← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

- التَّوَكُّلُ عَلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ: ١ - التَّوَكُّلُ فِي الأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهَا إِلَّا اللهُ -كَالَّذِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالطَّوَاغِيتِ فِي تَحْصِيلِ مَطَالِبِهِم مِنْ نَصْرٍ أَو حِفْظٍ أَو رِزْقٍ أَو شَفَاعَةٍ- فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ. ٢ - التَّوَكُّلُ فِي الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، كَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى أَمِيرٍ أَو سُلْطَانٍ فِيمَا أَقْدَرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ مِنْ رِزْقٍ أَو دَفْعِ أَذًى وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ نَوعُ شِرْكٍ أَصْغَرَ، مِثْلُ اعْتِمَادِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى وَظِيفَتِهِم فِي حُصُولِ رِزْقِهِم، ولِهَذَا تَجِدُ الإِنْسَانَ مِنْهُم يَشْعُرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى هَذَا اعْتِمَادَ افْتِقَارٍ. - الفَرْقُ بَينَ التَّوَكُّلِ وَالوَكَالَةِ: التَّوَكُّلُ هُوَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، بَينَمَا الوَكَالَةُ -وَهِيَ جَائِزَةٌ- فَهِيَ إِقَامَةُ الشَّخْصِ غَيرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا أَو مُقَيَّدًا (١)، لَكِنْ لَيسَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيهِ فِي حُصُولِ مَا وَكَلَهُ بِهِ اعْتِمَادًا قَلبِيًّا! بَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فِي تَيسِيرِ أَمْرِهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ بِنَفْسِهِ أَو بِنَائِبِهِ، وَيَعُدُّ ذَلِكَ الشَّخْصَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا، فَيَكُونُ رَجَاؤُهُ وَدُعَاؤُهُ وَتَعَلُّقُهُ مَحْصُورًا فِي اللهِ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ النَّوعَينِ السَّابِقَينِ. - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فِيهَا وَصْفُ المُؤْمِنِينَ حقًّا بِخَمْسَةِ مَقَامَاتٍ مِنْ مَقَامَاتِ الإِيمَانِ، وَهِيَ الوَجَلُ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ القُرْآنِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَحْدَهَ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَالإِنْفَاقُ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى.

стр. 667

- المُرَادُ بِالإِيمَانِ هُنَا -فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ- الإِيمَانُ الكَامِلُ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ المَرْءَ يَكُونُ مُؤْمِنًا وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَهُوَ مَعَهُ مُطْلَقُ الإِيمَانِ وَلَيسَ كَمَالُهُ. - التَّوَكُّلُ الصَّحِيحُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرَينِ: الأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ اعْتِمَادًا صَادِقًا حَقِيقِيًّا. الثَّانِي: فِعْلُ الأَسْبَابِ المَأْذُونِ فِيهَا. فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا فَيَتْرُكَ الأَسْبَابَ! وَأَيضًا أَنْ لَا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا -أَي صَارَ مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ عِنْدَمَا فَقَدَ الأَسْبَابَ-! ومَنْ جَعَلَ أَكْثَرَ اعْتِمَادِهِ عَلَى الأَسْبَابِ؛ نَقَصَ بِذَلِكَ تَوَكُّلُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي كِفَايَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ وَحْدَهُ هُوَ العُمْدَةَ فِيمَا يَرْجُوهُ مِنْ حُصُولِ المَطْلُوبِ. وَأَيضًا مَنْ جَعَلَ اعْتِمَادَهُ عَلَى اللهِ مُلْغِيًا لِلأَسْبَابِ؛ فَقَدْ طَعَنَ فِي حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ شَيءٍ سَبَبًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلُ المُتَوكِّلَينَ؛ وَمَع ذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الزَّادَ فِي السَّفَرِ، وَلَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ أُحُدٍ ظَاهَرَ بَينَ دِرْعَينِ، وَلَمَّا خَرَجَ مُهَاجِرًا أَخَذَ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ. - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ بَيَانُ فَضِيلَةِ التَّوَكُّلِ، حَيثُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكْفِي عَبْدَهُ إِذَا تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَو أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ تَعَالَى حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)) (١).

стр. 668

- فَائِدَة ١: التَّوَكُّلُ هُوَ الاعْتِمَادُ، وَلَكِنَّهُ أَخَصُّ؛ فَهُوَ عِبَادَةٌ (١). - فَائِدَة ٢: فِي شَرْحِ حَدِيثِ: ((مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ)) (٢). قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: " ((مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ)) لِفِعْلِهِ مَا يُسَنُّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ مِنَ الاكْتِوَاءِ لِخَطَرِهِ، والاسْتِرْقَاءُ بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَونِهِ شِرْكًا. أَو هَذَا فِيمَنْ فَعَلَ مُعْتَمِدًا عَلَيهَا لَا عَلَى اللهِ؛ فَصَارَ بِذَلِكَ بَرِيئًا مِنَ التَّوَكُّلِ، فَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا مِنْهُ، وَقَد سَبَقَ أَنَّ الكَيَّ لَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا، بَلْ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلشِّفَاءِ وَعَدَمِ قِيَامِ غَيرِهِ مَقَامَهُ -مَعَ مُصَاحَبَةِ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ- (٣).

стр. 669

وَقَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ (١): "الكَيُّ نَوعَان: ١ - كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: (مَنْ اكْتَوَى؛ لَمْ يَتَوَكَّلْ) لِأَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ القَدَرَ، وَالقَدَرُ لَا يُدَافَعُ! ٢ - وَالثَّانِي: كَيُّ الجُرْحِ إِذَا فَسَدَ؛ وَالعُضْوِ إِذَا قُطِعَ؛ فَهُوَ الَّذِي شُرِعَ التَّدَاوِي فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ؛ َخِلَافُ الأَولَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيرِ مُحَقَّقٍ" (٢). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ عِنْدَ حَدِيثِ ((مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ)): "قُلْتُ: وَفِيهِ كَرَاهَةُ الاكْتِوَاءِ وَالاسْتِرْقَاءِ. أَمَّا الأَوَّلُ؛ فِلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ، وَأَمَّا الآخَرُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاجِ إِلَى الغَيرِ فِيمَا الفَائِدَةُ فِيهِ مَظْنُونَةٌ غَيرُ رَاجِحَةٍ" (٣). - فَائِدَة ٣: قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَالتَّوَكُّلُ مِن أَقْوَى الأَسْبَابِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا العَبْدُ مَا لَا يُطِيقُ مِن أَذَى الخَلْقِ وَظُلْمِهِم وَعُدْوَانِهِم، وَهُوَ مِن أَقْوَى الأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَسْبُهُ أَي: كَافِيهِ، وَمَن كَانَ اللهُ كَافِيهِ وَوَاقِيهِ؛ فَلَا مَطْمَعَ فِيهِ لِعَدُوِّهِ، وَلَا يَضُرُّهُ إِلَّا أَذًى لَا بُدَّ مِنْهُ كَالحَرِّ، وَالبَرْدِ، وَالجُوعِ، وَالعَطَشِ، وَأَمَّا أَنْ يَضُرَّهُ بِمَا يَبْلُغُ مِنْهُ مُرَادَهُ! فَلَا يَكُونُ أَبَدًا، وَفَرْقٌ بَينَ الأَذَى الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِرِ إِيذَاءٌ لَهُ -وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ إِحْسَانٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ- وَبَينَ الضَّرَرِ الَّذِي يُتَشَفَّى بِهِ مِنْهُ" (٤).

стр. 670

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٩]. وَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجْر: ٥٦]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ؟ فَقَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهُ)) (١). وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: (أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ). رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٢).

стр. 671

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الحِجْرِ. الثَّالِثَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِيمَنْ أَمِنَ مَكَرَ اللهِ. الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِي القُنُوطِ.

стр. 672

الشَّرْحُ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٤ - ٩٩]. - مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ الأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مُنَافِيَانِ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَقَدْ يُنَافِيَانِ أَصْلَهُ إِذَا اسْتَحْكَمَا. - الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ سَبَبُهُ ضَعْفُ عِبَادَةِ الخَوفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، أَمَّا القُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى فَسَبَبُهُ ضَعْفُ عِبَادَةِ الرَّجَاءِ بِاللهِ تَعَالَى. وَكِلَاهُمَا مُنَافِيَانِ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ، وَقَدْ يُنَافِيَانَ أصْلَهُ إِنْ صَحِبَهُمَا اعْتِقَادٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يُوسُف: ٨٧]. - أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَاتَينِ العِبَادَتَينِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمَا مُتَقَابِلَتَان، فَلَا يَصِحُّ الإِفْرَاطُ فِي رَجَاءِ المَغْفِرَةِ بِحَيثُ يَأْمَنُ عَذَابَ اللهِ! وَأَيضًا لَا يَصِحُّ الإِفْرَاطُ فِي الخَوفِ بِحَيثُ يَقْنَطُ مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ! لِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّهُمَا كَجَنَاحَي الطَّائِرِ؛ إِذَا اخْتَلَّ أَحَدُهُمَا عَنِ

стр. 673

الآخَرِ سَقَطَ الطَّائِرُ! وَانْظُرْ قَولَهَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَر: ٩]. وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]. - الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ: هُوَ إِقَامَةُ العَبْدِ عَلَى الذَّنْبِ يَتَمَنَّى عَلَى اللهِ المَغْفِرَةَ، وَفِي الحَدِيثِ: ((إِذَا رَأَيتَ اللهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٤٤])) (١). - مَكْرُ اللهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنُ أَمْرَينِ: ١ - اسْتِدْرَاجَ العَاصِي بِالنِّعَمِ. ٢ - أَنْ يَكُونَ العَاصِي آمِنًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. - القُنُوطُ: اسْتِبْعَادُ الفَرَجِ وَاليَأْسُ مِنْهُ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ -مِنْ ِجِهَةِ المُخَالَفَةِ-. - قَولُهُ: ((وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ))، هَذَا اليَأْسُ فِيهِ مَحْذُورَانِ: ١ - إِسَاءَةُ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيسَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ! ٢ - الجَهْلُ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ

стр. 674

حِكْمَتِهِ، أَوَ مِنْ جِهَةِ سُنَّتِهِ سُبْحَانَهُ فِي خَلْقِهِ مِنَ الابْتِلَاءِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ. - قَولُهُ: ((وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ))، هَذَا الأَمْنُ فِيهِ أَيضًا مَحْذُورَانِ: ١ - الجَهْلُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبِإِحَاطَتِهِ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا وَقُدْرَةً. ٢ - العُجْبُ بِالنَّفْسِ؛ حَيثُ اعْتَقَدَ صَاحِبُ الأَمْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَذَابًا؛ بَلْ هُوَ أَهْلٌ لِكُلِّ خَيرٍ رُغْمَ مَعَاصِيهِ! - قَولُهُ: ((مِنَ الكَبَائِرِ)) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَعَاصِي مِنْهَا الصَّغَائِرُ وَمِنْهَا الكَبَائِرُ وَبَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا لَيسَتْ مَعْدُودَةً بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَإنَّمَا هِيَ مَحْدُودَةٌ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ. وَضَابِطُهَا مَا قَالَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ العُلَمَاءِ، وَهِيَ أنَّهَا: "كُلُّ ذَنْبٍ تُوُعِّدَ عَلَيهِ بِنَارٍ أَو لَعْنَةٍ أَو غَضَبٍ أَو عَذَابٍ أَو نَفْي إِيمَانٍ أَو نَفْيٍ مِنَ المِلَّةِ، أَو لَهُ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَو وَعِيدٍ مَخْصُوصٌ (١) فِي الآخِرَةِ". قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَولُ القُرْطُبِيِّ فِي المُفْهِمِ: كُلُّ ذَنْبٍ أُطْلِقَ عَلَيهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجْمَاعٍ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ أَو عَظِيمٌ، أَو أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ العِقَابِ، أَو عُلِّقَ عَلَيهِ الحَدُّ، أَو شُدِّدَ النَّكِيرُ عَلَيهِ: فَهُوَ كَبِيرَةٌ.

стр. 675

وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي تَتَبُّعُ مَا وَرَدَ فِيهِ الوَعِيدُ أَوِ اللَّعْنُ أَوِ الفِسْقُ مِنَ القُرْآنِ أَوِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالحَسَنَةِ، وَيُضَمُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ التَّنْصِيصُ فِي القُرْآنِ وَالأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالحِسَانِ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، فَمَهْمَا بَلَغَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهُ تَحْرِيرُ عَدَدِهَا" (١).

стр. 676

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يُوسُف: ١١٠]؛ أَلَيسَ فِيهِ أَنَّ الرُّسُلَ يَئِسُوا؟ الجَوَابُ: فِيهَا قَولَانِ. ١ - أَنَّ هَذَا يَأْسٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ المَدْعُوِّينَ أَنَّهُم لَنْ يُؤمِنُوا بَعْدَ هَذَا الوَقْتِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ يَأْسِهِم مِنْ رَوحِ اللهِ تَعَالَى (١). ٢ - مَا أَفَادَهُ الإِمَامُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ "القَوَاعِدُ الحِسَانُ لِتَفْسِيرِ القُرْآنِ"، فَقَالَ ﵀: " القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الأُمُورُ العَارِضَةُ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ المُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ قَدْ تَرِدُ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى الأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ القُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ يُحْكِمْهَا

стр. 677

حَصَلَ لَهُ مِنَ الغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الآيَاتِ مَا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ. وَمَنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللهِ تَعَالَى: فِي وُرُودِهَا عَلَى الحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا أَوْ لِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ وَالحَقِّ الصَّرِيحِ، وَتَقَابَلَ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَوَقَعَتِ الخُصُومَةُ بَينَهُمَا فَغَلَبَ الحَقُّ البَاطِلَ، وَدَمَغَهُ فَزَهَقَ البَاطِلُ وَثَبَتَ الحَقُّ؛ حَصَلَتِ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرُ حِكَمٌ بَالِغَةٌ وَأَيَادٍ سَابِغَةٌ. وَلْنُمَثِّلْ لِهَذَا بِأَمْثِلَةٍ: فَمِنْهَا أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ أَكْمَلُ الخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الأُمَمِ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ فِي الرُّسُلِ مِنْ أَنَّهُم قَدْ بَلَغُوا الذِّرْوَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُم مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ اللهُ فِي بَعْضِ الآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُم بَعْضُ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ -المُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا- مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الكُمَّلِ أَنْ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٤]؟! وَقَدْ يَخْطُرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلَى القُلُوبِ شَيءٌ مِنْ عَوَارِضِ اليَأْسِ بِحَسْبِ قُوَّةِ الوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي القُلُوبِ؛ ثُمَّ فِي َأَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الحَالُ وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ وَيَأْتِي النَّصْرُ مِنْ قَرِيبٍ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَة: ٢١٤]، فَعِنْدَئِذٍ يَصِيرُ لِنَصْرِ اللهِ وَصِدْقِ مَوعُودِهِ مِنَ الوَقْعِ وَالبِشَارَةِ وَالآثَارِ العَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يُوسُف: ١١٠] فَلِهَذَا الوَارِدِ الَّذِي لَا َقَرَارَ لَهُ، وَعِنْدَمَا حَقَّتِ الحَقَائِقُ اضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى؛ لَا يُنْكَرُ وَيُطْلَبُ لِلْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا" (١).

стр. 678

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِالمَكْرِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَذْمُومٌ؟ الجَوَابُ: إِنَّ المَكْرَ فِي مَحَلِّهِ المَمْدُوحِ مَمْدُوحٌ؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ المَاكِرِ وَأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ! فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: إنَّ اللهَ مَاكِرٌ! وَإنَّمَا تُذْكَرُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي مَقَامٍ يَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُنْفى عَنْهُ أَيضًا عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ؛ وَلَكِنْ يُوصَفُ بِهَا اللهُ تَعَالَى فِي المَوضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، فَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللهُ بِهَا؛ فَلَا يُقَالُ: إنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ المَاكِرُ (١)! قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ رَشِيد رِضَا ﵀: "وَالغَالِبُ فِي عَادَاتِ البَشَرِ أَنْ يَكُونَ المَكْرُ فِيمَا يَسُوءُ وَيُذَمُّ مِن الكَذِبِ وَالحِيَلِ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ المُفَسِّرُونَ مَا أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ؛ فَقَالُوا فِي مِثْلِ هَاتَينِ الآيتَينِ -آيَةِ الأَنْفَالِ وَآيَةِ آلِ عِمْرَانَ-: إِنَّهُ أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ بِتَسْمِيَةِ تَخْيِيبِ سَعْيِهِم فِي مَكْرِهِم أَوْ مُجَازَاتِهِم عَلَيهِ بِاسْمِهِ. وَالحَقُّ أَنَّ المَكْرَ مِنْهُ الخَيرُ وَالشَّرُّ، وَالحَسَنُ وَالسَّيِّءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] " (٢). وَتَأَمَّلْ كَيفَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِأَنَّهُ خَيرُ مَنْ مَكَرَ، حَيثُ دَفَعَ سُبْحَانَهُ كُلَّ شُبْهَةِ سُوءِ فَهْمٍ عَنْ مَكْرِهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ

стр. 679

يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٠] (١). وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤٢] فَمَعْنَاهُ إِحَاطَتُهُ تَعَالَى بِمَكْرِهِم عِلْمًا وَجَزَاءً وَخَلْقًا وَتَقْدِيرًا. قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٣٢٨): "أَي: عِنْدَ اللهِ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّ اللهَ خَالِقُ مَكْرِهِمْ جَمِيعًا؛ بِيَدِهِ الخَيرُ وَالشَّرُّ، وَإِلَيهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ؛ فَلَا يَضُرُّ مَكْرُ أَحَدٍ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِهِ" (٢).

стр. 680

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ القُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ؛ فَكَيفَ اسْتَبْعَدَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ الفَرَجَ فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؟ الجَوَابُ: إِنَّ قَولَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِلمَلَائِكَةِ: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ لَيسَ فِيهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَنَطَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ! وَإنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ اسْتِبْعَادِ الوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، لِأَنَّ العَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَبُرَ سِنُّهُ وَسِنُّ زَوجَتِهِ اسْتُبْعِدَ أَنْ يُولَدَ لَهُ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ الكَونِيَّةِ، فَلَيسَ قَولُهُ ذَاكَ هُوَ مِنَ القُنُوطِ! فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ هُوَ نَفْسُهُ القَانِطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِالضَّلَالِ. وَمِثْلُهُ قَولُ زَكَرِيَّا ﵇ عِنْدَمَا بَشَّرُوُهُ بِيَحْيَى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٠] فَهُوَ نَظَرَ إِلَى الأَسْبَابِ وَتَعَجَّبَ مِنْ إِتْيَانِ الوَلَدِ بِهَا، وَلَمْ يُظْهِرْ قُنُوطًا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ! بَلْ لَمَّا سَمِعَ قَولَ مَرْيَمَ ﵍ عِنْدَمَا رَأَى رِزْقَ رَبِّهَا لَهَا -مِنْ غَيرِ سَعْيٍ مِنْهَا- دَعَا اللهَ بِالذُّرِّيَّةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِيَطْلُبَ مِنْهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ قَانِطًا مِنْ ربِّهِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عِمْرَان: ٣٦ - ٣٧] فَدُعَائُهُ دَالٌّ عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى رِزْقِهِ وَلَو عَدِمَ هُوَ السَّبَبَ.

стр. 681

بَابُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١]. قَالَ عَلْقَمَةُ: (هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ؛ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ) (١). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ)) (٢). وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)) (٣). وَعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيرَ؛ عَجَّلَ لَهُ بِالعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ؛ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ)) (٤).

стр. 682

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)). حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ التَّغَابُنِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ. الثَّالِثَةُ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ. الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِيمَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ. الخَامِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الخَيرَ. السَّادِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ. السَّابِعَةُ: عَلَامَةُ حُبِّ اللهِ لِلْعَبْدِ. الثَّامِنَةُ: تَحْرِيمُ السُّخْطِ. التَّاسِعَةُ: ثَوَابُ الرِّضَا بِالبَلَاءِ.

стр. 683

الشَّرْحُ - مُقَدِّمَةٌ فِي فَضْلِ الصَّبْرِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَر: ١٠]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)) (١). وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((الصَّبْرِ ضِيَاءٌ)) (٢). وَقَالَ عُمَرُ ﵁: (وَجَدْنَا خَيرَ عَيشِنَا بِالصَّبْرِ) (٣). - الصَّبْرُ لُغَةً: الحَبْسُ وَالمَنْعُ، وَمِنْهُ قُتِلَ فُلَانٌ صَبْرًا: أَي: حَبْسًا. - مُنَاسَبَةُ الآيَةِ مَعَ البَابِ وَمَعَ كِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ: أَنَّ الصَّبْرَ إِيمَانٌ، وَتَرْكَهُ تَرْكٌ لِلإِيمَانِ (٤)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ)) حَيثُ جُعِلَ تَرْكُ الصَّبْرِ -وَهُوَ النِّيَاحَةُ هُنَا- كُفْرًا.

стр. 684

- مَوَاضِعُ الصَّبْرِ: الصَّبْرُ يَقَعُ عَلَى القَلْبِ، وَعَلَى اللِّسَانِ، وَعَلَى الجَوَارِحِ (١). - أَنْوَاعُ الصَّبْرِ: ١ - صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ. ٢ - صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ. ٣ - صَبْرٌ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللهُ مِنَ المَصَائِبِ -وَهُوَ مَوضُوعُ البَابِ-. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أَي: مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ كَانَ بِقَدَرِ اللهِ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ وَصَبَرَ؛ فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُهُ هِدَايَةً فِي قَلْبِهِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلِمَ أَنَّهَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللهِ؛ هَدَى اللهُ قَلْبَهُ، وعَوَّضَهُ عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا هُدًى فِي قَلْبِهِ وَيَقِينًا صَادِقًا، وَقَدْ يُخْلِفُ عَلَيهِ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْهُ أَو خَيرًا مِنْهُ" (٢). - فِي البَابِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ مِنَ الكُفْرِ مَا لَا يُخْرِجُ منَ المِلَّةِ، وَفِي الحَدِيثِ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوتِهَا؛ تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)) (٣). - قَولُهُ: ((هُمَا بِهِم كُفْرٌ)) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِهِمَا كُفْرًا أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُمَا كَافِرًا (٤)! كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ الزِّنْدِيقِ وَاليَهُودِيِّ وَغَيرِهِمَا مِنَ

стр. 685

الكُفَّارِ؛ أَنَّه إِذَا فَعَلَ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ -كَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّريقِ وَالصِّدْقِ وَالصَّدَقَةِ- أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا! وَذَلِكَ لِأَنَّه كَافِرٌ فِي أَصْلِهِ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي أَصْلِهِ. وَهَذَا الحَدِيثُ يَجْعَلُهُ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ الَّتِي يُمِرُّونَهَا كَمَا جَاءَتْ دُونَ الخَوضِ فِي تَفْسِيرِهَا، لَا لِعَدَمِ العِلْمِ بِمَعْنَاهَا وَمَآلِهَا! وَلَكِنْ كَي تَكُونَ أَوقَعَ فِي النَّفْسِ وَأَبْلغَ فِي الزَّجْرِ، وحَقِيقَةُ هَذَا الكُفْرِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ حَيثُ يَأْثَمُ تَارِكُهُ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ المِلَّةِ (١). - قَولُهُ: ((مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ)) هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ، لَا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ، وَعَلَيهِ فَمَا كَانَ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَعْنَاهُ فَهُوَ مِنْهُ (٢). - قَولُهُ: ((دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)) عَامٌّ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ الأَقْوَالِ المَذْمُومَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ نَدْبُ الميِّتِ، وَالدُّعَاءُ بِالوَيلِ وَالثُّبُورِ (٣)، وَهَذَا مِنَ السَّخَطِ بِاللِّسَانِ؛ فَهُوَ مُنَافٍ لِلصَّبْرِ، وَيَدْخُلُ فِي دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ أَيضًا التَّعَصُّبُ وَدَعْوَى التَّجَمُّعِ عَلَى غَيرِ الإِسْلَامِ (٤).

стр. 686

وَفِي الحَدِيثِ: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً؛ فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى ﵇ أَنْ قُلْ لهَذَينِ المُنْتَسِبَينِ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي -أَوِ المُنْتَسِبُ- إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ! فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا المُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَينِ فِي الجَنَّةِ! فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ)) (١). - قَولُهُ: ((عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا)) أَرَادَ المُصَنِّفُ ﵀ الإِرْشَادَ إِلَى أَنَّ المَصَائِبَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنْفَعَةُ العَبْدِ، فَتَكُونُ نِعْمَةً فِي حَقِّهِ، وَهَذَا مِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيهَا وَالاحْتِسَابِ وَالاسْتِرْجَاعِ؛ فَتَكُونُ المُصِيبَةُ فِي تِلْكَ الحَالِ خَيرًا لَهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيبٍ مَرْفُوعًا: ((عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيرٌ -وَلَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ-، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ؛ فَكانَ خَيرًا لَهُ)) (٢).

стр. 687

وَكَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَيضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ -أَو أُمِّ المُسَيَّبِ- فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ -أَو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ- تُزَفْزِفِينَ؟)) (١) قَالَتْ: الحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ)) (٢). - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا قَولُهُ ﷺ : ((أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ)) مَعَ قَولِهِ أَيضًا ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرٍ: ((وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ)) (٣) تَفْصِيلٌ، وَهُوَ: أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الشَّرَّ لَيسَ مَقْصُودًا ابْتِدَاءً، بَلْ هُوَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى عَلَى الصَّابِرِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الكَافِرِ. وَقَالَ العُلَمَاءُ: أَفْعَالُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ تَدُورُ بَينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ (٤).

стр. 688

- أَوجُهُ بَيَانِ أَنَّ المَصَائِبَ نِعْمَةٌ (١): ١ - مُكَفِّرَاتٌ لِلذُّنُوبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: ((عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ)). ٢ - تَدْعُو إِلَى الصَّبْرِ؛ فَيُثَابُ عَلَيهَا -كَمَا فِي آيَةِ البَابِ- (٢) (٣). ٣ - تَقْتَضِي الإِنَابَةَ إِلَى اللهِ وَالذُّلَّ لَهُ، حَيثُ يَسْتَشْعِرُ العَبْدُ ضَعْفَهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَظْهَرُ افْتِقَارُهُ إِلَيهِ، فَتَظْهَرُ عُبُودِيَّتُهُ لَهُ سُبْحَانَهُ (٤). ٤ - رَفْعُ الدَّرَجَاتِ (٥)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ -حِينَ

стр. 689

يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ- لَو أَنَّ جُلودَهُمْ كانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ)) (١). - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّاني بَيَانُ تَفَاضُلِ الثَّوَابِ بِتَفَاضُلِ الابْتِلَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((أشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ)) (٢). وَفِيهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي العَبْدَ بِمَا يُطِيقُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. - وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ المَقْصُودُ بِهِ الحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا التَّرْغِيبُ فِي طَلَبِهِ! وَذَلِكَ لِوُرُود النَّهْي عَنْهُ (٣). - مَرَاتِبُ النَّاسِ عِنْدَ المُصِيبَةِ: ١ - مَرْتَبَةُ السَّخَطِ عَلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى: وَيَكُونُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، كَمَا فِي المتَّفَقِ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ وَشَقَّ

стр. 690

الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)) (١). ٢ - مَرْتَبَةُ الصَّبْرِ: وَهُوَ الرِّضَى بِمَا قَدَّرَ اللهُ عَلَيهِ مِنَ البَلَاءِ؛ وَأنَّهُ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا اللهُ، وَقَدْ يَتَمَنَّى العَبْدُ زَوَالَهَا، كَمِثْلِ مَنْ ابْتُلِيَ بِمَرَضٍ وَيَعْلَمُ أنَّهُ لِحِكْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ رَاضٍ بِفِعْلِ رَبِّهِ (أَي بِتَقْدِيرِهِ) وَإِنْ كَانَ مُتَمَنِّيًا لِزَوَالِهِ -وَهُوَ المَقْدُورُ- (٢). ٣ - مَرْتَبَةُ الرِّضَا بِالمَقْدُورِ: فَهُوَ رَاضٍ بِالقَدَرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لِحِكْمَةٍ، وَأَيضًا هُوَ رَاضٍ بِمَا حَلَّ بِهِ -أَي: مِنَ المَقْدُورِ- غَيرُ مُتَمَنٍ لِزَوَالِ مَا أَصَابَهُ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ بِأَسْبَابِ إِزَالَةِ المُؤْلِمِ! لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ إِظْهَارُ مَحَبَّةِ مَا اخْتَارَهُ اللهُ لَكَ، لِأَنَّهُ نَاتِجٌ عَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ (٣) (٤). ٤ - مَرْتَبَةُ الشُّكْرِ عَلَى المُصِيبَةِ: ووَجْهُهَا أَنَّه يَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّه لَمْ يَجْعَلْهَا فِي

стр. 691

دِينِهِ (١)، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. وَفِي الأَثَرِ عَن شُرَيحٍ القَاضِي: "إِنِّي لَأُصَابُ بِالمُصِيبَةِ؛ فَأَحْمَدُ اللهَ عَلَيهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ! أَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَأَحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيهَا، وَأَحْمُدُ إِذْ وَفَّقَنِي لِلاسْتِرْجَاعِ لِمَا أَرْجُو مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِي" (٢). - مِمَّا يُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أَمْرَانِ: ١ - مُلَاحَظَةُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي ابْتِلَائِهِ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلُّهَا سُبْحَانَهُ تَدُورُ بَينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ. ٢ - مُلَاحَظَةُ ثَوَابِ الرِّضَى بِالقَدَرِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلصَّابِرِينَ، وَقَدْ دَلَّ لَهُ الحَدِيثُ: ((إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ)) (٣).

стр. 692

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠]. وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: ((قَالَ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؟)) قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((الشِّرْكُ الخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي؛ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢).

стр. 693

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الكَهْفِ. الثَّانِيَةُ: الأَمْرُ العَظِيمُ فِي رَدِّ العَمَلِ الصَّالِحِ إِذَا دَخَلَهُ شَيءٌ لِغَيرِ اللهِ. الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَمَالُ الغِنَى. الرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الأَسْبَابِ؛ أَنَّهُ تَعَالَى خَيرُ الشُّرَكَاءِ. الخَامِسَةُ: خَوفُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الرِّيَاءِ. السَّادِسَةُ: أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّ المَرْءَ يُصَلِّي لِلَّهِ؛ لَكِنْ يُزَيِّنُهَا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيهِ.

стр. 694

الشَّرْحُ - الرِّيَاءُ حَقِيقَتُهُ مِنَ الرُّؤيَةِ البَصَرِيَّةِ، وَيَكُونُ أَيضًا مِنَ السَّمْعِ؛ فَيُسَمَّى سُمْعَةً، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((مَن سَمَّع سَمَّعَ اللهُ به، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ)) (١). - الرِّيَاءُ هُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ خَفيٌّ، فَهُوَ أَصْغَرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيسَ بِأَكْبَرَ، أَي: لَيسَ فَاعِلُهُ كَافِرًا بِاللهِ تَعَالَى خَارِجًا عَنِ المِلَّةِ. وَهُوَ شِرْكٌ خَفِيٌّ (٢) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّه يُخَالِطُ نِيَّةَ العَبْدِ وَلَيسَ عَمَلَهُ (٣). - أَنْوَاعُ الرِّيَاءِ (٤): ١ - رِيَاءُ المُنَافِقِينَ: بِأَنْ يُظْهِرَ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنَ الكُفْرَ، فَالرِّيَاءُ هَذَا هُوَ فِي أَصْلِ الدِّينِ.

стр. 695

وَهَذَا مِنَافٍ لِلتَّوحِيدِ مِنْ أَصْلِهِ، وكُفْرٌ أَكْبَرُ بِاللهِ ﷻ ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُنَافِقِينَ بِقَولِهِ: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]. ٢ - رِيَاءُ المُسْلِمِ (أَي الَّذِي قَدْ يَصْدُرُ مِنَ المُسْلِمِ): بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا، وَلَكِنَّهُ يُرَائِي بِبَعْضِ عَمَلِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ خَفِيٌّ، وَهُوَ مُنافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، لِأَنَّه لَيسَ فِي أَصْلِ تَديُّنِهِ؛ وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ (الخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ) بَيَانُ أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ (١). - سَبَبُ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ يَخْشَى عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الشِّركِ الخَفِيِّ أَكْثَرَ مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ رُغْمَ عِظَمِ فِتْنَتِهِ؛ هُوَ أَنَّ هَذَا النَّوعَ مِنَ الشِّرْكِ خَفيٌّ لَيسَ بِظَاهِرٍ، وَيَعْرِضُ لِلعُبَّادِ فِي عِبَادَتِهِم، أَمَّا المَسِيحُ الدَّجَّالُ؛ فَإِنَّ أَمْرَهُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي حَقِّهِ مِنَ النُّصُوصِ، لِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ شِيعَتَهِ هُمْ مِمَّن لَا عِلْمَ عِنْدَهُم. - إِنَّ اسْتِدْلَالَ المُصَنِّفِ هُنَا هُوَ منِ بَابِ الأَولَى، حَيثُ إِذَا كَانَ ﵊ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الرِّيَاءِ؛ فَغَيرُهُم -مِمَّنْ هُم أَقَلُّ عِلْمًا وَصَلَاحًا- هُمْ مِنْ بَابِ أَولَى. - حُكْمُ العِبَادَةِ إِذَا خَالَطَهَا الرِّيَاءُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (٢): ١ - أَنْ يَكُونَ البَاعِثَ عَلَى العِبَادَةِ مُرَاءَاةُ النَّاسِ مِنَ الأَصْلِ؛ كَمَنْ قَامَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ مُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَلَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا شِرْكٌ وَالعِبَادَةُ بَاطِلَةٌ (٣).

стр. 696

٢ - أَنْ يَكُونَ الرِّيَاءُ مُشَارِكًا لِلعِبَادَةِ فِي أَثْنَائِهَا؛ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ الإِخْلَاصُ للهِ تَعَالَى ثُمَّ يَطْرَأُ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَاءِ العِبَادَةِ؛ فَهُنَا نُمَيِّزُ العِبَادَةَ نَفْسَهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ العِبَادَةُ لَا يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أوَّلِهَا -كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ تِلوَ الصَّدَقَةِ- فَأَوَّلُهَا صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالبَاطِلُ آخِرُهَا. أَمَّا إِذَا كَانَتِ العِبَادَةُ يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ-؛ فَإِذَا دَافَعَ الرِّيَاءَ وَكَرِهَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَو تَتَكَلَّمْ)) (١). أمَّا إِذَا اسْتَرْسَلَ مَعَهُ ولم يُدَافِعْهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّ آخِرَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَمُرْتَبِطٌ بِهَا (٢). ٣ - إِذَا طَرَأَ الرِّيَاءُ - وَهُوَ هُنَا مَحَبَّةُ الثَّنَاءِ وَالفَرَحُ بِهِ- بَعْدَ انْتِهَاءِ العِبَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَلَيهَا شَيئًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عُدْوَانٌ كَالمَنِّ وَالأَذَى بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا العُدْوَانَ يَكُونُ إِثْمُهُ مُقَابِلًا لِأَجْرِ الصَّدَقَةِ فَيُبْطِلُهَا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ

стр. 697

الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ الوَحْيُ فِي اللُّغَةِ: الإِعْلَامُ بِسُرْعَةٍ وَخَفَاءٍ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مَرْيَم: ١١]، وَفِي الشَّرْعِ: إِعْلَامُ اللهِ بالشَّرْعِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ المُرَادُ بِاللِّقَاءِ هُنَا المُلَاقَاةُ الخَاصَّةُ، لِأَنَّ اللِّقَاءَ نَوعَان: ١ - عَامٌّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانِشْقِاق: ٦]. ٢ - خَاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ لَقَاءُ الرِّضَى وَالنَّعِيمِ كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَتَتَضَمَّنُ رؤيَتَهُ ﵎. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ فِيهِ بَيَانُ صِفَةِ العَمَلِ المَقْبُولِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَكَمَا فِي الحَدِيثِينِ اللَّذَينِ هُمَا مِيزَانَا قَبُولِ العَمَلِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَهُمَا حَدِيثُ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))، وَحَدِيثُ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهو رَدٌّ)) (١). وَكَمَا قَالَ الفُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵀ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [المُلْك: ٢] قَالَ: "أخْلَصَهُ وَأَصْوَبَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا

стр. 698

كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ! وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ! حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا، وَالخَالِصُ إِذَا كَانَ للهِ وَالصَّوَابُ إِذَا كَانَ عَلَى السُّنَّةِ" (١). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ذِكْرُ الرُّبُوبِيَّةِ هُنَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى العِلَّةِ فِي التَّوحِيدِ، فَكَمَا أَنَّ رَبَّكَ خَلَقَكَ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي خَلْقِكَ؛ فَإِنَّهُ أَيضًا مَعْبُودُكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي العِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١].

стр. 699

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: مَا حُكْمُ مَنْ خَالَطَتْ نِيَّتَهُ نِيَّةٌ غَيرُ الرِّيَاءِ؟ كَمَنْ جَاهَدَ مِنْ أَجْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَضَافَ لِذَلِكَ المَغْنَمَ! وَكَمَنْ حَجَّ لِأَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ فَرِيضَةٍ؛ وَأَضَافَ لِذَلِكَ تِجَارَةً دُنْيَوِيَّةً! وَكَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ؛ وَتَوسِيعًا فِي رِزْقِهِ؛ وَإِطَالَةً لِعُمُرِهِ! الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِي تَقْوَاهُ بِذِكْرِ مَنَافِعَ لَهُم فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاق: ٢]. وَكَمَا فِي الحَجِّ: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٨]. وَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَه فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) (١) (٢). إِلَّا أَنَّ أَجْرَهُ يَنْقُصُ بِحَسْبِ ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ؛ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، وَيَبْقى لَهُمُ الثُّلْثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ)) (٣) (٤).

стр. 700

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "التَّاجِرُ وَالمُسْتَاجَرُ أَجْرُهُم عَلَى قَدْرِ مَا يَخْلُصُ مِنْ نيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم؛ وَلَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيرَهُ". - تَنْبِيهٌ: إِنَّ مَا سَبَقَ لَا يَعْنِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ نيَّتُهُ خَالِصَةً لِأَمْرِ الدُّنْيَا! فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٨، ١٩]. وَكَمَا فِي الحَدِيثِ ((مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا! فَلَهُ مَا نَوَى)) (١).

стр. 701

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ إِرَادَةُ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٥ - ١٦]. في الصَّحَيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ! تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ؛ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ؛ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ! وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ!)) (١).

стр. 702

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: إِرَادَةُ الإِنْسَانِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ هُودٍ. الثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ الإِنْسَانِ المُسْلِمِ عَبْدَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالخَمِيصَةِ. الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ؛ بِأَنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ. الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((تَعِسَ وَانْتَكَسَ)). السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ)). السَّابِعَةُ: الثَّنَاءُ عَلَى المُجَاهِدِ المَوصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.

стр. 703

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلبَابِ السَّابِقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العَامِلَ فِيهِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ العَاجِلَ -كَالرِّزْقِ وَالعَافِيَةِ وَالأَمَانِ وَالذُّرِّيَّةِ-؛ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلبَابِ السَّابِقِ فِي أَنَّ العَامِلَ هُنَا عَمَلُهُ هُوَ لِوَجْهِ اللهِ وَلَيسَ رِيَاءً، وَأَمَّا البَابُ السَّابِقُ فَعَمَلُهُ هُوَ لِمُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَاشْتَرَكوا فِي كَونِ الغَايَةِ من عَمَلِهِم هِيَ المَصْلَحَةُ العَاجِلَةُ فَقَط. قُلْتُ: وَأَيضًا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَنَّ العَمَلَ هُنَاكَ حَابِطٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ مِنَ اللهِ -لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ-، أَمَّا هُنَا؛ فَقَدْ يُثَابُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا. - مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِلأَجْرِ العَاجِلِ وَالثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ ولَا يَرْجُو الآخِرَةِ أَبَدًا؛ فَهَذَا هُوَ الكَافِرُ الكُفْرَ الأَكْبَرَ (١)، وَسَبَبُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ إِيمَانِهِ بِاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ وَالثَّوَابَ وَالجنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوحِيدِ، وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الكُفْرِ حتَّى يَدَعَهَا (٢)، وَهُوَ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، فَهُوَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ (٣).

стр. 704

- مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مُخْلِصًا فِيهِ للهِ رَاجِيًا بِذَلِكَ الثَّوَابَ العَاجِلَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَو كَانَ كَافِرًا (١). وَفِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ؛ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)) (٢). فَالمُشْرِكُ -مَثَلًا- لَمَّا رَكِبَ البَحْرَ وَخَشِيَ الغَرَقَ وَدَعَا اللهَ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ اسْتَجَابَ لَهُ سُبْحَانَهُ فَنَجَّاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٦٥].

стр. 705

وَهَذَا بِخِلَافِ عَامَّةِ دُعَائِهِ الشِّرْكِيِّ؛ فَإِنَّ اللهَ يَجْعَلُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرَّعْدُ: ١٤]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٦] هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإِسْرَاء: ١٨] أَي: لِمَنْ شَاءَ وبِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ (١). - مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَيفِيَّةَ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا: أَنْ يُرِيدَ المَالَ، كَمَنْ أَذَّنَ لِيَأْخُذَ رَاتِبَ المُؤَذِّنِ، أَو حَجَّ لِيَأْخُذَ المَالَ. أَنْ يُرِيدَ المَرْتَبَةَ، كَمَنْ تَعَلَّمَ فِي كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِيَأْخُذَ الشَّهَادَةَ؛ فَتَرْتَفِعَ مَرْتَبَتُهُ بَينَ النَّاسِ. أَنْ يُرِيدَ دَفْعَ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ عَنْهُ، كَمَنْ يَعْبُدُ اللهَ كَي يَجْزيَهُ اللهُ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا بِمَحَبَّةِ الخَلْقِ لَهُ وَدَفْعِ السُّوءِ عَنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. - ((القَطِيفَةُ)) كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الخَمِيلَةِ. - سُمِّيَ الرَّجُلُ عَابِدًا لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ لِأَنَّهَا هِيَ المَقْصُودَةُ بِعَمَلِهِ وَهِمَّتِهِ، بِعَكْسِ مَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ مُنْصَرِفَةً لِابْتِغَاءِ الدَّارِ الآخِرَةِ. - قَولُهُ: ((تَعِسَ وَانْتَكَسَ)) تَعِسَ: خَابَ وَهَلَكَ، وَانْتَكَسَ: انْتَكَسَتْ عَلَيهِ الأُمُورُ
следующие страницы →