← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 133363

نقد «نصوص حديثية في الثقافة العامة»

ناصر الدين الألباني

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

أخاه بما يكره، فقال رجل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». أخرجه أبو داود والترمذي». قلت: هو في "صحيح مسلم" في «البر والصلة والآداب» (٧/ ٢١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة به. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٧/١٠ - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) عن المطلب بن عبد الله بن خطب المخزومي مرسلًا. وبهذه المناسبة لا بد من التنبيه على خطيئة فاحشة، وقعت للمحقق المذكور في تخريجه لأثر ذكره الإمام مالك في الباب الذي قبل باب هذا الحديث، فقد جاء فيه: «مالك أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ... » الخ، فجاء تحته في التخريج المشار إليه ما نصه: «مرسل. وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة. أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم الغيبة، حديث ٧٠». ولما رجعت إلى الحديث الذي أشار إليه والباب، تبين أنه يعني حديث أبي هريرة هذا في الغيبة، وليس له أية صلة بقول عيسى ﵇ الذي ذكره مالك ﵀ بلاغًا. فكيف وقعت هذه الخطيئة؟ يبدو -والله أعلم- أن المحقق محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ كان ربط ورقة هذا التخريج بحديث المطلب الذي رواه مالك عنه مرسلًا كما ذكرنا، ليطبع تحته، فأخطأ الطابع فطبعه تحت قول عيسى ﵇، ثم انطلى ذلك على المصحح، ولا أستبعد

стр. 37

أن يكون هو المحقق نفسه، لأنه ليس من العلماء بالحديث ولا حفظ عنده فيه ولا عناية له به. وإنما هو مفهرس فقط، وليس كل من قال «أخرج فلان» أو «روى فلان» صار من أهل الحديث! وأما السبب في اكتشاف هذه الخطيئة، فله قصة مضحكة مبكية، يحسن ذكرها لما فيها من عبرة: منذ بضع سنين جاءني أحد الخطباء في بعض مساجد دمشق ومن الوعاظ المتجولين، فذكر لي أنه ألف كتابًا، أورد فيه أحاديث انتقاها من كتب السنة، وأنه طلب من بعض الأغنياء المحسنين أن يساعده على طبع الكتاب، قال: فقال له ذلك المحسن: إذا كان الأستاذ ناصر الدين الألباني يوافق على طبعه فأنا أساعدك على ذلك. ثم طلب موافقتي، فأبيت حتى أطلع على الكتاب، فأرسله إلي. فلما تصفحته، وجدت فيه أشياء عجيبة مستنكرة، من ذلك أنه عزى قول عيسى هذا ﵇ الذي رواه مالك بلاغًا إلى صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: قال عيسى ... ! ! فلما رأيت هذا عجبت منه أشد العجب لتيقني بأن مثل هذا الحديث لا أصل له في "صحيح مسلم"، ولا في غيره من الكتب الستة اللهم إلا الجملة الأولى منه، فهي عند الترمذي من حديث ابن عمر بسند ضعيف كما بينته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٩٢٤) أو ما بعده. فاتصلت به هاتفيًّا، وذكرت له رأيي في الكتاب، وما فيه من مآخذ وأخطاء، أشدها هذا العزو، ثم قلت له: فمن أين لك هذا، فسكت برهة، ثم قال: اصبر قليلًا حتى آتي بالكتاب، ثم هتف إلي

стр. 38

قائلًا -ويا لهول ما قال-: إن الإمام مالك هو الذي عزى الحديث لمسلم في كتاب البر والصلة ... الخ! ! فقلت: ما هذا أيها الشيخ! ألا تعلم أن بين مسلم ومالك مفاوز، وأن مسلمًا متأخر عن مالك، فإن من شيوخ مسلم الإمام أحمد، ومن شيوخ هذا الإمام الشافعي، ومن شيوخ الشافعي مالك، فكيف يعزو مالك الحديث إلى مسلم، وهو قد مات قبله بسنين؟ ! ثم سكت متحيرًا، وتكلم بكلمات فهمت منها أن مالكًا قال ذلك في كتابه "الموطأ"! فقلت: هذا مستحيل، وسأدرس الموضوع، وأبين لك الحقيقة إن شاء الله تعالى. فعدت إلى المكتبة الظاهرية، وراجعت "الموطأ" بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، فكان ذلك هو السبب لاكتشاف تلك الخطيئة الفاحشة التي أنبتت أفحش منها، بسبب جهل الناس بالحديث وقلة عنايتهم به حتى في المدارس الشرعية والكليات. والله المستعان. الحديث الثالث (ص ٣١): «عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فهما في النار ... أخرجه النسائي». قلت: قد أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة ﵁، فكان الواجب أن يعزو إليهما، ويذكره بلفظهما وهو قريب من هذا لا سيما وهو عند النسائي في «تحريم الدم» من طرق عن الحسن عن أبي موسى، والحسن هو البصري وهو مدلس عن الصحابة، وقد عنعنه في

стр. 39

جميع الطرق عنه، بل قال البزار وقد ذكر جماعة من الصحابة روى عنهم الحسن ولم يسمع منهم: «وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبو موسى إنما كان بالبصرة أيام عمر، فلا أحسبه سمع منه». وأما الشيخان: فقد أخرجاه من طرق عن الحسن أيضًا عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة. وتابعه ربعي بن حراش عن أبي بكرة. عند مسلم والنسائي. فتأمل كيف آثر المصنف الطريق الغريبة المعلولة، وأعرض عن الطريق الصحيحة السليمة من العلة، مع المتابعة، وإخراج الشيخين لها! ! الحديث الرابع: (ص ٣٢) «عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». أخرجه أبو داود والنسائي». قلت: هذا عند البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ومن حديث ابن عمر أيضًا، ومن الغريب أن المصنف أورده بعد هذا في خطبة الوداع معزوًّا إليهما! وأخرجه البخاري أيضًا من حديث ابن عباس وأبي بكرة الثقفي. الحديث الخامس: (ص ٦٨) «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق، وحتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل. أخرجه أحمد في "المسند" والحاكم في "المستدرك"».

стр. 40

قلت: كذا وقع في الأصل، لم يذكر صحابي الحديث، وهو أبو هريرة ﵁. ولفظ الحديث لأحمد (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١)، وليس للحاكم منه إلا الجملة الأولى، وقال (٤/ ٤٧٧) «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. ولقد وهم الحاكم ثم الذهبي في استدراكه على مسلم، ووهم المصنف أشد، فإنه إذا استجاز عزو الحديث كله للحاكم أيضًا، وليس له منه إلا ما ذكرنا، فكان يلزم أن يعزوه لمسلم أيضًا، بل هو بذلك أولى على طريقته! فقد أخرج مسلم الشطر الأول منه في «الزكاة» (٣/ ٨٤) ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا». وأخرج الشطر الأخير منه في «الفتن» (٨/ ١٧٠ - ١٧١). «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا ... ». والحديثان عند مسلم من نفس الطريق الذي عند أحمد والحاكم، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. والحديث الأول عند مسلم هكذا: «حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن القاري عن سهيل» به. وبهذا السند عينه أخرج الحديث الثاني، وجمعهما الإمام أحمد في سياق واحد بسند مسلم المذكور وجعل الثاني تمام الأول، فقال (٢/ ٤١٧): «ثنا قتيبة بن سعيد ... » فذكره. إذا عرفت ما تقدم فالصواب في تخريج الحديث أن يقال ما مثاله: أخرجه الإمام أحمد بتمامه، ومسلم دون الجملة الوسطى، واستدرك عليه الحاكم الجملة الأولى فوهم!

стр. 41

الحديث السادس: (ص ١١) «عن قيس بن عباد ﵁ قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي بن أبي طالب فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه ... . أخرجه أبو داود والنسائي». قلت: هذا الحديث في "الصحيحين" وغيرهما من طرق عن علي ﵁ بألفاظ مختلفة، وفوائد جمة، يزيد بعضها على بعض، والمصنف ترجم له بقوله «تدوين الحديث في العصر النبوي»، وهذا القدر منه الدال على هذا المعنى مخرج في "صحيح مسلم" من طريقين: الأولى: عن أبي الطفيل قال: «سئل علي: أخصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله ... ». أخرجه في «الأضاحي». الأخرى: عن إبراهيم التميمي عن أبيه قال: «خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي ﷺ : المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا ... » الحديث.

стр. 42

أخرجه في «العتق» وهو عند البخاري أيضًا في «الفرائض» لكن ليس فيه ذكر القراب إلا أن موضع الشاهد منه موجود عنده أيضًا. الحديث السابع: (ص ٦٤): «عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ... ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة ... ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحان ... ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ... ومثل جليس الصالح كمثل صاحب المسك ... ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير ... . أخرجه أبو داود». قلت: هذا في "الصحيحين" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مفرقًا، فالأمثلة الأربعة المتعلقة بقراءة القرآن، في حديث عند البخاري في «الأطعمة» و «فضائل القرآن» و «التوحيد» وعند مسلم في «المسافرين» كلاهما من طريق قتادة قال: حدثنا أنس عن أبي موسى فكأنه سقط من رواية أبي داود ذكر أبي موسى، فإنه عنده من هذا الوجه: قتادة عن أنس. وأخرجه في رواية أخرى مثل رواية الشيخين. والمثلان الآخران في حديث آخر، ومن طريق أخرى عن أبي موسى. أخرجه البخاري في «البيوع» و «الذبائح»، ومسلم في «البر والصلة». الحديث الثامن: (ص ٦٩) «عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 43

من قال حين يصبح أو حين يمسى: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ... دخل الجنة. أخرجه أبو داود». قلت: هذا في "صحيح البخاري" من حديث شداد بن أوس مرفوعًا به وزاد في أول الدعاء: «سيد الاستغفار: اللهم ... » فلو آثره المصنف لكان أصاب مرتين: الأولى لأنه أصح، والأخرى لأن فيه الزيادة! ٤ - عزوه الحديث إلى غير مخرجه، وإلى من غيره أولى بالعزو منه من غير الستة، وإلى غير صحابيه، وضمه إليه زيادة من مصدر غير موثوق فهذه أربعة مؤاخذات: ف مثال الأولى: (ص ٢٢): «عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًّا وهديًا برسول الله ﷺ في قيامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها، وقبلته، وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي ﷺ دخلت فاطمة فأكبت عليه، فقبلته، ثم رفعت رأسها، فبكت ثم أكبت عليه، ثم رفعت رأسها، فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن هذه من أعقل نسائنا، فإذا هي من النساء، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لها: أرأيت حين أكببت على رسول الله ﷺ ، فرفعت رأسك فبكيت، ثم أكببت عليه، فرفعت رأسك فضحكت، ما حملك على ذلك؟ قالت: إني إذن لبذرة، أخبرني أنه ميت من وجعه هذا، فبكيت، ثم أخبرني أني

стр. 44

أسرع أهله لحوقًا به، فذاك حين ضحكت. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي». قلت: هذا الحديث لا يصح عزوه إلا للترمذي وحده فهو الذي أخرجه بهذا التمام في «المناقب» وقال: «حديث حسن غريب»، وأما أبو داود فإنما أخرج منه قصة القيام والتقبيل فقط، وهذا ما لم يخرجه الشيخان أصلًا، وإنما أخرجا بإسناد آخر آخره في بكاء فاطمة وضحكها ﵍. وثمة مثال آخر حديث عزاه لأبي داود ولا أصل له عنده ثم هو ضعيف جدًّا، تقدم في الفصل الأول (الحديث الثالث والعشرين). ومثال ثالث، وهو قوله (ص ٤٤): «عن عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع خسيسته، وأنا كارهة، قالت اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. أخرجه النسائي». قلت: الحديث عند النسائي في «كتاب النكاح» (٢/ ٧٨) بهذا السياق إلا الجملة الأخيرة منه فإنها بلفظ: «ولكن أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء». وإنما أخرجه بلفظ الكتاب أحمد (٦/ ١٣٦) والدارقطني (٣٨٦) وكذا ابن ماجه (١٨٧٤)، إلا أنه جعله من حديث بريدة. وأخرجه بلفظ النسائي الدارقطني (٣٨٦) والبيهقي (٧/ ١١٨) وزاد في آخره: «أم لا؟ ».

стр. 45

ثم الحديث ضعيف الإسناد، لأنه من رواية كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة. قال الدارقطني والبيهقي عقبه: «وهذا مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة ﵂». وكل الرواة عن كهمس قالوا: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، سوى وكيع فقال: عن ابن بريدة عن أبيه قال: فذكره. أخرجه ابن ماجه قال: حدثنا هناد بن السري ثنا وكيع به. وهذا خطأ من هناد فقد قال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة. وهذا هو الصواب: أن الحديث عن عائشة لموافقة هذه الرواية عن وكيع لرواية الجماعة عن كهمس. و مثال المؤاخذة الثانية: (ص ١٦) «عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أعطى زكاة ماله مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء. أخرجه رزين». قلت: هو رزين بن معاوية أبو الحسن العبدري الأندلسي السرقسطي المتوفى سنة (٥٣٥) صنف "تجريد الصحاح والسنن" وهو المراد عند نسبة الحديث إليه، وهو غير معروف اليوم، وإنما يعزو إليه المصنف وغيره بواسطة كتاب آخر، مثل "جامع الأصول" لابن الأثير و"المشكاة" وغيره. ويبدو مما ينقل العلماء عنه أنه وقع في كتابه كثير من الأحاديث والزيادة في المتون مما لا أصل له عند أحد من أئمة الحديث فضلًا عن الكتب الستة، من ذلك حديث صلاة الرغائب، ومنها حديث آخر في فضل الفقيه، بينت وضعه في تعليقي على "المشكاة" (١/ ٨٤/٢٥١) فراجعه إن شئت.

стр. 46

من أجل ذلك فلا غناء ولا فائدة من عزو الحديث إلى رزين، لا سيما إذا كان الحديث المنسوب إليه هو في بعض الأصول الستة، كهذا الحديث، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وكذا الدارمي والحاكم وأحمد وغيرهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة. وإسناده حسن، وصححه الحاكم والذهبي. وجعله من حديث معاذ بن جبل وهم من المصنف أو رزين. وهذا يصلح مثالًا آخر من الأمثلة الكثيرة على أن المصنف لم يجمع هذه الأحاديث من الكتب الستة، بل من غيرها من التي تنقل عنها! و مثال المؤاخذة الثالثة وهو عزو الحديث إلى غير صحابيه، فهو قوله: «عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله ﵎ علي روحي حتى أرد ﵇. أخرجه أبو داود». قلت: وهذا عند أبي داود في آخر كتاب «الحج» من حديث أبي هريرة، لا من حديث أنس! ولا أصل له عنه فيما نعلم، وفي ثبوت الحديث خلاف، والراجح عندنا أنه حسن الإسناد. والله اعلم. و مثال المؤاخذة الرابعة قوله (ص ٥٠): «عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جويرية سوداء، فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا، فقالت: نذرت، وجعلت تضرب (زاد رزين: وتقول: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

стр. 47

ثم اتفقا) فدخل أبو بكر وهي تضرب ... . أخرجه الترمذي. قلت: وهذه الزيادة تفرد رزين بذكرها في هذا الحديث، ولا أصل لها في شيء من طرق الحديث فيما نعلم، فقد أخرجه بدونهما الترمذي كما علمت، وكذلك أخرجها أحمد وغيره عن بريدة بإسناد جيد، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده دون هذه الزيادة ودون ما بعدها. أخرجه أبو داود وقد ذكره المصنف بعد هذا. وقد عرفت شيئًا من حال رزين في مثال المؤاخذة الثانية. نعم رويت هذه الزيادة في حديث آخر، لا علاقة لها بهذه القصة بلفظ: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولدان يقلن: طلع البدر علينا ... ». رواه أبو الحسن الخلعي في "الفوائد" (٥٩/ ٢). إلا أن إسناده معضل لا يصح، وفي معناه نظر، وليس هذا محل بيان ذلك، وإنما هو في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٥٩٠) وسينشر في مجلة "التمدن الإسلامي" في بعض أعداد السنة الآتية إن شاء الله تعالى. فمن العجائب أن يستدل به بعض المشايخ على إباحة الدف في مجالس الذكر (١) مع أنه ليس فيه ذكر للدف أصلًا ولا هو في الذكر، وإنما هو في اللهو المباح، هذا لو صح الحديث! ٥ - ترجمته للحديث بما لا يدل عليه . أولًا - قال (ص ٧): «الصحابة خيرة الله من الناس» . ثم ذكر حديث «خير الناس قرني ... ». وأقول: الحديث أخص من الدعوى، والترجمة أهم، حتى ليدخل فيها الأنبياء فإنهم من الناس. فهل الصحابة أفضل منهم عند المصنف! أم هو العي والقصور في التعبير؟ !

стр. 48

ثانيًا - قال (ص ٨): «الأجرة على التعليم» . ثم ذكر حديث «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله». قلت: الصواب في الحديث أنه في أخذ الأجر على الرقية بالقرآن كما ذهب إلى ذلك الحنفية، لا على تلاوته، ولا على تعليمه، وذلك للأمرين: الأول: أن النبي ﷺ قال الحديث بمناسبة الرهط الذين أخذوا شاة على الرقية ثم كرهوا ذلك فقال لهم ﵇ هذا الحديث. ولو أن المصنف ساق الحديث كما ورد في سببه لكان أصاب. فأستدرك ذلك عليه فأقول: قال ابن عباس: إن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء. فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حق قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ إن أحق ... » الحديث. والآخر: أن هناك أحاديث عديدة صحيحة تنافي ما ترجم به المصنف للحديث، فإن لم يحمل على الرقية تعارض مع تلك الأحاديث وهذا مما لا يجوز عند أهل العلم، وقد جمعت طائفة طيبة من هذه الأحاديث وخرجتها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٥٦ - ٢٦٠) فأجتزئ هنا بذكر اثنين منها مع الإيجاز في التخريج فأقول: الأول: عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ على تعليم القرآن قوسًا، قلده الله قوسًا من نار يوم القيامة».

стр. 49

أخرجه أبو محمد المخلدي في "الفوائد" والبيهقي بسند جيد كما قال ابن التركماني. الحديث الثاني: عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه». أخرجه أحمد والطحاوي وغيرهما بسند قوي كما قال الحافظ في "الفتح". ثالثًا - قال (ص ١٢): «الذنب المضاعف عقابه الموت» . ثم ذكر حديث البراء في ضرب عنق الذي عرس بامرأة أبيه. والقول في هذا كالقول في المثال الأول فإن الترجمة أعم من الحديث، وهي توهم أن كل من ارتكب ذنبًا مضاعفًا فعقابه الموت، فقد صح مثلًا عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره». فهل يقول المصنف بأن الزاني بحليلة جاره عقابه الموت ولو كان غير محصن؟ ! ومثله: رابعًا - قال (ص ١٧): «ليس الحرام بدواء، ولكنه داء» . ثم ذكر حديث الخمر: «إنه ليس بدواء ولكنه داء». فهذا كما ترى خاص بالخمر فلا يجوز تعديته إلى سائر الأدوية المحرمة كالبنج مثلًا. خامسًا - قال (ص ٢٢): «كان رسول الله ﷺ إذا دخلت عليه فاطمة قام لها وقبلها» . ثم ساق حديث عائشة «أن فاطمة كانت إذا دخلت على النبي قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها ... » فذكره مثله وقد مضى بتمامه ص ٤٤ من رواية الترمذي.

стр. 50

قلت: فهذه الترجمة خطأ كما يظهر بأدنى تأمل، ذلك لأن الحديث يقول: «قام إليها»، ولم يقل: «قام لها» كما في الترجمة، والقيام إلى الشخص معناه الذهاب عنده والانتهاء إليه، بخلاف «القيام له» فهذا لا يستلزم سوى القيام، ورواية أبي داود أصرح في الدلالة على هذا المعنى، ولفظها: «كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبلته، وأجلسته في مجلسها». فهذا صريح في أن القيام منه ﷺ إليها، إنما هو الذهاب إليها لاستقبالها، بدليل أخذه بيدها، وتقبيله إياها ﵂، والقيام للاستقبال مشروع لا نزاع فيه لهذا الحديث وغيره مما في معناه، بخلاف القيام الذي اعتاده الناس اليوم فإنه مكروه بدليل قول أنس ﵁ «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا لا يقومون له، لما يعلمون كراهيته لذلك». رواه البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح على شرط مسلم. فالذي كانت السيدة فاطمة تصنعه له ﷺ وهو القيام إليه ﷺ ، هو غير الذي كان ﷺ يكرهه وهو القيام له، كما هو ظاهر، فلا اختلاف بين الحديثين، والحمد لله. وإذا عرف هذا تبين أنه لا اختلاف أيضًا بين حديث أنس هذا وبين قوله ﷺ في حديث البخاري: «قوموا إلى سيدكم»، لأنه ليس أمرًا بالقيام المكروه، بل هو أمر بالقيام إلى السيد والذهاب إليه، فهو مثل قيام فاطمة إليه ﷺ ، على أنه قد جاء التصريح بذلك في هذا الحديث في رواية ثابتة بلفظ «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه». انظر إن شئت الكلام عليه في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ٦٦).

стр. 51

وخلاصة القول أن ترجمة المصنف للحديث بأن الرسول ﷺ كان إذا دخلت عليه فاطمة قام لها، خطأ واضح، نتج من عدم التأمل في النص وسياقه، ومن عدم الانتباه للفرق بين «قام لفلان» و «قام إلى فلان» في الأسلوب العربي، وعدم استحضار الأحاديث الواردة في الباب التي تساعد الباحث على اجتناب مثل هذا الخطأ. والعصمة لله وحده. سادسًا - قال (ص ٢٤): «استوفت النصوص كل حكم إلى يوم القيامة» . ثم ساق تحته حديث أبي سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به ... ». وذكر أحاديث أخرى بمعناه. قلت: لا أدري كيف يفهم المصنف من هذا الحديث وما في معناه هذا المعنى الواسع الشامل، من مثل هذه الأحاديث وهي خاصة بأشراط الساعة وما يكون من الحوادث العظام إلى يوم القيامة، وهل يعقل أن يذكر النبي ﷺ جميع نصوص الشريعة المستوعبة لكل الأحكام في مجلس واحد مهما طال هذا المجلس؟ وإذا قيل بإمكان ذلك على سبيل خرق العادة له ﷺ ، فهل يمكن لعقل بشري أن يستوعب ذلك كله ويعيه؟ ! سابعًا - قال (ص ٢٧): «للعامل في الدولة زوجة وخادم ومسكن ... ». ثم ذكر تحته حديث «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، وإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا ... ». قلت: الظاهر أن المصنف أراد بـ (العامل في الدولة) الموظف فيها أي موظف كان. و (العامل) بهذا المعنى مما لا نعرفه في اللغة، وإنما جاء فيها على ثلاثة معان:

стр. 52

الأول: الخليفة، كما في الحديث «ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤنة عاملي صدقة»، قال في "النهاية" و"اللسان": «أراد بـ (عاملي) الخليفة بعده». الثاني: الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله. ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: عامل. وهو المعني في آية الصدقات ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، وهم الجباة. الثالث: الوالي الذي ينصبه السلطان على بعض البلاد. جاء في "اللسان": «واستعمل فلان إذا ولي عملًا من أعمال السلطان». والمراد من الحديث المعنى الثاني كما يبدو من تبويب أبي داود عليه بقوله «باب في أرزاق العمال» والأحاديث التي أوردها فيه كهذا الحديث. وحديث بريدة مرفوعًا بلفظ «من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول». وعلى هذا المعنى جرى الإمام الخطابي في شرحه للحديث في كتابه "معالم السنن" (٤/ ٢٠١)، فمن شاء فليراجعه. قلت: وكأن في حديث بريدة الإشارة إلى السر في تخصيص هذا الحكم بالعمال الذي وظيفتهم جباية الصدقات من أصحابها، ألا وهو إغناؤهم عما هم بحاجة إليه من الزوجة والخادم، وإعانتهم على أداء ما بأيديهم من الأموال موفورة كاملة. والله اعلم. ثامنًا - ثم قال (ص ٥٠): «ضرب الدف والغناء بين يدي رسول الله» . ثم ذكر حديث بريدة الذي تكلمنا على الزيادة التي زادها رزين فيما تقدم (ص ٤٧)، وفيه إذن الرسول ﷺ للمرأة التي كانت نذرت إن رد الله نبيه سالمًا أن تضرب بين يديه بالدف وتغني، فأذن ﷺ لها.

стр. 53

فهذا خاص بضرب الدف والغناء بهذه الحال التي لن تتكرر، والترجمة أعم، فيخشى أن يتشبث بها بعض ذوي الأهواء، فيستدلون بها على الجواز مطلقًا فيضلون. وراجع "معالم السنن" (٤/ ٣٨٢). تاسعًا - قال (ص ٥٢): «فضول الأموال حق للغير» . وذكر تحته حديث «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ... ». وهو مع كونه حديثًا منكرًا ضعيف الإسناد كما سبق بيانه (ص ٢٥) فلا يدل أن ما سوى الخصال المذكورة فيه من المال حق للغير تجب له، قال القاضي: «وأراد بالحق ما وجب له من الله من غير تبعة في الآخرة ولا سؤال عنه، لأن هذه الخصال من الحقوق التي لا بد للنفس منها، وما سواها فمن الحظوظ المسئول عنها». وإذا كان فضيلة الشيخ يرى ما ترجم به للحديث صوابًا، فهل قام هو نفسه بتحقيق هذا الحق للغير؟ ! عاشرًا - ثم قال (ص ٥٣): «لا حق لأحدنا في فضل مال» . ثم ذكر حديث أبي سعيد «بينما نحن في سفر إذا رجل على راحلة له، قال فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، وذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل». رواه مسلم وأبو داود. قلت: هذا لا يدل على ما ترجم له، بل هي أعم منه، وإنما يدل على أنه لا حق له في فضل مال إذا كان هناك من هو في حاجة ملحة إليه، فيجب حينئذ أن يخرج عن هذا الفضل إليه، وهذا من حقوق المال التي تجب لعارض، مثل قوله ﷺ : «فكوا العاني، وأطعموا الجائع».

стр. 54

رواه البخاري. وليس معنى ذلك أنه لا حق لأحد في فضل مال مطلقًا، وإلا تعارض ذلك مع النصوص القاطعة في عصمة المال وتحريمه على الغير إلا بطيب نفس صاحبه. وكيف يكون كذلك وكبار الصحابة ماتوا ولهم فضول أموال كثيرة، كما هو معروف من حال عثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ﵃، وقد أقرهم رسول الله ﷺ على ذلك، ولم يوجب عليهم الخروج منها! ! حادي عشر - قال (ص ٦٧): «بترول العراق» . وذكر تحته حديث أبي هريرة من قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ... ». البخاري ومسلم. قلت: ليس في الحديث ذكر للبترول أصلًا لا تصريحًا ولا تلويحًا، ولعل الأستاذ المصنف لما رأى الناس اصطلحوا اليوم على تسمية البترول بـ (الذهب الأسود) عنَّ له أن يفسر الحديث به، متوهمًا أنه بذلك يقدم للناس برهانًا علميًّا جديدًا على عظمة الإسلام وإعجازه! وغاب عنه أنه لا يجوز في الشرع تفسير نصوصه بالمصطلحات الحادثة، فلا يجوز مثلًا تفسير قوله تعالى ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي غير محرم لأنه تفسير بالاصطلاح، ولا قوله ﷺ في حديث «ستة لعنهم الله ... والتارك لسنتي» أي التارك للسنة التي هي دون الفرض كما كنت بينت ذلك في كتابي "تحذير الساجد" (ص ٣٧ - ٣٨). على أن الاصطلاح المذكور لم يجر على تسميته البترول بـ (الذهب) مطلقًا، بل مقيدًا بالأسود، فلو جاز تفسير الحديث بالمصطلحات الحادثة

стр. 55

-وهذا باطل- لم يجز هذا التفسير هنا لأن الذهب مطلق في الحديث، والمطلق يجري على إطلاقه كما هي القاعدة عند العلماء. ثم هل وقع ما أخبر به ﵇ على هذا التأويل، أي هل اقتتل الناس عليه فقتل من كل مائة تسعة وتسعون؟ ! فإن قيل: ليس من الضروري أن يكون وقع، ولكنه سيقع قطعًا، قلنا: نعم، فلماذا إذن لا ندع الحديث كما يفهمه كل عربي لم يتأثر بالاصطلاحات الحاضرة، ونقول إن ما أخبر به الرسول ﷺ سيقع قطعًا، وبذلك نستغني عن مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل للمعاني الحديثية الموافق لأساليب الباطنية! ومن الغريب أن المصنف أعاد هذه الترجمة بعد ثلاثة أحاديث، وأورد تحتها حديث أبيِّ بن كعب بمعنى حديث أبي هريرة! ٦ - إيراده أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة ، تحت العناوين الآتية: (ص ٢١): «التبرك بآثار رسول الله ﷺ بأمره» وذكر فيه حديث علي بن أبي طالب وفيه أمره ﷺ له ولغيره أن يشربا من إناء مج فيه ﷺ وأن يفرغا على وجوههما. ثم قال: «تبرك الصحابة بآثار رسول الله ﷺ » ثم أورد فيه حديث طلق بن علي وفيه أنه ﷺ توضأ وتمضمض ثم صبه في أدواة لهم. ثم أعاد الترجمة ذاتها وذكر تحتها حديثًا ثالثًا فيه تبرك أسماء بجبة رسول الله ﷺ . ثم أعاد الترجمة للمرة الرابعة وأورد فيه حديثًا في تبرك أم سلمة بشعر رسول الله ﷺ . فما هو الفائدة من تكرار هذه العناوين والتراجم في الوقت الذي لا يمكن اليوم التبرك بآثاره ﷺ لعدم وجودها؟ ! وما يفعلونه في بعض البلاد من التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطريق صحيح.

стр. 56

نعم إنما يستفيد من هذه التراجم بعض مشايخ الطرق كما سبق ذكره في المقدمة، ولعل المصنف وضع هذه التراجم مساعدة منه لهم على استعباد مريديهم وإخضاعهم لهم باسم التبرك بهم! والله المستعان. ثم قال (ص: ٢٣): «تقبيل يد الرسول ورجليه»! ثم ساق حديثًا فيه أن يهوديين قبلا يده ﷺ ورجله! قلت: ومع أن الحديث في ثبوته نظر كما سبق بيانه في موضعه (ص ١٤) فهل يريد الشيخ من ذلك أن يشرع للناس أن يقبل المريد رجل شيخه أيضًا اعتمادًا منه على فعل اليهوديين؟ ! فإن قيل: لكن الرسول ﷺ أقرهما على ذلك فيقال: اثبت العرش ثم انقش، فالحديث لم يثبت كما ذكرنا، ولو ثبت، فليس يجوز قياس المسلم على اليهودي، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فلئن أقر ﷺ اليهوديين على تقبيل رجله، فلا يلزم منه إقرار المسلم على مثله لأنه عزيز وذاك ذليل صاغر، فأي قياس أفسد من هذا على وجه الأرض أن يقاس المسلم على الكافر، والعزيز على الذليل؟ ! ولو جاز فلا يجوز لأي شيخ أن يقيس نفسه على الرسول ﷺ فيجيز لها ما جاز له ﷺ ! لأنه من باب قياس الحدادين على الملائكة! أو هو على الأقل قياس مع الفارق! ثم قال (ص ٤٢): «عتق الجواري ثم الزواج بهن». وذكر تحته حديثًا صحيحًا. ثم قال: «ليقل المالك فتاي وفتاتي». وذكر تحته حديثًا صحيحًا. ثم قال (ص ٤٩): «من لطم مملوكًا فكفارته عتقه». ثم ذكر تحته حديثًا صحيحًا.

стр. 57

ثم قال (ص ٥٦): «الجهاد واجب مع كل بر وفاجر». وذكر تحته حديث «الجهاد واجب مع كل أمير ... ». قلت: ومع أن الحديث ضعيف الإسناد كما تقدم بيانه في محله (ص ٢٤) فأين الجهاد اليوم -مع الأسف- حتى يذكر الطلاب بوجوب الجهاد مع كل أمير ولو كان فاجرًا، أم المقصود من الترجمة الإشارة إلى أن الجهاد يجب مع كل أمير، ولو كان هو الذي أمر نفسه بنفسه وكان فاجرًا يحكم بغير ما أنزل الله، ويرى في حكمه الكفر البواح. ثم أين المماليك والجواري التي أخذت بطريق مشروع حتى نطبق فيهن تلك الأحاديث؟ ! أم المراد بتلك التراجم المتكررة تبرير الاسترقاق الموجود اليوم في بعض البلاد مما لا يسمح به الشرع الشريف؟ وهذا آخر ما تيسر لنا ذكره والتنبيه عليه في هذه العجالة، راجين من الله تعالى أن ينفع بها المسلمين عامة، والطلاب خاصة، وأن يجعل أعمالنا لوجهه خالصة، ولهدى نبيه ﷺ موافقة. إنه خير مسؤول.