مسألة:
من تمام الطواف أن يمر بجميع بدنه على الحجر.
وذكر ابن المعلّى عن بعض الشافعية أن كيفية ذلك أن يستقبل البيت ويقف إِلى جانب الحجر الأسود الذي إِلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه ويصير منكبه عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف ثم يمشي مستقبل الحجر مارًّا إِلى جهة يمينه، حتى يجاوز الحجر بجميع بدنه، فإِذا جاوزه انفتل (١) وجعل يساره إِلى البيت ويمينه إِلى خارج، لو فعل هذا وترك استقبال الحجر أولًا أجزأه (٢).
وهذا من الحرج الذي لا يلزم والمذهب مبنيٌّ على عدم هذا التحديد ومراعاة هذه الكيفيات، والمراعى أن يبتدئ من الحجر الأسود ويحتاط في ابتداء الشوط الأول بحيث يكون ابتداؤه من أول الحجر الأسود.
التاسع: اتصال ركعتين، ويصليهما عند المَقَام إِن قدر على ذلك تأسيًا برسول الله ﷺ (٣).
стр. 317
قال ابن الحاج: وإِن شاء صلاهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحِجْر.
وقال الشارمساحي: يصليهما حيث شاء، إِلا في ثلاثة مواضع داخل البيت، وعلى ظهره، وما بين الحجر والبيت (١).
يعني: أنه إِذا صلى تحت ميزاب الرحمة صار مستقبل الكعبة مستدبرًا بعضها؛ ولهذا منع من الصلاة داخل الكعبة وعلى ظهرها؛ لأنه مستقبل البعض مستدبر البعض.
وإِن (٢) صلاهما في الحجر فهل يكتفي بهما؟
قال ابن بشير: في المذهب قولان.
стр. 318
وسئل مالك عن الذي يتنفل بالطَّوَافِ، أترى أن يركع ركوع الطواف في الحجر؟ قال: ما يعجبني، ثم قال بعد ذلك: لا أرى بأسًا أن يركع لطواف النافلة.
ولما كان الركوعُ للطواف الواجب واجبًا منع من إِيقاعه في الحجر كالفرض، والركوع للطواف النفل، لما أوجبه على نفسه بدخوله في الطواف كره أن يفعله (١) في الحِجر.
فرع:
ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية مع أم القرآن (٢).
مسألة:
وإِن ترك حاج أو معتمر الركعتين أعاد الطواف، ثم أتى بهما عقيب الطواف (٣) وسعى (٤)؛ لأن ذلك من سننهما مع التمكن، وقيل: يركعهما ولا يعيد الطواف.
стр. 319
فرع:
وإِن ذكرهما في سَعْيهِ رجع، فركع ليقع السعي بعدهما، وهو السنَّةُ في ذلك، إِن كان على وضوء، وإِلا أعاد الطواف بعد الوضوء (١)، وإِن قرب، قاله مالك.
وقال ابن حبيب: إِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف، إِن كان واجبًا، وهو مخيَّرٌ في التطوع (٢).
مسألة:
قال الباجي: ومن حكم الطواف وركعتيه أن يؤتى بهما بطهارة واحدة (٣).
стр. 320
نظائر (١):
قال التادلي: أربع مسائل من شرطها الطهارة الواحدة: سجود السهو قبل السلام، إِذا أخّره بعد السلام ثم أحدث أعاد الصلاة على قول * لأنه يلزم أن يكون بوضوء الصلاة، والطواف مع ركعتيه، والوتر مع ركعتيه.
وزاد اللخمي بعد هذا: الطواف مع السعي، إِذا طاف ليلًا وسعى صُبحًا (٢) بطهارة واحدة فإِنه يجزئه، وإِلا أعاد ما دام بمكة، فإِن خرج أهدى ويجزئه.
ويزاد خامس: وهو خطبة الجمعة إِذا ذكر أنه جنب.
قال صاحب الحلل: ينزل ويغتسل ويبني إِن قرب ذلك، فإِن طال ابتدأ الخطبة، وقيل: يتمادى ويستخلف من يصلي بهم.
فرع:
قال القرافي (٣): وإِن ذكرهما بعد السعي، قال مالك: يركعهما ويعيد
стр. 321
السعي، فإِن لم يذكر حتى طال ذلك أيامًا أو رجع إِلى بلده قال ابن القاسم: يركعهما مكانه في سائر الطرقات في الحج والعمرة ويهدي وطئ أم لا، فإِن ذكرهما بمكة أو قريبًا منها ولم يطأ، فإِن كانتا من طواف القدوم وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة طاف ولا دم عليه؛ لأن طواف القدوم متعيّن الوقت بخلاف الإِفاضة.
وقوله: إِن طوافَ الإِفاضة غيرُ متعيّن الوقتِ، فيه نظر. بل هو متعيِّنُ الوقتِ، وهو من يوم النحر إِلى آخر شهر ذي الحجة.
قال: وإِن كانتا من طواف القدوم الذي أخّره وهو مراهق أو أحرم من مكة أو كانتا من عمرة طاف وسعى ولا دم عليه.
وإِن وطئ، وهما من أيّ طواف كانتا، فتذكر بمكة أو قريبًا منها طاف وركع وسعى لما فيه سعي وأهدى واعتمر، وإن رجع إِلى بلده ركعهما مكانه وأهدى (١).
ويختلف في جعل النسيان عذرًا كالمراهقة فيسقط الدم، وإِذا قلنا تختصُّ الإِفاضةُ بوقت معين، وجب الدم.
وعلى رأي أشهب: يجب الدم في العمرة للتفريق.
стр. 322
وقال مالك في الكتاب: إِن كانتا من عمرة لم يجب عليه شيء، إِلا أن يلبس الثياب ويتطيب، فالدم ينوب عنهما (١).
وقال المغيرة: يرجع لهما لأن فعلهما لا يفوت، والأول أحسن لأنهما ليستا بركن ولا يختصان بمكان معين، من الذخيرة (٢).
مسألة:
لو طاف أسبوعًا كاملًا ونسي أن يركع بعده وطاف شوطًا ثامنًا أو أكثر من ذلك ثم ذكر ذلك ولم يكن قصد أن يجمع بين أسبوعين فإِنه يقطع ويركع ركعتين للسبع الكامل، ويلغي ما زاد عليه، ولا يعتد به إِن أراد أن يطوف أسبوعًا آخر، وهذا حكم العامد أيضًا، فأمّا إِذا أكمل أسبوعين عامدًا أو ناسيًا صلَّى لكلِّ واحد منهما ركعتين (٣)، قاله الباجي.
فرع:
لا خلاف في جواز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، والأفضلُ: أن يكون بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، لتتصل الركعتان
стр. 323
بالطواف (١).
وفي الذخيرة: ولو (٢) ركعهما بعد العصر أعادهما استحبابًا، والقياس الإِجزاء؛ لأن الوقت يقبل الصحة بدليل فعل المفروضات، والمشهور: أن لا يركعهما بعد الصبح، حتى تطلع الشمس.
وقال مطرف: يركع إِن كان بغلس * والمستحب فعلهما في المسجد أو بمكة، فإِن فعلهما في طريقه بوضوء واحد فلا رجوع عليه، وِإن انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي.
فرع:
وإِذا أخرهما إِلى المغرب قدّم المغرب عليهما، قاله ابن القاسم (٣).
وقيل: هو مخير في تقديم أيهما شاء.
مسألة:
قال ابن رشد: قال ابن نافع (٤): وإذا طاف قبل الصبح فخشي الإِقامة، فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر.
стр. 324
تنبيه:
يقال: سَبعْ بضم السين وفتحها، فمن فتح جعله جمعًا، ومن ضمّ جعله اسمًا مفردًا بمعنى الأسبوع، والأسبوع: اسم مفرد يراد به الجمع وليس بجمع، والسبوع: جمع سَبع بفتح السين كفلس وفلوس.
стр. 325
فصل: في سنن الطواف
وهي أربع:
الأولى: الرَّمَل، وهو سنة، وقيل: مستحب، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في وجوب الإِعادة على من تركه، وفي وجوب الدم على من ترك الإِعادة.
ومعنى الرَّمَل: الإِسراع في الطواف بالخَبب، ولا يَحْسر عن منكبيه ولا يحركهما (١).
قال ابن رشد: والخَبب في طواف القدوم في الحج والعمرة سنة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على اختلاف، ولا يخب في طواف الإِفاضة ولا في التطوع، ولا على أهل مكة خببٌ (٢).
стр. 326
فرع:
واختُلِف فيمن قدِم مراهقًا، فلم يطفْ حتى رجع من منى لطواف الإِفاضة.
فروي عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يرمل.
وفي كتاب ابن المواز: أنه يرمل.
مسألة:
واختلف في أهل مكة إِذا حجوا هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر ﵄ لا يرى عليهم رمَلًا.
وقال ابن وهب: استحب مالك أن يرملوا
وقال الباجي: قال مالك: يرمل المعتمر المكي وغيره؛ لأنه قادم من الحل على وجه يتعقب طوافَه السعيُ (١)، ولا رمل في طواف الوداع باتفاق.
مسألة:
وفي الرمَل بالصبيِّ يُطاف به قولانِ، وأجراهما اللخمي في المريض (٢).
стр. 327
فرع:
ولا رمَل على النّساء في طوافٍ ولا سعي (١)
مسألة:
ومحله الثلاثة أشواط الأول
فإِن زُوحِم في الرَّمَل ولم يجد مسلكًا رمل بقدر طاقته (٢).
مسألة:
وفي الذخيرة: يستحب الدنو من البيت في الطواف (٣)، إِذ هو المقصود، فإِن لم يجد فرجة فيها يرمل تأخر إِلى حاشية الناس؛ لأن الرمل أفضل من الدنو.
مسألة:
فإِن لم يرمل في الطواف الواجب، فإِن بعُد فلا إِعادة عليه، وهل يهدي أم لا؟ قولان (٤).
стр. 328
وآخر قولي مالك: أنه ليس عليه دم، وإِن قرب ففي الإِعادة قولان.
وفي المدونة، قال مالك: وإِن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل مضى ولا شيء عليه (١) *.
قال ابن يونس: وهذا مبنيٌّ على أنه لا إِعادة عليه، وأما على قوله: إِن قرب أعاد، فينبغي أن يبتدئ ويلغي ما مضى.
الثانية: أن يطوف (٢) ماشيًا، فإِن طاف محمولًا أو راكبًا لعذر أجزأه وإِلا أعاد الطواف إِلا أن يكون رجع إِلى بلده فليهرق دمًا.
الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود (٣)، وقد تقدم أنه ﷺ كان يقول بين (٤)
стр. 329
الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١).
وكان عبد الرحمن بن عوف (٢) ﵁ يقول في الطواف: ربّ قني شح نفسي (٣).
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
стр. 330
قال سنَد: ويُستحب إِذا فرغ من طوافه أن يقف بالملتزَم للدعاء ويعتنق ويلح بالدعاء.
وكان ابن عمر ﵄ يضع صدره ووجهه وذراعيه وكتفيه على الحائط ويبسطهما ثم يقول: هكذا رأيته ﷺ يفعل (١).
فائدة:
وقال الحسن بن أبي الحسن (٢): يستحب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام (٣)، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي جمع وهو المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات، وعند الصفا، وعند المروة، وفي زمزم وفي السعي، وعند المشعر (٤). انتهى.
ويستحب أيضًا عند الحلاق.
والملتزم: يسمى الحَطِيم، لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم.
стр. 331
الرابعة: استلام (١) الحجر الأسود بفيه في أول كل شوط لمن قدر عليه، فإِن لم يقدر وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.
وجمهورهم على أنه يقبل يده، إِلا مالكًا في أحد قوليه، والرواية (٢) الأخرى عنه أنه يقبل يده (٣) فإِن لم يقدر بيده لمسه بعود ووضعه على فيه (٤)، وفي تقبيله روايتان (٥)، فإِن لم يقدر قام بحذائه وكبّر ومضى (٦) ولا يشير إِليه بيده، ويضعها على فيه، فإِن لم يفعل فلا شيء عليه.
стр. 332
ولا يسجد عليه عند مالك، قال: وهو بدعة (١).
وجمهورهم على جواز فعل ذلك (٢).
قال ابن حبيب: وما أرى كراهة مالك للسجود إِلا في الفتوى، ولا بأس به للرجل في خاصة نفسه (٣).
ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد (٤).
واختلف عنه في تقبيل اليد.
وليس ذلك بلازم للنساء عند جميعهم.
فرع:
وإِذا فرغ من الطواف فأراد الركوع، فليس عليه أن يعودَ إِلى الاستلام، فإِذا ركع وأراد الخروج إِلى السعي عاد فاستلم، فإِن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام.
стр. 333
فرع:
وليس عليه أن يستلم الركن في ابتداء طوافه، إِلا في طوافه (١) الواجب، إِلا أن يشاء *.
مسألة:
قال ابن وضاح (٢): واستلام الحجر الأسود بغير صوت، وإِنما يكون بالصوت في قبلة الشهوة.
قال أبو عمران: وهذا تضييق، ومن قبّل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم، هل يقال له هذا (٣)؟ وإنما هو صوت يتولَّدُ (٤) مع التقاء الأعضاء (٥).
стр. 334
فكأنه يقول: ذلك واسع صوّت في استلامه أم لا؟
مسألة:
ولا تستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يقبلان (١)، ولا يكبر إِذا حاذاهما لأنهما ليس بركني البيت، بل هما بعض الجدار.
مسألة:
وأما استلام الركن لغير طوافٍ فلا بأس به، وليس من شأنِ الناس، ومن سُنن (٢) استلام الركن: الطهارة.
قال مالك: ولا يستلم الركنَ إِلا طاهرًا.
مسألة:
ولا يستلم الركن اليماني عند الخروج، ولكن يستلم الحجر الأسود، ولا يزيد على التكبير عند استلام الحجر والركن اليماني، في قول مالك ﵀.
стр. 335
وعن مالك في "المجموعة": إِذا استقبل الركن (١) حمد الله وكبر (٢).
قال ابن الحاج: وليزاحم على الحجر الأسود ما لم يكن أذى.
ومكروهات الطواف الإحدى عشرة:
السجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وقراءة القرآن (٣) وكثرة الكلام فيه، وإنشاد الشعر (٤)، وشرب الماء لغير (المضطر والبيع والشراء) (٥) مختلطًا بالنساء (٦)، وتغطية (الرجل فمه وطواف) (٧) المرأة متنقبة، والركوب لغير عذر.
وفي بعضها خلاف، من ابن راشد (٨).
стр. 336
وزاد غيره الحسر عن المنكبين، والطواف عن صبي قبل أن يطوف عن نفسه.
الركن الثالث: السعي:
وهو (من الواجبات التي) (١) لا تنجبر بالدم عند مالك - رحمه الله تعالى -.
وصفة الخروج إِلى السعى أن يسلّم من ركعتي الطواف ثم يستلم الحجر الأسود، (ثم يخرج إِلى السعي) (١).
ولم يحدد مالك لمن أراد الخروج إِلى الصفا بابًا يخرج منه، غير أن باب الصفا أقرب إِلى الخروج إِليه (٢).
стр. 337
وقد استحب الدخول إِلى مكة من كَدَاء الثنية (١) ودخول المسجد من باب بني شيبة (٢)، والخروج من مكة من كُدًى (٣)؛ لأنه أسمح ولم يقل ذلك في الخروج من باب الصفا للسعي لكونه أسمح.
وله شروط:
الأول: الترتيب، وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى، انظر الموطأ (٤).
стр. 338
فلو طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف سبعًا أو سُبُعَيْن تطوعًا، فأحبُّ إِلي أن يعيدَ الطواف ثم يَسعى، وإن لم يعد رجوتُ أن يكونَ في سعةٍ.
قال الباجي: ومن طاف فلا ينصرفُ إِلى بيته حتى يسعى إِلا من ضرورة يخاف فواتها، كخوفه على منزله أو كالحقن (١).
ويبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يبدو له البيت، وإن لم يصعد فلا شيء عليه. ولا يجب إِلصاق العَقِبَين بالصفا على المذهب *، بل مبلغه من غير تحديد، وهذا إِذا لم يصعد.
قال ابن المعلى عن بعض أهل المذهب: والاحتياط أن يصعد؛ للخروج من الخلاف.
قال: واشترط بعض العلماء أن يلصق عقبيه بالصفا، ويلصق أصابع رجليه بالمروة (٢).
стр. 339
وقال بعض أصحابنا: يجب أن يرقى بقدر قامةٍ.
والصحيح: أنه لا يجب. وقصدهم استيعاب ما بين الصفا والمروة (١).
تنبيه:
قال الشيخ محب الدين الطبري (٢) الشافعي - إِمام المقام بمكة، وكان من الأئمة المقتدى بهم وتصانيفه دالّة على تمكنه في العلم وسعة اطلاعه - في منسكه: والمقصود باشتراط الرقي عند من يشترطه ليس إِلا طلبَ حصول استيعاب ما بين الصفا والمروة، وذلك يحصل بغير رقي، فمن دخل بنفسه أو بدايته تحت العقد المشرف على المروة فقد استوعب ما بينهما، وكذا من وقف بنفسه أو بدابته على الأرض ملاصقًا لسفل ما ظهر من الدرج أو قريبًا
стр. 340
من ذلك يصدق عليه أنه راق على الصفا؛ لأن اليوم بعض درج الصفا، وهي خمس أو ست منها، قد اندفن (١) في التراب وربت عليهن الأرض، فلا حاجة إِلى اشتراط الرقي (٢).
قال: ثم إِنه لا خلاف عندنا في جواز السعي راكبًا، والراكب يتعذر عليه الرقي بمركوبه، لا سيما المحايز (٣) والمحامل وشبهها، وتكليفه النزول عن مركوبه كلما وصل إِلى الصفا والمروة لأجل الرقي (٤) مشقة شديدة، وقد أجمع الناس على خلافها. انتهى.
وهو إِمام عظيم يُرجع إِليه في صحة النقل، وما ذكره من دفن درج الصفا صحيح؛ لأن أصحابنا قالوا: يرقى على الصفا حتى يبدو له البيت، والبيت في زماننا يظهر للواقف على الأرض من غير رقي، وارتفاع الأرض ظاهر فاعلمه.
стр. 341
فإِذا رقى على الصفا قام مستقبل البيت وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية، كما فعل ﷺ (٢).
وفي الموطإِ (٣) عن جابر بنُ عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إِذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ويقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إِله إِلا الله أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو.
واستحسن بعضُهُم أن يقول: الله أكبر، الله أكبر (٤) ولله الحمد، الله أكبر على ما هدَانَا، والحمد لله على ما أولانا، لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
стр. 342
له، له الملك، وله الحمد، يُحْيِي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (١)، لا إِله إِلا الله، ولا نعبد إِلا إِياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (٢).
وكان ابن عمر ﵄ يقول: اللهم إِنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وإِنك لا تخلف الميعاد، وإِني أسألك كما هديتني للإِسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم (٤) *.
ثم تدعو بما أحببت، ولا تلبِّي، ولا تدع الصلاة على النبي ﷺ .
قال ابن حبيب: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، ثم تقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ثم تدعو بما استطعت، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك
стр. 343
سبع مرات، فتكون إِحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات (١).
وتدعو بين ذلك، ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط فتصير أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
مسألة:
وتقف النساء أيضًا على الصفا إِلا من بها علّة أو ضعف، وليس عليهن أن يصعدن إِلى أعلاه إِلا أن يخلو فيصعدن (٢) وذلك أفضل (٣) لهن (٤).
مسألة:
والسنة: القيامُ على الصَّفَا والمروة، ولا يجلس إِلا من عذر، وإِن جلس في أعلا الصفا فلا شيء عليه.
فرع:
قال ابن حبيب: وإن زوحمت على الارتقاء على الصفا إِلى حيث ترى البيت فلا حرج إِن شاء الله تعالى.
стр. 344
فرع:
وهل يرفع يديه في الدعاء (١) هناك؟ هُنالك قولان، وبالرفع قال ابن حبيب.
قال: يرفعهما إِلى حذو المنكبين وظهورهما إِلى السماء وبطونهما إِلى الأرض (٢).
الشرط الثاني: الموالاة:
فإِن جلس بين ظهراني سعيه (٣) جلوسًا خفيفًا، فلا شيء عليه.
وإِن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه ابتدأ (٤).
قال أَبو محمد بنُ أبي زيد (٥): يريد أن يبتدئ الطواف
стр. 345
والسعي (١).
قال ابن القاسم: وكذلك إِن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى أو صلَّى على جنازة: فيبني فيما خف من ذلك (٢) ولم يتطاول، بخلاف الطواف، وإِن كثر ذلك ابتدأ سعيه، قاله ابن حبيب.
فرع:
وإِن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتماد، إِلا أن يضيق وقت تلك الصلاة، فليصل ثم يبني على ما مضى له، وإِن أصابه حقْنٌ في سعيه توضأ ولا يستأنف (٣) بخلاف الطواف، وكذلك لو رعف غسل الدم وبنى.
стр. 346
فرع:
وأما الجلوس لغير علّة فممنوع، فإِن فعل وكان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه وبئس ما صنع. وإِن طال استأنف، فإِن لم يستأنف وأتم سعيه على ما تقدم منه، فقال أشهب: لا شيء عليه.
ووجهه: أن اتصاله ليس بشرط في صحته، وإِنما هو من فضائله.
الشرط الثالث: إكمال العدد:
فإِن ترك شوطًا منه في حجة (١) أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده (٢).
ومن ترك من السعي ذراعًا لم يُجزِه.
ومن ابتدأ بالمروة ألغي ذلك الشوط وزاد شوطًا، ليكون باديًا بالصفا *.
الشرط الرابع: أن يتقدمه طوافٌ صحيحٌ (٣).
стр. 347
ويسعى الحاج عقيب طواف القدوم، فإِن كان مراهقًا فعقيب طواف الإِفاضة.
وإِن أخَّره غير المراهق حتى فعله عقيب طواف الإِفاضة لزمه الدم عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب (١).
ولو أخّره حتى فعله عقيب طواف الوداع أجزأه عند مالك؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
فرع:
ولو دخل مكة فطاف ولم ينو الفرض فلا أحب له أن يسعى إِلا بعد طواف ينوي به الفرض.
وقد تقدم أن مالكًا ﵀ أطلق على طواف القدوم أنه واجب، ومعناه وجوب السنن المؤكدة.
وأما سننه فخمس:
الأولى: اتصاله بالطواف (٢) إِلا الشيء اليسير، وله أن يطوف بعد الصبح
стр. 348
ويسعى بعد طلوع الشمس، وكذلك بعد العصر، فإِن طاف ليلًا وأخّر السعي حتى أصبح أجزأه إِذا كان بوضوء واحد، وإِلا أعاد الطواف والسعي والحلاق، فإِن خرج من مكة أهدى وأجزأه (١).
الثانية: الطهارة:
قال الحفيد (٢) في "البداية": اتفقوا على أن من شروطه الطهارة من الحيض كما في الطواف.
وما قاله الحفيد مخالف لنصوص المذهب (٣).
ولا خلاف بينهم أن الطهارة من الحدث ليست من شرطه إِلا الحسَن، فإِنه اشترطها (٤).
стр. 349
فإِن احتاج إِلى قضاء الحاجة وهو يسعى قطع وقضى حاجته وبنى، قاله مالك، يريد: ويستحب له أن يجدّد الوضوء (١).
قال مالك: وإِن انتقض وضوؤه في السعي أو ذكر أنه على غير وضوء فأحب إِليّ أن يقطع ويتوضأ ويبني، وإِن أتمه على غير وضوء أجزأه.
قال مالك: ولا أحب لأحد أن يفعله، من مختصر الواضحة (٢).
الثالثة: المشي:
قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبًا إِلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي (٣).
قال عنه ابن المواز: وإن ركب من غير عذر أعاد سعيه إِن كان قريبًا، وإِن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى (٤).
стр. 350
الرابعة: أن يتقدمه طواف واجب (١).
الخامسة: الرَّمَل:
والرَّمَل في السبعة الأشواط (٢) كلها في بطن المسيل خاصة، وهو ما بين الميلين الأخضرين (٣).
وفي مناسك التادلي مما نقله من كتاب التدريب (٤) لابن القاسم الحريري (٥) ما نصه: ويبدأ بالصفا ويختم المروة ثلاثة خببًا وأربعة مشيًا.
وهو نقل غريب.
فرع:
والرَّمل في السعي أشد من الرَّمل حول البيت، ولا رَمَلَ على النساء (٦)،
стр. 351
ومن رمَل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء (١).
قال مالك: وإِن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه (٢).
وفي كتاب أبي إِسحاق التونسي (٣): الرَّمل في السعي واجب على من حج أو اعتمر من المواقيت أو من مكة أو من دون المواقيت.
وإِن ترك الرَّمل فقد اختلف في ذلك.
فقال مرة: لا شيء عليه من إِعادة ولا دم *.
وقال مرة (٤): يعيد، فإِن طال، فلا شيء عليه.
стр. 352
فرع:
زاد ابن الحاجب في سنن السعي: تقبيل الحجر عند الخروج إِلى السعي والرقي في الصفا والدعاء (١). وغيرُه ذكره في الفضائل.
الركن الرابع: الوقوف بعرفة (٢):
فإِذا كان اليوم السابع من ذي الحجة وهو اليوم (٣) المسمى يوم الزينة أتى الناس الذين وصلوا إِلى مكة وغيرهم وقت الظهر إِلى المسجد الحرام، ويخطب الإِمام بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
وهذه الخطبة هي الأولى من خُطبِ الحج (٤) يذكر فيها فضل الحج ويعلم الناس فيها مناسكهم وما يصنعون من خروجهم إِلى مِنى يوم التروية (٥)،
стр. 353
ويلبي في أثناء خطبته هذه، وحسن أن يفتتحها (١) بالتلبية، ولا يلبي في الخطبتين اللتين بعدها في يوم عرفة وفي ثاني يوم النحر، ولكنه يكبر فيهما، ويفتتحهما بالتكبير كسائر الخطب (٢).
مسألة:
فإِذا زالت الشمس من يوم التروية فطف بالبيت سبعًا، واركع واخرج إِلى مِنى، فإِن خرجت قبل ذلك لا حرج.
وروى ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية إِلى مِنى، قدر ما يصلون بها الظهر، فإِذا وصل إِلى منى صلى بها الصلوات لوقتها قصرًا (٣) ويبيت بها، إِلى أن يصبح، فيصلي بها الصبح، وكذلك فعل رسول الله ﷺ (٤).
стр. 354
وسيأتي وقت السير منها إِلى عرفة قريبًا.
فرع:
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسي إِلا من شغل أو يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج إِلى منى، فإِنه يصلي الجمعة قبل أن يخرج.
وقال في موضع آخر: من (١) أقام بها أربعة أيام فهؤلاء عليهم حضور الجمعة (٢).
قال أصبغ (٣): فأما المسافر فإِن شاء خرج وإِن شاء حضرها، وأحبُّ إِليّ أن
стр. 355
يصليها لفضيلة المسجد الحرام.
وقال محمد: وأحب إِليّ خروجُه إِلى مِنى ليصلِّي بها الظهر (١).
وإِنما تكلم مالك على من غفل حتى أخذه الوقت.
وفي مَنْسَكِ ابنِ الحاج، قال مالك: وإذا (٢) كان يوم التروية يوم الجمعة فليصلِّ (٣) الإِمام بمِنى ركعتين بغير خطبة ويسرّ القراءة.
فرع:
وكره مالك أن يتقدم الناس إِلى مِنى قبل يوم التروية (٤)، وإلى عرفة قبل يوم عرفة.
واختلف في تقديم الأثقال.
فكره مالك ذلك حماية أن يتقدم الناس بأنفسهم؛ ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب.