← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كذِبًا"، أو "غيرَ قِيلٍ ضعيفٍ"، ونحوِ ذلك، ممّا يدلّ على ضِدّه أو صحّتِهِ. لَجاز لحُصولِ الفائدة والتوكيدِ، وهذا هو المطلوبُ من هذا الفصل. وقال الزَّجّاج إذا قلت: "هذا زيدٌ حقًّا"، و"هذا زيدٌ غيرَ قِيل باطل"، لم يجز تقديمُ "حقًّا". لا تقول: "حقًّا هذا زيدٌ" فإن ذكرتَ بعضَ هذا الكلامِ، فوسّطتَه، وقلت: "زيدٌ حقًّا أخوك"، جاز. وأمَّا سيبويه فلم يمنع من جَوازِ تقديمِ "حقًّا"، بل قال في الاستفهام: "أجِدَّكَ لا تفعلُ كذا وكذا"، كأنّه قال: "أحَقًّا لا تفعل كذا وكذا". ففي ذلك إشارةٌ إلى جَوازه. واعلم أنّ قولهم في الاستفهام: "أجدّك لا تفعل كذا" أصلُه من الجِدَّ الذي هو نقيضُ الهَزْل، كأنه قال: أنُجِدُّ ذلك جِدًّا" غيرَ أنّه لا يُستعمل إلَّا مضافًا حتى يُعْلَم مَن صاحبُ الجِدّ، ولا يجوز تركُ الإضافة، نحوَ: "لَبَّيْكَ"، و"مَعاذَ الله" على ما سيأتي. قال الشاعر [من الطويل]: ١٦١ - [خليلىَّ هُبّا طالما قَدْ رَقدْتُما] ... أجِدَّكما لا تَقْضِيانِ كَراكُمَا وأمّا ما يكون تأكيدًا لنفسه، فنحوُ قولهم: "له عليّ ألفُ درهم عُرْفًا"، ومثلُه قوله: إني لأمنحُك الصدودَ ..........

стр. 282

وذلك أنَّه لمّا قال: "له عليّ ألف درهم"، فقد أقَرَّ واعترف، فإذا قال: "عُرْفًا" بمعنَى: "اعتراف"، فلم يزد بذكره عمّا تقدّم من الكلام، فكان تأكيدًا، نحوَ: "ضربتُ ضَرْبًا". والفرق بين هذا والذي قبله حتّى جُعل هذا تأكيدًا لغيره، وجُعل هذا تأكيدًا لنفسه، أنّك إذا قلت: "هذا عبدُ الله حقًّا" فقولُك من قَبْلِ أن تذكر "حقًّا" يجوز أن يُظَنّ أنّ ما قلتَه حقٌّ، وأن يظُن أن ما قلتَه باطلٌ، فتأتي بـ"حَقَّا"، فتجعل الجملةَ مقصورة على أحد الوجهَيْن الجائزَيْن عند السامع. وقولُه: "له عليّ ألفُ درهم" هو اعترافٌ حقًّا كان، أو باطلًا، فصار هذا توكيدًا لنفسه إذ كان الذي ظهر هو الاعترافَ. وأمّا قوله في البيت: "قَسَمًا"، فهو مصدرٌ مؤكّدٌ، وذلك أن قوله: "وإنّني إليك مع الصدود لأمْيَلُ" يُفْهَم منه القَسَمُ؛ فإذا قال: "قسمًا"، كان تأكيدًا لنفسه. وأمّا قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (١)، فهو مصدرٌ من هذا القبيل، وذلك أن قبله ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢) فـ "صُنْعَ الله" منصوبٌ على المصدر المؤكّد لأنّ ما قبله صُنْعُ الله في الحقيقة. وكذلك ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (٣) لأن قبله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٤) نصب "وعدَ الله" لأنّ ما قبله وعدٌ من الله، فكان تأكيدًا لذلك. وأمّا قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) فقد اختلف النحويون فيه (٦)، وذهب أصحابُنا والفرّاءُ من الكوفيين إلى أنّه نصب على المصدر المؤكّد، وذلك أنّه لمّا تقدّم من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٨). فقولُه: "كتابَ الله عليكم" بمنزلةِ "فَرْضَ الله عليكم"، و"تحريمَ الله عليكم"؛ لأنّ الابتداء تحريمُ المذكورات من النساء إلَّا مَن سُبي وأُخرج من دارِ الحرب، فإنّها تَحِلُّ لمَن ملكها، وإن كان لها زَوْجٌ لأنّه تقع الفرقةُ بينها وبين زوجها، فهذه شريعةٌ شَرَعَها اللهُ، وكتابٌ كَتَبَه عليكم، فانتصب المصدرُ بما دلّ عليه سِياقُ الآية، كأنّه فعلٌ تقديُره: كَتَبَ اللهُ عليكم، فأُضيف المصدرِ إلى الفاعل. وقال الكسائيّ: "كتابَ الله" منصوبٌ بـ"عَلَيْكُمْ" على الإغراء، كأنّه قال:

стр. 283

"عليكم كتاب الله"، فقدّم المنصوبَ، قال: وذلك جائزٌ، قد ورد به السَّماعُ وهو القياسُ، فالسماعُ قولُ الراجز: ١٦٢ - يَا أَيّهَا المائحُ دَلْوِي دُونَكَا ... إنّي رأيتُ الناسَ يَحْمَدونكا والمراد: دونك دلوي. وأمّا القياس فإنّ الظرف نائبٌ عن الفعل تقديرُه: الْزَمُوا كتابَ الله، ولو ظهر الفعلُ، لَجاز تقديمُ معموله عليه، فكذلك ما ناب عنه، والحقّ المذهب الأوّل, لأنّ هذه الظروف ليست أفعالًا، وإنّما هي نائبةٌ عن الفعل، وفي معناه، فهي فروعٌ في العمل على الأفعال، والفروعُ أبَدًا منحطّةٌ عن دَرَجاتِ الأُصول، فإعمالُها فيما تقدّم عليها تَسْوِيَةٌ بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز. وأما ما أنشده من البيت فلا حُجةَ فيه، لأنّا نقول "دلوي" رفعٌ بابتداء، والظرفُ الخبر كما تقول: دلوي عندك. وأمّا القياس الذي ذكروه فليس بصحيح لأنّه يؤدّي إلى التسوية بين الأصل والفرع. وقد أجاز بعضُ النحويّين أن يكون "دلوي" منصوبًا بإضمار فعل، كأنّه قال: امْلأْ دلوي، ويؤيِّد ذلك أنه لو قال: يا أيها المائح دلوي، ولم يَزِد عليه، جاز لدليلِ الحال عليه. ومن ذلك قولهم: "الله أكبرُ دَعْوَةَ الحَقِّ", لأن قولك: "الله أكبر"، إنّما هو

стр. 284

دُعاءٌ إلى الحقّ، وأن يَثْنِيَ السامعُ إلى جملةِ القائلين بالتَّوْحِيد، وإلى مَن شِعارُهم قولُ: "الله أكبرُ"، فيكون دعوةً يتداعون بها، كأنّه قال: دعوا دُعاءَ الحقّ، ومثله قوله [من الرجز]: ١٦٣ - إنّ نِزارًا أصبحتْ نِزارَا ... دَعْوَةَ أبْرارٍ دَعَوْا أبْرارَا نصب "دعوة" على المصدر, لأنّ معنَى "أصبحتْ نزارًا"، أي: يتداعون نزارًا، وذلك أنّ نزارًا، وهو أبو رَبِيعَةَ ومُضَرَ، لمّا وقع بين ربيعةَ ومضرَ تبايُنٌ وحروبٌ بالبصرة، وصارت ربيعةُ مع الأزْد في قِتالِ مضرَ، وكان رَئِيسُهم مسعودَ بن عمرو الأزديَّ، ثمَّ إنّ ربيعةَ صالحتْ مضرَ، فصار كأنّ نزارًا تفرّقتْ، ثم اجتمعتْ، فقال: أصبحتْ نزارًا، أي: أصبحت مجتمِعةَ الأولاد إذ دعا بعضُهم بعضًا. وفي حالِ التبايُن كان يقول: المُضَرِيّ بالمضر، ويقول الرَّبِيعيُّ بالربيعة, لأنّ أحدَ الفريقَيْن ما كان ينصُر الآخرَ، فقوله: "أصبحت نزارًا" بمنزلةِ قوله: "دعا بعضُهم بعضًا بهذا اللفظ"، ثمّ جاء بالمصدر، وهو "دعوةَ أبرار"، وأضافه إلى الفاعل, لأنه أبْينُ، إذ لو قال: تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب صُنْعًا، أو كِتَابًا، لم يكن فيه من البيان ما فيه مع الإضافة، وفي الجملة هذا الفصَلُ الذي فيه المصدرُ المؤكّدُ لغيره، نحوُ: "هذا زيدٌ حقًّا". وما أكّد نفسَه، نحوُ: "له عليّ ألفُ درهم عُرْفًا" ينتصب على إضمار فعلٍ غيرُ كلامك الاْوّلِ, لأنه ليس بحالٍ، ولا مفعولٍ لَهُ، كأنّه قال: أحُقُّ حقًّا، وأتَجِدُّ جِدًّا، ولا أقول قولَك، وكَتَبَ اللهُ عليكم كتابًا. ولا يظهر الفعلُ كما لم يظهر في بابِ "سَقْيًا لك وحَمْدًا"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه ما جاء مثنى, وهو "حنانيك", و"لبيك" و"سعديك",

стр. 285

و"دواليك", و"هذاذيك", ومنه ما لا يتصرف نحو: سبحان الله, ومعاذ الله, وعمرك الله وقعدك الله"". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه المصادر التي وردت بلفظ التثنية الغرضُ من التثنية فيها التكثيرُ، وأنّه شيءٌ يعود مرّةً بعد مرّة، وليس المرادُ منها الاثنَيْن فقط، كما تقول: "ادْخُلُوا الاْوّلُ فالأوّلُ"، والغرضُ أن يدخل الجميعُ، وجئتَ بـ"الأوّلُ الأوّلُ" حتّى يعْلَم أنّه شيءٌ بعد شيء. ومنه يُقال: جاءني القومُ رجلًا فرجلًا، على هذا المعنى. ولا يُحْتاج إلى أكثرَ من تكريره مرةً واحدةً، وانتصابه على المصدر الموضوع موضعَ الفعل، والتقديرُ: تَحَنَّنْ علينا تحنُّنًا، وثَنّى مبالغةً وتكثيرًا، أي: تحنُّنًا بعدَ تحنُّنٍ، ولم يُقْصَد بها قصدُ التثنية خاصّةً، وإنّما يُراد بها التكثيرُ، فجُعلت التثنيةُ عَلَمًا لذلك لأنّها أوّلُ تضعيفِ العَدَد وتكثيرِه، وهذا المثنّى لا يتصرّف، ومعنَى عَدَمِ التصرُّف أنّه لا يكون إلَّا مصدرًا منصوبًا، ولا يكون مُثَنًّى إلَّا في حال الإضافة، كما لم يكن "سُبْحانَ اللهِ"، و"مَعاذَ اللهِ" إلَّا مضافَين. وإنّما لم يتمكّن إذا ثنّيتَ؛ لأنّه دخله بالتثنية لفظًا معنى التكثير، فدخل هذا اللفظَ هذا المعنى في موضع المصدر فقط، فلذلك لم يتصرّفوا فيه، وربّما وحّدوا "حَنانًا". قال الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ (١). وقال الشاعر [من الطويل]: ١٦٤ - فقالتْ حَنانٌ ما أتَى بك ههُنَا ... أذُو نَسَبٍ أم أنتَ بالحَيِّ عارِفُ

стр. 286

فرفع لمّا أفْرَدَ, لأنّه لم يدخله معنًى غيرُ الذي يوجِبه اللفظُ كما كان ذلك في حالِ التثنية، فإذا قلت: "حَنانَيْكَ"، فهو منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: تَحَنَّنْ تحنُّنًا بعد تحنُّن، لكنّهم حذفوا الفعلَ, لأنّ المصدر صار بدلًا منه كما كان ذلك في "سَقْيًا لك ورَعْيًا". قال الشاعر [من الطويل]: ١٦٥ - أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنانَيْك بَعْضُ الشَّرّ أَهْوَنُ مِن بعضِ والتحنُّن: الرحْمةُ والخيرُ، فمعنَى قول القائل: "حنانَيْك": تحنُّنًا بعد تحنُّنٍ، أي كلَّما كنتَ في رحمة وخير، فلا تقطعنّ ذلك، وَلْيكنْ موصولًا بآخَرَ من رحمتك. وأمّا "لَبَّيْكَ" و"سَعْدَيْكَ"، فهما مثنَّيان، ولا يُفْرَد منهما شيءٌ، ولا يُستعملان إلَّا مضافَيْن لِما ذكرتُه لك من إرادةِ معنى التكثير، فلمّا تَضمَّن لفظُ التثنية ما ليس له في الأصل من معنى التكثير، لزم طريقةً واحدةٌ ليُنِّبىء عن ذلك المعنى، فـ"لَبَّيْكَ" مأخوذٌ من قولهم: ألَبَّ بالمكان إذا أقام به، وألبَّ على كذا إذا أقام عليه، ولم يُفارِقه.

стр. 287

و"سَعْدَيْكَ" مأخوذ من المساعدة والمتابعة، وإذا قال الإنسانُ: "لَبَّيْك"، فكأنّه قال: دَوامًا على طاعتك، وإقامةً عليها مرّةً بعد مرّة. وكذلك "سَعْدَيْك" أي: مساعدةً بعد مساعدة، ومتابعةً بعد متابعة، فهما اسمان مثنَّيان، وهما منصوبان على المصدر بفعل مضمر تقديرُه من غير لفظه، بل من معناه، كأنّك قلت في "لبّيك": داومتُ وأقمتُ، وفي "سعديك": تابعتُ، وطاوعتُ، وليسا من قبيل "سَقْيًا لك ورَعْيًا"، تقديرُه: سقاك اللهُ، ورعاك اللهُ، إذ لا يحسن أن يُقال: ألُبُّ لَبَّيْك، وأسْعَدُ سَعْدَيْك، إذ ليس لهذه المصادر أفعالٌ مستعملةٌ تنصبهما، إذ كانت غيرَ متصرِّفة، ولا هي مصادرُ معروفةٌ كـ"سَقْيًا" وَ"رَعْيًا". وأمّا قولهم: "لَبَّى يُلَبِّي"، فهو فعلٌ مشتقٌّ من لفظِ "لَبَّيْك"، كما قالوا: "سَبْحَلَ" وَ "حَمْدَلَ" مِن "سُبْحانَ اللهِ" و"الحمدُ للهِ". وقد ذهب يُونُس (١) إلى أنّ "لبَّيك" اسمٌ مفردٌ غيرُ مثنَّى، وأنّ الياء فيه كالياء التي في "عَلَيْك " وَ "لَدَيْك"، وأصلَه "لَبَّبٌ" "فَعْلَلٌ"، ولا يكون "فَعَّلًا" لقلّةِ "فَعَّلٍ" في الكلام، وكثرِة "فَعْلَل"، فقُلبت الباء التي هي لامٌ من "لَبَّبٍ" ياءً هَرَبًا من التضعيف، فصارت لَبَّيٌ، ثمَّ أُبدلت الياء ألفًا لتحرُّكها، وانفتاحِ ما قبلها، فصارت "لَبًّا"، ثمّ لمَّا أُضيفت إلى الكاف في "لَبَّيْك"، قُلبت الألف ياءً كما قُلبت الألف في "إلَى" و"لَدَى" إذا وصلتَهما بالضمير، فقلتَ: "إليك"، و"عليك"، و"لديك". ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ "لبّيك" اسمٌ ليس له تصرُّفُ غيره من الأسماء، لأنّه لا يكون إلَّا مضافًا كما أنّ "إليك" و"عليك" و"لديك" لا تكون إلَّا منصوبةَ المواضع ملازِمةَ الإضافة، فقلبوا ألفَه ياءً، فقالوا: "لبّيك" كما قالوا "لديك"، و"عليك". واحتجّ سيبويه على يونس فقال (٢): لو كانت الياءُ في "لبّيك" بمنزلةِ ياءِ "لديك" و"إليك" لَوجب أنّك متى أضفتَها إلى ظاهرٍ، أقررتَ ألفَها بحالها كما أنّك إذا أضفت "لَدَى" و"عَلَى" و"إلَى" إلى الظاهر، أقررتَ ألفَها، وكنتَ تقول: هذا لَبَّى زيدٍ، ولَبَّى جعفرٍ، كما تقول: لدى زيد، وإلى عمرو، وأنشد [من المتقارب]: ١٦٦ - دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلَبَّى فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ

стр. 288

فجَعْلُ "لبّي يدي مسور" بالياء، وإن كان مضافًا إلى الظاهر الذي هو "يَدَيْ" دليلٌ على أنّه تثنيةٌ، ولو كان مفردًا من قبيلِ "لَدَى" وَ "كِلا" لكان بالألف، وبعضُ العرب يقول: "لَبِّ لَبِّ" مبنيّةً على الكسر، ويجعله صَوْتًا معرفة مثلَ "غاقِ" كأنّه على صوتِ المُلبِّي، فاعرفه. ومن ذلك قولهم: "دَوَالَيْكَ" كأنّه مأخوذ من المداوَلة وهىِ المناوَبةُ، فـ "دواليك" تثنيةُ "دَوالٍ"، كما أنّ "حَوَالَيْك" تثنيةُ "حَوَالٍ"، وَ "دَوالٌ" وقع موقعَ "مداوَلةٍ"، والمرادُ الكثرةُ، لا نفسُ التثنية، قال الشاعر عبدُ بني الحَسْحاس [من الطويل]: ١٦٧ - إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْد مِثْلُهُ ... دَوَالَيْكَ حتّى ليس للبُرْد لابِسُ

стр. 289

فـ "دواليك" في البيت في موضع الحال، ومعناه: إذا شُقّ بردٌ شُقَّ بالبُرد مثلُه دواليك، أي: متداوِلَيْن. وذلك أنّ من عادةِ العرب كانت إذا أرادت عقدَ تأكيدِ المَوَدَّة بين الرجل والمرأة لبِس كلُّ واحد منهما بُرْدَ الآخَر، ثمّ تَدَاوَلَا على تخريقه هذا مرّة، وهذه مرة، فهو يصف تداوُلَهما على شَقِّ البرد حتّى لا يبقى فيه مَلْبَسٌ. وقالوا: "هَذاذَيْكَ"، والكلام عليه على ما تقدّم، وهو مأخوذ من "هَذَّ يَهُذُّ" إذا أسرع في القِراءة والضَّرْبِ. قال العَجّاج [من الرجز]: ١٦٨ - ضَرْبًا هذاذَيْك وطَعْنًا وَخْضَا كأنّه يقول: هذًّا بعد هَذٍّ من كلِّ جهة، فـ"ضَرْبًا" منصوبٌ على المصدر، أي: يضرب ضربًا، و"هذاذَيْك" نصبٌ على المصدر، وهو بدلٌ من الأوّل، وثُنّي للتكثير، كأنّه يقطع الأعناقَ بضَرْبه، ويبلُغ الأجوافَ بطَعْنه. والوَخْض: الطَّعْنُ الجائف. وأمّا قولهم: "سُبْحانَ اللهِ"، فهو مصدرٌ منصوبٌ غيرُ متصرِّفٍ، ولا منصرِفٍ؛ وأمّا كونُه غيرَ متصرّف فإنّه لم يُستعمل إلَّا منصوبًا، ولا يدخله رفعٌ ولا جَرٌّ ولا ألفٌ ولامٌ، كما تدخل على غيره من المصادر، نحوِ "السَّقْي" و"الرعْي". وهو من المصادر، التي لا تُستعمل أفعالُها، كأنّه قال: "سَبَحَ سُبْحانًا" بتخفيف الباء، كقولك: "كَفَرَ كُفْرانًا"، و"شَكَرَ

стр. 290

شُكْرانًا". ومعناه التنْزِيهُ والبَراءةُ، وقد استُعمل مضافًا، وغيرَ مضاف، وإذا لم يُضَف، تُرك صرفُه، فقيل: "سبحانَ من زيدٍ"، كأنّه جُعل عَلَمًا على معنَى البراءة، وفيه الألِف والنونُ زائدتان، نحو قول الأعشى [من السريع]: أقولُ لمّا جاءني فَخْرُه ... سُبْحانَ من عَلْقَمَةَ الفاخِرِ (١) وهو مثلُ "عُثْمانَ" في منعِ الصرف للعَلَميّة وزيادةِ الألف والنون، فأمّا "سَبَّحَ يُسبِّح" فهو فعلٌ ورد على "سبحان" بعد أن ذُكر وعُرف معناه، فاشتقّوا منه فعلًا. قالوا: "سَبَّحَ زيدٌ"، أي: قال: "سبحانَ اللهِ"، كما تقول: "بَسْمَلَ" إذا قال: "بسم الله"، وقد يجيء "سبحان" منوَّنًا في الشعر. قال الشاعر [من البسيط]: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ به ... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ (٢) وفي تنوينه وجهان: أحدُهما: أن يكون نكرةً. والثاني: أن يكون معرفةً إلَّا أنّه نوّنه ضرورةً، ويُروى: "نَعُودُ به" بالدال غيرِ المعجمة، أي: نُعاوِده مرّةً بعد مرّة. وقالوا: "مَعاذَ الله"، و"عِياذَ الله" وكِلاهما منصوبٌ على المصدر. تقول: "أعُوذُ بالله" أي: ألْجَأُ إلى الله عَوْذًا وعِياذًا، فهذان مصدران متصرِّفان، تقول: العَوْذُ بالله، والعِياذُ بالله، وأمّا "مَعاذَ الله" فلا يكون إلَّا منصوبًا، ولا يدخله الألفُ واللامُ، ولا الرفعُ والجرُّ. وأمّا قولهم: "عَمْرَكَ الله" فهو مصدرٌ لم يُستعمل إلَّا في معنى القَسَم، ونصبُه على تقدير فعلٍ، وفي تقديرِ ذلك الفعل وجهان: منهم من يُقدِّر: أسْألُك بعَمْرِك الله، وبتَعْمِيرِك الله، أي: وَصْفِك الله بالبَقاء والعَمْرِ. والعَمْرُ: البقاءُ. تقول: "بعَمْرِ الله". كأنّك تحلِف ببقاء الله. قال [من الوافر]: ١٦٩ - إذا رَضِيَتْ عَلَىَّ بنو قِشَيْرٍ ... بعَمْرِاللهِ أعْجَبَني رِضاها

стр. 291

ومنهم من يقدّر: أنْشُدُك بعَمْرِ الله، فيكون الناصبُ "أنشدك"، وهم يستعملون "أنشدك" في هذا المعنى كثيرًا، ثمّ حُذف الباء، فوصل الفعلُ، فنصب "عمرك"، ثمّ حُذف الفعل، فبقي "عمرك الله"، و"الله" منصوبٌ بالمصدر الذي هو "عمرك"، كأنّه قال: بوَصْفك الله بالبقاء، وقد أجاز الأخفشُ الرفعَ في "الله" بالمصدر كأنّه: قال بذِكْرٍ اللهُ إيّاك بالبقاء. وقالوا: "قِعْدَكَ الله" بمعنَى: عمرك الله، وفيه لغتان: قِعدك الله، وقَعْدك الله، ومعناه: أسألُك بقعدك أي بوَصْفك الله بالثبات والدوامِ، مأخوذٌ من قَواعِدِ البيت، وهي أُصولُه. والأصل في ذلك القُعودُ الذي هو ضِدُّ القيام لثُبوته، وعدمِ الحركة معه، ولا يُستعمل "عمرك الله" و"قعدك الله" إلَّا في القَسَم. * * * قال صاحب الكتاب: "والنوع الثالث نحو دفرًا وبهرًا وأُفَّةً وتُفَّةً وويحك وويسك وويلك وويبك". * * * قال الشارح: وأمّا القِسْم الثالث وهو، نحوُ: "دَفْرًا" وَ "بَهْرًا" و"اُفَّةً" و"تُقَّةً"، فهذه أيضًا من قبيلِ ما قبلها من المصادر من حيثُ إِنَّها غيرُ متصرِّفة بأن تكون مرفوعةً، أو مجرورةً، أو بالألف واللام، وأنّها منصوبةٌ بأفعالٍ غيرِ مستعمَلة، إلَّا أنّ الفرق بينهما أنّ ما قبلها لها أفعالٌ، ولم تُستعمل. وهذه لا يُؤْخذ منها فعلٌ ألبتّةَ، فإذا سُئِلتَ عنها مثّلتَ بقولك: "نَتْنًا" لقُرْبِ معناهما. وليس مِن "أُفَّةً" و"تُقَّةً" و"بَهْرًا" و"دَفْرًا" فعلٌ، وإنّما تَرُدّها

стр. 292

إلى "نتنًا", لأنّه مصدرٌ لفعل معروف، وهو "نَتَنَ نَتْنًا"، وقد قالوا: "بَهَرَ القَمرُ الكواكبَ" إذا غطّاها، ومنه قولُ ذي الرُّمّة [من البسيط]: ١٧٠ - حتى بَهَرْتَ فما تَخْفَى على أحدٍ ... إلَّا على أحدٍ لايَعْرِفُ القَمَرَا ويُقال: "بَهْرًا" في معنَى "عَجَبًا". ومنه قولُ عمر بن أبي رَبِيعَةَ [من الخفيف]: ١٧١ - ثُمَّ قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْرًا ... عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرابِ

стр. 293

ويُقال: "بَهْرًا لفُلان" إذا دُعي عليه بسُوءٍ، كأنّه قال: "تَعْسًا له". ولا أعلمُ أحدًا تَعرَّض لتفسيرِ ذلك إلَّا سيبويه (١). وتفسيرُ "دفرًا" "نتنًا" أيضًا. والدَّفْرُ: النَّتْنُ، ولذلك سُميت الدُّنْيا "أُمَّ دَفارِ"، ولم يُستعمل منه فعلٌ. وأمّا قولهم: "وَيْحَك"، و"وَيْسَك"، وَ "وَيْلَك"، وَ "وَيْبَك"، فهي من المصادر التي لا أفعالَ لها، كأنّهم كرِهوا أن يبنوا منها فعلًا لاعتلالِ عينها وفائها، لِما يلزَم من الثِّقَل في تصريِف فعلها لو استُعمل، فاطُّرح لذلك، وأجروها مُجْرَى المصادر المفردة المدعوِّ بها، وجعلوا الإضافةَ فيها بمنزلةِ اللام في قولهم: "سَقْيًا لك"؛ لانّه لولا اللامُ في "سقيًا لك"، لَمَا عُلم مَن يُعْنَى. وكذلك لولا الإضافةُ في هذه المصادر، لم يعلم المكلَّمُ مَن يُعنَى، والإضافةُ فيها مسموعةٌ، ولا يجوز القياسُ عليها، فلا يجوز أن تقول: "سَقْيَكَ" قياسًا على "وَيْحَكَ", لأنّ العرب لم تَدْعُ به، وإنّما وجب اتّباعُ العرب فيما استعملوه ههنا، ولم يُجاوِزوه, لأنّها أشياءُ قد حُذف منها الفعلُ، وجُعلتْ بدلًا من اللفظ به على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوُزُه, لأن الإضمار والحذف اللازمَ، وإقامةَ المصادر مُقامَ الأفعال حتّى لا تظهر الأفعالُ معها، ليس بقياسٍ مستمِرِّ، فتُجاوِزَ فيه الموضعَ الذي لزِموه، فقد شَبَّهَ سيبويه (٢) هذا الموضعَ بقولهم: "عددتُك"، و"عددتُ لك"، و"وزنتُك"، و"وزنتُ لك"، و"كِلْتُك"، و"كِلْتُ لك". لا تُتجاوز هذه الأفعالُ، فلا يُقال: "وهبتُك" في معنَى "وهبتُ لك". واعلم أن مذهبَ سيبويه والبصريين أجمعين أنّ أصلها "وَيْحٌ"، و"وَيْلٌ" و"وَيْسٌ"، و"وَيْبٌ"، دخلتْ عليها كافُ الخِطاب. وقال الفرّاء: أصلُها كلُّها "وَيْ"، فأمّا "ويلك" فهىِ "وَيْ" عنده زيدت عليها لامُ الجرّ، فإذا كان بعدها مضمرٌ كانت اللامُ مفتوحةً، كقولك: "وَيْلَكَ"، وَ "وَيْلَهُ" وإن كان بعدها ظاهرٌ، جاز فتحُ اللام وكسرُها، ففتحُ اللام مع الظاهر لغةٌ، وهو الأصلح فيها، والكسرُ على قياس الاستعمال. وأنشد [من الكامل]: ١٧٢ - يا زِبْرِقانُ أخَا بَنِي خَلَفٍ ... ما أنتَ وَيْلِ أبِيك والفَخْرُ

стр. 294

وأنشده بفتح اللام وكسرِها، فالذين كسروا اللامَ تركوها على أصلها، والذين فتحوها خلطوها بـ"وَيْ"، كما قالت العربُ: "يَالَ تَيْم"، ثمَّ أُفردت هذه اللام فخُلطت بيائها كأنّها منها، ثمّ كثُر استعمالُها، فأدخلوا عليها لامًا أخرى، فقالوا: "وَيْلٌ لك". وأمّا "وَيْحٌ" وَ "وَيْسٌ" وَ "وَيْبٌ" فكناياتٌ عن الوَيْل، فـ"وَيْلٌ" كلمةٌ تُقال عند الشَّتْم والتوبيخ معروفةٌ، وكثُرت حتّى صارت للتعجّب. يقولها أحدُهم لِمن يُحِبّ ولِمن يُبْغِض، وكنّوا بـ"الوَيْس" عنها، ولذلك قال بعضُ العُلماء: "وَيْسٌ" ترحُّمٌ، كما كنوا عن غيرها، فقالوا: "قَاتَلَهُ الله! " ثمّ استعظموا ذلك، فقالوا: "قَاتَعَهُ اللهُ، وكَاتَعَهُ"، وله نظائرِ، والقول ما قاله سيبويه، ولو كان الأمرُ على ما قال الفرّاءُ، لَمَا قيل: "ويلٌ لزيدٍ" بضمّ اللام والتنوين. واعلم أنّ هذه المصادر إذا أُضيفت لم تَتصرَّف ولم تكن إلَّا منصوبةً لِما ذكرناه، ولأنّك لو رفعتَها بالابتداء لم يكن لها خبرٌ، فإن أفردتَها، وجئتَ باللام جاز الرفعُ، فتقول: "وَيْلٌ لك، وَوَيْحٌ له"، فيكون الجارّ والمجرور الخبرَ، ويجوز النصب مع اللام فتقول: "ويحًا له، وويلًا له" قال جَرِير [من الطويل]: ١٧٣ - كَسَا اللُؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً في جُلودها ... فَوَيْلًا لتَيْمٍ من سَرابِيلها الخُضْرِ

стр. 295

والفرق بين النصب والرفع أنّك إذا رفعتَها فكأنّك ابتدأتَ شيئًا قد ثَبَتَ عندك واستقرّ، وفيها ذلك المعنى، أعني الدعاءَ، كما أنّ "حَسْبُكَ" فيه معنى النَّهْي، وإذا نصبتَ كنتَ تَرّجَّاه في حالِ حديثك، وتعمل في إثباته، فاعرفه. فصل [الأسماء المنصوبة بأفعال مُضمرة] قال صاحب الكتاب: "وقد تجري اسماء غير مصادر ذلك المجرى, وهي على ضربين: جواهر, نحو قولهم: تربًا وجندلاً, وفاهًا لفيك. وصفاتٌ, نحو قولهم: هنيئًا مريئًا, وعائذًا بك, وأقائمًا وقد قعد الناس, وأقاعدًا وقد سار الرَّكْبُ". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الأسماء على ضربَيْن؛ جواهرُ ومعانٍ. والمرادُ بالجواهر في عُرْفِ النحويّين الشُّخُوصُ, والأجسامُ المتشخِّصةُ، والمعانى هي المصادرُ كالعِلْم والقُدْرَة. فكما نصبوا أشياء من المصادر بفعل متروكٍ إظهارُه نحوَ ما تقدّم من نحوِ "سَقْيًا"، و"رَعْيًا"، و"حَنانَيْكَ"، و"لَبَّيْكَ"، وَ "وَيْلَهُ"، وَ "وَيْحَهُ" وما أشبهَ ذلك ممّا دُعي به من المصادر، فكذلك أجروا أشياء من الجواهر غيرِ المصادر مُجْراها، فنصبوها نَصْبَها على سبيلِ الدُّعاء. وذلك نحوْ قولهم: "تُرْبًا لك، وجَنْدَلًا"، ومعناه: ألْزَمَك اللهُ أو أطْعَمَك اللهُ تُربًا، أي: تُرابًا، وجندلًا، أي: صَخْرًا. واختُزل الفعل ههنا, لأنّهم جعلوه بدلًا من قولك: "تَرِبَتْ يَداك وجُنْدِلَتْ"، فإن أدخلتَ "لَكَ" ههنا، وقلت: "تربًا لك وجندلًا لك" كان

стр. 296

دخولُها كدخولها في "سَقْيًا لك" لبيانِ مَن تَعْنِي بالدعاء. فإن علِم الداعي أنَّه قد عُلم من يعني، جاز أن لا يأتي به لظُهوره، ورُبَّما جاء به مع العلم تأكيدًا، وإن لم يُعْلَم المعنى بالدعاء؛ فلا بدّ من الإتيان به، ورُبَّما رفعتِ العربُ هذا فقالوا: "تُرْبٌ له"، فَرفعُه بالابتداء، قال الشاعر [من الطويل]: ١٧٤ - لقد ألَّبَ الواشُون ألْبًا لِبَيْنِهم ... فتُرْبٌ لأفْواهِ الوُشاة وجَنْدَلُ و"تُرْبٌ" مبتدأٌ، والخبرُ "لأفْواهِ الوُشاة"، وفيه معنى المنصوب في الدعاء كما كان في قولك: "سلامٌ عليك" معنى الدعاء. وأمّا قولهم: "فاهَا لِفِيكَ"، فقد حكى أبو زيد: "فاها لفيك" بمعنَى "الخَيْبَةُ لك". وأنشد لرجلٍ من بَلْهجَيْم، وهو أبو سِدْرَةَ الأسَديُّ [من الطويل]: ١٧٥ - [تحسَّبَ هوّاسٌ وأيْقَنَ أَنَّني ... بها مُفْتدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُه] فقلتُ لَه: فَاهًا لِفِيكَ فإِنَّها ... قَلُوصُ امْرِىء قارِيكَ ما أنتَ حاذِرُهْ

стр. 297

وإنّما يعنون به فَم الداهِيَة، فالضميرُ يعود إلى الداهية، يدلّ على ذلك قولُه [من المتقارب]: ١٧٦ - وداهِيَةٍ من دَواهِي المَنُو ... نِ يَحْسَبُها الناسُ لا فَا لها

стр. 298

و"فاها" منصوبٌ بمنزلةِ "تُرْبًا" و"جندلاً"، كأنّك قلت: "تربًا لِفِيك". وإنّما يخُصّون الفَمَ بذلك, لأنّ أكثرَ المَتالِف فيما يأكُله الإنسانُ ويشرَبه. وصار "فاها" بدلاً من اللفظ بقولك: "دَهاك اللهُ". وإنّما قلنا بدلاً من هذا اللفظ تقريبًا, لأنّه فَم الداهية في التقدير، فقُدّر الفعلُ المتصرِّفُ من الداهية، وليس القصدُ إلَّا تقديرَ فعلٍ ناصبٍ، ليس شيئًا معيَّناً لا يُتجاوز، وإنّما يُقْصَد ما يُلائم المعنى، ويُقارِب اللفظَ. وقالوا: "هَنِيئًا مَرِيئًا"، وهما صفتان. تقول: "هذا شيءٌ هنيءٌ مريءٌ"، كما تقول: "هذا رجلٌ جَمِيلٌ صَبِيحٌ"، ونحوَهما ممّا هو على فَعِيل من الصفات. ولم يأتِ من الصفات ما يُدْعَى به إلَّا هذان الحرفان، وليسا بمصدرَيْن، إنّما هما من أسماءِ الجواهر كالتراب والجندل وانتصابُهما بفعل مقدَّر تقديرُه: ثَبَتَ لك ذلك هنيئًا مريئًا، فتكون حقيقةُ نَصْبه على الحال، وذلك تقوله لشيء تراه عنده ممّا يأكل أو يستمتِع به على سبيلِ الدُّعاء بلفظِ الخبر، كما تقول: "﵀"، ثمّ حُذف الفعل وجُعل بدلاً من اللفظ بقولهم: "يَهْنَأُكَ"، يدلّ على ذلك أنّه يظهر "يهنأك" في الشعر على سبيلِ الدعاء، قال الأخْطَل [من البسيط]: ١٧٧ - إلى إمامٍ تُغادِينا فَواضِلُه ... أظْفَرَهُ الله فَلْيَهْنِىءْ له الظَّفَرُ

стр. 299

دعاء له يَهْنِىءُ، و"الظفَرُ" فاعلُه، فصار "يهنىء له الظفرُ" بمنزلةِ "هنيئًا له الظفَرُ"، وصار اختزالُ الفعل وحذفُه في "هنيئًا له" كحَذفه في قولهم: "الحَذَرَ"، وتقديرُه: احْذَرِ الحَذَرَ. وقالوا: "عائذًا بك". قال الشاعر [من البسيط]: ١٧٨ - ألْحِقْ عَذابَك بالقوم الذين طَغَوْا ... وعائذًا بك أنْ يَعْلُوا فيُطغْونِى وقالوا: "أقائمًا وقد قعد الناسُ؟ " و"أقاعدًا وقد سار الرَّكْبُ؟ " فإنّ هذه أسماءُ فاعلين، وهي منصوبةٌ على الحال. وقد قدّر سيبويه (١) العاملَ فيها بأفعالٍ من ألفاظها على حدّ قولك: "أقِيامًا والناسُ قُعُودٌ". و [من الرجز]: ١٧٩ - أطَرَبًا وأنتَ قِنَّسْرِيُّ ... [والدهرُ بالإنسانِ دوّاريُّ]

стр. 300

فكأنّه قال: "أعُوذُ عائذًا بك"، و"أتقوم قائمًا، وأتقعُد قاعدًا". وحَذَفَه استغناءً، وقد أنكره بعضُ النحويّين، وقال: الفعلُ لا يعمل في اسم الفاعل إذا كان حالاً من لفظِ الفعل لعَدَمِ الفائدة، إذ قد علم أنّه لا يقوم إلَّا قائمًا، ولاَ يقعد إلَّا قاعدًا, لأنّ الفعل قد دلّ عليه، وإذا ورد شيءٌ من ذلك فتأوُّلُه بالمصدر، فيكون تقديرُ "عائذًا"، و"قائمًا" و"قاعدًا" إذا جعلتَ العاملَ "أعوذُ"، و"تقومُ"، و"تقعدُ" بتقديرِ "عِياذٍ" و"قِيام" و"قُعُودٍ"، وهو رأيُ أبي العبّاس. والذي قدّره سيبويه لا يمتنع لأنّ الحال قد يرِدُ مؤكِّدًا كما يرد المصدرُ مؤكِّدًا، وإن كان الفعلُ قد دلّ على ما دلّ عليه اسمُ الفاعل. قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (١)، فذكر "رسولاً" وإن كان الفعلُ قد دلّ عليه على سبيلِ التوكيد. واعلمْ أنّه لا يجوز إضمارُ الفعل الدالِّ على الحال إلَّا أن تكون الحالُ مشاهَدة تدلّ عليه. لو قلتَ مبتدِئًا من غيرِ حال تدلّ عليه: "قائمًا"، أو "قاعدًا" كما تقول في المصدر: "قِيامًا يا زيدُ" لم يجز, لأنّ المصدر مأخوذٌ من لفظِ الفعل، فهو دالُّ على فعل معيَّن، وليس كذلك الحالُ لأنّه لا يدلّ على فعلٍ مخصوصٍ, لأنّه يجوز أن تقول: "ثَبَتَ قائمًا"، أو "جاءَ قائمًا"، أو "ضَحِكَ قائمًا". وإنّما جاز أن تقول: "أقائمًا وقد قعد الناسُ" لِما شُوهد منه من أماراتِ القيام، والتأهُّبِ له، حتّى صار بمنزلةِ الذي رآه في حال قيام وقعودِ، وكذلك "عائذًا بك" كأنّه رأى شيئًا يُتّقى، فصار عند نفسه في حالِ استعاذته، فقال: "عائذًا بك"، كأنّه قال: "أعوذُ عائذًا بك". وإذا ذكرتَ شيئًا من هذا

стр. 301

الباب، فالفعلُ متّصِل في حالِ ذِكْرك إياه، فأنتَ تعمل في تَثْبِيته، فاعرفه. فصل [إضمار المصدر] قال صاحب الكتاب: "ومن إضمارِ المصدر قولُك: "عبدُ الله أظُنُّه منطلقٌ" تجعل الهاءَ ضميرَ الظن، كأنك قلت: "عبدُ الله أظُنُّ ظَنِّي منطلقٌ"، وما جاء في الدَّعْوة المرفوعة "وَاجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّا" (١) محتملٌ عندي أن يُوَجَّه على هذا". * * * قال الشارح: قوله: "من إضمارِ المصدر" يُوهِّم أنّه قد تقدّم إضمارُ مصدر حتّى عُطف عليه، والذي تقدّم إضمارُ فعلٍ عاملٍ في المصدر. وقوله: "عبدُ الله أظُنُّه منطلقٌ" فـ "عبد الله"، مبتدأٌ، و"منطلقٌ" الخبرُ، و"الظَّنُّ" مُلْغَى، والهاءُ ضميرُ المصدرِ أُضْمِرَ لتقدُّمِ ذِكْرِ الفعل. والفعلُ دالٌ على مصدره إذ كان من لفظه، ومشتقًّا منه، فصار تقدُّمه كتقدُّمِ المصدر. فكما يُكْنَى عن المصدر إذا تقدّم، فكذلك يُكْنَى عنه إذا تقدّم الفعلُ، وذلك قولُهم: "مَن كَذَبَ كان شَرًّا له"، أي: كان الكِذْبُ شرًّا له، فكذلك تقول: "عبدُ الله ظننتُه منطلقٌ"، فتكون الهاءُ عائدةً إلى "الظَّنَّ". قال الشاعر العَبْدي [من الطويل]: ١٨٠ - فجَالَ على وَحْشِيِّهِ وتَخالُه ... على ظَهْره سِبَّا جَدِيدًا يَمانِيَا فالهاء في "تخاله" عائدةٌ على المصدر، كأنّه قال: "فتَخالُ الخالَ"، ألا ترى أنه أتى بمفعولِ "تَخَالُ"، وهو الجارُّ والمجرورُ الذي هو"عَلَى ظَهْرِهِ" و"سِبّا"، فاستَوْفَى الفعلُ ما

стр. 302

يقتضيه، فلم يَبْقَ إلَّا أن يكون ضميرَ المصدر. واعلمْ أنّك إذا أتيتَ بضميرِ المصدر، نحوَ "عبدُ الله ظننتُه منطلقٌ"، قبُح إلغاءُ الفعل، لأنّ الإتيان بضميرِ المصدر كالإتيان به إذ كان كِناية عنه، والمصدرُ مؤكِّدٌ للفعل، وقبُح إلغاؤه بعد تأكيده. وأقبحُ من ذلك أن تُصرّح بالمصدر، ثمّ تُلْغِيه، نحوَ: "عبدُ الله ظننتُ ظنًّا منطلقٌ"، لأنّ التصريح بالمصدر كتكريرِ الفعل، فلذلك كان أقبحَ، ولو قلت: "ظننتُه عبدَ الله منطلقًا" لم يجز الإلغاءُ ألبتةَ، لأنّك إذا قدّمتَ الفعلَ على مفعولَيْه، لم يجز الإلغاءُ، فإذا أُكّد بالمصدر مع ذلك، كان إلغاؤه أجدرَ بالامتناع. قال: وما جاء في الدعوة المرفوعة "وَاجْعَلْهُ الوارِثَ منّا"، يجوز أن تكون الهاءُ عائدة إلى ما تقدَّم، لأنّ من جملةِ الدعاء "وأمْتِعْنَا اللَّهُمَّ بأسماعِنا، وأبصارِنا ما أحْيَيْتَنَا"، فيجوز أن تكون الهاءُ عائدةَ إلى المذكور، كأنّه قال: واجعلِ الإمتاعَ الوارِثَ منّا، قال: ويُمْكِن أن يُوَجَّه على إضمارِ المصدر، كأنّه قال: واجعلِ الوارثَ منّا، أي: أعْضاءَنا، إشارةً إلى السَّمْع والبَصَرِ جَعْلاَ، ثمّ كَنَى عن الجَعْل.

стр. 303

المفعول به فصل [تعريفه] قال صاحب الكتاب: "هو الذي يقع عليه فعلُ الفاعل في مثلِ قولك: "ضَرَبَ زيدٌ عمرًا" و"بلغتُ البَلَدَ". وهو الفارقُ بين المتعدّي من الأفعال، وغيرِ المتعدّي. ويكون واحدًا فصاعدًا إلى الثلاثة، على ما سيأتيك بَيانُه في مكانه إن شاء الله. ويجيء منصوبًا بعاملٍ مضمرٍ مستعمَلٍ إظهارُه، أو لازمٍ إضمارُه". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ المصدر هو المفعول في الحقيقة، فإذا قلتَ: "قام زيدٌ"، و"فَعَلَ زيدٌ قِيامًا"، كانا في المعنى سَواءً، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: "مَن فعل هذا القيامَ؟ " فتقول: "زيدٌ فَعَلَه"، والمفعول به ليس كذلك، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ضربتُ زيدًا"، لم يصح تعبيرُه بأن تقول: "فعلتُ زيدًا"؛ لأن "زيدًا" ليس ممّا تفعله أنتَ، وإنّما أحللتَ الضربَ به، وهو المصدرُ. وهذا معنى قوله: "هو الذي يقع عليه فعلُ الفاعل". يريد يقع عليه المصدرُ, لأن المصدر فعلُ الفاعل، وذلك؛ نحو: "ضَرَبَ زيدٌ عمرًا"، و"أكرمَ محمّدٌ خالدًا". وقوله: هو الفارق بين المتعدّي من الأفعال وغيرِ المتعدّي، يعني أنّ اعتبارَ المتعدّي إنّما هو بالمفعول به، لأنّ جميعَ الأفعال لازمَها ومتعدِّيها يتعدّى إلى المصدر، والظرفِ من الزمان، والظرفِ من المكان؛ وأمّا المفعول به فلا يَصِل إليه إلَّا ما كان متعدّيًا. ومعنى التعدّي أنّ المصدر الذي هو مدلولُ الفعل، وهو فعلُ الفاعل، على ضربَيْن: ضرب منهما يُلاقي شيئًا، ويُؤثر فيه، فيُسَمَّى متعدّيًا، وضربٌ منهما لا يلاقي شيئاً، فيسمّى غيرَ متعدّ. فكلُّ حركة للجِسْم كانت ملاقِيَةً لغيره سُمّيت متعدّيةً، وكلُّ حركة له لم تكن ملاقية لغيره كانت لازمةً، أي: هي لازمةٌ للفاعل، لا تتجاوزه نحو "قَامَ"، و"قَعَدَ"، وسيُوضَح ذلك في قِسْم الأفعال. ويكون واحداً فصاعدًا إلى الثلاثة، يعني أن الفعل قد يتعدّى إلى مفعول واحد، نحو: "ضرب زيدٌ عمرًا"، وقد يتعدّى إلى مفعولَيْن، نحوَ: "أَعْطَى"،

стр. 304

"وظَنَّ"، وقد يتعدّى إلى ثلاثة، نحوَ: "أَعْلَمَ"، و"أَرَى" وسيوضَح أمرُ ذلك في فصلِ الأفعال. وقد يُحْذَف العامل في المفعول، وذلك على ضربَيْن: أحدُهما: ما يجوز إظهارُه وحذفُه. والثاني: ما لا يجوز ظهورُه، ولا يُستعمل إلَّا محذوفَ العامل، وسيوضَح ذلك في فصلٍ عقيبَ هذا الفصل، فاعرفه.

стр. 305

المنصوب بالمستعمَلِ إظهارُه فصل [تعريفه] قال صاحب الكتاب: "هو قولك لِمَن أخذ يضرب القومَ، أو قال: "أضْرِبُ شرَّ الناس": "زيدًا"، بإضمارِ "اضْرِبْ"؛ ولِمَن قطع حديثَه: "حديثَك"؛ ولمن صدرتْ عنه أفاعِيلُ البُخَلاء: "أكُلَّ هذا بُخْلاً"، بإضمارِ "هاتِ" و"تَفْعَلُ"". * * * قال الشارح: قد تقدّم قولنا إنّ قرائنَ الأحوال قد تغْنِي عن اللفظ، وذلك أن المراد من اللفظ الدلالةُ على المعنى، فإذا ظهر المعنى بقرينةٍ حاليّةٍ، أو غيرها، لم يُحْتَج إلى اللفظ المطابِق، فإن أُتي باللفظ المطابق، جاز، وكان كالتأكيد، وإن لم يُؤْتَ به فللاستغناء عنه، فلذلك يجوز حذفُ العامل. وهو في ذلك على ثلاثة أضربٍ: ضربٌ لا يجوز حذفُ العامل، وضربٌ يجوز حذفُه وإثباتُه، وضربٌ يُحْذَف، ولا يجوز إثباتُه. فالأوّل: أن تقول: "زَيْدًا" مَثَلاً، وتريد: اضْرِبْ زيدًا، وليس ثمَّ قرينةٌ تدلّ عليه. فهذا لا يجوز، لاحتمالِ أن يكون المرادُ: اضربْ زيدًا، أو أَكْرِمْ زيداً، أو اشْتِمْ زيدًا، أو غيرَ ذلك، ممّا لا يُحْصَى، فهذا يكون إلباسّا، فلذلك لا يجوز مثلُه. والضرب الثاني: وهو ما يجوز استعمالُه وحذفُه وأنتَ مخيَّرٌ فيه، فهو أن ترى رجلاً يضرب، أو يشتم، فتقول: "زيداً"، تريد: اضربْ زيدًا، ويجوز إظهارُه فتقول: "اضربْ زيداً"، وقال: "أضربُ شرَّ الناس"، فقال بعضُ السامعين: "زيدًا"، أي: اضربْ زيدًا، فإنّه شرُّ الناس. وكذلك إذا كان رجلٌ في حديثٍ، ثمّ حَضَرَ مَن قطع الحديثَ من أجلِه، فتقول: "حديثَك"، معناه: هاتِ حديثَك، أو أَتِمّ حديثَك. وكذلك إذا صدرت من إنسانٍ أفاعيلُ البُخَلاء مثلَ أن يُطْلَب منه ما جَرَتِ العادةُ أن لا يَرِد من مثله، أو يُخْبَرَ عنه بمثلِ ذلك، فتقول: "أكُلَّ هذا بُخْلاً"، معناه: أتفعلُ كل هذا بُخْلاً. وهذه الأشياءُ كلُّها منصوبةٌ بالعامل المحذوف للدلالة عليه، ولو ظَهَرَ لَجاز.

стр. 306

فصل قال صاحب الكتاب: "ومنه قولك لِمَن زكنت أنّه يُريد مَكَّةَ: "مكة وَرَبِّ الكَعْبَةِ"، ولِمَن سدّد سَهْمًا: "القِرْطاسَ وَاللهِ"، وللمستهِلّين إذا كبّروا: "الهِلالَ واللهِ" تُضْمِر "يريد"، "ويُصيب"، "وأَبْصَروا"، ولرائِي الرُّؤْيَا: "خيرًا وما سَرَّ"، و"خيرًا لنا وشَرَّا لعَدُوّنا" أي: رأيتَ خيرًا، ولمَن يذكر رجلاً: "أَهْلَ ذاك وأهْلَهُ"، أي: ذكرتَ أهلَه، ومنه قوله [من الخفيف]: ١٨١ - لَنْ تراها ولو تأمّلتَ إلا ... وَلَهَا في مَفارِقِ الرّأْسِ طِيبَا أي: وترى لها. ومنه قولهم: "كاليَوْم رجلاً" بإضمار "لم أَرَ". قال أَوْسٌ [من الكامل]: ١٨٢ - [حتى إذا الكلّابُ قال لها] ... كاليوم مطلوبًا ولا طَلَبَا" * * *

стр. 307

قال الشارح: قوله: "ومنه" يريد ممّا حُذف منه الفعلُ، ويجوز إظهارُه، فإن حذفتَه فللاستغناء عنه، وإن أظهرته فلتأكيد البَيان. فمن ذلك إذا رأيتَ رجلاً متوجِّهًا وَجْهَ الحاجّ قاصدًا في هَيْئةِ الحاجّ، قلتَ: "مَكَّةَ وَاللهِ"، كأنّك قلت: "يريد مكّةَ واللهِ". وإن شئتَ أضمرتَ لفظَ الماضي، كأنّك قلت: "أراد مكةَ"، كأنّك أخبرتَ بهذه الصيغة أنّه كان فيها أَمْسِ، ولو أظهرتَ ما أضمرتَ لجاز. وكذلك إذا رأيتَ أن رجلاً قد سدّد سَهْمًا قِبَلَ القِرْطاس، فقلت: "القرطاس واللهِ"، أي: يُصيب القرطاسَ، كأنّك لمّا شاهدت إجادة التسديد، فحدستَ الإصابة. وكذلك لو سمعت وَقْعَ السهم في القرطاس، قلت: "القرطاسَ واللهِ"، أي: أصاب القرطاسَ. ومن ذلك لو رأيتَ ناساً يرقُبون الهِلالَ، وأنتَ متباعدٌ منهم، فكبّروا، لقلت: "الهلالَ واللهِ"، أي: أبصروا الهلالَ واللهِ. ومن ذلك إذا قصَّ إنسانٌ عليك رُؤْيا رآها، فعبّرتها له، قلت: "خيرًا لنا وما سرَّ"، و"خيرًا لنا وشرَّا لعدُوّنا" تقول ذلك على سبيلِ التفاؤُل، كأنّك قلت: "رأيتَ خيرًا، وأبصرتَ خيرًا، ورأيت ما سرَّ"، أي الذي سرّ، ورأيتَ خيرًا، لنا وشرًّا لعدوّنا، وما أشبهَ ذلك. ومن ذلك إذا ذُكر رجلٌ، فأُثْنِيَ عليه خيرٌ، أو شرٌّ، فقلت: "أَهْلَ ذاك"، أو "أَهْلَهُ" معناه ذكرتَ أهلَ ذاك، أو أهلَه، والهاءُ تعود إلى الذكْر أو الثناء، كأنّك قلت: "ذكرتَ أهلاً لذلك الذكر، أو الثناءِ"، لأنّه في ذكره، فحَمْلُه على المعنى. وأمّا قول الشاعر [من الخفيف]: لن تراها ... إلخ فقد ذهب سيبويه (١) إلى أنّه منصوبٌ على المعنى، لأنْه لما قال "لن تراها إلَّا ولها

стр. 308

في مَفارِق الرأس طيبًا"، دلّ على أنّ الطيب داخلٌ في الرؤية، فَنَصَبَه على هذا التأويل، ومثلُه قوله [من السريع]: ١٨٣ - تَذَكرَتْ أَرْضًا بها أَهْلَهَا ... أَخْوَالَها فيها وأعمامَها لأنّ الأخوال، والأعمامَ قد دخلوا في التذكُّر، وقد رَدَّ هذا وأشباهَه أبو العباس المبرَّدُ، وذكر أنّ مثل هذا لا يجوز، لأنّه لا يُحْمَل على المعنى إلّا بعد تَمامِ الكلام الأولِ, لأنّه حملٌ على التأويل، ولا يصح تأويل الكلام إلّا بعد تَمامه. وأما التقديرُ: لن تراها -وإن تأمّلتَ- إلّا رأيتَ لها في مفارقِ الرأس طيبًا، فهو منصوبٌ بإضمار فعلٍ، وإليه ذهب صاحبُ هذا الكتاب. فصل [شواهد على حذف العامل] قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (١): وهذه حُجَجٌ سُمعت من العرب، يقولون: "اللَّهُمَّ ضَبُعًا، وذِئْبًا" (٢)، وإذا سألتَهم ما تعنون؟ قالوا: اللهمّ اجْمَعْ فيها ضبعًا وذئبًا، وسمع أبو الخطّاب بعضَ العرب، وقيل له: لِمَ أفسدتم مكانَكم؟ فقال: "الصِّبْيانَ بأَبِي"، أي: لُمِ الصبيانَ. وقيل لبعضهم: أمَا بمكانِ كذا وَجْذٌ؟ فقال: "بَلَى وِجاذًا"، أي: أَعرِفُ به وجاذًا". * * * قال الشارح: قوله: "وهذه حُجَجٌ سُمعت من العرب" يعني شَواهِدَ من كلام العرب

стр. 309

على جَوازِ حذف الفعل العاملِ، وذلك قولُهم في مَثَلٍ من أَمْثالهم: "اللهمّ ضَبُعًا، وذِئبًا"، كأَنَّ قائله يدعو على غَنَمِ غيره، فإذا قيل: "ما تعنون"؟ قالوا: "اللهمّ اجْمَعْ فيها ضبعًا وذئبًا"، فأُضْمر العامل. قال سيبويه (١): كلّهم يُفسِّر ما يَنْوِي، يعني يُقدِّر المحذوفَ على هذا الوجه. قال أبو العبّاس: سمعنا أن هذا دعاءٌ لها، دعاءٌ عليها، لأنّ الضبع والذئب إذا اجتمعا تَقاتَلَا، فأَفْلَتَتِ الغنمُ. ومن ذلك ما حكاه سيبويه (٢) عن أبي الخطّاب الأخفش -وكان من مَشايخ سيبويه- أنّه سمع بعضَ العرب، وقد قيل له: "لِمَ أفسدتم مكانَكم؟ " فقال: "الصِّبْيانَ بأبِي"، كأنّه خاف أن يُلامَ، فقال: "لُمِ الصبيانَ"، فأضمرَ ما ينصب. ومن ذلك ما حكاه سيبويه (٣) قال: "وحدَّثَني مَن يُوثَق به أنّه قيل لبعضهم: "أمَا بمكانِ كذا وَجْذٌ"؟، بالجيم المعجمة والذال المعجمة -وهو نُقْرَةٌ في الجبل تُمسِك الماءَ - فقال: بَلَى وِجاذًا، أي: أعرِفُ به وجاذًا، فأضمر العاملَ.

стр. 310

المنصوب باللازم إضمارُه المُنادَى فصل قال صاحب الكتاب: منه المُنادَى, لأنّك إذا قلت: "يا عبدَ الله"، فكأنّك قلت: "يا أُرِيدُ، أو أَعْنِي عبدَ الله"، ولكنّه حُذف لكثرةِ الاستعمال، وصار "يَا" بَدَلًا منه. ولا يخلو من أن ينتصبَ لفظًا، أو مَحَلاً. فانتصابُه لفظًا إذا كان مضافًا كـ "عبدِ الله"، أو مضارعًا له كقولك: "يا خيرًا من زيد"، و"يا ضاربًا زيدًا"، و"يا مضروبًا غلامُه"، و"يا حَسَنًا وَجْهَ الأخ"، و"يا ثلاثة وثلاثين"؛ أو نكرة كقوله [من الطويل]: ١٨٤ - فَيَا رَاكِبًا إما عرضتَ فبَلّغَنْ" ... [ندامايَ من نَجْرانَ ألّا تلاقيا] * * *

стр. 311

قال الشارح: اعلم أنّ المنادَى عند البصريين أحدُ المفعولات، والأصلُ في كلّ منادى أن يكون منصوبًا، وإنّما بنوا المفردَ المعرفةَ على الضّم لعلّةٍ نذكرها، والذي يدلّ على أنّ الأصل في كل منادى النصبُ قولُ العرب: "يا إيّاك" لما كان المنادى منصوبًا، وكنُّوا عنه؛ أتوا بضمير المنصوب، هذا استدلالُ سيبويه. وقد قالوا: "يا أَنْتَ" أيضًا، فكنوا عنه بضمير المرفوع نَظرًا إلى اللفظ، كما قالوا: "يا زيدُ الظريفُ". فأتبعوا النعتَ على اللفظ. قال الشاعر [من الرجز]: ١٨٥ - يا مُرَّ يا ابنَ واقع يا أَنتَا ... أنْتَ الّذي طلّقتَ عامَ جُعْتَا فإذا قلت: "يا إيّاك"، كان تقديرُه: يا إيّاك أعني. ومن قال: إنّ "إيّاك" مضافٌ على ما يشرح في موضعه، قال: لم ينصب "أنت" لأنه مفرد، ونصب "إِياك" لأنه مضاف. وممّا يدلّ على أنّ أصلَ المنادى النصبُ؛ نَصبُهم المضافَ في قولهم: "يا عبدَ الله"، والمشابِهَ له من نحو "يا خيرًا من زيد"، والمنكورَ من نحو "يا رجلاً"، و"يا راكبًا". والناصبُ له فعلٌ مضمرٌ تقديرُه: أُنادِي زيدًا، أو أُريد، أو أَدْعو، أو نحو ذلك. ولا يجوز إظهارُ ذلك، ولا اللفظ به, لأن "يا" قد نابت عنه؛ ولأنّك إذا صرّحتَ بالفعل، وقلتَ: "أُنادي"، أو"أريد"، كان إخبارًا عن نفسك، والنداءُ

стр. 312

ليس بإخبار، وإنّما هو نفسُ التصويت بالمنادى، ثمّ يقع الإخبارُ عنه فيما بعدُ، فتقول: "نادَيْتُ زيدًا". وكان أبو العبّاس المبرّدُ يقول الناصبُ نفسُ "يا" لنيابتها عن الفعل، قال: "ولذلك جازت إمالتُها". وكان أبو عليّ يذهب في بعض كلامه إلى أنّ "يا" ليس بحرف، وإنما هو اسمٌ من أسماء الفعل. والمذهبُ الأول، فالمنصوب في اللفظ على ثلاثة أضرب: مضافٌ، ومشابةٌ للمضاف، ونكرةٌ؛ فأمّا المضاف فهو منصوبٌ على أصلِ النداء الذي يجب فيه النصبُ كما بَيَّنَّا، المعرفةُ والنكرةُ في ذلك سواءٌ، فتقول في المعرفة: "يا عبدَ الله أقْبِلْ، ويا غلامَ زيد افْعَلْ"، وتقول في النكرة "يا عبدَ امرْأةٍ تَعالَ، ويا رجلَ سَوْءٍ تُبْ". وأمّا المضارع للمضاف، فحكمُه النصبُ أيضًا كما كان المضافُ كذلك، وذلك قولُك: "يا خيرًا من زيد"، و"يا ضاربًا زيدًا"، و"يا مضروبًا غلامُه"، و"يا حَسَنًا وَجْهَ الأخ"، و"يا ثلاثةً وثلاثين" كلُّه منصوبٌ لما ذكرناه من شَبَهِ المضاف، ووجهُ الشبه بينهما من ثلاثةِ أَوْجُه: أحدُها: أن الأوّل عاملٌ في الثاني، كما كان المضافُ عاملاً في المضاف إليه. فإن قيل: المضافُ عاملٌ في المضاف إليه الجرَّ، وهذا عاملٌ نَصْبًا، أو رَفْعًا، فقد اختلفا؛ قيل: الشيءُ إذا أشبهَ الشيءَ من جهةٍ، فلا بد أن يُفارِقه من جهاتٍ أخرى، ولولا تلك المفارقةُ، لكان إياه، فلم تكن المفارقةُ قادِحة في الشَّبَه. الوجه الثاني: من المشابهة أنّ الاسم الأول مختصٌّ بالثاني، كما أنّ المضاف يتخصص بالمضاف إليه، ألا ترى أنّ قولنا: "يا ضاربًا رجلًا" أخصُّ من قولنا: "يا ضاربًا". الثالث: أنّ الاسم الثاني من تَمامِ الأوّل، كما أنّ المضاف إليه من تمام المضاف، ألا ترى أن الجارّ والمجرور في قولك: "يا خيرًا من زيد" من صلةِ "خير"، وإذا كان من صلته ومتعلِّقًا به، كان من تمامه. وكذلك "يا ضاربًا زيدًا" فـ "زيدٌ" منصوبٌ بـ "ضاربٍ"، فهو من تمامه، وكذلك "يا مضروبًا غلامُه"، فالغلامُ مرتفعٌ باسم المفعول الذي هو"مضروبٌ". وكذلك "يا حسنًا وجهَ الأخ" نصبتَ "الوجه" على الشَّبَه بالمفعول، ولا يحسن رفعُه لأنّه يفتقر إلى عائدٍ. فهذه كلُّها منصوبةٌ، سَواء جعلتَها أعلامًا، أو لم تجعلها. فإن جعلتها أعلامًا، نصبتها لشَبَهها بالمضاف، وإن جعلتها معرفةً بالقصد فهي منصوبةٌ لذلك، وإن كانت نكرةً، كانت منصوبةً كسائر النكرات. والتنوين في جميع ذلك كحرفٍ من وسط الاسم، إذ كان ما بعده من تَمامه،

стр. 313

وصلتِه، فصارت "الراءُ" من "خير" و"الباءُ" من "ضارب" بمنزلة "الياء" من "الذي". وأمّا قوله: "يا ثلاثةً وثلاثين" فإن سمّيت بهما وجعلتَهما عَلَمًا، نصبتَهما كما لو سمّيتَ بـ "زيد" و"عمرو"، لأنّك جعلتهما بإزاءِ حقيقة واحدة، فكان الثاني من تمام الأوّل، وتابعًا له في إعرابه بإشراكِ الواو، فصار كأن الأوّل عاملٌ في الثاني، فانتصب كما ينتصب "يا خيرًا من زيد" فحرفُ النداء نَصَبَ الاسمَ الأوّلَ، والثاني يتبعه في الإعراب لزومًا لطريقته التي كان عليها قبل التسمية، وهي متابعَةُ المعطوف المعطوفَ عليه في الإعراب. فإن ناديتَ جماعةً، هذه عدّتُهم، قلت: "يا ثلاثةُ وثلاثون، وإن شئتَ نصبتَ الثانيَ، فقلتَ: "يا ثلاثةُ وثلاثين"، كما تقول: "يا زيدُ والحارثُ، والحارثَ"، فالرفعُ عطفٌ على اللفظ، والنصبُ عطفٌ على المحل، لأنّهما اسمان متغايران، كلّ واحد منهما بإزاءِ حقيقةٍ غير الأخرى، وليس كذلك إذا سمّيتَ بهما، وجعلتَهما عبارةَ عن حقيقة واحدة. الثالث: النكرة وهي منصوبةٌ أيضًا في النداء، وذلك قولك: "يا رجلاً"، و"يا غلامًا" فـ "غلامٌ"، و"رجلٌ" في هذا الموضع يُراد به الشائعُ؛ لأنّه لم يُوَجَّه الخطابُ نحوَهما مختصًّا بالنداء. ومثالُ ذلك الأَعْمَى يقول: "يا رجلاً خُذْ بيدي"، و"يا غلامًا أَجرني"، فلا يقصِد بذلك غلامًا بعينه، ولا رجلاً بعينه، فالنصبُ في هذه الأقسام الثلاثةِ من جهة واحدة، وأمّا قول الشاعر، وهو عبدُ يَغُوثَ [من الطويل]: فَيَا رَاكبًا إمّا عرضتَ فبَلِّغَنْ ... نَدامايَ من نَجْرانَ أنَ لا تَلاقِيَا (١) فالشاهد فيه نصبُ "راكب" لأنه منادى منكورٌ، إذ لم يقصِد قصدَ راكب بعينه، إنّما أراد راكبًا من الرُّكْبان، يُبلِّغ خبرَه، ولو أراد راكبًا بعينه لَبَناه على الضمّ، وإنّما قال هذا لأنّه كان أَسيرًا. * * * قال صاحب الكتاب: "وانتصابه محلاًّ إذا كان مفردًا معرفةً، كقولك: "يا زيدُ"، و"يا غلامُ"، و"يا أَيُّهَا الرجلُ" أو داخلة عليه لامُ الاستغاثة أو التعجبِ كقوله [من الخفيف]: ١٨٦ - يا لَعَطافِنا ويا لَرِياحِ ... [وأَبي الحَشْرَج الفَتَ النّفّاحِ]

стр. 314

وقولِهم: "يا للماء"، و"يا للدَّواهي" أو مندوبًا، كقولك: "يا زيدَاه"". * * * قال الشارح: وأمّا انتصابه محلاًّ فإذا كان المنادَى مفردًا معرفةً؛ فإئه يُبْنَى على الضمّ، ويكون موضعُه نصبًا، وذلك على ضربَيْن: أحدُهما ما كان معرفةً قبل النداء، والثاني ما كان متعرِّفًا في النداء، ولم يكن قبلُ كذلك، وذلك، نحو "يا زيدُ" و"يا رجلٌ"، فـ "رجلٌ" نكرةٌ في الأصل، وإنّما صار معرفةً في النداء. وذلك أنّك لما قصدتَ قَصْدَه، وأقبلتَ عليه، صار معرفةً، باختصاصك إيّاه بالخطاب دون غيره. قال الأعشى [من البسيط]: ١٨٧ - قالت هُرَيْرَةُ لما جئتُ زائرَها ... وَيْلِي عليك ووَيْلي منك يارَجُلُ لمّا أرادتْ رجلاً بعينه. بناه على الضمّ؛ وأمّا "يا زيدُ"، و"يا حَكَمُ"، فهي معارفُ أيضًا. فإن قيل: هل التعريف الذي في "يا زيدُ" و"يا حكمُ" في النداء تعريفُ العَلَميّة بقي على حاله بعد النداء كما كان قبلَ النداء، أم تعريفٌ حَدَثَ فيه غيرُ تعرِيف

стр. 315

العلمية (١)؟ فالجوابُ أنّ المعارف كلها إذا نُوديتْ تنكّرتْ، ثمّ تكون معارفَ بالنداء. هذا قولُ أبي العباس المبرّد. وقد خالَفَه أبو بكر بنُ السرّاج، أي: خِلافَ الصَّواب، وزعم أنّ قول أبي العبّاس فاسدٌ، قال: وذلك أنَّه قد وقع في الأسماء المفردةِ ما لا يشارِكه فيه غيرُه، نحو: "فَرَزْدَقٍ"، وزعم أنّ معنى تنكيرٍ اللفظ أن تجعله من أُمَّةٍ كلُّ واحد منهم له مثلُ اسمه. والقول ما قاله أبو العبّاس، وما أورده أبو بكر فغيرُ لازم, لأنّه ليس ممتنعًا أن يسمّي الرجلُ ابنَه، أو عبدَه الساعةَ فرزدقًا، فتحصل الشركةُ بالقُوّة والاستعدادِ. ونظيرُ ذلك أن الشمس والقمر من أسماء الأجناس، فتعرُّفُهما بالألف واللام، وإذا نزعناهما منهما، صارا نكرتَيْن، وإن لم يكن لهما شريكٌ في الوجود، فإنّما ذلك بالاستعداد, لأنه ليس مستحيلاً أن يخلُق اللهُ مثلهما. وإذا جاز ذلك في أسماء الأجناس، كان في الأعلام أَسْوَغَ، فصحَّ بما ذكرناه أنّك إذا ناديتَ العَلَمَ، تَنكَّر، ثمّ جُعل فيه تعريفٌ آخرُ قَصْديٌّ غيرُ التعريف الذي كان فيه، وصار ذلك كإضافة الأعلام، ومن المعلوم أنّك لمّا أضفتَها؛ فقد ابتززتَها تعريفَها، وحصل فيها تعريفُ الإضافة، وذلك نحو "زيدكم"، و"عمركم"، فكذلك ها هنا في النداء. وإن قيل إذا قلت: "يا زيدُ" و"يا خالدُ" أمبنىٌّ هو أم معربٌ (٢)؟ وهل الضمّةُ فيه حركةُ بناء أو حركةُ إعراب؟ فالجوابُ أنّه مبنيٌّ على الضمّ، والذي يدلّ على ذلك حذفُهم التنوينَ منه، ولو كان معربًا لَمَا حُذف التنوين منه، كما لم يُحْذَف من النكرة، نحوَ [من الطويل]: فيا راكبًا إمّا عرضتَ (٣) وممّا يدلّ أنّه غيرُ معرب أن موضعه نصبٌ، ألا ترى أنّ المضاف إذا وقع موقعَه، يكون منصوبًا، نحوَ: "يا عبدَ الله"، وأنّ نَعْتَ المفرد والمعطوفَ يجوز فيهما (٤) الرفعُ على اللفظ والنصبُ، نحو: "يا زيدُ الظريفُ، والظريفَ"، و"يا زيدُ، والحارثُ، والحارثَ". قال الشاعر [من الوافر]: ١٨٨ - ألا يا قَيْسُ والضَّحّاكُ سِيرَا ... فقَدْ (٥) جاوزتُما خَمَرَ الطريقِ

стр. 316

يُروى برفع "الضحّاك" ونصبه، ولولا أنّ موضعه نصبٌ، لَمَا جاز النصبُ في نَعْته وما عُطف عليه. وذلك أنّ العامل إذا عمِل من رفعٍ، أو نصب، أو جرٍّ، لم يكن لذلك الاسم موضعٌ سِوَى ما ظهر، ألا ترى أنّ المضاف لمّا لم يكَن له موضعٌ سوى ما هو عليه، لم يجز في نعته غيرُ النصب، فبَانَ بذلك أنّه مبنيٌّ مضمومٌ. وقد ذهب قومٌ إلى أنّه بين المعرب والمبني، والمذهبُ الأوّلُ، إلا أنّ حركتَه، وإن كانت حركةَ بناء، إلّا أنها مشبَّهةٌ بحركةِ الإعراب من أجلِ أنّ كلّ اسم متمكِّن يقع في هذا الموضع يُضَمّ، فأشبه من أجلِ ذلك المرفوعَ بـ "قَامَ" ونحوِه من الأفعال، لأنّ كلَّ اسم متمكِّن يُسْنَد إليه الفعلُ، فهو مرفوعٌ، ولذلك حسن أن يتبعه النعتُ على اللفظ، فتقولَ: "يا زيدُ الطويلُ"، كما تقول: "قام زيدٌ الطويلُ". فإن قيل: فلِمَ بُني وحقُّ الأسماء أن تكون معربةً؟ فالجوابُ أنّه إنّما بُني لوقوعه موقعَ غير المتمكِّن، ألا ترى أنّه وقع موقعَ المضمر، والمتمكّنةُ من الأسماء إنّما جُعلت للغَيْبة، فلا تقول: "قام زيدٌ" وأنتَ تُحدِّثه عن نفسه، إنّما إذا أردتَ أن تُحدِّثه عن نفسه فتأتي بضميره، فتقول: "قُمْتَ". والنداءُ حالُ خِطابٍ، والمنادَى مخاطَبٌ، فالقياسُ في قولك: "يا زيدُ" أن تقول: "يا أنتَ" والدليلُ على ذلك أن من العرب من ينادِي صاحبَه إذا كان مُقْبِلاً عليه، وممّا لا يلتبِس نداؤه بالمكْني فيُناديه بالمكني على الأصل، فيقول: "يا أنت". قال الشاعر [من الرجز]: يا مُرَّ ابنَ واقعٍ يا أَنْتَا ... أنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعْتَا (١)

стр. 317

غيرَ أنّ المنادى قد يكون بعيدًا منك، أو غافلاً، فإذا ناديتَه بـ "أنتَ" أو "إياك"، لم يعلم أنّك تخاطِبه، أو تخاطب غيرَه، فجئتَ بالاسم الذي يُخصّه دون غيره، وهو "زيدٌ"، فوقع ذلك الاسم موقعَ المكني، فتبنيه لِما صار إليه من مشاركةِ المكني الذي يجب بناؤه. فإن قيل: فالمنادى المنكور والمضافُ قد وقعا الموقعَ الذي ذكرتَه من حيثُ أنّهما مخاطَبان، فالجوابُ عنه من وجهَيْن: أحدُهما: أنّ المنادى المفرد المعرفةَ إنّما بُني مع وُقوعه الموقع الذي وصفناه، لأنّه في التقدير بمنزلةِ "أنتَ"، و"أنتَ" لا يكون إلّا معرفةً غيرَ مضاف، فخرج المنكورُ، إذ كان مخالِفًا لـ "أنتَ" من جهةِ التنكير، والمضافُ, لأنّ "أنتَ" غير مضاف، فلم يُبْنَ لذلك مع تمكُّنه بالإضافة. والوجه الثاني: أنّ المفرد يُؤثِّر فيه النداءُ ما لم يؤثر في المضاف والنكرةِ، فالمضافُ معرفةٌ بالمضاف إليه، كما كان قبل النداء، والنكرةُ في حال النداء كما كانت قبل ذلك و"زيدٌ"، وما أشبَهه في حال النداء معرفة بالإشارة، والإقبالِ عليه منتقلٌ عنه ما كان فيه قبل ذلك من التعريف، فلمّا لم يؤثر النداءُ في معناه لم يؤثّر في بنائه. فإن قيل: فلِمَ بُني على حركة؟ ولِمَ كانت حركتُه ضمّةً؟ فالجوابُ: أمّا تحريكُه، فلأنّ له أصلاً في التمكن، فوجب أنّ يُميز عن ما بُني، ولا أصلَ له في التمكّن، فبُني على حركةٍ تمييزًا له عن مثلِ "مَنْ" و"كَمْ" وغيرهما ممّا لم يكن له سابِقةُ إعراب، وخُصّ بضمّ لوجهَيْن: أحدُهما: شبَهُه بالغايات، نحو: "قَبْلُ"، "وبَعْدُ"، ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ المنادى إذا أضيف، أو نُكّر، أُعرب؛ وإذا أُفرد بُني كما أنّ "قبل"، و"بعد" تُعْرَبان مضافتَيْن ومنكورتَيْن، وتُبْنَيان في غيرِ ذلك فكما بُني "قبل" و"بعد" على الضمّ كذلك المنادى المفرد يُبْنَى على الضمّ. والثاني: أنّ المنادى إذا كان مضافًا إلى مُنادِيه، كان الاختيارُ حذفَ ياء الإضافة والاكتفاءَ بالكسر منها، وإذا كان مضافًا إلى غائب، كان منصوبًا، وكذلك إذا كان منكورًا. فلمّا كان الفتحُ والكسرُ في غير حال البناء، وبُني، جُعل له في حال البناء من الحركات ما لم يكن له في غير حال بنائه، وهو الضمُّ، فذلك علّةُ بنائه على الضمّ. وانتصابه محلاًّ قولُهم: "يا أيُّها الرجلُ" فـ "أي" منادى مبهمٌ مبنيٌّ على الضمّ لكونه مقصودًا مشارًا إليه بمنزلةِ "يا رجلُ"، و"هَا" تنبيهٌ، و"الرجلُ" نَعْتٌ. والغرضُ نداءُ الرجل، وإنّما كرِهوا إيلاء أداةِ النداء ما فيه الألفُ واللامُ، فأتوا بـ "أي" وُصْلةً إلى نداء ما فيه الألفُ واللامُ، فصار "أيُّ" و"هَا" وصفتُه بمنزلةِ اسم واحد، ولذلك كانت صفةً لازمةً.

стр. 318

وكان الأخفش يذهب إلى أنّ "أَيًّا" من قولك: "يا أيها الرجل" موصولةٌ، وأنّ "الرجل" بعدها صلتُها، قال: لأنّ "أَيًّا" لا تكون اسمًا في غير الاستفهام والجزاءِ إلّا بِصِلةٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، لأنه لو كان الأمرُ على ما ذكر؛ لَمَا جاز ضمُّه؛ لأنَّه لا يُبْنَى في النداء ما كان موصولاً، ألا ترى أنّه لا يقال: "يا خيرُ من زيد" بالضمّ، إنّما تقول: "يا خيرًا من زيد" بالنصب, لأن "من زيد" من تمامِ "خير"، فكذلك "الرجلُ" من تمامِ "أَيّ". واعلم أنّ حقيقةَ هذا النعت، وما كان مثلَه في نحو: "هذا الرجلُ" إنّما هو عطفُ بيان، وقولُ النحويين إِنه نعتٌ تقريبٌ، وذلك لأن النعت تَحْلِيَةُ الموصوف بمعنى فيه، أو في شيء من سَبَبه، وهذه أجناسٌ، فهي شرحٌ، وبيانٌ للأوّل كالبَدَل، والتأكيدِ، فلذلك كان عطفَ بيان، ولم يكن نعتًا. وممّا هو منصوبٌ في التقدير والموضعِ، وإن لم يكن لفظُه منصوبًا، ما دخل عليه لامُ الاستغاثة، نحو: "يا لزيدٍ"، إذا استغثتَ به لغيره، ودعوتَه لنُصْرته، وحقٌّ هذه اللام أنّ تكون مكسورةً لأنّها لامُ الإضافة، ولامُ الإضافة تكون مكسورةً مع الظاهر، نحوَ قولك: "المالُ لزيد"، غيرَ أنّه وقعت هذه اللامُ لمعنيَيْن: أحدُهما المستغاثُ به، والآخرُ المستغاثُ من أجله، فلم يكن بُدٌّ من التفْرِقة بينهما، ففُتحت لامُ المستغاث به، وتُركت لامُ المستغاث من أجله مكسورةً بحالها للفرق، فإذا قلت: "يا لَزيد" بالفتح، عُلم أنّه مستغاثٌ به، وإذا قلت: "يا لِزيد" بالكسر، عُلم أنه مستغاثٌ من أجله. قال الشاعر [من الوافر]: ١٨٩ - تَكَنَّفَنِي الوُشاةُ فأَزْعَجُوني ... فَيَا لَلنَّاسِ لِلواشِي المُطاعِ

стр. 319

فتح اللامَ الأوُلى من "الناس"، لأنّهم مستغاث بهم، وكسر الثانية لأنّه مستغاثٌ من أجله. ومنه ما يُرْوَى أنّ عمر بن الخطّاب، ﵁، لمّا ضربه العَلْجُ قال: "يا لَلَّهِ لِلمسلمين". وموضعُ هذه اللام المفتوحة نصبٌ، والعاملُ فيها العاملُ في المنادَى المضافِ النصبَ، وهو ما ينوب عنه حرفُ النداء من الفعل، فإذا قال: "يا لِزيد"، فكأنّه قال: أدعوكم لِزيد، وكانت (١) اللامُ المكسورةُ مفعولاً ثانيًا، وأمّا قوله [من الخفيف]: يا لَعَطّافِنا ويا لَرِياحِ فهو إشارةٌ إلى قول الشاعر، وهما من أبيات الكتاب: يا لَقَوْمِي مَنْ لِلعُلا والمَساعِي ... يا لَقَوْمي مَن للنَّدَى والسَّماح يا لَعَطافِنا ويا لَرِياحِ ... وأبي الحَشْرَجِ الفَتَى النَفّاحِ (٢) يَرْثِي رجالاً من قومه، هذه أسماؤُهم، يقول لم يَبْقَ: للعُلا والمساعي مَن يقوم بهما بعدَهم. والنَّفّاح: الكثيرُ العَطاءِ، ويُروى الوَضاح من الوَضَح، وهو البَياض، كأنّه أبيضُ الوجهِ لكَرَمِه. وأمّا دخول اللام للتعجّب، فنحو قولهم: "يا لَلماء"، كأنّهم رأوا عَجَبًا وماء كثيرًا، فقالوا: "تَعالَ يا عجبُ ويا ماءٌ فإنّه من إبّانك ووَقْتِك". وقالوا: "يا لَلدواهِي"، أي: تَعالَيْنَ، فإنّه لا يُستنكر لكُن لأنّه من أحْيانِكنّ، وكلُّ قولهم هذا في معنَى التعجّب والاستغاثةِ، ومثلُه قول الشاعر [من الطويل]: ١٩٠ - لَخُطّابُ لَيْلَى يا لَبُرْثُنَ مِنْكُمُ ... أَدَلُّ وأَمْضَى من سُلَيْكِ المَقانِبِ

стр. 320

كأنّه رأى عجبًا من كثرةِ خُطّاب لَيْلَى، وإفسادها عليه، فقال: "يا لبرثن" على سبيلِ التعجّب، أي: مثلُكم من يُدْعَى للعظَيم. وقال الخليل (١): هذه اللامُ بدلٌ من الزيادة اللاحِقةِ في النُّدْبة آخِرَ الاسم من نحوِ "يا زيدَاهْ"، ولذلك تتعاقبان، فلا تدخل اللامُ مع ألفِ النُّدْبة، ومَجْراهما واحدٌ، لأنّك لا تدعو أحدًا منهما ليستجيبَ في الحال كما في النداء. وقال الفراء: أصلُ "يا لفلانٍ": "يا آلَ فلانٍ"، وإنّما خُفّف بالحذف، وهو ضعيفٌ، لأن "الآل" و"الأَهْلَ" واحدٌ، فلو كان الأصلُ ما ذكره، لجاز أن يقع موقعه الأهلُ في بعضِ الاستعمال، ولم يَرِدْ ذلك، فاعرفه. ومن ذلك قولهم في الندبة: "وَا زيداهْ"، و"وَا عمراهْ" موضعُه نصبٌ، وهو في تقدير مضموم حيث كان معرفةً مفردًا. وإنّما فُتح آخِره لمجاورة ألف الندبة كما يُكْسَر لمجاورةِ ياء الإضافة في قولكم: "يا زيدِي"، وسيوضَح ذلك في موضعه.
следующие страницы →