه ما نحن بصدده القول مصرحا به، فدل ذلك على صحة التقدير عند عدم التصريح. فمن مواضع التقدير قوله تعالى: (ونادى نوح ابنه وكان في مَعْزِل: يا بني اركب معنا) وقوله تعالى: (فأوحى إليهم ربُّهم: لنُهْلِكنَّ الظالمين) وقوله تعالى: (دعَوُا الله مخلصين له الدين: لئن أنجتنا من هذه لنكونَنّ من الشاكرين) وقوله تعالى: (ونادَوْا يا مالك: ليقض علينا ربك) ومنه قول الراجز أنشده الفراء:
إني سأُبْدي لك فيما أبدي ... لك شجَنان شَجَنٌ في نجد ... وشجن لي في بلاد الهند
ومن مواضع التصريح قوله تعالى: (ونادى أصحابُ الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا: ما أغنى عنكم جمعكم) وقوله تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال: ربِّ انّ ابني من أهلي) وقوله تعالى: (إذ نادى ربه نداء خفيا، قال: رب إني وهن العظم مني).
ومثال إضافة قول وقائل إلى الكلام المحكي قول الشاعر:
قَوْلُ يا لَلرِّجال ينهض منا ... مسرعين الكهولَ والشُّبَّانا
وقول الآخر:
стр. 494
وأجبتُ قائلَ كيف أنتَ بصالحٌ ... حتى مللتُ ومَلَّني عُوَّادي
ينشد بخفض صالح ورفعه، فمن خفضه فظاهر، ومن رفع فعلى تقدير: بقول أنا صالح، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو: أنا صالح، ثم حذف صدر الجملة وبقى عجزها.
ومثال إغناء القول عن المحكي قول الشاعر:
لنحن الألى قلتم فأنّى ملئتم ... برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
أراد: نحن الذين قلتم تقاتلونهم، فاستغنى بالقول وحذف المحكي لدلالة ما بعده عليه، ولو فعل ذلك بغير صلة لجاز، كقولك: أنا قال زيد، ولو رآني لفر، تريد: أنا قال زيد يغلبني، ولو رآني لفر.
ومن الاستغناء في الصلة بالقول عن المحكي قول الشاعر:
لِمَ يا عمرو لم تَعُد بالذي قلـ ... ـت فتلقاه إذ خذلت نصيرا
وأما الاستغناء بالمحكي عن القول فكثير، وقد تقدمت الإشارة إليه بقوله تعالى: (فأمّا الذين اسودت وجوههم: أكفرتم) ومثله: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم) ومثله: (والذين اتخذوا من دونه أولياء: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) أي يقولون: ما نعبدهم، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: والعكس كثير.
وقد تقدم التنبيه على أن المفرد ينتصب بالقول وفروعه في موضعين، أحدهما: إذا كان بمعنى جملة كقلت حديثا. والثاني: إذا أريد به مجرد اللفظ كقلت لزيد عمرا، بمعنى أطلقت عمرا على المسمى بزيد. فإن علق بالقول مفرد بخلاف ذينك
стр. 495
فهو جزء جملة، فإما أن ينصب بفعل مقدر، وإما أن يرفع مبتدأ، ويجعل الخبر محذوفا، كقوله تعالى: (قالوا سلاما، قال سلام) فتقدير الأول: سلمنا سلاما. وتقدير الثاني: عليكم سلام. ويجوز في العربية رفعهما، ونصبهما، ورفع الأول ونصب الثاني، قال الشاعر:
مررنا فقلنا إيهِ سلْمٌ فسَلّمت ... كما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائح
ولو تعلق المفرد الذي هو في التقدير بعض الجملة بغير القول ونوى تمام الجملة، لجيء به أيضا محكيا، كقولك قاصدَ محمدٍ منقوش على خاتم: قرأت محمدٌ، لأن مراد الناقش: صاحبه محمد، أو نحو ذلك، فإذا أوقعت عليه أو غيره مراعيا للقصد الأول، فإنما تحكي مقصوده. ولو علقت به رافعا وهو منصوب لجئت به منصوبا، لأن الحكاية مستولية عليه وعلى ناصبه المنوي، ومنه قول الشاعر يصف دينارا نقش فيه اسم جعفر البرمكي منصوبا:
وأصفرَ من ضربِ دار الملوك ... يلوحُ على وجهه جعفرا
أراد الناقش: اذكر جعفرا، أو نحو ذلك. فأسند الشاعر يلوح إلى الجملة مراعيا لقصد الناقش.
فصل: ص: تدخل همزةُ النقل على عَلِمَ ذات المفعولين، ورأى أختها، فينصبان ثلاثة مفاعيل، أولها الذي كان فاعلا، ويجوز حذفه والاقتصار عليه على الأصح، وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقا، خلافا لمن منع الإلغاء والتعليق. وألحق بهما سيبويه: نبّأ، وزاد غيره: أنبأ وخَبّر وأخبر وحدّث. وزاد الأخفش: أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد. وألحق غيرهم أرى الحلمية سماعا.
وما وضع للمفعول من ذي ثلاثة فحكمه حكم ظن إلا في الاقتصار على المرفوع.
стр. 496
ش: همزة النقل هي الداخلة على الثلاثي لتعديه إلى واحد إن كان دونها غير متعد، كجلس وأجلسه. ولتعديه إلى اثنين إن كان دونها متعديا إلى واحد، كلبست ثوبا، وألبسني إياه. ولتعديه إلى ثلاثة إن كان دونها متعديا إلى اثنين، كعَلِم زيد عمرا فاضلا، وأعلمته إياه فاضلا. فأول الثلاثة هو الذي كان فاعلا قبل النقل، والثاني والثالث هما اللذان كانا قبله أولا وثانيا، فلأول الثلاثة ما لأول مفعولي كسوت من جواز الاقتصار عليه والاستغناء عنه، لأن الفعل مؤثر فيه، فجاز فيه ما يجوز في كل مفعول أثر فيه فعله، ولأن الفائدة لا تعدم بالاقتصار عليه كما تعدم بالاقتصار على أول مفعولي ظننت، ولا تعدم بالاستغناء عنه كما تعدم بالاستغناء عن أحد مفعولي ظننت، فمثال الاقتصار عليه: أعلمت زيدا، إذا قصدت الإخبار بإيصالك إلى زيد علما ما. ومثال الاستغناء عنه: أعلمت دارك طيبة، إذا قصدت الإخبار بإعلامك أن داره طيبة دون غرض في تسمية من أعلمت. وزعم ابن خروف أنه لا يجوز حذف أول الثلاثة ولا الاقتصار عليه، ولا حجة له على ذلك إلا اتباع ظاهر كلام سيبويه في ترجمة تأولها الأكثرون.
والمجمع على تعديته إلى ثلاثة أعلم وأرى المتعديتان بدون الهمزة إلى اثنين. وألحق سيبويه نبّأ. وزاد غيره أنبأ وخبّر وأخبر وحدّث، ولا بد من تضمينها عند الإلحاق معنى أعلم، ولم يذكر أبو علي إلا أعلم وأرى ونبأ وأنبأ، وتابعه الجرجاني. وألحق الأخفش أظن وأخواتها المذكورة بعدها. ورد مذهب الأخفش بأن قيل: حق همزة التعدية أن تلحق بها ما لا يتعدى بما يتعدى إلى واحد بنفسه، وما يتعدى إلى واحد بما يتعدى إلى اثنين بنفسه، وليس في الكلام ما يتعدى إلى ثلاثة فيلحق بها متعد إلى اثنين، فمقتضى هذا ألا يعدى بالهمزة متعد إلى اثنين لعدم أصل ملحق به، لكن سمع تعدى أعلم وأرى إلى ثلاثة على خلاف القياس فقبل، ولم يلحق بعلم ورأى شيء من أخواتهما، لأن المسموع المخالف للقياس لا يقاس عليه.
وكذلك وافق الأخفش على منع: أكسيت عمرا ثوبا، ومستند هذا الرد قوي، ويلزم منه ألا تلحق نبأ وأخواتها، فإن ادُّعِيَ سماع بنحو قول الشاعر:
стр. 497
نُبِّئْت زُرْعةَ والسَّفاهةُ كاسمها ... يهدى إليّ غرائب الأشعار
وبنحو قول الحارث بن حلزة اليشكري:
أو منعتم ما تُسألون فمن حِدِّثْتَموه له علينا العلاءُ
وبقول الآخر:
وخُبِّرتْ سوداء الغميم مريضةً ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودُها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتُها ... أَؤُبرئُها من دائها أم أزيدها
وبقول الآخر:
ماذا عليك إذا أُخْبِرتني دَنِفًا ... وغاب بعلُك يوما أن تَعُوديني
أجيب بأنه من باب النَصب لإسقاط حرف الجر، كما حكى سيبويه: نُبِّئتُ زيدا، وقال: يريد: نبئت عن زيد. وكما قال تعالى: (من أنبأك هذا) وقدر: من أنبأك بهذا. وقد حمل سيبويه على حذف حرفا الجر قول الشاعر:
نُبِّئت عبدَ الله بالجو أصبحت ... كراما مواليها لئيما صَمِيمُها
أي: نبئت عن عبد الله، مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت، فدل ذلك على أن تقدير حذف حرف الجر بعد نبأ راجح عنده، إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله، ولا تضمين شيء معنى غيره. وأيضا فإن النصب لحذف حرف الجر بعد نبأ مقطوع بثبوته فيما حكى من قول بعض العرب: نُبِّئت زيدا، مقتصرا عليه. وبعد أنبأ في قوله تعالى: (مَنْ أنبأكَ هذا) ولم يثبت الإجراء مجرى أعلم إلا حيث حذف حرف الجر، فكان الحمل عليه أولى. هذا في نَبَّأ مع كثرة استعمالها بالصورة
стр. 498
المحتملة، وأما أخواتها فيندر استعمالها بتلك الصورة، كقول الحارث بن حلزة في البيت السابق، فليجعل التقدير فيه: فمن حُدِّثتم عنه له علينا العلاء، والجملة بعد المنصوب حالية أو محكية بقول مقدر، وكذا يفعل بغيره. هذا أراه أظهر إن كان غيره أشهر، وأنشد ابن خروف في شرح كتاب سيبويه:
ونُبِّئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
ومما ينبغي أن يلحق بأعلم وأرى أرى الحُلمية كقوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا) فإنه قد ثبت إجراء رأى الحلمية مجرى رأى العلمية، واستدللت على ذلك فيما سلف، فلزم من ذلك تعديتها إلى ثلاثة بهمزة النقل مع مساعدة الاستعمال، كما لزم ذلك في الفعلين الآخرين لصحة الاستعمال، وكان التنبيه عليها لثبوتها سماعا دون معارض أولى من التنبيه على ما لم يثبت إلا بما فيه معارضة واحتمال.
وأما أرى المنقولة من متعد إلى واحد فمتعدية إلى اثنين ثانيهما غير الأول، وهي على ضربين: أحدهما من الرأي كقوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) والثاني من رؤية البصر، كقوله تعالى: (من بعد ما أراكم ما تحبون).
ونبهت بقولي: "وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله" على أنه لا غنى لأحدهما عن الآخر بعد أن صارا ثانيا وثالثا. كما لم يكن لأحدهما غنى عن الآخر إذا كانا أولا وثانيا، مراعاة لكونهما في الأصل مبتدأ وخبرا، فإن دل دليل على أحدهما جاز حذفه، كما كان يجوز في الحال الأول. ومثال الحذف لدليل قولك لمن قال: من أعلمك زيد فاضلا؟ أعلمني عمرا، تريد: أعلمني زيد عمرا فاضلا، فأضمرت الفاعل عائدا إلى زيد، وحذفت فاضلا لدلالة ما تقدم عليه، كما كنت تحذف في قولك: علمت عمرا، إذا أجبت من قال: مَنْ علمت فاضلا؟
وللثاني والثالث أيضا من الإلغاء والتعليق بعد النقل ما لهما قبله، فمن الإلغاء
стр. 499
بعد النقل قول الشاعر:
وكيف أُبالي بالعدا ووعيدهم ... وأخشى مُلِمّات الخُطُوب الصوايب
وأنت أراني الله أمنعُ عاصم ... وأمنحُ مُسْتكفًى وأسمح واهب
فألغى أراني متوسطا. ومثله قول بعض من وثق بعربيته: البركةُ أعلمنا الله مع الأكابر.
ومن التعليق قوله تعالى: (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزِّقتم كل ممزَّق إنكم لفي خلق جديد) وقوله تعالى: (وما أدراك ما يومُ الدين) فعلق ينبئ وأدرى لأنهما بمعنى يعلم وأعلم، فتعليقهما لمعنى حروف يعلم وأعلم ومعناهما أحق وأولى. ومن تعليق أفعال هذا الباب قول الشاعر:
حَذارِ فقد نُبِّئت إنك لَلّذي ... سَتُجزى بما تسعى فتسعدَ أو تشقى
ومنع قوم الإلغاء والتعليق في أعلم وأرى وأخواتهما مطلقا، وخص بعضهم ذلك بالمبني للفاعل وهو اختيار الجزولي، والصحيح الجواز مطلقا للدلائل المذكورة، قال الشلوبين في شرح قول الجزولي: "وحكم الثاني والثالث معا حكم الثاني من باب كسوت" يعني في الاقتصار عليهما، وفي ألا يلغى الفعل عنهما ولا يعلق، وهذا الذي قاله هنا هو المذهب الصحيح، وإن كان فيه خلاف لبعضهم، فقد منع بعضهم الاقتصار على المفعول الأول، وأجاز بعضهم الإلغاء عن المبتدأ والخبر، وليس هذان المذهبان مرضيين عند المحققين، هكذا زعم، ثم قال شارحا لقول الجزولي: وإذا بُنِيت للمفعول فحكم منصوبيها ما ذكر في منصوبيْ ظننت مطلقا، يعني في ألا يقتصر على أحدهما، وفيما ذكر في ظننت من الإعمال والإلغاء، قال: وليس
стр. 500
هذا الذي ذهب إليه من جواز الإلغاء في هذا الباب إذا بنيت أفعاله للمفعول بصحيح، لأن العلة في أن لم تلغ هذه الأفعال إذا بنيت للفاعل من كونها أفعالا مؤثرة، بخلاف ظننت وبابه، موجودة فيها إذا بنيت للمفعول كوجودها إذا بنيت للفاعل، فكيف توجد العلة ثم لا يوجد حكمها؟ ولكن غرّه ذكر سيبويه أرى وهو مضارع أرأيت بمعنى أظننت، فتخيل أن باقي أفعال الباب كأرى، قال: وإنما جاز إلغاء أرى وحدها لأنها بمعنى أظن. وأظن غير مؤثر، فجرت مجراها في الإلغاء، كما جرت مجراها في المعنى.
وحاصل قوله أمران: أحدهما: أن أعلم مؤثر، فلا يلغى، كما لا تلغى الأفعال المؤثرة. والثاني: أن أرى ألغى لأنه بمعنى أظن، فوافقه في الإلغاء كما وافقه في المعنى.
والجواب عن الأول أن يقال: من أجاز إلغاء أعلم لم يجزه بالنسبة إلى المعلِم، فيكون في إلغائها محذور، وإنما إجازه بالنسبة إلى المسند والمسند إليه، وهما غير متأثرين بأعلمن كما هما غير متأثرين بعلم، فلا يمتنع إلغاء أعلم عنهما، كما لم يمتنع إلغاء علم.
والجواب عن الثاني أن يقال: إلحاق أرى بأظن لأنه بمعناه ليس بأولى من إلحاق أعلمت بعلمت، بل الأمر بالعكس، لأن مفهوم علمت مستفاد من أعلمت كاستفادة مفهوم أظن من أرى، فالمناسبتان مستويتان، وبين أعلمت وعلمت مناسبتان أخريان وهما: رجوعهما إلى مادة واحدة، واستواؤهما في التصرف، بخلاف أرى وأظن فإنهما مختلفتان في المادة والتصرف. أما التخالف في المادة فظاهر، وأما في التصرف فلأن أرى لم يستعمل له ماض. فقد بان أن مناسبة أرى لأظن أضعف من مناسبة أعلمت لعلمت، وأرى قد جرت مجرى أظن، فإذا جرت أعلمت مجرى عملت كان ذلك أحق وأولى.
فقد ظهر أن المحقق من أجاز الإلغاء والتعليق في هذا الباب لا من منعه، والله أعلم.
فالصحيح أن أعلم وأخواتها مما يبنى للمفعول مساوية لظن وأخواتها، إلا في الاقتصار على المرفوع فإنه غير جائز في ظن وأخواتها لعدم الفائدة، وجائز في أعلم وأخواتها لحصول الفائدة.
стр. 501
باب الفاعل
ص: وهو المسند إليه فعل، أو مضمَّن معناه تام مقدّم فارغ غير مصوغ للمفعول. وهو مرفوع بالمسند حقيقة إنْ خلا من "من" و"الباء" الزائدتين.
وحكما إن جرّ بأحدهما، أو بإضافة المسند. وليس رافعه الإسناد خلافا لخلف.
وإنْ قُدّم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ، وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسّره الظاهر خلافا لمن خالَفَ.
ش: الفاعل يكون اسما نحو (تباركَ اللهُ) وغير اسم نحو (ألَمْ يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) و (ألم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد). وكقول الشاعر:
يَسُرُّ المرءَ ما ذهب الليالي ... وكان ذهابُهنَّ له ذهابا
وكقول الآخر:
ما ضَرَّ تَغْلبَ وائِل أهَجَوْتَها ... أم بتَّ حَيْثُ تلاطمَ البَحْرانِ
فلذلك قلتُ المسند إليه، ولم أقل الاسم المسند إليه. والمسند إلى الفاعل فعل ومضمّن معناه؛ فالفعل نحو: (يغفرُ الله لكم) والمضمّن نحو: (مختلفًا
стр. 502
ألوانُها) و:
هَيْهات العقيقُ وأهلُه
ونحو: أمِنْ رسم دارٍ مربعٌ ومَصيفُ
و (أو كصَيِّبٍ من السماءِ فيه ظُلُماتٌ) على أحسن الوجهين.
ولما كان المسند شاملا للفاعل وغيره ذكرتُ قيودا تُخرج غيرَه؛ فخرج بتام اسم كان فإنه ليس فاعلا، لكون المسند إليه ناقصا، وقد سمّاه سيبويه فاعلا والخبر مفعولا على سبيل التوسع. وخرج بفارغ المبتدأ إذا قدّم خبره وفيه ضمير نحو قائم زيد، و (أسَرُّوا النجوى الذين ظلموا) على القول بأن الذين ظلموا مبتدأ مقدم خبره. وخرج بغير مصوغ للمفعول المفعول النائب عن الفاعل نحو ضُرب زيدٌ مَنْزوعا ثوبه؛ لأنه ليس فاعلا عند أكثر النحويين. وقد اضطر الزمخشري إلى تسميته مفعولا بعد أن جعله فاعلا.
ثم ذكرت أن الفاعل مرفوع حقيقة، أي لفظا ومعنى نحو: صَدَقَ اللهُ، ومرفوع حكما، أي في المعنى دون اللفظ، وذلك في ثلاثة مواضع أحدها: إذا جُر بمن الزائدة نحو: (ما يأتيهم مِنْ رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون) والثاني إذا جُر بالياء الزائدة نحو: (وكفى بالله شهيدًا) والثالث إذا أضيف إليه المسند
стр. 503
نحو: (ولولا دفاعُ الله الناسَ) وقلت بإضافة المسند ولم أقل بإضافة المصدر، لأن المسند الصالح للإضافة قد يكون اسم مصدر كما يكون مصدرا، فالمصدر ظاهر، واسم المصدر كقوله ﷺ : "من قُبْلة الرجل امرأتَه الوضوءُ" فالرجل مجرور اللفظ مرفوع المعنى بإسناد ما قبلةَ إليه فإنها قائمة مقام تَقْبيل، ولذا انتصب بها المفعول. وكذا المجرور بمن والباء مرفوع معنى. ولو عطف عليه أو نعتَ لجاز في المعطوف والنعت الجر باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار المعنى.
ثم تبينت أن رافع الفاعل هو ما أسند إليه من فعل أو مضمن معناه، لا الإسناد كما يقول خلف؛ لأن الإسناد نسبة بين المسند والمسند إليه، وليس عملها في أحدهما بأولى من عملها في الآخر، ولأن العمل لا ينسب إلى المعنى إلا إذا لم يوجد لفظ صالح للعمل، والفعل موجود فلا عدول عنه.
وإن قُدّم الاسم على الفعل أو ما ضُمّن معناه صار مرفوعا بالابتداء وبطل عمل ما تأخر فيه؛ لأنه تعرض بالتقدم لتسلط العوامل عليه كقولك في: زيد قام، إنّ زيدا قام. فتأثر زيد بإن دليل على أن الفعل شغل عنه بفاعل مضمر، وأن رفع زيد إنما كان بالابتداء وهو عامل ضعيف فلذلك انتسخ عمله بعمل إن، ولأن اللفظ أقوى من المعنى. ولو كان الفعل غير مشغول بمضمر حين أخّر كان حين قُدّم لم يلحقه ألف الضمير ولا واوه ولا نونه في نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا، والهندات قمن، كما لا يلحقه في نحو: قام الزيدان، وقام الزيدون وقامت الهندات إلا في لغة ضعيفة. وإن كان الاسم المقدم عليه مسبوقا بما يطلب الفعل فهو فاعل فعل مضمر يفسِّره الظاهر المتأخر نحو (وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك) وكقول
стр. 504
الشاعر:
فمتى واغِلٌ ينبهم يُحَيُّو ... هُ وتُعْطف عليه كأسُ السَّاقي
وزعم بعض الكوفيين أن تأخر المسند لا يخل برفعه المسند إليه، واستدل من ذهب إلى هذا بقول امرئ القيس:
فَقِلْ في مَقيل نَحْسُهُ مُتَغيبِ
وبقول الزباء: ما للجمالِ سَيْرُها وَئيدا
وزعم أن التقدير: فقل في مقيل متغيِّب نحسُهُ. وما للجمال وئيدا سيرُها.
والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما أن يكون قائله أراد نخسه متغيّبي بياء المبالغة كقولهم في أحمر: أحمريّ، وفي دَوّار دَوّاريّ، وخفف الياء في الوقف كما قال الآخر في إحدى الروايتين:
زَعم الغُداف بأن رحلتنا غدا ... وبذاك خَبَّرَنا الغُدافُ الأسودي
لا مرحبا بغد ولا أهلًا به ... إنْ كان تفريقُ الأحبَّة في غَد
ويُروى: الغُداف الأسودُ على الإقواء.
والثاني أن "مقيلا" اسم مفعول من قِلْتُه بمعنى أقلته، أي فسخْت عقد مُبايعته، فاستعمله في موضع متروك مجازا، وهو قول ابن كيسان.
والجواب عن الثاني بأن يجعل سيرها مبتدأ ويضمر خبر ناصب وئيد. كأنه قال
стр. 505
ما للجمال سيرها ظهر وئيدا، أو ثبت وئيدا، فيكون حَذْفَ الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظير قولهم: "حُكْمُكَ مُسَمَّطا". وقد ينتصر لمجيز ارتفاع الفاعل بعامل متأخر بمثل قول الشاعر:
فمتى واغِلٌ يَنُبْهُم يُحَيُّو ... هْ وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي
فيقال واغِلٌ إما مرفوع بمضمر يدل عليه المتأخر، أو بالمتأخر، وارتفاعه بمضمر ممتنع؛ لاستلزامه إعمال أداة الشرط في فعلين قبل الجواب وليس الثاني تابعا للأول فتعيّن ارتفاعه بالمتأخر. والجواب أن المحذوف في مثل هذا لما التُزم حذفُه وجُعل المتأخر عوضا منه صار نسيا منسيا، فلم يلزمه من نسبة العمل إليه وجودُ جَزْمين قبل الجواب؛ على أنه لو جمع بينهما على سبيل التوكيد لم يكن في ذلك محذور فألا يكون محذور في تعليق الذهن بهما وأحدهما غير منطوق به ولا محكوم بجواز النطق به أحق وأولى. وأجاز الأعلم وابن عصفور رفع وصال بيدوم في قول الشاعر:
وقَلَّما وِصالٌ على طُول الصُّدُودِ يَدُومُ
لا بفعل مضمر ويكون هذا من الضرورات. وأجاز الأخفش رفع الاسم المتقدم بعد إنْ بالابتداء وقال في قوله تعالى: (وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك) فابتدأ بعد إنْ، وأن يكون رفع أحد على فعل مضمر أقيس الوجهين.
قال: وقد زعموا أن قول الشاعر:
стр. 506
أتَجْزَعُ إنْ نفسٌ أتاها حمامُها
لا يُنشد إلا رفعا. وقد سقط الفعل على شيء من سببه، وهذا قد ابتدئ بعد إنْ. وإنْ شئت جعلته رفعا بفعل مضمر". هذا نصه. وقد أشرت إلى هذا وغيره بقولي في آخر الفصل: "خلافًا لمن خالف".
ص: وتلحق الماضي المسند إلى مؤنث أو مؤول به أو مخبر به عنه أومضاف إليه مقدر الحذف تاء ساكنة، ولا تحذف غالبا إن كان ضميرا متصلا مطلقا أو ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث غير مكسّر ولا اسم جمع ولا جنس. ولحاقها مع الحقيقي المقيد المفصول بغير إلا أجود، وإن فصل بها فبالعكس. وحكمها مع جمع التكسير وشبهه وجمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث. وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفا حكمها مع واحده. وحكمها مع البنين والبنات حكمها مع الأبناء والإماء. وتساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة ونون التأنيث الحرفية".
تاء التأنيث الساكنة مختصة من الأفعال بالماضي وضعا، لأن الأمر مستغن بالياء، والمضارع مستغن بها إن أسند إلى مخاطبة، وبتاء المضارعة إن أسند إلى غائبة أو غائبتين. وكان حق تاء فَعلتْ ألا تلحق الفعل، لأن معناها للفاعل إلا أنه كجزء من الفعل، فجاز أن يدل على معنى فيه ما اتصل بما هو كجزء منه، كما جاز أن تتصل بالفاعل علامة رفع الفعل في يفعلان وتفعلون وتفعلين؛ ولأن تأنيث لفظ الفاعل غير موثوق به، لجواز اشتراك المذكر والمؤنث في لفظ واحد كجُنب ورَبْعَة وهُمزَة وضُحَكة وفَروقه ورواية وصَبور ومذْكار وقتيل، ولأن المذكر قد يُسمّى بمؤنث وبالعكس، فاحتاطت العرب في الدلالة على تأنيث الفاعل بوصل الفعل بالتاء المذكورة، ليُعلم من أوّل وَهلة أن الفاعل وما جرى مجراه مؤنث كقولك طَهُرتْ الجنُبُ، وكانت الرَّبْعة حائضا وشنئت الهُمَزةُ.
стр. 507
وجعلوا إلحاقها في اللغة المشهورة لازما إن كان المسند إليه ضميرا متصلا حقيقي التأنيث أو مجازيّه كهند قامتْ والدار حَسُنتْ، أو كان ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث مفردا أو مثنى أو مجموعا جمع تصحيح كقامتْ هندُ وقعدتْ بنتاها وذهبتْ عمّاتُها.
وأشرت "بمؤول به" إلى نحو: أتته كتابي، على تأويل كتاب بصحيفة. وأشرت "بمخبر به عنه" إلى نحو قول الشاعر:
ألمْ يكُ عُذْرًا ما فَعلتم بِشَمْعل ... وقد خابَ من كانت سريرته الغَدْرُ
فوصل كان بالتاء وهي مسندة إلى الغدر، لأن الخبر مؤنث فسرى منه التأنيث إلى المخبر عنه، لأن كلا منهما عبارة عن الآخر. ومثله قراءة نافع وأبي عمرو وأبي بكر: "ثُمّ لم تكنْ فِتنتَهم إلّا أن قالوا" فألحق تاء التأنيث بالفعل وهو مسند إلى القول، لأن الخبر مؤنث. وأشرت بـ"مضاف إليه مقدر الحذف" إلى قول الشاعر:
مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تسفّهتْ ... أعاليَها مَرُّ الرياحِ النواسمِ
فألحق التاء بتسفهت وهو مسند إلى "مرّ" لإضافتها إلى مؤنث لاستقامة الكلام بحذفه، فلو لم يستقم الكلام بالحذف لم يجز التأنيث نحو قام غلام هند. واحترزت بقولي "ولا تحذف غالبا" من نحو قول بعض العرب قال فلانة، وذهب فلانة، حكاهما سيبويه. وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد:
تمَنَّى ابنتايَ أنْ يعيشَ أبُوهما ... وهلْ أنا إلا من رَبيعةَ أو مضرْ
стр. 508
لأن الإسناد إلى المثنى كالإسناد إلى المفرد بلا خلاف. واحترزت أيضا من حذف بعض الشعراء التاء من المسند إلى ضمير المؤنث، كقول الشاعر:
فلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبقَلَ إبْقالَها
وكقول الآخر:
فإمّا تَرَيْني ولِي لمَّةٌ ... فإن الحوادثَ أوْدى بها
وبعض النحويين يحملون ما ورد من هذا على التأويل بمذكر، فيتأول "أرض" بمكان والحوادث بالحدثان: وقيدت الضمير بالاتصال احترازا من نحو ما قام إلا أنت، فإن إلحاق التاء في هذا ضعيف. وقيّدت الظاهر الحقيقي التأنيث بالاتصال تنبيها على نحو قول الشاعر:
إنّ أمرَأ غرّه منكنّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ
وليس مخصوصا بالشعر؛ فإن سيبويه حكى: حضر القاضيَ امرأةٌ وقال: "إذا طال الكلام كان الحذف أجمل". ونبّهت بقولي "غير مكسّر" على أن حكم التاء في جمع تصحيح المؤنث كحكمها في مفرده ومثناه، فلا يقال قام الهندات، وإلا على لغة من قال: قال فلانة، لأن لفظ الواحد وجمع التصحيح على الحال التي كان عليها في الإفراد والتثنية، فيتنزّل قولك: قامتْ الهنداتُ، منزلة قولك: قامتْ هند وهند وهند، هذا هو الصحيح.
وعلى هذا لا يجوز: قامت الزيدون، لأنه بمنزلة قام زيد وزيد وزيد،
стр. 509
ولا يُستباح" قامتْ الزيدون، بقول الشاعر: قالت بنو عامر خالوا بني أسد
ولا يُستباح قال الهندات بقول الآخر: فبكى بناتي شَجْوَهنَّ وقُلْنَ لي
لأن بنين وبنات لم يسلَم فيهما نظم الواحد، فجريا مجرى جمع التكسير.
وظاهر قول الجزولي جواز قامت الزيدون، وقام الهندات، لأنه قال قاصدا للتاء: ولا تلزم في الجمع مطلقا. قال الشلوبين: يعني بقوله مطلقا سواء كان جمع تكسير أو جمع سلامة وسواء كان جمع مؤنث حقيقي أو غير حقيقي، وسواء كان جمع مذكر أو مؤنث، جمع تكسير كان ذلك أو جمع سلامة. ثم قال الشلوبين: ليس كما ذكره المؤلف في مذهب المحققين، إلا في جمع التكسير واسم الجمع. أما جمع المؤنث السالم نحو قامتْ الهندات فحكمه حكم المفرد والمثنى، وكذلك حكم جمع المذكر السالم حكم المفرد منه أيضا.
قلتُ: لا عدولَ عمّا ذهب إليه الشيخ أبو علي الشلوبين في هذه المسألة، من أنه لا يجوز قامت الزيدون ولا قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة. وأما قوله تعالى: (إذا جاءكم المؤمناتُ) فمن أجل الفصل بالمفعول، مع أن
стр. 510
مؤمنات صلة الألف واللام، والألف واللام بمعنى التي وهي اسم جمع والفعل مسند إليه فلا تلزم التاء، ولا خلاف في أن المثنى كالواحد، ولذلك جُعل قول لبيد: تمنّى ابنتايَ، مثل: قال فلانة، ولا خلاف أيضا في أن جمع التكسير كالواحد المجازي التأنيث وإن كان واحده حقيقي التأنيث كجوارٍ، واسم الجمع كفَوْج، واسم الجنس كنسْوة.
ويدخل في اسم الجنس فاعل نعم، فلذلك يقول: نعْم المرأةُ من لا يقول: قام المرأة. وقولي "ولحاقها مع الحقيقي المقيد" نبهت به على أن الفصل بين الفعل والفاعل يبيح حذف التاء من فعل ما حقه أن يلازم فعله التاء، وأن الفصل إن كان بغير "إلا" فلحاق التاء أجود، وإن كان بإلا فإسقاطها أجود. وبعض النحويين لا يجيزون ثبوت التاء مع الفصل بإلا إلا في الشعر كقول الراجز:
ما برئتْ من ريبة وذمِّ ... في حربنا إلا بناتُ العمِّ
والصحيح جوازها في غير الشعر، ولكن على ضعف. ومنه قراءة مالك بن دينار وأبي رجاء والجحدري بخلاف عنه "فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنُهم" ذكرها أبو الفتح بن جني وقال إنها ضعيفة في العربية. وإلى نحو هذا أشرت بقولي "وإن فصل بها فبالعكس"، أي إن فصل بإلا فالحذف أجود من لحاقها. ثم بينت أن حكمها مع جمع التكسير ومع جمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث، ولا اعتبار بواحده، بلى يستوي ما واحده مذكر كغلمان وبيوت، وما واحده مؤنث كإماء ودور، وكذا حكمها مع جمع المذكر بالألف والتاء كطلحات
стр. 511
ودريهمات وحسامات وحمّامات. ثم بينت أن حكمها مع جمع التصحيح الذي ليس كطلحات ولا دريهمات ولا حسامات حكمها مع واحده، فعلى هذا لا تلحق في قام الزيدون كما لا تلحق في قام زيد، ولا تحذف في قامت الهندات كما لا تحذف في قامت هند، إلا على لغة من قال: قال فلانة. وقد تقدم بسط القول في ذلك.
ثم بيّنت أن البنين والبنات حكم التاء معهما حكمها مع الأبناء والإماء فيقال: جاء البنون، وجاءت البنات، وجاء البنات، كما يقال جاء الأبناء وجاءت الأبناء وجاءت الإماء وجاء الإماء؛ لأن نظم الواحد لم يسلم فيهما فجريا مجرى الجمع المكسّر.
ثم بينت أن التاء الصفة الفارقة حكمها حكم تاء فعلتْ في اللزوم وعدمه، فكما تلزم تاء ذهبتْ جاريتاك، والشمسُ طلعت، كذلك تلزم تاء أذاهبة جاريتاك والشمس طالعة. وكما جاز الوجهان في: سمعت أذناك كذلك يجوز الوجهان في أسامعة أذناك. ثم بينت أن تاء المضارعة الدالة على التأنيث حكمها حكم تاء فعلتْ في جميع ما ذكر، فكما قيل قامت هند والنار اضطرمتْ، بلزوم التأنيث في اللغة المشهورة كذلك يقال تقوم هند والنار تضطرم، وكما جاز اضطرم النار واضطرمت النار، يجوز اضطرم النار وتضطرم النار، وكما جاز للفصل حضر القاضيَ امرأةٌ، يجوز للفصل يحضر القاضي امرأةٌ. وكما ضعف.
ما برئت من ريبة وذمّ ... في حربنا إلا بنات العمّ
ضعف نحو "لا تُرى إلا مساكنُهم". وما عومل به: ولا أرض أبقل إبقالها – يعامل بمثله أحد المضارعين في قول ذي الرمة:
стр. 512
وهل يَرجعُ التسلمُ أو يكشفُ العمى ... ثلاثُ الأثافي والرسوم البلاقعُ
لأن أحدهما مسند إلى ثلاث والآخر مسند إلى ضميره، والرواية فيهما بالياء.
ص: وقد يلحق الفعل المسند إلى ما ليس واحدا من ظاهر أو ضمير منفصل علامة كضميره.
ش: إذا تقدم الفعل على المسند إليه فاللغة المشهورة ألا تلحقه علامة تثنية ولا جمع بل يكون لفظه قبل غير الواحد والواحدة كلفظه قبلهما. ومن العرب من يوليه قبل الاثنين ألفا، وقبل المذكرين واوا، وقبل الإناث نونا مدلولا بها على حال الفاعل الآتي قبل أن يأتي، كما دلتْ تاء فعلتْ هند على تأنيث الفاعلة قبل أن يذكر اسمها.
والعلم على هذه اللغة قول بعض العرب: أكلوني البراغيث. وقد تكلم بها النبي ﷺ فقال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار" وعلى هذه اللغة قول الشاعر يرثي مصعب بن الزبير ﵄:
لقد أوْرث المِصْرَيْن خِزْيا وذلةً ... قتيلٌ بدَيْر الجاثَليق مُقيمُ
تولَّى قتال المارِقين بنفسِه ... وقد أسْلماه مُبْعَدٌ وحَميمُ
стр. 513
ومثله قول الآخر:
بني الأرض قد كانوا بَنِيَّ فعَزَّني ... عليهم لآجال المنايا كتابُها
ومثله:
نصرُوكَ قومي فاعتززتَ بنصْرهم ... ولو أنّهم خذلوك كنتَ ذليلا
ومثله:
نُسِيا حاتمٌ وأوسٌ لدُنْ فا ... ضتْ عطاياك يا ابن عبد العزيز
ومثله:
نُتِج الربيعُ محاسنا ... ألقحنها غُرُّ السحائبْ
ومثله:
رأينَ الغواني الشيبَ لاح بمفرقي ... فأعرضْنَ عنّي بالخدود النواضِرِ
وبعض النحويين يجعل ما ورد من هذا خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا، وبعضهم يبدل ما بعد الألف والواو والنون منهنّ، على أنها أسماء مسند إليها. وهذا غير ممتنع إن كان من سُمع ذلك منه من أهل غير اللغة المذكورة. وأما أن يُحمل جميع ما ورد من ذلك على أن الألف والواو والنون فيه ضمائر فغير صحيح، لأن أئمة هذا العلم متفقون على أن ذلك لغة لقوم من العرب مخصوصين فوجب تصديقهم في ذلك كما تصدقهم في غيره، والله أعلم. ومن التزم التاء في قامت هند، وهي اللغة المشهورة
стр. 514
فلا يستغنى في نحو قامت الهندات عن التاء والنون الحرفية. وإلى ذلك أشرت بقولي: "وتساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة ونون التأنيث الحرفية".
ص: "ويضمر جوازا فعل الفاعل المشعر به ما قبله، والمجاب به نفي أو استفهام، ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه، ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرا منويا أو نحو ذلك".
ش: حق الفعل والفاعل أن يكونا كالمبتدأ والخبر في منع حذف أحدهما بلا دليل، وجواز حذفه بدليل؛ لأن الفعل كالمبتدأ في كونه أول الجزءين، والفاعل كالخبر في كونه ثاني الجزءين فسلك بالفعل سبيل المبتدأ في جواز الحذف، وعرض للفاعل مانع من مفارقته الخبر في جواز الحذف، وهو كونه كعجز المركب في الامتزاج بمتلوّه ولزوم تأخره، وكونه كالصلة في عدم تأثره بعامل متلوه، وكالمضاف إليه في أنه معتمد البيان بخلاف خبر المبتدأ فإنه مباين لعجز المركب وللصلة وللمضاف إليه فيما ذكر، لأنه غير ممتزج بمتلوه ولا لازم التأخر ويتأثر بعامل متلوه وهو معتمد الفائدة لا معتمد البيان. وأيضا فإن من الفاعل ما يستتر، فلو حذف في بعض المواضع لالتبس الحذف بالاستتار، والخبر لا يستتر، وإذا حذف لدليل أُمِنَ التباس كونه مستترا.
ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله مشعرا به قراءة ابن عامر وأبي بكر: (يُسَبَّحُ له فيها بالغدون والآصالِ رجالٌ)؟ فرجال فاعل يُسَبِّحُ مضمرا لإشعار يُسَبَّحُ به مع عدم صلاحية إسناده هو إليهم، لأن الرجال لا يكونون مُسَبَّحين بل مُسَبِّحين، فلا يجوز هذا الاستعمال إلا فيما كان هكذا. فلو قيل يُوعَظ في المسجد رجالٌ جازَ لعدم اللبس. ومن الجائز لعدم اللبس قول الشاعر:
стр. 515
لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصُومة ... ومُخْتبطٌ مِمّا تُطيحُ الطوائحُ
ومثله قول الآخر:
حمامةَ بَطْنِ الوادِيَيْن ترنمى ... سُقيتِ من الغُرّ الغوادِيَ مطيرُها
هكذا رواه الحفّاظ. ومن قال: سَقاكِ فتاركٌ للرواية آخذٌ بالرأي.
ومن حذف فعل الفاعل قول عائشة ﵂: "فما أستطيعُ أنْ أقضيَه إلا في شعبان الشُغْلُ من رسول الله ﷺ ". أي يمنعني الشغل من أجل رسول الله ﷺ . ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله يشعر به قول الشاعر:
أرى الأيامَ لا تُبقي كريما ... ولا العُصْمَ الأوابدَ والنّعاما
ولا عِلْجانِ ينتابان رَوْضا ... نضيرا نبتُه عُمّا تؤاما
فعلجان فاعل يبقى مضمرا لإشعار تُبقى به. ومثله:
غَداةَ أحلّتْ لابن أصْرمَ طعنةٌ ... حُصَينٍ عَبيطاتِ السدائف والخمرُ
فالخمر فاعل حَلَّتْ مضمرا لإشعار أحلت به. ومثله:
стр. 516
ولم يُبْق أنْواء الثماني بقيَّةً ... من الرَّطْب إلّا بَطْنُ وادٍ وحاجِرُ
أنشده أبو علي في التذكرة وقال: رفع على معنى بَقى بطنُ واد وحاجر. ومن إضمار فعل الفاعل المجاب به [نفى] قولك: ما جاء أحد: بلى زيدٌ، تريد بلى جاء زيد. ومثله قول الشاعر:
تجلّدتُ حتى قيل لم يَعْرُ قلبَه ... من الوجد شيء، قلتُ: بل أعظمُ الوَجدِ
أراد بل عزاه أعظم الوجد. ومثال إضمار فعل الفاعل المجاب به استفهام ظاهر قولك: نعم زيد لمن قال: هل جاءك زيد؟. ومثله قول الشاعر:
ألا هل أتى أمَّ الحُويرث مُرسلي ... نعمْ خالدٌ، إن لم تَعُقْه العوائقُ
أراد نعم أتاها خالد. فمثل هذا لا يرتاب في أن المجاب به مرفوع بفعل مقدر، لأنه جواب جملة قدم فيها الفعل، وحق الجواب أن يشاكل ما هو له جواب. فإن كانت جملة الاستفهام مؤخرا فيها الفعل فحق المجاب به من جهة القياس أن يؤخر فيه الفعل لتتشاكل الجملتان.
هذا مقتضى النظر لولا أن الاستعمال بخلافه، وذلك أن جواب الاستفهام المقدم فيه الاسم لا يجيء مكملا إلا والفعل فيه مقدم على الاسم كقوله تعالى: (ولئنْ سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنَّ خلقهنّ العزيز العليم). وكقوله تعالى: (يسألونكَ ماذا أُحِلَّ لهم قلْ أحِل لكم الطيبات). وكقوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرّة).
стр. 517
وينبغي إذا اقتصر في الجواب على الاسم أن يقدر الفعل متقدما، لأن المكمل أصل والمختصر فرع، فتسلك بالفرع سبيل الأصل، ولأن موافقة العرب بتقدير تقديم الفعل متيقنة وموافقتهم بتقدير تأخيره مشكوك فيها، فلا عدول عن تقدير التقديم. ولما جرى به الاستعمال من تقديم الفعل في الجواب المكمل وجه من النظر، وهو أن حق الجملة الاستفهامية إذا كان فيها فعل أن يقدم لأنه بمباشرة الاستفهام أولى من الاسم، فلما لم يكن ذلك في نحو من فعل لاتحاد المستفهم به والمستفهم عنه جيء بالجواب مقدما فيه الفعل، تنبيها على أن أصل ما هو له جواب أن يكون كذلك، ومع هذا فالحكم بالابتداء على الاسم المجاب به نفي أو استفهام غير ممتنع، لأن مشاكلة الجواب لما هو له جواب في اللفظ غير لازمة، بل قد يكتفى فيه بمراعاة المعنى.
ومنه قراءة غير أبي عمرو من السبعة: (قل من ربُّ السمواتِ السبع وربُّ العرش العظيم * سيقولون الله قل أفلا تتقون *قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله). وقد تقدم السبب في منع حذف الفاعل وبقاء فعله.
وأما حذفه وحذف فعله فكثير كقولك: زيدا، لمن قال: من أكرمُ؟ فحذفت أكرم وهو فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطب فاشتمل الحذف عليهما ونظائر ذلك كثيرة. وإذا توهم حذف فاعل فعل موجود فلا سبيل إلى الحكم بحذفه، بل يقدر إسناده إلى مدلول عليه من اللفظ والمعنى كقول الشاعر:
تمشي تَبَخْتَرث حول البيت مُنتَخِيا ... لو كنتَ عمَّ ابنِ عبد الله لم يَزِد
стр. 518
أي لم يزد انتخاؤك. كذا قال أبو علي، وكقوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأو الآيات ليسجُنُنَّهُ).
قيل إن المعنى: بدا لهم بداء. كما قال: بدا لك في تلك القَلوص بداءُ
أي ظهر لك فيها رأي. ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأى مثل ظهر وبان وتبيّن، أو يكون الفعل فعل استثناء كقاموا ما عدا زيدا وخلا عمرا وحشا بكرا. ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول الشاعر:
أقولُ إذا ما الطيرُ مرّت مخيلةً ... لعلك يوما فانتظرْ أنْ تنالها
أأدرك من أمِّ الحُويرث غبطةً ... بها خَبَّرتْني الطيرُ أم قد أنى لها
أي أنى لها ألَّا أدرك، لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين مشعر بأن ثانيهما مراد. وهذا شبيه بقوله تعالى: (وما يُعَمَّرُ من معمر ولا ينقص من عمره) لأن ذكر المعمّر مشعر بمقابله وهو القصير العمر، فأعيدت هاء عمره إليه ولم يذكر لإشعار مقابله. ومثله قول الآخر:
وما أدري إذا يمَّمْتُ أرضا ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يلِيني
стр. 519
فثنى الضمير قاصدا للخير والشر ولم يجر إلا ذكر أحدهما، ولكن الإشعار بما لم يذكره بمنزلة ذكره. ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدا فائتني، أي إذا كان غدا ما نحن عليه الآن فائتني. ومثله قول الشاعر:
فإنْ كان لا يُرضيكَ حتّى ترُدّني ... إلى قَطَرِيّ لا إخالَك راضِيا
أي إن كان لا يرضيك ما تشاهده منّي ...
ومن الفاعل المؤول قوله تعالى: (وتبَيَّنَ لكم كيف فعلنا بهم) ففاعل تبين مضمون كيف فعلنا كأنه قال وتبيّن لكم كيفيةُ فعلنا بهم. وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء نحو: (سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) فإنه أُوّل سواء عليهم الإنذارُ وعدمه كما جاز في هذا الباب أن يقال:
ما ضَرَّ تغلبَ وائلٍ أهَجَوْتَها
على تأويل ما ضرّها هَجْوُك إياها. ومثل (وتبين لكم كيف فعلنا بهم): (أفلم يهد لهم كم أهلكنا) على تأويل أو لم يَهْد لهم كثرةُ إهلاكنا.
ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى (إذا أخرج يده لم يكد يراها) ففاعل أخرج ضمير الواقع في البحر الموصوف ولم يجر له ذكر، لكن سياق الكلام يدل عليه. ومثله قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو
стр. 520
مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ففاعل يشربها غير مذكور، ولكنه مفهوم، كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربُها. وقد يغني عن الفاعل استحضاره في الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصح إلّا له، كقول الشاعر:
لقد عَلِمَ الضيفُ والمُرْمِلون ... إذا اغْبَرَّ أفْقٌ وهَبّتْ شمالا
فأغنى عن إظهار الريح استحضارُها في الذهن بهبت ونصبه شمالا على الحال، فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح. ومثله قول الآخر:
وأُكْرِمُ الضيفَ والجارَ الغريبَ إذا ... هَبَّتْ شآميةً واشْتَدَّتْ القررُ
فنصب شآمية وأضمر الريح. وإلى هذا الموضع وأشباهه أشرت بقولي "ويرفع توهم الحذف إن خفى الفاعل جعلُه مصدرا منويّا ونحو ذلك".
باب النائب عن الفاعل
ص: قد يُترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي جوازا أو وجوبا، فينوب عنه جاريا مجراه في كل ماله مفعول به، أو جار ومجرور أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، أو ظرف مختص متصرف، وفي نيابة غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف. ولا يمتنع نيابة المنصوب بسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل، ولا نيابة غير المفعول به وهو موجود، وفاقا للأخفش والكوفيين.
ش: نيابة غير الفاعل عن الفاعل لغرض لفظي أشير بها إلى قصد الإيجاز كقوله
стр. 521
تعالى: (ومن عاقب بمثل ما عُوقب به ثم بُغي عليه)، وإلى موافقة المسبوق السابق كقول بعض الفصحاء: مَن طابتْ سريرتُه حُمِدتْ سيرتُه، وإصلاح النُظْم كقول الأعشى:
عُلّقتُها عَرَضا وعُلِّقَتْ رجُلا ... غيري وعُلِّق أخرى غيرها الرجلُ
وكقول عنترة:
فإذا شربْتُ فإنّني مُسْتهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ
ونيابة غير الفاعل عنه لغرض معنوي كقوله تعالى: (وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا) وكقوله تعالى: (ضُرِبَ مثلٌ فاستعموا له) فترك الفاعل لكونه معلوما وناب عنه المفعول به. ومنه قول النبي ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، ونُصِرتُ بالصَّبا وأُهلكتْ عادٌ بالدَّبور". ومن النيابة عنه لغرض معنوي قول الرجل: نبّئت بكذا إذا لم يعرف من نبأه. ومنه ما يرد من قول بعض الرواة: روى عن النبي ﷺ كَيْت وكَيْت: ومن الأغراض المعنوية أيضا ألّا يتعلّق مراد المتكلم بتعيين فاعل كقوله تعالى: (فإنْ أحْصِرتُم فما اسْتَيْسَر من الهدي)، و: (إذا حُيّيتُم بتحيّةٍ فحَيُّوا بأحسن منها) و: (إذا قيل
стр. 522
لكم تفسَّحوا في المجالس فافسحوا)، وكقول الشاعر:
وإنْ مُدَّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن ... بأعْجلهم إذْ أجْشَعُ القوم أعْجَلُ
ومنها تعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول كقول النبي ﷺ : "من بُلي منكم بهذه القاذورة فليستتر" ومنها تعظيم المفعول بصون اسمه عن مقارنة اسم الفاعل كقولك أُوذِي فلانٌ، إذا عظّمته واحتقرت من آذاه. ومنها الستر على الفاعل خوفا منه أو خوفا عليه. وأشرت بقولي "جاريا مجراه في كل ماله" إلى أن النائب عن الفاعل يخلفه في الرفع ووجوب التأخر عن الرافع والتنزل منزلة الجزء منه وعدم الاستغناء عنه.
ثم نبّهت على أن النائب عن الفاعل إما مفعول به نحو ضُرِبَ زيد، وإما جارٌ ومجرور نحو غُضِب عليه، ولم يلزم من نيابة الجار والمجرور مخالفة، لأن الفاعل قد يكون مجرورا نحو: (كفى بالله شهيدا) وقيّدت المصدر الذي ينوب بكونه لغير مجرد التوكيد تنبيها على أن المصدر المسوق لمجرد التوكيد لا يقام مقام الفاعل، فلا يقال في مثل: ضلّ زيدٌ ضلالا: ضُلَّ ضلال، لعدم الفائدة بخلاف قام في الدار زيد قياما طويلا أو قومةً أو قومتين، فإن المصدر فيه مسوق لغير مجرد التوكيد فلا يخلو الإسناد إليه من فائدة. ونبّهت بقولي: "ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل" على أن المنويّ مدلولا عليه بالعامل لا ينوب. وقد أجاز ذلك قوم من المتأخرين. ولا سبيل إليه، لأن الفعل لا يدل على المصدر المختص ولا المحدود، وإنما يدل على الذي لمجرد التوكيد، والذي لمجرد التوكيد لا فائدة في الإسناد إليه وهو ملفوظ به، فكيف إذا نُوي ولم يلفظ به.
стр. 523
فإن كان المصدر المنوي مدلولا عليه بغير الفعل جاز الإسناد إليه كقولك: بلى سير سيْرٌ لمن قال: ما سِير سَيْرٌ. ولو جاز الإسناد إلى المصدر المنوي مطلقا لم يمتنع أن يقال ابتداء ضُرِب أو نحو ذلك. وفي كلام الزجاجي إشعار بأن سيبويه يجيز ذلك، لأنه قال: وقد أجازه بعضهم على إضمار المصدر وهو مذهب سيبويه.
قال ابن خروف: لا يجيز أحد من النحويين ردّ الفعل إلى ما لم يُسمَّ فاعله على إضمار المصدر المؤكد، لا يجيز أحد قُعِد، وضُحِك من غير شيء يكون بعد هذا الفعل، ثم ادّعاؤه - يعني الزجاجي - أنه مذهب سيبويه (فاسد لأن سيبويه لا يجيز إضمار المصدر المؤكد في هذا الباب والذي أجاز سيبويه) لا يمنع بَشَر، وهو إضمار المصدر المقصود، مثل أن يقال لمتوقع القعود: قد قُعِد ولمتوقع السفر قد سُوفِر، أي قد قُعِد القعود وقد سُوفر السفر الذي ينتظر وقوعه، والفعل لا يدل على هذا النوع من المصادر والدال عليه فعل آخر. هكذا قال ابن خروف وهو الصحيح.
وقيدت الظرف الصالح للنيابة بكونه مختصا تنبيها على أن غير المختص لا يصلح للنيابة كوقت وزمن ومدة، فلا يقال في سرت وقتا: سير وقتٌ لعدم الفائدة، بخلاف سرت وقتا معينا وزمنا طويلا ومدة من النهار، فإن الظرف فيه مختص والإسناد إليه مفيد. وقيدته بالتصرف تنبيها على أن ما لا يتصرف لا يصلح للنيابة كسَحَر معينا، وثَمّ فلا يقال في أتيت سحرَ وجلست ثَمَّ: أُتي سحر وجُلس ثم؛ لأن الظرفية لا تفارقهما ولا يسند إليهما منصوبين حكما لمحلهما بالرفع، لأن الفاعل لم يُحكم له بمثل ذلك، وليس كذلك الحكم على المجرور بالرفع فإنه ثابت للفاعل كما سبق، فلم يلزم من معاملة النائب فيه محذور. وأجاز ابن السراج نيابة الظرف
стр. 524
المنوي وأجاز الأخفش نيابة الظرف الذي لا يتصرف نحو أن تقول جُلس عندك، ومذهبه في هذه المسألة ضعيف.
وأجاز هو والكوفيون نيابة غير المفعول به مع وجوده، وبقولهم أقول، إذ لا مانع من ذلك مع أنه وارد عن العرب، ومنه قراءة أبي جعفر: (ليُجزَى قومًا بما كانوا يكسبون) فأقام الجار والمجرور مقام الفاعل وترك قوما منصوبا وهو مفعول به، ومثل هذا القراءة قول الشاعر:
ولو وَلَدتْ قُفَيرةُ جَرْوَ كلبٍ ... لسُبَّ بذلك الجرو الكلابا
فأقام الجار والمجرور مقام الفاعل ونصب الكلاب وهو مفعول به. ومثله قول الراجز:
أُتيح لي من العِدَى نذيرا ... به وُقيتُ الشرَّ مُسْتطيرا
ومثله:
وإنما يُرضي المُنيبُ ربَّه ... ما دام مَعْنيّا بذكرٍ قلبَهُ
ومثله في أحد الوجهين:
لم يُعْنَ بالعلياء إلا سيْدا ... ولا شَفَى ذا الغَيِّ إلا ذو الهدى
وزعم ابن بابشاذ أن جرو كلب منادى والكلاب منصوب بولدتْ. قال ابن
стр. 525
خروف: فقد أفسد اللفظ والمعنى، وقال الأخفش في "المسائل" تقول ضُرب الضربُ الشديدُ زيدا وضُرب اليومان زيدا وضُرب مكانُك زيدا ووُضع موضعُك المتاعَ. ومن مسائله: أُعطِي إعطاءٌ حسنٌ أخاك درهما، ويا مضروبا عنده زيدا.
ص: ولا يمتنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقا إن أُمن اللبسُ ولم يكن جملة أو شبهها خلافا لمن أطلق المنع في باب ظن وأعلم. ولا ينوب خبر كان المفرد خلافا للفراء، ولا مميز خلافا للكسائي، ولا يجوز كين يقام ولا جُعل يفعل، خلافا له وللفراء.
ش: لا خلاف في جواز نيابة ثاني المفعولين من باب أعطى إذا أمن اللبس نحو أعطيت زيدا درهما، ولا في منعها إن خيف اللبس نحو أعطيت زيدا عمرا، فيجوز في المثال الأول أن يقال أعطى درهمٌ زيدا، لأن اللبس فيه مأمون. ولا يجوز في المثال الثاني أن يقال أُعطِي عمروا زيدا، لأن عمرا مأخوذ فيتوهم كونه آخذا. ومنع الأكثرون نيابة ثاني المفعولين جملة ولا ظرفا ولا جارا ومجرورا، وذلك مثل قولنا: في ظننت الشمس بازغة: ظُنّتْ بازغةٌ الشمسَ، وفي علمت قمر الليلة بدرا: عُلم بدرٌ قمرَ الليلة، وفي اتخذ الناس مقام إبراهيم موضع صلاة: اتُّخذ موضعُ صلاة مقامَ إبراهيم، فيجوز هذا وأمثاله، كما يجوز أُعطي درهمٌ زيدا وأُدخِلَ القبرُ الميتَ وكُسيت الجبة عمرا، لأن المعنى مفهوم واللبس مأمون. وإذا كان أمن اللبس مسوّغا لجعل الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا في كلام واحد نحو خرق الثوبُ المسمارَ - وبلغتْ سوءاتِهم هجرُ - فجواز هذه المسائل وأشباهها أحق وأولى.
فلو خيف اللبس لم ينب إلا الأول نحو علم صديقُك عدوَّ زيد، فإن معناه عُلم المعروف بصداقتك أنه عدو زيد، فصداقة المخاطب مستغنية عن الإخبار بها وعداوة زيد مفتقرة إلى الإخبار بها فلو عكست لانعكس المعنى. وأكثر مسائل هذا الباب هكذا، ولذا منع الأكثرون نيابة الثاني مطلقا. ويجوز أيضا أن يقال في أعلمت زيدا كبشك سمينا: أُعلم كبشُك سمينا زيدا، لأن زيدا والكبش مستويان في المفعولية ومباينة الفاعلية فتساويا في قبول النيابة عن الفاعل على وجه لا يخل بفهم ولا يوقع في وهم.
стр. 526
وحكى السيرافي في شرح الكتاب أن الفراء يجيز كين أخوك في كان زيد أخاك، وزعم أنه ليس من كلام العرب. ورُد عليه بأن قيل هو فاسد لعدم الفائدة ولاستلزام وجود خبر عن غير مذكور ولا مقدر. وأجاز الكسائي في امتلأت الدار رجالا: امتلئ رجالٌ. وحكى خُذه مطيوبة به نفسٌ، ومَن الموجوع رأسُه والمسفوهُ رأيُه والموقوف أمره. وأجاز هو والفراء في كان زيد يقوم وجعل عمرو يفعل: كين يقام وجُعل يفعل، والمسند إليه ضمير المجهول عند الكسائي، ومستغنى عنه عند الفراء.
فصل: ص: يُضم مطلقا أول فعل النائب، ومع ثانيه إن كان ماضيا مزيدا أوله تاء، ومع ثالثه إن افتتح بهمزة وصل. ويحرك ما قبل الآخر لفظا إن سلم من إعلال وإدغام، وإلا فتقديرا بكسر إن كان الفعل ماضيا وبفتح إن كان مضارعا. وإن اعتلت عين الماضي ثلاثيا أو على انْفعل أو افْتَعل كُسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام ضم وربما أخلص ضما، ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس. وكسر فاء فعِل ساكن العين لتخفيف أو إدغام لغة، وقد تشم فاء المدغم، وشذ في تُفوعل تِفِيعلِ. وما تعلق بالفعل غير فاعل أو مشبه به أو نائب عنه منصوب لفظا أو محلا، وربما رفع مفعول به ونصب فاعل لأمن اللبس".
ش: النائب هو ما يسند إليه فعل ما لم يُسمّ فاعله، وكيفية صوغه لما لم يسم فاعله أن يُضم أوّله مطلقا، أي في مضيّ ومضارعة. وإن كان الماضي مفتتحا بتاء مزيدة ضم أوله وثانيه، وإن كان مفتتحا بهمزة وصل ضم أوله وثالثه، ويزاد إلى ذلك تحريك ما قبل الآخر لفظا أو تقديرا بكسر في الماضي وفتح في المضارع كقولك في ضَرب وتَعلّم واستخرَجَ: ضُرِب وتُعُلّم واستُخْرج. وفي يُضرب ويتعلّم ويستخرج: يُضرب ويتعلّم ويُسْتخرَج. فهذه أمثلة المحرك ما قبل آخره لفظا، وأمثلة المحرك ما قبل آخره تقديرا قيلَ وأُقيم واستُقيم ورُدَّ الشيءُ وأعدّ واستُعدّ ويقال ويقام ويستقام ويُرَدّ ويُعَدّ ويُستَعدُّ. وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: "ويحرك ما قبل الآخر لفظا إن سلم من إعلال وإدغام، وإلا فتقديرا".
стр. 527
ثم بنيت أن الحركة الملفوظة والمقدرة كسرة في الماضي وفتحة في المضارع. ثم بينت أن ما قبل العين المعتلة من الماضي الثلاثي الموازن لانفعل أو افتعل يكسر كسرة خالصة أو مشمة بضم نحو بيع المتاعُ وسيق الثمنُ وانقِيد إلى الحق واختير الصواب، فيحرك ما قبل العين بالكسرة التي كانت لها في الأصل، فإن كانت العين ياء سلمت لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت واوا انقلبت ياء لسكونها بعد كسرة. ومن أشم الكسرة ضمة لم يغير الياء وهي ولغة إخلاص الكسر لغتان فصيحتان مقروء بهما.
وبعض العرب يخلص الضمة، فإن كانت العين واوا سلمت لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت ياء انقلبت واوا لسكونها بعد ضمة، وعلى هذه اللغة قول الراجز:
ليْتَ وهل يَنفعُ شيئا ليتُ ... ليتَ شبابا بُوعَ فاشتريتُ
ومنه قول الآخر:
حُوكتْ على نيربن إذ تُحاكُ ... تَخْتبطُ الشَّوكَ ولا تُشاكُ
ولا يجوز إخلاص الكسر ولا إخلاص الضم إذا أُسند الفعل إلى تاء الضمير ونونه إلا بشرط ألا يلتبس فعل المفعول بفعل الفاعل. بل يتعين عند خوف الالتباس إشمام الكسرة ضما، ومثال ما يخاف الالتباس فيه قولك في بيع العبد بِعْت يا عبد، وفي عُوق الطالب عقت يا طالب. فإن هذا ونحوه لا يعلم كون المخاطب فيه مفعولا إذا أخلصت الكسرة مما عينه ياء، والضمة مما عينه واو، بل الذي يتبادر إلى ذهن السامع كون المسند إليه فاعلا والمراد كونه مفعولا، ولا يفهم ذلك إلا بالإشمام فيهما وبإخلاص الضمة في نحو بُعْتَ يا عبد، وبإخلاص الكسرة في نحو عِقْتَ يا طالب، فوجب اجتناب ما يوقع في اللبس. وإلى هذا أشرت بقولي "ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس".
стр. 528
ومن العرب من يكسر فاء رُدَّ ونحوه بإخلاص وإشمام. وحكى الأخفش أن من العرب من يقول في تُعولِم تُعيلم، وهو في الشذوذ مشبه بقول بعض في ابنك وأخيك ابنؤك وأخْؤُكَ.
وقد يقال في فُعِل فُعْل تخفيفا دون نقل. وربما نقلوا فقالوا في عَلِم عِلْم. وإلى هذا أشرت بقولي "وكسر فاء فعل ساكن العين لإدغام أو تخفيف لغة".
وما تعلق بالفعل وليس بفاعل ولا شبيه به ولا بنائب عنه فمنصوب لفظا إن لم يدخل عليه حرف جر، ومحلا إن دخل عليه، وأمثلة ذلك بيّنة، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
وقد يحملهم ظهور المعنى والعلم بأمن اللبس مع ألا يجهل المراد على الإتيان في جملة واحدة بفاعل منصوب ومفعول مرفوع كقولهم: خرق الثوبُ المسمارَ، وكسَر الزجاجُ الحجرَ، وكقول الشاعر:
مثلُ القنافد هدَّاجونَ قد بلغتْ ... نجرانَ أو بلغتْ سوءاتهم هجرُ
فرفع هجر ونصب السوءات وهي البالغة وهجر مبلوغة، كما رُفع الثوب وهو
стр. 529
المخروق ونصب المسمار وهو الخارق. ومن هذا القبيل قول الراجز:
إنَّ سِراجا لكريمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحْلَى به العينُ إذا ما تَحْقِرُهْ
وحقه أن يقول يحلى بالعين، وقد حمل بعض النحويين على هذا قوله تعالى: (ما إنَّ مفاتِحه لَتَنوءُ بالعُصْبة) حكى ذلك الفراء ورجح كون الباء معدّية كما هي في قوله تعالى: (ذهب الله بنورهم) أي أذهب الله نورهم، وكما هي في قول الشاعر:
ديارَ التي كادتْ ونحنُ على منى ... تَحِلُّ بنا لولا نجاءُ الركائِبِ
فصل: ص: يجب وصل الفعل بمرفوعه إن خيف التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرا غير محصور وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو ما ضرب عمرو إلا زيدا، فإن كان المرفوع ظاهرا والمنصوب ضمير لم يسبق الفعل ولم يحصر فبالعكس، وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو ما ضرب عمرا إلا زيد، وعند الأكثرين في نحو ضرب غُلامُه زيدا، والصحيح جوازه على قلة".
ش: المرفوع بالفعل كجزئه، فالأصل أن يليه بلا فصل، وانفصاله بالمنصوب جائز ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو للخروج عنه، فيجب البقاء على الأصل عند خوف التباس المرفوع بالمنصوب نحو ضرب هذا ذاك، فالمرفوع في مثل هذا هو الأول إذ لا يتميز من المنصوب إلا بالتقديم، فلو تميز بقرينة لفظية أو معنوية لجاز التقديم والتأخير نحو ضرب موسى سلمى ولحقت الأولى الأخرى. ويجب أيضا البقاء على الأصل إذا كان المرفوع ضميرا غير محصور نحو ضربت زيدا وأكرمتك،
стр. 530
فتقديم المرفوع أيضا في مثل هذا واجب. وعبرت بالمرفوع ليدخل الفاعل واسم كان والنائب عن الفاعل.
وإذا كان مرفوع الفعل محصورا وجب تأخيره وتقديم المنصوب عند البصريين والكوفيين إلا الكسائي. ويستوي في ذلك المضمر والظاهر، فالمضمر كقوله تعالى: (لا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو) والظاهر نحو لا يصرف السوءَ إلا اللهُ. فلو قلت لا يصرف إلا اللهُ السوءَ امتنع عند غير الكسائي فلو كان الحصر في غير المرفوع لزم أيضا تأخير المحصور إلا عند الكسائي وأبي بكر بن الأنباري نحو لا يرحم اللهُ إلا الرحماءَ، فلو قلت لا يرحم الرحماء إلا اللهُ لم يجز إلا عندهما.
وحجة من منع تقديم المحصور مطلقا حمل الحصر بإلا على الحصر بإنما، وذلك أن الاسمين بعد إنما لا يعرف متعلق الحصر منهما إلا بتأخره كقولك قاصدا لحصر المفعولية في زيد إنما يضرب عمرو زيدا، فالمراد كون الضرب الصادر من عمرو مخصوصا به زيد، ولا يُعلَم هذا إلا بتأخير زيد فامتنع تقديمه، وجعل المقرون بإلا متأخرا وإن كان لا يخفى كونه محصورا لو لم يتأخر ليجرى الحصر على سنن واحد. ولم يلزم الكسائي ذلك، لأن الاقتران بإلا يدل على المعنى، والتوسع عند وضوح المعنى أولى من التضييق بمنع أحد الاستعمالين. واعتبر ابن الأنباري تأخر المقرون بإلا لفظا أو تقديرا فأجاز تقديمه إذا لم يكن مرفوعا، لأنه وإن تقدم لفظا فهو مؤخر معنى، ولم يُجِز تقديمه إذا كان مرفوعا، لأنه إذا تقدم لفظا تقدم معنى فيلزم من تقديمه فوات تأخر المحصور لفظا أو تقديرا وذلك غير جائز. ويؤيد ما ذهب إليه أبو بكر قول الشاعر:
تَزَوّدتُ من ليلى بتَكليم ساعةٍ ... فما زاد إلَّا ضِعْفَ ما بي كلامُها
ومثله في مفعول ما لم يُسمّ فاعله قول زهير:
следующие страницы →