Полный текст (1 399 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حِسّا أو معنى، وقد اجتمع الحضور الحسّي والمعنوي في قوله تعالى: (قال الذي عندَه علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبلَ أنْ يَرتدَّ إليكَ طَرْفُكَ * فلمّا رآه مُسْتقرّا عنده قال هذا من فضل ربّي). ومثال القرب الحسّيّ "ولقد رآه نزلةً أخرى عند سِدْرة المنتهى عندها جَنَّةُ المأوى". ومثال القرب المعنوي: (وإنَّهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) و (رَبّ ابن لي عندك بيتا في الجنّة) ومن القرب المعنوي قول الرجل عندي مائة، يريد أنه مالكها وإن كان موضعها بعيدا ومنه قوله تعالى: (ما عندَكم ينفَدُ). وقد يكون مظروفها معنى فيراد بها الزمان كقوله ﷺ : "إنما الصبر عند الصَّدمةِ الأولى" وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها، ومنهم مَن يضمّها.
ويُرادِفُها "لدَى" في قول سيبويه، وهو الصحيح لا قول مَن زعم أنها بمعنى لَدن لأن لدُنْ مخصوصة بما هو مبتدأ غاية، بخلاف لدى فإنها يراد بها ما يراد بعند كقوله تعالى: (وما كنتَ لديهم إذ يُلْقون أقلامهم أيُّهم
стр. 632
يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) فهذا موضع صالح لعند وللدى وغير صالح للدن. ولدُنْ لا تَصلح من مواضعها إلا فيما هو مبتدأ غاية. ولذلك اجتمعت عند ولدُن في قوله تعالى: (آتيناهُ رحمة من عندنا وعلَّمناه من لدُنّا عِلْما).
وبنيت "لدُن" (في أكثر اللغات) لشبهها بالحروف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها وعنها بخلاف عند ولدى، فإنهما لا يلزمان استعمالا واحدا، فإنهما يكونان لابتداء الغاية ولغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة، فاستعمالهما فضلة كثير، واستعمالهما عُمْدة كقوله تعالى (وعنده مفاتِحُ الغيب) و (عنده علم الساعة) و (ولدينا كتابٌ ينطِقُ بالحقِّ) و (ولدَيْنا مزيدٌ).
ولكون موضع لدُن صالحا لعِنْد شبّهتها قيسُ بها فأعربتها، وبلغتهم قراءة أبي بكر عن عاصم: "ليُنْذرَ بأسا شديدا من لدُنْه" إلا أنه سكَّن النون
стр. 633
وأشمّها ضما "من لدُنِه" ويقال في النصب على هذه اللغة "لَدْنَه ولَدُنَهْ، ويمكن أن يكون من هذه اللغة قول الراجز:
تنتهضُ الرِعدةُ في ظُهَيْرى ... من لدُنِ الظُهْرِ إلى العصَيْر
قال أبو الفتح ابن جني: استعمال لدن دون "من" قليل. قلت: ولذلك لم تَخْلُ في القرآن من "مِن" وإلى ذلك أشرت بقولي "وقلّما تَعْدم مِن".
وفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال أو فتحها أو كسرها. وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها. وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام.
قال سيبويه: "وأما لدُ فهي لدُنْ محذوفة النون كما حذفوا من يكن، ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته إلى أصله، تقول مِن لدُنه ومن لدُني. وإلى هذا أشرت بقولي "وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر". ثم بينت أنها تلازم الإضافة فتجر ما يليها لفظا إن كان مفردا أو تقديرا إن كان جملة كقول الشاعر:
صَرِيعُ غَوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَه ... لَدُنْ شَبَّ حتى شابَ سُودُ الذوائب
стр. 634
وإن كان ما وليها غُدْوة جاز الجر على القياس، والنصب على التمييز، أو على إضمار كان مضمَرا فيها اسمها كما قال سيبويه في قول الراجز:
من لدُ شَوْلًا فإلى إتْلائِها
وحكى الكوفيون رفع غدوة على تقدير لدن كان غدوة، وكل ذلك منبّه عليه. ومثال نصب "غُدْوة" قول الشاعر:
وما زالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الكلب منهم ... لدُنْ غُدوةً حتى دَنتْ لغُروب
ثم بيّنت أن "لدى" لا ترادفَها، بل ترادف عند، صرّح بذلك سيبويه. ثم بيّنت أن ألفَ لدى تقلب ياء مع المضمر وتسلم مع الظاهر كما يفعل بألف إلى وعلى، وقرنت بذلك "غالبا" ليعلم أن بعض العرب يستغني عن هذا القَلْب مع المضمر كما يستغني عنه الجميع مع الظاهر، ومن ذلك قول الشاعر:
إلاكُم يا خُناعَةُ لا إلانا ... عَزا الناسُ الضراعةَ والهوانا
فلو بَرّتْ عقولُكم نُصِرْتم ... فإن دواءَ دائكم لدَانا
وذلكم إذا واثقتمونا ... على قصْر اعتمادكم عَلانا
أراد إليكم لا إلينا، ولدينا وعلينا.
ومن الظروف العادمة التصرف "مَعَ" وهي اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب. ويدل على اسميته دخول مِن عليه في
стр. 635
قولهم ذهب من معه، حكاه سيبويه، ومنه قراءة بعض القراء (هذا ذِكْرٌ من معي وذكرٌ مِن قبلي). وكان حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص، إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود. والمراد بالجمود المحض ملازمة وجه واحد من الاستعمال، إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته عند في وقوعه خبرا وصفة وحالا وصلة، ودالّا على حضور وعلى قرب، فالحضور كـ "نجِني ومَن مَعِيَ" والقرب (فإن مع العُسْرِ يُسْرا) وكقول الراجز: إنَّ مع اليومِ أخاهُ غَدْوا
وهو فائقه بتمام الوضع، فقد فاق هو بوجه من التمكن وهو الإفراد وتضمن معنى جميع في نحو. جاء الزيدان معًا، ورأيتُ العُمَرين معا، واختلف في فتحة العين من "معًا" قيل هي فتحة إعراب كفتحة دال رأيت يدًا، فيكون الاسم ثنائي اللفظ في حالي الإضافة والإفراد (أم) كفتحة تاء فتى، فيكون الاسم قد جبر ونقص حين أفرد، فالأول مذهب سيبويه والخليل، والثاني مذهب يونس والأخفش، وهو الصحيح، لأنهم يقولون الزيدان معا والعمرون معا فيوقعون "معًا" في موقع رفع كما ترفع الأسماء المقصورة، كقولهم فتى وهم عِدًى، ولو كان باقيا
стр. 636
على النقص لقيل الزيدان مع، كما قال هم يدٌ واحدة على مَن سواهم، وهم جميع.
ومن شواهد وقوع معا في موضع رفع قول الشاعر:
أفيقُوا بني حَرْبٍ وأهواؤنا معًا ... وأرحامُنا موصولةٌ لم تُقَضَّبِ
ومثله قول الآخر:
حننْت إلى رَيّا ونفسُكَ باعدتْ ... مَزارك من رَيّا وشَعْباكما معا
وإلى نحو هذين البيتين أشرت بقولي "وغير حاليتها حينئذ قليل"، وانتُصر للمذهب الأول بأن قيل لا نُسلّم بأن معًا في البيتين في موضع رفع، بل هو منصوب على الحال بعامل محذوف هو الخبر، والتقدير وأهواؤنا كائنة معا، وشعباكما كائنان معا. وهذا التقدير باطل بالإجماع على بطلان نظيره وهو أن يقال زيد قائما، على تقدير زيد كائن قائما. وانتُصر له أيضا بأن قيل القول بلزوم النقص هو الصحيح لأنه مسلتزم لموافقة النظائر. فإن حاصله حكم بنقصان اسم في الإفراد كما هو في الإضافة ونظائر ذلك موجودة كيد ودم وغد. والقول بكون "معا" مقصورا في الإفراد ثنائيًا في الإضافة مستلزم لما لا نظيرَ له، فلا يُصار إليه، فإن الثنائي المعرب إما منقوص في الإفراد والإضافة كيد، وإما متمّم في الإضافة وحدها كأب، فإن حُكم بأن "معا" مقصور في الإفراد منقوص في الإضافة لزم عدم النظير وثبوت ما هو بالنفي جدير.
والجواب أن يقال: مقتضى الدليل كون الإفراد مظنة جبر ما غيّر من الثنائيّات في إحدى حالتيه، لأن ثاني جزءَي ذي الإضافة متمّم لأولهما، ولذلك عاقب التنوين ونوني التثنية والجمع، بخلاف المنقوص المفرد فلا متمم له إلّا ما يُجبر به من ردّ ما كان محذوفا، فإذا جعلناه منقوصا في الإضافة مقصورا في الإفراد فعلنا بمقتضى
стр. 637
الدليل وسلكنا سواء السبيل، بخلاف باب أب فإن فيه شذوذا، ولذلك لم تجر العرب فيه إلا على سَنَن واحد، فمنهم مَن يُلزمه الجبر ويلحقه بباب عصا، ومنهم مَن يُلزمه النقص ويلحقه بباب يد، وأيضا ففي الحكم بأن معا غير ملازم النقص بيان لاستحقاق الإعراب إذ لا يكون بذلك موضوعا موضع الحروف الثنائية، بخلاف الحكم عليه بالنقص في حالتي إفراده وإضافته فإنه يلزم منه استحقاق البناء كسائر الأسماء الثنائية دائما دون جابر.
ومع ذلك قد ألغت "ربيعةُ" جبره في الإفراد لأنه جَبْر لمْ يتمحَض، ولذلك لم يُتّفَقْ على الاعتراف به بخلاف جبر باب يد، فيقال على اللغة الربعية ذهبت مع أخيك ومع ابنك بالسكون قبل حركة وبالكسر قبل سكون. وبعضهم يفتح قبل السكون، هكذا روى الكسائيُّ عن ربيعة، ولولا الكسر قبل السكون لأمكن أن يقال إن السكون سكون تخفيف لا سكون بناء. ومن الوارد بالسكون قول الشاعر:
فَرِيشى منكمُ وهوايَ مَعْكم ... وإنْ كانتْ زيارتَكم لِماما
وقد خفى على سيبويه أن السكون لغة لأنه قال: وسألت الخليل ? ﵀ ? عن معكم لأيّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استعملت غير مضافة اسما كجميع ووقعت نكرة كقولك جاءا معا وذهبا معا وقد ذهبا معه، ومن معه، صارت ظرفا فجعلوها بمنزلة أمام وقدّام، قال الشاعر فجعلها كهلْ حين اضطر وأنشد لأعرابي: "ريشى منكم البيت". فذكر سبب إعرابها وتضمن كلامه أنها اسم على كل حال، وأن نقصها لم يزل بالإفراد ولذلك بيّن من كلامه الذي ذكرته.
وزعم قوم أن الساكن العين حرف، وليس بصحيح، لأن المعنى مع الحركة والسكون واحد فلا سبيل إلى الحرفية. وزعم النحاس أن النحويين مجمعون على
стр. 638
أن الساكن العين حرف. وهذا منه عجب، لأنَّ كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كل حال، وأن الشاعر إنما سكّنها اضطرارا.
ومن الظروف العادمة التصرف "بَيْنَ بَيْنَ" كقول الشاعر:
نَحْمي حقيقتَنا وبَعْـ ... ـضُ القوم يَسْقُط بين بَيْنا
والأصل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأزيلت الإضافة ورُكّب الاسمان تركيب خمسةَ عشرَ، فلو أُضيف الصدرُ إلى العجُز جاز بقاء الظرفية وزوالها، فبقاؤها كقولك: من أحكام الهمزة التسهيل بينَ بينَ، وزوالها كقولك: بَيْنَ بَيْنَ أقيس من الإبدال. فإن أضيف إليهما تعين زوال الظرفية ولذلك خطأ ابنُ جنّي مضن قال همزةُ بينَ بينَ بالفتح، وقال: الصواب أن يقال همزة بين بينٍ بالإضافة. والأصل وقوع "بين" مفردا ظرفا لمتوسط في مكان أو زمان ملازما للإضافة إلى ما يتوسط فيه منهما.
وإذا خلا من التركيب والوصل بما والألف لم يلازم الإضافة والظرفية. وقد تقدم التنبيه على ذلك.
ومن ظروف المكان العادمة التصرف الملازمة للإضافة حوال وتثنيته، وحول وتثنيته وجمعه، فالأول كقول الشاعر:
أهَدَموا بَيْتكَ لا أبا لكا ... وأنا أمْشِي الدَّأَلَى حَوالَكا
والثاني كقول النبي ﷺ "حَوالَيْنا ولا عَلينا" والثالث كقوله تعالى: (فلمّا أضاءتْ ما حوْلَهُ) والرابع كقول الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتابَيهْ ... ماءٌ رواء ونَصِيُّ حَوْلَيهْ
стр. 639
والخامس كقول امرئ القيس:
فقالتْ سباكَ اللهُ إنّك فاضِحي ... ألَسْتَ ترى السُّمّارَ والناسَ أحْوالي
ومن ظروف المكان العادمة التصرف "بَدَل" لا بمعنى بديل كقولك هذا بدل ذلك، أي هذا مكان ذلك، فلا يجوز حينئذ أن تستعمل غير ظرف، وكذا مكان إذا أردت به بدل. قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: البدل والمكان إذا استعملا بمعنى واحد لا يرفعان. فإن ذكر كل واحد منهما في موضعه ولم يحمل أحدهما على الآخر في المعنى رفعا نحو قولك: هذا مكانُك، يشير إلى المكان، وهذا بدلٌ من هذا فترفع، لأنك أشرت بهذا إلى البدل وهو هو. وإنما نصب البدل والمكان ولم يجز فيهما الاتساع حتى إذا أخرج كل واحد منهما عن موضعه فلزما طريقة واحدة. هذا نص ابن خروف.
ص: ويتوسع في الظرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا، ويجوز حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التوسع على الأصح تعدّي الفعل إلى ثلاثة.
ش: من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه مقام المفعول المُوقع به الحدث كقول تعالى: (اشْتَدَّتْ به الريحُ في يومٍ عاصفٍ) وقوله تعالى: (إنّا نخافُ مِن ربّنا يوما عَبوسًا قمطريرا) وكقول الشاعر:
أقول للحْيانٍ وقد صَفِرتْ لهم ... وطابِي ويومِي ضِيّقُ الحَجْر مُعْوِرُ
والثاني كقولهم: وُلد له ستّون عاما، وصِيدَ عليه الليل والنهار كقول
стр. 640
الشاعر:
أما النهارُ ففي قَيْدٍ وسلْسلَةٍ ... والليلُ في جوفٍ مَنْحوتٍ من الساجِ
يعني نفسه وكان مأسورا، فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة. ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسَّع فيه على الوجهين، فإضافته على تقديره فاعلا كقوله تعالى: (بل مكرُ الليلِ والنهارِ إذْ تأمروننا) كان الأصل ليلكم ونهاركم ماكران ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا، كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى (للذين يُؤْلون من نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهُر) أي إمضاء أربعة أشهر بتربّص. وكما أضيفَ إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيف إليه بلفظ اسم الفاعل واسم المفعول، فمن الأول:
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ
ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار ? ذكرها سيبويه.
وإذا ثبت من كلامهم التوسع بجعل الظرف المتصرف فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوّزا ما لم يمنع من ذلك مانع. وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ "في" فإن الظرف أصله أن يكون مظروفا بلفظها فاستغنى عن لفظها بمعناها مع الظاهر، ولزوم الرجوع إلى الأصل مع الضمير، لأن الإضمار يردّ الشيء إلى أصله، ولذلك لزم مَن يقول: لدُ زيد أن يقول من لدنه، بردّ النون، ولزم
стр. 641
مَن يقول لم يكن صديقنا أن يقول أما الصديق فإن لا يكنه فمن يكنه، فيرد النون أيضا. ولزم من يقول قعدت حينا: الحين قعدت له فيرد اللام، ولا يستغني مع المضمر بمعناها كما استغنى مع الظاهر. ولزم مَن يقول المال لزيد بكسر اللام أن يقول له فيفتح، لأن فتحها هو الأصل. فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أنْ يقرنه بفي كقولك في: صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال صمته علم أنه لم يقصد الظرفية وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا، فمن ذلك قول الشاعر:
ويومًا شَهِدْناه سُلَيْما وعامِرا ... قليلا سِوى الطعْنِ النِهالِ نوافِلُهْ
ومنه:
فإنْ أنتَ لم تقدِرْ على أنْ تُهِينه ... فدَعْهُ إلى اليوم الذي أنتَ قادِرُهْ
يا رُبَّ يومٍ لي لا أظَلّله ... أرْمَضُ من تحتُ وأضْحى من عَلُهْ
وهذا التوسع في باب أعلم جائز على ظاهر قول سيبويه، فإنه قال في باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول بعد أن مثل بأرى عبدُ الله أبا فلان، لو أدخلت في هذا الفعل الفاعل وبنيتَه له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين. ثم قال: واعلم أن الأفعال إذا انتهت ههنا فلم تجاوز تعدت إلى جميع ما تعدّى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، وذلك قولك: أعطى عبدُ الله الثوبَ إعطاء جميلا، ونُبّئت زيدا أبا فلان تنْبيئا، وسرق عبد الله الثوبَ الليلةَ، لا تجعله ظرفا، لكن تجعله على قولك يا مسروق الليلة الثوبَ. هذا نصه.
стр. 642
قال ابن خروف في شرحه: أجاز سيبويه نصب الظرف مفعولا به بالمتعدي إلى ثلاثة، وإنما قاسه ولم يقس النقل، لأن النقل فيه نصب الفاعل ولا ينصب الفاعل إلا تشبيها بما ثبت أصله في الكلام، كما نصب الفاعل في حسن الوجه، تشبيها بضارب زيدا. ونصب الظرف على الاتساع ليس فيه تغيير عما كان عليه، وجميعه مجاز في متعدّ لواحد وأكثر. والنقل كله حقيقة فاقتصر فيه على السماع، بخلاف نصب الظرف على الاتساع فإنه مجاز فلا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه. ومنعه قوم في باب أعلم قياسا على النقل.
قلت: جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبّها دون مشبَّه به لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد ومفعولان لم يعدم أصلا يحمل عليه بخلاف نصبه ما له ثلاثة، فإنه يلزم منه فرع لا أصل له ومشبَّه دون مشبَّه به فوجب منعه. ولأن جواز ذلك في باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام ما يقع به إخبار عنه وإضافة إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يرتّب عليه.
стр. 643
باب المفعول معه
ص: وهو الاسم التالي واوا تجعله بنفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدَّى بالهمزة، وانتصابه بما عمل في السابق من فعل أو عامل عمله، لا بمضمر بعد الواو خلافا للزّجاج، ولا بها خلافا للجرجاني، ولا بالخلاف خلافا للكوفيين. وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصلح عطفه خلافا لابن جني.
ش: وقد يطلق المفعول معه في اللغة على المجرور بمع أو بالباء التي للمصاحبة، وعلى المعطوف المراد به المصاحبة، وعلى المنصوب بعد الواو بالشرط المذكورة، فالأول نحو جلست مع زيد، والثاني نحو وصلت هذا بذاك، والثالث نحو مزجت عسلا وماء، والرابع نحو ما صنعت وأباك، واستوى الماء والخشبة، وما زلت وزيدا حتى فعل، ولو تركت الناقة وفصيلَها لرَضعها. إلا أن عُرْف النحاة قد قَصَر المفعولَ معه على الرابع، وربما سمّاه سيبويه مفعولا به، فمن ذلك قوله في أول أبوابه: "هذا باب ما يظهر فيه الفعل وينتصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به". هذا نصه. وقوله: بعد أن مثّل بما زلْت وزيدا أي ما زلت بزيد حتى فعَل، ثم قال: وهو مفعول به.
قلت: وهذا من أجل أن الباء تساوي "مع" في الدلالة على المصاحبة كقولك بعت الفرس بسَرْجه ولجامِه، والدارَ بأثاثِها، أي مع سراجه ولجامه، ومع أثاثها.
ومن أجل قصْر النحاة اسم "المفعول معه" على القسم الرابع قلت في حدّه: "والتالي واوا" ليخرج التالي غيرها، وقيدت الواو بأن تجعله في المعنى كمجرور "مع"
стр. 644
ليخرج المعطوف بالواو المفيدة مطلق الجمع، وذكرت بنفسها ليخرج المعطوف بعد ما يفهم منه المصاحبة نحو أشركت زيدا وعمرا، ومزجتُ العسلَ والماء، فإن المصاحبة في مثل هذا مفهومة قبل ذكر الواو، بخلاف قولك: سرتُ والنيلَ، فإن المصاحبة لا تفهم فيه إلا بالواو. ثم قلت: "وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة" فنبهت بذلك على أن الواو معدّية ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها فينتصب به بواسطة الواو فعلا كان ما عدّته، أو عاملا عمل الفعل نحو عرفت استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، ولست زائلا وزيدا حتى يفعل، وأنشد أبو علي:
لا تَحْبِسَنَّك أثوابي فقد جُمِعتْ ... هذا ردائي مَطْويًّا وسِرْبالا
وجعل "سربالا" مفعولا معه، وعامله مَطويا. وأجاز أن يكون عامله هذا. وظاهر كلام سيبويه المنع من إعمال هذا في مفعول معه، لأنه قال في آخر أبوابه "وأمّا مالكَ وأباكَ فقبيح، لأنه لم يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل" أراد بقبيح ممنوعا، وبالحرف الذي فيه معنى الفعل حسبك وكفوك وما ذكر بعدهما في الباب، فلو كان اسم الإشارة عنده مثلها لم يحكم بقبح هذا لك وأباك، بل كان يحكم فيه بما بحكم في وَيْله وأباه، وهذا واضح والله أعلم.
فالواو التي يليها المفعول معه معدّية لا عاملة، هذا هو المذهب الصحيح، قال سيبويه بعد تمثيله بما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها: إنما أردت ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، فالفصيل مفعول معه والأب كذلك، "والواو لم تغير المعنى، ولكنها تُعْمِل في الاسم ما قبلها" هذا نصه.
وينبغي أن تعلم أن مذهبه عدم الاكتفاء في نصب المفعول معه بما يكتفى به في نصب الحال، فلا ينصبه العامل المعنوي كحرف التشبيه والظرف المخبر به، ولذلك لم ينصب بلك في هذا لك وأباك، ولا بحسبك في حسبك وزيدا درهم. وأكثر المتأخرين يغفلون عن هذا.
стр. 645
قلت: وكان حق الواو إذ هي معدية أن تجرّ ما عدّت العامل إليه كما فعلت حروف الجر. إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى فلم تُعط عملا، بل أُعطيتْ مثل ما أعطيت العاطفة في اتصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها لا على سبيل الإتباع. وكان في ذلك أيضا تنبيه على أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوبا ولكنه جُرّ لفظا. فحكم على موضع مجروره بالنصب إذا لم تتمحض فاعليته فإنه معدّ ليظهر بذلك مزية المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة. وقد ترتّب على شبه الواو المرادفة لمع بالواو العاطفة ما ذكرته، وأمر آخر وهو أنها لم تجرِ مجرى "مع" في جواز التقديم بل جرت مجرى العاطفة في التأخّر، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وكان الزجاج يقول: إذا قلنا ما صنعت وأباك، فالنصب بإضمار كأنه قال ما صنعت ولابَسْتَ أباك لأنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو، وهذا غير صحيح، لأن الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يصح به الارتباط، فإن ارتبطا بلا واسطة فلا معنى لدخول حرف بينهما. وإن لم يرتبطا إلا بواسطة فلا بد منها، فلذلك تقول ضربت زيدا وعمرا فتنصب عمرا بضربت كما تنصب به زيدا، لكن استغنينا في تعليق زيد بالعامل عن واسطة واحتجنا إليها في تعليق عمرو فأتينا بها. ومثله في الحاجة إلى واسطة ما ضربت إلا زيدا، وضربت إمّا زيدا وإمّا عمرا، فينتصب ما بعد إلّا وإمّا بالفعل ولا يمنع من ذلك الواسطة، لأن المعنى لا يصح إلا بها.
ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إمّا أن يُقصد تشريك صنعت ولابست في الاستفهام، وإمّا ألّا يقصده، فإن قصده لم يصح، لأن شرط صحة عطف الفعل على الفعل بعد اسم الاستفهام جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير المذكور، إذ لا معنى لقول القائل ما لابست أباك، وإن لم يقصد التشريك
стр. 646
لم يصح أيضا، إذ لا يُعطف جملة خبرية على جملة استفهامية مع استقلال كل واحدة منهما، فألّا يجوز ذلك مع الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولى.
وأيضا لو كان ما بعد الواو منصوبا بفعل مضمر لم يحتج إلى الواو كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، ألا ترى أنك لو أظهرت فعل الملابسة في ما شأنك وزيدا قلت ما شأنك تلابس زيدا دون واو فيلزم من حكم بإضمار تلابس الاستغناء عن الواو كما يستغنى عنها مع الإظهار، فالاستغناء فيها باطل وما أفضى إلى الباطل باطل.
وزعم الجرجاني أن الواو هي الناصبة بنفسها، وما ذهب إليه باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أنها لو كان النصب بها نفسها لم يشترط في وجوده وجود فعل قبلها أو معنى فعل، كما لا يشترط في غيرها من النواصب، ولجاز أن يقال كلُّ رجل وضيعته، بالنصب كما يقال عندي كل رجل وضيعته. الثاني أن الحكم بكون الواو ناصبة حكم بما لا نظير له إذ ليس في الكلام حرف ينصب الاسم إلا وهو يشبه الفعل كإن وأخواتها، أو يشبه ما يشبه الفعل كلا المشبهة بإنّ، والواو المرادفة "مع" لا تشبه الفعل ولا ما أشبه الفعل، فلا يصح جعلها ناصبة للاسم. الثالث أنها لو كانت هي الناصبة لوجب اتصال الضمير إذا وقع مفعولا معه ويُعدّ من الضرورات قول الشاعر:
فآليتُ لا أنفكُّ أحْذو قصيدةً ... تكونُ وإيّاها بها مَثَلا بعدي
ولا خلاف في وجوب الانفصال في مثل هذا، فعُلم بذلك أن الواو غير عاملة، إذ ليس في الكلام ضمير نصب يجب انفصاله مع مباشرة الناصب.
وذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب بالمخالفة، وقد تقدم في باب الابتداء إبطال نسبة العمل إلى المخالفة بدلائلَ أغنى ذكرُها ثَمَّ عن ذكرها ههنا. وإذا بطلت الأقوال الثلاثة تعين الحكم بالقول الأول وهو قول سيبويه وأكثر البصريين.
وذكر ابن خروف أن أبا الفتح بن جني قال إن العرب لم تستعمل الواو بمعنى
стр. 647
مع إلا في موضع يصح أن تقع فيه عاطفة وأنكر قوله ابن خروف وهو بالإنكار حقيق، فإن العرب استعملت الواو بمعنى مع في مواضع لا يصلح فيها العطف وفي مواضع يصلح فيها. والمواضع التي لا يصلح فيها العطف على ضربين: أحدهما ترك فيه العطف لفظا ومعنى، والثاني استعمل فيه العطف لمجرد اللفظ، كاستعمال النعت على الجوار، فمن الأول قولهم استوى الماء والخشبة، وما زلتُ أسيرُ والنيلَ. ومنه قول الشاعر في وصف رجل مات معانق امرأة لقيها بعد فراق:
فكان وإياها كحرّان لم يُفقْ ... عن الماءِ إذا لاقاهُ حتى تقدّدا
ومن الثاني قولهم أنت أعلم ومالُكَ، أي أنت أعلم مع مالك كيف تدبره ومالك معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر، لأن المال لا يخبر عنه بأعلم. وشرط عطف المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه.
وأما قولهم: أنت أعلم وعبد الله فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها أن تكون الواو بمعنى "مع" وعطف بها في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه موقع المجرور بمع وللاستطالة. والثاني أن تكون الواو لمجرد العطف وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جواز، والتقدير أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في نحو أأنت خير أم زيد؟ والأصل أأنت خير من زيد أم زيد خير منك. والثالث أن يكون عبد الله معطوفا على أنت وأعلم خبر عنهما كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غيركما. وأما وقوع الواو بمعنى "مع" في موضع يصلح للعطف فكثير، وفيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
ص: ولا يتقدم المفعول معه على عامل المصاحب باتفاق ولا عليه خلافا لابن جني. ويجب العطف في نحو أنت ورأيُك، وأنت أعلمُ ومالُك. والنصب عند الأكثر في نحو مالك وما شأنك وعمرا، والنصب في هذين ونحوهما بكان مضمرة قبل الجار أو بمصدر "لابس" منويا بعد الواو. ولا بلابس خلافا
стр. 648
للسيرافي وابن خروف.
فإن كان المجرور ظاهرا رجح العطف، وربما نصب بفعل مقدر بعد ما أو كيف، أو زمن مضاف أو قبل خبر ظاهر في نحو: ما أنت والسيرَ، وكيف أنت وقصْعةً ? وأزمانَ قومي والجماعةَ- و"أنا وإياه في لحاف".
ويتَرجّح العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن. فإن خيف به فوات ما يضرّ فواتُه رجح النصبُ على المعية، فإنْ لم يلِقِ الفعلُ بتالي الواو جاز النصب على المعية، وعلى إضمار الفعل اللائق إنْ حسن "مع" موضع الواو، وإلا تعيّن الإضمار والنصب في نحو حَسْبُك وزيدا درهم بيحسب منويا، وبعد وَيْلَه وويْلا بناصب المصدر. وبعد ويلٌ له بالْزَم مضمرا، وفي رأسه والحائظ وامرأ ونفسَه وشأنك والحج على المعية أو العطف بعد إضمار "دَعْ" في الأول والثاني، و"عليك" في الثالث. ونحو هذا لك وأباك ممنوع في الاختيار. وفي كون هذا الباب مقيسا خلاف. ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ماله متقدما. وقد يُعطى حكم ما بعد المعطوف خلافا لابن كيسان.
ش: قد تقدم بيان كون الواو التي بمعنى "مع" معدّية، وأن لها شبها بالواو العاطفة في اللفظ والمعنى، ولذلك لم تعمل عمل حروف الجر في لفظ ما عدّت إليه العامل، بل أوصلت إليه عمل العامل لفظا ومحلا، ولازمت محلا واحدا لشبهها بهمزة التعدية فلا تتقدم على عامل المصاحب كما تتقدم "مع" في قولهم مع الخشبة استوى الماءُ، وكذا لا يقال استوى والخشبة الماءُ، فالأول مجمع على منعه، والثاني ممنوع إلّا عند ابن جني، فإنه أشار في الخصائص إلى جوازه، وله شبهتان: إحداهما أنه قد أجاز ذلك في العاطفة فلْيَجُزْ فيها، لأنها محمولة عليها. والثانية أن ذلك قد
стр. 649
ورد في كلامهم فينبغي أن يُحكم بذلك، ومن الوارد في ذلك قول الشاعر:
أكْنِيه حين أُناديه لأكرمَهُ ... ولا أُلَقِّبُهُ والسَّوْأةَ اللَّقَبا
ومثله قول الآخر:
جَمعتَ وفُحْشا غيبةً ونَميمةً ... خصالا ثلاثا لستَ عنها بمُرْعَوي
ولا حجة له في الشبهتين، أمّا الأولى فالجواب عنها من وجهين: أحدهما أن العاطفةَ أقوى وأوسع مجالا فحصل لها مزيَّةٌ بتجويز التقديم كقول الشاعر:
كأنّا على أولادِ أحْقبَ لاحَها ... ورَمْي السفا أنفاسها بسهام
جَنوبٌ ذوتْ عند التناهي وأنزلتْ ... بها يوم ذَبّابِ السَّبِيب صيامِ
والأصل لاحها جنوبٌ ورمى السفا، فقدم المعطوف على المعطوف عليه، لأن المعطوف بالواو تابع، نسبة العامل إليه كنسبته إلى المتبوع، فلم يكن في تقديمه محذور، بل كان فيه إبداء مزيّة للأقوى على الأضعف، فإن أشرك بينهما في الجواز خفيتْ المزيةُ. والثاني أن واو "مع" وإنْ أشبهت العاطفة فلها شبه يقتضي لها اللزوم مكان واحد كما لزمت الهمزة مكانا واحدا.
وأما الشبهة الثانية عن احتجاجه بالبيتين فضعيفة أيضا، إذ لا يتعيّن جعل ما فيهما من المنصوبين من باب المفعول معه، بل جعله من باب العطف ممكن وهو أولى، لأن القول بتقديم المعطوف في الضرورة مجمع عليه، وليس كذلك القول بتقديم المفعول معه.
أما البيت الأول فالعطف فيه ظاهر، لأن تقديره جمعت غيبة ونميمة وفحشا،
стр. 650
وبهذا وجّه أكثر النحويين. وأما البيت الثاني فهو من باب: - وزجّجن الحواجِبَ والعُيونا- فنصب العين دالّ عليه زجّجن، تقديره: وكحّلْنَ العيونَ، فلو دعتْ ضرورة إلى التقديم لم يختلف التقدير، فكذلك أصل ولا ألقبه والسّوأة اللقبا، ولا ألقبه اللقب ولا أسوؤه السوأة فحذف أسوؤه لدلالة "اللّقبا" عليه، ثم قدّم مُضْطَرّا، وبقي التقدير على ما كان عليه. وأشرت بقولي "ويجب العطف في نحو أنت ورأيك" إلى أن كل موضع كانت الواو فيه بمعنى "مع" بعد ذي خبر لم يذكر أو ذُكر أو هو أفعل تفضيل فالعطف فيه لازم، لعدم فعل وما يَعْمل عمله، والمراد بعمله أن يكون من جنس ما ينصب مفعولا به، ولا خلاف في وجوب الرفع فيما أشبه المثالين المذكورين.
ومَن ادّعى جواز النصب في نحو كل رجل وضيعته على تقدير كل رجل كائن وضيعته فقد ادّعى ما لم يقله عربيّ فلا التفات إليه ولا تعريج عليه. ومما ورد مثل كل رجل وضيعتهن وأنت ورأيك قول العرب: الرجل وأعضادُها والنساء وأعجازُها، حكاه الأخفش، ومثله إنك ما وخيْرا، حكاه سيبويه، ومثله قول شداد أبي عنترة:
فمَن يكُ سائِلا عنّي فإنّي ... وجرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ
ولمجيء هذه الواو بعد مبتدأ أو بعد اسم إنّ قلت: "ويجب العطف" ولم أقل ويجب الرفع، فإن العطف بعد مبتدأ يرفع، وبعد اسم إن ينصب فعمّتهما العبارة. ثم قلت والنصب عند الأكثر أي ويجب النصب عند الأكثر في نحو مالك وزيدا،
стр. 651
وما شأنك وعمرا، والإشارة إلى كل جملة آخرها واو المصاحبة وتاليها، وأوّلها "ما" المستفهم بها على سبيل الإنكار، قبل ضمير مجرور باللام، أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه.
ولسيبويه في هذين المثالين وشبههما مذهبان: أحدهما أن يقدّر "كان" بعد "ما" فيكون المنصوبُ مفعولا معه، والثاني أن يقدر بعد الواو مصدر لابس منويا أو مضافا إلى ضمير المخاطب، صرّح بالتقديرين في متن الباب الثالث، وبإضمار الفعل في ترجمته فقال: "هذا باب ما يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوّله، وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا. ثم قال في متن الباب: فإذا ظهر الاسم فقال ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجرُّ. ثم قال: فإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسةٌ زيدا أو ملابستك زيدا، فكان أن يكون زيد على فعل وتكون الملابسة على الشأن، لأن الشأن معه ملابسة أحسن من أن يُجْروا المظهر على المضمر". هذا نصه. فحمل أبو علي الشلوبين كلامه على ظاهره واعتذر عن إعمال المصدر مضمرا بأنه هنا في قوة الملفوظ به، لوضوح الدلالة عليه، ودعاه إلى الاعتذار أن سيبويه منع في باب الوصف بإلّا حذف أن يكون وارتفاع "الفرقدان" فقال بعد إنشاده:
وكلُّ أخٍ مُفارِقه أخُوه ... لعَمْرُ أبيك إلّا الفرقدانِ
كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين يفارقه أخوه. ثم قال: ولا يجوز على إلا أن يكون لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه لأن "أن يكون" اسم فظاهر كلامه أن المصدر العامل لا يضمر فحمل كلامه ثمّ على أنه لا يضمر لضعف الدليل ووجود مندوحة عن حذفه، وحكم هنا بجواز الحذف لقوة الدلالة عليه. وما ذهب إليه الشيخ أبو علي
стр. 652
هو الصحيح لا ما ذهب إليه من منع حذف المصدر مطلقا فإن حذفه إذا قويت الدلالة عليه وارد في الكلام الفصيح كقوله تعالى: (قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ عن سبيلِ الله وكفرٌ به والمسجد الحرام) أي وصد عن سبيل المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، فحذف صَدّ عن سبيل المسجد لدلالة مثلهما من قبلُ عليهما.
ولا يجوز عطف المسجد على الهاء من "به" لأن العطف على ضمير الجر لا يجوز عند الأكثر إلّا إذا أعيد الجار، ولا يصح أيضا من جهة المعنى، لأن المشركين كانوا يعظّمون المسجد الحرام فلا يصح أن ينسب الكفر إليهم إلا لكونهم لا يعظمونه تعظيما مستندا إلى أمر الله، بل إلى أهوائهم فهو حقيق بإطلاق الكفر عليه.
ومن حذف المصدر وبقاء ما يتعلق به قول الشاعر:
لَصَوْنُكَ مَن تعولُ أعمُّ نفعا ... لهم عن ضَلّةِ وهوى مُطاعِ
ومثله:
المنُّ للذَّمِّ داعٍ بالعطاء فلا ... تَمْنُنْ فتُلْفى بلا حمدٍ ولا مال
فعن من البيت الأول متعلق بصون المحذوف، وبالعطاء من البيت الثاني متعلق بمَنّ محذوف والمحذوفان بدلان من الموجودَين، فاستغنى بمعمول البدل كما استغنى في الآية بمعمول المعطوف.
وذهب السيرافي وابن خروف إلى أن قول سيبويه: ما شأنك وملابستك زيدا مؤول، قال ابن خروف قوله فكأنك قلت ما شأنك وملابسة زيدا، إنما قدّر المصدر حين أظهر ليكون محمولا على الشأن والمضمر الفعل، لأنه لا يجوز أن يعمل
стр. 653
المصدر مضمرا، والكوفيون يعملونه مضمرا غير ملفوظ به. ثم قال ابن خروف: يريد بهذا ما أراد بقوله: - من لد أن كانت شولا ? لأنه لا يضمر الموصول مع بعض الصلة، فكلامه هنا محمول على المعنى. وجاز إضمار الفعل هنا وهو لا يحمل على الأول من حيث لم يصرّح بظهوره، فإن أظهرته على جهة التقدير جئت بالمصدر.
قلت يكفي من الردّ على ابن خروف اعترافه بأن الموضع لا يصلح لفعل، واعترافه بأن سيبويه حمل قول الراجز: - من لد شولا فإلى إتلائها ? على أن أصله: من لله أنْ كانت شولا، فحكم بحذف أن والفعل في هذا الرجز لقوة الدلالة، وحكم بمنع ذلك في: - لعمر أبيك إلا الفرقدان ? لضعف الدلالة.
ولو صرّح سيبويه بمنع حذف المصدر مطلقا لكان محجوجا بثبوت ذلك عن العرب، فإن كلامهم هو المأخوذ به. وقد تقدمت الشواهد على إضمار المصدر وإبقاء ما يتعلق به، وأمكن حمل كلام سيبويه على وفق ذلك، فقوى الاستشهاد وتأكّد الاعتضاد.
ونسبت وجوب النصب في نحو مالك وزيدا، أو ما شأنك وعمرا إلى الأكثر، لأن ابن خروف حكى عن الكسائي أنه قال: إذا أوقعت ما بال وما شأن ومالِ على اسم مضمر ثم عطفت عليه باسم ظاهر كان الوجه في المعطوف النصب والخفض، تقول: ما بالك وزيدا تنصب زيدا بإضمار الفعل وإضمار المصدر ويعمل عمل الفعل، كأنك قلت وتلابس زيدا وتذكر زيدا أو كأنك قلت ما بالك وملابستك زيدا وذكرك زيدا، فصرّح الكسائي بجواز الجر وبه أقول، لا على العطف، بل على حذف مثل ما جرّ به الضمير لدلالة السابق عليه، وسيأتي الكلام على هذا في باب العطف إن شاء الله تعالى.
فإن كان ظاهرا المجرور باللام والشأن ونحوه فالمختار العطف نحو ما لزيد وأخيك وما شأن عبد الله وعمرو، ويجوز النصب على إضمار كان بعدما. قال سيبويه بعد إنشاد قول الشاعر:
стр. 654
فمالَك والتَلدُّدَ حول نَجْد ... وقد غَصّتْ تهامةُ بالرجال
"فإذا أظهر الاسم فقال ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجرّ". فأوهم أن النصب ممتنع وهو لا يريد ذلك، لأنه قال بعد ذلك بقليل: "ومن قال ما أنت وزيدا قال ما شأن عبد الله وزيدا، كأنه قال ما كان شأن عبد الله وزيدا" فعلم بهذا أن مذهبه جواز النصب لكنه غير الوجه المختار. وتبيّن أنه أراد بقوله أوّلا: فليس إلا الجرّ ما أريد بنحو: لا فتى إلا على، ولا سيف إلا ذو الفقار.
وقد حكم بعض المتأخرين بمنع النصب أخذا بظاهر قوله الأول، ولو قرأ ما بعده من كلام سيبويه لم يقع فيما وقع. ومثل هذا اتفق للزمخشري في: أنته أمرا قاصدا، حين جعله من المنصوبات باللازم إضماره لأن سيبويه ذكر بعده أمثلة التزم إضمار ناصبها، ثم بيّن بعد ذلك بقليل أن الذي نصب أمرا قاصدا يجوز إظهاره، وغفل الزمخشري عن ذلك فاعتقد ما ليس بصواب.
والرفع في ما أنت وزيدا، وكيف أنت وقصعة من ثريد هو الجيد، لعدم الفعل وما يعمل عمله. قال سيبويه: وزعموا أن ناسا يقولون كيف أنت وزيدا، وما أنت وزيدا، وهو قليل في كلام العرب، ولم يحملوا الكلام على "ما" و"كيف" ولكنهم حملوه على الفعل، لأن كنت وتكون يقعان ههنا كثيرا، وأنشد سيبويه:
وما أنت والسيْرَ في مَتْلَف ... يُبَرِّحُ بالذكر الضابِطِ
стр. 655
وأنشد أيضا:
أتُوعِدُوني بقومِكَ يابن حَجْل ... أشاباتٍ يخالُونَ العِبادا
بما جَمَّعْتَ من حَضَن وعمرو ... وما حَضَنٌ وعمرٌو والجيادا
ثم قال: وزعموا أن الراعي كان ينشد هذا البيت:
أزْمانَ قومي والجماعة كالذي ... لزِمَ الرِحالةَ أنْ تميلَ مَمِيلا
كأنه قال: أزمان كان قومي، والجماعة محمولة على كان لأنها تقع في هذا الموضع كثيرا، ثم قال: وما أنت وشأنك وكل رجل وضيعته، وأنت أعلم وربك وأشباه ذلك، فكله رفع لا يكون فيه النصْب، لأنك إنما تريد أن تخبر بالحال التي فيها المحدَّث عنه في حال حديثك، ولم تُرد أن تجعل ذلك فيما مضى ولا فيما يستقبل، وليس موضعا يستعمل فيه الفعل.
وأما الاستفهام فإنهم أجازوا فيه النصب لأنهم يستعملون الفعل في ذلك الموضع كثيرا، يقولون ما كنت وكيف تكون، إذا أرادوا معنى "مع"، ومن ثم قالوا ? أزمان قومي والجماعة ? لأنه موضع يدخل فيه الفعل كثيرا، يقولون: أزمان كان قومي، وحين كان. هذا نصه.
وإليه أشرت بقولي "وربما نصب بفعل مقدر بعد ما، أو كيف، أو زمن مضاف". ثم قلت: "أو قبل خبر ظاهر" والإشارة به إلى قول ابن خروف في شرح الكتاب قاصدا سيبويه: ولم يذكر في قولهم أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته وما أشبهه إلا الرفع. ثم قال ابن خروف: وبعض العرب ينصب إذا كان معه خبر، وجعل من ذلك قول عائشة ? ﵂: "كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي وأنا وإياه في لِحافٍ" كأنها قالت: وكنت وإيّاه في لحاف، ويجوز
стр. 656
عندي أن يكون إياه في موضع رفع عطفا على "أنا" على سبيل النيابة عن ضمير الرفع، كما ناب عن ضمير الجر فيما حكى الفراء من قول العرب مررت بإيّاك قال وأنشد الكسائي:
فأحسِنْ وأجملْ في أسيركَ إنه ... ضعيفٌ ولم يأسرْ كإياكَ آسِرُ
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير الجر في قول بعض العرب وقد سئل عن الصعلوك: هو الغداةَ كأنا، وهذا ليس ببدع، لأن أصل المبني ألّا يخصّ بموضع من الإعراب دون موضع، والمضمرات من المبنيات فلا يستبعد ذلك فيها إلا أنّ حمْل "أنا وإياه في لحاف" على باب المفعول معه أولى، لأنه قد روى في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: "أبشِروا فوالله لأنا وكثرة الشيء أخْوفُ عليكم من قلّته" بنصب وكثرة، ذكره أبو علي الشلوبين وعضّد به ما حكاه عن الصيمري من جواز النصب في أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته.
وأشرت بقولي "ويترجح العطف إن كان بلا تكلف" إلى نحو:
فكُونوا أنتم وبني أبيكُم ... مكانَ الكُلْيَتَيْنِ من الطِحالِ
فإن العطف فيه حسن من جهة اللفظ، وفيه تكلف من جهة المعنى، لأن مراد الشاعر كونوا لبني أبيكم فالمخاطبون هم المأمورون، فإذا عطف يكون التقدير: كونوا وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود، وكذا قول الآخر:
إذا أعْجَبَتْكَ الدهرَ حالٌ من امرئٍ ... فدَعْهُ وواكِلْ أمرَهُ واللّياليا
стр. 657
معناه واكل أمره إلى الليالي، وتقدير العطف فيه تكلّف بيّن. وأشرت بقولي "ولا مانع" إلى نحو: لاتَنْه عن القبيح وإتيانَه أي مع إتيانه، فالعطف هنا ممتنع بيّن الامتناع. وكذا في استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل ونحوهما مما سبق الكلام عليه في شرح صدر الباب. وأشرت بقولي "ولاموهِم" إلى نحو ما صنعت وأباك، فإن نصبه على المعيّة مختار وعطفه جائز على ضعف، لأن المعطوف عليه ضمير رفع متصل غير مفصول بينه وبين العاطف، وما كان كذلك فعطفه ضعيف، وأكثر ما يكون في الشعر كقول الشاعر:
ورَجا الأخَيطِلُ من سفاهةِ رأيِه ... ما لم يكن وأبٌ له لينالا
فلو نصب الأب لكان أجود لما تبين من ضعف العطف. وأشرت بقولي "خيف به، أي بالعطف فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعيّة" إلى نحو لا تَغْتَذ بالسَمك واللّبن، ولا يُعجبك الأكل والشبَع بمعىن لا تغتذ بالسمك مع اللبن، ولا يعجبك الأكل مع الشبع، فالنصب على المعية في هذين المثالين وأمثالهما يبيّن مراد المتكلم، والعطف لا يبيّنه فتعيّن رجحان النصب للسلامة به عن فوات ما يضر فواته، وضَعُف العطف إذ هو بخلاف ذلك.
فإن كان الفعل الذي قبل الواو غير صالح للعمل فيما بعدها وحسن في موضعها "مع" جاز فيما بعدها أن يجعل مفعولا معه، وأن ينصب بفعل صالح للعمل فيه، مثاله قوله تعالى (فأجْمِعوا أمرَكم وشركاءَكم) فلا يجوز أن يجعل "شركاءكم" معطوفا، لأن أجمع لا ينصب إلّا الأمرَ والكيد ونحوهما، ولك أن تجعل شركاءكم مفعولا معه، وأن تجعله مفعولا بأجمعوا مقدرا كأنه قيل فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم. ومثله (والذين تبوّءوا الدارَ والإيمانَ) فلك أن تجعل الإيمان مفعولا معه، ولك أن تنصبه باعتقدوا مقدّرا.
стр. 658
فإن كان الفعل غير صالح للعمل فيما بعد الواو ولم تصلح "مع" في موضعها تعيّن إضمار فعل صالح للعمل، فمن ذلك قول الشاعر:
إذا ما الغانياتُ بَرزْنَ يوما ... وزجَّجْن الحواجبَ والعُيُونا
تنصب العيون بكحّلْن مقدّرا ولا يجوز غير ذلك لأن زججن غير صالح للعمل في العيون، وموضع الواو غير صالح لمع. وهذا معنى قولي "فإن لم يلق الفعل بتالي الواو جاز النصب على المعية، وعلى إضمار الفعل اللائق إن حسن "مع" في موضع الواو، وإلا تعيّن الإضمار".
وممّا يشبه المفعول معه ? وهو عند سيبويه مفعول به ? المنصوبُ بعد "حسبُك" وكفؤك وأخواتهما وبعد ويله وويلا له. قال سيبويه: "قالوا حسبك وزيدا درهم، لما كان فيه معنى كفاك وقبُح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قال حسبك ويحسِب أخاك درهم، وكذلك كفؤك، وأمّا ويلا له وأخاه، وويله وأباه، فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه. وإن قلت ويلٌ له وأباه، نصبت لأن فيه ذلك المعنى، كما أن حسبك ترتفع بالابتداء، وجُعل لما فيه من معنى كفاك دليلا على فعل يوافقه معنى وهو يحسب. فكذا ويل له مرتفع بالابتداء وفيه معنى ألزمه الله ويلا، فجعل دليلا على فعل يوافقه معنى وينصُب أباه (ثم قال سيبويه) وأما هذا لك وأباك فقبيح، لأنه لم يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل".
قال محمد: كثر في كلام سيبويه التعبير بالقبح على عدم الجواز وقد استعمله قبلُ إذ قال في حسبك وزيدا درهم لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل، واستعمله أيضا في قوله: وأما هذا لك وأباك فقبيح.
والحاصل أن سيبويه قد أفصح بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن معنى
стр. 659
الاستقرار لا يعملان في المفعول معه، لأنه حكم على أن "هذا لك وأباك"، قبيح، ومراده أنه غير جائز، ولو كان اسم الإشارة صالحا عنده لنصب المفعول معه وما تضمن حرف الاستقرار من ظرف أو حرف جرّ لأجاز أن يقال هذا لك وأباك مخيّرا بين العمل لهذا أو للك. وقد أجاز أبو علي في قوله الشاعر:
هذا ردائي مطويا وسربالا
أن تنصب السربال بهذا مفعولا معه، وأجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر. وبعض النحويين يقتصر في مسائل هذا الباب على السماع، والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة. وأجاز الأخفش أن يقال كنت زيدا مذكورين، كما يقال مع العطف، والإفراد أولى كما يكون بمع. وهذا عند ابن كيسان لازم، أعني مطابقة ما قبل الواو. ومما يدل على أن "مع" يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو قول الشاعر:
مَشَقَ الهواجِرُ لحَمَنَّ مع السُّرى ... حتّى ذهبْنَ كلاكِلا وصُدورا
أراد مزّقت الهواجر والسرى لحمهنّ، وأقام "مع" مقام الواو.
стр. 660
باب الاستثناء
ص: وهو المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور أو متروك بإلّا أو ما بمعناها بشرط الفائدة. فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلّا فمنفصل مقدر الوقوع بعد لكن عند البصريين، وبعد سوى عند الكوفيين. وله بعد إلّا من الإعراب إن تُرك المستثنى منه وفرّغ العامل له ماله مع عدمها، ولا يفعل ذلك دون نهي أو نفي صريح أو مؤوّل. وقد يحذف على رأي عامل المتروك. وإن لم يُترك المستثنى منه فللمستثنى بإلّا النصب مطلقا، بها لا بما قبلها معدّى بها، ولا به مستقلا، ولا بأستثني مضمرا، ولا بأنّ مقدرة بعدها، ولا بإنْ مخففة مركبا منها ومن لا خلافا لزاعمي ذلك، وفاقا لسيبويه والمبرد.
ش: المخرج يتناول المستثنى وغيره كالمخرج بالتخصيص. وتقييد الإخراج بإلا أو ما في معناها مانع من تناول غير المستثنى، وذكر المخرج والإخراج في حد المستثنى والاستثناء مغن عن ذكر المُدْخل والإدخال، فإن المستثنى بعد النفي وإن كان مُدخَلا فيما خرج منه غيره فهو مخرج مما دخل فيه غيره باعتبار آخر.
ولمّا كان المستثنى يطلق على المتصل وهو ما لو يُسْتَثن لدخل نحو (فسوف يلقون غَيًّا إلّا مَن تاب) وعلى المنقطع وهو ما لو يُستثن لم يدخل نحو "ما لهم به مِن علْم إلّا اتّباعَ الظَّنِّ" ذكرت بعد المخرج تحقيقا أو تقديرا فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع، فهو حين استثنى يخرج مما قبله تقديرا، وكذا الفائق ما قبله مع اتحاد الجنس نحو له عليّ ألف إلا ألفَيْن، ذكره الفرّاء فمثل هذا لم يكن داخلا فيخرج بإلا ولكنه في التقدير مخرج، لأن المقر إذا اقتصر على مقدار بمنزلة المنكر لغيره، فكأن قائل "له ألف إلا ألفين" قد قال: له على ألف لا غير
стр. 661
إلا ألفين، فبان بهذا أن ألفين مخرج تقديرا.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلّا مَن اتّبعك من الغاوين) لأن العباد الذين أضافهم ﵎ إليه هم المخلصون الذين لا سلطان للشيطان عليهم، فلم يكن الغاوون فيهم فيخرجهم الاستثناء، وتفاوُت ما بينهم وبين المخلصين أعظم من تفاوت ما بين ألفين وألف بكثير، دليل ذلك حديث: "بعث النار" أعاذنا الله منها. فمعنى الآية والله أعلم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم، إلا مَن اتبعك من الغاوين. ومنهم من تجعل "من اتبعك" متصلا على أن يراد بالعباد المخلصون وغيرهم، والانقطاع مذهب ابن خروف، والاتصال مذهب الزمخشري. ذكره الكشاف.
ومن المخرج تقديرا قوله تعالى (لا عاصِم اليوم من أمر الله إلّا مَن رحِم) على إرادة لا من يعصم من أمر الله إلا من رحم، وهو أصحّ الوجوه، فمن رحم مستثنى منقطع لم يدخل فيما قبله فيخرج بإلا. لكن يقدّر كونه مخرجا بتقدير لا أحد يعصم من أمر الله، وبأن العاصم يستدعي معصوما فكان بمنزلة المذكور فكأنه مثل لا معصوم عاصم من أمر الله إلا من ﵀ والله أعلم.
ومن المخرج تقديرا المستثنى السابق زمانه زمان المستثنى منه كقوله تعالى: (ولا تَنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) فما قد سلف وإن لم يدخل في المنهي عن نكاحِه فمن الجائز أن تكون المؤاخذة به باقية فبيّن تعالى بالاستثناء عدم بقائها، فكأنه قيل الناكح ما نكح أبوه مؤاخذ بفعله إلا ما قد سلف فيتناوله
стр. 662
المخرج تقديرا. ومن المخرج تقديرا قولك لأفعلنّ كذا وكذا إلا حلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا مثل به سيبويه. ثم قال: فإن أفعل كذا وكذا بمنزلة فعل كذا وكذا (وهو مبنيّ) على، حِلّ، وحِلّ مبتدأ كأنه قال ولكن حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
قال السيرافي: إلا بمعنى لكن، لأن ما بعدها مخالف لما قبلها، وذلك أن أقوله والله لأفعلنّ كذا وكذا عقد يمين عقده على نفسه، وحلّه إبطاله ونقضه، فكأنه قال عليّ فعل كذا معقودا، لكن إبطال هذا العقد فعل كذا.
قلت وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله لأفعلنّ كذا بمنزلة لا أرى لهذا العقد مبطلا إلا فعل كذا، فهذا الاستثناء منقطع عمله. وجعل ابن خروف من هذا القبيل: (لست عليهم بمصيطر إلّا مَن تولّى وكفر فيُعذِّبه الله). على أن يكون "من" مبتدأ، ويعذبه الله خبر، ودخلت عليه الفاء لتضمن المبتدأ معنى الجزاء، وجعل الفراء من هذا قراءة بعض السلف: (فشَرِبوا منه إلا قليلٌ منهم) على تقدير إلا قليل منهم لم يشربوا واستحسن ابن خروف هذا الوجه.
قلت: ومن هذا النوع قوله ﷺ : "ما للشيطان من سلاح أبلغ من النساء إلا المتزوّجون أولئك المطهّرون المبرّءون من الخنا" ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن كثير وأبي عمرو "إلّا امرأتُك إنّه مُصيبها ما أصابهم" على أن تكون
стр. 663
"امرأتك" مبتدأ وخبرها "إنه مصيبها ما أصابهم"، وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النصب والرفع من "فأسْر بأهلك" وهو أولى من أن يستثنى المنصوبُ من أهلِك والمرفوع من أحد.
ومن المخرج تقديرا: إن لفلان مالًا، إلّا أنه شقيّ، وما زاد إلّا ما نقص، وما نفع إلّا ما ضَرَّ ولا تكوننّ من فلان في شيء إلّا سلاما بسلام، وهي من أمثلة سيبويه.
ومن أمثلة غيره جاء الصالحون إلّا الطالحين، وجاء زيد إلا عمرا، وما في الأرض أخبث منه إلا إياه. فالمستثنى في هذه الأمثلة ليس مخرجا تحقيقا بل تقديرا، فكأنك قلت إنّ لفلان مالا فكأنك قلت عدم البؤس، ثم استثنيت من البؤس كونه شقيا، وإذا قلت ما زاد فكأنك قلت ما عرض له عارض، ثم استثنيت من العارض النقص، وإذا قلت ما نفع، فكأنك قلت ما أفاد شيئا إلا ضرّا. وإذا قلت لا تكون من فلان في شيء إلا سلاما بسلام، فكأنك قلت لا تعامله بشيء إلا متاركة. وإذا قلت جاء الصالحون فكأن السامع توهّم مجيء غيرهم ولم يعبأ بهم، فأزلت توهمه بهذا الاستثناء. وإذا قلت جاء زيد إلا عمرا فكأنك عرفت علم السامع مرافقة زيد لعمرو وقدّرت أنه توهّم أنك اقتصرت على زيد اتكالا على علم السامع بترافقهما فأزلت توهمه بالاستثناء. وإذا قلت ما في الأرض أخبث منه إلا إياه، فكأنك قلت ما يليق خبثه بأحد إلا إياه، وأسلك هذا السبيل فيما يرد من أمثال هذا.
قال ابن السرّاج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بدّ من أن يكون الكلام
стр. 664
الذي قبل إلّا قد دلّ على ما يستثنى فتأمل هذا فإنه يدِقُّ. فمن ذلك قوله : (لا عاصمَ اليومَ من أمر الله إلا من رحم) فالعاصم الفاعل، ومن رحم قد دلَّ على العصمة والنجاة، فكأنه تعالى قال والله أعلم، لكن مَن رحِمَ يُعصم أو معصوم وقال في ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضرّ، وإنما حسن هذا الكلام لأنه لما قال ما زاد دلّ على قوله هو على حاله، فكأنه قال هو على حاله إلا ما نقص، وكذلك قوله ما نقع هو على أمره إلا ما ضر".
والباء من قولي "بإلّا" متعلقة بالمخرج. واحترز بذلك من "إلّا" بمعنى "غير" كقوله تعالى (لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ) والتي بمعنى الواو كقوله تعالى (لئلا يكونَ للناس عليكم حُجّةٌ إلّا الذين ظلموا) أي ولا الذين ظلموا قاله الأخفش. والتي بمعنى "إنْ لم" كقوله تعالى: (إلّا تفعلوه تكن فتنةٌ)، والزائدة كالأولى من اللتين في قول الشاعر، أنشده ابن جني:
أرى الدهرَ إلّا مَنْجنونا بأهله ... وما صاحِبُ الحاجاتِ إلّا مُعَلَّلا
أي أرى الدهر منجنونا بأهله يتقلب بهم فتارة يرفعهم وأخرى يخفضهم، كذا قال ابن جني. ثم قال: وعلى ذلك تأولوا قول ذي الرمة:
حراجيجُ لا تَنْفَكُّ إلّا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بلدا قَفْرا
أي ما تنفك مناخة، وإلّا زائدة. كل هذا قول ابن جني ﵀. فإلّا في هذه المواضع غير مخرجة شيئا.
ونبّهت "بأو ما بمعناها" على أن لإلّا أخوات تبيّن إن شاء الله تعالى. ثم بيّنت
стр. 665
أن المستثنى إن كان بعض ما استثني منه حقيقة فهو متصل نحو قام الرجال إلا زيدا، وإن لم يكن كذلك فهو منقطع ومنفصل، وقيّدت البعض بحقيقة احترازا من المنقطع المستعمل فإنه لا يكون إلا أن يُستحضر بوجه ما عند ذكر المستثنى منه، أو ذكر ما نسب إليه نحو (فإنَّهم عَدُوٌّ لي إلّا رَبَّ العالمين) لأن عبّاد الأصنام كانوا معترفين به لقوله (إنْ كنّا لفي ضلالٍ مُبين إذ نُسوِّيكم بربّ العالمين). ولأن ذكر العبادة مذكّر بالإله الحقّ. فبذا الاعتبار لا يكون المنقطع غير بعض، إلا أن المستثنى منه لا يتناولة وَضْعا، فإن تناوله بغير ذلك فله حظّ من البعضية مجازا. ولذلك قيل له مستثنى، فإن لم يتناوله بوجه من الوجوه لم يصحّ استعماله لعدم الفائدة كقول القائل: صهلت الخيلُ إلّا البعير ورغت الإبل إلّا الفرس، فلو قال: صوّتتْ الخيل إلّا البعير لجاز؛ لأن التصويت يُستحضر بذكره الخيل وغيرها من المصوِّتات، فكان ذلك بمنزلة الداخل فيما قبله. ونبّهت باشتراط الفائدة على أن النكرة لا يستثنى منها في الموجب ما لم تُفِد، فلا يقال: جاء قوم إلا رجلا، لعدم الفائدة، فإن دخلت فائدة جاز كقوله تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما). والضمير من قولي "وله بعد إلا من الإعراب" عائد على المستثنى منه إذا لم يذكر وفرّغ العامل لما بعد إلا نحو مما جاءني إلا زيد وما لقيت إلا عمرا، وما مررت إلا بعامر، فيعرب ما بعد إلا بما كان يُعرب به دونها، لأنه صار خلفا عن المستثنى منه حين تُرك وفرّغ عامله لما بعد إلا.
واحترز بالتفريغ من نحو ما قام إلا زيدٌ غلا عمرا، وما قام زيد إلا عمرا، فإن الأصل فيهما ما قام أحد إلا زيدا إلا عمرا، وما قام زيد ولا غيره إلا عمرا. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ثم أشرت إلى أنه لا يترك المستثنى منه ويفرّغ عامله لما بعد إلّا دون نهي أو نفي صريح أو مؤول، والنهي كقوله تعالى (ولا تقولوا على الله إلا الحقّ) والنفي الصريح كقوله تعالى (وما محمدٌ إلّا رسولٌ قد خلت
стр. 666
من قبله الرسلُ) ويدخل في النفي المؤول الاستفهام كقوله تعالى (هل يُهلكُ إلّا القومُ الظالمون) والشرط الذي فيه معنى النهي كقوله تعالى (ومَن يُوَلِّهم يومئذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتحرِّفًا لقتال أو مُتحيّزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) فإن معناه: لا تُولّوا الأدبار إلا متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة. ومن النفي المؤول: زيدٌ غيرُ آكلٍ إلا الخبزَ، وقوله تعالى (ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورَه) لأن يأبى بمعنى لا يريد. ومنه (وإنّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين) لأن المراد بالكبيرة هنا الصعوبة، فكأنه قيل لا تسهل إلا على الخاشعين.
والحاصل أن المستثنى منه لا يحذف مع إيجاب محض، لأنه يلزم منه الكذب، ألا ترى أن حقيقة قولك رأيت إلا زيدا: عمَّ نظري الناس إلا زيدا وذلك غير جائز. بخلاف لم أر إلا زيدا فإن حقيقته لم أر من الناس إلا زيدا وذلك جائز. فإن كان في الإيجاب معنى النفي لعومل معاملته نحو: عدمتُ إلا زيدا، وصمت إلا يومَ الجمعة، فإنهما بمعنى لم أجد ولم أفطر. ومن النفي بالمؤوّل قولهم: قلّ رجلٌ يقول ذلك إلا زيدا، وأقل رجل يقول ذلك إلا زيدا.
وأشرت بقولي "وربما حُذف عامل متروك" إلى قول الشاعر:
تَنُوطُ التَّميمَ وتأبى الغَبُو ... ق من سنة النوْمِ إلّا نهارا
يصف امرأة بالتنعّم وكثرة الراحة، فهي تأبى أن تغتبق، أي تغتذي بالعشيّ لئلا يعوقها عن الاضطجاع للراحة. ثم قال: إلا نهارا، يريد لا تغتذي الدهر إلا نهارا. هذا معنى قول الفارسي. وأولى من هذا التقدير أن يكون أراد، وتأبى الغبوق والصبوح إلا نهارا، فحذف المعطوف وأبقى المعطوف عليه وهو كثير. ومما حمل على ذلك قوله تعالى (سرابيلَ تقيكم الحَرّ) أي الحرّ والبرد وقول امرئ القيس:
стр. 667
كأنّ الحصا مِن خَلْفِها وأمامِها ... إذا نَجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أعْسَرا
أراد إذا نجلته رجلها ويدها.
وقولي "وإن لم يترك المستثنى منه فللمستثنى بإلا النصب مطلقا" نبّهت به على أن المستثنى بإلا إذا ذُكر المستثنى منه يُنصب في الموجب وغيره، لكن في الموجب لا يشارك النصب، وفي غير الموجب يشاركه البدل راجحا، أو مرجوحا. والمراد بالموجب ما لم يشتمل عليه نهي أو نفي صريح أو مؤول، وغير الموجب ما اشتمل عليه بعض ذلك، وسيأتي الجميع مفصّلا إن شاء الله تعالى.
ثم قلت: "بها لا بما قبلها" مشيرا إلى الخلاف في ناصب المستثنى بإلّا، واخترت نصبه بها نفسها، وزعمت أني في ذلك موافق لسيبويه وللمبرد وللجرجاني وقد خفي كون هذا مذهب سيبويه على جمهور الشراح لكتابه. وأنا أستعين الله على بيان ما خَفى عليهم من ذلك بنصوص يعضد بعضُها بعضا، وبعد استيفاء ذلك أقيم الدلالة على صحته وفساد ما سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فمن ذلك قوله في الباب الثاني من أبواب الاستثناء بإلا يكون الاسم بعدها على وجهين: أحدهما ألّا تغيّر الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق، كما أن "لا" حين قلت: لا مرحبًا ولا سلامةً، لم تغيّر الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فكذلك إلّا، ولكنها تجيء لمعنى كما تجيء لا لمعنى. والوجه الآخر أن يكون الاسم بعدها خارجا مما دخل فيه (عاملا فيه) ما قبله من الكلام، كما تعمل "عشرون" فيما بعدها إذا قلت: "عشرون درهما".
فجعل إلا نظيرة "لا" المحمولة على "إنّ" في أنّ ما تدخل عليه تارة تصادفه
стр. 668
مشغولا بعامل غيرها فتؤثر في معناه دون لفظه، وتارة تصادفه غير مشغول بعامل غيرها فتؤثر في لفظه ومعناه ثم صرّح بأن العامل في زيد من نحو قاموا إلا زيدا ما قبله من الكلام، فإما أن يريد بما قبله إلا وحدها أو الفعل وحده أو كليهما، فدخول "من" مانعٌ من أن يريد كليهما، لأنها للتبعيض لا لبيان الجنس.
فإن التي لبيان الجنس لا تدخل بعد "ما" إلا على نكرة كقوله تعالى (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) وقوله تعالى: (واعملوا أن ما غنمتم من شيء) وقوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله) فلو كانت "من" في قول سيبويه لبيان الجنس لم تدخل على الكلام معرفا، بل كانت تدخل عليه منكرا، وإذا لم تدخل عليه إلا معرّفا فهي للتبعيض. ويلزم من ذلك انتفاء أن يريد ثبوت كليهما وثبوت إرادة الفعل وحده أو إلّا وحدها. وإرادة إلّا أولى لأنها قبل المستثنى لا قبل غيره والفعل قبله وقبل غيره فإرادته مرجوحة وإرادة إلّا راجحة، ولأنّ ما قبل الشيء إذا لم يُرَد به الجميع حمل على الذي يلي، ولهذا إذا قال النحوي: ياء التثنية مفتوح ما قبلها، وياء الجميع مكسور ما قبلها علم محل الفتحة والكسرة. ويعضد إرادة إلّا قوله: "تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت عشرون درهما" فجعل موقع المستثنى من عامله كموقع الدرهم من العشرين، فعُلِم أنه لم يُرد الفعل لأنه منفصل مُكتف بخلاف إلّا فإنها مثل العشرين في الاتصال وعدم الاكتفاء فكانت مرادة.
وأظهر من هذا قوله في خامس أبواب الاستثناء: "حدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول مررت بأحد إلا زيدا، وما أتاني أحد إلا زيدا، ثم قال سيبويه: وعلى هذا ما رأيت أحدا إلا زيدا، فتنصب زيدا على غير رأيت، وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلا من الأول، ولكنك جعلته منقطعا مما عمل في الأول، وعمل
стр. 669
فيه ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم". فصرّح بأن نصب زيد في المثال المذكور على لغة مَن لا يُبْدِل، إنما هو بغير رأيت فتعيّن نصبه بإلا. ولم يكتف بذلك التصريح حتى قال: "ولكنك جعلته منقطعا عما عمل في الأول" فهذان تصريحان لا يتطرق إليهما احتمال غير ما قلنا إلا بمكابرة وعناد.
وقال في تاسع أبواب الاستثناء بعد أن مثل بأتاني القوم إلا أباك: "وانتصب الأب إذ لم يكن داخلا فيما دخل فيه ما قبله ولم يكن صفة، وكان العامل فيه ما قبله من الكلام". قلت: فقد جعل علة نصب الأب عدم دخوله فيما دخل فيه ما قبله، والذي دخل فيه ما قبله إسناد المعنى إلى المعنى وتأثر اللفظ باللفظ، فلزم من ذلك ألا يكون لفظ الأب منصوبا بلفظ أتى، كما لم يكن لمعناه حظّ في معناه، وإذا لم يكن النصب بأتى تعيّن أن يكون بإلّا.
فحاصل كلام سيبويه أن إلّا هي الناصبة لما استثني بها إذا لم يكن بدلا ولا مشغولا عنها بما هو أقوى. ومن نسب إليه خلافَ هذا فقد تقوّل أو غلط فيما تأول، تغمّدنا الله وإياهم برحمته وأوزعنا شكر نعمته.
وأمّا المبرّد فحكى عنه السيرافي أن نصب المستثنى بعد إلّا بأستثني مضمرا، وكلامه في المقتضب بخلاف ذلك، فإنه قال في أبواب الاستثناء: "وذلك أنك إذا قلت جاءني القوم وقع عند السامع أن زيدا فيهم، فلما قلت إلا زيدا كانت إلا بدلا من قولك لا أعني زيدا أو استثنى ممن جاءني زيدا فكانت بدلا من الفعل" فهذا نصه.
بينا أن العامل "إلّا" وأنها بدل من الفعل، ولو كان الفعل عاملا لكان في حكم الموجود ولزم من ذلك جمع بين البدل والمبدل منه في غير إتباع ولا ضرورة. وممن قال بهذا القول من المتأخرين عبد القاهر الجرجاني وإذ قد بيّنت النصوص الشاهدة بأني فيما اخترته موافق لسيبويه، فلم يبق إلّا تبيين ما يدل على صحة ذلك فأقول مستعينا بالله تعالى:
стр. 670
العامل في الاسم على ضربين: قياسيّ واستحسانيّ، فالقياسي ما اختص به ولم يكن كجزء منه، وإلّا كذلك فيجب لها العمل، كوجوبه لسائر الحروف التي هي كذلك، ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعمول فتلغى وجوبا إن كان التفريغ محققا نحو ما قام إلا زيد، وجوازا إن كان مقدرا نحو ما قام أحد إلا زيد، فإنه في تقدير ما قام إلا زيد، لأن أحدا مبدل منه والمبدل منه غالبا في حكم الساقط. وقد شبه سيبويه إلا فيما قام إلا زيد بلا في لا مرحبا، لأن كل واحدة منهما دخلت على كلام عمله بعضه في بعض فلم تغيّر منه شيئا، فكما لم يلزم من كون لا غير عاملة في لا مرحبا إبطال عملها في لا مرحبا بك عندنا، لا يلزم من كون إلا غير عاملة في ما قام إلا زيد إبطال عملها في ما قاموا إلا زيدا. فإن قيل قاعدة الدلالة على إلحاق إلا بالعوامل إنما هي دعوى اختصاصها بالاسم قلت ودخولها على الفعل ليس مانعا من اختصاصها بالاسم لأن كل فعل دخلت عليه مؤول باسم، ولذا قالوا في نشدتك اللهَ إلّا فعلت معناه ما أسألك إلا فِعْلك.
وقال سيبويه بعد أن ذكر قول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضرّ: "فما مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان والضرر، كما أنك إذا قلت ما أحسنَ ما كلّم زيدا فهو بمنزلة ما أحسن كلامه زيدا، ولولا "ما" لم يجز الفعل بعد إلا في ذا الموضع كما لم يجز بعدما أحسن بغير ما".
فشبه إلا في طلبها الاسم ومابينتها الفعل المحض بفعل التعجب. قال ابن خروف: ومنعه لوقوع الفعل بعد إلا من غير ذكر "ما" حسن، وهو في الاستثناء بإلا يقبح، ولذلك قال في ذا الموضع. قلت فات ابن خروف أن يقول وذلك في موضع النصب، لأن كل مثال ذكره من الأمثلة التي دخلت فيها إلا على فعل مجرّد من "ما" فهو من باب الاستثناء، لكن الواقع فيه بعد إلا ليس في موضع نصب على الاستثناء. ثم قال ابن خروف: وقد قالت العرب: ما تأتيني إلا قلت حقا،
следующие страницы →