الجامع الصحيح
فِيمَا كَانَ عَلى شَرطِ الشَيْخَيْنِ أو أحَدِهِمَا وَلم يُخَرِّجَاهُ
الجزء الأول
تَأليِف
أبي عَبْدِ الْرَّحمنِ يُوسُف بْنِ جُودَةَ الدَّاودى
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبْدهُ ورسولُهُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ... سورة آل عمران (١٠٢).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ سورة النساء (١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب (٧٠، ٧١).
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
الحَمْدُ للهِ الذي خَلَقَ السمواتِ الأرْضَ وجَعَلَ الظُلمات والنور، ثم الذين كَفَرُوا بربهِم يعْدِلُون، فللهِ الحمد رَبِّ السموات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين، وله
стр. 3
الكِبْرياءُ في السمواتِ والأرضِ وهو العزيزُ الحكيمُ، والحمد للهِ الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، أحمده سبحانه على جميل خيراته، وحُسن نعمه وآلائه، وفضل جُودِهِ وإحسانِهِ، فهو سبحانَهُ المتفضل على عباده ليل نهار، والمسبغُ عليهم بكل أنواع الخيرات، القائلُ سبحانه: ﴿أليسَ اللهُ بكافٍ عبده﴾، وإن من أفضل النعم على العبد معرفة طريق الله طريق النجاة في الحال والمآل، وأن يكون له نور يستنير به في ظلمات الضلال، وغواية الفساد، وعمايات الجهالة، ولا يَشكُ عاقل أنه نور العلم النافع، ولاسيما علم ما أُثر عن خير البرية محمدٍ ﷺ المبعوث للناس كافة، وكفى بدعائه ﷺ لمن حمل هذا العلم، فقد أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن من حديث جماعة من الصحابة منهم: زيد بن ثابت وأنس وعبد الله بن مسعود وأبى الدرداء وجبير بن مطعم، فأما حديث زيد بن ثابت فقد أخرجه جمع منهم أبو داود فقال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ *
فينبغي العناية بحفظ السنن لمن أهَّلَهُ الله لذلك، رجاء نيل بركة دعاء النبي ﷺ فهذا الحديث وغيرهُ كان الدافع لإخراج هذا الجامع جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، وكان من الأسباب التي دفعتني إلى تصنيف هذا الجامع أن الأحاديث التي كانت تخُرَّج عن طريق الحاكم في المستدرك يُحكم
стр. 4
عليها بالصحة بمجرد موافقة الذهبي عليها، ولقد تتبعت ذلك فوجدتُ أوهاماً كثيرةً وعللاً حالت بين هذه الأحاديثِ وصحتها فضلاً عن أن تكون على شرط الشيخين، فسألتُ الله أن يوفقني لفصل الأحاديث الصحيحة التي في المستدرك في جامع واحد لكي يستفيد منه من ليس له دراية، ولقد شَرَعْتُ في الفصل ودونت الصحيح في كراسةٍ لي إلا أنني وجدتُ نفسي لا أُصَحِّحُ إلا ما كان له أصل في كتب السُّنة الأخرى فغيرت طريقتي وجعلته جامعا لكل ما كان على شرط الشيخين أو أحدهما ولم يخرجاه إلا ما صرحتُ به أن أحد الشيخين قد خرَّجه، وكان من الأسباب القوية التي دفعتني إلى أن أُصنف هذا الجامع للأحاديث التي على شرط الشيخين قلة من جمع أو صنف أحاديث في هذا الباب من المتقدمين أو المتأخرين على السواء، وأشهر من عُرف بهذا هو الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري وقد صنف المستدرك على الصحيحين، وقال ﵀: " وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام " المستدرك (١/ ٣).
وقال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي: " فقول الحاكم بمثلها أي بمثل رواتهما لاأنهم أنفسهم ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث وفيه نظر، لكن الذي ذكره ابن الصلاح هو الذي فهمه ابن دقيق العيد من عمل الحاكم فإنه ينقل تصحيح الحاكم لحديث وأنه على شرط البخاري مثلاً ثم يعترض عليه بأن فيه فلاناً لم يخرج له البخاري وهكذا فعل الذهبي في مختصر المستدرك ولكن ظاهر كلام الحاكم المذكور مخالف لما فهموه عنه والله أعلم. " التقيد والإيضاح (٣٠)
стр. 5
قلتُ: وهذا كلام فيه نظر، والصحيح ما فهمه ابن دقيق العيد والذهبي ومن تبعهم من الأئمة ﵏ ومقتضى كلامهم موافق لمراد الحاكم غير مخالف له لأنهم عرفوا ذلك من تصريح الحاكم نفسه عقب كل حديث فإنه كان يقول مثلاً " حديث على شرط الشيخين واحتجوا برواته جميعاً " أو ما شابه ذلك فصارت بالاستقراء عندهم شرطاً للحاكم وإنْ لم ينص عليها في المقدمة، وإنه ﵀ لم ينقح كتابه لانقضاء أجله رحمة الله عليه، وأشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ذلك فقال:"إن الحاكم وقع له التَّساهل لأنه سوَّد الكتاب لينقّحَه فأعجلته المنية "
واختلفوا في الحكم على المستدرك فمنهم من غالى فزعم أنه لم يَرَ فيه حديثاً على شرط الشيخين ومنهم من تساهل فحكم بتصحيحه وهو تفريط ومنهم من توسط مثل أبي عمرو بن الصلاح فقال في علوم الحديث المسماة بمقدمة ابن الصلاح عنه: " أنه واسع الخَطو في شرح الصحيح، متساهل بالقضاء به، فالأولى أن يتوسط في أمره، فما لم نجد فيه تصحيحاً لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن الذي يُحتجُّ به ويعمل به إلى أن تظهر فيه علة توجب ضعفه. " مقدمة ابن الصلاح مع الشرح (٢٩).
قلتُ: وقع للذهبى أوهاماً أيضاً وذلك لأنه كان في بداية الطلب وربما وجد الباحث تناقضا بين كلام الذهبي في الميزان وموافقته في التعليق على المستدرك، وقد نقل الحافظ العراقى ﵀ تعقب بعض من اختصر كلامه وهو، بدر الدين ابن جماعة فقال: "إنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، وهذا هو الصواب". التقيد والإيضاح (٣٠).
стр. 6
وقال الحافظ أبو الفداء ابن كثير في اختصار علوم الحديث: " وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأَخرَم قَلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومسلماً من الأحاديث الصحيحة، وقد ناقشه ابنُ الصلاح في ذلك، فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة وإن كان في بعضها مَقَال، إلا أنه يصفو له شيء كثير.
قال الحافظ بن كثير: فيه نظر، فإنه يُلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رُوَاتها عندهما أو لتعليلهما ذلك " اهـ الباعث الحثيث (٣٦).
وقال أبو سعد المالينى:" طالعت كتاب المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أرى فيه حديثاً على شرطهما ". اهـ
فتعقبه الذهبي بقوله: " هذه مكابرة وغلو وليست رتبة أبى سعد أن يحكم بهذا بل في المستدرك شيء كثير على شرطهما وشيء كثير على شرط أحدهما ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفى الباطن لها علل خفية مؤثرة وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه وباقى الكتاب مناكير وعجائب وفى غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها (سيرأعلام النبلاء).
قلتُ: بل إن المتتبع الفاحص للمستدرك يجد أنه قد ملئ بالأسانيد المعلولة والتي كثر فيها المجاهيل وأسماء غير صحيحة في الأسانيد وقد ترجع إلى التصحيف والغلط في أصل الكتاب ولذلك لم أُعول عليه في شيء إلا ماله أصل عند أهل الحديث في السنن والمسانيد والأجزاء.
ولم أخرج لمن كان من رجالهم وضُعِّفوا في رجال مخصوصين مثل رواية جعفر بن أبى وحشية واسمه إياس عن مجاهد وحبيب بن سالم فإن شعبة كان يقول إنه لم
стр. 7
يسمع منهما، وأشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى فائدة جليلة في كلامه على المستدرك فقال: ووراء ذلك كله أن يُروى إسناد ملفًّق من رجالهما كسِمَاكٍ عن عكرمةَ عن ابن عباس، فسِمَاك على شرط مسلم، وعكرمةُ انفرد به البخاري. والحق أن هذا ليس على شرط واحد منهما. وأدق من هذا: أن يرويا عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضُعِّفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضُعِّفوا فيه، برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبته أنه على شرط من خَرَّج له غلطٌ، كأن يقال: هُشيم عن الزهرى، فكلٌّ من هُشيم والزهرى أخرجا له، فهو على شرطهما. فيقال بل ليس على شرطِ واحدٍ منهما لأنهما إنما أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهرى. فإنه ضُعِّف فيه، لأنه كان دخل إليه فأخذ عنه عشرين حديثاً، فلقيه صاحبٌ له وهو راجع فسأله رؤيتها، وكان ثَمّ ريحٌ شديدة فذهبت بالأوراق من يد الرجل فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه ولم يكن أتقن حفظها فوهم في أشياء منها ضُعِّف في الزهري بسببها. وكذلكَ همَّامٌ ضعيف في ابن جريح مع أن كلاً منهما أخرجا لهما. لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئاً. فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أن يَسُوقَ ذلك السند بنسق رواية من نُسب إلى شرطه، ولو في موضع من كتابه وكذا قال ابن الصلاح في شرح صحيح مسلم: " من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ. بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد ا. هـ تدريب الراوي (٤٠).
стр. 8
قلتُ: فكانت هذه الفائدة بمثابة رسم الطريق الصحيح لإثبات أن الحديث على شرط البخاري أو مسلم أو كليهما فأخذتُ بها فجعلت أسوق الحديث ثم أُتبع ذلك ببرهان الرواية فأسوق السند بنسق من نُسب إلى شرطه، ولو فى موضع من كتابه كما نبه عليه الحافظ ﵀، ومن ذكرته في موضع لا أذكره مرة أخرى لقصر الزمان، وكثرة الأعباء، وخشية الملل، وقد نظرت في التراجم والرجال فوجدت أن الأئمة أهل المعرفة بالعلل ودقائق الإسناد والمتن والذين صنفوا في عِلّلِ الحديث أمثال أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى وأبى حاتم وابنه والترمذى والدارقطنى وابن حجر العسقلانى وغيرهم، أنهم تكلموا على رجال الشيخين على عدة أنواع منها:
١. رجال هم في الصحيحين أو أحدهما ولكن قد تكلم فيهم غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، ولكن الشيخين قد انتقيا ما صح من أحاديثهم، أمثال بكر بن عمر المعافرى المصرى فإن كلام أهل العلم يدل على ضعفه وإن أخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، ولاضير فإنهما لم يخرجا لهم إلا ماصح من الأحاديث كما ذكرت سالفاً، فضربت عن هذا الصنف صفحاً فلم أخرجه في جامعي.
٢. وتراجم لم يخرج الشيخان شيء بنسقها على الرغم من أن رجالها من رجال الصحيحين أو أحدهما وهم من الثقات الأثبات ولكن قد ضُعّفوا في مَنْ رووا عنه وأمثال ذلك كثير، وأضرب لذلك مثلاً: قول ابن المديني في الطرق التي تأتى من قِبَلْ داود بن الحصين عن عكرمة أنها منكرة، على الرغم من أن داود بن الحصين وعكرمة من رجال الشيخين وقال أبو داود: " أحاديث داود بن الحصين
стр. 9
عن شيوخه مستقيمة وأحاديثه عن عكرمة مناكير" أهـ.
ومثلاً: جعفر بن برقان من رجال مسلم إلا أنه ضعيف في روايته عن الزهري، فقد قال الإمام أحمد: لابأس به وفى حديث الزهري يخطئ، وقال يحيى بن معين: " ثقة ويضعف في حديث الزهري " اهـ.
وكذلك سماك عن عكرمة روايته مضطربة، فضلاً أن سماك بن حرب تغير بآخره فصار يتلقن.
٣. ورجال خرج لهم البخاري ولم يكونوا على شرط مسلم والعكس مثل: على بن الجعد أعرض عنه مسلم وهو ثقة ثبت الرواية عنه لكونه قال: " مَنْ قال القرآن مخلوق لم أُعنِّفه "، وأخرج له البخاري وغيره، فلم أخرج إلا من كان على شرطهما أو شرط أحدهما رحمهم الله تعالى.
٤. ورجال قد روى لهم الشيخان أو أحدُهُما ولكن قد تكلم فيه بعض أهل العلم مثل إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكِىِّ قال الإمام أحمد: ضعيف، وقال القطان كان شعبة يضعفه، وقال النسائى: ليس بذاك القوى يكتب حديثه، وذكر الحاكم أن مسلم ترك إخراج حديثه، وضعفه الدارقطنى في سؤال الحاكم له لم ترك مسلم حديثه وعلى الرغم من ذلك فقد أخرج له البخاري حديثين حديث في التفسير: حديث عبدالله بن أبى أوفى وهذا أصل لكن له شاهد من حديث ابن مسعود والآخر من حديثه عن أبى بردة عن أبيه "إذا مرض العبد كتب الله له صالح ما كان يعمل" .. الحديث، وهذا لا يعنى أن الحديثين ضعفين فقد ثبتا من طرق أُخر علمها البخاري ﵀ فأخرجه لسبب ظهر له. فلم أخرج مثل هذا فى جامعى. والله الموفق لا رب سواه.
стр. 10
٥. ومنهم رجال قد أُلبسوا على بعض ممن ليس لهم دراية ولا شرف الانتساب إلى هذا العلم الشريف فخلطوا بين المشتبه من الأسماء فوقعوا في تصحيح أحاديث الضعفاء أو العكس ظناً منهم وتخرصاً، ولكن الظن لايغنى من الحق شيئاً، ومثله ما رواه البخاري عن عكرمة بن خالد فظنوا أنه " ابن سلمة الضعيف، وقد يروق لجهال زماننا الطير بمثل هذا التخرص كل مطار، لكن كذبوا والله فإنه عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص الثقة من رجال الشيخين، غير ابن سلمة، وليس لأحد أن يتكلم في رواة الشيخين ولا فى أحاديث الشيخين وقد أطبقت الأمة على تصحيح كتابيهما، ولاشك أن إخراج البخاري أو مسلم لراوٍ في أصل الكتاب يكون توثيقاً لهم لاشتراط الصحة في كتابهما فلا يلتفتُ إلى غيرهِ ممن أوغل في عمايات الجهل ومستنقعات الفسق والفجور، نعوذ بالله من الخذلان.
ومن هذا القبيل كثير فبعدتُ كل البعد عن هذه الطرق وتلك الأحاديث، وسلكت بفضل الله طريق الجادة في شرط الشيخين أو أحدهما ولم أضع فيه إلا ما صح وكان على شرط الشيخين أو أحدهما ولم يخرجاه أو خرجه أحدهما ولم يخرجه الآخر، وأما الأبواب الفقهية فقد سلكت طريق أمير المؤمنين في الحديث البخاري ﵀ وقد أكرر الحديث لفائدة حديثية أو فقهية، والله المستعان وما توفيقى إلا بالله عليه توكلتُ وإليه مآب ولقد ضربتُ هنا أمثلة ليست على شرط كتابى ليعلم من له أهلية النظر ويكون عوناً له على التدبر، وهذا على سبيل المثال وليس للحصر وإلا فإنه كثير والله الموفق لا رب سواه.
стр. 11
١ - قَالَ الإمامُ مالك ﵀ في الموطأ من رواية يحيى:
وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ فَإِذَا مَسَحَ بِرَاسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَاسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ قَالَ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ﴾ *
الحديث صحيح وليس على شرط البخاري ولا مسلم
الحديث لم يخرجه البخاري ولا مسلم رحمهما الله، ورجال السند رجال البخاري ومسلم حيث روى البخاري عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار بواسطة، في كتاب الإيمان حديث "كفر النساء بالعشير" وكذا روى بنفس الترجمة في كتاب الصلاة حديث " انخساف الشمس " وغير ما موضع في صحيحه، بل إن هذا السند أعلى وأصح، وكذا روى من طريق الترجمة مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث " من أدرك ركعة من الصبح ".
ومواضع أُخر عن مالك عن زيد بن أسلم أما عبد الله الصُّنَابِحِيِّ وهو الأحمُسى مختلف في صحبته والصحيح أنه صحابى وذلك لأنه صرح بالسماع من النبي ﷺ عند الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٥١)، وابن أبى عاصمٍ في السنة برقم (٧٣٩) حديث: " أنا فرطكم على الحوض ".
стр. 12
قال ابن معين " يشبه أن يكون له صحبة ". وقال يزيد بن هارون: " الصُّنَابِحِيِّ رجل من بجيلة من أحمس ". ونبه على ذلك العلامة الألباني ﵀ وغفر له،
ونقل ابن الأثير في أًسد الغابة عن الترمذى ﵀ أنه قال: أراد الصُّنَابِحِيِّ أن يأتى إلى النبي ﷺ فقبض النبي ﷺ قبل أن يلقاه". اهـ (أًسد الغابة)
قلتُ: وقصد بذلك عبد الرحمن بن عُسيّلة بن عسّال وكنيته أبو عبد الله الصُّنَابِحِيِّ وهو الذي يروى عنه الكوفيون بخلاف السابق واسمه عبد الله يروى عنه المدنيون.
ونقل الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن شيبة قال: إن الصُّنابيح الذين يذكرون وكأنهم سبعة والصحيح أنهم اثنان الأول: هو عبد الرحمن بن عُسيّلة بن عسّال وكنيته أبو عبد الله الصُّنَابِحِيِّ وليس عبد الله ومن سماه كذلك فقد أخطأ وهو المذكور آنفاً، والثانى: الصُّنَابِحِيِّ الاحمُسى فخلاصة الأمر أن الحديث صحيح ولم يحتج البخاري ولا مسلم بأى من الصُّنابيح في أصل صحيحيهما وإن كان الإمام مالك يحتج به، فتجنبت مثل هذا المنزلق والله الموفق لا رب سواه.
٢ - قَالَ الإمامُ احمد ﵀ في المسند:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ وَلَا بِلَعَّانٍ وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ﴾ وَقَالَ ابْنُ سَابِقٍ مَرَّةً بِالطَّعَّانِ وَلا بِاللَّعَّانِ
الحديث صحيح وليس على شرط البخاري ولا مسلم
стр. 13
الحديث لم يخرجه الشيخين رحمهما الله، ورجال السند رجال البخاري ومسلم، فقد أخرج البخاري عن إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعى الهمدانى تسعةً وسبعينَ حديثاً، ولم يروى البخاري من طريق إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله شيء إلا متابعتان لا ثالث لهما، الأولى في كتاب تفسير القرآن حديث ﴿الحية التي خرجت من جحرها﴾ والثانية متابعة أخرى في كتاب بدء الخلق مثله، وأخرج له مسلم خمسة عشر أحاديث ولم يحتج الإمام مسلم بإسرائيل عن الأعمش فيها بشئ، وقال العلامة الألباني ﵀ في ظلال الجنة تخريج كتاب السنة لابن أبى عاصم ﵀ ما نصه: " أخرجه أحمد (١/ ٤٠٤_٤٠٥) والترمذى (١/ ٣٥٧) والحاكم وقال: " صحيح على شرط الشيخين " وأقره الذهبي وهو كما قال ".اهـ
قلتُ: وهذا كما لا يخفى عليك أن الأعمش مدلس وكون البخاري لم يخرج لإسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة إلا على سبيل المتابعة ولم يخرج مسلم بهذه الترجمة حديث البته، فبعدت كل البعد عن هذا المسلك والله الموفق سبحانه.
٣ - قَالَ الإمامُ أحمد ﵀ في المسند:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ﴾
стр. 14
وقَالَ الإمامُ أبو داود ﵀ في السُّنن:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا﴾ وروى الإمام احمد في المسند مثله قال:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
وأخرجه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم
الحديث صحيح وليس على شرط مسلم
نعم أخرج مسلم في الصحيح من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى قتادة في كتاب الرؤيا حديث " كنت أرى الرؤيا أُعرى منها غير أنى لا أُزمل " وكذا من نفس الطريق عن فاطمة بنت قيس في كتاب الطلاق حديث " النفقة "
ورجال الحديث رجال الشيخان، ومحمد بن عمرو وهو بن علقمة أبو عبد الله، المدنى، الليثى، روى له مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: " لعنة الكفرة "، وكذا في كتاب الأضاحي حديث " الأضحية " ومواضع أُخر متابعات ولم يحتج به، ولم يحتج به البخاري أيضاً بل أخرج له ثلاث متابعات لا رابع لها الأولى في كتاب الآذان، والثانية في كتاب الاعتكاف، والثالثة في كتاب أحاديث الأنبياء، وذكر الحاكم ﵀: أن مسلم احتج به وأخرج الحديث في المستدرك (١/ ٧) وقال: على شرط مسلم وقال الحافظ الذهبي ﵀ لم يحتج مسلم بمحمد بن عمرو وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمته: أن البخاري روى له مقروناً ومسلم في المتابعات، ولابن عدى ﵀ كلام يشبه ذلك
стр. 15
وذكر العلامة الألباني ﵀ أن الشيخين لم يحتجا به، قلتُ: بل إن إسناد الحاكم في المستدرك معلول، والله الموفق سبحانه لا رب سواه، نعم محمد بن عمرو حسن الحديث ولكن للحديث متابعات وشواهد ترتقى به إلى درجة الصحة.
٤ - وقَالَ الإمامُ الترمذى ﵀ في السُّنن: (تفسير القرآن)
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ فَقَالَ رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ قَالَ سِتِّينَ سَنَةً قَالَ أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ قَالَ فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ*. قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ *
الحديث ليس على شرط مسلم
стр. 16
فقد أخرج مسلم في كتاب البر والصلة والآداب
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أسلم وَأَبِي حَازِمٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ *
وأخرج مسلم في كتاب السلام:
وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ يَعْنِي الشُّؤْمَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ (وهو أبو نعيم) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ *
وعبد بن حميد هو عبد الحميد بن حميد الحافظ صاحب المسند وهو من رجال مسلم وذكر العلامة ابن منجويه أنه روى عن أبى نعيم في الوضوء، لكن ** هشام بن سعد ** مختلف في الاحتجاج به فقال الآجرى عن أبى داود: هو أثبت الناس في زيد ابن أسلم والحديث من رواية زيد ابن أسلم، وقال الحاكم أخرج له مسلم في الشواهد ثم أخرجه الحاكم في المستدرك وقال على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وهذا كما لا يخفى كلام غيرُ مُسلَّمٌ بهِ، وقال أبو زرعة محله الصدق، وصحح الترمذى حديثه في السنن وقال الذهبي حسن الحديث.
وعلى الجانب الآخر ضعفه النسائى وقال أبو حاتم لا يحتج به وعن أحمد أنه لم يرضه كذلك.
قلتُ: والصحيح أنه حسن الحديث والذين ضعفوه بسبب رويات سمعوها منه، وكان فيها من الخطأ ما يوجب الضعف عندهم وقد أورد ابن عدى له بعض
стр. 17
تلك الرويات لكن الذين حسنوا حديثه وكأنهم اطلعوا على جميع أحاديثه والله أعلم، والحديث له شواهد يرتقى بها للصحيح. فقد خرجه ابن أبى عاصم في السنة مختصراً برقم ٢٠٦ بسند حسن، والله الموفق.
وأخيراً أسأل الله العفو والمغفرة عن تقصيري وعن زلاتى فإنه هو الغفور الرحيم وأسأله أن يجعل عملى ابتغاء وجهه سبحانه وأن يجعله ذخراً لى عند الميزان يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وإننى سائل أخاً انتفع به أن يدعو الله لى ولوالدى ولمن لهم فضلٌ علىَّ وللمسلين كافة فهو خير مسئول وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
كتبه / أبو عبد الرحمن
يوسف بن جودة الدَّاودى
في ٢٨ من ذو الحجة ١٤١٨ ـ
القاهرة
стр. 18
شبهات والرد عليها (*)
أعترض بعض الناس على الجامع الصحيح فقالوا: ليس ثَمَّ حديث على شرط البخاري أو مسلم، ولو كان هناك حديث على شرطيهما لأخرجاه في صحيحيهما ولكن إنما تركا هذه الأحاديث بسبب علل ظهرت لهذه الأحاديث.
الجواب: أصلح الله القائلين بهذا القول، وبصرهم ووفقهم لما فيه العلم النافع والعمل الصالح، والحق إن أصل هذه الشبهة تتكون من اعتراضين:
الأول: أنه ليس ثَمَّ حديث خارج أصول الصحيحين على شرطيهما.
الثاني: أنه لو كان هناك إسناد على شرط الشيخين أو أحدهما ولم يخرجاه دل ذلك على أن هذه الأحاديث معلولة عندهما.
المسألة الأولى: نقول بعون الله أنه لا يشك من عنده أدنى خبرة بالحديث أن هناك أسانيد اتفقت مع شرط البخاري أو مسلم أو مع شرطيهما، ولم يخرجا هذه الأحاديث لعدة أمور منها على سبيل المثال:
١ - أن من شرط البخاري إثبات السماع للراوي عن شيخه، ولقد بين ذلك البخاري في تاريخه، فقد كان يُعل الرواية بمجرد عدم إثبات السماع، فهب أن رواية التي وقعت له لم يثبت فيها السماع فلا شك أنه لا يخرج مثل هذه الرواية، ثم تبين السماع من رواية وقعت لغيره فكان الحديث على شرطه ولم يخرجه في الصحيح.
٢ - وأحياناً يُختلف في الحديث من حيث وصله وإرساله فيحكم البخاري مثلاً للواصل بشروط:
- أن يزيد عدد من وصله على من أرسله.
- أن يكون الواصل أحفظ ممن أرسله.
فلم يقع لهما إلا من طريق عدد قليل ممن وصله , أو لم تظهر لهما قرينة تقوي الموصول على المرسل فلم يخرجاه , ثم ثبت أن عدد من وصله كان أكثر ممن أرسله , وظهرت القرينة التي تقوي الموصول على المرسل , كحديث "لا نكاح إلا بولي " فقد أُختلف في وصله وإرساله , فوصله إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه , ثم أرسله شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة ليس فيه عن أبيه , ثم ظهر بالفعل أن جمع كبير وصله كما فعل إسرائيل , وثبتت قرينة قويه على أن الحديث وصله أصح , وهذه القرينة نقلها الإمام الترمذي ﵀ في السنن بعد الحديث وذكر الخلاف ثم قال " ومن رواه موصولاً أصح , لأنهم سمعوه في أوقات مختلفة , وشعبه وسفيان إن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رواه عن أبي إسحاق لكنهما سمعاه في وقت واحد " انتهى.
قلت: وثمَّ قرينة أخرى أن إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شعبة وسفيان على الراجح , وهو قول عبدالرحمن بن مهدي ﵀ , ونقلها الإمام الدارقطني فقال " قال محمد بن مخلد: فقيل لعبد الرحمن - يعني ابن مهدى-: إن شعبة وسفيان يوافقانه على أبي بردة فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إلي من سفيان وشعبة " انتهى.
٣ - بما أن الحديث ربما كان معروف عند الشيخين أو أحدهما , ولم يقع لهما بإسناد على شرطهما ووقع لغيرهما على شرطهما أو على شرط أحدهما وهو كثير في مسند الإمام أحمد وغيره من الأجزاء مثل السنة أو الأحاد والمثاني لإبن أبي عاصم وغيرهم.
٤ - أن هذا القول غريب وغير مشهور عند جماهير المحدثين الذين قالوا بخلافه فقد صنف الإمام الحاكم المستدرك على الصحيحين وهو عين موضوع البحث وأقره على بعض أحاديثه الحافظ الذهبي وتابعه على ذلك جمع منهم إبن دقيق العيد , وإبن الصلاح , وإبن حجر العسقلاني ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر , والعلامة الألباني.
والمسألة الثانية: أقول أن هذا القول مجرد تقليد , وآفة العلم التقليد , ولو أنهم إعترضوا بدليل علمي أو بحث مفيد لكنت أسعد الناس به , ولكن مجرد الحكم بالتقليد ليس من شيم المحققين من طلبة العلم , فإن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره , وأخيراً أنصح أخواني هؤلاء بما نصح به الإمام أحمد , أبي الحسن.
فقد روى ابن الجوزي في " مناقب أحمد " (ص ١٧٨) بسنده إلى الميموني قال: قال لي أحمد بن حنبل: " يا أبا الحسن إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام ". انتهى، فالسؤال الذي يطرح نفسه أين إمام هؤلاء في هذا القول؟ , وأترك رد السؤال للقاريء المنصف.
الحديث على شرط البخارى ومسلم وقد اخرجه مسلم (١/ ٤٨) باسناد ابن أبى عاصم ولم يخرجه البخارى، ولم يذكر العلامة الكلاباذى سماع لإبن أبى شيبة وهو عبد الله بن محمد من ابن النمير ولكن اخرج البخارى له حديث فى كتاب المغازى يُحدث فيه عن ابن النمير.
وبرهان الشرط: أن البخارى ﵀ قال فى كتاب المغازى:
حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ *. والحمدلله وحده.
فوائد:
وبيان قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله، وقال الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا، وقال سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. اهـ
والحديث من جوامع كلمهِ ﷺ ويعنى أن العبد إذا شهد شهادة الايمان وجب عليه الانقياد لما دلت عليه شهادة الإيمان عملاً بحقها وقد
стр. 22
أفاد الحديث أن قول كلمة لا إله إلا الله لاتنفع صاحبها إلا إذا استقام قلبه وجوارحه بمقتضاها.
قال سفيان بن عيينه ﵀: " لايقبل قول إلا بعمل ولايستقيم قول ولاعمل إلا بنيه ولايستقيم قول ولاعمل ولا نية إلا بموافقة السنة ".
وقال عبد الله بن المبارك ﵀:
رأيتُ الذنوبَ تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
وتركُ الذنوب حياة القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانها
وقال الأوزاعى ﵀: " اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ".
٢ - قَالَ الإمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فى المسند: (باقى مسند المكثرين): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ إِذَا تَقَرَّبَ
стр. 23
الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً *
الحديث على شرط البخارى ومسلم
سند شرط الشيخين:
الحديث على شرط البخارى ومسلم ولم يخرجه مسلم ﵀، وأخرجه البخارى ﵀ فى كتاب التوحيد، وبرهان شرط الشيخين:
قال البخارى ﵀ فى كتاب الأذان:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ *
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ *
وروى بنفس الترجمه فى مواضع كثيرة من الصحيح لم أذكرها خشية الإطالة.
وقال مسلم ﵀ فى الصلاة:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
стр. 24
أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ *
وروى أحاديث بنفس الترجمه فى مواضع كثيرة من الصحيح لم أذكرها خشية الإطالة.
فائدة:
وافاد الحديث أن العَبْدَ كلما سار إلى الله وتقرب إليه بمختلف العبادات المشروعة، كلما تقرب الله إليه فَمَدَّهُ بالثبات والهدى، ولايزال كذلك حتى يوفقه الله إلى الإحسان وهى أعلى المراتب فى الإسلام، ونظيره قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ *
﴿باب: إِنَّ خَيْرَ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا وإنْ قَلَّ﴾
٣ - قَاَلَ الإمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِى المسند: (مسند المكثرين من الصحابة): حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي حُصَيْنٌ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ
وقال مسلم ﵀ فى كتاب الفضائل:
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُا قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ
مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ فُلَانٌ وَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تَمَامَ الْآيَةِ *
وهو غاية فى العلو والصحة، ومسلسل بالسماع، ولم يخرجه أحد من الستة ﵏ بهذا اللفظ فأحفظهُ فإنه نفيس نادر وهو من أكبر الأدلة على أن العلم لم يقع فى وعاءٍ واحدٍ.
فائدة:
الشِرَّةِ: الشِّدَة، والفَتْرةِ: الضعف
والمعنى: أنَّ لكلِّ عملٍ فى أولهِ وهلة وشدة وفىخرهِ ضعفٍ ووهنٍ، فمن كانت شدته وضعفه فى حدود السنة لا يخرج عنها فقد اهتدى وأفلح حينئذٍ،
وأفاد الحديث أن طاقة العمل يجب أن تكون متساوية فى البداية والنهاية من حيث الشدة والضعف، وأفاد كذلك معنى الدوام على مقدار مُعين من العمل فإنَّهُ السنة، كما ورد من حديث عائشة رضى الله عنها عند البخارى قال:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا
تُطِيقُونَ *. فتأمل وتدبر في معانيه فإنها عظيمة.
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ تَابَعَهُ عَبْدُالْأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ *
فائدة:
معنى النُّشرة من كتاب النهاية فى غريب الحديث:
النُّشرة بالضم ضربٌ من الرُّقية والعِلاج يُعالج به من كان يُظنُّ أن به مَسَّا من الجِنّ سميت نُشرةً لأنه يُنشَر بها عنه ما خامَره من الداء أي يُكشَف ويُزال وقال
الحسن النُّشرة من السِحر وقد نَشَّرت عنه تنشيرا ومنه الحديث فلعل طبًّا أصابَه
ثم نَشَّرَه بقل أعوذُ بربِّ الناس أي رَقَاه والحديث الآخر هلا تَنَشَّرت وفي حديث الدعاء لك المَحيا والمَمات وإليك النُّشور يقال نَشَر الميتُ يَنشُر نُشورا.
﴿باب: الجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ﴾
٧ - قَالَ الإمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فى المسند: (مسند المكيين)
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ مَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ بِالشَّامِ
فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى *
وقال الإمَامُ مسلم ﵀ فى كتاب الآداب:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ح وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي فَإِنِّي أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا تَكْتَنُوا وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ *
فائدة:
تسنى: أى أنها كانت تسقى لهم نخلهم عوض البعير.
والناضح: ما يُستقى عليهِ من الإبل، العزل: إنزال المنى خارج الفرج عند الجماع، كائنة: قُدَّر لها أن تكون وتُخلق.
وأفاد الحديث أن الله إذا قدر شيئاً فلا يرده كراهيةُ كَاره، وإذا منع شيئاً فلا يجلبه حرص حريص، وقال الإمام الطحاوى فى العقيدة: " وعلى العبد أن يعلم أنَّ الله قد سبق عِلْمُهُ فى كُلِّ كَائنٍ من خَلقهِ، فَقَدَّرَ ذلك تَقديراً مُحكماً مُبرَمَاً، ليس فيه ناقِضٌ، وَمُعَقِّبٌ، ولا مُزيلٌ ولا مُغَيرٌ، ولا ناقِصٌ ولازائدٌ من خَلْقِهِ فى سماواتهِ وأرضهِ، وذلك من عَقِد الإيمَان ".