Полный текст (1 328 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
التَّوضِيحُ الرَّشِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ
المُذَيَّلُ بِالتَّفْنِيدِ لِشُبُهَاتِ العَنِيدِ
قَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ عَنِ المَتْنِ:
"فَإِنَّهُ ﵀ قَدْ لَخَّصَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ المَعْرُوفِ بِهِ"
تَأْلِيفُ
أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونِ بنِ مَحْمُودِ بنِ نَغَوِي آل حَقُوي
مَضْبُوطَةٌ بِالشَّكْلِ وَالتَّخْرِيجِ
стр. 2
مُقَدِّمَةٌ
مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ
إِنِّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُور أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ -وَإِلَى الآنَ- أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعالى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي (١)، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُونَ أَحَدَ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِينَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ.
وَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِينِ الإِسْلَامِ -عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ- مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ (٢)، وَذَلِكَ بِنَشْرِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقَاةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَبَيَانِ أُصُولِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَهْمِ دِينِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.
وَقَدْ رَأَيتُ الاعْتِنَاءَ بِكِتَابِ (التَّوحِيدِ) لِلشَّيخِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ أَصْلِ الدِّينِ وَالتَّوحِيدِ وَبَيَانِ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ عَلَى وُفْقِ الكِتَابِ стр. 3
وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
وَنَظَرًا لِسَعَةِ وَتَنَوُّعِ أَدِلَّةِ هَذَا الكِتَابِ، وَلِمَا وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَّةُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ- مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ أَصْلِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَتَرْوِيجِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَأَهْلِ الزَّنْدَقَةِ لِبِدَعِهِم فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ، والبُعْدِ عَنِ التَّوحِيدِ -وَالَّذِي لَا نَجَاةَ لِلعَبْدِ مُطْلَقًا إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ- وَلِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَإِشَارَتِهِم إِلَى أَهَمِّيَّةِ وَجُودَةِ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلِكَثْرَةِ مَنِ اعْتَنَى بِشَرْحِهِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ التَّكْمِيلُ -بَينَ تَحْقِيقٍ حَدِيثِيٍّ، أَوْ شَرْحِ ضَرُورِيٍّ، أَوْ شُبْهَةٍ تَرِدُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ-؛ فَقَدْ قُمْتُ مُسْتَعِينًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَمُسْتَنِيرًا بِشُرُوحِ العُلَمَاءِ المَعْرُوفِينَ بِتَصْنِيفِ شَرْحٍ عَلَيهِ؛ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَجِيزًا فِي عِبَارَتِهِ، وَاسِعًا فِي فَوَائِدِهِ (١)، مَعَ الاعْتِنَاءِ الشَّدِيدِ بِتَحْقِيقِ الآثَارِ المَرْفُوعَةِ وَالمَوقُوفَةِ -مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ (٢) -؛ وَالعَزْوِ الصَّحِيحِ -مَا أَمْكَنَ- فِي مَوَاطِنِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِئْنَاسِ، وَذِكْرِ المُفِيدِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ مِمَّا يَمَسُّ مَادَّةَ هَذَا الكِتَابِ، وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ.
وَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي شَرْحِ الكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ -قَدِيمًا وَحَدِيثًا- المَعْرُوفِينَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ وَرُسُوخِ العِلْمِ وَبُعْدِ النَّظَرِ (٣). стр. 4
عَلَى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّنِي -إِنْ شَاءَ اللهُ- قَدْ وُفِّقْتُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِيعَابِ فَوَائِدَ وَمَسَائِلَ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهَا فِي كُلِّ بَابٍ؛ لَعَلَّهَا لَمْ تُجْمَعْ فِي شَرْحٍ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ.
وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَى شَرْحِ الكِتَابِ -فِي مَوَاضِعَ مُنَاسِبَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- بَعْضَ المُلْحَقَاتِ المُفِيدَةِ؛ التَي يَنْدُرُ الوُصُولُ إِلَى مِثْلَ فَائِدَتِهَا -بِفَضْلِ اللهِ- تَتْمِيمًا لِلمَنْفَعَةِ لِمِثْلِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ المُلْحَقَاتُ هِيَ:
المُلْحَقُ الأَوَّلُ: مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ.
المُلْحَقُ الثَّانِي: قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكِ وَالبَرَكَةِ.
المُلْحَقُ الثَّالِثُ: مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ.
المُلْحَقُ الرَّابِعُ: مُخْتَصَرُ تَحْذِيرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِد.
المُلْحَقُ الخَامِسُ: فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ عَلَى بَابِ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ.
المُلْحَقُ السَّادِسُ: مَسَائِلُ عِلْمِ الغَيبِ.
المُلْحَقُ السَّابِعُ: مُخْتَصَرُ القَوَاعِدِ المُثْلَى.
المُلْحَقُ الثَّامِنُ: مُخْتَصَرُ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ، أَحْكَامُهُ).
المُلْحَقُ التَّاسِعُ: مَسَائِلُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.
المُلْحَقُ العَاشِرُ: لَمْحَةٌ عَنِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي العَقِيدَةِ.
المُلْحَقُ الحَادِيَ عَشَرَ: مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَّصْوِيرِ.
المُلْحَقُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِيِّ.
المُلْحَقُ الثَّالِثَ عَشَرَ: رَدُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ.
стр. 5
وَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠ - ٤١].
وَكَتَبَهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودَ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوي (١). стр. 6
التَّعْرِيفُ بِمُصَنِّفِ كِتَابِ التَّوحِيدِ (١):
هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيمَانَ التَّمِيمِيُّ النَّجْدِيُّ، زَعِيمُ النَّهْضَةِ الدِّينِيَّةِ الإِصْلَاحِيَّةِ الحَدِيثَةِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ (٢)، وُلِدَ عَامَ (١١١٥ هـ)، وَتُوُفِّيَ عَامَ (١٢٠٦ هـ).
وُلِدَ وَنَشَأَ فِي العُيَينَةِ بِنَجْدٍ، وَرَحَلَ مَرَّتَينِ إِلَى الحِجَازِ، فَمَكَثَ فِي المَدِينَةِ مُدَّةً قَرَأَ بِهَا عَلَى بَعْضِ أَعْلَامِهَا، وَزَارَ الشَّامَ، وَدَخَلَ البَصْرَةَ فَأُوذِيَ فِيهَا، وَعَادَ إِلَى نَجْدٍ؛ فَسَكَنَ حُرَيمِلَاءَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَاضِيهَا بَعْدَ العُيَينَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى العُيَينَةِ نَاهِجًا مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، دَاعِيًا إِلَى التَّوحِيدِ الخَالِصِ وَنَبْذِ البِدَعِ وَتَحْطِيمِ مَا عَلَقَ بِالإِسْلَامِ مِنْ أَوهَامٍ (٣)، وَارْتَاحَ أَمِيرُ العُيَينَةِ: عُثْمَانُ بْنُ стр. 7
حَمَدِ بْنِ مَعْمَرِ إِلَى دَعْوَتِهِ فَنَاصَرَهُ، ثُمَّ خَذَلَهُ (١)، فَقَصَدَ الدَّرْعِيَّةَ بِنَجْدٍ سَنَةَ (١١٥٧ هـ)، فَتَلَقَّاهُ أَمِيرُهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُعُودٍ بِالإِكْرَامِ، وَقَبِلَ دَعْوَتَهُ وَآزَرَهُ، كَمَا آزَرَهُ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ عَبْدُ العَزِيزِ، ثُمَّ سُعُودُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَاتَلُوا مِنْ خَلْفِهِ، وكَانَتْ دَعْوَتُهُ الشُّعْلَةَ الأُولَى لِليَقَظَةِ الحَدِيثَةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ كُلِّهِ، تَأَثَّرَ بِهَا رِجَالُ الإِصْلَاحِ فِي الهِنْدِ وَمِصْرَ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَغَيرِهَا، وَعُرِفَ مَنْ وَالَاهُ وَشَدَّ أَزْرَهُ فِي قَلْبِ الجَزِيرَةِ بِـ (أَهْلِ التَّوحِيدِ) وَ (إِخْوَانِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ)، وَسَمَّاهُم خُصُومُهُم بِالوَهَّابِيِّينَ، وَشَاعَتِ التَّسْمِيَةُ الأَخِيرَةُ عِنْدَ الأَورُبِّيِّينَ فَدَخَلَتْ مَعاجِمَهُمُ الحَدِيثَةَ، وَأَخْطَأَ بَعْضُهُم فَجَعَلَهَا مَذْهَبًا جَدِيدًا فِي الإِسْلَامِ تَبَعًا لِمَا افْتَرَاهُ خُصُومُهُ وَلَا سِيَّمَا دُعَاةُ مَنْ كَانُوا يَتَلَقَّبُونَ بِالخُلَفَاءِ مِنَ التُّرْكِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الدَّرْعِيَّةِ، وَأَحْفَادُهُ اليَومَ يُعْرَفُونَ بِبَيتِ (الشَّيخِ)، وَلَهُمْ مَقَامٌ رَفِيعُ عِنْدَ آلِ سُعُودٍ.
وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ أَكْثَرُهَا رَسَائِلُ مَطْبُوعَةٌ، مِنْهَا (كِتَابُ التَّوحِيدِ) (٢)، وَرِسَالَةُ (كَشْفُ الشُّبُهَاتِ)، وَ (تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ)، وَ (أُصُولُ الإِيمَانِ)، وَ (تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَغَيرُهَا (٣). стр. 8
العُذْرُ بِالجَهْلِ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀، وَمَوقِفُهُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ
وَبَيَانُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِنَّمَا نَجْعَلُهُ مِنْ خَاصَّةِ كَلَامِهِ ﵀:
قَالَ ﵀: "وَأَمَّا الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ؛ فِمِثْلُ قَولِهِم: إِنَّا نُكَفِّرُ ِبالعُمُومِ! وَنُوجِبُ الهِجْرَةَ إِلَينَا عَلَى مَنْ قَدِرَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ! وَإِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ وَمَنْ لَمْ يُقاتِلْ! وَمِثْلُ
стр. 9
هَذَا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ؛ فَكُلُّ هَذَا مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ الَّذِي يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى عَبْدِ القَادِرِ (١)؛ وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدِ البَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا لِأَجْلِ جَهْلِهِم وَعَدَمِ مَنْ يُنبِّهُهُم؛ فَكَيفَ نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَينَا، أَوْ لَمْ يَكْفُرْ ويُقاتِلْ؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" (٢).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الأَعْدَاءُ عَنِّي: أَنِّي أُكَفِّرُ بِالظَّنِّ وَبِالمُوَالَاةِ! أَوْ أُكَفِّرُ الجَاهِلَ الَّذِي لَمْ تَقُمْ عَلَيهِ الحُجَّةُ! فَهَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يُرِيدُونَ بِهِ تَنْفِيرَ النَّاسِ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ" (٣).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَكَذَلِكَ تَمْوِيهُهُ عَلَى الطُّغَامِ: بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ يَقُولُ: الَّذِي مَا يَدْخُلُ تَحْتَ طَاعَتِي كَافِرٌ!! وَنَقُولُ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! بَلْ نُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ قُلُوبِنَا؛ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالتَّوحِيدِ، وَتَبَرَّأَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ فَهُوَ المُسْلِمُ فِي أَيِّ زَمَانٍ وَأَيِّ مَكَانٍ.
وَإِنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فِي إِلَهِيَّتِهِ بَعْدَمَا نُبَيِّنُ َلُه الحُجَّةَ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنْ حَسَّنَهُ لِلْنَّاسِ، أَوْ أَقَامَ الشُّبَهَ البَاطِلَةَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِسَيْفِهِ دُونَ هَذِهِ المَشَاهِدِ الَّتِي يُشْرَكُ بِاللهِ عِنْدَهَا وَقَاتَلَ مَنْ أَنْكَرَهَا وَسَعَى فِي إِزَالَتِهَا" (٤). стр. 10
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَأَمَّا التَّكْفِيرُ؛ فَأَنَا أُكَفِّرُ مَنْ عَرَفَ دِيْنَ الرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَمَا عَرَفَه سَبَّهُ وَنَهَى النَّاسَ عَنْهُ؛ وَعَادَى مَنْ فَعَلَهُ؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أُكَفِّرُ، وَأَكْثَرُ الأُمَّةِ -وَللهِ الحَمْدُ- لَيسُوا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا القِتَالُ؛ فَلَمْ نُقَاتِلْ أَحَدًا -إِلَى اليَومِ- إِلَّا دُونَ النَّفْسِ وَالحُرْمَةِ، وَهُمْ الَّذِين أَتَونَا فِي دِيَارِنَا، وَلَا أَبْقَوا مُمْكِنًا! وَلَكِنْ قَدْ نُقَاتِلُ بَعْضَهُم عَلَى سَبِيلِ المُقَابَلَةِ، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠].
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاهَرَ بِسَبِّ دِينِ الرَّسُولِ بَعْدَمَا عُرِّفَ؛ فَإِنَّا نُبَيِّنُ لَكُم أَنَّ هَذَا هُوَ الحقُّ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ؛ وَأَنَّ الوَاجِبَ إِشَاعَتُهُ فِي النَّاسِ وَتَعْلِيمُهُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ" (١).
ثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ
قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبْنُ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀: "جَمَعَ عَلَى اخْتِصَارِهِ خَيرًا كثيرًا، وَضَمَّنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا يَكْفِي مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ، وَبَيَّنَ فِيهِ الأَدِلَّةَ فِي بَيَانِ الشِّرْكِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ" (٢).
وَقَالَ العَلَّامَةُ المُؤَرِّخُ ابْنُ بِشْرٍ ﵀ فِي "عُنْوَانُ المَجْدِ": "مَا وَضَعَ المُصَنِّفُونَ فِي فَنِّهِ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَحْسَنَ فِيهِ وَأَجَادَ، وَبَلَغَ الغَايَةَ وَالمُرَادَ" (٣).
وَأَوْصَى الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيخِ ﵀ فِي رِسَالَةٍ مِنْهُ إِلَى أَحَدِ القُضَاةِ فَقَالَ: "وَعَلَيكَ بِصِفَتِكَ مَسْئُولًا عَنْ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَلَيهِ أَنْ تُعَيِّنَ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِكَ стр. 11
تَجْلِسُ فِيهِ فِي السُّوقِ يُقْرَأُ عَلَيكَ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ وَتَتَكَلَّمُ عَلَيهِ بِمَا تَيَسَّرَ" (١).
وَقَالَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ كُتُبُ إِمَامِ الدَّعْوَةِ وَمُجَدِّدِ دَعْوَةِ التَّوحِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀؛ فَكُتُبُهُ أَيضًا فِي هَذَا المَجَالِ بِمَنْزِلَةِ الكُتُبِ الَّتِي لَا مَثِيلَ لَهَا، فَإِنَّهُ ﵀ قَدْ لَخَّصَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ المَعْرُوفِ بِهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّ هَذَا الكِتَابَ لَهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ جِدًّا لَيسَ فِي البِلَادِ السَّعَودِيَّةِ فَقَط! بَلْ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَقَدْ أَخَذَ المُسْلِمُونَ يَتَعَرَّفُونَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ -دَعْوَةِ التَّوحِيدِ الخَالِصَةِ للهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي يَطْبَعُهَا عُلَمَاءُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ سَوَاءً مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ كُتُبِ الشَّيخِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ شُرُوحِ كُتُبِهِ الكَثِيرَةِ" (٢).
وَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ حَفِظَهُ اللهُ: "كِتَابُ التَّوحِيدِ -الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ- هُوَ أَهَمُّ وَأَوْسَعُ كُتُبِ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي العَقِيدَةِ" إِلَى أَنْ قَالَ -حَفِظَهُ اللهُ-: "وَمِنْ مَنْهَجِهِ فِي تَأْلِيفَهِ أَنَّ الكِتَابَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَسُوقُ فِيهِ الشَّيخُ الإِمَامُ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ وَآثَارًا عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِم وَطَرِيقَتِهِم" (٣). стр. 12
المُلْحَقُ الأَوَّلُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ
- التَّوحِيدُ: هُوَ جَعْلُ الشَّيءِ وَاحِدًا (١).
- التَّوحِيدُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٥].
وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ هِيَ:
١ - تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: وَمَعْنَاهُ تَوحِيدُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ، وَأُصُولُهَا: الخَلْقُ وَالمُلْكُ وَالتَّدْبِيرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٣١] (٢). стр. 13
٢ - تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ (١) أَو تَوحِيدُ العِبَادَةِ (٢): وَمَعْنَاهُ جَعْلُ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لُقْمَان: ٣٠].
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٢].
وَإِنَّ تَحْقِيقَ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ … ، فَمَنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَإِنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَو رَازِقٍ أَو نَافِعٍ أَو ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى -كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ بِالقُرْآنِ- (٣)، وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم стр. 14
هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى (١)؛ حَيثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم، وَهُمْ "لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ أَو تَضُرُّهُمْ بِذَاتِهَا! وَلَا أَنَّهَا تَخْلُقُ! وَلَا أَنَّهَا تَرْزُقُ! لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُم اتَّخَذُوهَا وَسِيلَةً" (٢).
٣ - تَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ أَنَّ اللهَ ﷻ وَاحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا مُمَاثِلَ لَهُ فِيهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١] (٣). стр. 15
وَهَذَا النَّوعُ الأَخِيرُ يَتَضَمَّنُ شَيئَين:
أ- الإِثْبَاتَ، وَذَلِكَ بِأَنْ نُثْبِتَ للهِ تَعَالَى جَمَيعَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي أَثْبتَهَا لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ أَو سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ .
ب- نَفْيَ المُمَاثَلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا نَجْعَلَ للهِ مَثِيلًا فِي تِلْكَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
- وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ البِدَعِ تَقْسِيمَ التَّوحِيدِ إِلَى هَذِهِ الأَقْسَامِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَصْلًا! وَالرَّدُّ عَلَيهِم هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّهُ لَو غَضَضْنَا الطَّرْفَ عَنِ المُسَمَّيَاتِ وَتَكَلَّمْنَا فِي حَقِيقَةِ المَعْنَى لَوَجَدْنَا الأَمْرَ يَؤُولُ إِلَى هَذِهِ الأَقْسَامِ وَلَابُدَّ -كَمَا سَبَقَ البَيَانُ قَبْلَ قَلِيلٍ-، وَعَلَيهِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الاصْطِلَاحِ وَالتَّقْسِيمِ طَالَمَا هُوَ حَقٌّ.
٢ - أَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الأَوَّلِينَ أَصْلًا.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبُرِيُّ ﵀ (ت ٣٨٧ هـ): "وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ -الَّذِي يَجِبُ عَلَى الخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الإِيمَانِ بِهِ- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ رَبَّانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا.
الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي العِبَادَةِ غَيرَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوصُوفًا بِهَا مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقِرِّ بِهِ وَيُوَحِّدُهُ بِالقَولِ المُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ
стр. 16
قَادِحًا فِي تَوحِيدِهِ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالإِيمَانِ بِهَا" (١).
وَإِنَّ مِن آثَارِ هَذَا الإِنْكَارِ أَنَّ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ المُنْكِرِينَ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ بِسَبَبِ جَهْلِهِم هَذَا؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ عَدُوُّ مَا يَجْهَلُ! وَصَدَقَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ الفَارُوقُ ﵁ حَيثُ قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- مَتَى تَهْلِكُ الْعَرَبُ: إِذَا وَلِيَ أَمْرَهُمْ مَنْ لَمْ يَصْحَبِ الرَّسُولَ ﷺ ، وَلَمْ يُعَالِجْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ) (٢).
- لَا بُدَّ فِي شَهَادَةِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مِنْ سَبْعَةِ شُرُوطٍ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ قَائِلَهَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا (٣):
١ - العِلْمُ المُنَافِي لِلْجَهْلِ.
٢ - اليَقِينُ المُنَافِي لِلشَّكِّ.
٣ - القَبُولُ المُنَافِي لِلرَّدِّ.
٤ - الانْقِيَادُ المُنَافِي لِلتَّرْكِ.
٥ - الإِخْلَاصُ المُنَافِي لِلشِّرْكِ. стр. 17
٦ - الصِّدْقُ المُنَافِي لِلكَذِبِ.
٧ - المَحَبَّةُ المُنَافِيَةُ لِضِدِّهَا (١).
- تُطْلَقُ العِبَادَةُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ (فِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ):
أ- العِبَادَةُ بِمَعْنَى التَّعَبُّدِ: أَي التَّذَلُّلُ للهِ تَعَالَى وَالخُضُوعُ لَهُ؛ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا (٢).
ب- العِبَادَةُ بِمَعْنَى مَا يُتعبَّدُ بِهِ: هِيَ "اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ" (٣)؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِ الطَّاعَاتِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ هُوَ كَالصَّلَاةِ لِغَيرِ اللهِ؛ وَذَلِكَ لِكَونِهِمَا عِبَادَةً يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى.
- إِنَّ نِزَاعَ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ الكَافِرَةِ المُخَالِفَةِ لِلإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِي النَّوعِ الأَوَّلِ стр. 18
مِنَ التَّوحِيدِ -وَهُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ-، وَلَكِنْ فِي تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، فَأَكْثَرُ الأُمَمِ الكَافِرَةِ كَانَتْ تُقِرُّ للهِ تَعَالَى بِالخَلْقِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الأَمْرَ القُرْآنِيَّ لِلمُشْرِكِينَ بِالعِبَادَةِ يُقْصَدُ بِهِ إِفْرَادُ اللهُ بِالعِبَادَةِ (١)، لِأَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونُ اللهَ تَعَالَى وَلَكِنْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؛ فَكَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَجُّ عَلَى المُشْرِكِينَ بِمَا يُقِرُّونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَحْدَهُ عَلَى مَا يُنْكِرُونَهُ مِنْ أُلُوهِيَّتِهِ وَحْدَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١] (٢).
- أَنْوَاعُ الشِّرْكِ: يُقْسَمُ إِلَى شِرْكٍ أَكْبَرَ، وَشِرْكٍ أَصْغَرَ:
١ - الشِّرْكُ الأَكْبَرُ: هُوَ أَنْ يَصْرِفَ العَبْدُ نَوعًا أَو فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ العِبَادَةِ لِغَيرِ اللهِ.
فَكُلُّ اعْتِقَادٍ أَو قَولٍ أَو عَمَلٍ ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ الشَّارِعِ للهِ؛ فَصَرْفُهُ للهِ وَحْدَهُ تَوحِيدٌ وَإِيمَانٌ وَإِخْلَاصٌ، وَصَرْفُهُ لِغَيرِهِ شِرْكٌ وَكُفْرٌ (٣).
٢ - الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُلُّ وَسِيلَةٍ وَذَرِيعَةٍ يُتَوَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ مِنَ стр. 19
الإِرَادَاتِ وَالأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ العِبَادَةِ (١)؛ وَجَاءَ وَصْفُهَا بِكَونِهَا شِرْكًا (٢).
- أَنْوَاعُ النِّفَاقِ:
١ - النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ: وَهُوَ النِّفَاقُ الأَكْبَرُ الَّذِي يُظْهِرُ فِيهِ صَاحِبُهُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ، وَهَذَا النَّوعُ مُخْرِجٌ مِنَ الدِّينِ بِالكُلِّيَّةِ (٣).
٢ - النِّفَاقُ العَمَلِيُّ: وَهُوَ عَمَلُ شَيءٍ مِنْ أَعْمَالِ المُنَافِقِينَ مَعَ بَقَاءِ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، لَكِنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَصَاحِبُهُ يَكُونُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَإِذَا كَثُرَ صَارَ بِسَبَبِهِ مُنَافِقًا خَالِصًا (٤)، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ قَولُهُ ﷺ : ((أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ стр. 20
فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١).
- أَنْوَاعُ الكُفْرِ: قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ (٢):
"أَنْوَاعُ الكُفْرِ: كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَكُفْرٌ أَصْغَرُ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ.
وَالكُفْرُ الأَكْبَرُ أَنْوَاعُهُ:
١ - كُفْرُ التَّكْذِيبِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦٨].
٢ - كُفْرُ الإبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ. стр. 21
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤].
٣ - كُفْرُ الظَّنِّ (الشَّكِّ).
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ٣٥ - ٣٨].
٤ - كُفْرُ الإِعْرَاضِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٣].
٥ - كفرُ النِّفاقِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المُنَافِقُون: ٣].
وَالكُفْرُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ الذُّنُوبِ الَّتِي وَرَدَ تَسْمِيَتُهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفْرًا وَلَا تَصِلُ إِلَى حَدِّ الكُفْرِ الأَكْبَرِ، مِثْلُ كُفْرِ النِّعْمَةِ المَذْكُورِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النَّحْل: ١١٢] " (١).
- فَائِدَةٌ: إِنَّ مِنْ كَمَالِ الرُّبُوبِيَّةِ نَفْيُ الوَلَدِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ، وَاتِّخَاذُ الوَلَدِ هُوَ تَنَقُّصٌ وَعَيبٌ لَهُ، وَمِن أَوجُهِ بَيَانِ كَونِهِ تَنَقُّصًا لَهُ سُبْحَانَهُ: стр. 22
١ - أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى احْتِيَاجِ الوَالِدِ لِلْوَلَدِ! وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، وَلِهَذَا تَجِدُ الإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَأْتِهِ الوَلَدُ يَرَى أَنَّهُ نَاقِصٌ، وَيَتَمَنَّى كُلَّ الأُمْنِيَةِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَلَدٌ يُسَاعِدُهُ عَلَى شُؤُونِ الحَيَاةِ، وَيُبْقِي ذِكْرَهُ بَعْدَ مَوتِهِ؛ فَاتِّخَاذُ الوَلَدِ نَقْصٌ، وَلِهَذَا نَزَّهَ اللهُ نَفْسَه عَنْهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢].
٢ - أَنَّ الوَلَدَ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ النَّوعِ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَاللهُ غَيرُ مُحْتَاجٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الوَاحِدُ البَاقِي ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزُّمَر: ٤] فَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّ كَونَهُ تَعَالَى قَهَّارًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَالمُحْتَاجُ إِلَى الوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتَاجُ إِلَى وَلَدٍ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ فَالمُحْتَاجُ إِلَى الوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالمَوتِ، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ قَاهِرًا وَلَا يَقْهَرُهُ غَيرُهُ؛ كَانَ الوَلَدُ فِي حَقِّهِ مُحَالًا.
٣ - أَنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُمَاثِلًا لِأَبِيهِ، فَلَو فُرِضَ أَنَّ اللهَ اتَّخَذَ وَلَدًا؛ لَكَانَ الوَلَدُ مِثْلَ اللهِ ! وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١].
٤ - أَنَّ اللهَ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ؛ فَكَيفَ يَأْتِي الوَلَدُ؟! وَإِنَّمَا جَاءَ الوَلَدُ مِن مِثْلِ آدَمَ ﵊ لِأَنَّهُ آيةٌ مُعْجِزَةٌ.
٥ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَو كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَنُقِضَ التَّوحِيدُ لِتَعَدُّدِ الأَرْبَابِ! فَالوَلَدُ مُتَوَلِّدٌ مِن أَبِيهِ؛ مُمَاثِلٌ لَهُ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (١). стр. 23
- الإِسْلَامُ لَهُ ضِدَّانِ:
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَلَهُ ضِدَّانِ: الكِبْرُ، وَالشِّرْكُ، وَلِهَذَا رُوِيَ أَنَّ نُوحًا ﵇ أَمَرَ بَنِيهِ بِـ (لَا إلَهِ إلَّا اللَّهُ) وَ (سُبْحَانَ اللَّهِ)، وَنَهَاهُمْ عَنِ الكِبْرِ وَالشِّرْكِ -فِي حَدِيثٍ قَدْ ذَكَرْته فِي غَيرِ هَذَا المَوْضِعِ (١) -؛ فَإِنَّ المُسْتَكْبِرَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ؛ لَا يَعْبُدُهُ؛ فَلَا يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لَهُ! وَاَلَّذِي يَعْبُدُهُ وَيَعْبُدُ غَيرَهُ؛ يَكُونُ مُشْرِكًا بِهِ؛ فَلَا يَكُونُ سَالِمًا لَهُ! بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ. وَلَفْظُ (الإِسْلَامِ) يَتَضَمَّنُ الِاسْتِسْلَامَ، وَالسَّلَامَةَ -الَّتِي هِيَ الإِخْلَاصُ-، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الرُّسُلَ جَمِيعَهُمْ بُعِثُوا بِالإِسْلَامِ العَامِّ المُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ" (٢).
- طَرِيقَةُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ تَجْرِي وَفْقَ ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ:
١ - الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ العَامِّ عَلَى مَنْعِ الشِّرْك فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِيرَادُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ عَمَلًا مَا هُوَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى.
كَمِثْلِ بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيرِ اللهِ) فَقَدْ أَورَدَ فِيهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٧]، ثُمَّ قَالَ فِي مَسَائِلِ البَابِ: "إِذَا ثَبَتَ كَونُهُ عِبَادَةً للَّهِ؛ فَصَرْفُهُ إِلَى غَيرِهِ شِرْكٌ"، فَالاسْتِدْلَالُ حَصَلَ بِبَيَانِ أَنَّ النَّذْرَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَسْلَفَ فِي البَابِ الأَوَّلِ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالعِبَادَةِ وَمَنْعِ الشِّرْكِ فِيهَا، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]؛ стр. 24
فَيَكُونُ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِنْ دَلِيلَينِ.
٢ - الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ الفُلَانِيَّ شِرْكٌ أَو مِنَ الكَبَائِرِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ)، وَقَدْ أَورَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ)) (١).
٣ - الاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ العَمَلَ المَذْكُورَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ؛ فَصَارَ اجْتِنَابُهُ مِنَ التَّوحِيدِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ) فَقَدْ أَورَدَ فِيهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ٦]، وَمَوضِعُ الاسْتِدْلَالِ هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَعُوذُونَ بِالجِنِّ؛ وَأَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ ذَكَرَ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ أَنَّ يَسْمَعُوا القُرْآنَ.
- قُلْتُ: إِنَّ أَبْوَابَ كِتَابِ التَّوحِيدِ لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ تَنْقَسِمُ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ (٢)، وَذَلِكَ تَسْهِيلًا لِلتَّعْلِيمِ. وَهِيَ:
القِسْمُ الأَوَّلُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ١) إِلَى البَابِ (رَقَم ٦): مُقَدِمَةٌ فِي التَّوحِيدِ عَلَى التَّرْتِيبِ التَّالِي:
البَابُ (رَقَم ١) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَيكَ.
البَابُ (رَقَم ٢) فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي التَّوحِيدِ بِكَونِ هَذَا الحَقِّ المَذْكُورِ فِيهِ لَيسَ حَقًّا مُجَرَّدًا! بَلْ فِيهِ فَضْلٌ يَعُودُ عَلَيكَ. стр. 25
البَابُ (رَقَم ٣) فِيهِ تَمَامُ التَّرْغِيبِ فِي التَّوحِيدِ؛ بِأَنَّ مِنْ جَاءَ بِهِ كَامِلًا نَجَا مِنَ الحِسَابِ وَالعَذَابِ.
البَابُ (رَقَم ٤) فِيهِ التَّرْهِيبُ مِنْ تَرْكِ التَّوحِيدِ؛ بِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ.
البَابُ (رَقَم ٥) أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا الخَيرَ فَلَا تَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى نَفْسِكَ؛ بَلِ ادْعُ النَّاسَ إِلَيهِ.
البَابُ (رَقَم ٦) أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَيهِ فَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، وَقَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي آخِرِ هَذَا البَابِ: "وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ".
القِسْمُ الثَّانِي: مِنَ البَابِ (رَقَم ٧) إِلَى البَابِ (رَقَم ١٨): أَبْوَابُ الشِّرْكِ الجَلِيِّ.
القِسْمُ الثَّالِثُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ١٩) إِلَى (رَقَم ٢٣): أَبْوَابُ شِرْكِ القُبُورِ وَذَرَائِعِهِ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ٢٤) إِلَى بَابِ (رَقَم ٣٠): أَبْوَابُ السَّحْرِ.
القِسْمُ الخَامِسُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ٣١) إِلَى (رَقَم ٣٩): أَبْوَابُ أَعْمَالِ القُلُوبِ.
القِسْمُ السَّادِسُ: البَابِ (رَقَم ٤٠) وَ (رَقَم ٥١) وَ (رَقَم ٦٧): فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
القِسْمُ السَّابِعُ: الأَبْوَابُ البَاقِيَةُ مِنَ البَابِ (رَقَم ٤١) إِلَى بَابِ (رَقَم ٦٦) عَدَا بَابِ (رَقَم ٥١): فِي بَيَانِ مُكَمِّلَاتِ التَّوحِيدِ.
стр. 26
بَابُ حَقِّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ
كِتَابُ التَّوحِيدِ، وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] الآيَة.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣] الآيَة.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦] الآيَات.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١] الآيَات.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيهَا خَاتَمُهُ؛ فَلْيَقْرَأْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣ - الآيَة] (١).
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ؛ فَقَالَ لِي: ((يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟)) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)). أَخْرَجَاهُ (٢). стр. 27
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: الحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الجِنِّ وَالإِنْسِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ التَّوحِيدُ؛ لِأَنَّ الخُصُومَةَ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فَفِيهِ مَعْنَى قَولِهِ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكَافِرُون: ٣].
الرَّابِعَةُ: الحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ الرِّسَالَةَ عَمَّتْ كُلَّ أُمَّةٍ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ دِينَ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ.
السَّابِعَةُ: المَسْأَلَةُ الكَبِيرَةُ؛ أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، فَفِيهِ مَعْنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٦].
الثَّامِنَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ.
التَّاسِعَةُ: عِظَمُ شَأْنِ الثَّلَاثِ آيَاتٍ المُحْكَمَاتِ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَفِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ أَوَّلُهَا النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ.
العَاشِرَةُ: الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ، وَفِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، بَدَأَهَا اللهُ بِقَولِهِ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٢] وَخَتَمَهَا بِقَولِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٩]، وَنَبَّهَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ المَسَائِلِ بِقَولِهِ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإِسْرَاء: ٣٩].
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ الحُقُوقِ العَشْرَةِ، بَدَأَهَا اللهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦].
стр. 28
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوتِهِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ اللهِ عَلَينَا.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ العِبَادِ عَلَيهِ إِذَا أَدَّوا حَقَّهُ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ كِتْمَانِ العِلْمِ لِلْمَصْلَحَةِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتِحْبَابُ بِشَارَةِ المُسْلِمِ بِمَا يَسُرُّهُ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الخَوفُ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَولُ المَسْئُولِ عَمَّا لَا يَعْلَمُ: "اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ".
العِشْرُونَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ النَّاسِ بِالعِلْمِ دُونَ بَعْضٍ.
الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَوَاضُعُهُ ﷺ لِرُكُوبِ الحِمَارِ مَعَ الإِرْدَافِ عَلَيهِ.
الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: جَوَازُ الإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ.
الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.
الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
стр. 29
الشَّرْحُ
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ، فَفِيهَا بَيَانُ سَبَبِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِلجِنِّ وَالإِنْسِ.
- مَعْنَى (يَعْبُدُونَ) هُنَا أَي: يُوَحِّدُوَن (١)، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَكَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؛ فَلَمَّا أُمِروا بِالعِبَادَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عَلَى عِبَادَةٍ مَرْضِيَّةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَكُلُّ عِبَادَةٍ فِيهَا شِرْكٌ لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا ((قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) (٢).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فِيهِ أُسْلُوبُ الحَصْرِ، فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ، وَالمَعْنَى: خُلِقَتِ الجِنُّ وَالإِنْسُ لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ العِبَادَةُ للهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا стр. 30
الطَّاغُوتَ﴾ أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيَانِ مَعْنَى العِبَادَةِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ؛ وَأَنَّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُوَ التَّوحِيدُ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعْنَاهَا نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ الحَقِّ عَنْ غَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِثْبَاتُهَا للهِ وَحْدَهُ، وَالنَّفْيُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ، وَالإِثْبَاتُ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
- الطَّاغُوتُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَو مَتْبُوعٍ أَو مُطَاعٍ (١).
- الطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ وَرُؤُوسُهَا خَمْسَةٌ (٢):
١ - الشَّيطَانُ الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ.
وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يَس: ٦٠]، وَالشَّيطَانُ هُوَ الَّذِي زَيَّنَ مَعْصِيَةَ اللهِ تَعَالَى، وَزَيَّنَ طَاعَةَ غَيرِ اللهِ تَعَالَى (٣).
٢ - الحَاكِمُ الجَائِرُ المُغيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ.
وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا стр. 31
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠].
٣ - الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.
وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٤] (١).
٤ - الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الغَيبِ مِنْ دُونِ اللهِ.
وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧] (٢).
٥ - الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ بِهَذِهِ العِبَادَةِ.
وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٩].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ هَذَا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِالمُطَابَقَةِ؛ يَعْنِي احْصُرُوا العِبَادَةَ فِيهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ هَذِهِ أَيضًا فِيهَا إِثْبَاتٌ стр. 32
وَنَفْيٌ، فَالأَمْرُ هُوَ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيءٌ، وَإِنَّ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ اللُّغَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيدُ العُمُومَ، أَي أَنَّ كَلِمَةَ (شَيئًا) جَاءَتْ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْي (لَا تُشْرِكُوا) فَصَارَ المَعْنَى: النَّهْيُ عَنْ أَيِّ شِرْكٍ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ فِيهِ بَيَانُ أَوَّلِ المُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَصَارَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الوَصِيَّةَ بِأَمْرٍ مَا تَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ.
- فِي قَولِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ آخِرَ مَا كَانَتْ عَلَيهِ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَصَّى بِهَذِهِ الأُمُورِ، وَأَوَّلُهَا وَأَهَمُّهَا التَّوحِيدُ (١).
وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ البَابِ بَيَانُ أَنَّ أَوَّلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ الإِرْشَادُ إِلَى التَّوحِيدِ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوحِيدَ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ وَأَعْظَمُهَا (٢). стр. 33
- فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَى العِبَادِ وَهُوَ التَّوحِيدُ، مِمَّا يَسْتَدْعِي الوَفَاءَ بِهِ للهِ تَعَالَى؛ وَأَنْ يُنْشَرَ بَينَ النَّاسِ وَيُرْشَدُوا إِلَيهِ.
- فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ لِلعِبَادِ حَقًّا عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُم الجَنَّةَ وَلَا يُعَذِّبَهُم إِذَا لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَلَكِنَّهُ مَقْرُونٌ بِعَدَمِ الشِّرْكِ لَا الأَكْبَرِ وَلَا الأَصْغَرِ، وَإِنَّ الإِصْرَارَ عَلَى المَعَاصِي قَادِحٌ فِي كَمَالِ التَّوحِيدِ وَتَمَامِ النَّجَاةِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوبَةِ بَعْدَ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.
- قَولُهُ: ((فَيَتَّكِلُوا)) أَي: يَتَّكِلُونَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّوحِيدِ؛ فَلَا يَتَنَافَسُونَ فِي الأَعْمَالِ؛ فَيَخْسَرُونَ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةَ فِي الجَنَّةِ -جَعَلَنَا اللهُ مِنْ أَهْلِهَا-.
стр. 34
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ يَكُونُ لِلْعِبَادِ حَقٌّ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ وَهُوَ الَّذِي أَوجَدَهُم؟
الجَوَابُ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الحَقَّ وَلَمْ يُوجِبْهُ عَلَيهِ أَحَدٌ، وَاللهُ تَعَالَى يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَشَاءُ مِمَّا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَكَذَا يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ (١)، وَكَذَا يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ (٢).
٢ - أَنَّ هَذَا الحَقَّ هُوَ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيسَ حَقَّ مُقَابَلَةٍ (٣)! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٦] فَجَزَاهُمُ اللهُ تَعَالَى الأَجْرَ الكَثِيرَ عَلَى العَمَلِ القَلِيلِ (٤). стр. 35
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا التَّوفِيقُ بَينَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁ بِأَنْ لَا يُبَشِّرَ النَّاسَ بِذَلِكَ الحَقِّ؛ مَعَ الأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عُمُومًا وَعَدَمِ كِتْمَانِهَا (١)؟
الجَوَابُ:
يَحْتَمِلُ التَّوفِيقُ عِدَّةَ أَوْجُهٍ؛ مِنْهَا:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁، غَايَةُ الأَمْرِ أَنَّهُ مَنَعَ نَشْرَهُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ خَوفًا عَلَى مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَرَامِيَ الحَدِيثِ فَيَقَعُ فِي المُحْظُورِ فَيَدَعُ بَعْضَ العَمَلِ، أَوْ يُفَرِّطُ فِيمَا أُمِرَ بِهِ.
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ العِلْمِ: "بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا" (٢).
٢ - أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِالكِتْمَانِ لَيسَ المَقْصُودُ بِهِ الكِتْمَانَ المُطْلَقَ المُؤَبَّدَ! بَلْ هُوَ كِتْمَانٌ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ مُعَاذٌ نَفْسَهُ ﵁؛ وَلِذَلِكَ فَقَدْ (أَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) (٣).
قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀: "وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُعَاذٌ -مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ- لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتَادُوا تَكَالِيفَهُ، فَلَمَّا تَثَبَّتُوا وَاسْتَقَامُوا أَخْبَرَهُمْ" (٤). стр. 36
بَابُ فَضْلِ التَّوحِيدِ وَمَا يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨٢].
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ وَالجَنَّةَ حَقٌّ؛ وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ)) أَخْرَجَاهُ (١).
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَان: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ-)) (٢).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ: ((قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا! قَالَ: يَا مُوسَى؛ لَو أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي؛ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ؛ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ؛ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَه (٣). стр. 37
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ؛ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا؛ ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيئًا؛ لَأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)) (١). стр. 38
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: سَعَةُ فَضْلِ اللهِ.
الثَّانِيَةُ: كَثْرَةُ ثَوَابِ التَّوحِيدِ عِنْدَ اللهِ.
الثَّالِثَةُ: تَكْفِيرُهُ مَعَ ذَلِكَ لِلذُّنُوبِ.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ.
الخَامِسَةُ: تَأَمُّلُ الخَمْسِ اللَّوَاتِي فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ.
السَّادِسَةُ: أَنَّكَ إِذَا جَمَعْتَ بَينَهُ وَبَينَ حَدِيثِ عِتْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ تَبَيَّنَ لَكَ مَعْنَى قَولِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَتَبَيَّنَ لَكَ خَطَأَ المَغْرُورِينَ.
السَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ.
الثَّامِنَةُ: كَونُ الأَنْبِيَاءِ يَحْتَاجُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).
التَّاسِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِرُجْحَانِهَا بِجَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ؛ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُهَا يَخِفُّ مِيزَانُهُ!
العَاشِرَةُ: النَّصُّ عَلَى أَنَّ الأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ لَهُنَّ عُمَّارًا.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبَاتُ الصَّفَاتِ -خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ-.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ حَدِيثَ أَنَسٍ؛ عَرَفْتَ أَنَّ قَولَهُ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: ((فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ-)) أَنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ لَيسَ قَولًا بِاللِّسَانِ!
стр. 39
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَأَمُّلُ الجَمْعِ بَينَ كَونِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَبْدَيِّ اللِه وَرَسُولَيهِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ اخْتِصَاصِ عِيسَى بِكَونِهِ كَلِمَةَ اللهِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ كَونِهِ رُوحًا مِنْهُ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ فَضْلِ الإِيمَانِ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ قَولِهِ: ((عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ)).
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ المِيزَانَ لَهُ كِفَّتَانِ.
العِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ ذِكْرِ الوَجْهِ.
стр. 40
الشَّرْحُ
- عَقَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذَا البَابَ لِبَيَانِ أَنَّ الحَقَّ الوَارِدَ فِي البَابِ السَّابِقِ لَيسَ حَقًّا مُجَرَّدًا بَلْ فِيهِ فَضْلٌ يَعُودُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَهُوَ أَعْظَمُ الحَسَنَاتِ وَأَعْظَمُ الوَاجِبَاتِ، لِذَلِكَ فَهُوَ أَعْظَمُ الأَعْمَالِ تَكْفِيرًا لِلذُّنُوبِ، وَهُوَ رَأْسُ الأَعْمَالِ وَأَهَمُّهَا وَأَوجَبُهَا.
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوصِنِي؟ قَالَ: ((إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً؛ فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنَ الحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: ((هِيَ أَفْضَلُ الحَسَنَاتِ)) (١).
- إِنَّ مِنْ فَضْلِ التَّوحِيدِ عَلَى العَبْدِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحْفَظُهُ بِهِ مِنْ سُوءِ العَمَلِ، وَيُوَفِّقُهُ بِسَبَبِهِ لِتَرْكِ المَعَاصِي، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يُوسُف: ٢٤].
وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ إِبْلِيسُ الرَّجِيمُ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] (٢). следующие страницы →