← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بَيَّنَهُ رَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ، فَإِذَا اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَينِ الشَّرْطَينِ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ صَالِحًا وَلَا مَقْبُولًا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَولُهُ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠] فَقَد أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ صَالِحًا -أَي: مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ-، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُخْلِصَ بِهِ صَاحِبُهُ للهِ؛ لَا يَبْتَغي بِهِ سِوُاهُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَهَذَانَ رُكْنَا العَمَلِ المُتَقَبَّلِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ؛ صَوَابًا عَلَى شَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) "، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الفُضَيلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ (٢) وَغَيرِهِ.

стр. 912

- الفَصْلُ الثَّانِي: الوَسَائِلُ الكَونِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ: ١ - الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ طَبِيعِيٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ بِخِلْقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ بِهَا، وَيُؤَدِّي إِلَى المَطْلُوبِ بِفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيهَا، وَهيَ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ مِنْ غَيرِ تَفْرِيقٍ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: المَاءُ؛ فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى رِيِّ الإِنْسَانِ، وَالطَّعَاُم وَسِيلَةٌ إِلَى شَبَعِهِ، وَاللِّبَاسُ وَسِيلَةٌ إِلَى حِمَايَتِهِ مِنَ الحَرِّ وَالقَرِّ، وَالسَّيَّارَةُ وَسِيلَةٌ إِلَى انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَهَكَذَا. ٢ - الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ عَنْ طَرِيقِ مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَهيَ خَاَّصٌة بِالمُؤْمِنِ المُتَّبِعِ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَينِ -بِإِخْلَاصٍ وَفَهْمٍ- وَسِيلَةٌ إِلَى دُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِتْبَاعُ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَحْوِ السَّيِّئَةِ، وَقَولُ الدُّعَاءِ المَأْثُورِ بَعْدَ الأَذَانِ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيلِ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ وَسِيلَةٌ لِطُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَهَكَذَا. فَهَذِهِ الأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا إِنَّمَا عَرَفْنَا أَنَّهَا وَسَائِلُ تُحَقِّقُ تِلْكَ الغَايَاتِ وَالمَقَاصِدِ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَحْدَهُ؛ لَا عَنْ طَريقِ العِلْمِ أَوِ التَّجْرِبَةِ أَوِ الحَوَاسِّ، فَنَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُطِيلُ العُمُرَ وَتُوَسِّعُ الرِّزْقَ إِلَّا مِنْ قَولِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) (١). ٣ - كَيفَ تُعْرَفُ صِحَّةُ الوَسَائِلِ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا:

стр. 913

أَمَّا الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ؛ فَلَهَا شَرْطَانِ. الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي الشَّرْعِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَد ثَبَتَ تَحْقِيقُهُ لِلمَطْلُوبِ أَو غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الظَّنِّ. وَأَمَّا الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إِلَّا ثُبُوتُهَا فِي الشَّرْعِ؛ لَيسَ غَيرُ.

стр. 914

- الفَصْلُ الثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ المَشْرُوعُ وَأَنْوَاعُهُ: ١ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَىَ أَو صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ العُلْيَا. كَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّك أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنْ تُعَافِيَنِي، أَو يَقُولَ: أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ أَنْ تَرْحَمَنِي وَتَغْفِرَ لِي. وَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّ الحُبَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا التَّوَسُّلَ قَولُهُ : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠]. وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيرًا لِي)) (١). وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ؛ يَا اللهُ؛ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ؛ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؛ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَدْ غُفِرَ لَهُ)) ثَلَاثًا (٢). وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا آخَرَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ،

стр. 915

وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى)) (١). ٢ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَامَ بِهِ الدَّاعِيُ: كَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ بِإِيمَانِي بِكَ، وَمَحَبَّتِي لَكَ، وَاتِّبَاعِي لِرَسُولِكَ؛ اغْفِرْ لي. أَو يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّي لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِيمَانِي بِهِ؛ أَنْ تُفَرِّجَ عَنِّي. وَمِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ الدَّاعِيُ عَمَلًا صَالِحًا -ذَا بَالٍ- فِيهِ خَوفُهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَقْوَاهُ إِيَّاهُ وَإِيثَارُهُ رِضَاهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَطَاعَتُهُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ؛ ثُمَّ يَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي دُعَائِهِ لِيَكُونَ أَرْجَى لِقَبُولِهِ وَإِجَابَتِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦]. وَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ بُرَيدةَ بْنِ الحٌصَيبِ ﵁؛ حَيثُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ؛ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ، وَلَم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ)، فَقَالَ: ((قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ؛ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ)) (٢). وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الغَارِ الَّذِينَ أَطْبَقَتْ عَلَيهِم الصَّخْرَةُ فِي الغَارِ؛ فَسَأَلُوا اللهَ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعْمَالِهِم؛ فَفَرَّجَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم (٣).

стр. 916

٣ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ:

стр. 917

كَأَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، أَوْ تَحُلُّ بِهِ مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ -وَيَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ التَّفْرِيطَ فِي جَنْبِ اللهِ ﵎؛ فَيَأْخُذَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ إِلَى اللهِ؛ فَيَذْهَبَ إِلَى رَجُلٍ -يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالتَّقْوَى أَوِ الفَضْلَ وَالعِلْمَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-؛ فَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ رَبَّهُ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كَرْبَهُ، وَيُزِيلَ عَنْهُ هَمَّهُ. وَقَد وَرَدَتْ أَمْثِلَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا وَقَعَتْ نَمَاذِجُ مِنْهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ حَيثُ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَومِ جُمُعَةٍ؛ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ -وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً- فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ . فَمُطِرْنَا يَومَنَا ذَلِكَ وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَو قَالَ: غَيرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَينَا)) فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوبَةِ، وَسَالَ الوَادِي -قَنَاةُ- شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالجَودِ (١). وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَيضًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ

стр. 918

إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا؛ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَونَ) (١). وَمَعْنَى قَولِ عُمَرَ: (إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَ (إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا): أَنَّنَا كُنَّا نَقْصُدُ نَبِيَّنَا ﷺ وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا؛ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِدُعَائِهِ، وَالآنَ -وَقَد انْتَقَلَ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَلَم يَعُدْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا- فَإِنَّنَا نَتَوَجَّهُ إِلَى عَمِّ نَبِيِّنَا العَبَّاسِ، وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا. وَلَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِم: (اللَّهُمَّ بِجَاهِ نَبِيِّكَ اسْقِنَا) ثُمَّ أَصْبَحُوا يَقُولُونَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ بِجَاهِ العَبَّاسِ اسْقِنَا)!! لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا دُعَاءٌ مُبْتَدَعٌ لَيسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَم يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم (٢).

стр. 919

وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنَ التَّوَسُّلَاتِ؛ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَنَدِينُ اللهَ تَعَالَى بِهِ أَنَّهُ غَيرُ جَائِزٍ وَلَا مَشْرَوعٍ، لِأَنَّه لَمْ يَرِدْ فِيهَا دَلِيلٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، وَقَد أَنْكَرَهُ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ فِي العُصُورِ الإِسْلَامِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ (١)، مَعَ أَنَّهُ قَد قَالَ بِبَعْضِهِ بَعْضُ الأَئِمَّةِ، فَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ التَّوَسُّلَ بِالرَّسُولِ ﷺ وَحْدَهُ فَقَط، وَأَجَازَ غَيرُهُ كَالإِمَامِ الشَّوكَانِيِّ ﵀ التَّوَسُّلَ بِهِ وَبِغَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَلَكِنَّنا -كَشَأْنِنَا فِي جَمِيعِ الأُمُورِ الخِلَافِيَّةِ- نَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ حَيثُ دَارَ، وَلَا نَتَعَصَّبُ لِلرِّجَالِ، وَلَا نَنْحَازُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلحَقِّ -كَمَا نَرَاهُ وَنَعْتَقِدُهُ-، وَقَد رَأَينَا فِي قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ -الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا- الحَقَّ مَعَ الَّذِينَ حَظَرُوا التَّوَسُّلَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَم نَرَ لِمُجِيزِيهِ دَلِيلًا صَحِيحًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُم بِأَنْ يَأْتُونَا بِنَصٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فِيهِ التَّوَسُّلُ بِمَخْلُوقٍ، وَهَيهَاتَ أَنْ يَجِدُوا شَيئًا يُؤَيِّدُ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ، أَو يَسْنُدُ مَا يَدَّعُونَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا شُبَهًا وَاحْتِمَالَاتٍ؛ سَنَعْرُضُ لِلرَّدِّ عَلَيهَا بَعْدَ قَلِيلٍ. ومِنَ الغَرِيبِ حَقًّا أَنَّكَ تَرَى هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ

стр. 920

السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ شَيئًا مِنْهَا فِي دُعَائِهِم أَو تَعْلِيمِهِم النَّاسَ مَعَ ثُبُوتِهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَيهَا؛ وَتَرَاهُم بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يَعْمَدُونَ إِلَى أَدْعِيَةٍ اخْتَرَعُوهَا وَتَوَسُّلَاتٍ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ ، وَلَم يَسْتَعْمِلْهَا رَسُولُهُ المُصْطَفَى ﷺ ، وَلَم تُنْقَلْ عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ أَصْحَابِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الفَاضِلَةِ، وَأَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا: إِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا!! فَمَا أَجْدَرَهُم بِقَولِهِ ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ [البَقَرَة: ٦١].

стр. 921

- الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ وَالجَوَابُ عَلَيهَا: - الشُّبْهَةُ الأُولَى: اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄: رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁؛ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا)، قَالَ: فَيُسْقَونَ (١). فَيَفْهَمُونَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا كَانَ بِجَاهِ العَبَّاسِ ﵁ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ تَوَسُّلَهُ هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ مِنْهُ للعَبَّاسِ فِي دُعَائِهِ؛ وَأَنَّهُ فَقَط طَلَبٌ مِنْهُ للهِ أَنْ يَسْقِيَهُم مِنْ أَجْلِهِ ﵃، وَقَدْ أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ! فَأَفَادَ -بِزَعْمِهِم- مَا يَدَّعُونَ. وَأَمَّا سَبَبُ عُدُولِ عُمَرَ ﵁ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالرَّسُولِ ﷺ -بِزَعْمِهِم أَيضًا- وَتَوَسُّلِهِ بَدَلًا مِنْهُ بِالعَبَّاسِ ﵁؛ فَإِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولَ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ لَيسَ إِلَّا! أَو لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ! (٢) وَالجَوَابُ (٣): إِنَّ قَولَ عُمَرَ ﵁ السَّابِقَ: (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِجَاهِ عَمِّ نَبِيِّنَا) وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِدُعَاءِ عَمِّ نَبِيِّنَا)، وَالصَّوَابُ قَطْعًا هُوَ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِعِدَّةِ مُلَاحَظَاتٍ:

стр. 922

١ - أَنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ بِكَونِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالصَّالِحِينَ كَانَ بِإِتْيَانِهِم؛ فَيَدْعُونَ لَهُم، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَولُهُ ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤] (١). ٢ - أَنَّ المُقَارَنَ بِهِ فِي التَّوَسُّلِ كَانَ (إِنَّا كُنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا) فَإِذَا عُلِمَتْ صِفَةُ هَذَا التَّوَسُّلِ الأَوَّلِ عُلِمَتْ صِفَةُ الآخَرِ -وَهُوَ مَوضُوعُ النِّزَاعِ-، وَالنَّاظِرُ فِي السُّنَّةِ يَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا قَحَطَوا جَاءَ بَعْضُهُم إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ، وَلَو كَانَ المَقْصُودُ هُوَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ لَبَقِيَ الطَّالِبُ فِي دَارِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ! -إِذْ إِنَّ الجَاهَ مَوجُودٌ فِي كِلَا الحَالَتَينِ كَمَا لَا يَخْفَى- (٢). ٣ - أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلُوا بِهِ قَامَ فَدَعَى (٣)؛ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ. ٤ - أَنَّ عُمَرَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلَ بِالعَبَّاسِ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ، فَقَد رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالمُصَلَّى؛ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ. فَقَامَ

стр. 923

العَبَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عِنْدَكَ سَحَابًا، وَإِنَّ عِنْدَكَ مَاءً؛ فَانْشُرِ السَّحَابَ، ثُمَّ أَنْزِلْ فِيهِ المَاءَ، ثُمَّ أَنْزِلْهُ عَلَينَا) فَذَكَرَ الحَدِيثَ (١). ٥ - أَنَّ الحَدِيثَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ جَاءَ مُصَرِّحًا بِلَفْظِ الاسْتِسْقَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِوَضًا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ، كَمَا هُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالإسْمَاعِيلِيِّ (٢)، وَالاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا كَمَا لَا يَخْفَى؛ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّوَسُّلِ هُنَا هُوَ الدُّعَاءُ (٣). ٦ - أَنَّ الفَارِقَ فِي قَولِ عُمَرَ بَينَ (كُنَّا) وَ (إِنَّا) -أَي الآنَ- إِنَّمَا هُوَ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠]. وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَولِهِ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى

стр. 924

عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا-؛ فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ -يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١) (٢). ٧ - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ: إِنَّ مُرَادَ عُمَرَ هُوَ بَيَانُ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ؛ مِنْهَا: أ- أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِينَا القَولُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَتَوَسَّلُوا -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ- بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ. ب- أَنَّ أَحْرَجَ الأَوقَاتِ -مِنَ القَحْطِ وَالجَدْبِ وَالجُوعِ- لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَرْكُ الفَاضِلِ وَاللُّجُوءُ إِلَى المَفْضُولِ! لَا سِّيَمَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالقَولِ، أَو أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِمَا جَمِيعًا (٣) (٤).

стр. 925

ج- أَنَّ التَّوَسُّلَ جَاءَ إِيضَاحُ مَعْنَاهُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَأعرَابِيِّ، وَأَيضًا بِدُعَاءِ العَبَّاسِ -سَوَاءً كَانَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ الجَوَازِ أَمْ غَيرَهُ-، فَنَقُولُ: إِذًا فَلْيَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ كَمَا تَوَسَّلَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَأَنَّى لَهُم ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]؟! د- تَكْرَارُ التَّوَسُّلِ بِالعَبَّاسِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وجُودِ تِلْكَ الدَّعْوَى أَصْلًا؛ لِقَولِهِ: (إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا؛ اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ) (١) (٢). ٨ - وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ عُمَرَ تَرَكَ التَّوَسُّلَ بِذَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَم يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ -وَسَيَأْتِي-! فَهُوَ جَوَابٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

стр. 926

أ- أَنَّ حَدِيثَ الضَّرِيرِ؛ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ تَوَسُّلُ عُمَرَ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ بِالدُّعَاءِ لَا بِالذَّاتِ -كَمَا سَيأْتِي بَيَانُهُ-. ب- أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ لَم يَكُنْ سِرًّا! بَلْ كَانَ جَهْرًا عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وَفِيهِم كِبَارُ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيرِهِم، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى الحَدِيثُ عَلَى عُمَرَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى جَمِيعِ المَوجُودِينِ مَعَ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ؟! ج- أَنَّ عُمَرَ -كَمَا سَبَقَ- كَانَ يُكَرِّرُ هَذَا التَّوَسُّلَ كُلَّمَا نَزَلَ بِأَهْلِ المَدِينَةِ خَطَرٌ، أَو كُلَّمَا دُعِيَ لِلاسْتِسْقَاءِ -كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ (كَانَ) - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ؛ وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ -كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) (١) -، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمِرَ عَلَى الجَهْلِ بِهِ كُلَّمَا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ -وَعِنْدَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ- وَهُمْ سُكُوتٌ لَا يُقَدِّمُونَ إِلَيهِ مَا عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟! د- أَنَّ عُمُرَ لَيسَ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي عَدَلَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى التَّوَسُّلِ بِغَيرِهِ! بَلْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهُ أَيضًا عَدَلَ إِلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَلَم يَتَوَسَّلَ بِهِ ﷺ -وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَاءِ التَّابِعِينَ-، فَهَلْ يُقَالُ أَيضًا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ -وَمَنْ مَعَهُ- لَم يَكُونُوا يَعْلَمُونَ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟! وَقُلْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي تَوَسُّلِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيسٍ بِيَزِيدَ هَذَا أَيضًا! (٢)

стр. 927

- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: حَدِيثُ الضَّرِيرِ. أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ؛ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني. قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ دَعَوتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ؛ فَهوَ خَيرٌ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهوَ خَيرٌ لَكَ))، فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ؛ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ))، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ (١). فَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ فِي الدُّعَاءِ بِالجَاهِ أَوِ الذَّاتِ! الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّوَسُّلَ لَيسَ تَوَسُّلًا بِالذَّاتِ وَالجَاهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ، وَهُوَ النَّوعُ الثَّالِثُ المَشْرُوعُ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ: ١ - أَنَّ الأَعْمَى إِنَّمَا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: ((اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي))، وَلَو كَانَ قَصْدُ الأَعْمَى التَّوَسُّلَ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَو جَاهِهِ أَو حَقِّهِ لَمَا كَانَ ثَمَّةَ حَاجَةٍ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتيَ النَّبِيَّ ﷺ وَيَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُ! بَلْ كَانَ الأَولَى لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيتِهِ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ بِهِ (٢).

стр. 928

٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَهُ بِالدُّعَاءِ -وَذَلِكَ فِي مَعْرِضِ إِجَابَةِ طَلَبِهِ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ المَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ (١). ٣ - قَولُ الضَّرِيرِ فِي آخِرِ دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِيهِ) (٢) صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّوَسُّلَ كَانَ بِدُعَائِهِ ﷺ ؛ إِذْ إِنَّ الشَّفَاعَةَ هيَ الدُّعَاءُ (٣)، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ ، أَو جَاهِهِ، أَو حَقِّهِ. ٤ - أَنَّ مِمَّا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الأَعْمَى أَنْ يَقُولَهُ هُوَ: ((وَشَفِّعْنِي فِيهِ)) (٤) أَي: اقْبَلْ شَفَاعَتِي؛ أَي: دُعَائِي، فَلَو حُمِلَ التَّوَجُّهُ بِهِ ﷺ عَلَى الذَّاتِ وَالجَاهِ لَمَا كَانَ لِقَولِ الضَّرِيرِ هَذَا مَعْنًى! وَأَمَّا لَو حُمِلَ عَلَى الدُّعَاءِ لَكَانَ المَعْنَى وَاضِحًا مُسْتَقِيمًا؛ أَنَّهُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ ﷺ فِي أَنْ يُرَدَّ عَلَيهِ بَصَرُهُ. ٥ - أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ المُسْتَجَابِ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنْهُ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ لَمَا أَورَدَهُ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ (٥)! فَهَذَا

стр. 929

مِمَّا يَدُلُّ دِلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ بَيَانُ دُعَائِهِ ﷺ وَلَيسَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ الَّذِي لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى حَيَاتِهِ ﷺ ! فَتَأَمَّلْ (١). ٦ - لَو كَانَ المَقْصُودُ مِنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ لَتَوَاتَرَ عَلَيهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَيفَ وَهُوَ مِنَ الوَسِيلَةِ المَأْمُورِ بِهَا -كَمَا يَقْصِدُ بِهِ المُبْتَدِعَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ -! وَحَيثُ أَنَّهُ لَم يَقُمْ عَلَيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّهُ يَبْدُو جَلِيًّا أَنَّ ذَلِكَ لَيسَ هُوَ المَقْصُودُ بِالَحَدِيثِ، وَالحَمْدُ للهِ. - فَائِدَة ١: أمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ فِي آخِرِ الحَدِيثِ وَهيَ: ((وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ؛ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ)) فَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ (٢). وَلَو صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَولِه: ((فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ)) يَعني: مِنْ إِتْيَانِهِ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَالتَّوَضُّؤِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْعُو بِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. - فَائِدَة ٢: أَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَتَوَسُّلِهِ

стр. 930

بِهِ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ حَتَّى قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجمِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (١)، وَهِيَ قِصَّةٌ ضَعِيفَةٌ مُنْكَرَةٌ (٢).

стр. 931

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَوَسُّلَ الأَعْمَى كَانَ بِذَاتِهِ ﷺ ؛ فَعَلَيهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، وَلَا يَزِيدَ عَلَيهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّيخِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَحْثُ العِلْمِيُّ مَعَ الإِنْصَافِ، وَاللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ. - فَائِدَة ٣: وَأَمَّا الخِطَابُ فِي قَولِهِ هُنَا (يَا مُحَمَّدُ) -بِالنِّدَاءِ- فَفِيهِ تَوجِيهَانِ: ١ - أَنَّهُ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ ؛ وَعَلَيهِ فَلَا إِشْكَالَ. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "هَذَا إِذَا افْتُرِضَ أَنَّ النّبيَّ ﷺ كَانَ بَعِيدًا أَو غَائِبًا عَنْهُ لَا يَسْمَعُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حُضُورِهِ ﷺ ؛ فَلَا إِشْكَالَ" (١). ٢ - قَالَ شَيخُ الإْسَلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "هَذَا وَأَمْثَالَهُ: نِدَاءٌ يُطْلَبُ مِنْهُ اسْتِحْضَارُ المُنَادَى فِي القَلْبِ؛ فَيُخَاطَبُ المَشْهُودُ بِالقَلْبِ، كَمَا يَقُولُ المُصَلِّيُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهُ وبَرَكَاتُهُ، وَالإِنْسَانُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا؛ يُخَاطِبُ مَنْ يَتَصَوَّرُهُ فِي نَفْسِهِ وإنْ لَمْ يكنْ فِي الخَارِجِ مَنْ يَسْمَعُ الخِطَابَ" (٢). قُلْتُ: وَتَأْكِيدًا عَلَى أَنَّ (يَا) النِّدَاء هُنَا المَقْصُودُ بِهَا اسْتِحْضَارُ صُورَةِ المُخَاطَبِ بِهَا فِي الذِّهْنِ؛ أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيسَ فِيهِ طَلَبٌ مِنَ المُنَادَى! وَإِلَّا لَرَأَيتَ بَعْدَهَا: يَا مُحَمَّدُ؛ اسْأَلِ اللهَ لِي!! أَو اشْفَعْ لِي!! وَنَحْوَ هَذَا. وَعَلَيهِ أَيضًا؛ فَإِنَّ النِّدَاءَ هُنَا لَيسَ دُعَاءً مِنْ دُونِ اللهِ -كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الغُلَاةِ- وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ. - فَائِدَة ٤: فِي مُجْمَلِ أَمْرِهِ ﷺ لِلضَّرِيرِ جَمْعٌ لَطِيفٌ بَينَ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ

стр. 932

المَشْرُوعَةِ، حَيثُ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين ثُمَّ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ -وَهَذِهِ الأَعْمَالُ طَاعَةٌ للهِ يُقَدِّمُهَا بَينَ يَدي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَهيَ تَدْخُلُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كَمَا سَبَقَ-، ثُمَّ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِصِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ للهِ تَعَالَى فِي قَولِهِ: (اللَّهُمَّ)، ثُمَّ جَاءَ دُعَاءُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَعْدَهُ.

стр. 933

- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: الأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ فِي التَّوَسُّلِ، وَأَشْهَرُهَا: ١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ مَرْفُوعًا: ((مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا)) (١). وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فِيهِ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ؛ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ (٢). ٢ - كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: ((بِسْمِ اللهِ، آمَنْتُ باللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَخْرَجِي هَذَا؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْهُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ

стр. 934

سَخَطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ وتُدْخِلَنِي الجَنَّةَ)) (١). مُنْكَرٌ، فِيهِ الوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ العُقَيلِيُّ؛ وَهوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ. وَلَكِنْ مَعَ كَونِ هَذَينِ الحَدِيثَينِ ضَعِيفَينِ؛ فَهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالمَخْلُوقِينَ أَبَدًا! وَإِنَّمَا يَعُودَانِ إِلَى أَحَدِ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، لِأَنَّ فِيهِمَا التَّوَسُّلَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ، وَبِحَقِّ مَمْشَى المُصَلِّينَ، فَمَا هُوَ حَقُّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى؟ لَا شَكَّ أَنَّهُ إِجَابَةُ دُعَائِهِم، وَإِجَابَةُ اللهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ حَقُّ مَمْشَى المُسْلِمِ إِلَى المَسْجِدِ هُوَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ وَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَيَمْحِي عَنْهُ سَيِّئَةً، وَمَغْفِرَةُ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ وَإِدْخَالُهُ بَعْضَ خَلْقِهِ مِمَّنْ يُطِيعُهُ الجَنَّةَ؛ كُلُّ ذَلِكَ صِفَاتٌ لَهُ ﵎، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ المُبْتَدِعُونَ يَنْقَلِبُ عَلَيهِم. ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبَدَ، أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ)) (٢).

стр. 935

وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ، وَفِيهِ فَضَّالُ بْنُ جُبَيرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، اتَّهَمَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١) (٢). ٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ -أُمُّ عَلِيِّ بِنْ أَبِي طَالِبٍ-؛ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ وَأَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ وَعُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ؛ اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيهَا مُدْخَلَهَا؛ بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي؛ فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)) (٣). مُنْكَرٌ. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبيرِ وَالأَوسَطِ، وَفِيهِ رَوحُ بْنُ صَلَاحٍ

стр. 936

ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ (١). ٥ - عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيد؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ المُهَاجِرِينَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (٢)، وَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَهُ وَيَفْتَحَ عَلَيهِ بِالضُّعَفَاءِ المَسَاكِينِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَهَذَا -بِزَعْمِهِم- هُوَ التَّوَسُّلُ المُخْتَلَفُ فِيهِ نَفْسُهُ. وَلَكِنَّ الحَدِيثَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ أُمَيَّةَ لَم تَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ (٣). ثُمَّ يُقَالُ: إِنَّ الحَدِيثَ لَو صَحَّ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ الأَعْمَى مِنَ التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ. قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "كَانَ يَسْتَفْتِحُ؛ أَي: يَفْتَتِحُ القِتَالَ، مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ

стр. 937

تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأَنْفَال: ١٩] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيَسْتَنْصِرُ؛ أَي: يَطْلُبُ النُّصْرَةَ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِينَ؛ أَي: بُدُعَاءِ فُقَرَائِهِم الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُم" (١). وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ)) (٢). ٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ؛ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللهُ: يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟! قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؛ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيتُ عَلَىَ قَوَائِمِ العَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيكَ، فَقَالَ اللهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ، ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ)). أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٣)، وَهُوَ مَوضُوعٌ، فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ وَاهٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ الحَدِيثِ (٤).

стр. 938

وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ العُلَمَاءُ مِنْ وَضْعِ هَذَا الحَدِيثِ وَبُطْلَانِهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي مَوضِعَينِ مِنْهُ؛ وَهُمَا: أ- أَنَّهُ تَضَمَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَفَرَ لِآدَمَ بِسَبَبِ تَوَسُّلِهِ بِهِ ﷺ ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: ((يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟!))، وَاللهُ يَقولُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٣٧]، فَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا التَّلَقِّي لِلْكَلِمَاتِ هُوَ سَبَبُ قَبُولِ التَّوبَةِ (١). ب- قَولُهُ فِي آخِرِهِ: ((وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ))! مُعَارِضٌ لِمَا قَد أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦] (٢).

стр. 939

وَأَمَّا زَعْمُ بَعْضِهِم أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَقَط -جَدَلًا-؛ وَأَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ اتِّفَاقًا! فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا التَّوَسُّلِ، وَلِكَونِ الاسْتِحْبَابِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ -الَّتِي لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ- فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فَالأَمْرُ خَارِجٌ عَنْ مُجَرَّدِ الفَضَائِلِ (١).

стр. 940

٧ - حَدِيثُ: ((تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ))، وَبَعْضُهُم يَرْوِيهِ بِلَفْظِ: ((إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ؛ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ)). هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ البَتَّةَ (١). ٨ - أَثَرُ الاسْتِسْقَاءِ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ: قَالَ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ مَا نَصُّهُ: "وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا! فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ .. الحَدِيثَ (٢)، وَقَدْ رَوَى سَيفٌ فِي الفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى المَنَامَ المَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الحَارِثِ المُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ" (٣).

стр. 941

وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أ- مَالِكُ الدَّارِ هَذَا غَيرُ معْرُوفِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَأَمَّا قَولُ الحَافِظِ ﵀: "بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ" فَهوَ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَالِكُ نَفْسُهُ فَهوَ مَجْهُولٌ (١)! ب- أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ لِاسْتِنْزَالِ الغَيثِ مِنَ السَّمَاءِ. ج- أَنَّ القِصَّةَ لَو صَحَّتْ -جَدَلًا- فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى رَجُلٍ لَم يُسَمَّ؛ فَهُوَ مَجْهُولٌ أَيضًا، وَتَسْمِيَتُهُ بِلَالًا (بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيَّ) فِي رِوَايَةِ سَيفٍ لَا تُسَاوِي شَيئًا! لِأَنَّ سَيفًا هَذَا -وَهُوَ ابْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ- مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ (٢). د- أَنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ فِيهِ التَّوَسُّلُ -مَوضُوعُ البَحْثِ- وَإِنَّمَا فِيهِ الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَهَذَا بَحْثٌ آخَرٌ؛ يَكْفِينَا القَولُ فِيهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦] (٣). ٩ - حَدِيثُ الكُوَّةِ فَوقَ القَبْرِ (٤): رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ؛ حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ مَالِكٍ

стр. 942

النُّكْرِيُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو الجَوزَاءِ -أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: قَحَطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوا إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًّا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ؛ فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ (١). فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟ الجَوَابُ من أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِسَبَبِ أُمُورٍ: أَوَّلِهَا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ فِيهِ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (التَّقرِيبُ): "صَدُوقٌ لَهُ أَوهَامٌ" (٢). وَثَانِيهَا: أَنَّ أبَا النُّعْمَانِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ -يُعْرَفُ بِعَارِمٍ-، وَهوَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً- فَقَد اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (٣). ٢ - أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَيسَ بِمَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَو صَحَّ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخْطِئُونَ فِيهِ وَيُصِيبُونَ، وَلَسْنَا مُلْزَمِينَ بِالعَمَلِ بِهَا إِذَا لَمْ تُوَافِقِ السُّنَّةَ. ٣ - مِمَّا يُبَيّنُ كَذِبَ هَذهِ الرِّوَايَةِ أَنَّه فِي مُدَّةِ حَيَاةِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لِلبَيتِ كُوَّةٌ! بَلْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -بَعْضُهُ مَسْقُوفٌ وَبَعْضُهُ مَكْشُوفٌ- وَكَانَتِ

стр. 943

الشَّمْسُ تَنْزِلُ فِيهِ (١)، وَلَم تَزَلِ الحُجْرَةُ كَذَلِكَ حَتَّى زَادَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي المَسْجِدِ فِي إِمَارَتِهِ لَمَّا أَدْخَلَ الحُجَرَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمِنْ حِينِئِذٍ دَخَلَتِ الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ إِنَّه بَنَى حَولَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ جِدَارًا عَالِيًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتِ الكُوَّةُ لِيَنْزِلَ مِنْهَا مَنْ يَنْزِلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ كَنْسٍ أَو تَنْظِيفٍ (٢).

стр. 944

- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ! حَيثُ ادَّعَى المُخَالِفُونَ أَنَّ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَقْدَارِهِم أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَجَائِزٌ، لِأَنَّ أَحَدَنَا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ مَلِكٍ أَو وَزِيرٍ أَو مَسْؤُولٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ -هَذَا إِذَا لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا-! لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ إِذَا أَرَدْنَا حَاجَةً مِنْ مِثْلِهِ؛ فَإِنَّنَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُهُ -وَيَكُونُ مُقَرَّبًا إِلَيهِ-، وَنَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَينَنَا وَبَينَهُ؛ فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَنَا، وَقُضِيَتْ حَاجَتُنَا، وَهَكَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ فِي عَلَاقَتَنِا بِاللهِ -بِزَعْمِهِم-!! وَالجَوَابُ (١): أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ عَلِيلٌ، وَهُوَ مِنَ المُنْكَرِ العَظِيمِ (٢)، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ: أ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ عَلِيمٌ بَصِيرٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالمُلُوكُ وَأَشْبَاهُهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُم أَحْوَالَ الفُقَرَاءِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ- (٣).

стр. 945

ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَحْمَنُ رَحِيمٌ رَؤُوفٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالخَلْقُ رَحْمَتُهُم تُنَاسِبُ قَدْرَهُم، فَهيَ لَا تَسَعُ جَمِيعَ الخَلْقِ! وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ؛ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ اسْمُ مَنْ تُسْتَجْلَبُ بِهِ الرَّحْمَةُ إِلَى الخَلْقِ (١)! بِخِلَافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ! ج- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ كَانَ بِاتِّخَاذِ الشُّفَعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَفَتْحُ بَابِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ قَدْ يُفْضِي إَلَى ذَلِكَ (٢). قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ

стр. 946

شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]. وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٣ - ٧٤] (١). د- أَنَّ صَلَاحَ الصَّالِحِينَ هُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم، فَكَيفَ يَتَوَسَّلُ -المُجِيزُونَ- بِعَمَلٍ لَيسَ مِنْ عَمَلِهِم؟! فَإِنَّمَا صَلَاحُ الصَّالِحِينَ رَاجِعٌ إِلَيهِم، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا سَبَقَ (٢).

стр. 947

وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ: سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) (١). قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀: "فَهَؤُلَاءِ قَدْ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الإِخْلَاصِ وَتَجَرَّأُوا عَلَى أَعْظَمِ المُحَرَّمَاتِ -وَهُوَ الشِّرْكُ-، وَقَاسُوا الَّذِي لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ -المَلِكَ العَظِيمَ-، بِالمُلُوكِ! وَزَعَمُوا بِعُقُولِهِمُ الفَاسِدَةِ وَرَأْيهِمُ السَّقِيمِ أَنَّ المُلُوكَ -كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيهِمُ إِلَّا بِوُجَهَاءَ وَشُفَعَاءَ وَوُزَرَاءَ يَرْفَعُون إِلَيهِم حَوَائِجَ رَعَايَاهُم، وَيَسْتَعْطِفُونَهُم عَلَيهِم، وَيُمَهِّدُونَ لَهُمُ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَذَلِكَ! وَهَذَا القِيَاسُ مِن أَفْسَدِ الأَقْيسَةِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَينِ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ -مَعَ ثُبُوتِ الفَرْقِ العَظِيمِ عَقْلًا وَنَقْلًا وَفِطْرَةً-؛ فَإِنَّ المُلُوكَ إِنَّمَا احْتَاجُوا للوَسَاطَةِ بَينَهُم وَبَينَ رَعَايَاهُم لِأَنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ أَحْوالَهُم؛ فَيَحْتَاجُ مَن يُعْلِمُهُم بِأَحْوَالِهِم، وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ فِي قُلُوبِهِم رَحْمَةٌ لِصَاحِبِ الحَاجَةِ فَيُحْتَاجُ مَن يُعَطِّفُهُم عَلَيهِ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُم، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى الشُّفَعَاءِ وَالوُزَرَاءِ، وَيَخَافُونَ مِنْهُم فَيَقْضُونَ حَوَائِجَ مَن تَوَسَّطُوا لَهُم مُرَاعَاًة لَهُم، وَمُدَارَاةً لِخَوَاطِرِهِم، وَهُم أَيضًا فُقَرَاءُ قَدْ يَمْنَعُونَ لِمَا يَخْشَونَ مِن الفَقْرِ! وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالى؛ فَهُوَ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِظَوَاهِرِ الأُمُورِ وَبَوَاطِنِها؛ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مَن يُخْبِرُهُ بِأَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ وَعِبَادِهِ، وَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَأَجْوَدُ الأَجْوَدِينَ؛ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ يَجْعَلُهُ رَاحِمًا لِعِبَادِهِ، بَلْ هُوَ أَرْحَمُ بِهِم مِن أَنْفُسِهِم

стр. 948

وَوَالِدِيهِم، وَهُوَ الَّذِي يَحُثُّهُم وَيَدْعُوهُم إِلَى الأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا رَحْمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ مِن مَصَالِحِهِم مَا لَا يُرِيدُونَهُ لِأَنْفُسِهِم، وَهُوَ الغَنِيُّ الَّذِي لَهُ الغِنَى التَّامُّ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ مِن أَوَّلِهِم وَآخِرِهِم فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلًّا مِنْهُم مَا سَأَلَ وَتَمَنَّى لَمْ يُنْقِصُوا مِن غِنَاهُ شَيئًا، وَلَمْ يُنْقِصُوا مِمَّا عِنْدَهُ؛ إِلَّا كَمَا يُنْقِصُ البَحْرُ إِذَا غُمِسَ فِيهِ المِخْيَطُ. وَجَمِيعُ الشُّفَعَاءِ يَخَافُونَهُ؛ فَلَا يَشْفَعُ مِنْهُم أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا. فَبِهَذِهِ الفُرُوقِ يُعْلَمُ جَهْلُ المُشْرِكِينَ بِهِ، وَسَفَهُهُم العَظِيمُ، وَشِدَّةُ جَرَاءَتِهِم عَلَيهِ، وَيُعْلَمُ أَيضًا الحِكْمَةُ فِي كَونِ الشِّرْكِ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ القَدْحَ فِي اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ حَاكِمًا بَينَ الفَرِيقَينِ المُخْلِصِينَ وَالمُشْرِكِينَ -وَفِي ضِمْنِهِ التَّهْدِيدُ لِلْمُشْرِكِينَ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣] " (١).

стр. 949

- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنَ التَّوَسُّلِ المُبْتَدَعِ عَلَى وَجْهِ الإِبَاحَةِ؛ لَا الاسْتِحْبَابِ؟ الجَوَابُ: هُوَ مَمْنُوعٌ. وَالمَانِعُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (١): - أَنَّ التَّوَسُّلَ أَصْلًا هُوَ اتِّخَاذُ الوَسِيلَةِ المُقَرِّبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا لَم تَدُلَّ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ فَلَيسَ هُوَ بِتَوَسُّلٍ أَصْلًا! ٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَيئَةَ الدُّعَاءِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِمَا شُرِعَ، وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا، وَفي الحَدِيثِ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ)) (٢). ٣ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى المَشْرُوعِ مِنَ التَّوَسُّلِ؛ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِبْدَالُ مَا هُوَ أَعْلى بِمَا هُوَ أَدْنَى، وَفي الحَدِيثِ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) (٣).

стр. 950

- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: قِيَاسُ التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ! الجَوَابُ: هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (١): ١ - أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ؛ وَالقِيَاسُ فِي العِبَادَاتِ -كَالاسْتِحْبَابِ هُنَا- بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفي الحَدِيثِ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) (٢). ٢ - أَنَّ هَذَا القِيَاسَ لَا وَجْهَ لَهُ! فَقَدْ عُلِمَ فِي أُصُولِ الفِقْهِ أَنَّ القِيَاسِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، فَمَا هِيَ عِلَّةُ القِيَاسِ هُنَا (٣)؟! فَعَمَلُ العَبْدِ المُتَوَسِّلِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ رَاجِعٌ لَهُ؛ بِخِلَافِ ذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَاهِهِم؛ فَإِنَّهُ شَيءٌ يَتْبَعُ صَلَاحَهُم؛ فَأَينَ وَجْهُ القِيَاسِ؟! ٣ - أَنَّ القِيَاسَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فُقْدَانِ النَّصِّ، أَمَا وَالتَّوَسُّلُ قَد دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَشْكَالِهِ؛ فَأَينَ سَبَبُ القِيَاسِ؟!
следующие страницы →