إنه انتهر رفيقه الذي كان معه عندما جره بيده، مثرثرا باستهزاء وهو يحاول أن يأخذه إلى حانة أخرى فجمع كل كرامته التي فرضتها عليه حالته الحزينة تلك، ليجيبه قائلا:
(أتظنني كافرا مثلك؟ أنت الذي لا تعرف شيئا عن دينك، فأنا قد حفظت ستين حزبا في حين أنك لا تحفظ ما يكفي لتأدية صلاتك).
وأصلا، لم يفهم صاحبه أي شيء من هذه الخطبة، وأصر على أن يجره معه إلى الحانة.
ولكن على غيرته على دينه استسلم إبراهيم لتناول كأس أخيرة.
فجأة، وفي هذا المكان، انقطع مشهد الذكريات من ذهنه، وكأن ستارا حاجبا سقط فغطى ذلك المشهد وعاد إلى ذاكرته ذلك الحلم الذي حاول إبراهيم استشعاره:
- وتذكر فجأة: (أجل، لقد حلمت بالكعبة ..).
شيئا فشيئا بدأ حلمه يتضح، لقد رأى نفسه في لباس الإحرام، اللباس الذي يرتديه الحاج خلال أدائه لتلك المناسك.
стр. 37
ترك هذا الحلم إبراهيم في حيرة من أمره، كان يريد أن يجد تفسيرا لهذا الحلم فلا يوجد مسلم لا يؤمن بتأويل عملي لرؤاه. بل إنه يوجد علم تفسير الأحلام الذي تجلت فيه على مر العصور فطنة بعض علماء تأويل الأحلام. إن الإلهام موجود عند الصوفية بل هي أساليب لها طرقها وقواعدها. فالمسلم، إذا ما احتاج أن يتبين أمرا ما، استخار فيه الله ليلهمه عن طريق رؤيا في الحلم.
لقد كان إبراهيم، على سوء تعرجات حياته، يحافظ على الروح الصوفية التي ورثها عن السلالة الصالحة لأسلافه.
لقد كان مغزى حلمه يشغله:
- ترى ماذا بعني أن أرى نفسي في لباس الإحرام؟
ظل فكره يطارد بلذة ذلك الحلم الذي يعتقد أنه رآه. وبعيتين نصف مغمضتين، كان إبراهيم يرى نفسه برفقة الحجيج، الذين سيبحر مركبهم صباح هذا اليوم قبل منتصف النهار كما سمع ذلك خلال جولته البارحة عندما كان برفقة جماعته.
стр. 38
غير أن شيئا ما لا يصدق كان قد أضاء في شعوره والذي استسلم بعده لسكون لذيذ.
لكنه بذل جهدا ليكبح قفزة شعوره. وكان يريد أن يطلق العنان لروحه التي كانت تتمسك بدرب حلمه، كان يرى بين جفنيه وكأنه خارج من مرفأ عنابة والمركب يعج بهتافات الحجيج الملبية لدعوة الحج وصفارات الإقلاع من تلك الباخرة تصطحبهم مثل نغمات الأرغن L'orgue. وفعلا جسد إبراهيم، ودون وعي، المشهد مرددا بأعلى صوته:
لبيك لبيك.
لقد فاجأه صوته الشاذ الذي اخترق صمت المحل. لكن روحه واصلت ملاحقة حلمه، الذي أقحم فيه كل ما يعرفه من مفاهيم عن الحج، إذ تعد هذه المعارف جزءا من ميراث كل عائلة مسلمة. إن أجيالا من الحجاج حملوا من مكة انطباعاتهم ومفارقاتهم وبذلك كونوا جزءا مهما من التراث الشعبي الإسلامي.
هل سيتابع إبراهيم حلمه كما يحلو له، أو بالأحرى سيوجهه نحو المسار العادي للحجاج؟
стр. 39
بالنسبة إلى المسلم العادي من شمال إفريقية، كما هو حال الفحام، تبدأ المرحلة الحقيقية للرحلة المقدسة من بور سعيد، الذي ينطقه عرب المغرب (البر السعيد).
بالنسبة إلى الناس البسطاء من هذا المكان يبدأ الحج إلى الأراضي المقدسة، إن طائفة من التفاصيل المتعرجة تبدأ تسترعي اهتمام الحاج بدءا من دخوله البحر الأحمر، فتذكره تارة بحدث ديني من الماضي وتارة أخرى منسكا يجب القيام به.
وهكذا الحال مع أجيال من الحجيج، هكذا كانت تسمي (حفرة فرعون) حيث التاريخ المقدس يشير إلى معبر موسى في البحر الأحمر، ويقولون إن فرعون مازال في هذه الحفرة حبيس الدوامة إلى آخر الدهر. عند هذا المكان، وفي كل سنة يراقب الحجيج من فوق مركبهم (حفرة فرعون) وبعضهم يدعي أنه حقا رآه. من هذا المكان، يمكن أيضا رؤية (جبل الطور) حيث كلم الله موسى بالوادي المقدس حيث رأى رسول بني إسرائيل (القبس).
بعده يظهر الميناء الحجازي الصغير (رابغ) الذي ينبه الحجيج بأنهم قد دخلوا المنطقة المقدسة، حيث
стр. 40
يتخلى الحاج عن ملابسه العادية: الجبة، البرنس والعمامة حاسر الرأس ولا يتزيا إلا بلباس الإحرام. من هنا تبدأ حياته التعبدية وشعائره الدينية. وينسى كل شيء يربطه بالأرض، وبالعائلة وبمصالحه الدنيوية. لبيك اللهم لبيك.
وانطلاقا من (رابغ) لا تنقطع هذه التلبية فوق المركب الذي يحمل الحجاج منها إلى جدة. هكذا أرخى إبراهيم العنان لذكرياته التي ورثها عن جدته التي كانت تحكيها لهم في ليالي سمرهم العائلي عندما كان صبيا.
فتذكر جدته العجوز التي كانت تسحره بقصصها الرائعة، وذكريات عمر ذهبي تطربه، والحنين يجتاحه إلى ماضيه العائلي، إلى والده وأمه وإلى طفولته. فجأة تسلل إلى قلبه إحساس بالخطأ بسبب وجوده هنا، في محل الفحام، وعلى هذا الفراش الحقير.
حاول جادا أن يتخلص من هذا الإحساس المؤلم والعودة إلى أحلامه. فوصله صوت شخير من الخارج، تذكر رفيقه، كان من عادته عندما يرجع من دورية أن يرقده في المتجر هذا إذا لم يستلق مصروعا بالخمر على حافة مجرى الماء. وعلم هذه المرة أيضا، أن
стр. 41
رفيقه لم يقو على اجتياز عتبة المتجر واستلقى على مدخله، وقد ملأ شخيره غرفة إبراهيم الذي لم يعد قادرا على التلذذ بحلم اليقظة الذي كان يريد أن يتابعه إلى جدة ومكة ثم المدينة ...
لقد انقطع سحر الحلم لدى إبراهيم الذي عاد فكره مرغما، إلى أجواء المحل. والآن، إذ غيناه وهما نصف مغمضتين تريان صورا أكثر حسية. تجول بصره في دكانه المعتم الذي كانت تبثه الشمعة بضوئها الخافت ودخانها. بدأت نشوة الحلم الذي رآه في نومه ويقظته تتلاشى حين أدرك حالته الراهنة والأشياء القاتمة التي كانت تحيط به.
انتابه إحساس بالاختناق جعله يعتدل جالسا متكئا على ذراعيه، فوقع نظره على رجليه الممدودتين والمنتعلتين حذاءه القماشي الذي لم ينزعه منذ البارحة
حين تهاوى على فراشه.
أحس إبراهيم بخجل مضاعف من فردتي حذائه: حذاؤه الذي لم يكن يلبس مثله سوى (أولاد الحرام) مثلما يطلق على السفلة في الجزائر.
فحذاء كهذا بالنسبة إلى الناس الطيبين من الجيل السالف، لا ينتعله إلا قطاع الطرق وأشخاص في
стр. 42
منتهى النذالة لكي يفاجئوا غيرهم دون إصدار صوت أو للفرار بسرعة.
هذا الحكم المسبق بقي في العائلات الشريفة، وقد ورثه إبراهيم خلال تربيته في أثناء الطفولة ومازال متأثرا به حتى هذه اللحظة.
ابتلع إبراهيم ريقه، وكأنه جرعة من المرارة يصطحبها شعور بالخجل والألم، لم يعهدهما منذ زمن طويل.
وأمعن النظر مرة أخرى في حذائه ثم انفجر ضاحكا وكأن نوبة جنون قد ألمت به.
وكان يمتزج في فكره منظر حذائه ودكانه مع الإحساس المتناقض الذي أيقظته في نفسه كلمة (بوقرعة) وكلمة (الحاج) ليخطر بباله موضوع مثير للسخرية.
بعد أن مرت نوبة الضحك، بقي مدة مبهوتا وتخلص - وهو يختنق غيظا - من حذائه مثلما يتخلص أي إنسان من خزي ووصمة العار، وكان يعتريه هذا الإحساس الغريب الذي ينتاب المرأة الساقطة والذي يجعلها تتقبل الحاجز الذي يوضع بينها وبين المرأة الشريفة في الحمامات الشعبية والأحياء المجاورة لها.
стр. 43
ومهما يكن انحطاطها فإن النفس المسلمة تحافظ على بعض من كرامتها في مواجهة الإحساس بالخزي، وهي ترزح تحته.
كان لدى إبراهيم هذا الإحساس بالخزي الذي ينزل بهذه الشريحة المشبوهة من الناس الذين طبعتهم الحياة التي أخذت منعطفا عصريا والذين هم متشردون دون مأوى ولا عائلة على هامش مجتمعين: مجتمع مسلم وآخر أوربي.
كان لديه إحساس بأنه ينتمي إلى الشريحة الثانية هذه.
وقد تنهد الآن برغبة مبهمة منه في الهروب، لكن الحنين إلى الماضي ملك فكره إذ طافت صورتان في ذاكرته. فتراءى له أبوه وأمه عندما كانا على قيد الحياة. كانت حياتهما ميسورة، كلها تقوى وانتظام في هذا البيت المقابل الذي يقطنه العم محمد، وفي هذا البيت نفسه كان إبراهيم قد تزوج، لكنه طرد منه لأنه لم يعد مرغوبا فيه بسبب سوء سلوكه إذ إنه كان (زبنطوط) (١)
стр. 44
أي أعزب، بعد أن طلبت منه زوجته الخلع وحصلت على الطلاق.
استرجع الآن إبراهيم مشهدا واحدا ذلكم هو المشهد الأخير من حياته الزوجية:
كانت الساعة الثانية زوالا، وفي البيت الذي يقيم فيه العم محمد حاليا، حيث كان يسكن مع زهرة في غرفتين في الطابق العلوي.
في هذا اليوم دخل صباحا مخمورا إلى حد لم يبلغه قط من قبل. وفي الساعة الثانية بعد الظهر استيقظ كالعادة بعد ليالي عربدته، وكانت زهرة تنتظر استيقاظه لتضع (الميدة) (طعام الغداء). كانت جالسة على إهاب خروف موضوع في (الصحن)، هذا الرواق الذي تطل عليه غرف المنازل ذات الطراز المغاربي. كانت قد عادت بعد أن قامت بغسل بعض الملابس لقتل الوقت، وارتسمت على صنحات وجهها رقة وحزن كمن به مرض عضال. كانت تعاني منذ مدة من سلوك إبراهيم غير السوي الذي كان يعذبها خاصة بعد انتقال والديه إلى الرفيق الأعلى.
في هذا اليوم، وعلى غير عادتها كانت هادئة بل مسرورة، دون ذلك التقطيب بين عينيها الذي يعتريها
стр. 45
عندما تستعيد الشريط المؤلم لحياتها الزوجية.
كانت هادئة لأن (قزانة) أي قارئة حظ أنبأتها في الصباح أن معجزة ستقع في حياتها التي تتألم منها كثيرا، وأن سبب معاناتها سيزول.
كان هذا شغلها الشاغل فكم من مرة كانت تنتقل إلى القبة لكي تشعل شمعة هناك على أمل أن ينتهي سبب معاناتها: فسوق إبراهيم.
فلسنوات عديدة، كانت مع (القزانات) تجدد أملها.
كانت مرة أخرى هادئة وكان الجو رائعا في هذا اليوم الربيعي، وبجوار أحد أعمدة الرواق كان هناك قفص معلق، بداخله كروان أصبح مع مر الزمن رفيقا لزهرة حتى إنها كانت تغني لتغريده وكانت كلما رأته ساكنا على أرجوحته تأتي لتكلمه.
لقد تعودت على فهم حركات رأسه الصغير، كان يقول لها: (لا)، عندما يحرك رأسه يمينا ويسارا ويقول لها: (نعم)، عندما يخفض رأسه. كانت أجوبته وزقزقته كافية لتشعرها بالرفقة، خاصة عندما كانت تنتظر استيقاظ زوجها بعد الزوال أو عودته من الحانة.
стр. 46
وهي ترفع القفص، أطلق العصفور زقزقات تأثرت بها زهرة فطفقت تشدو بأغنية شجية تهدئ روحها دائمة الحزن.
إن انسجام الأغنية الشجية مع النغمات شغلها إلى درجة أنها لم تسمع زوجها الذي ناداها مرتين أو ثلاثا من داخل الغرفة عندما اسيقظ وراح يتابع المشهد من العتبة وهو لا يزال نصف مخمور.
إنه لمن أسوأ الظروف عندما يكون إنسان ما نصف مخمور حين يبدأ يفيق تدريجيا من سكره.
أحس إبراهيم بأنه محتقر من قبل زهرة التي تبدو له وكأنها لا تعيره اهتماما كافيا مثل الذي تعيره للعصفور، فاستشاط غضبا من الإهانة التي تعرض لها كبرياؤه، فانقض على القفص دون أن ينبس بكلمة واحدة وألقى به في صحن البيت. فأطلقت زهرة صرخة ألم وهبطت في السلالم مسرعة لتأخذ القفص حيث لفظ العصفور آخر انغامه ...
غير أنها لم تصعد مرة أخرى ولم يرها إبراهيم منذ ذلك اليوم إلا مرة واحدة عند القاضي الذي أعلن طلاقها منه.
стр. 47
هنا تدخل العم محمد ليضع حدا لفضائح إبراهيم وعربداته وكان تدخله هذا احتراما لجيرانه الشرفاء، امتثل إبراهيم طوعا لقرار طلب صديق العائلة الحميم الذي كان وراء حصوله على المتجر الذي يقيم فيه الآن. إن العم محمد كان يفكر في الوقت نفسه بإيوائه وأن يفتتح له بقالة بميزانية صغيرة على أمل أن تنقذه من هذا الوحل السيئ الذي غاص فيه.
لكن إبراهيم واصل بصورة مستمرة تدنيه أكثر فأكثر نحو القاع، فقد بدد رأس المال واستطاع العم محمد بصعوبة أن يبقي له المحل. ولم يدفعه ويشجعه إلا بعد مدة من ذلك على أن يحول رأس ماله إلى تجارة بيع الفحم وعندما صفى إبراهيم كل أملاك العائلة أظهر نيته أيضا في بيع البيت إلا أن عمه محمد تمكن بجهد كبير من أن يمتعه من ذلك بواسطة مبلغ خصمه من إيجاره في المستقبل كي يساعده على إقامة مشروعه الحالي.
مرت هذه الذكريات في مخيلة إبراهيم، الذي لم ينتبه إلى حاله الراهن منذ أمد بعيد، لقد تنبه إلى وضعه المزري الذي وصل إليه؛ هذا الوضع المخزي الذي يعيره به صبيان أزقة بونة بلقب (بوقرعة) (صاحب قارورة النبيذ).
стр. 48
في أول الأمر كان يجد في نفسه قوة ليسخط بطريقته على إهانة هؤلاء الصبية ووقاحتهم إذ كان يرد عليهم ببعض البذاءات أو بعض التهديدات.
ولكن منذ وقت طويل تلاشت فيه هذه المجابهة وصار غير مبال بسخرية الأطفال.
فعندما يحكم الوسط الاجتماعي على شخص ما، فالأطفال هم الذين يصدرون الحكم بشراسة فينعتون المجنون بالمجنون والسكير بالسكير. فهم القضاة المدافعون عن المصالح والأعراف والتقاليد.
لقد كان إبراهيم منذ مدة يرضى بحكم الوسط الاجتماعي: في السخرية التي يعير بها في الشارع (يا بوقرعة).
وتساءل في نفسه وهو يطفئ خيط الشمعة التي كانت تطلق دخانا منذ مدة: كيف يمكن التخلص من هذه الأحكام؟. فجأة انطلق صوت مؤذن الفجر الذي اخترق السكون الذي يلف المدينة النائمة وبث في أزقتها الخالية الصدى الداعي إلى الصلاة:
الله أكبر! الله أكبر!
استمع إبراهيم إلى هذا الصوت الذي يشدو كل صباح على امتداد آفاق الإسلام كأنه لم يسمعه منذ أمد
стр. 49
بعيد. سمعه كمن أيقظه بعد نوم عميق ليناديه إلى الصلاة. كان يحس وكأن الأذان قد أيقظه من سبات دام لسنوات طوال.
هذا الصوت أيقظ فيه أيضا أصداء بعيدة، فتذكر أنه في مثل هذا الوقت كان ينهض والده لكي يتوضأ ويصلي. وردد الصوت نداءه الأخير على المدينة النائمة مناديا:
- حي على الفلاح! الله أكبر، لا إله إلا الله.
وهو يستمع إلى النداء الذي تلاشى ببطء في السماء، تراءى له بغموض تناقض ما كان قد تجلى بداخله من قبل. في هذه اللحظة كان إحساسه بالاستسلام إلى (المكتوب) وذلك الانجذاب الذي أحدثه صوت المؤذن في نفسه يتصادمان. لكن طبيعته حادت به عن التفكير في السر الموجود في مثل هكذا تناقض. فعقله كان يرفض حل هذا الجدال الشائك الذي تشمئز منه نفسه، واكتفى سرا فقط بترديد قول المؤذن:
حي على الفلاح!
هذه العبارة التي لخصت حالته النفسية في هذه الدقيقة تناهت إليه مثل صدى لحرار داخلي كان قد
стр. 50
أفلت من شعوره، فأحس بخفة روحه وكأنها تخلصت من قيودها الثقيلة التي كان يظن أنها لن تنفك عنه أبدا.
وفي الشارع كانت هنالك خطوات يسمع وقعها وهي تبتعد، وكان دخان الشمعة يملأ المحل ويزعجه.
فجأه أراد الخروج منه وقد أحس بنفور تجاه المكان وكل الأشياء القاتمة المحيطة به، تنبه إلى أنه ومنذ زمن بعيد لم يشهد طلوع الفجر ولم يستنشق النسيم العليل للصباح. فانتعل حذاءه، وخرج إلى عتبة المحل. النهار لم يطلع بعد وقد خيم ضباب خبازي على الزقاق.
رأى إبراهيم رفيقه المستلقي على الأرض كأنه تكوم على كتفي الباب.
رفع إبراهيم رأس صاحبه الذي فوجئ به إذ وجد نفسه جالسا فخاطبه متذمرا:
- دعني وشأني يا إبراهيم! دفع الفحام بقدمه وبرفق الرجل الذي لم يكد يستيقظ، وأجبره على النهوض قائلا له: (قم، قم، لتنم في مكاني). امتثل الرجل أمر إبراهيم دون احتجاج، وذهب
стр. 51
للتمدد على الفراش. أطفأ إبراهيم الشمعة ثم خرج بعد أن أغلق الباب خلفه.
تردد إبراهيم لحظة في الخارج، ثم اتجه بعفوية نحو الشمال باتجاه المسجد الذي لاحت له منارته السامقة في سماء لونها خبازي امتزج بلون وردي باهت.
عندما انتهى إلى الساحة، رأى أطيافا بيضا تدخل المسجد من الباب المركزي الذي يؤدي إلى مدخل مغطى تنيره أضواء تنبعث من قاعة الصلاة.
اتجه إبراهيم بعفوية نحو الأضواء صاعدا أدراج المدخل ولكنه لم يجرؤ على تخطي عتبة باب المسجد، حيث تناهت إلى مسامعه همسة عادة ما تسمع عند أبواب المساجد في أوقات الصلاة. تملكه إحساس بالضيق شله ومنعه من تخظي الباب وكأن قوة ما تدفعه إلى الوراء. إنه يعرف هذه القوة التي تمنع كل مسلم، من تجاوز عتبة المسجد أو تناول المصحف إذا لم يكن على طهارة. لكن إحساسه بالضيق راوده لأنه لم يكن طاهرا إذ لم يتوضأ.
أثقله هذا الإحساس وأقعده عند عتبة باب المسجد. تناهى إلى مسمعه صوت المسمع الذي كان
стр. 52
يكرر ما يقوله الإمام ليسع من يليه كأنه نغمة أرغن (الله أكبر). تتبع إبراهيم مشهد صلاة الجماعة الذي كان مألوفا لديه، حيث ارتفعت همسات أهل المسجد مرددة مرة أخرى: (السلام عليكم).
علم إبراهيم الذي يعرف جيدا تلك المناسك، أنه بعد الانتهاء من الصلاة يأتي الذكر والدعاء حين ترفع أياد متضرعة إلى الله راجين منه أن يستجيب لدعائهم. رفع إبراهيم يديه متضرعا وقد فاضت عيناه بالدموع التي انهمرت على خديه ثم رفع بصره إلى السماء متمتما:
(يا رب اشفني من شروري فأنا مريض، اهدني سواء سبيلك فإني ضال).
أضاء نور الصباح الجديد وجه إبراهيم الذي مازال مادا يديه إلى الله متضرعا، ويملؤه التأثر ويرجو هبة منه.
شرع المصلون بالخروج. لمح أحدهم إبراهيم وهو على حالته تلك، فرجع على أعقابه ليضع في راحة يد إبراهيم قطعة من النقود ظانا أنه أحد المتسولين.
стр. 53
لم ينتبه إبراهيم إلى القطعة النقدية التي تدحرجت وسقطت بين رجليه. توالت أفواج أخرى من المصلين في الخروج من المسجد، يتحدثون فيما بينهم، وبينما يرمي بعضهم بقطع نقدية إلى إبراهيم، إذ علقت بأذنيه بعض أحاديثهم والتي ارتكزت أساسا على حدث اليوم:
- إذن ستقلع باخرة الحجاج عند الساعة العاشرة؟.
- هذا المساء أو غدا، سوف تقل حجاج تونس ...
إن فكرة إقلاع الباخرة ثبتت بإصرار في ذهن إبراهيم وقد أوحت إليه أمرا مفاجئا، إذ تساءل فجأة في نفسه: ماذا لو ذهبت أنا أيضا معهم؟.
كان يبرق وميض في عيني إبراهيم. لقد وجد أخيرا تفسيرا لحلم الليلة السابقة، وكأن تيارا كهربائيا قد صعقه. انتفض واقفا في حركة آلية وقد تناثرت بين قدميه القطع النقدية، التي كان قد تصدق بها عليه بعض المصلين وقد أشعرته بإحراج شديد لم يجرؤ على جمعها أو إرجاعها إلى أصحابها الذين تصدقوا بها عليه. غادر المكان وهو يقول في قرارة نفسه:
стр. 54
(سيأتي أحد المساكين ويأخذها).
اتجه إلى حمام شعبي في الحي وبسرعة اغتسل ونظف كامل بدنه دون أن يمعن في التدليك، وعندما خرج كان يبدو كأحد الأشراف، وتقاسيم وجهه تدل على نبل، وكأنه لم يتخلص من طبقة غبار الفحم ولكن أيضا من القناع الذي كان يظهره على عكس حقيقته. لقد اقتلع قناع (بوقرعة) لكي يعود ببساطة إلى شخصية إبراهيم.
غمره إحساس بأنه تخلص من ضيق كأنه كان يعيش في داخله حتى هذه اللحظة دور شخص بغيض فرض عليه في مسرحية كوميدية بذيئة. أحس إبراهيم
بفخر في قلبه أضفى على هيئته وقارا وزاده كرامة. صعد الدرب الذي يؤدي إلى حانوته، وتوقف عند منزل العم محمد.
أمسك إبراهيم بحلقة البرونز المثبتة على الباب والمخصصة لطرق الباب. فرد عليه صوت امرأة من الداخل:
- من هناك؟.
- أخبري عمي محمد أن إبراهيم الفخام يود رؤيته. بعد لحظة، ظهر الشيخ على عتبة
стр. 55
البيت وقد فوجئ بهذه الزيارة المبكرة لصاحب البيت. ازدادت دهشته عندما لاحظ على قسمات وجهه شيئا غير مألوف. كان يتوقع منه سلوكا غريبا تعوده ولا يصدر إلا عن شخص مخمور، لكنه أدرك في الحال أن الزيارة تحمل في طياتها أمرا غير الذي ألفه منه لما لاحظه على إبراهيم من جدية وصدق. حافظ الشيخ على هدوئه، فلم يلمه ولكنه تجرأ وسأله:
- ماذا يا إبراهيم، أهي عربدة أخرى من عربدات هذه الليلة؟.
أحس إبراهيم ببعض الحرج ورد عليه معتذرا:
- لن أعود إلى ما كنت عليه يا عمي محمد.!
رد عليه الشيخ مازحا وهو يود معرفة الغرض الحقيقي من هذه الزيارة:
- يا إبراهيم، هذه يمين سكير. لكن إبراهيم رد عليه بحزم:
- أبدا! هذه المرة هي يمين حاج.!
تفحص الشيخ وجه محدثه بنظرات متشككة، فهو
стр. 56
لم يع أي شيء في هذا التصرف الغريب. فبادره إبراهيم يشرح له موقفه:
- أجل يا عمي محمد، لقد جئت إليك في هذا الوقت غير المألوف لأنني مستعجل.
إنها السادسة، وأنا أريد أن أذهب مع الحجاج الذين سيغادرون اليوم قبل الظهر مهما كلفني الأمر.
- صعق...الشيخ من هذا الخبر الذي لم يرد أن يعتبره أحد نوبات إبراهيم الجنونية. فلقد كان طبيعيا على غير عادته، لم يراود الشيخ شك في أمر إبراهيم ولكنه لم يكن مقتنعا تماما.
رد قائلا:
- أجل إن الله قوي قدير، يهدي إلى طريقه من يشاء.
تفهم إبراهيم حيرة الشيخ وقاطعه قائلا:
- أنت محق في أن تفاجأ بالمسعى الذي أنا بصدده ولكني قد اتخذت قراري.
فأجاب الشيخ:
-أرى أنك مصر غاية الإصرار،، ولكن فرضا
стр. 57
أنك تود أن تسافر اليوم، فهناك شروط مادية، واجراءات و ... ومشكلة مادية.
قاطعه إبراهيم مرة أخرى:
- لأجل كل هذه الأسباب جئتك يا عمي محكد. أريد منك أن تبيع المنزل هذا الصباح، ومن جهتي سأتولى الإجراءات ...
يعيننا الله. تأمل الشيخ إبراهيم الذي أحس في نبرات صوته، وفي هيئته علامات خفية وفي وجهه شيئا جديدا. أحس الشيخ بارتياح عميق لقد اهتزت روحه المومنة لوقع المعجزة التي تحققت أمام عينيه. الحاج إبراهيم؟!.
كانت بحق معجزة بالنسبة إلى الشيخ الذي أمسك بمعصم محدثه في حركة أبوية وقال له:
إذا أراد الله شيئا، فإنما يقول له كن فيكون. عليك الآن أن تتكفل بالإجراءات الإدارية وبالمحل. أما أنا فسأتولى أمر المنزل غير أني أظنني لا أستطيع بيعه هذا الصباح، فقط أعطني وكالة حتى أضمن لك بها قرضا لتسديد نفقات السفر، سنرى ذلك فيما بعد ...
стр. 58
لاح الرضا على وجه إبراهيم، وبدا أكثر سعادة بهذه الإرشادات الأبوية التي رأى فيها تأييدا لمشروعه وفأل خير لنجاحه. لم يكن يخيفه قلة توفر المال، على ضيق الوقت، فذلك أهون لديه من الخوف من الصعوبات التي قد تعترضه عند مفاتحة العم محمد بالموضوع. ولشد ما كانت فرحته كبيرة عندما قبل هذا الأخير رغبة بكل يسر وقبل مساعدته في تحقيقها.
غادر إبراهيم وكله امتنان للشيخ ومخاطبا إياه بنبرة ممزوجة بالمزاح والجد في آن واحد:
- أما المحل فقد حلت مشكلته، فالمدير الجديد الآن بداخله. أريد أن أتركه لذلك المسكين الذي ينام فيه الآن. قد يجلب له الحظ إن شاء الله.
رد الشيخ على إبراهيم الذي ابتعد بضع خطوات:
- لا تنس ان تشتري لباس الإحرام.
كان هذا أحد الأمور التي نوى إبراهيم القيام بها خلال هذه الصبيحة. اتجه أولا إلى أحد باعة القماش، الذي قطع له أمتارا من نسيج قطني أبيض لتكون له لباسا للإحرام. هذا الرداء الذي يشده الحاج
стр. 59
حول جسمه عند أدائه شعائر الحج من الطواف حتى رمي الجمرات. كما اشترى إبراهيم من المحل نفسه (بلغة) وجبة وبعض أمتار من (الحرير الموصلي) ليجعل منها عمامة. لف إبراهيم مشترياته في لباس الإحرام ووضعه تحت ذراعه. عند خروجه من المحل كان باله منشغلا بالإجراءات الإدارية. كان على علم بالمشاكل التي قد تعترضه، فالمصلحة المسؤولة عن هذه الإجراءات لا تفتح أبوابها إلا على الساعة الثامنة. إن الله قدير.
فكر إبراهيم في الاستعانة بأحد المنتخبين لكي يساعده في مسعاه. كان يعرف شخصا يشغل منصب مفوض مالي في بونة، وكان يعرف عنه أنه شخص خدوم وله نفوذ في مكاتب الإدارة.
فكر إبراهيم بالذهاب إليه فورا غير أنه عدل عن رأيه لأنه لم يستسغ فكرة إيقاظ شخصية مهمة في مثل هذه الساعة المبكرة لكي يطلب منه خدمة. أراد أن يستغل الوقت المتوفر لديه ليأخذ صور هوية لجواز السفر. لكن الوقت ما زال مبكرا حتى بالنسبة إلى المصور الفوتوغرافي. إلا أن إبراهيم رأى إمكانية إيقاظه في هذه الحالة المستعجلة شريطة تعويضه عن الإزعاج.
стр. 60
قرر الذهاب عند مصور لا يسكن بعيدا عن المكان الذي اعتاد الشرب فيه، استقبله المصور دون أن يبدي الكثير من الغضب. في بادئ الأمر كان مندهشا لكن دهشته انقلبت إلى مزاح عندما روى إبراهيم قصته. غادر إبراهيم المصور الذي رفض أن يأخذ أجره. وبعد ذلك اتجه إبراهيم إلى بيت ذلك الرجل. التقى في طريقه الصبية الذين اعتادوا مطاردته والسخرية منه، تعجب منهم، لأنهم لم ينعتوه هذه المرة باسم العار (يا بوقرعة).
تعجب الأطفال بدورهم من رؤية هذا الذي كانوا يضايقونه وقد بدا جادا، في هيئة تبعث على احترام شرفاء الناس. اعتبر إبراهيم هذا اليوم، يوم أبهة ونجاح فقد دغدغت حواسه بلطف جراء احترام الأطفال المفاجئ له. وهو يفكر في حاله، وصل إبراهيم إلى بيت المنتخب وطرق الباب قائلا للخادم الذي فتح له:
- هل أستطيع أن أرى سيدك؟ أنا حاج وأود أن أراه لكي يعينني على إتمام إجراء إداري.
استعمل إبراهيم لفظ (حاج) لأنه يدرك وقعها على الأنفس المسلمة، منتخبة كانت أو منتخبة، حتى في
стр. 61
الأوقات غير المناسبة. لم يتأخر المنتخب، الذي أخبره خادمه عن مقابلة إبراهيم الذي قص عليه قصته وأراه رزمة الثياب التي كانت معه مؤكدا على عزمه. أبدى محدثه اهتماما لا يخلو من الفكاهة بهذا الحاج المتأخر، لافتا انتباهه إلى أنه قد تأخر كثيرا لإنهاء الإجراءات، ومع ذلك طلب منه أن يوافيه على الثامنة والنصف عند باب المحافظة. توجه إبراهيم إلى المحافظة، وفي طريقه توقف عند بائع الفطائر تناول واحدة وأعطى أخرى إلى شحاذ عسى أن تتنزل عليه رحمات السماء وتشفع له بالحصول على جواز السفر. عند وصوله إلى المحافظة خالجه إحساس قوي بالتوفيق في مبتغاه.
انتظر إبراهيم أمام المحافظة وعندما بدأ موظفو المصلحة بالدخول، أخذ يتصفح وجوههم متسائلا أي منهم سيكون مصيره بين يديه بـ (نعم) أو بـ (لا)؟ رفض إبراهيم أن يقف عند كلمة (لا) المشؤومة، خشية من سوء الحظ الذي قد يجلبه مجرد التفكير في ذلك. لهذا قرر في قرارة نفسه أن كل الموظفين أشخاص لطيفون، بشوشون ولا يتلفظون إلا بكلمة (نعم).
في أثناء ذلك، أقبل المنتخب مبتسما من بعيد،
стр. 62
ابتسامة رأى فيها إبراهيم فأل خير لما هو آت. تبع إبراهيم الرجل الذي طلب منه صوره ووثائق هويته ودخل مكتبا تاركا إبراهيم عند الباب. بعد عشرين دقيقة، خرج إبراهيم من المحافظة بوجه مشرق متهلل سائلا الله البركة للمنتخب والمحافظ والموظفين. لم يحصل إبراهيم على جواز سفر الحاج المعتاد، بل على شهادة تثبت أن المعني مستوف لكل الشروط الإدارية، لم يعبأ إبراهيم بحجز مكانه على المركب لأنه يعلم أن الأماكن متوفرة حتى آخر لحظة. فاضت مشاعر إبراهيم شاكرا لله لكل الناس ولكل ما يحيط به لأنه وفق في مسعى كان يظنه صعب المنال. كان يعيش لحظة كلها نعيم، كان يفيض رقة لكل من يراه في الشارع وهو متجه صوب بيت العم محمد. انصرفت نفسه للإحساس بالحنين المسبق إلى هذه الأماكن، يخالطها شعور مبهم بعدم رؤيتها مجددا. امتلات عيناه وأذناه بهذه الانطباعات الحية عن الشارع ليحافظ عليها ذكرى لمن سيذهب بعيدا عن موطنه. عندما وصل إلى زقاقه، تبادر إلى ذهنه الذهاب إلى المحل لرؤية صاحبه أولا. كان يريد أن يرى دهشته ولاسيما عندما يعلمه بالحدث العظيم، وبالمحل الذي سيتركه له. وجده نائما، وقد أزعجه صوت المفتاح وهو يدور
стр. 63
داخل قفل الباب. ترك إبراهيم باب المحل مفتوحا حتى يتسلل ضوء النهار والضجيج، فيوقظ النائم. نهض هذا الأخير تلفه الدهشة مما يحدث، فلم يتعود ذلك في الأيام التالية لعربداته وتساءل:
- ماذا؟ هل ستفتح محلك الآن؟.
رد عليه إبراهيم بنبرة غامضة:
- محلي أنا؟!، إنه لك منذ هذا الصباح.
ذهل صاحبه متسائلا إذ لم يكن إبراهيم أكثر سكرا من الليلة السابقة. كان على وشك أن يطلب إيضاحا لما يحدث لولا دخول العم محمد.
سأل الشيخ إبراهيم:
- هل استلمت جواز سفرك يا إبراهيم؟.
وأردف قائلا، وهو يشير إلى الرزمة التي يحملها إبراهيم:
- أرى أنك قد اشتريت ملابس الإحرام، هذا جيد؛ لأنه لم يبق لك إلا خمس دقائق كي تأتي معي إلى المنزل من أجل أن تتناول آخر وجباتك قبل الرحيل.
стр. 64
وقف صاحب إبراهيم الذي أبكمه ما سمع، إذ لم يفهم أي شيء مما يدور داخل المحل، غير أنه أدرك أن شيئا جديدا طرأ على حياة الفحام. رسمت استضافة العم محمد على وجه إبراهيم ملامح تقدير إذ بدا متأثرا وقد ملأت الدموع عينيه محدثا نفسه:
- لقد قبلوني في المنزل، ودعاني الشرفاء إلى مائدتهم.
كانت هذه الدعوة تعبيرا عن تقدير الناس واحترامهم له. ولكنه هم بالاعتذار غير أن العم محمد قرر جازما:
- يجب أن تخرج من المنزل ككل الحجاج وليس كمن لا بيت له. وفضلا عن هذا، فكل الجيران يدعونك ليودعوك.
فاضت مناعر إبراهيم الذي مسح دمعه عن خده.
في هذه اللحظة سمع صوت زفير مكتوم جعله يستدير، وإذا بصاحبه تجتاحه المشاعر نفسها. لقد كان يبكي لبكاء إبراهيم حزنا لفراق صاحبه في الشقاء.
انفجر إبراهيم ضاحكا من منظر صاحبه المثير للشفقة ولكي يزيل عنه ما يشغله بادره قائلا:
- أتدرك الآن لماذا قلت لك أن المحل
стр. 65
محلك؟ سأترك لك إدارته ومن يدري، قد تتبعني يوما .. !
هنا تدخل العم محمد قائلا:
- لكما كل الوقت لتتكلما عن هذا فيما بعد، في أثناء الوداع، أما الآن فعليك يا إبراهيم أن تأتي معي إلى المحكمة لتوقع على التوكيل الذي أعددته حتى يمكنني التصرف في المنزل. قد ضمنتك واستخلصت لك مبلغ عشرة آلاف فرنك.
أراد إبراهيم أن يبدو أكثر احتراما وشرفا في المحكمة، فطلب من العم محمد أن يمهله دقيقة حتى يغير ملابسه. خلع إبراهيم مئزره ونزع حذاءه وشاشيته وارتدى جبته ثم وضع عمامته وانتعل بلغته.
أخذ معه ملابس الإحرام وكله حرص على ألا يتركها وسط غبار الفحم والتحق بالشيخ الذي كان ينتظره خارجا أمام الباب والذي خاطبه مبتسما:
- يبدو عليك مظهر الحاج، فيك نفحة من نفحات الجنة.
اتجها صوب المحكمة وهما يتحدثان عن أمور
стр. 66
الحج. كان العم محمد حريصا على أن يزود إبراهيم بكل التوصيات الخاصة بسلوك الحاج بالأماكن المقدسة: بمكة، بعرفات ....
لم تأخذ الإجراءات في المحكمة وقتا طويلا. أحس إبراهيم بعناية الموجودين معه واحترامهم. بعدها، رجع العم محمد بضيفه إلى المنزل مستعجلا لأن وقت الرحيل قد اقترب.
كانت زوجة الشيخ في انتظارهما وقد عبقت الغرفة التي خصصت لاستضافة الحاج بالبخور. كانت تكن له مشاعر أمومة لأنها رأته وهو يكبر، وكذلك بسبب أهله الطيبين الذين رافقتهم حتى آخر لحظة في حياتهم.
استقبلته بحنان حرك فيها مشاعر عدة. كانت تغمر هذه العجوز الطيبة فرحة عارمة للمعجزة التي تحققت لضيفها والتي تشهد على حلم رب العباد بالأنفس البشرية.
- لا بد أن والديك سعيدان الآن يا (سي) إبراهيم.
خاطبته بـ (سي)، بهذه الكلمات، في حين تناول يدها وطبع عليها قبلة ابن، وهما ما زالا على عتبة الغرفة التي استقبلته فيها.
стр. 67
- فليرحمهما الله يا عمتي فاطمة.
رد عليها إبراهيم وقد ملأته كلمة (سي) التي استعملتها العجوز قبل اسمه بالرضا والسرور.
كانت (الميدة)، تلك الطاولة ذات الأرجل القصيرة، الخاصة بمسلمي شمال إفريقية، قد نصبت وأعدت. أجلسوا إبراهيم في المكان الشرفي من المائدة. كان العم محمد يأكل معه في حين كانت العمة فاطمة التي أحضرت كل شيء عند متناول يديها - حتى لا تتعب رجليها الضعيفتين وحتى لا تغيب عن ضيفها - جالسة على السجادة تتجاذب أطراف الحديث مع المدعوين، عن الماضي وذكرياتهم المشتركة التي عاشوها في هذا المنزل. لم يظهر لدى
المدعوين، رغبة في الأكل.
كان إبراهيم متأثرا باضطراب الصباح؛ إذ يشغله موعد مغادرة المركب أما العم محمد فكان يحيطه بآداب الضيافة.
استأذن إبراهيم، ووقف شاكرا للعجوزين اللذين رافقاه. وحينما كان إبراهيم ينتعل حذاءه عند عتبة الغرفة أقبل العم محمد وهو يحمل قفة ممتلئة قائلا له: - هذه مؤونة الطريق، إنها لك.
стр. 68
احتج إبراهيم، فتدخلت العمة فاطمة معترضة على ذلك واقتربت منه وهي تحمل شيئا في يدها قائلة له:
- لقد أصر كل الجيران على أن يهدوا لك هذه القفة، وهي تمد له بيدها. تعرف إبراهيم، الذي أربكته طيبة كل هولاء الناس على السبحة التي تحملها العمة فاطمة، لقد ظن أنها لفتة طيبة من العمة، وهدية منها كما بدا له.
كما جرت العادة ألا ترفض سبحة في هذه الظروف، فقد قبلها إبراهيم وكأنه يريد أن يشكر العمة مرة أخرى، لكن هذه الأخيرة اقتربت منه وهمست في أذنه قائلة:
- كانت هذه السبحة لوالدتك فليرحمها الله. حافظت زهرة عليها بحرص وعندما علمت برحيلك هذا الصباح، أصرت على أن ترسلها إليك لأنها أيقنت أنك جدير بأن تحتفظ بها الآن.
تملكته الدهشة للحظة، كمن تلقى صعقة كهربائية. ضغط بقوة على السبحة على ذكر اسم زهرة، قفزت ذكرى من حياته إلى ذهنه. فكر في هذه الزوجة
стр. 69
المخلصة التي اختارها له والداه والتي قاست معه الأمرين. تراءت له من جديد مشاهد من حياته الزوجية التي صبغتها حالات سكره بالسواد كما تفعل السحب بالأفق في أيام عاصفة.
مع أنها كانت مطلقة، فقد رفضت أن تتزوج مرة أخرى إكراما لذكرى حمويها اللذين أوصياها بابنهما وهما على فراش الموت. تشتغل زهرة بجد وتكسب قوتها بشرف خياطة للعائلات البرجوازية كما تتابع، عن طريق العم محمد، حال زوجها السابق وسوء تدبره لأمره. استرجع إبراهيم ماضيه في لحظة
تدبر. امتزج في ذهن إبراهيم، وجه زهرة الحزين المبتسم مع وجه أمه المشرق والممتلئ بالرضا، ذاب الوجهان فيه وشكلا رمزا واحدا لطريق مضيء فتح أمامه فجأة، فأحس بأنه قد نفذ بجلده من إمبراطورية الظلام.
تبسم إبراهيم للعجوز الطيبة حتى يحبس دمعة هربت من مقلته. بادلته العمة فاطمة ابتسامة وهي متأثرة ومدركة للحظات المثيرة للشجون التي يعيشها الحاج والتي جعلته يأتي قائلا:
- أرجوك يا عمتي فاطمة أن تشكري زهرة عني
стр. 70
لأنها أرسلت إلي بهذا التذكار في مثل هذا اليوم، أخبريها أنني سأدعو لها عندما أكون عند النبي .... وسأدعو لكم جميعا.
اتجه العم محمد الذي كان يتوسط ردهة المنزل بسرعة نحو الباب لكي ينتشل إبراهيم من دوامة المشاعر فتبعه هذا الأخير بطريقة آلية.
عندما خرج إبراهيم، وضع السبحة حول عنقه ووجد صاحبه على عتبة المحل ينتظر خروجه. فتقدم نحو العم محمد آخذا القفة من يده. سلمها له العم محمد وخاطبه ممازحا:
- هكذا تريد أن تسدد ثمن محلك؟.
خلص إبراهيم صاحبه من الموقف الذي أزعجه وهو يتبع الرجلين إلى الميناء قائلا:
- لا يا عمي محمد ليس عليه أن يسدد أي شيء. أريده فقط أن يوفر بعض المال حتى يتبعني يوما.
شجعت كلمات إبراهيم صاحبه فقال متمتما:
- إن شاء الله.
стр. 71
عندما وصل الرجال الثلاثة إلى الميناء كانت هناك حركة غير اعتيادية. كان هناك جمع غفير من أهل الحجاج وأصحابهم وحتى الفضوليون يملؤون مرفأ الركوب الذي تتقاطر إليه عربات الخيل مغطاة بمظلات، وسيارات كانت تنزل أناسا وأغراضا باتجاه العبارة التي كانت تشهد ذهابا وإيابا كثيفين. حتى إن عمال مصلحة المراقبة والنظام وجدوا صعوبة كبيرة في إخلاء العبارة، التي كان يتدافع فوقها الجموع خاصة بين متاريس المركب الذي تزين بالحجيج، ومحل
الركوب حيث كانت النداءات الأخوية، والأماني تنبعث من هنا وهناك وتتقاطع بعضها مع بعض. اخترق العم محمد الحشد مبتعدا عن أماكن وجود الأمتعة، واتجه نحو حارس كان موجودا فوق العبارة حيث تسلم تذاكر المرور للمتأخرين. كان إبراهيم يسير خلف العم محمد حاملا أوراقه بيديه مرافقا صاحبه حيث وضعها على الشباك أمام مستخدم المصلحة. لم يطل بهم الأمر، عد العم محمد المبلغ المطلوب وسلمه إلى المستخدم وسلم إبراهيم ما بقي من المبلغ وهو يوصيه أن يحافظ عليه كما أخبره أنه قد سدد مبلغ الضمان المطلوب لقباضة الجباية وأودعه الإيصال المخصص لذلك. واصل العم محمد توصياته وتمنياته
стр. 72
الأخيرة لإبراهيم وهو يدفعه من كتفه نحو العبارة. بدأ قلب إبراهيم في الخفقان عند رؤية عمال المراقبة، فانتابه خوف شديد خشية ألا يجدوه مستوفيا للشروط لسبب أو لآخر، حتى إنه ارتعد لرؤية أحدهم وهو يتفحصه. أرعبته نظرات المراقب إليه فكاد يصرخ طالبا النجدة ليجتاز عائقا قد يمنعه من السفر. لم يبق لإبراهيم إلا خطوات من العبارة. تقدم وهو يردد دعاء في سره ثم توقف ليأخذ العم محمد في أحضانه ويودعه الوداع الأخير وهو يتلجلج:
- سأدعو لك يا عمي محمد عند شباك النبي. كان يعني ذلك السياج الذي يحيط بالضريح الشريف. كانت هذه أقدس خدمة يمكن أن يقدمها الحاج لغير الحاج بأن يدعو له باسمه وهو متعلق بالسياج. هذا السياج المهيب الذي تهفو إليه قلوب كل المسلمين بعبارات مفعمة بالأماني وبالإيمان. حضنه
الشيخ أيضا بشعور أبوي دون أن يقول كلمة واحدة. ثم التفت إبراهيم إلى صاحبه الذي صافحه للمرة الأخيرة وتناول منه قفة المؤونة، قال له صاحبه:
- لا تنسني يا أخي إبراهيم في دعواتك عند سياج النبي، فليرحم الله والديك.
стр. 73
جذب أحد المستخدمين إبراهيم من كمه حيث كان خلفه يتساءل عن هذا الحاج الغريب الذي لم يكن معه متاع غير قفة، ليشير إليه أنه يعيق المرور. استدار إبراهيم والخوف ينتابه، غير أن بشاشة ظهرت على وجه المستخدم بددت إحساسه بالخوف فاستغل الفرصة لكي يسلمه أوراقه، فأشار إليه بالصعود وقد ألقى نظرة فقط على صورة الشهادة وعلى السبحة التي تحيط بعنقه. شعر إبراهيم بالأمان وهو يمر من فوق العبارة التي اعتبرها منقذته من العالم المتوحش والخطير الذي تنصل منه.
عندما وضع رجليه على المركب شعر وكأنه تخطى عتبة عالم جديد، أطلق زفرة كلها رضا: الحمد لله!
رجع بمخيلته إلى أصدقائه، وإلى العم محمد وإلى صاحبه اللذين كانا يترقبا محياه من فوق المركب من أجل الوداع الأخير ...
انحنى إبراهيم على مترسة المركب، فرأى العم محمد وصاحبه يبحثان عنه بأعينهم، أشار إليها بيديه وصاح: عمي محمد! عمي محمد!.
لفت إبراهيم بصوته انتباه الرجلين، وانتباه طفل كان على المركب يوصل رزمة لأحد الحجاج. كان
стр. 74
شعره أشعث ورجلاه حافيتين يرتدي سروالا كثرت ثقوبه كغالبية أطفال بونة. هم الطفل بتفحص إبراهيم باهتمام، شيئا فشيئا، ظهرت دهشة الطفل على وجهه فانفجر ضاحكا وصاح في اتجاه إبراهيم الذي كان يتبع بعينيه الشيخ وصاحبه اللذين كانا يشقان الجموع ليقتربا من جهته:
يا بو قرعة، يا بو قرعة.!
انتفض إبراهيم لهذا الصوت وأخذ يبحث عن صاحبه ولما وجده بادره الطفل قائلا: - يا بوقرعة! أنت أيضا ستذهب إلى الحج؟.
اعتبر إبراهيم هذا السؤال فضولا من طرف الطفل أكثر منه وقاحة وقلة أدب واكتفى بالابتسامة، هذا الأخير دخل في حوار مع حاج مسن بدا وكأنه يريد أن يدفع له مالا لمساعدته على حمل متاعه، لكن الطفل رفض ورد عليه يده الممدودة بالمال، عند رؤية إبراهيم لهذا المشهد العفيف الذي صنعه الطفل حيال الشيخ، سامحه وغفر له ما صدر منه وعاد بانتباهه إلى العم محمد وصاحبه اللذين اقتربا من أسفل المركب. أعلن دوي الصفارة الأول عن قرب مغادرة المركب. علت ترانيم الحجاج مع صوت الصفارة التي غطت على
стр. 75
الكلام الذي كان يدور بين الحجيج وأهاليهم: لبيك!
لبيك! اللهم لبيك.!
ابتسم إبراهيم لصاحبيه، وهما يشيران إلى العبارة التي بدأت تسحب أمام الجموع الموجودة أمام العبارة، وهي تفصلهم عن أحبابهم فوق المركب إذ علت أصواتهم بالصراخ:
- فليرجعكم الله إلينا سالمين، غانمين إن شاء الله! ادعوا لنا ...
دوى صفير ثان، وبدأ المركب الذي ضج بصياح الحجاج بين ملب ومودع، يبتعد شيئا فشيئا عن الرصيف. مكث إبراهيم في مكانه، يجول ببصره في ميناء بونة الذي شهد ليالي ضياعه وسكره.
ملكته سعادة لا توصف، لأنه لم يعد يشعر بالألم عند تذكره لماضيه الذي مكنه ابتعاد المركب من رؤية تفاصيله على الميناء. مرت بخاطره ذكرى، رسمت على وجهه ابتسامة، كان مشهدا مضحكا سبب رحيله من المنزل العائلي الذي كان يقيم فيه رغما عن كل ساكنيه عدا العم محمد.
لم يتقبل الجيران أن يكون بينهم مطلق وسكير ولكنهم احتملوه لأنه كان صاحب المنزل وأيضا لأن