← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٣ - أَنَّ مُرَادَ الحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا أَبَدِيٌّ مَا دَامَ فِي جَهَنَّمَ؛ لَا أَنَّ قِيَامَهُ فِي جَهَنَّمَ أَبَدِيٌّ! وَهَذَا الوَجْهُ أَولَى الأَوجُهِ عِنْدِي (١). وَيَشْهَدُ لِهَذَا الوَجْهِ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ الكُفَّارِ فِي عَدَمِ تَمَنِّي المَوتِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البَقَرَة: ٩٥] مَعَ قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٧] (٢). - مُنَاقَشَةٌ ثَانِيَةٌ: فِي التَّعْلِيقِ عَلَى جَوَازِ إِخْلَافِ الوَعِيدِ دُونَ الوَعْدِ. قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]: "أَنَّ الوَعْدَ يَأْتِي فِي الشَّرِّ وَالعُقُوبَةِ؛ خِلَافًا لِمَن قَالَ: الوَعْدُ فِي الخَيرِ؛ وَالإِيعَادُ فِي الشَّرِّ! وَأَنْشَدُوا عَلَى ذَلِكَ قَولَ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي؛ وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوعِدِي (٣)، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، فَهُنَا قَالَ: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ وَعَلَى قِيَاسِ قَولِ البَيتِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ: (الَّذِي أَوْعَدْنَاهُم)! وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِهَذَا وَهَذَا" (٤). وَقَدْ عَقَّبَ شَيخُنَا الالبَانِيُّ ﵀ عَلَى ابْنِ القَيِّمِ فِي مَسْأَلَةِ فَنَاءِ النَّارِ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى "لَمْ يَقُلْ فِي مَوضِعٍ وَاحِدٍ: لَا يُخْلِفُ وَعِيدَهُ"! فَقَالَ شَيخُنَا ﵀: "قَدْ فَاتَهُ -

стр. 492

عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ- قَولُهُ تَعَالَى في (ق: ٢٧ - ٢٩) ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾! وَلِهَذَا قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عَقِبَهُ (١): (وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي وَعِيدِهِ أَيضًا، وَأَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ، وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ القَائِلُونَ بِأَنَّ فُسَّاقَ المِلَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ! وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيهِمْ فِي غَيرِ هَذَا المَوْضِع. لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُضْعِفُ جَوَابَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إخْلَافَ الوَعِيدِ جَائِزٌ! فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيكُمْ بِالوَعِيدِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ وَعْدُهُ) " (٢). وَعَلَى العُمُومِ؛ فَإِنَّ الأَمْرَ فِي نُصُوصِ الوَعِيدِ هُوَ كَمَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: "هَذَا مِنْ نُصُوصِ الوَعِيْدِ الَّتِي كَرِهَ السَّلَفُ تَأْوِيْلَهَا، وَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، وَمَنْ تَأَوَّلَهَا فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ. وَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ دُونَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ -المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ-؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَشِيْئَةِ اللهِ، فَإِنْ عَذَّبَهُ فَقَدِ اسْتَوجَبَ العَذَابَ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَبِفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ" (٣).

стр. 493

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَورَدَ بَعْضُهُم شُبْهَةً فِي شَأْنِ قَاتِلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ أَيضًا؛ فَقَالُوا: لَيسَ لِلقَاتِلِ تَوبَةٌ! اسْتِدْلَالًا بِقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قَالَ: (لَا تَوبَةَ لَهُ)؛ وَعَنْ قَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفُرْقَان: ٧٠] (١)، قَالَ: (كَانَتْ هَذِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ) البُخَارِيُّ (٢)، فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ: أ- إِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَينَ الآيَتِينِ أَصْلًا، لِأَنَّ الأُولَى أَثْبَتَتْ لَهُ الجَزَاءَ، وَالثَّانِيَةَ أَثْبَتَتْ لَهُ قَبُولَ التَّوبَةِ إِنْ تَابَ. قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ القَاتِلَ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَإِنْ مَاتَ مُصِرًّا، وَأَنَّ لَهُ تَوبَةً" (٣). ب- أَنَّهُ لَيسَ لَهُ تَوبَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَهُ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَيَاةِ لِلمَيِّتِ كَمَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَقُوقِ المَالِيَّةِ.

стр. 494

وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ: ((يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالقَاتِلِ تَشْخُبُ أَودَاجُهُ دَمًا، فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟)). ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ؛ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا. فَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ عَدَمَ القَبُولِ هُوَ بِاعْتِبَارِ حَقِّ المَقْتُولِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِرْجَاعُهُ كَمَا فِي قَولِهِ: (وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟) (١)، وَلَيسَ أَنَّهُ إِنْ تَابَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ تَوبَتَهُ. قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: "وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ تَتَعَلَّقُ فِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: حَقٌّ لِأَولِيَاءِ المَقْتُولِ، وَحَقٌّ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَحَقٌّ لِلمَقْتُولِ نَفْسِهِ. فَأَمَّا حَقُّ أَولِيَاءِ المَقتولِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالقِصَاصِ أَو بِدَفْعِ الدِّيَةِ، وَأَمَّا حَقُّ اللهِ جَلَّ وعَلَا فَإِنَّه يَسْقُطُ بِالتَّوبَةِ [كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ الفُرْقَانِ]، وَيَبْقَى حَقُّ المَقْتُولِ لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تُؤَدَّى الحُقُوقُ إِلَى أَصْحَابِهَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ مُمْسِكًا قَاتِلَهُ فَيَقُولُ: ((يَا رَبِّ! اسْأَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟)) فَهَلْ يَضِيعُ حَقُّهُ؟ لَا؛ لَنْ يَضِيعَ حَقُّهُ. وَهَذَا وَجْهٌ اسْتَدَلَّ بِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُرْضِي المَقْتُولَ عَنِ القَاتِلِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ إِذَا شَاءَ" (٢). قُلْتُ: وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلأَخِيرِ بحَدِيثِ: ((إِنَّ اللهَ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرفَات وَأَهْلِ المَشْعَرِ؛ وَضَمِنَ عَنْهُم التَّبِعَاتَ)) (٣).

стр. 495

ج- وَأَمَّا قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ مُطْلَقًا-. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوبَةً، وَجَوَازُ المَغْفِرَةِ لَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ القَتْل؛ وَالتَّورِيَةِ فِي المَنْعِ مِنْهُ (١)، وَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا اِبْنُ عَبَّاسٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ! وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤُهُ، وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ يُجَازَى" (٢). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ فِي ذَلِكَ-: "الأُولَى: مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْهُ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجَلٌ؛ فَقَالَ: إنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي؛ وخَطَبَهَا غَيرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيهَا فَقَتَلْتُهَا! فَهَلْ لِي مِنْ تَوبَةٍ؟ قَالَ: (أُمُّكَ حَيَّةٌ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (تُبْ إِلَى اللهِ ، وَتَقَرَّبْ إِلَيهِ مَا اسْتَطَعْتَ). فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: (إنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ مِنْ بِرِّ الوَالِدَةِ). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ

стр. 496

صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَينِ. الثَّانِيَةُ: مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَالَ: (لَيسَ لِقَاتِلٍ تَوبَةٌ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرِ اللهَ). أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ -عَلَى قَولِهِ الأَوَّلِ- ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ). وَاللهُ أَعْلَمُ" (١).

стр. 497

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ بِقَولِ الرَّازِي (١) ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "إِنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٍ! اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ العِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ، وَأَيضًا لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٩]، وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَو لَمْ يَكُنْ يُعلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الفَرْقُ بَينَهُ وَبَينَ المُعْجِزَةِ، وَالعِلْمُ بِكَونِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ"! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (٣): ١ - قَولُهُ: العِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ! إِنْ كَانَ عَقْلًا؛ فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى المَنْعِ. ٢ - قَولُهُ: وَلَا مَحْظُورَ فِيهِ! فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَولُهُ ﵊: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً)) (٤). ٣ - قَولُهُ: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ! لَيسَ بِصَوَابٍ، فَأَينَ كَلَامُ الأَئِمَّةِ العُلَمَاءِ

стр. 498

أَو أَكْثَرِهِم عَلَى تَحْسِينِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ (١)؟! ٤ - قَولُهُ: لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَدْحِ العَالِمِينَ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ (٢). ٥ - قَولُهُ: إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ بِالمُعْجِزِ إِلَّا بِالعِلْمِ بِالسِّحْرِ! هُوَ قَولٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ أَعْظَمَ مُعْجِزَاتِ رَسُولِنَا ﷺ هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ؛ وَالعِلْمُ بِأَنَّهُ مُعْجِزٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ السِّحْرِ أَصْلًا! ثُمَّ مِنَ المَعْلومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةَ المُسْلِمِينَ وَعامَّتَهُم كَانُوا يَعْلَمُونَ المُعْجِزَ وَيُفَرِّقُونَ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ السِّحْرَ وَلَا تَعَلَّمُوهُ وَلَا عَلَّمُوهُ! وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 499

- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنْكَرَ بَعْضُهُم تَلَبُّسَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: قَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى وُقُوعِ هَذَا التَّلَبُّسِ فِي عِدَّةِ نُصُوصٍ مِنْهَا (١): ١ - قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]. قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ إنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الصَّرَعَ مِنْ جِهَةِ الجِنِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبَائِعِ (٣)، وَأَنَّ الشَّيطَانَ لَا يَسْلُكُ فِي الإِنْسَانِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ مَسُّ" (٤).

стр. 500

وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ أَكَلَ الرِّبَا بُعِثَ يَومَ القِيَامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾)) (١). وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي الدِّلَالَةِ حَدِيثُ سُلَيمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ-، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَودَاجُهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ)). فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ)). فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ!! (٢) قُلْتُ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي جُنُونِ النَّاسِ. ٢ - عَنْ عُثْمَان بْنِ أَبِي العَاصِ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَفَلُّتَ القُرْآنِ مِنْ صَدْرِهِ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: ((يَا شَيطَانُ! أُخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمَان))، فَمَا نَسِيتُ شَيئًا أُرِيدُ حِفْظَهُ (٣). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَيهِ فِي الصَّحِيحَةِ: "وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَتَلَبَّسُ الإِنْسَانَ وَيَدْخُلُ فِيهِ -وَلَو كَانَ مُؤْمِنًا صَالِحًا- وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ، … وَمِثْلُهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي هَذَا بِهِ لَمَمٌ (جُنُونٌ) مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ؛ يَأْخُذُهُ كُلَّ يَومٍ مَرَّتَينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ

стр. 501

ﷺ : ((أَدْنِيهِ))، فَأَدْنَتْهُ مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَقَالَ: ((اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ! أَنَا رَسُولُ اللهِ)). رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ .... ، وَبِالجُمْلَةِ فَالحَدِيثُ بِهَذِهِ المُتَابَعَاتِ جَيِّدٌ". ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: ((إِذَا تَثاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدْخُلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٢): "قَالَ العُلَمَاءُ: أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاؤبِ وَرَدِّهِ وَوَضْعِ اليَدِ عَلَى الفَمِ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ، وَدُخُولِهِ فَمَهَ، وَضَحِكِهِ مِنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ". ٤ - يُضَافُ لِمَا سَبَقَ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ مِنْ أَحْوَالِ المَمْسُوسِينَ مِنْ أَنَّ الجِنَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ. "قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّ قَومًا يَقُولُونَ: إِنَّ الجِنَّ لَا تَدْخُلُ فِي بَدَنِ الإِنْسِ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ، هُوَ ذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ" (٣). "وَقَدِ اشْتُهِرَ بَينَ النَّاسِ وُجُودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عَنْ امْرَأَتِهِ حِينَ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا وَحَلِّ عَقْدِهِ، فَيَقْدِرُ عَلَيهَا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا! حَتَّى صَارَ مُتَوَاتِرًا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ. وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ" (٤).

стр. 502

أَخِيرًا؛ نَقُولُ: لَا يِلْزَمُ أَبَدًا مِنْ كَونِ الرَّجُلِ يُصْرَعُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا بَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ صَرَعِهِ مُطْلَقًا! بَلْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى كَونِهِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَمْ غَيرَ مَغْلُوبٍ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ)) (١). قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ: هَلِ المَسْحُورُ أَوِ الَّذِي بهِ صَرَعٌ لَهُ حُكْمُ المَعْذُورِينَ؟ وَهَلْ إِذَا فَعَلَ إِثْمًا ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ مَسْحُورٌ -وَفَعَلَ هَذَا بِغَيرِ إِرَادَتِهِ- لَا يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ؟ الجَوَابُ: "إِذَا كَانَ فَاقِدَ العَقْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقامُ عَلَيهِ الحَدُّ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدَ العَقْلِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ شَيءٌ مِنْ تِلْكَ العَوَارِضِ -وَعَقْلُهُ مَوجُودٌ مَعَهُ- فَإِنَّهَ يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ، حَتَّى لَو كَانَ عِنْدَهُ أَلَمٌ أَوِ اكْتِئَابٌ وَعَدَمُ ارْتِيَاحٍ، لَكِنَّ الشَّيءَ الَّذِي يُعْذَرُ فِيهِ هُوَ فُقْدَانُ العَقْلِ" (٢). - مُنَاقَشَةُ شُبْهَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ فِي نَفْي المَسِّ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم -كَالْمُعْتَزِلَةِ- عَلَى نَفْي المَسِّ بِمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الشَّيطَانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٢]، يَعْنَي: أَنَّ سُلْطَانَهُ هُوَ الدَّعْوَةُ فَقَط! وَلَيسَ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ!! فَمَرْدُودٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا مَعْنَاهُ: الحُجَّةُ وَالبُرْهَانُ، وَهَذَا حَقٌّ، يَعْنِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَيسَ لَهُ حُجَّةٌ وَلَا بُرْهَانٌ فِيمَا دَعَا النَّاسَ إِلَيهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى، وَتَزْيِينِ المَعَاصِي.

стр. 503

وَبِهَذَا المَعْنَى فِعْلًا لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى ابْنِ آدَمَ، أَمَّا لَو حُمِلَ السُّلْطَانُ عَلَى مَعْنَى التَّسَلُّطِ وَالتَّلَبُّسِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ -قُرْآنًا وَسُنَّةً- قَدْ دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ، فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ. وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يَظْهَرْ لَكَ أَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا هُوَ الحَقُّ وَالحُجَّةُ، وَعَلَيهِ فَلَا سُلْطَانَ لِلشَّيطَانِ عَلَى ابْنِ آدَمَ (١). وَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٢] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ (٢). وَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصَّافَّات: ٢٨ - ٣٠] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ أَيضًا (٣).

стр. 504

وَأَمَّا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٨ - ١٠٠] فَمَعْنَى السُّلْطَانِ هُنَا: الوَسْوَسَةُ وَالخَوَاطِرُ الرَّدِيَّةُ (١).

стр. 505

- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنْكرَتِ المُعْتَزِلَةُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ! وَقَالُوا إِنَّمَا هِيَ أَوهَامٌ وَخِفَّةٌ فِي اليَدِ فَقَط! وَاسْتَدَلُّوا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦]، فَهُوَ خَيَالٌ فِي العَينِ فَقَط! وَأَيضًا أَنَّ هَذِهِ الحِبَالَ كَانَتْ مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا (١)! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: إِنَّهُ يُقَالُ ابْتِدَاءً: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ السِّحْرِ؛ وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيرِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَفَى حَقَيقَتَهُ وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا" (٢). ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ السِّحْرَ مِنْهُ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الخِفَّةِ وَالاسْتِتَارِ وَالسُّرْعَةِ وَالخِدَاعِ، فَإِذَا أُثْبِتَ نَوعٌ مَا بِدَلِيلٍ فَهَذَا لَا يَعْنِي نَفْيَ الآخَرِ (٣)!

стр. 506

وَبَعْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ مِنَ أَدِلَّة حَقِيقَةِ وَأَثَرِ السِّحْرِ: ١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفَلَق: ١ - ٤] وَالنَّفَّاثَاتُ فِي العُقَدِ: هُنَّ السَّوَاحِرُ (١) مِنَ النِّسَاءِ، وَلَمَّا أُمِرَ بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِنَّ عُلِمَ أَنَّ لَهُنَّ تَأْثِيرًا وَضَرَرًا حَقِيقَةً. وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ)) (٢)، فعَطْفُ السِّحْرِ عَلَى السُّمِّ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ التَّأْثِيرِ الحَقِيقِيِّ؛ بَلْ وَعَلَى عِظَمِ أَثَرِهِ حَيثُ عُطِفَ عَلَى السُّمِّ المُمِيتِ. ٢ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢] ظَاهِرٌ فِيهِ أَثَرُ السِّحْرِ فِي التَّفْرِيقِ وَالضَّرَرِ، "وَغَيرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي العَقْلِ أَنْ يَكُونَ البَارِي سُبْحَانَهُ يَخْرِقُ العَادَاتِ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلَامٍ مُلَفَّقٍ أَو تَرْكِيبِ أَجْسَامٍ، أَوِ المَزْجِ بَينَ قِوىً عَلَى تَرتَيبٍ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا السَّاحِرُ" (٣). وَالإِيمَانُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ وَأَثَرِهِ لَيسَ بِأَعْجَبَ مِنَ الإِيمَانِ بِحَقِيقَةِ الحَسَدِ وَالعَينِ،

стр. 507

فَمَنْ آمَنَ بِالثَّانِي وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالأَوَّلِ فَقَدْ تَنَاقَضَ وَخَالَفَ المَحْسُوسَ وَالمُتَوَاتِرَ. ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلَهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ أَو ذَاتَ لَيلَةٍ -وَهْوَ عِنْدِي- لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ؛ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ (١) نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ)). فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أَو كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: ((قَدْ عَافَانِي اللهُ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا)) فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ (٢). وَالشَّاهِدُ فِيهِ مِنْ جِهَتَينِ: (التَّخْيِيلُ، قَدْ عَافَانِي). وَأَمَّا فِي خُصُوصِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦] أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخييلِ دُونَ الحَقِيقَةِ! فَالرَّدُّ عَلَيهِم مِنْ جِهَتَينِ: أ- أَنَّ هَذَا التَّخْيِيلَ -وَإِنْ كَانَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي تَغْيِيرِ أَعْيَانِ الأَشْيَاءِ- وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤَثِّرًا حَقِيقَةً عَلَى العَينَ حَتَّى جَعَلَهَا تَتَخَيَّلُ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حَقيقَتِهِ وَأَثَرِهِ. ب- لَا يَصِحُّ حَمْلُ ذَلِكَ السِّحْرِ عَلَى التَّخْيِيلِ بِكَونِ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ كَانَتْ

стр. 508

مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَعْيُ الحيَّاتِ هَذَا خَيَالًا بَلْ حَرَكَةً حَقِيقِيَّةً! وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا لِأَعْيُنِ النَّاسِ أَصْلًا! وَلَا يُسَمَّى -أَصْلًا- سِحْرًا؛ بَلْ صِنَاعَةً مِنَ الصِّنَاعَاتِ المُشْتَرَكةِ. وَأَيضًا لَو كَانَ ذَلِكَ حِيلَةً مِنْهُم كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ؛ لَكَانَ طَرِيقَ إِبْطَالِهَا إِخْرَاجُ مَا فِيهَا مِنَ الزِّئْبَقِ؛ وَبَيَانُ ذَلِكَ المُحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِلْقَاءِ العَصَا لِابْتِلَاعِهَا! وَأَيضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الحِيَلَةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الاسْتِعَانَةِ بِالسَّحَرَةِ؛ بَلْ يَكْفِي فِيهَا حُذَّاقُ الصُّنَّاعِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَعْظِيمِ فِرْعَونَ لِلسَّحَرَةِ وَخُضُوعِهِ لَهُم وَوَعْدِهِم بِالتَّقْرِيبِ وَالجَزَاءِ (١).

стр. 509

- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مَا صِحَّةُ مَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَان ﵀ فِي أَنَّهُ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؟ الجَوَابُ: لَو ثَبَتَ المَطْلُوبُ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ شَرْعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ-؛ يُسْتَدَلُّ لَهُ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، فَالحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالحَقِّ. وَلَكِنْ أَقُولُ -مُسْتَعِينًا بِالله تَعَالَى وَحْدَهُ-: إِنَّ مَا عُزِيَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؛ عَلَيهِ مُلَاحَظَاتٌ: ١ - إِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النَّفْيَ؛ إِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ الإِجْمَاعَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ ﵀! فَيَكُونُ قَولُهُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ! وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. قَالَ الوَزِيرُ أَبُو المُظَفَّرِ ابْنُ هُبَيرَةَ فِي كِتَابِهِ (الإِشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ الأَشْرَافِ): "بَابٌ فِي السِّحْرِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ" (١). ٢ - إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ نُقِلَ عَنْهُ القَولَانِ مَعًا -مِنْ جِهَةِ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي-. قَالَ أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِيُّ ﵀: "فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ، فَقَدِ

стр. 510

اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَالَّذِي عَلَيهِ الفُقَهَاءُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا" (١). عِلْمًا أَنَّ أَبَا الحَسَنِ المَاوَرْدِيَّ هَذَا ﵀ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا (٢) -وَالمُعْتَزِلَةُ تُنْكِرُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ-؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ السِّحْرِ! وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ المُلَقِّنِ الشَّافِعِيُّ ﵀: "ثُمَّ السِّحْرُ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ يُمْرِضُ مَنْ يُفْعَلُ بِهِ وَيَمُوتُ خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ وَقَال إِنَّهُ تَخْيِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ" (٣). وَأَيضًا عُلَمَاءُ المَذْهَبِ الحَنَفِيِّ؛ مِنْهُم مَنْ أَثْبَتَ حَقِيقَتَهُ وَأَثَرَهُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِقَولِ إِمَامِهِم (٤). قَالَ ابْنُ نُجَيمٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا فِي إِيلَامِ الأَجْسَامِ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَقَالَ: إِنَّهُ تَخْيِيلٌ. كَذَا فِي (الفتح) " (٥). وَجَاءَ أَيضًا فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ

стр. 511

الحَنَفِيَّةِ-: "قَولُهُ: (وَالسِّحْرِ): هُوَ عِلْمٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسَانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى أَفْعَالٍ غَرِيبَةٍ لِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ" (١). وَانْظُرْ كِتَابَ (مِرْقَاةِ المَفَاتِيحِ) أَيضًا لِلعَلَّامَةِ مُلَّا عَلِي القَاري الحَنَفِيِّ ﵀ (٢). ٣ - مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ أَنَّه يَقُولُ بِحَدِّ السَّاحِرِ وَرِدَّتِهِ، فَلَو كَانَ السِّحْرُ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ أَعْمَالِ خِفَّةِ اليَدِ وَمَا يُسَمَّى بِسَاحِرِ (السِّيرك)! فَعَلَى أَيِّ شَيءٍ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ عِنْدَهُ؟! جَاءَ فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّاحِرُ إذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَو ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ؛ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ" (٣). ٤ - إِنَّ الرَّاجِحَ فِي مَوقِفِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَقْصِدُ أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ وَتَأثِيرِهِ عَلَى النَّاسِ بِالمَرَضِ وَالتَّخْيِيلِ وَنَحْوِهِ؛ وَلَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ تَغْيِيرِهِ لِلْأَعْيَانِ، يَعْنِي أَنْ يُحَوِّلَ العِصِيَّ إِلَى أَفَاعِيَ حَقِيقِيَّةٍ مِثَلًا!! وَهَذَا بَيَّنَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. وَهَذَا الجَمْعُ أَولَى مِنْ تَرْجِيحِ وَجْهٍ عَلَى وَجْهٍ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ الجَمْعَ هَذَا لَا يُخْرِجُ رَأْيَهُ ﵀ عَنِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي هَذَا البَابِ، وَأَيضًا يَبْقَى مُوَافِقًا لِسَائِرِ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيرَةَ فِيمَا سَبَقَ عن إِجْمَاعِهِم.

стр. 512

قَالَ الكَشْمِيرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيضُ البَارِي): "ثُمَّ إِنَّ السِّحْرَ لَهُ تَأثِيرٌ فِي التَّقْلِيبِ مِنَ الصِّحَّةِ إِلَى المَرَضِ، وَبِالعَكْسِ، أَمَّا فِي قَلْبِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَا، وَمَا يَتَرَاءَى فِيهِ مِنْ قَلْبِ المَاهِيَّةِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا التَّخْيِيلُ الصَّرْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمْ تَنْقَلِبِ الحِبَالُ إِلَى حَيَّاتٍ! وَلَكِنْ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ. وَهَذَا مَا نُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةِ أَنَّ فِي السِّحْرِ تَخْيِيلًا فَقَط، وَلَا يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ التَّأثِيرِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ مَشْهُودٌ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ نَفِيَ التَّأثِيرِ فِي حَقِّ قَلْبِ المَاهِيَّاتِ" (١).

стр. 513

- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ كَونَ النَّبِيِّ ﷺ سُحِرَ، مِنْ أَوجُهٍ: الشُّبْهَةِ الأُولَى: قَالُوا: هَذَا يُدْخِلُ طَعْنًا عَلَى تَبْلِيغِ الدِّينِ! وَالجَوَابُ: نَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ كُلٌّ مِنَ الأَمْرَينِ، فنُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ سُحِرَ (١)، وَنَنْفِي عَنْهُ الخَطَأَ فِي التَّشْرِيعِ. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَكَانَ غَايَةُ هَذَا السِّحْرِ فِيهِ؛ إِنَّمَا هُوَ فِي جَسَدِهِ وَظَاهِرِ جَوَارِحِهِ، لَا عَلَى عَقْلِه وَقَلْبِه، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَا يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ خَيَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَحْدُثُ مِنْ بَعْضِ الأَمْرَاضِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (٢).

стр. 514

الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسْحُورٌ! قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٧ - ٤٨]. وَالجَوَابُ: إِنَّ اتِّهَامَهُم لَهُ ﷺ هُوَ مِنْ بَابِ الإيذَاءِ، وَيَقْصِدُونَ أَنَّ كَلَامَهُ كَلَامُ المَجَانِين -وَحَاشَاهُ ﷺ ، وَأَنَّهُ أَتَى بِمَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَصِحُّ، وَلَيسَ مِنْ بَابِ أَنَّهُ مُصَابٌ بِسِحْرٍ فِي بَدَنِهِ قَدْ أَمْرَضَهُ! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَات: ٥]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ: "فَتَارَةً مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: كَذَّابٌ. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٨] " (١). وَيَتَأَكَّدُ الجَوَابُ بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا هُوَ نَظِيرُ مَا جَرَى مَعَ مُوسَى ﷺ ، حَيثُ قَالَ فِرْعَونُ لِمُوسَى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٠١] مَعَ مَا قَد عُلِمَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦].

стр. 515

- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: إِذَا كَانَ حَدِيثُ البَابِ ذَكَرَ سَبْعًا مِنَ المُوبِقَاتِ، فَكَيفَ الجَمْعُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظٍ كَثِيرْةٍ لِلحَدِيثِ عَنْ غَيرِ هَذِهِ السَّبْعَةِ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (١): ١ - أَنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالمَذْكُورَاتِ، ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الأَخْذُ بِالزَّائِدِ. ٢ - أَنَّ الاقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسْبِ المَقَامِ بِالنِّسبَةِ لِلسَّائِلِ أَو مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ. ٣ - أَنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيسَ بِحُجَّةٍ -وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ-.

стр. 516

- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: مَا سَبَبُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ فِي الحَدِيثِ رُغْمَ أَنَّ السِّحْرَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى خُطُورَتِهِ. ٢ - أَنَّ السِّحْرَ لَيسَ مُطَابِقًا تَمَامًا لِلشِّرْكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ لَيسَ بِشِرْكٍ، كَمَا هُوَ فِي اسْتِخْدَامِ العَقَاقِيرِ وَالتَّدْخِينِ وَخِفَّةِ اليَدِ.

стр. 517

بَابُ بَيَانِ شَيءٍ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ؛ حَدَّثَنَا عَوفٌ؛ عَنْ حَيَّانَ بْنِ العَلَاءِ؛ حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الجِبْتِ)). قَالَ عَوفٌ: العِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ، وَالجِبْتُ؛ قَالَ الحَسَنُ: رَنَّةُ الشَّيطَانِ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ المُسْنَدِ مِنْهُ (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ؛ زَادَ مَا زَادَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (٢). وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: ((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا؛ فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ)) (٣).

стр. 518

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ؛ القَالَةُ بَينَ النَّاسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا)) (٢).

стр. 519

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الجِبْتِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ العِيَافَةِ وَالطَّرْقِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ نَوعٌ مِنَ السِّحْرِ. الرَّابِعَةُ: العُقَدُ مَعَ النَّفْثِ مِنْ ذَلِكَ. الخَامِسَةُ: أَنَّ النَّمِيمَةَ مِنْ ذَلِكَ. السَّادِسَةُ: أَنَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الفَصَاحَةِ.

стр. 520

الشَّرْحُ - أَرَادَ المُصَنِّفُ ﵀ بِهَذَا البَابِ بَيَانَ أَنَّ السِّحْرَ أَنْوَاعٌ -أَي مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَالعُرْفِ، وَالشَّرْعِ- وَمِنْهُ الكُفْرُ، وَمِنْهُ مَا دُونَ ذَلِكَ. فَقَدْ يُسَمَّى الشَّيءُ سِحْرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ السِّحْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِيقَتِهِ سِحْرًا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى الَّذِي هُوَ الكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الشَّيَاطِين وَالاسْتِعَانَةُ بِهِم، وَقَدْ يُسَمَّى أَيضًا سِحْرًا مِنْ حِيثُ خَفَاءِ أَسْبَابِهِ المَزْعُومَةِ. - قَولُهُ: ((العِيَافَةَ)) عَافَ الشَّيءَ يَعَافُهُ: إِذَا تَرَكَهُ فَلَم تبْغِهِ نَفْسُهُ، وعَافَ الطَّيرُ يَعِيفُ عَيَفَانًا وَعَيفًا وَعِيَافَةً: إِذَا حَامَ فِي السَّمَاءِ (١). - قَولُهُ: ((زَجْرُ الطّيرِ)) هُوَ أَنْ يُحرِّكَ طَيرًا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَينَ يَتَحَرَّكُ، ثُمَّ يَفْهَمَ مِنْ ذَلِكَ الزَّجْرِ هَلْ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي سَيُقْدِمُ عَلَيهِ أَمْرٌ مَحْمُودٌ أَمْ أَمْرٌ مَذْمُومٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ عُمُومِ الطِّيَرَةِ الَّتِي هِيَ التَّشَاؤُمُ وَالتَّفَاؤُلُ، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا إِنْ شَاءَ اللهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٣): "وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالبَارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِف إِلَيهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاءِ الجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُ التَّطَيُّرَ وَيَتَمَدَّحُ بِتَرْكِهِ. قَالَ شَاعِر مِنْهُمْ: لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِق بِالحَصَى … وَلَا زَاجِرَتُ الطَّيرِ مَا اللهُ صَانِعُ" (٢).

стр. 521

- العِيَافَةُ مِنَ السِّحْرِ، فَحرَكَةُ الطَّيرِ يَمْنَةً أَو يَسْرَةً لَهَا أَثَرٌ خَفَيٌّ دَخَلَ فِي النَّفْسِ فَأَثَّرَ عَلَيهَا مِنْ جِهَةِ الإِقْدَامِ أَوِ الكَفِّ (١). - قَولُهُ: ((الطَّرْقُ)) مَأْخُوذٌ مِنْ وَضْعِ طُرُقٍ وَخُطُوطٍ فِي الأَرْضِ، وَفَاعِلُهُ يُسَمَّى الرَّمَّالَ. - قَولُ الحَسَنِ: (رَنَّةُ الشَّيطَانِ): أَي: مِنْ وَحْي الشَّيطَانِ، وَالرَّنِينُ هُوَ صَوتُهُ الَّذِي يَسْتَفِزُ بِهِ (٢). - قَولُهُ: ((اقْتَبَسَ)) تَعَلَّمَ، وَ ((شُعْبَةً)) طائِفَةً. - عِلْمُ التَّنْجِيمِ: هُوَ عِلْمُ النُّجومِ، وَالتَّنْجِيمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (٣): ١ - الاعْتِقَادُ بِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الَّتِي تُدبِّرُ الكَونَ وَتُصَرِّفُهُ، وَأَنَّهَا تُخَاطَبُ وَتُعْبَدُ وَتُدْعَى وَيُسَبَّحُ لَهَا! فَهَذَا النَّوعُ سِحْرٌ وَشِرْكٌ. كَمَا هُوَ حَالُ الكَنْعَانِيِّين الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِم إِبْرَاهِيمُ ﵇؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَبْنُونَ هَيَاكِلَ عَلَى صُوَرِ الكَوَاكِبِ الَّتِي يَرَونَهَا، وَيَجْعَلُونَ بُيُوتًا لَهَا، وَيَضَعُونَ فِيهَا الصُّوَرَ، ثُمَّ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيهَا بِالدُّعَاءِ، وَيَلْبَسُونَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا، وَيُبَخِّرُونَ عِنْدَهَا، وَيَتَقرَّبُونَ إِلَيهَا بِالقُرَبِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُم إِذَا صَنَعُوا ذَلِكَ نَزَلَتْ رُوحَانِيَّاتُهَا! وَهَذِهِ الرُّوحَانِيَّاتُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا رُوحَانِيَّاتُ الكَوَاكِبِ إِنَّمَا هِيَ لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيهِم، وَقَدْ

стр. 522

تُخَاطِبُهُم، وَقَدْ تَقْضِي حَوَائِجَهُم وَتَفْعَلُ لَهُم بَعْضَ الشَّيءِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ؛ لِأَنَّهُم فَعَلُوا مَا تَرْضَاهُ الشَّيَاطِينُ، فَخَدَمُوهَا وَعَبَدُوهَا، فَيَأْتُونَ إِلَيهِم بِبَعْضِ النَّفْعِ (١). ٢ - عِلْمُ التَّأْثِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالأَحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ عَلَى الحَوَادِثِ الأَرْضِيَّةِ، كَالاسْتِدْلَالِ بِمَوَاضِعِ النُّجُومِ مِنَ الاقْتِرْانِ وَالطُّلُوعِ عَلَى الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى (٢). وَلَكِنَّهُ عَلَى دَرَجَتَينِ: أ- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا يَدَّعِي بِهِ عِلْمَ الغَيبِ، فَيَسْتَدِلَّ بِحَرَكَاتِهَا وَتَنَقُّلَاتِهَا وَتَغَيُّرَاتِهَا عَلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَا وَكَذَا (٣)، فَهَذَا اتَّخَذَ تَعَلُّمَ النُّجومِ وَسِيلَةً لِادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيبِ، وَدَعْوَى عِلْمِ الغَيبِ كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]، وَهَذَا الأُسْلُوبُ اللُّغَوِيُّ فِي الحَصْرِ هُوَ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الحَصْرِ، لِأَنَّهُ بِالنَّفِي وَالإِثْبَاتِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدٌ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ. ب- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا لِحُدُوثِ الخَيرِ وَالشَّرِّ، أَي: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ شَيءٌ نَسَبَهُ إِلَى النُّجُومِ، وَلَا يَنْسُبُ إِلَى النُّجُومِ شَيئًا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ؛

стр. 523

حَيثُ جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا. ٣ - عِلْمُ التَّسْيِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ عَلَى الجِهَاتِ وَالأَوقَاتِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَدْ يَجِبُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا (١). وَهَذَا الاسْتِدْلَالُ أَيضًا يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ: أ- الاسْتِدْلَالُ عَلَى الزَّمَانِ: كَالفُصُولِ وَدُخُولِ رَمَضَانَ وَالأَعْيَادِ وَمَوَاعِيدِ الزِّرَاعَةِ وَالحَصَادِ و … ب- الاسْتِدْلَالُ عَلَى المَكَانِ: كَجِهَةِ القِبْلَةِ وَالجِهَاتِ الأَرْبَعَةِ (٢). - قَولُهُ: ((زَادَ مَا زَادَ)) هُوَ عَلَى وَجْهَينِ مُتَلازِمَينِ: ١ - كُلَّمَا ازْدَادَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ؛ ازْدَادَ مِنَ السِّحْرِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ عِلْمُ التَّأْثِيرِ؛ فَيُصْبِحُ سِحْرًا وَكِهَانَةً حَقِيقَةً. ٢ - كُلَّمَا ازْدَادَ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُومِ؛ ازْدَادَ فِي الإِثْمِ الحَاصِلِ. - النَّفْثُ: هُوَ النَّفْخُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ، وَهُوَ دُونَ التَّفْلِ. - قَولُهُ: ((وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ)) مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - أَنَّ النَّافِخَ فِي العُقَدِ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَذَا الشَّيءِ إِلَى حَاجَتِهِ وَمَآرِبِهِ، فَيُوكَلُ إِلَى هَذَا الشَّيءِ المُحَرَّمِ وَهُوَ السِّحْرُ.

стр. 524

٢ - أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا سُحِرَ عَنْ طَرِيقِ النَّفْثِ بِالعُقَدِ ذَهَبَ إِلَى السَّحْرةِ وتَعَلَّقَ بِهِم لِيَكْشِفُوا مَا بهِم! وَتَعَلَّقُوا أَيضًا التَّمَائِمَ! فَكَانَ فِيهِ إِذًا الإِرْشَادُ إِلَى التَّوكلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى الَّذِي بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ الأَسْبَابُ كُلُّهُا، وَمِنْ ثُمَّ يَتَعَاطَى مَا جَازَ فِي الشَّرِيعَةِ فِعْلُهُ مِنَ الأَسْبَابِ (١). - (العِضَةُ): الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ، وَ (العَضْهُ): التَّفْرِيقُ (٢). قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (٣): "وَالعِضَةُ: السِّحْرُ وَالكِهَانَةُ، وَالعَاضِهُ: السَّاحِرُ" (٤). - النَّمِيمَةُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَهِيَ نَقْلُ الكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الوِشَايَةِ وَالإِفْسَادِ (٥).

стр. 525

وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا سِحْرًا أَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ فِي التَّفرِيقِ بَينَ النَّاسِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ مِنْ حَيثُ الضَّرَرِ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ (١): "يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالكذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ". وَفِي الحَدِيثِ: ((لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)) (٢) وَهُوَ النَّمَّامُ. - قَولُهُ: ((إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا)) (٣): (مِنْ) هُنَا للتَّبْعِيضِ، وَالبَيَانُ عُمُومًا هُوَ عَلَى مَعْنَيِينِ: ١ - الإِفْهَامِ: وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ؛ خِلَافًا لِلبَهَائِمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرَّحْمَن: ١ - ٤] (٤).

стр. 526

٢ - الفَصَاحَةِ التَّامَّةِ: وَهِيَ الَّتِي تَسْبِي العُقُولَ وَتُغَيِّرُ الأَفْكَارَ، وَتُؤَثِّرُ فِي القُلُوبِ، وَعَلَيهَا يُحْمَلُ الحَدِيثُ هُنَا. وَوَجْهُ كَونِهِ مِنَ السِّحْرِ هُوَ أَنَّ صَاحِبَهُ يُؤَثِّرُ فِي النَّاسِ بِاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِم عَلَى وَجْهٍ خَفِيٍّ؛ فَيَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ فَيَجْعَلُ الحَقَّ فِي قَالِبِ البَاطِلِ؛ وَالبَاطِلَ فِي قَالِبِ الحَقِّ! - قَولُهُ: ((مِنَ البَيَانِ)) اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي كَونِهِ سِيقَ لِلمَدْحِ أَمْ لِلذَمِّ، فجَعَلَهُ بَعْضُهُم لِلذَّمِّ لِكَونِهِ سَمَّاهُ سِحْرًا، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُم مَدْحًا لِكَونِهِ عَنِ البَيَانِ -وَالبَيَانُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى-. وَالأَرْجَحُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- هُوَ أَنَّهُ يُمْدَحُ أَو يُذَمُّ بِحَسْبِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ مِنْ حَقٍّ أَو بَاطِلٍ -إِذَا خَلَا مِنَ التَّكلُّفِ-. وَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ -خَطِيبَانِ- عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَا فَتَكَلَّمَا ثُمَّ قَعَدَا، وَقَامَ ثَابِتُ بْنُ قَيسٍ -خَطِيبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِهِمَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا قَولَكُمْ؛ فَإِنَّمَا تَشْقِيقُ الكَلَامِ مِنَ الشَّيطَانِ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)) (١)، وَتَشْقِيقُ الكَلَامِ: هُوَ المُبَالَغَةُ فِيهِ وَتَزْيِينُهُ (٢). - فَائِدَةٌ: يَدْخُلُ فِي إتْيَانِ الكُهَّانِ قِرَاءَةُ المَجَلَّاتِ الَّتِي فِيهَا بُرُوجُ الحَظِّ، فَالإِنْسَانُ يَقْرَؤُهَا وَقَدْ يَفْتَتَنُ بِهَا، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ إِتْيَانِ الكُهَّانِ.

стр. 527

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الطَّرْقُ مِنَ السِّحْرِ؛ فَمَا الجَوَابَ عَنْ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ يَخُطُّ، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ: ((فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ خَطَّهُ فَذَاكَ)) (١)؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ هَذَا هُوَ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحَالِ، وَالمَعْنَى: مَنْ كَانَ مِنْكُم نَبِيًّا فَلَهُ ذَاكَ، وَالمَقْصُودُ أَنَّهُ حَرَامٌ. ٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَبِيلًا لِنَبيِّهِ ذَاكَ؛ أَنَّهُ يَخُطُّ فِي الأَرْضِ فَيُعَلِّمُهُ مِنْ وَحْيهِ بِمَا شَاءَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ وَهُوَ كَاذِبٌ يَقِينًا! لِانْقِضَاءِ زَمَنِ الوَحْي وَالنُّبُوَّةِ، فَيَكُونُ مِنِ ادِّعَاءِ الغَيبِ وَمِنَ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّيَاطِينِ، فَالأًوَّلُ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي وَحْيٌ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ.

стр. 528

بَابُ مَا جَاءَ فِي الكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا)) (١). وَعَنْ أَبِي هُريرةَ ﵁؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((مَنْ أَتَىَ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). وَلِلْأَرْبَعَةِ وَالحَاكِمِ -وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا-؛ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)) (٣). وَلِأَبِي يَعَلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوقُوفًا (٤).

стр. 529

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَرْفُوعًا: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطِيِّرَ لَهُ، أَو تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِّرَ لَهُ، ومَنْ أَتَى كَاهِنًا؛ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)). رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قَولِهِ ((وَمَنْ أَتَى)) إِلَى آخِرِهِ (٢). قَالَ البَغَوِيُّ: "العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى المَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ الكَاهِنُ. وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ" (٣). وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيمِيَّةَ: "العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ" (٤). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَومٍ يَكْتُبُونَ (أَبَا جَادٍ) وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: (مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَلَاقٍ) (٥).

стр. 530

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ تَصْدِيقُ الكَاهِنِ مَعَ الإِيمَانِ بِالقُرْآنِ. الثَّانِيَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ. الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُكُهِّنَ لَهُ. الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُطُيَّرَ لَهُ. الخَامِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ سُحِرَ لَهُ. السَّادِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ تَعَلَّمَ أَبَا جَادٍ. السَّابِعَةُ: ذِكْرُ الفَرْقِ بَينَ الكَاهِنِ وَالعَرَّافِ.
следующие страницы →