← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كانا نحو (آتوني أُفْرِغْ عليه قطرا) أو فعلا واسما نحو (هاؤُمُ اقرءوا كتابيه) أو اسمين نحو أنا مكرم ومفضِّل زيدا. والعاملان في هذه الأمثلة متفقان في العمل. ومثال اختلافهما فعلين أكرمتُ ويُكرمني زيدٌ. ومثال اختلافهما اسمين أنا مُكرم ومحسنٌ إلى زيد. ومثال اختلافهما فعلا واسما أنت مكرم فيشكرك زيد. وهذا كله على إعمال الثاني. ولو أعملت الأول لقلت أكرمتُ ويكرمني زيدا، وهل أنت مكرم فيشكرك زيدا بإضمار فاعلي مكرِم ويشكُر. ولو أعملت الأول في مسألة أنا مكرم لقلت أنا مكرِم ومحسن إليه زيدا. ومن إعمال الأول والعاملان اسمان قول الشاعر: وإنّي وإنْ صَدَّتْ لمَثْنٍ وصادِقٌ ... عليها بما كانت إلينا أزلّتِ فلو كان ثاني العاملين مؤكدا لكان في حكم الساقط كقول الشاعر: أتاك أتاك اللاحقون احْبِسِ احْبِسِ فأتاك الثاني توكيدا للأول، فلذلك لك أن تنسب العمل إليهما لكونهما شيئا واحدا في اللفظ والمعنى، ولك أن تنسبه للأول وتُلغي الثاني لفظا ومعنى لتنزّله منزلة حرف زيد للتوكيد، فلا اعتداد به على التقديرين. ولولا عدم الاعتداد به لقيل أتاك أتوك اللاحقون، أو أتوك أتاك اللاحقون وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي "متفقان لغير توكيد". وفي قولي "بما تأخر" تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا، لأنك إذا قلت زيد أكرمته ويكرمني، وزيد هل أنت مكرمه فيشكرك، وزيد أنا مكرمه ومُحسن إليه أخذ كل واحد من العاملين مطلوبه ولم يتنازعا. ونبهت بقولي "غير سببي مَرفوع" على أن نحو زيد منطلق مسرع أخوه لا يجوز

стр. 562

فيه تنازع، لأنك لو قصدت فيه التنازع أسندت أحد العاملين إلى السّببيّ وهو الأخ وأسندت الآخر إلى ضميره فيلزم عدم ارتباطه بالمبتدأ، لأنه لم يرفع ضميره ولاما التبس بضميره، ولا سبيل إلى إجازة ذلك. فإن سمع مثله حُمل على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين المتقدمين عليه، وفي كل واحد منهما ضمير مرفوع وهما وما بعدهما خبر عن الأول. ومنه قول كثير: قضى كلُّ ذي دَيْنٍ فوَفَّى غَريمَه ... وعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعَنّى غريمُها أراد: وعزة غريمها ممطول معنى. وفي تقييد السببي بمرفوع تنبه على أن السببي غير المرفوع لا يمتنع من التنازع كقولك زيد أكرمَ وأفضلَ أخاه. وجعل الفراء الرفع في نحو قام وقعد زيد بالفعلين معا. والذي ذهب إليه غير مستبعد فإنه نظير قولك زيد وعمرو منطلقان، على مذهب سيبويه، فإن خبر المبتدأ عنده مرفوع بما هو له خبر، فيلزمه أن يكون منطلقان مرفوعا بالمعطوف والمعطوف عليه، لأنهما يقتضيانه معا. ويمكن أن يكون على مذهبه قول الشاعر: إنَّ الرِغاث إذا تكون وديعةً ... يُمْسِي ويُصْبح دَرُّها ممحوقا فلو كان العطف بأو ونحوها مما لا يجمع بين الشيئين لم يجز أن يشترك العاملان في العمل كقول الشاعر: وهل يَرجعُ التسليمَ أو يكشفُ العمى ... ثلاثُ الأثافي والرسومُ البَلاقعُ وليس هذا من التنازع. ولو كان منه لكان أحد الفعلين بتاء، لأن فاعله على ذلك التقدير ضمير مؤنث، وإنما عمل على أنه أراد وهل يرجع التسليم ما أشاهد،

стр. 563

واستغنى بالإشارة كما قالوا إذا كان غدا فائتني، أي إذا كان ما نحن عليه فأتني، ثم أبدل ثلاث الأثافي من المضير المنويّ. ومذهب البصريين ترجيح إعمال الثاني على الأول. ومذهب الكوفيين العكس، وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح، لأن إعمال الثاني أكثر في الكلام من إعمال الأول، وموافقة الأكثر أولى من موافقة الأقل. ومما يبين لك أن إعمال الأول قليل قول سيبويه: ولو لم تجعل الكلام على الآخر لقلت ضربت وضربوني قومك وإنما كلامهم ضربت وضربني قومك. وهذا حكاية عن العرب بالحصر بإنما وظاهره أنهم يلتزمون ذلك دون إجازة غيره. لكنه قال في الباب بعد هذه العبارة بأسطار: وقد يجوز ضربت وضربني زيدا لأن بعضهم قد يقول متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، والوجه متى رأيت أو قلت زيد منطلق، فدل نقل سيبويه مجردا عن الرأي على أن إعمال الثاني هو الكثير في كلام العرب، وأن إعمال الأول قليل، ومع قلته لا يكاد يوجد في غير الشعر بخلاف إعمال الثاني فإنه كثير الاستعمال في النثر والنظم، وقد تضمنه القرآن المجيد في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) وقوله تعالى (آتوني أفرغ عليه قطرا) وقوله تعالى: (و [أمّا] الذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا) وقوله تعالى: (تعالوا يستغفر لكم رسولُ الله) وقوله تعالى: (هاؤُمُ اقرءوا كتابِيَهْ) وقوله تعالى: (وأنهم ظَنُّوا كما ظننتم أنْ لن يبعث الله أحدا) وهذا كله من إعمال الثاني.

стр. 564

ولو كان في غير القرآن لقيل: قل الله يفتيكم فيها في الكلالة، وآتوني أفرغه عليه قطرا، والذين كفروا وكذبوا بها بآياتنا، وتعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، وهاؤم اقرءوهُ كتابيه، وأنهم ظنوا كما ظننتموه أن لن يبعث الله أحدا، لأن المعمول مقدر الاتصال بعامله فيلزم من ذلك تقدير تقدمه على العامل الثاني، ولو كان في اللفظ كذلك لاتصل به ضمير المفعول على الأجود نحو آتوني أفرغه عليه. وإذا نوى ذلك كان إبراز الضمير (أولى) لأن الحاجة أدعى. وفي الحديث: "لعَنَ أو غَضب على سِبْط من بني إسرائيلَ فَمَسَخَهم". وهذا من أفصح الكلام وقد أعمل فيه الثاني، ولو أعمل الأولى لقيل: إن الله لعن أو غضب عليهم سبطا. ومما يدل على ترجيح إعمال الأقرب إذا كان ثانيا التزام إعماله إذا كان ثالثا أو فوق ذلك بالاستقراء، ولا يوجد إعمال غيره، ومن أجازه فمستنده الرأي. ومنه: اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وباركْ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت ورحِمت وباركْتَ على إبراهيم. ولو أعمل الأول لقيل كما صلّيت ورحمتهم وباركت عليهم على آل إبراهيم. ومثله قول الشاعر: جِئ ثم حالِف وثِق بالقوم إنَّهم ... لِمَنْ أجاروا ذوُو عزٍّ بلا هُونِ وفي لزوم إعمال الأقرب إذا كان ثالثا دلالة بيّنة على رجحان إعماله إذا كان ثانيا. ومما يدل على رجحان إعمال الثاني أنه مخلّص من ثلاثة أشياء منفّرة يستلزمها إعمال الأول أحدها كثرة الضمير كما رأيت في مسألة "صليت ورحمتهم وباركت عليهم". الثاني توالي حروف الجر نحو نبئت كما نبئت عنه عن زيد بخير. الثالث الفصل بين الفعل العامل والمعمول، والعطف على العامل قبل ذكر معموله.

стр. 565

ومما يدل على رجحان الثاني أنه موافق لما تؤثره العرب من التعليق بالأقرب والحمل عليه، وإن لزم من ذلك تفضيل زائد على غير زائد نحو خشّنت بصدره وصدر زيد، ففضّلوا جرّ المعطوف حملا على عمل الباء لقربها وإن كانت زائدة على نصبه حملا على خشّنت لبعده وإن لم يكن زائدا. ومما يدل على رجحان إعمال الثاني أن فيه تخلصا من الإخلال بحقّ ذي حقّ، وذلك أن لكل واحد من العاملين قسطا من عناية المتكلم، فإذا قدّم أحدهما وأعمل الآخر عدل بينهما، لأن التقديم اعتناء، والإعمال اعتناء، وإذا أعمل المتقدّم لم يبقِ للمؤخّر قسط من العناية، فكان المخلّص من ذلك راجحا. ورجح بعض الناس إعمال السابق بثلاثة أشياء أحدها أن ترجيحه موافق لما أجمعت العرب عليه من مراعاة السابق في قولهم: ثلاث من البطّ ذكور، وثلاثة ذكور من البط، فآثروا مقتضى البط لسبقه فأسقطوا التاء، وآثروا مقتضى الذكور لسبقه فأثبتوا التاء. الثاني أن إعمال السابق مخلّص من تقديم ضمير على مفسّر مؤخر لفظا ورتبة في نحو ضربوني وضربت قومك. الثالث أن إعمال السابق موافق لما أجمع عليه في اجتماع القسم والشرط، فإن جواب السابق منهما مُغْنٍ عن جواب الثاني، فلْيكن عمل السابق من المتنازعين مغنيا عن عمل الثاني. والجواب عن الأول أن يُقال لم يُعتبر في ترجيح ثاني المتنازعين كونه ثانيا، بل كونه قريبا من محل التأثير. ومسألة العدد المذكورة معتبر فيها أيضا القرب، واتفق مع القُرب سبقٌ فالأثر له، ولا يلزم منه مراعاة سابق بعيد. وعن الثاني أن تقديم الضمير إذا كان على شريطة التفسير مجمع على جوازه في باب نعم كقول الشاعر. نِعْم امرأ هَرِمٌ لم تَعْرُ نائبةٌ ... إلّا وكان لمُرْتاعٍ بها وَزَرا وفي باب رُبَّ كقول الشاعر: واهٍ رأبتُ وشيكا صَدْعَ أعْظُمِه ... ورُبَّه عاطِبا أنْقذتُ مِن عَطَبِهْ

стр. 566

وفي باب البدل كقول بعض العرب: اللهم صلّ عليه الرءوف الرحيم، وفي باب الابتداء ونواسخه نحو: (قل هو الله أحدٌ) و: (إنّه مَن يأتِ ربَّه مجرما فإنّ له جهنّم) فلجوازه في باب مسائل التنازع أسوةٌ بتلك المواضع قياسا لو لم يثبت به سماع. فكيف وقد سمع في الكلام الفصيح كقول الشاعر: جَفوني ولم أجْفُ الأخِلّاءَ إنَّني ... لغيرِ جميلٍ مِن خليلَي مُهْمِلُ وكقوله: هَوِينني وهوِيتُ الخُرَّدَ العُرُبا ... أزمانَ كنتُ مَنوطا في هَوًى وصِبا ومثله: خالفاني ولم أخالِفْ خَليلي ... يَ فلا خيرَ في خلافِ الخليلِ والجواب عن الثالث أن يقال كان مقتضى الدليل أن يستغنى بجواب المتأخر منهما لقربه من محل الجواب إلا أن المتأخر منهما إذا كان هو القسم كان مؤكّدت للشرط غير مقصود لنفسه بدلالة عدم نقصان الفائدة بتقديره حذفه. وإذا كان مؤكدا غير مقصود لنفسه فلا اعتداد به، ولا صلاحية فيه لجعله ذا جواب منطوق به، بخلاف المؤكَّد فإنه مقصود لنفسه، ولذلك لا تتمّ الفائدة بتقدير حذفه، فأغنى عما هو من تمام معناه، فلما وجب هذا الاعتبار أغنى جعل الجواب للأول فيما إذا تأخر القسم وأجرى هذا المجرى ما أخّر فيه الشرط ليُسلك في اجتماعهما سبيل واحدة، لكن الشرط لعدم صلاحيته للسقوط أبدا فُضِّل على القَسَم لأمرين: أحدهما أنهما إذا اجتمعا بعد مبتدأ استغنى بجوابه، تقدّم على القسَم أو تقدّم القسم عليه. والثاني أن الشرط قد يغني جوابه بعد قَسَم لا مبتدأ قبله كقول الشاعر:

стр. 567

لئِنْ كان ما حُدِّثته اليومَ صادقا ... أصُمْ في نهارِ القيْظ للشمسِ باديا ولا يستغنى بجواب قسم متأخر أصلا. فقد علم بهذا الفرقُ بين اجتماع الشرط والقسم وبين تنازع العاملين وصح ما اخترناه والحمد لله تعالى. ص: وتعمل الملغَى في ضمير المتنازع غالبا، فإن أدّت مطابقته إلى تخالف خبر ومخبر عنه فالإظهار. ويجوز حذف المضمر غير المرفوع ما لم يمنع مانع ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولا للأول خلافا لأكثرهم. بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدما ولا يحتاج غالبا إلى تأخره إلا في باب ظن. ش: تناول قولي "ويعمل الملغَى في ضمير المتنازع" أن يكون أوّلا وأن يكون ثانيا وأن يكون المضمر مرفوعا ومنصوبا ومجرورا. فمثال ذلك في إلغاء الأول والمضمر مرفوع قول الشاعر: جَفوني ولم أجفُ الأخلاءَ إنني ... لغيرِ جميل من خليلي مهمِلُ ومثال ذلك والمضمر منصوب قول الشاعر: إذا كنتَ تُرضيه ويُرضيكَ صاحبٌ ... جهارا فكنْ في الغيب أحفظ للعَهْدِ وألْغ أحاديثَ الوُشاة فقلَّما ... يُحاوِلُ واشٍ غير تغييرَ ذي وُدّ ومثال ذلك والمضمر مجرور قول الشاعر: وثقتُ بها وأخلفتْ أمُّ جُنْدُب ... فزاد غرامَ القلبِ إخلافُها الوَعْدا ومثال ذلك في إلغاء الثاني والضمير مرفوع قول الشاعر:

стр. 568

وقد نَغْنى بها ونرى عُصورا ... بها يقْتَدْننا الخُرُدَ الخِدالا ومثال ذلك والضمير منصوب قول الشاعر: أساء ولم أجْزه عامر ... فعاد بحِلمي له مُحْسِنا ومثال ذلك والضمير مجرور قول الشاعر: إذا هي لم تسْتَكْ بعود أراكةٍ ... تُنُخِّلَ فاستاكتْ به عودُ إسْحِلِ ومن المحتمل لإعمال الأول والثاني قول الشاعر: على مثل أُهْبان تشقُّ جُيوبَها ... وتُعْلِنُ بالنَّوحِ النساءُ الفواقدُ وأكثر النحويين لا يجيزون ضربته وضربني زيد، ومررت به ولقيني عمرو، لاشتماله على تقديم ضمير هو فضلة على مفسر متأخر لفظا ورتبة. وإنما يغتفر ذلك في ضمير مرفوع لكونه عمدة غير صالح للاستغناء عنه. هذا تعليل المبرد ومَن وافقه من البصريين. وأما الكوفيون فلا فرق عندهم بين الفضلة والعمدة في المنع، فلا يجيزون ضربوني وضربت قومك، ولا ضربته وضربني زيد. والصحيح جوازهما لثبوت السماع بذلك في الأبيات المتقدمة الذكر، إلا أن تقديم المرفوع أسوغ لكونه غير صالح للحذف، وقلّ تقديم غيره. وقد تقدّم في كتابي هذا بيان ما يدل على صحة ما ذهبتُ إليه في هذه المسألة فلا حاجة إلى إعادته وبعض من لا يجيز تقديم الضمير يلتزم تأخيره وإظهاره إن لم يستغن عنه نحو ظنني وظننت زيدا فاضلا وظنني وظننت زيدا فاضلا إياه. ومثال ما يُؤدي فيه مطابقة الضمير مفسره إلى تخالف خبر ومخبر عنه قولك: ظناني وظننت الزيدين

стр. 569

منطلقين، تريد ظناني منطلقا، وظننت الزيدين منطلقين. فإذا قلت كذا بإظهار ثاني مفعولي ظناني خلصت من أمرين ممتنعين، وذلك أنك إذا أضمرت فإما أن تراعي جانب المفسَّر فتثنى فتكون قد أخبرت بمثنى عن مفرد. وإما إن تراعي جانب المخبر عنه وهو ياء ظناني فتفرد فتكون قد أعدت ضميرا واحدا إلى مثنى، وكلاهما ممتنع فتعين الإظهار لتخلصه من ممتنع. ووافق الكوفيون على جواز الإضمار، وأجازوا أيضا الإضمار مراعًى به جانب المخبر عنه كقولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين إياه، لأن المثنى والجمع يتضمنان الواحد فعود الضمير إلى ما تضمنه جائز. وأجازوا أيضا الحذف كقولك ظننت وظناني الزيدين قائمين، تريد ظننت وظناني قائما الزيدين قائمين. فحذفت ثاني مفعولي ظناني لدلالة ثاني مفعولي ظننت عليه، كما جاز مثل ذلك في باب الابتداء. وأشرت بقولي "ويجوز حذف الضمير غير المرفوع" إلى جواز حذف الهاء ونحوها من نحو قولك ضربني وضربته زيد، ومرّ بي ومررت به زيد فيقال ضربني وضربت زيد، ومرّ بي ومررت زيد كم قال الشاعر: يَرنو إليّ وأرْنو مَن أصادِقُه ... في النائباتِ فأرضيه ويُرْضيني وأشرت بقولي "ما لم يمنع مانع" إلى مثل مال عني وملت إليه زيد، فإن حذف الضمير منه غير جائز لإيهامه أن يكون المراد مال عنّي ومِلت عنه زيد. ومثل ذلك قول الشاعر: مال عنّي تيهًا وملْتُ إليه ... مُسْتعينا عمرو فكان مُعينا وحذف الضمير غير المرفوع إن تقدم أحسن من بقائه، ما لم يكن عامله من باب ظن فيظهر مؤخرا، وكذا إن لم يكن من باب ظن وكان الحذف موقعا في لبس. ومثال ذلك والفعل من باب ظن حسبني وحسبت عمرا كريما إياه.

стр. 570

ومثاله والفعل من غير باب ظن استعنت واستعان عليّ به زيد. وإلى هذين وأمثالهما أشرت بقولي "ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره إلا في باب ظن". ص: وإنْ أُلغي الأول رافعا صح دون اشتراط تأخر الضمير خلافا للفراء، ولا حذفه خلافا للكسائي. ونحو ما قام وقعد إلّا زيد محمول على الحذف لا على التنازع خلافا لبعضهم. ش: إلغاء العامل الأول وهو مُقتضٍ للرفع كقولك ضربوني وضربت قومك، فهذا الاستعمال جائز في مذهب البصريين ممتنع في مذهب الكوفيين، وتصحيحه عند الفراء بتأخير الضمير منفصلا كقولك ضربني وضربت قومك هم، وتصحيحه عند الكسائي بالحذف كقولك ضربني وضربت قومك، وربما استدل بقول الشاعر: تعفّقَ بالأرْطى لها وأرادها ... رجالٌ فبذَّتْ نَبْلَهم وكَلِيبُ ولا دلالة فيه لإمكان جعله من باب إفراد ضمير الجماعة مؤولة بمفرد اللفظ مجموع المعنى قال سيبويه: فإن قلت ضربني وضربت قومك فجائز وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول هو أجمل الفتيان وأحسنه، وأكرم بنيه وأنبلُه. ثم قال: كأنك قلت ضربني مَن ثَمّ وضربت قومك. وما جاء من نحو ما قام وقعد إلا زيد، فليس من باب التنازع، وإنما هو من باب حذف المنفي العام بدلالة القرائن اللفظية عليه كقوله تعالى: (وإنْ من أهل

стр. 571

الكتاب إلّا لَيُؤمِنَنَّ به قبل موته) وكقوله تعالى: (وما منّا إلّا له مقامٌ معلومٌ) و: (وإنْ منكم إلّا ورادُها) وكقول الشاعر: نجا سالمٌ والروحُ منه بشدقِه ... ولم ينجُ إلّا جَفْن سَيْفٍ ومِئْزَرا فالظاهر أنه أراد ولم ينج بشيء، فحذف لدلالة النفي والاستثناء بعده على منفيّ عامّ للمستثنى وغيره. ومن هذا القبيل (نحو) ما قام وقعد إلا زيد، على تأويل ما قام أحد ولا قعد إلا زيد، فحذف أحد لفظا واكتفى بقَصْده ودلالة النفي والاستثناء عليه، كما كان ذلك في الأبيات المذكورة، وفاعل قعد ضميرا لأحد المقدر ولذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث وإن كان ما بعد إلا مثنى أو مجموعا أو مؤنثا. ولو كان من باب التنازع لزم مطابقة الضمير في أحد الفعلين. ولو كان أيضا من باب التنازع لزم في نحو ما قام وقعد إلا أنا إعادة ضمير غائب على حاضر، ولزم أن يقال على إعمال الثاني ما قاموا وقعد إلا نحن. وعلى إعمال الأول ما قام وقعدوا إلا نحن. وكان يلزم من ذلك، إخلاء الفعل الملغَى من الإيجاب، لأن الفعل المنفي إنما يصير موجبا بمقارنة إلا معموله لفظا أو معنى، وعلى تقدير التنازع لم تقارن إلا معمول الملغَى لفظا ولا معنى فيلزم بقاؤه على النفي، والمقصود خلاف ذلك، فلا يصح الحكم بما أفضى إليه. ويتعين الاعتراف بصحة الوجه الآخر لموافقته نظائر لا يشك في صحتها، ومن أظهر الشواهد على صحة الاستعمال المشار إليه قول الشاعر: ما جاد رأيا ولا أجْدى محاولةً ... إلا امرُؤٌ لم يضع دُنيا ولا دينا

стр. 572

ومثله: ما صابَ قلبي وأصماه وتَيَّمهُ ... إلّا كواكبُ من ذُهْلَ بن شيبانا ص: ويُحكم في تنازع أكثر من عاملين بما تقدم من ترجيح بالقرب أو السبق، وبإعمال الملغى في ضمير وغير ذلك. ولا يمنع التنازع تعدّ إلى أكثر من واحد، ولا كون المتنازعين فعلَيْ تعجّب خلافا لمن منع. ش: قد تقدمت الإشارة إلى تنازع أكثر من عاملين في ترجمة الباب، وفي الشرح لا في المتن، فنبه الآن عليه في هذا المكان. وما ورد منه فإنما ورد بإعمال الآخر وإلغاء ما قبله كقول الشاعر: سُئِلْتُ فلم تبخلْ ولم تُعْطِ نائلا ... فسِيّان لاذَمٌّ عليك ولا حمدُ وكقول الآخر: جئ ثم حالفْ وثقْ بالقوم إنّهم ... لمنْ أجاروا ذوو عزٍّ بلا هُونِ وكقول الآخر: أرجو وأخشى وأدعو الله مُبْتغيا ... عَفْوا وعافيةً في الرُّوح والجسد فهذه الأبيات الثلاثة قد تنازع في كل واحد منها ثلاثة عوامل أعمل آخرها وألغى أوّلها وثانيها وعلى هذا استقر الاستعمال. ومن أجاز إعمال غير الثالث فمستنده

стр. 573

الرأي، إذ لا سماع في ذلك. وقد أشار إلى ذلك أبو الحسن بن خروف في شرح كتاب سيبويه. واستقرأت الكلام فوجدت الأمر كما أشار إليه. ومنع بعض النحويين التنازع في متعديين إلى اثنين أو ثلاثة بناء على أن العرب لم تستعمله. وما زعمه غير صحيح، فإن سيبويه حكى عن العرب: متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، على إعمال رأيت، ومتى رأيتَ أو قلت زيد منطلق على إعمال قلت، أعني بإعمالها حكاية الجملة ههنا. ومنع أيضا بعض النحويين تنازع فعلَيْ تعجّب، والصحيح عندي جوازه لكن بشرط إعمال الثاني كقولك ما أحْسَن وأعْقل زيدا، تنصب زيدا بأعقلَ لا بأحْسنَ، لأنك لو نصبته بأحسن لفصلت ما لا يجوز فصله. وكذلك تقول أحْسنْ به وأعقلْ بزيد بإعمال الثاني ولا تعمل الأول فتقول أحسنْ وأعقل بزيد فلزمك فصل ما لا يجوز فصله ويجوز على أصل مذهب الفراء أن يقال أحسِنْ وأعقِلْ بزيد، فتكون الباء متعلقة بأحسن وأعقلْ معا، كما يكون عنده فاعل قام وقعد عنده مرفوعا بالفعلين معا، ولا يمتنع على مذهب البصريين أن يقال أحسنْ وأعقِلْ بزيد، على أن يكون الأصل أحسنْ به وأعقِلْ بزيد، ثم حذفت الباء لدلالة الثانية عليها ثم اتصل الضمير واستتر، كما استتر في الثاني من قوله تعالى: (أسمعْ بهم وأبْصِرْ) فإن الثاني مستدَلٌّ به على الأول، كما يستدل بالأول على الثاني، إلّا أن الاستدلال بالأوّل على الثاني أكثر من العكس.

стр. 574

باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما جرى مجراه ص: المصدر اسم دالّ بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه حقيقة أو مجازا أو واقع على مفعول. وقد يُسَمّى فعلا وحدثا وحدْثانا. وهو أصل الفعل لا فرعه خلافا للكوفيين، وكذا الصفة خلافا لبعض أصحابنا. ويُنصب بمثله أو فرعه أو بقائم مقام أحدهما. فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد ويُسمَّى مُبْهما، ولا يُثنّى ولا يُجمع. وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويُسمّى مُختَصّا ومُؤقّتا ويُثنّى ويجمع. ويقوم مقام المؤكّد مصدر مرادف واسم مصدر غير عَلَم. ومقام المبيّن نوع أو وصف أو هَيْئة أو آلة أو كل أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة أو وقت. ش: تقييد الدلالة بالأصالة مخرج لأسماء المصادر، وهي عبارة عن كل اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويُخالفه بعلميّة كحمادِ وجمادِ، أو لتجرّده دون عِوَض من زيادة في فعله كاغتسل غسلا وتوضأ وضوءا، فهذه وأمثالها إذا عُبّر عنها بمصادر فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يُعبّر عنها بأسماء المصادر. والدال على معنى قائم بفاعل كحُسْن وفَهْم، والدال على معنى صادر عن فاعل كخط وخياطة، وقيام الحُسْن والفهْم بالفاعل حقيقة، وكذا صدور الخط والخياطة من فاعلهما بخلاف نسبة العدَم إلى المعدوم والموت للميت فإنها مجاز والواقع على مفعول مصدرُ ما لم يُسم فاعله. والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحيّ وكذلك المفعول فبهذا يَعُمّ الحدّ مصدر كل فِعْل. وإطلاق المصدر على ما تناوله الحدّ إطلاق مُتّفق عليه. وقد يُعبَّر بالفعل والحدَث والحِدْثان، من التعبير عن الشيء بلفظ مدلوله. واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر، لكن البصريون جعلوا الأصالة للمصدر، وجعلها الكوفيون للفعل. والصحيح مذهب البصريين، ويدل على صحته ستة أمور: أحدها أن المصدر كثر كونه واحدًا

стр. 575

لأفعال ثلاثة، ماض ومضارع وأمر، فلو اشتُقَّ المصدر من الفعل لم يخل من أن يُشتق من الثلاثة أو من بعضها، واشتقاقه من الثلاثة محال، واشتقاقه من واحد منهما يستلزم ترجيحا من دون مرجّح، فيتعَّن اطّراح ما أفضى إلى ذلك. الثاني أن المصدر معناه مفرد ومعنى الفعل مركّب من حدث وزمان والمفرد سابق للمركب، والدال عليه أولى بالأصالة من الدال على المركب. الثالث أن مفهوم المصدر عام ومفهوم الفعل خاص، والدال على العام أولى بالأصالة من الدال على خاص. الرابع أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين، أحدهما أصل والآخر فرع فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، وكالعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه، والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعيين الزمان فكان فرعا والمصدر أصلا. الخامس أن من المصادر ما لا فعل له لفظا ولا تقديرا وذلك ويْحَ ووَيْل وويْس وويْب، فلو كان الفعل أصلا لكانت هذه المصادر فروعا لا أصول لها وذلك محال. وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرا، لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما استحقّ فاءُ يَعدُ، ولاستحقّ عينُه من السكون ما استحق عين يبيع فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه، وليس في الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن كتبارك وفعل التعجب، إذ لا مانع في اللفظ. وتقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة تزيد على الأفعال كالبنوَّة والأبوّة والخُئولة والعُمومة والعُبوديّة واللُّصُوصية، وقِعْدكَ الله، وبله زيدا وبَهْله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه وخلص الاستدلال بويح وأخواته. وإعلاله نحو لاوَذَ لِواذا، ولاذَ لياذا لأن الشيئين قد يحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلا للآخر كحمل يرضيان على رضيا وأعطيا على تعطيان والأصل يرضوان

стр. 576

وأعطوا، لأن حكم الواو بين فتحة وألف التصحيح، لكن حمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سَنن واحدن فلذلك فُعل بالمصدرين من لاوذ ولاذ. ولا حجة أيضا في توكيد الفعل بالمصدر لأن الشيء قد يؤكد بنفسه نحو زيد زيد قام، فلو دل التوكيد على فرعية المؤكد لزم كون الشيء فرع نفسه وذلك محال. ولا حجة أيضا في إعمال المصدر لأن الحرف يعمل في الاسم والفعل ولا حظ له في الأصالة. وببعض ما استدللنا به على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر يستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه، لأن كل صفة تضمّنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث وتزيد بالدلالة على ما هي له، كما زاد الفعل بالدلالة على الزمن المعيّن، فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل، إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على زمن معيّن فبطل اشتقاقها من الفعل وتعين اشتقاقها من المصدر كما قلنا. ونصب المصدر بمثله كقولك عجبت من قيامك قياما. ونصبه بفرعه كقولك طلبتك طلبا، وأنا طالبك طَلَبا وأنت مطلوب طلبا. ونصبه بقائم مقام أحدهما كقولك عجبت من إيمانك تصديقا، وأنا مؤمن تصديقا، ولقاء الله مؤمَن به تصديقا. والمصدر المنصوب في جميع هذه الأمثة قد ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى الواقع هكذا مُبْهما ولا يُثنَّى ولا يجمع لأنه بمنزلة تكرير الفعل فعُومِل معاملته في عدم التثنية والجمع، إذ هو صالح للقليل والكثير. وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع نحو سرت خَبَبا وعَدْوا ورَجعت القهْقَرى وقعدت القُرْفُصاء أو لعدد المرات نحو قمت قومتين وضربته ضربات. وقد يكون المبيّن للنوع بلفظ المؤكد فيُستقاد التنويع بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو بتثنيته أو بجمعه. ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادفٌ نحو جلست قُعودا، أو اسمُ مصدر غير عَلَم نحو اغتسلت غُسلا وتوضّأت وضوءا. ولا يستعمل اسم المصدر العلم المؤكد ولا مبيّنا فلا يقال حمدت حمادِ ونحو

стр. 577

ذلك أن العَلَم زائد معناه على معنى العامل فلا ينزل منزلة تكرار العامل، ولأنه كاسم الفعل فلا يُجمع بينه وبين الفعل ولا ما يقوم مقامه. ومن قيام أحد المترادفين مقام الآخر قول امرئ القيس: ويوما على ظهر الكَثيب تعذّرت ... عليّ وآلتْ حَلْفةً لم تحلّل وقول رؤبة: لوَّحها مِن بَعْد بُدن وسَنَقْ تضميرَك السابق يُطوى للسَبَقْ لَوَّحها: ضمّرها، والبُدْن السَمن، والسنق: البشم، والسبق الخطر. ويقوم مقام المبيّن للنوع اسم نوع كالقهقرى والقرفصاء وكقوله تعالى: (والنازعاتِ غرقا)، أو وصف نحو: (واذكر ربَّك كثيرا) أو هيئة نحو يموت الكافر ميتة سوء، ويعيش المؤمن عيشة مَرْضيّة. أو آلة نحو ضرب المؤدب الصبيّ قضيبا أو سوطا. أو كل نحو قوله تعالى: (فلا تَميلوا كُلَّ الميل) أو بعض كقوله تعالى: (ولا تَضُرُّوه شيئا) أو ضمير كقوله تعالى: (فإنّي أعذِّبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدا من العالمين) أو اسم إشارة نحو لآخذنّ ذلك الحقّ، ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة والمقصود به المصدرية،

стр. 578

ولذلك خطِّئ من حَمَل قول المتنبي: هذي بَرزْتِ لنا فهجْت رَسيسا على أنه أراد هذه البَرزة بَرزتِ، لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب. وقد يُقام مقام المصدر المبيّن زمان مضاف إليه المصدر تقديرا كقول الشاعر: ألم تغتمض عيناك ليلةَ أرْمَدا أراد ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، فحذف المصدر وأقام الزمان مقامه، كما عكس من قال: كان ذلك طلوعَ الشمس، إلا أن ذلك قليل وهذا كثير. ومن قيام النوع مقام المصدر قول الشاعر: على كلِّ موّارٍ أفانينُ جِرْيه ... شاوٍ لأبْواعِ الجمالِ الرَّواتِكِ ومن قيام الصفة مقامه قول الآخر: وضابغٌ أنْ جرى أيّا أردْتَ به ... لا الشَّدُّ شَدٌّ ولا التقريبُ تقريبُ أي لا الشد شد معتاد ولا التقريب تقريب معتاد، بل هما خارقا العادة. والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظا كونه معمولا لموافقه معنى، فحلفة من قوله وآلت حلفة لم تحلّل منصوب بآلت لا بحلفت مقدرا لعدم الحاجة إلى ذلك؛

стр. 579

ولأنه لو كان المخالف لفظا لا ينتصب إلا بفعل من لفظه لم يجز أن يقع موقعه ما لا فعل له من لفظه نحو حلفت يمينا (فلا تميلوا كلَّ الميل) و (فاجْلدوهم ثمانينَ جلدةً) و (ولا تضرُّونه شيئا). فهذه وأمثالها لا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، بل لا بد من كون العامل فيما وقع منها ما قبله مما هو موافق معنى لا لفظا. ووجب اطراد هذا الحكم فيما له فعل من لفظه ليجري الباب على سَنن واحد. وهذا الذي اخترته هو اختيار المبرد والسيرافي. ص: ويُحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية أو معنوية. ووُجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، أو لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب أو خبر، إنشائي أو غير إنشائي أو في توبيخ مع استفهام ودونه. للنفس أو لمخاطب أو لغائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرار أو حصر، أو مؤكد جملة ناصّة على معناه، وهو مؤكد نفسه، أو صائرة به نصّا وهو مؤكد غيره، والأصح منع تقديمها. ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبهُ به مشعرا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ ولا صلاحية للعمل فيه. وإتباعه جائزٌ وإن وقعت صفة موقعه فإتباعها أولى من نصبها. وكذا التالي جملة خالية مما هو له، وقد يرفع مبتدأ المفيد طلبا وخبر المكرر والمحصور، والمؤكد نفسه، والمفيد خبرا إنشائيا وغير إنشائي. ش: حذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية كقولك لمَن قال: أيَّ سَيْر: سَيْرا حثيثا، ولمن قال ما قمت: بلى قياما طويلا. وحذفه لقرينة معنوية كقولك لمن تأهب لسفر: تأهبا مباركا وسفرا مأمونا، ولمن قدم من الحجّ: حجّا مبرورا وسَعْيا مشكورا. والمحذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل إما مفرد كقولهم أُفَّةَ وتُفَّةَ ودَفْرا بمعنى نتنا، وبهرا بمعنى تبّا كقول الشاعر:

стр. 580

تفاقد قومي إذ يبيعون مُهْجَتي ... بجاريةٍ بَهْرا لهم بعدها بَهْرا وبمعنى عجبا كقول عمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا تُحبّها قلتُ بَهْرا ... عَدَد الرمْل والحصى والتراب وإما مضاف كقول الشاعر: تَذَرُ الجماجِمَ ضاحِيا هاماتُها ... بَلْهَ الأكُفِّ كأنّها لم تُخْلَقِ أي تترك الأكف تركا كأنها لم تخلق. وروى بله الأكفَّ بالنصب على أنّه اسم فعل بمعنى اترك. ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة قولهم في القسم الاستعطافي: قعْدَك الله إلّا فعلت، أي تثبيتك الله. ومثله عَمْرَكَ اللهُ في لزوم الإضافة والاستعطافَ، إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمّرتك الله بمعنى نشدتُكِ اللهَ. ومنه قول الشاعر: عَمَّرْتُك الله إلّا ما ذكرتِ لنا ... هل كنتِ جارتنا أيّامَ ذي سَلَمِ وأصله من العُمْرِ وهو البقاء؛ فالمتكلم به متوسّل باعتقاد البقاء لله تعالى. ومن المهمل الفعل ما يُضاف ويُفرد كقولهم للمصاب المرحوم: وَيْحَه وويحَ فلان وويحٌ له. وفي الحديث "وَيْحَ عمّارٍ تقتلُه الفئةُ الباغيةُ". وللمتعجب منه: وَيْبا له ووَيْبَك وويبَ غيرِك. قال الشاعر:

стр. 581

فلا تجْبَهيه ويْب غيرك إنّه ... فتًى عن دَنيّاتِ الخلائق نازِحُ وكذا يقال لويْح غيرك ووَيْسه، مثلُه أو قريب منه. ويقال للمصاب المغضوب عليه: ويْلَه وويلٌ له، وويل له ويلٌ طويل، ووَيل له ويلا طويلا، وويل له ويْلا كَيْلا، وويل له وعَوْل، ووَيْلَك وعَوْلك، ولا يفرد عَوْل، وقد يفرد ويْل منصوبا كقول الشاعر: كسا اللؤمُ تَيْمًا خُضرةً في جُلودها ... فوَيْلاً لتيم من سرابيلها الخُضْرِ ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة سُبْحان الله، أي براءةً له من السوء، وليس بمصدر لسبّح، بل سبّح مشتق منه كاشتقاق حاشيْت من حاشى، إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لولَيْتُ وصَهْصَيْتَ وافّفت وسوّفت وبأبَأت ولبَّيت من: لولا، وصه، واف، وسوف، وبأى، ولبّيك. وقالوا أيضا سَبْحَل إذا قال سبحان الله. وقد تفرد في الشعر سُبْحان منوّنة إن لم تُنو الإضافة كقول الشاعر: سُبحانَه ثم سُبْحانًا نَعوذ به ... وقبلنا سبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ وغير منون إن نُويت الإضافة، كقول الآخر: أقولُ لمّا جاءني فخْرُه ... سُبْحان من عَلْقَمةً الفاخِرِ أراد سبحان الله فحذف المضاف إليه وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف كما قال الراجز: خالطَ من سَلْمى خياشيمَ وَفا

стр. 582

يريد: وفاها. وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان عَلَما. ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل سَلامك في قول الشاعر: سلامَك ربَّنا في كلِّ فَجْرٍ ... بَريئا ما تَغَنَّثُك الذُمومُ ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة قولهم في إجابة الداعي: لبَّيْك، ومعناه لزوما لطاعتك بعد لزوم. قال سيبويه: أراد بقوله لبّيك وسَعْدَيْك إجابة بعد إجابة، كأنه قال كلّما أجبتك في أمر فأنا في الآخر مجيب، وهو مثنى اللفظ. وزعم "يونس" أنه مفرد اللفظ وأن ياءه منقلبة عن ألف إجراء له مجرى "على" وردّ عليه "سيبويه" بقول الشاعر: دَعَوت لِما نابني مِسْورا ... فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ فأثبت الياء في إضافته إلى الظاهر، ولو كان جاريا مجرى "على" لم يفعل به ذلك، كما لا يفعل بعلى. وفي قول الشاعر إضافة "لبَّيْ" إلى الظاهر، والمعروف إضافته إلى ضمير المخاطب، فشذت إضافته إلى ظاهر كما شذت إضافته إلى ضمير الغائب في قول الراجز: إنَّك لو دَعوتني ودُوني ... زوْراء ذات مُتْرع بَيُونِ ... لقُلتُ لبَّيه لمن يَدعوني وقد يغني عن لبيك لبّ مفردا مكسورا جعلوه اسم فعل بمعنى أجبت. والمحذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب منه مضاف نحو غفرانك، و: "ضرْبَ الرِقاب" ومنه مفرد وهو أكثر من المضاف.

стр. 583

وليس مقيسا عند سيبويه مع كثرته، وهو عند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره نحو سَقْيا له ورَعْيا، وجَوْعا لعدوّك وتعْسا، ومنه قول الشاعر: سَقْيا لقومٍ لدَيْنا هُم وإنْ بَعدوا ... وخيبةً للأولى وجْدانُهم عَدَمُ ومثله في الأمر: فصَبْرا في مجال الموتِ صَبْرا ... فما نَيْلُ الخُلودِ بمُسْتطاعِ ومثله في النهي: قد زادَ حُزنُكَ لمّا قيل لا حَزَنا ... حتى كأنّ الذي ينهاكَ يُغْريكا والوارد منه في خبر إنشائي: حمْدًا وشُكْرًا لا جَزَعا، وعَجَبا، وقَسَمًا لأفعلنَّ. قال سيبويه: ومما ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجب قوله كَرَما وصلفا كأنه يقول أكرمك الله، ثم قال: لأنه صار بدلا من قولك أكرِمْ به وأصْلِفْ. قلت: وهذا أيضا مما يتناوله الخبر الإنشائي. وأما الخبر غير الإنشائي فكقولك في وَعْد من يَعزُّ عليك: أفعلُ وكَرامةً ومَسَرَّةً، وكقولك للمغضوب عليه لا أفعل ولا كَيْدا ولا هَمًّا، ولأفعلنّ ما يسوؤك، ورَغْما وهَوانًا. وأما الوارد في التوبيخ مع استفهام فكقول الشاعر: أذُلًّا إذا شبَّ العدى نارَ حَرْبهم ... وزَهْوا إذا ما يَجْنحون إلى السَّلْمِ

стр. 584

وفي توبيخ دون استفهام كقولك: خمُولًا وإهمالًا وغيرُك مُولعٌ ... بتَثْبيتِ أسبابِ السيادةِ والمجدِ وقد يفعل هذا من يخاطب نفسه كقول عامر بن الطفيل "أغُدةً كغُدَّة البعير ومَوْتًا في بيت سَلُولِيَّة". وقد يقصد بمثل هذا غائب في حُكم حاضر كقولك وقد بلغك أن شيْخا يُكثر اللهو واللعب: ألَعبًا وقد علاه الشيبُ? ومثال الكائن في تفصيل عاقبة طلب قوله تعالى: (حتّى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا الوثاقَ فإمّا مَنًّا بعدُ وإمّا فداءً) ومثال المفصل به عاقبة خبر قول الشاعر: لأجْهدنَّ فإمّا درْءَ واقعةٍ ... تُخْشى وإمّا بُلوغَ السُّؤْلِ والأملِ ومثال النائب عن خبر اسم عين بتكرير قول الشاعر: أنا جِدًّا جدّا ولَهْوُك يَزْدا ... دُ إذنْ ما إلى اتّفاقٍ سَبِيلُ ومثال النائب بحصر قول الشاعر: ألا إنّما المُسْتوجِبون تفضُّلا ... بدارا إلى نَيْل التقدُّمِ في الفضلِ واشترط كون هذا بتكرير ليكون أحد اللفظين عوضا من ظهور الفعل فثبت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير، لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه وهو إلا بعد نفي، أو إنما فجعل ذلك أيضا عوضا، ولأن في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير واشترط كون المخبر عنه اسم عين، لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبرا فيرتفع كقولك جِدُّك جِدٌّ عظيمٌ، وإنما بدارُه

стр. 585

بدارُ حريصٍ. وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبرا له إلا على سبيل المجاز. وإذا لم يصلح جعلُه خبرًا تعيّن نصبُه بفعل هو الخبر، فتقدير جدًّا جِدًّا: أنا أجِدُّ جِدًّا. وتقدير (إنما المستوجبون بدارا) إنما المستوجبون تفضلا يبادرون بِدارا. ولو عُدِم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار، بل يكون جائزا هو والإظهار. ومن المضمر عامله وجوبا المصدر المؤكد مضمون الجملة، فإن كان لا يتطرق إليها احتمال يزول بالمصدر سُمّي مؤكدا لنفسه، لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وكأن الجملة نفسه، وهو كقولك: له عليّ دينارٌ اعترافا. فإن كان مفهوم الجملة يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصا سُمّي مؤكدا لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة فهو غيرها لفظا ومعنى، وذلك كقولك: هو ابني حقا. ولا يجوز تقديمهما على الجملة لأن مضمونهما يدل على العامل فيهما، ولا يتأتى ذلك إلا بعد تمام الجملة. وأما قوهم أجدَّك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين: أحدهما أن تكون "لا تفعل" في موضع الحال. والثاني أن تكون صلة أجدك أن لا تفعل ثم حذفت أن وبطل عملها. وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم ولذلك قُدّم. ومن الملتزم إضمار ناصبه المصدر المشبه به بعد جملة مشتملة على معناه وعلى ما هو فاعل في المعنى، ولا بد من دلالته على الحدوث فمن ذلك قولهم: "له دقٌّ دَقَّكَ بالمِنْحازِ حَبَّ القِلْقِلِ" وله صوت صوت حمار. ومنه قول الشاعر

стр. 586

يصف طعنة: لها بعدَ إسنادِ الكليم وهَدْئه ... ورَنّة مَن يبكي إذا كان باكيا هديرٌ هديرَ الثَّور يَنفُض رأسَه ... يَذُبُّ برَوقَيْهِ الكلابَ الضواريا فلو لم يكن بعد جملة لم يجز النصب كقولك: دَقُّه دَقُّك بالمنحاز، وصوتُه صوتُ حمار، وهديرُها هديرُ الثور. فلو كان بعد جملة تضمنت الحدث دون معنى الفاعل لم يجز النصب، إلا على ضعف كقولك فيها صوتٌ صوت حمار، فتجعل صوت حمار بدلا؛ لأنه إنما استجيز في له صَوتٌ صوتَ حمارٍ، لأن له صوت بمنزلة هو يصوّت، لاشتماله على صاحب الصوت، فجاز أن يجعل بدلا من اللَّفظ بيصوّت مسندا إلى ضمير بخلاف فيها صوت فإنه لم يتضمن إلا الصوت فلم يَحسن أنْ يُجعل بدلا من اللفظ بيصوّت. ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف، لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى، فكونه جملة متضمنة للصوت كاف، فإنك إذا قلت فيها صوت ع لم أن فيها مصوتا، لاستحالة صوت بلا مصوّت. ولو كان المصدر غير دال على حدوث لم يجز النصْب كقولك له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء، لأن نصب صوته وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسندا إلى فاعل، فقولك مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك مررت به وهو يصوّت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه. وإذا قلت مررت بزيد وله ذكاء فلست تريد (أنك مررت به) وهو يفعل، لكنك أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة مررت به وله يدٌ يدُ أسدٍ فكما يلا ينتصب يد أسد لا ينتصب ما هو بمنزلته. فإن عبرت بالذكاء عن عمل دل على الذكاء جاز النصب.

стр. 587

وإن وقع موقع المصدر المشار إليه صفة ضعف النصب ورجح الإتباع كقولك له صوت أيُّ صوت، ولو نصب لجاز على تقدير يصوت أيَّ تصويت. ومنه قول رؤبة بن العجاج: قولك أقوالا مع التِّحْلافِ ... فيه ازدهافٌ أيَّما ازدهاف ولا يغني المصدر الذي تضمنته الجملة عن إضمار فعل لعدم صلاحيته للعمل، فإن شرط عمل المصدر إذا لم يكن بدلا من اللفظ بالفعل صلاحية تقديره بحرف مصدري وفعل، والمصدر المشار إليه بخلاف ذلك، فلو تضمنت الجملة ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل لكان هو العامل نحو هو مصوّت تصويت حمارٍ. ومن هذا ونحوه احترزت بقولي: "دون لفظ ولا صلاحية للعمل فيه". ويلحق بله صوت صوت حمار قول أبي كبير الهذلي: ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلّا منكِبٌ ... منه وحرفُ الساقِ طَيَّ المِحْمَلِ ولذلك قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: صار ما إن يمس الأرض بمنزلة له طيّ. ويجوز في نحو إنما أنت سيرا الرفع، على أن تجعل المعنى خبرا عن اسم العين مبالغة، ومنه قول الخنساء: تَرْتَعُ ما غفَلتْ حتّى إذا ادَّكَرتْ ... فإنما هي إقبالٌ وإدْبارُ وكذلك يجوز في نحو له عليّ دينار اعترافا رفع اعتراف على تقدير: هذا الكلام اعتراف. وإذا استوفيت شروط نصب المشبه به فرفعه على الإتباع جائز، وكذا نصبه على الحال، والعامل بيديه أو نحوه. ومثال رفع المفيد طلبا قول حسان رضي

стр. 588

الله عنه: أهاجَيْتُمْ حسّان عند ذكائِه ... فغيٌّ لأولاد الحِماسِ طويلُ ومثله: يشكو إليَّ جَمَلي طولَ السُّرى ... صبرٌ جميلٌ فكِلانا مُبتلى قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: والنصب أجود وأكثر لأنه يأمره. ومثال رفع المفيد إنشاء قول الشاعر: عَجَبٌ لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضِيَّة أعْجَبُ ومثال المفيد خبرا غير إنشائي قول الشاعر يصف أسدا: أقام وأقْوى ذات يوم وخَيْبةٌ ... لأوَّلِ مَن يلقى وشَرُّ مُيَسَّرُ ص: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه صفاته كعائذا بك وهنيئا لك، وأقائما وقعد الناس، وأقاعدا وقد سار الركب، وأقائما علم الله وقد قعد الناس، وأسماء أعيان كتُربا وجندلا، و"فاها لفيك" و"أأعْور وذا ناب" والأصح كون الأسماء مفعُولات، والصفات أحوالا. ش: الأصل في الدعاء والإنشاء والتوبيخ والاستفهام أن يكون بالفعل، وكثرت نيابة المصدر عنه في ذلك، لقوة دلالته عليه نحو مَعاذَ الله وغُفْرانَه و.

стр. 589

أذُلّا إذا شَبّ العدَى نارَ حَرْبهم وقُعودا يعلم اللهُ وقد سار الركبُ. وقد يقوم مقام المصادر صفات مقصود بها الحالية على سبيل التوكيد نحو عائذا بالله من شرها، وهنيئا لك، وأقاعدا وقد سار الركبُ، وقائما علم الله وقد قعد الناس، فوقعت الصفات في مواقع المصادر لتضمنها إياها، وجعلت أحوالا مؤكدة لعواملها المقدرة واستغنى بها عن المؤكد، كما استغنى عن المصادر، ولا يستبعد كون الحال مؤكدة لعاملها مع كونه من لفظها، فإن ذلك واقع في أفصح الكلام، كقوله تعالى: (وأرسلناك للناس رسولا) وقوله تعالى: (وسَخَّرَ لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ والنجومُ مسخَّراتٌ بأمره). ومن نيابة الحال عن المصدر في الإنشاء قول عبدا لله بن الحارث السهمي من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ألحَقْ غذابَكَ بالقومِ الذين طَغَوا ... وعائِذا بك أن يَعْلُو فيُطْغُوني أراد وأعوذ عائذا بك، فحذف الفعل وأقام الحال، كما كان يفعل بالمصدر لو قال عياذا بك. ومن نيابتها في التوبيخ قول الآخر: أراكَ جمعْتَ مسألةً وحِرْصا ... وعندَ الحقِّ زَحّارا أُنانا الأُنان: الأنين. والعامل فيه زحارا لأن زحَر قريب المعنى من أنَّ. ومن نيابتها في الاستفهام قول الذبياني: أتارِكةً تَدَلُّلَها قَطامِ ... وضَنّا بالتحيّة والكَلامِ فهذا كقولك أقائما زيد وقد قعد الناس.

стр. 590

وقد حمل المبرد عائذا بك وأقاعدا وقد سار الركب ونحوهما على أنها مصادر جاءت على وزن فاعل كقولهم فُلِج فالِجا. وما ذهب إليه غير صحيح، لأنه يوافقنا على أن عائذا وقاعدا ونحوه لا يدل على المصدرية في غير الأمكنة التي ادّعى فيها المصدرية، فدلالتها عليها في هذه الأمكنة اشتراك ومخالفة للاستعمال المجمع عليه فلا يقبل مجرد الدعوى. ولو سلّم الاشتراك لكانت المصدرية مرجوحة في الصفات المشار إليها، لأن استعمالها في غير المصدرية أكثر من استعمالها في المصدرية عند مَن يرى صلاحيتها، فكان الحكم بعدم مصدريتها أولى. ومما يدل على أن عائذا وقاعدا ونحوهما ليست بمصادر في الأمكنة المذكورة امتناع مجيئها في الأمكنة المتمحضة للمصدرية نحو قعدت قعودا طويلا، وقعدت قعودَ خاشع، والقعود المعروف، فلو جعلت قاعدا في أحد هذه الأمكنة لم يجز، فدل ذلك على انتفاء مصدريته وثبوت حاليته، ولذلك لا يجيء هذا النوع إلا نكرة، ولو كان مصدرا لجاز وقوعه معرفة كما جاز تعريف المصدر. قال سيبويه: "ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك قول: الحمدَ لله، فينصبها عامة بني تميم وناس من العرب كثير. وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون: العَجَب لك". قلت فعلى هذا لو قيل العياذَ بك موضع عياذا بك لجاز، ولو عرّف عائذ من قولهم: عائذا بك [لم يجز]، فدل ذلك على أنه حال لا مصدر. وفي بعض ما ذكرته كفاية والحمد لله تعالى. وكلا التقديرين قول سيبويه. ومثله قولهم: "فاها لفيك" والضمير ضمير الداهية. ومثله قول الشاعر: تحَسَّبَ هَوّاسٌ وأقبلَ أنني ... بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أغامِرُه

стр. 591

فقلتُ له "فاها لفيك" فإنها ... قَلُوصُ امرئ قاريكَ ما أنت حاذِرُهْ ومن حكم على هذه الأسماء بالمصدرية فليس بمصيب ولو نال من الشهرة أوفر نصيب. لكن الموضع بالأصالة للفعل ثم للمصدر ثم للحال ثم للمفعول به، فمن قال تُرْبا لك وجَنْدَلا فكأنه قال ترِبت وجُنْدلتَ، ومن قال فاها لفيك فكأنه قال دُهيت، فلو رُوعي في النيابة الدرجة الأولى لقيل تُربا لك، وجَنْدلةً ودهيا. ولو رُوعيت الدرجة الثانية لقيل متروبا ومجندلا ومدّهيا، لكنهم راعوا الدرجة الثالثة فجيء بأسماء الأعيان. ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: يا بني أسد "أعْوَرَ وذانابٍ". يريد أتَستقبلون أعْورَ وذاناب. وذلك في يوم التقى أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيرا أعور فتطيّر وقال لقومه هذا الكلام، فقَضى أن قومه هُزموا وقُتِل منهم.

стр. 592

باب المفعول له ص: وهو المصدر المعلَّل به حدث شاركه في الوقت والفاعل تحقيقا أو تقديرا، وينصبه مفهم الحدث ظاهرا أو مقدرا نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جرّ، لا نصبَ نوع المصدر خلافا للزجاج. وإن تغاير الوقت أو الفاعل أو عدمت المصدرية جُرَّ باللام أو ما في معناها. وجرُّ المستوفِي لشروط النصب مقرونا بألْ أكثر من نصْبه، والمجرّد بالعكس، ويستوي الأمران في المضاف. ومنهم مَن لا يشترط اتحاد الفاعل. ش: المفعول له هو ما دلّ على مراد الفاعل من الفعل كدلالة التأديب من قولك ضربته تأديبا. فإن لم يكن مصدرا ولا أنْ وأنَّ ظاهرة فلا بد من لام الجر أو ما في معناها نحو (خلق لكم ما في الأرض جميعا) و (أنزلنا إليك الذكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم)، وكذا إن كان مصدرا ووقته غير وقت المعلّل به كقول امرئ القيس: فجئتُ وقد نَضَّتْ لِنوم ثيابَها ... لدى الستر إلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ وكذا إن كان مصدرا وفاعله غير فاعل المعلَّل به كقول الشاعر: وإني لَتَعْوني لذِكراكِ هزَّةٌ ... كما انْتفض العصفورُ بَلّلهُ القَطْرُ فلو كان الفاعل واحدا ولم يذكر لكان الحكم مثل ما هو مع وحدته إذا ذكر، وذلك نحو: ضُرب الصبيُّ تأديبا. وكذا لو كان الفاعل غير واحد في اللفظ وواحدا

стр. 593

في التقدير كقول النابغة: وحَلّتْ بُيوتي في يَفاع ممنَّعٍ ... يُخالُ به راعي الحمولة طائرا حِذارا على ألّا تنال مَقادتي ... ولا نِسْوتي حتّى يَمُتْنَ حرائرا فإن فاعل حلّت في الظاهر غير فاعل حذارا وهو في التقدير واحد، لأن المعنى وأحْلَلتُ بيوتي حذارا. وكذا قوله تعالى (يُريكم البرقَ خوفا وطمعا) لأن معنى يُريكم يجعلكم تَرون، ففاعل الرؤية فاعل الخوف والطمع في التقدير، فلا يلزم جعل خوفا وطمعا حالين كما زعم الزمخشري، ولا كون التقدير يريكم البرق إراءة خوف وطمع. وقد يكون عامل المفعول محذوفا، ومنه حديث محمود بن لبيد الأشهلي "قالوا ما جاء بك يا عمرو؟ أحَرْبا على قومك أم رغبةً في الإسلام" أي جئت حربا أو رغبة. وأجاز ابن خروف حذف الجار مع عدم اتحاد الفاعل من كل وجه نحو جئتك حذر زيد الشرّ، وزعم أنه لم ينصّ على منعه أحد من المتقدمين، قال ومن حجة مَن أجازه شبهه في عدم اتخاذ الفاعل بقولهم ضربته ضربَ الأمير اللصّ، فكما نصب الفعل في هذا المصدر وفاعلهما غيران، إذ لا محذور في ذلك من لَبْس ولا غيره. وظاهر كلام سيبويه يشعر بالجواز، لأنه قال بعد أمثلة المفعول له: فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له، كأنه قيل له: لمَ فعلتَ كذا؟ فقال: لكذا، ولكنه لمّا طرح اللام عمل فيه ما قبله كما عمل في "دَأبَ بكارٍ" ما قبله حين طرح "مثل". يشير إلى قول الراجز: إذا رأتني سَقطت أبصارُها ... دأبَ بِكارٍ شايحتْ بكارُها

стр. 594

فشبّه انتصاب المفعول له بانتصاب المصدر المشبّه به، وفاعل المشبّه به غير فاعل ناصبه، فكذلك لا يمتنع أن يكون فاعل المفعول له غير فاعل ناصبه. وهذا بيّن والله أعلم. وأجاز ابن خروف في قول الشاعر: مَدَّتْ عليك المُلكَ أطنابَها ... كأسٌ رَنَوْناةٌ وطِرْفٌ طِمِرَّ على أن يكون نصب الملك على أنه مفعول له وأطنابها على أن يكون مفعولا به. والمعنى أن هذا المخاطب تكون همته مقصورة على الأكل والشرب وشبههما. ورجح هذا الوجه على وجه غيره، وهو أن يكون الملك مفعولا به وأطنابها بدل والضمير عائد على الملك بتأويل الخلافة. وزعم الزجاج أن المفعول له منصوب نصب نوع المصدر، ولو كان كذلك لم يجز دخول لام الجر عليه كما لا يدخل على الأنواع نحو سار الجمَزَى وعَدا البشَكَى، ولأن نوع المصدر يصح أن يضاف إليه كل ويخبر عنه بما هو نوع له كقولك كل جَمزَى سَيْرٌ، ولو فعل ذلك بالتأديب والضرب من قولك ضربته تأديبا لم يصح، فثبت بذلك فساد مذهب الزجاج. وانجرار المستوفي لشروط النصب جائز مختصا كان بالألف واللام كقول الراجز: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيْجاءِ ... ولو توالتْ زُمَرُ الأعداءِ أو مضافا كقول حاتم: وأغْفِرُ عَوْراءَ الكريم ادّخاره ? أو غير مختص كقوله أعني حاتما: وأُعرِضُ عن شَتْم اللئيم تكرُّما إلا أن انجرار المختص بالألف واللام أكثر من نصبه، ونصب غير المختص أكثر من انجراره، ويستوي الأمران في المختص بالإضافة.

стр. 595

وزعم الجزولي أنه لا يكون المنجرّ إلا مختصّا، يعني أنه لا يقال جئته لإعظام لك. قال أبو علي الشلوبين: وهذا غير صحيح، بل هو جائز لأنه لا مانع يمنع منه ولا أعرف له سلفا في هذا القول. قلت ويمكن أن يكون القسط في قوله تعالى: (ونَضَعُ الموازينَ القِسْطَ) مفعولا له لأنه مستوفٍ للشروط. والجر في هذا الباب إما باللام وهو الكثير، وإما بمن كقوله تعالى: (خاشِعا متصدِّعا من خشية الله) وإما بالباء كقوله (فبِظُلم من الذين هادوا حَرّمنا)، وبفي كقوله ﷺ "إنَّ امرأةً دخلتْ النارَ في هِرَّة" أي من أجل هرَّة.

стр. 596

باب المفعول المسمَّى ظرفا ومفعولا فيه ص: هو ما ضُمّن من اسم وقت أو مكان معنى في باطّراد، لواقع فيه مذكور أو مقدّر ناصب له. ومبهم الزمان ومختصه لذلك صالح. فإن جاز أن يخبر عنه أو يجرّ بغير من فمتصرّف، وإلا فغير متصرّف. وكلاهما منصرف وغير منصرف، فالمتصرّف المنصرف كحين ووقت، والذي لا يتصرف ولا ينصرف ما عُيّن من سَحَر مجرد. والذي يتصرّف ولا ينصرف كغُدوة وبُكْرة عَلَمين. والذي ينصرف ولا يتصرف بُعَيْداتِ بين، وما عُيِّن من ضحى وضحوة وبكرة وسُحير وصباح ومساء ونهار وليل وعَتمة وعِشاء وعُشيّة. وربما مُنِعت الصرف والتصرّف. وألحق بالممنوع التصرف ما لم يضف من مركب الأحيان كصباحَ مساءَ ويومَ يومَ. وألحق غير خَثْعَم ذا وذات مضافين إلى زمان. واستقبح الجميع التصرّف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف. ش: ما ضُمّن معنى في يتناول الحال والظرف ونحو السهل والجبل من قول العرب: مطرنا السهل والجبل. فخرج الحال بقولي "من اسم وقت أو مكان" وخرج السهل والجبل ونحوهما بقولي "باطراد" فإنه لا يقاس عليهما؛ إذ لا يقال مطرنا القيعان والتلول، ولا أخصبنا السهل والجبل بل يقتصر على ما سمع ولا يزاد عليه إلا ما عُضد بسماع ممن يوثق به، بخلاف المنصوب على الظرفية نحو جلست أمامَك فإنه مطرد، لجواز أن يخلف فيه الفعل والاسم غيرهما، ويتناول أيضا قولي "ما ضمن في" ما نصب بدخل من مكان مختص، وخرج بذكر الاطراد، فإن المطرد لا يختص بعامل دون عامل، ولا باستعمال دون استعمال، فلو نصب المكان المختص بدخل على الظرفية لم ينفرد به دخل. بل كان يقال مكثت البيت كما يقال دخلت البيت، وكان يقال زيد البيت فينصَب بمقدر كما يفعل بما تحققت ظرفيته، لأن كل ما ينتصب على الظرفية بعامل ظاهر يجوز وقوعه خبرا فينتصب

стр. 597

بعامل مقدر. ولذا قال سيبويه بعد أن مثّل بقُلب زيد الظهر والبطن ودخلت البيت: "وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف، لأنك لو قلت هو ظهره وبطنه وأنت تريد شيئا على ظهره وبطنه لم يجز" هذا نصّه. وقد غفل عن الموضع الشلوبين فجعل أن نصب المكان المختص بدخل عند سيبويه على الظرفية. وهذا عجب من الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب وتبيين بعضها من بعض. ونبهت بقولي "لواقع فيه ناصب له مذكور أو مقدر" أن الظرف منصوب بما دل على المعنى الواقع فيه وأن الدال على الواقع فيه قد يكون مقدران فالمذكور ظاهر، والمقدر كالعامل فيما وقع خبرا كزيد عندك. ومبهم الزمان ومختصه صالحان للنصب على الظرفية، فمبهمه نحو صمت يوما، ومختصه نحو صمت الجمعة. وظرف الزمان ينقسم إلى متصرف وغير متصرف، فالمتصرف ما يجوز أن يخبر عنه أو يجرّ بغير "من". وغير المتصرف ما لا يعامل بذلك، فالإخبار عنه نحو العام سعيد، واليوم مبارك. والجر بغير من نحو: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) ونحو: (عن اليمين وعن الشمال قَعيدٌ) ونحو: "وعلى يمينه أسْوِدة وعلى يساره أسْودة". وبدخول إلى على متى يعلم أنها ظرف متصرف. فلذلك أجاز سيبويه أن يقال يومُ كذا بالرفع لمن قال متى سير عليه على تقدير أيُّ الأحيان سير عليه برفع أي. وقال سيبويه "والرفع في جميع هذا عربي كثير في لغات جميع العرب يكون على كم غير ظرف وعلى متى غير ظرف". هذا نصه.

стр. 598

ولا يحكم بتصرف ما جر بمن وحدها كعند وقبل وبعد، لأن من كثرت زيادتها فلم يُعتدّ بدخولها على الظرف الذي لا يتصرف بخلاف غيرها كمذ وحتّى وفي وإلى وعن وعلى. فلما بيّنت أن بعض الظروف متصرف وبعضها غير متصرف قلت "وكلاهما منصرف وغير منصرف" أي المتصرّف على ضربين: منصرف وغير منصرف، وغير المتصرّف كذلك، فالأقسام إذن أربعة. فالمتصرف المنصرف كثير، لأنه على الأصل، وذلك كساعة وشهر وعام ودهر وحين وحينئذ ويومئذ، يقال سير عليه حينئذ ويومئذ، حكاهما سيبويه. والذي لا يتصرف ولا ينصرف "سحر" إذا جُرّد من الإضافة والألف واللام وقصد به معيَّن من ليلة معيّنة كقولك لأستغفرنّ هذه الليلة سحر. وكذا إن قصدا لتعيين ولم يذكر الليلة. والذي يتصرف ولا ينصرف غُدْوة وبُكرة علمين قصد بهما التعيين أو لم يقصد، لأن علميتهما جنسية فيستعملان استعمال أسامة وذُؤالة، فكما يقال عند قصد التعميم أسامة شر السباع، وعند التعيين هذا أسامة فاحذره تقول قاصدا التعميم غُدوة وقت نشاط، وقاصدا التعيين لا أشرب الليلة إلى غُدوة. وبُكرة في ذلك كغُدوة. وقد يخلوان من العلمية فينصرفان ويتصرفان، ومنه قوله تعالى: (ولهم رزْقُهم بُكرةً وعَشيَّا). والذي ينصرف ولا يتصرف ما عينَ من سحر وبكرة وضحى وضحوة وصباح ومُسْي وليل ونهار وعَتمة وعشاء وعشيّة. وربما منعت عشية في التعيين الصرف والتصرف فساوت سحر. ذكر ذلك كله سيبويه في الباب المترجم بهذا ما يكون فيه المصدر حينا. وقال بعد أن ذكر ليلا ونهارا: إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك تريد بليل ليلتك ظلامها وبنهار نهارك ضوءه. وكذلك قال في تفسير تعيين البواقي: إذا أردت سحر ليلتك وضحى يومك وصباحه ومساءه وعشاءه وبكرة يومك وضحوته وعتمة ليلتك. وذكر ما لا يتصرف بُعَيدات بين أي أوقاتا غير متصلة.

стр. 599

ومن الظروف التي لا تتصرف ما ركب نحو خمسة عشر كقولك فلان يتعهّدنا يومَ يومَ وصباحَ مساءَ أي كل يوم وكل صباح ومساء، فمثل هذا لا يستعمل إلا ظرفا. ومنه قول الشاعر: ومَن لا يَصْرِف الواشينَ عنه ... صباحَ مساءَ يضنوه خبالا ومثله قول الآخر: آت الرزقُ يومَ يومَ فأجْملْ ... طَلَبا وابْغِ للقيامة زادا فلو أضيف صدره إلى عجزه جاز استعماله ظرفا وغير ظَرف فمثال استعماله ظَرفا قول الشاعر: ما بالُ جهلِك بعد الحِلْم والدّين ... وقد علاك مَشيبٌ حينَ لا حينِ أنشده سيبويه وقال: إنما هو حينَ حين، "ولا بمنزلة" "ما" إذا ألغيتَ. ومثال استعماله غير ظرف قول الآخر أنشده سيبويه أيضا: ولولا يومُ يومٍ ما أرَدْنا ... جَزاءكَ والقُروضُ لها جزاءُ واعلم أنّ من الظروف التي لا تتصرف ذُو وذات مضافين إلى وقت كقولهم لقيته ذا صباح وذات مرّة وذات مرّة وذات يوم أو ليلة. وهذا النوع عند غير "خَثْعَم" لا يستعمل إلا ظرفا، وقد يستعمل عند خثعم غير ظرف كقول بعضهم: عَزَمتُ على إقامةِ ذي صباح ... لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَن يَسُودُ

стр. 600

فلو قيل على هذه اللغة: سرى عليها ذاتُ ليلة، بالرفع لجاز، ولا يقال على لغة غيرهم من العرب إلا سرى عليها ذاتَ ليلة، بالنصب. ويقبح عند جميع العرب ترك الظرفية في صفة "حين" حين حذف وأقيمت مقامه نحو سير قديما وحديثا، فلو قلت سير عليه قديمٌ أو حديثٌ لم يختلف في قبحه. فلو كان قيام الصفة مقام الموصوف غير عارض كقريب حسن ترك الظرفية. وكذا لو وصفت الصفة كقولك سير عليه قديمٌ أو حديثٌ لم يختلف في قبحه. فلو كان قيام الصفة مقام الموصوف غير عارض كقريب حسن ترك الظرفية. وكذا لو وصفت الصفة كقولك سير عليه طويل من الدهر، لأن وصفها يعطيها شبها بالاسم الجامد، كما أن كثرة جريانها مجرى الأسماء الجامدة تلحقها بها فلك أن تقول في سير عليه طويلا من الدهر وفي مرّ به قريبا: سير عليه طويل من الدهر ومرّ به قريب، فإن قريبا من الصفات التي كثر جريانها مجرى الأسماء، قال سيبويه بعد أن مثّل بسير عليه طويلا وحديثا وكثيرا وقليلا: ولم يجز الرفع لأن الصفة لا تقع موقع الاسم. ثم قال: وقد يحسن أن يقال سير عليه قريب، لأنك تقول لقيته مذ قريب، وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الاسم فإذا كان كذلك حسن. ثم قال: فإن قلت سير عليه طويل من الدهر كان أحسن. وإنما حسن بالوصف لأنه ضارع الأسماء، لأن الموصوفة في الأصل هي الأسماء. هذا نصه. وإلى هذا أشرت بقولي "واستقبح الجميع التصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف" فعلم عدم القبح في تصرّف قريب من المثال المذكور، لأن إقامته مقام الموصوف غير عارضة بخلاف طويل وشديد ونحوهما، وعلم عدم القبح في تصرف ما وصف نحو سير عليه طويل من الدهر، لأن وصفه بالجار والمجرور أعطاه شبها بالأسماء المحضة كما تقدم. ص: ومظروف ما يصلح جوابا لكم واقع في جميعه تعميما أو تقسيطا، وكذا
следующие страницы →