← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 133364

فصل في تزكية النفس

ابن تيمية

Полный текст (60 стр.). Показаны 36–60 · переход к 41.

стр. 36

وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. (فهذا الإحباط متفق عليه، وذاك الإحباط مخالف لأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين) (١) فإن الله سبحانه ذكر في القرآن حد الزاني (والسارق والقاذف) (٢) ولم يجعلهم كفارا (مرتدين) (٣) حابطي الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين، (ومعلوم أن كل من أظهر الردة يجب قتله) (٤)، والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم (فلو كان القذف والسرقة والزنا كفراً لوجب قتل صاحبه إذا لم يتب، والقرآن لم يأمر إلا بالجلد أو القطع) (٥). والنبي ﷺ قد أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه، ولو كانوا كفاراً أو منافقين لم تجز الصلاة

стр. 37

عليهم. فعُلم أنهم لم تحبط إيمانهم كله. (وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لمن كان مدمن الخمر، وكلما أتي به إليه حدّه فلعنه رجل) (١) فقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٢). (وحب الله ورسوله) (٣) من أعظم شعب الإيمان. فعلم أن إدمان (شرب الخمر) (٤) لا يذهب (جميع الإيمان وإن أذهب بعضها) (٥). وثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة: «أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٦). ولو (كان إيمانهم كله قد) (٧) حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه (ولم يخرجوا) (٨). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].

стр. 38

فجعلهم من المصطفين (مع ظلمهم لأنفسهم، فلو كان الذنب يحبط جميع الإيمان لم يكن منهم ظالم لنفسه بل كان من غيرهم من الكفار. والمعتزلة يدّعون أنهم العدلية، فأي عدل في أن تكون سيئة واحدة تحبط حسنات كثيرة أعظم منها قدراً ووصفاً، وقد ثبت في الصحاح حديث أبي ذر: «وإن زنا وإن سرق» (١). فلو كان الزنا والسرقة كفراً محبطاً لجميع الإيمان لكان التقدير: وإن كفر) (٢). فإذا كانت (السيئات) (٣) لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها (من الحسنات) (٤)؟ وهل تحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ هذا فيه قولان للمنتسبين إلى السنة: منهم من ينكر (الإحباط مطلقاً فيقول: ما ثَم إحباط، لا في الجميع ولا في البعض) (٥)، ومنهم من يقول بذلك (في البعض) (٦) كما دلت عليه

стр. 39

النصوص. مثل قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية. فدل ذلك على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وقد ضرب مثله (بالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ولا باليوم [الآخر] (١) وجعل مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً) (٢) وقالت عائشة: أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول ﷺ إلا أن يتوب (٣).

стр. 40

وأما قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وحديث صلاة العصر ففيه نزاع. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وعن عطاء: بالشرك والنفاق. وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة وعن مقاتل: بالمن (١). وذلك أن قوما (من الأعراب قدموا على رسول الله ﷺ وقالوا: أتينا طائعين، فلنا عليك حق. فنزلت هذه الآية ونزل قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾) (٢). فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط (بعض) (٣) الأعمال. فإن قيل: لم يرد بذلك إلا إبطالها بالكفر. قيل: الكفر منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم،

стр. 41

فالنهي عنه لا يُعبر عنه (بمجرد لا تبطلوا أعمالكم) (١) بل يذكر على وجه التغليظ. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية ونحوها. والله سبحانه في هذه الآية وفي آية المن سماها إبطالا لم يسمه إحباطا؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤]. فإن قيل: المراد بذلك إذا دخلتم فيها فأتموها، وبهذا احتج من قال: التطوع يلزم بالشروع. قيل: لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل فالنهي عن إبطاله كله أولى بدخوله فيها، فكيف وذلك قبل فراغه قد لا يسمى صلاة ولا صوما (وإنما يسمى بذلك بعد كماله) (٢). ثم يقال: الإبطال بالضد يؤثر قبل الفراغ وبعده، وأما ما ذكروه فهو أمر بالإتمام والإبطال هو إبطال الثواب، ولا نسلم أن من لم يتم الصوم والصلاة يبطل جميع ثوابه، بل قد يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وقد ثبت في الحديث الصحيح

стр. 42

حديث المفلس «الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال (١)، وقد قتل هذا، وأخذ مال هذا، وانتهك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته» (٢). الحديث. لكن هذا في حقوق العباد يدل على أن الحسنات تؤخذ في المظالم فإذا لم تبق حسنة أخذ من سيئات المظلوم فجعلت على الظالم. وقال: «من كانت لأخيه عنده مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليتحلل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات» (٣). وهذا يبين أن المقتول ظلما يأخذ من حسنات قاتله أو يأخذ القاتل من سيئاته فتُجعل عليه. وقد قال أحد ابني آدم: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، وفيه قولان مشهوران: أحدهما: تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي في عنقك. هذا مأثور عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. والثاني: تبوء بإثمي في خطاياي وإثمك في قتلك لي. وهو مروي عن مجاهد. قال ابن جرير: والصحيح عن مجاهد هو القول الأول (٤).

стр. 43

فعلى الأول لفظ الإثم مضاف في الثاني إلى الفاعل، وفي الأول مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني هو مضاف فيهما إلى الفاعل. وبعض الناس يقول: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب. وليس المراد أن القاتل يحمل جميع سيئاته، بل قد روي أن القتل كفارة للمقتول. وعن علي بن الحسين بن علي أنه بلغه قتل ابن زياد وهو يطوف فساءه ذلك، قال: فقيل له وما تكره من ذلك؟ قال: لأن القتل كفارة المقتول (١). والذي عليه الحديث أنه إن كانت له حسنات أخذت منه، وإلا جعلت من سيئات المظلوم عليه، ولهذا يبوء بإثم المظلوم لكن ليس فيه أنه يحمل جميع سيئات المظلوم، وقد يكون المقتول ظلماً عليه أوزار كبيرة وقد قتل نفوساً، فلا يكون إثم قتله بقدر الإثم من قتلهم كلهم، لكن قد يقال في القصة المعنية لم يكن على المقتول من السيئات أعظم من سيئة قتله، فإن قتله أعظم الذنوب بعد الكفر، وهو أول مقتول قُتل على وجه الأرض، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن

стр. 44

آدم الأول كفل من دمها» (١). لأنه أول من سن القتل. فهذا الإثم الذي حصل بقتل المظلوم عظيم جداً لم تكن على المظلوم سيئات مثله. وحينئذ فالقاتل يبوء بالسيئات التي كانت على المقتول مع سيئات نفسه، وكان مثل هذا القاتل ما ترك على المقتول المظلوم من ذنب، وكذلك لو كانت لهذا القاتل حسنات لأخذ المقتول المظلوم منها حقه، وهذا لأنه إذا كان كافراً لم تكن له حسنة. وقد اختلف الناس في القاتل قابيل: هل كان كافراً أو فاسقاً غير كافر؟ على قولين. وقد قال سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ قال ابن عباس: من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا أنه أسخط والديه وبقي بلا أخ، وخسرانه في الآخرة أنه أسخط ربه وصار إلى النار. قال الزجاج: أصبح من الحسنات خاسراً. وقال أبو يعلى: من الخاسرين أنفسهم بإهلاكهم إيّاها، والخاسر الذي خسر ما كان له وهذا يدل على ذهاب حسناته إما بالكفر وإما بالقصاص (٢).

стр. 45

وقد ذكر الله سبحانه وزن الحسنات والسيئات في عدة آيات، فقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] الآية ونحوها مثل الآية التي في آخر المؤمنين، والتي في سورة الأنبياء، والتي في سورة القارعة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم» (١). وفي حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره: «فتوضع البطاقة في كفة والسجلاّت في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلاّت» (٢). والموزون سواء كانت هي الصحائف أو الأعمال تجعل أجساماً كما يجيء ثواب البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف (٣)، ويجيء ثواب القرآن في

стр. 46

صورة الرجل الشاحب، فيقول: «أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك» (١). وكما في حديث القبر أنه يأتيه عمله الصالح في صورة شاب حسن الوجه، وعمله السيء في صورة قبيحة (٢). وكذلك إتيان الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح (٣) وغير ذلك. والناس لهم قولان في قلب الأعراض أجساماً، منهم من يُجوّز ذلك فيكون نفس العمل قُلب عيناً قائمة بنفسها، ومنهم من لا يُجوّزه فيقول جُعل منه. ومن هذا الباب صعود الأعمال إلى الله سبحانه فإنه تصعد الصحف، وكذلك جاءت الآثار بصعود صور الأعمال كما في الحديث: «إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله دويّا حول العرش يذكرن

стр. 47

بصاحبهن» (١). وهو في السنن. وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وكذلك قوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ • وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. ويدل عليه الحديث الذي في الصحيحين: ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا مُثّل له يوم القيامة شجاع أقرع» (٢). الحديث. وهو تأويل قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية. لكن هذه أجسام، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ • وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٢، ١٣]

стр. 48

الآية. وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، أي ركباناً، وأن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد قبّح صورتك ونتّن ريحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا فأنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم (١). وكذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] الآية. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الحديد: ١٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم: ٨]

стр. 49

الآية. قال ابن مسعود: منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نوراً نوره على قدر إبهامه، يطفئ مرة ويَقِد أخرى. وفي لفظ عنه: يُعطون نوراً على قدر أعمالهم فمنهم من يُعطى نوراً كالنخلة وكالرجل القائم وأدناهم على إبهامه فيُطفئ مرة ويَقِد أخرى (١). وقال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ قال: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه (٢). ومعلوم أن النور الذي يسعى بين أيديهم أعيان قائمة بنفسها ليست أعراضاً قائمة بهم، والنور الذي يضيء لا بد أن يكون عيناً قائمة بنفسها ليست أعراضاً وضوؤه ينتشر. ولهذا من قال: الموزون في الميزان جواهر مضيئة وهي الحسنات وجواهر مظلمة وهي السيئات. وفيها قول ثالث: إن الله يجعل في كل من

стр. 50

الكفتين علامة على قدر الثقل والخفة. وقد ضرب الله مثل الإيمان بنور في مشكاة، ومثل الكفر بظلمات بعضها فوق بعض، فالدلائل الكثيرة تدل على أن الأعمال التي هي أعراض تُصور صور قائمة تُحمل أو تَحمل أصحابها وتوزن وتمشي أمام أصحابها وتخاطب أصحابها وتؤنسهم، ولبسط هذا موضع آخر. فإن المقصود أنه إذا نطق الكتاب والسنة وأقوال السلف بوزن الحسنات والسيئات دل على قول من قال بذهاب بعض الحسنات بالسيئات كما يذهب بعض السيئات بالحسنات. وعن ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيُؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان وهو الحق فتثقل حسناته على سيئاته فيوضع عمله في الجنة فيعرفها بعمله فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الناجون وهم أعرف بمنازلهم في الجنة إذا انصرفوا إليها من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم، وأما الكفار فيؤتي بأعمالهم في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان وهي الباطل فيخف وزنه حتى يقع في النار ثم

стр. 51

يقال له إلْحَقْ بعملك (١). وهو سبحانه ذكر من ثقلت موازينه فدخل الجنة ومن خفت موازينه فدخل [النار] (٢) على طريقة القرآن في ذكر أهل الوعد المحض وأهل الوعيد المحض، كما قال أبو بكر الصديق: إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلة عليهم، وحُق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفة عليهم، وحُق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً (٣).

стр. 52

وأما من كان داخلا في الوعد والوعيد فمذهب الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة أنه يستحق الثواب والعقاب جميعاً، فإذا عذّبه الله بذنوبه ما شاء أن يعذبه أخرج بعد ذلك من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. ومذهب الخوارج والمعتزلة ما ثمَّ إلا مستحق للوعد فقط مُنَعّم لا يعذب أو مستحق للوعيد فقط مُعذب لا يُنعّم، وقد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع، ولهذا قالوا بالإحباط المطلق الذي لا يبقى معه حسنة. وإذا كانت النصوص وإجماع السلف دلّ على أن من الناس من ينُعّم ويُعذب، وأن فيه بعض الإيمان، فهذا إذا كانت له حسنات كثيرة وسيئات كثيرة يكون سيئاته أبطلت بقدرها من حسناته، وإذا ترجحت سيئاته دخل النار، ولا يلزم من رجحان السيئات أن تكون الحسنات قد بطلت حتى يصير لا حسنة له بحال كالكفار، فإن الموزون هي الأعمال المصورة وصحفها تدل على أن له حسنات وسيئات، وأما من لا حسنة له بحال فذاك ميزانه خفيفة خفة مطلقة ليس فيها شيء من الحسنات التي تثقل بها، فإن الخفة والثقل إنما هو في الحسنات والتي يُفلح صاحبها إذا ثقلت كفتها ويخسر إذا خفت، فإذا قدر حسنات محضة ليس بإزائها سيئات فهذه في غاية الثقل،

стр. 53

وإذا قدر سيئات محضة ليس بإزائها حسنات فهذه في غاية الخفة. وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر ﵃: واعلم أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلا، وأنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل, وخفة ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً (١). و الوزن على وجهين: أحدهما: أن يوضع بإزاء الحسنات والسيئات ما يُعرف مقدارها ثقلها وخفتها كما توزن الأموال، ثم يُنظر بعد هذا في مقادير الموزونات وتعادلها وتفاضلها. والثاني: أن يوزن أحدهما بالآخر كما يوزن دراهم زيد بدراهم عمرو، وإذا بيع أحدهما بالآخر مثلاً بمثل فهذا الوزن الذي يدل عليه حديث البطاقة حيث قيل فيه: فيوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات (٢).

стр. 54

ووصف الميزان بالثقل والخفة مطلقاً من غير وصف الثقل بأنه الحسنات ولا وصف رجحان هذا الموزون على هذا الموزون دل على أن الحسنات لها ثقل، وأما السيئات فلا ثقل لها أصلاً، فإذا لم يوضع في الميزان إلا السيئات لم يكن لها ثقل بل تكون خفيفة خفة مطلقة، وإنما يكون ثقل إذا كان فيها حسنات، والحسنات نور مصور والسيئات ظلمة، ولهذا قال الصدّيق: وحُق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً. فالكافر الذي ليس له إلا سيئات يكون ميزانه خفيفاً خفة مطلقة، وأما المسلم الذي له حسنات وسيئات وسيئاته أكثر فيخف ميزانه لما يوزن فيه من السيئات الزائدة، وهذا هو الذي يُعذب ثم يخرج من النار. والميزان يوصف تارة بالثقل والخفة وتارة برجحان أحد الجانبين على الآخر، وهذا إنما يكون فيما إذا اشترك المتقابلان في الثقل واختص أحدهما بمزيد ثقل كالموزونات بميزان الكفتين فإنه يكون في أحدهما ما له ثقل وفي الأخرى ما له ثقل، فإما أن يتساويا أو يرجح أحدهما على الآخر، وهذا كما في الحديث: «رأيت كأني جُعلت في كفة والأمة في كفة فرجحت بالأمة، ثم جعل أبو بكر في كفة والأمة في كفة فرجح أبو

стр. 55

بكر» (١)، ثم ذكر مثل ذلك في عمر. فإذا وزن حسنات شخصين قيل حسنات أحدهما أرجح، وكذلك لو وزن ثواب عملين قيل ثواب هذا العمل أرجح، والله تعالى لم يوصف الموازين بالرجحان، وإنما وصفها بالخفة والثقل، فالحسنات لها ثقل وأما السيئات فلا ثقل لها أصلاً، فإذا وزنت الحسنات بالسيئات لم يمكن أن يثقل جانب السيئات على ما في الميزان لأنه كأن يكون الثقيل مذموماً، والقرآن لم يجعل الثقل إلا محموداً، ولم يقل في القرآن: فمن رجحت حسناته، ومن رجحت سيئاته، بل قال: فمن ثقلت موازينه ومن خفت موازينه. يدل ذلك على أن من لا حسنة له لا يقام له وزن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا • الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] إلى قوله ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، فهؤلاء أحبط الله أعمالهم مطلقاً فلم يُبق لهم حسنة فلا يقيم لهم يوم القيامة وزناً. وعن أبي سعيد الخدري: يأتي ناس يوم القيامة بأعمال هي

стр. 56

عندهم في العِظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً (١). وفي الحديث عن النبي ﷺ : «يؤتى بالرجل السمين العظيم فلا يزن عند الله قشر شعيرة أولئك (دفع) الملك منهم سبعين ألفاً في النار» (٢). وفي حديث أنه نظر إلى ساقي ابن مسعود وحموشتهما فقال: لهما في الميزان أثقل من أحُد (٣). وهذا فيه إعادة الوزن إلى نفس الرجال. وقيل في الآية: لا يكون عندنا وزن ولا مقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان (٤). لأن الميزان يوضع لمن له حسنات وسيئات من الموحدين. فهؤلاء قد أخبر الله تعالى في موضع آخر أنهم خفت موازينهم

стр. 57

وأنهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. وخفتها بأنها لم يكن فيها ما له وزن وثقل، وقد وصف سبحانه الخير والشر بالثقل في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ • وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. فأخبر أن الخير والشر يكون مثقال ذرة (١)، وحينئذ فإذا وزن هذا بهذا رجح أحدهما على صاحبه فهذا وزن الحسنات بالسيئات كما في حديث البطاقة، فهذا لا يكون إلا لمن له حسنة توزن. والكافر المحض قد ضلّ عمله لم يبق له حسنة توزن، فإن عمله كله سيئات، بل هذا لا يقيم الله له وزناً، وإن كانوا يظنونها حسنات، كما قال أبو سعيد. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] الآية، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآية. فهؤلاء تخف موازينهم خفة مطلقة إذ ليس فيها ما يثقل به فإنها لا تثقل إلا بالحق، وهؤلاء ليس معهم إلا الباطل، وحُق لميزان لا يوضع

стр. 58

فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً. وهؤلاء وزن أعمالهم مقابلها بما فيها من خير أو شر، وهل كانت خالصة لله أم لا؟ وهل وافقت أمره أم لا؟ فتوزن بما يبين جنسها وقدرها وصفتها، هل فيها حق يستحق صاحبها الثواب أم لا؟ كمن قيل أن عليه حقوق، فقيل هات ما أحضرت حتى نزنه وننقُده، فصار كلما أظهر شيئاً ظهر أنه رديٌ، حتى لم يظهر شيئاً يُحسب له. ولهذا قال من قال من العلماء أن الكفار لا يُحاسبون أي لا يُحاسبون محاسبة تظهر فيها حسناتهم بسيئاتهم، بل يُحاسبون بمعنى أنهم تُعد أعمالهم وتُحصى، وتلك كلما وضعت في الميزان خفّ بها الميزان، وهذا الميزان لا نظير له في موازين الدنيا، فليس لنا ميزان يخف بما وضع فيه من الأجسام كانت ما كانت. ولهذا قال من قال: المراد بالموازين العدل. وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ قال مجاهد: والقضاء يومئذ العدل. وقال من قال: لكل شيء ميزان يحسبه (١)، فالمواقيت لها موازين والممسوحات لها موازين والكيلات لها موازين،

стр. 59

ونهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى توزن (١)، أي تُخرص ويُعرف قدرها، ووازنت بين الشيئين موازنة ووزاناً، وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان يُحاذيه، وهو وزن الجبل أي ناحية منه، وزنة الجبل أي حذاه، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقد قال جمهور المفسرين إنه: العدل. وقيل ما يوزن به وهو أعم مما يوزن به الأجسام الثقيلة والخفيفة (٢). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وقال النبي ﷺ : «أنا تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (٣). فسمى القرآن ثقلاً. وقال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]. ويقال: اعطه ثقله أي وزنه، والثقلان الجن والإنس، ومثقال الشيء ميزانه من مثله، والمقصود هنا أن المسلم الذي وزنت حسناته وسيئاته إما جميعاً في ميزان كما في حديث البطاقة، وإما بأن عرف قدر

стр. 60

حسناته وقدر سيئاته عدل أحدهما بالآخر فوجدت سيئاته راجحة، فهذا يستحق العذاب لسيئاته الراجحة فيُعذب بها في النار بقدر ما يستحقه ثم يخرج بتلك الحسنات المرجوحة، ولو لم يكن فيها إلا مثقال ذرة، فبذلك المثقال يخرج من النار ولا يخلّد فيها، وليس هو كالذي ليس له حسنات بحال الذين حبطت أعمالهم كلها فلا يقام لهم يوم القيامة وزن، وبهذا يحصل الجواب عن رجحان السيئات والخروج من النار، فإن هذا أشكل على طائفة اعتقدوا أنه إذا رجحت السيئات لم يبق للحسنات أثر أصلاً بل يبقى وجودها كعدمها، وحينئذ فهذا إذا دخل النار لم يبق معه شيء من الإيمان يخرج به، فلهذا قال بعضهم: الإيمان ليس مما يوزن بالسيئات، وقد تقدم الجواز والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلّم تسليماً.