Полный текст (172 стр.). Показаны 141–172 · переход к 146.
стр. 141
الإسلام بها» أ. هـ وما قاله السيد محمد بن عبد الرفيع من التعذيب والقتل والتحريق هو إشارة إلى ما تقوم به محاكم التفتيش الدينية النصرانية التي أسستها الكنيسة الرومية في أهم البلاد المسيحية من أواسط القرن الثالث عشر المذكورة في التاريخ، ففي سنة (٩٤٦ هـ) أصدر الملك فليبو الثاني أمرًا بأن الموريسكيين لا يتكلمون باللغة العربية فيما بينهم، ولا يسمون أولادهم بأسماء المسلمين، وأن يرسلوا أولادهم ممن بلغ ثلاث سنين إلى من عمره خمس عشرة سنة إلى المدارس النصرانية، وفيما قبل هذه المدة كانت حاجة الجلالقة إلى الاستعانة بمعارف المسلمين في العلوم والصنائع قد سمحت للمسلمين بالانتشار في كثير من البلاد الواقعة في حكم الجلالقة، فكان كثير منهم في جيان وبلنسية وإشبيلية ومرسية زيادة على معظم المسلمين الذين كانوا في غرناطة وألبيرة ومالقة وأحوازهن، وقد خرجت جماعات منهم إلى فرنسا لأسباب لم أطلع عليها، فاشترط عليهم هنالك أن لا يفارقوا النصرانية فبقوا هنالك مترددين فيما يصنعون، وكانت فرنسا في تلك المدة قد اصطلحت مع إسبانيا بسبب الاتحاد الكبير بين ممالك أوربا الذي أسسه ملك فرنسا هنري الرابع سنة (١٦٠٣ م).
ولما لم يبق الجلالقة أملاً للتسامح مع الموريسكو في إقامة عوائدهم الإسلامية وأقاموا عليهم العيون في تتبع أعمالهم في خويصتهم ضاق الأمر بالموريسكو فثاروا ثورة كبرى في كورة ألبيرة وجبالها، ودام بينهم وبين الجلالقة قتال مدة أربع سنين إلى أن كانت الهزيمة على الموريسكو سنة (٩٦١ هـ) فأخلدوا إلى الطاعة، ولولا حروب انتشبت عقب ذلك بين الجلالقة وبين الإنجليز أخذ فيها المسلمون نفسًا من العيش، لما استطاعوا الدوام على تلك الحال إلى أوائل القرن الآتي، وقد يسر الله للمسلمين بقاءهم على إيمانهم، وإقامة شعائر دينهم، ودوام التآمر بينهم على ذلك مع انتشارهم وشدة المراقبة عليهم فلم يضمحل الإسلام منهم بحسب الإمكان حتى استطاعوا السعي للخلاص حين سنحت لهم الفرصة.
وتوفي الملك فيليبو الثاني وخلفه ابنه فيليبو الثالث، وكان يميل إلى التسامح مع الموريسكو، فظلوا في سكون وجثوم مدة سنين إلى أن أتيح لنفر منهم أن ارتحلوا عن الأندلس سنة (١٠١٣ م) قاصدين بلغراد من مدن السلطنة التركية، وهنالك لقوا الوزير مراد بكلربيك باشا الملقب قيوجي، وكان هو الصدر الأعظم للخليفة السلطان أحمد خان الأول فأخبروه بما حل بالمسلمين من الشدة والتضييق عليهم في
стр. 142
دينهم في إسبانيا وفرنسا، فبسط الوزير الحال إلى السلطان الذي كان غير عالم بما حاق بالمسلمين، وكان يحسبهم قد اختاروا التنصر على الإسلام بدون إكراه، فصدر إذن السلطان إلى الوزير بأن يصدر كتابًا إلى الملك هنري الرابع ملك فرنسا وحليف سلطان تركيا، وقد حكى السيد محمد بن عبد الرفيع ذلك فقال: «فكتب الوزير المشار إليه إلى صاحب فرنسا ... بإذن من السلطان نصره الله يأمره بأن يُخرج من كان من المسلمين بالأندلس محمولين في أغربته ويوجههم إلى بلاد الإسلام فيسفر من عنده بما يحتاجون إليه، فلما قرئ الأمر السلطاني في ديوان الفرنسيس بباريس دار مملكته وسمعه من كان عنده مرسلاً من قبل صاحب الجزيرة الخضراء (في إسبانيا) وهو فيليبو الثالث أرسل إلى سيده يخبره بأن السلطان أحمد أرسل أمره إلى ملك فرنسا وأمره أن يخرج من عنده من المسلمين، فلما علم فيليبو الثالث هذا دخله الرعب والخوف الشديد، فأمر حينئذٍ بجمع أكابر القسيسين والرهبان والبطارقة وطلب منهم الرأي وما يكون عليه العمل في شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته»، ثم ذكر الظهير الذي أصدره الملك فيليبو الثالث، ونحن نذكره لما فيه من النكت التاريخية الموضحة لحالة آخر المسلمين بالأندلس.
«لما كانت السياسة الحسنة الجيدة لإخراج من يكدر على كافة الرعية النصرانية في مملكتها التي تعيش عيشًا رغدًا صالحًا والتجربة أظهرت لنا عيانًا أن الأندلس الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى بقيامهم علينا مرارًا وقتلهم أكابر مملكتنا والقسيسين الذين كانوا بين أظهرهم وقطعهم لحومهم وتعذيبهم بأنواع
стр. 143
التعذيب مع عدم توبتهم مما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعًا صالحًا من قلوبهم لدين النصرانية، ولم تنفع فيهم وصايانا ولا وصايا أجدادنا الملوك، ورأينا عيانًا أن كثيرًا منهم أحرقناهم بالنار لاستمرارهم على دين المسلمين بعيشهم فيه خفية ولاستنجادهم كذلك إعانة السلطان العثماني لينصرهم علينا، وظهر لنا أن بينهم وبين السلطان مراسلات إسلامية ومعاملات دينية تيقنت ذلك من أخبار صادقة وصلت إليَّ، ومع هذا لم يأت إلينا أحد منهم يخبرنا بما يدبرونه في هذه المدة بينهم وفيما سبق من السنين بل كتموه بينهم، وظهر لي ولأرباب العقول والمتدينين الصالحين من القسيسين الذين جمعتهم لهذا الأمر أن بقاءهم بيننا ينشأ عنه فساد كبير بسلطتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشئ من إبقائهم بمملكتي، أردت إخراجهم كافة ورميهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم لكونهم لم يزالوا مسلمين» أ. هـ.
وقد توفي الملك فيليبو الثالث عقب هذا وولي ابنه فيليبو الرابع، فخرج المسلمون من الأندلس في زمانه سنة (١٠١٧ هـ) سبع عشرة وألف هجرية قاصدين المغرب الأقصى، والمغرب الأوسط، وتونس، ومصر، وبلاد الدولة العثمانية، وكان عدد الخارجين على أظهر التقادير ألف ألف نسمة، وقيل: سبعمائة ألف، وقيل: ستمائة ألف، وكان الداخلون منهم إلى البلاد التونسية نحو ثلاثمائة ألف.
فأنت ترى أن الله أنقذ أمة من المسلمين من حبائل الكفر، وأرجعهم إلى دينهم القويم فنجوا هم ومن تناسل منهم من ذلك المصاب، وقطع الله بذلك مطامع صرف المسلمين عن دينهم في مستقبل الحوادث التي وقع فيها المسلمون تحت حكم غير المسلمين وحسب للخلافة الإسلامية حسابها وقدرت حق قدرها، فكان ذلك الحادث نجاة في نفسه، ومثالاً صالحًا للحوادث التي جرت من بعده، وكل ذلك بهمة السلطان الصالح أحمد خان الأول وزيره الناصح مراد باشا قيوجي.
فلا يعترضنا تردد في أن نعد هذين الرجلين الصالحين مجددي أمر الدين على رأس المائة الحادية عشرة (أي: سنة ١٠١٣ هـ) من يوم إخبار الرسول الصادق المصدوق ﷺ .
ما كانت الأدواء التي انتابت هيكل الجامعة في القرن الحادي عشر الهجري بالتي تتركه سليمًا من أخطار تنخر عظمه، وتنزف دمه، وتشرف به على الهلاك وبإجالة نظرة واسعة على تاريخ الإسلام في ذلك القرن نرى حالة هي أعصب الأحوال التي عرضت للمسلمين عامة، فلقد تفككت الجامعة الإسلامية في كل مكان بما اعتراها
стр. 144
في دخيلتها من فتن الثوار، وانقسام الأهواء، واضطراب الحياة الاجتماعية، وفقدان الأمن في سائر البلاد شرقًا وغربًا.
فقد تضاءل نور العلم، وحل الفساد في الأخلاق، وساد المسلمين الوهن وحب الدعة، وغشت على عقولهم الأوهام والغرور، واحتارت العقول باضطراب الفتن التي أعمى الأمة عُجاجها وغمرهم.
فأما الشرق الإسلامي فقد كان معظمه يومئذٍ للدولتين العثمانية والفارسية فبلاد الدولة العثمانية (وهي بحق يومئذٍ سيدة الممالك الإسلامية) قد صارت بؤرة فتن بجنود الإنكشارية، وآلت كمثل الكرة تتلقفها أيدي زعماء الجنود يترامون بها على حسب أهوائهم، ابتدأت ثورة هؤلاء الجنود على السلطان مصطفى خان الأول سنة (١٠٢٧ هـ)، فلا نجد من سلم بعده من سلاطين آل عثمان من ثورة آلت إلى قتل أو خلع فصارت الدولة مهزلة في أيدي شياطين الفتنة ودعاة الضلالة المشتهرين بتطلب الرزق من وجوه الغدر والحرابة.
وكانت المملكة الفارسية في ذلك القرن منتزي أمراء بيت الملك الصفوي والأزابكة رؤوساء الجنود بعد وفاة الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل، واختلاف أولاده الكثيرين في ابتزاز أمر المملكة، حتى انبرى لجمع الكلمة الشاه عباس بن طهماسب، ولكنه لما جمع الكلمة في بلاده حدثت بينه وبين السلطان مراد الرابع العثماني حروب في أثناء عام (١٠٣٢ هـ) تلك الحروب التي يظهر أن سببها إحن ودخائل قلبية كانت قد نبتت في قلوب الفرس أتباع المذهب الشيعي؛ إذ كانت تضيق صدورهم أيام تفوق الدولة العثمانية عليهم من جراء ما كانوا يلقون منها من الغضاضة والاضطهاد في المعاملة بسبب اختلاف النزعتين، فلما تنسموا نسيم القوة نشطت نفوسهم، فأثمرت تلك الإحن طلب الانتصاف لنصر مذهبهم على مذهب سكان البلاد العثمانية من الأشاعرة والماتريدية، فأخذت الفتن تظهر في بغداد التي هي برزخ بين المملكتين، وملتقى أتباع البلدين، حتى ملأت القلوب إحنًا، والعصور بعدها فتنًا، واستولى الفرس على بغداد استيلاء الجبابرة، فأحرقوا خزائن كتبها، وخربوا ضريح الشيخ الجيلي تشفيًا من أهل السنة.
وكانت بلاد العراق تبعًا لحال هاتين الدولتين إن قامت الفتن بينهما كان مجالها العراق، وإن آلت إلى مُلك الدولة العثمانية كان اختلال حالها تبعًا لاختلال حال
стр. 145
الدولة العثمانية، وكذلك كان حال الممالك الشامية، وكانت الصولة للجند في هذين القطرين العراقي والشامي.
وكانت بلاد الحجاز في فوضى عظيمة من أثناء سنة (١٠٧٧ هـ) حين توفى أمير الحجاز العظيم زيد بن محسن، فاضطرب الحجاز بنزاع بين الشريف سعد بن زيد المحصل على الإمارة وبين أخيه محمد يحيى، والشريف محمود الداعي لنفسه، فأصبح الحرم الأمين مطار شرار الفتن، وعم النهب والسلب طرق القوافل، ونُهب الحجيج والتجار، ودامت الحال في اضطراب إلى منتهى القرن الحادي عشر، ففي سنة (١٠٩٩ هـ) قطع العرب طريق الحاج المصري والمغربي، وكان بالحجاز خوف عظيم.
وأما مصر وهي واسطة البلاد الإسلامية بين الشرق والغرب، فكانت في خلال القرن الحادي عشر بحالة فوضى وإهمال؛ لأن حضارتها قد أخذت في الانتفاض من وقت انقراض خلفاء العباسيين منها حين دخلت تحت الدولة التركية في مدة السلطان سليم، إذ صار حكمها للباشوات في القاهرة، وللكشاف (جمع كاشف)، والسناجق في كور مصر الأربع والعشرين، وكان دأب الجميع الجور والعسف والسلب وإذلال الأمة، حتى ماتت الهمم، وصار السير إلى الوراء بعد الأمم، قال المؤرخ محمود فهمي في البحر الزاخر: «وفي ظرف القرنين اللذين أعقبا التغلب العثماني (العاشر والحادي عشر) كانت مصر محكومة بباشوات وسناجق من طرف الدولة العثمانية، فأخذت هذه المملكة في الاضمحلال في الأنفس والأموال، وصار هؤلاء الباشوات والسناجق في طريق السلب والنهب»، وقال الجبرتي: «إن السلطان سليمًا لما أخذ مصر وخرج راجعًا إلى بلاد سلطنته، أخذ معه الخليفة العباسي، وأخذ معه ما انتقاه من أرباب الصنائع التي لا توجد في بلاده بحيث إنه فقدت من مصر نيف وخمسون صناعة وما ظنك بعاقبة هذه الحالة؟ ».
وما كان المغرب بأهنأ عيشًا من المشرق تلك المدة، فإن طرابلس وتونس والجزائر كانت تابعة للدولة العثمانية، فكانت أدواء تلك الدولة تتسلل إلى هذه الإيالات، وتزيد بما تزيد به من الفقر والجهل وقلة النظام، وكان الحكم في هذه الأقاليم بيد الجند وزعمائه.
فطرابلس خيم عليها الجهل، وأرهقها ظلم الولاة الذين من آخرهم خليل باي الذي كان نصيرًا لمراد باي أبي بالة والي تونس على تخريب القيروان سنة
стр. 146
(١١١١ هـ)، وتونس كانت قرارة فتن وأكدار من حروب قائمة بين أهلها وبين أهل الجزائر من سنة (١٠٩٦ هـ)، ومن اشتداد مظالم مراد باي المرادي الملقب بأبي بالة، والمتوثب على إمارة تونس سنة (١١١٠ هـ)، فإنه عاث في البلاد إفسادًا وقتلاً وتمثيلاً، ومجاهرة بالفواحش، وهدم مدينة القيروان وقرى كثيرة من البلاد.
قال الوزير المؤرخ أحمد بن أبي الضياف التونسي في تاريخه ما ملخصه: «ولي مراد باي في رمضان سنة (١١١٠ هـ) ولم يلبث أن سل سيف بغيه وفعل ما لم يؤثر عن غيره قديمًا وحديثُا، وانهمك في العبث بالخلق، وكان يؤتي له بالرجل الذي يغضب عليه فيقوم بنفسه ويذبحه ويقطع أعضاءه ويشق بطنه ويدخل يده ويخرج أمعاءه، أتى إليه الفقيه المفتي الشريف محمد العواني القيرواني فقتله بنفسه، وجعل يشوي لحمه ويأكل منه، وكان يعبث بالعلماء ويمتهنهم ويكره بعضهم على الحضور في مجلس خموره، وأخرج شلو سلفه عمه رمضان باي فأحرقه بالنار، وجمع رماده فألقاه في البحر بسوسة، وفعل بأهل باجة ما حملهم على مفارقة بلدهم فخرجوا منها إلى الشعاب والأودية، وقاتل أهل القيروان وأباحها لخليل باي وإلى طرابلس فنهبها وسبى نساءها وذراريها، ثم إن مراد باي أمر بهدم جميع بناء القيروان عدا الجوامع والمساجد والزوايا وجمع خيلاً ورجلاً لغزو بلاد الجزائر، وعاضده على ذلك خليل باي طرابلس، وحاصر قسنطينة خمسة أشهر، ثم دخلها عنوة وأثخن في أهلها وجيشها قتلاً وأسرًا، وهدم معظم أبنيتها».
وبلاد الجزائر كانت في فتن مع أهل البلاد التونسية أيام مراد أبي بالة كما قلنا، وكان مراد قد خرب قرى كثيرة بين البلاد التونسية وبين قسنطينة، وكانت أيضًا في حروب مع سلاطين المغرب من جهة تلمسان وسجلماسة، فكانت تلتهمها النيران من أطرافها.
وأما المغرب الأقصى، وهو المملكة الوحيدة في المغرب المستقلة عن حكم الدولة العثمانية، فكان في فتن مضطرمة، من ثورات القبائل، واختلاف الدعاة، وعصيان المدن بما حولها من القبائل، فعصت تازا وفاس ومراكش وتارودانت وغيرها في
стр. 147
أواخر القرن الحادي عشر من سنة (١٠٧٠ هـ)، وكان الإسبنيول قد انقض على مدينة المهدية المغربية المعروفة بالمعمورة من عام (١٠٢٠ إلى عام ١٠٩٢ هـ) وأخذوا الجديدة والعرائش وآصلاً وسبتة.
وأما ما انتاب الجامعة الإسلامية من الخارج فإن دول أوربا الذين كانوا يحسبون محاربة الدولة العثمانية لهم من وقت ظهورها جهادًا دينيًا، كانوا قد ملئت قلوبهم رعبًا من عواقب تلك الحروب قرونًا طويلة، فلما رأوا وهن تلك الدولة من وقت شبوب الحرب بينها وبين دولة الفرس وما عقبه من فوضى الجند، نشطت تلك الدول لاسترداد قواها، فالذين كانوا منها تحت حكم الدولة العثمانية طمحوا إلى الخروج عنها، وجعلوا يظهرون التذمر من مظالم ولاة الترك إياهم ويخيلون تعليل ذلك بأنه الكراهية الناشئة عن التعصب الديني، وزاد الطين بلة، وجسد الإسلام علة أن التكافؤ الفكري والتمدني بين الأمم في الشرق والغرب، قد أخذ يتباعد ويتفاوت بجمود النهضة الفكرية في الشرق وانتشارها في الغرب فكانت الأمم العظيمة في أوربا قد تفوقت في العلم والتفكير على الأمم الإسلامية بنشاط أولئك وخمول هؤلاء، والتحفز إلى طلب الكمال من أولئك وغرور هؤلاء، فكانت دول أوربا قد زالت أدواؤها، وقوي ساعد نفوذها، وانبث سفراؤها وعلماؤها ومفكروها في دواخل البلاد الإسلامية، يسبرون أحوالها، فشعروا شعورًا كاملاً بانحلال الجامعة الإسلامية، وتحفزوا لاحتلال مكانها من سيادة العالم، ولكنهم لم يلبسوا لها جلد النمر، بل دفنوا تحت الرماد شواظ الجمر، وجعلوا يكيدون كيدًا، واستولى أسطولها العتيد على دواخل الدردنيل، وتساجل الفريقان حروبًا كانت الانهزامات فيها أكثر حظوظ الجيوش التركية على أنه وإن كانت من بين تلك الدول دول تظهر المودة من غير عداء فهم وإن لم يباكروها الغارة، ما كانوا يؤملون لجيشها على عدوه انتصاره، فقالوا في نفوسهم: نحن أولى بالغنيمة، وحبائب العروس أحق بانتهاب طعام الوليمة:
قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمي
فأما الدولة الفارسية فقد كانت في ذلك القرن بعد وفاة الشاه عباس في حالة سكون، وكانت دول أوربا لاهية عنها بتوجه همتها إلى الدولة المزاحمة لعظمتها، وهي الدولة العثمانية.
стр. 148
ثم إن قوة أساطيل الدول المحاربة للدولة العثمانية كانت قد رجحت رجحانًا عظيمًا على أساطيل دول الإسلام، فكانت القرصنة تنال من المسلمين ما لا تناله قرصنة هؤلاء من الأوربيين، فأصبحت أسرى المسلمين في البلاد الأجنبية أوفر بكثير مما بيد المسلمين من الأسرى، وذلك كلف المسلمين إنفاق ذهب كثير لفداء أسرى المسلمين من أيدي البندقيين والجنوبيين والإسبنيول.
وبإجالة نظرة واسعة على حالة المسلمين في القرن الحادي عشر يظهر للناظر أن لم شعث المسلمين قد أصبح أمرًا عسيرًا، وأن تجديد أمرها بمعناه الكامل أوشك أن يكون متعذرًا، وأن حالة التجديد لم يبق مطمع فيها إلا أن تكون بمنزلة التنفيس على الأمة من أضرار حائقة، ونوائب حالقة، كان أمر الدين حينئذٍ في أشد الحاجة إلى استتباب الأمن برًا وبحرًا، وإلى تفوق حربي أو صلح سياسي تلم به بلاد الإسلام شعثها، لتسلم من الرزايا، وتستبقي مالها، ويقبل أهلها على العلم والعمل، فهي أحوج شيء إلى ذلك، ففي ظلمات هذه الفتن بزغ نور في مقر الخلافة باعتلاء السلطان مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع عرش السلطنة في جمادى الثانية سنة (١١٠٦ هـ)، وصادف أن كانت الدولة استراحت من مزاحمة الدولة الفارسية إثر وفاة الشاه عباس، ثم بانعقاد الصلح بين الدولتين في سنة (١٠٤٩ هـ)، وقد دعت السلطان أوصافه الجليلة إلى العمل للم شعث الدولة فقاد الجيوش بنفسه، وانتصر انتصارات على البولونيين والروس، والمجر، أعادت للدولة حسن سمعتها في الحروب ووفق الله هذا السلطان إلى اختيار وزير صالح وهو الوزير حسن باشا كوبرلي، فأسند إليه الصدارة العظمى سنة (١١٠٩ هـ)، ولما استتب له النصر في معظم وقائعه دبر مع وزيره كوبرلي في استثمار تلك الفرصة لفائدة الأمة، فعقد صلحًا مع مملكة النمسا التي لم تزل شديدة الصراع مع جيوش العثمانيين، وتم الصلح في رجب سنة (١١١٠ هـ) صلحًا اقتضى إرجاع بلاد المجر إلى النمسا، وإرجاع بعض مراسي البحر الأسود إلى الروسيا.
وبذلك الصلح توجهت همة السلطان إلى إصلاح ما انهرش من أحوال المملكة وتوابعها وتجديد ما رث من حالة جيشها، وكان السلطان قد قمع جند الإنكشارية وضرب على أيدي زعمائهم، وأبطل الرشوة، ثم توجهت همته إلى تحسين حال الممالك التابعة له، وفي مقدمتها مصر والحجاز؛ إذ أصبح أمراء القطرين يحسبون للسلطنة حسابها بعد تحقق صرامة السلطان مع جند الإنكشارية، وضربه على أيدي المرتشين والمفسدين.
стр. 149
ومن أحسن الصدف: أن كان مراد أبو بالة والي تونس الجائر المفسد لما أفنت حروبه مع المسلمين عساكره، أرسل أحد قواد جيشه آغة صباحية الترك المسمى إبراهيم الشريف إلى بلاد السلطنة العثمانية ليجمع له جندًا من المتطوعة، فصادف بعثة هنالك بعثها باشا الجزائر إلى الحضرة السلطانية في التشكي من أحوال مراد أبي بالة، فظهر للسلطان أن جمع بين بعثة الجزائر وبعثة تونس، وأمرهم أن يبلغوا باشا الجزائر وباي تونس وجوب عقد صلح بينهما وذلك في سنة (١١١٣ هـ)، فكاتب إبراهيم مراد بذلك، فامتنع وعصى، وقد تحقق السلطان جور مراد أبي بالة، فاستحلف إبراهيم الشريف على المصحف أن لا يكذبه فيما يسأله عنه من أحوال مراد أبي بالة، فحلف أن يصدقه، فسأله عما يتشكى منه أهل الجزائر فأخبره الصدق فعزم السلطان على توجيه جيش للقبض على مراد أبي بالة وكف جوره عن الناس وخلعه من الولاية، ثم إنه وثق من إبراهيم الشريف أن يكون هو الذي يتولى قتل مراد أبي بالة وكف عاديته، فأعطاه منشورًا سلطانيًا بيده مخاطبًا به جند الترك بتونس يأمرهم بطاعة إبراهيم الشريف فرجع إلى تونس سنة (١١١٣ هـ) على مراد أبي بالة فقتل، ونشر الأمر السلطاني إلى الجند فبايعوا إبراهيم الشريف، وبذلك استقر الأمر في نصابه بالإيالة التونسية، وكان إبراهيم الشريف معروفًا قبل ولايته بالخير والعفة والإنصاف، وقد سار سيرة حسنة بعد ولايته إلا أنه كان يتهم بالشعوبية، ودامت تونس في مدته في حالة حسنة ربما خالطها ما لا تخلو عنه بلاد الإسلام من حدوث ثورات قليلة.
وأما الجزائر والمغرب فقد كان من حسنات السلطان مصطفى وقوع صلح بينهما، وذلك في صدر سنة (١١٠٩ هـ)، قال في الاستقصاء: «وفي يوم عرفة من سنة (١١٠٨ هـ) قدم عشرة رجال من إستنبول ومعهم كتاب من السلطان مصطفى بن محمد العثماني صاحب القسطنطينية العظمى إلى السلطان المولى إسماعيل يندبه إلى الصلح مع أهل الجزائر، فانتدب ﵀ وامتثل» وقد استرجع السلطان مولاي إسماعيل في أوائل القرن الثاني عشر الهجري عدة مراس من أيدي الإسبنيول والبرتغال وغيرهم بحيث لم تأت سنة (١١٠٣ هـ) إلا وقد استخلص معظم بلاد المغرب، وطاعت له وأقبل على تحصينها وتحسينها.
فما أطلت سنة (١١١٣ هـ) ثلاث عشرة ومائة وألف إلا ومعظم بلاد الإسلام
стр. 150
في هدوء وأمن وتراجع إلى الحسنى، وتلك السنة هي رأس المائة الثانية عشرة من عام إخبار الصادق المصدوق ﷺ .
فبحق نعد السلطان مصطفى الثاني مجدد أمر المسلمين في رأس المائة الثانية عشرة.
* * *
стр. 151
خلق النور المحمدي
أحييكم تحية طيبة وأدعو لكم بالتوفيق والتسديد،
قرأت في مجلة هدى الإسلام رغبتكم مني في بيان حال الحديث الذي رواه عبد الرزاق بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ في أولية خلق النور النبوي ولولا سبق الخوض في هذا الحديث لرأيت أجدر بأهل العلم من الأمة الإسلامية الاهتمام بتمحيص ما ينبني عليه عمل نجيح أو اعتقاد صحيح، وأن يوفروا زمانهم فيما هم إليه أحوج فإن الزمان نفيس.
إن ما يشتمل عليه الكتاب والسنة من أخبار عالم الغيب إنما قصد منه لفت العقول والقلوب إلى ما وراء المحسوس حتى يؤمنوا به مجملاً، ثم يقبلوا على تعلم علم يرجوه مني درايةً وعملاً.
ولكن للعلم سلطانًا على جميع الحقائق فإذا ثارت المناقشات وتولدت المباحثات، فليس للعلماء ملازمة السكوت وعليهم أن يمدوا طلبة الحقائق بتحقيق ينعش ويقوت.
وإن قدر رسول الله ﷺ قدر منيف وهو في غنية عن إمداده بحديث صحيح أو ضعيف، وإن الله خص هذه الأمة بصحة الإسناد، وأغناها بمرعى السعداء مراعي القتاد لذلك حق على علمائها إن عرض من الآثار ما فيه مغمر أن يكشفوا عن حقيقته فإن الكشف عن الحقائق أحمر.
متن هذا الحديث:
قال صاحب المواهب اللدنية: «روى عبد الرزاق بسنده، عن جابر بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: «يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنس،
стр. 152
فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الجزء الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله» الحديث» أ. هـ، كلام المواهب.
قال الزرقاني في شرحه: لم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة أ. هـ.
أقول: ذكر سليمان بن سبع السبتي في كتابه «شفاء الصدور» هذا الحديث بدون إسناد بروايتين مختلفتين متقاربتين هما من بين ما في المذاهب مع مخالفة في ترتيب المخلوقات وفي تعيينها ولا حاجة إلى التطويل بذكرهما.
فالظاهر أن الذي في شفاء الصدور هو رواية البيهقي، وفي رواية ابن سبع أن الجزء الرابع أدخره الله تحت ساق العرش فلما خلق آدم جعل ذلك النور فيه.
مرتبة هذا الحديث من الصحة:
لا يعرف هذا الحديث من غير رواية المواهب ورواية ابن سبع وما ذكره الزرقاني منهما عن البيهقي، وقد صرح صاحب المواهب بأنه من رواية عبد الرزاق بسنده ولم يذكر الذين رووه عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق هذا هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني المولود سنة (١٢٦ هـ) والمتوفى سنة (٢٢١ هـ) كان أحد أئمة الحديث أخذ عن أئمة أهل السنة عن مالك، ومعمر، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وأخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق ابن راهويه، وأخرج له البخاري في الصحيح أحاديث كثيرة بواسطة إسحاق وغيره فهو ثقة، إمام في معظم عمره إلا أنه كان قد عمي في آخر عمره وانتحل التشيع، وحمله تشيعه على أن يروي عن الضعفاء مثل جعفر بن سليمان الضبعي الشيعي؛ فلذلك حذر الأئمة من الرواية عنه بعدما عمي، وأحسب أن عماه نشأ عن عارض في دماغه فأضعف ضبطه، صنف عبد الرزاق كتاب «المسند»، قال يحيى بن معين قال لي عبد الرزاق: اكتب عني حديثًا واحدًا من غير كتاب، فقلت: ولا حرفًا،
стр. 153
وأكثر الطبراني من الرواية عن عبد الرزاق، وقد روى عنه أحاديث في غير مسنده كثير من الضعفاء مثل أبي جعفر فكتب وهو ملموز بالكذب، وأبي الأزهر النيسابوري، فهذا الحديث المروي عن عبد الرزاق غير معروف عند الحفاظ؛ إذ لم يروه أهل الصحيح ولا أصحاب السير المقبولة مثل ابن إسحاق، والحلبي ولم يروه عياض في الشفاء مع ورود مناسبات كثيرة في الشفاء تناسب ذكر الحديث لو كان مقبولاً عنده، منها تكلمه على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥]، عندما ذكر قول من جعل الضمير في قوله: ﴿مثل نوره﴾ [النور: ٣٥] عائدًا على النبي ﷺ . ولم يذكره السيوطي في جمع الجوامع لا في القسم المرتب على حروف المعجم ولا في القسم المرتب على المسانيد، ومنها مسند جابر بن عبد الله الذي روى عنه عبد الرزاق هذا الحديث، ولم يذكره السيوطي في كتاب «الخصائص» مع أنه لو كان مقبولاً لكان من أول الخصائص.
فإن كان عبد الرزاق قد رواه حقيقة فيكون قد رواه عن الضعفاء في آخر عمره، فلذا لا يوجد عن مسند عبد الرزاق، وإن كان عبد الرزاق لم يروه فقد كذبه عنه الضعفاء والمتساهلون ممن شملهم المقبول إذ لم ينقله أحد، وكذلك رواية البيهقي فإن البيهقي متساهلٌ في أحاديث دلائل النبوة وفضائل الأعمال.
أما ما روي في «شفاء الصدور» لابن سبع، فلا حاجة إلى التنبيه على أن كتابه يشتمل على المقبول والمردود.
فهذا الحديث مجهول السند، ومجرد وجود عبد الرزاق في رواته لا يكفي في توثيق سنده؛ إذ لا ندري من رواه عن عبد الرزاق ولا من روى عنه عبد الرزاق بينه وبين جابر؛ فهو لذلك غير صحيح ولا حسن لعدم معرفة رواية مصدره على أن يعرف توفر شرط رجال الصحيح ورجال الحسن فيهم فيتردد بين كونه ضعيفًا او موضوعًا.
نقده من جهة اللفظ:
إن نظم الكلام في هذا الحديث نظم ضعيف لا يناسب أن يكون لفظ رسول الله ﷺ الذي هو أفصح العرب، يبدو ذلك جليًا لمن كان له ذوق في تراتيب منه.
قال ابن الصلاح في أصول علم الحديث: قد وضعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، وأقول: قد عد أئمة الأصول من مرجحات بعض الأحاديث على بعض أن يكون أحد الحديثين أحسن نسقًا، قالوا: لأن حسن النسق
стр. 154
أنسب للفظ النبوة، فإن رسول الله أفصح العرب فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده.
الأول: قوله: «فجعل ذلك النور يدور بالقدرة» وهو حشو من الكلام وهل تتحرك الأشياء كلها إلا بالقدرة.
ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا .... ولا ... إلخ، وهو تطويل ثقيل ننزه عنه البلاغة النبوية ويغني عنه أن يقال: ولم يكن في ذلك الوقت شيء مخلوق. وجابر ابن عبد الله لم يكن من الأغبياء حتى يطول له ما به من خاصة أصحاب رسول الله وأهل العلم منهم وممن روى عن رسول الله علمًا كثيرًا وأخذ عنه خلق كثير.
نقده من جهة المعنى:
الوجه الأول: قال علماء أصول الحديث وأصول الفقه: إن كل خبر أوهم معنى باطلاً ولم يقبل التأويل فهو مكذوب، وتقدم أن ابن الصلاح قال: «وضعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها».
وهذا الحديث قد جمع طول اللفظ وطول المعنى مع قلة الجدوى، وعادة رسول الله ﷺ في الحديث في ذكر أمور الغيب الاختصار على محل العبرة وما يجب الإيمان به فيما يرجع إلى الاعتقاد مع الإجمال والرمز؛ لأن الأشياء التي لا تدرك بالكنه ولا يبلغ إليها فهم العقول لا فائدة في تفصيل الوصف فيها، وإنما ينبه القرآن أو السنة المؤمنين إلى أصل وجودها.
الوجه الثاني: أنه معارض لما ثبت في الصحيح في سنن الترمذي ومسند أحمد وأبي داود- ليس داود الطيالسي- عن عبادة بن الصامت، وعن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم»، فهذا الحديث هو الذي يعول عليه لصحته وهو يعارض حديث عبد الرزاق المتكلم عنه؛ لأن معنى الجمع بين المتعارضين أن يمكن التصديق بمعنى كل منهما؛ فإذا كان التصديق بمعنى أحدهما يلزم منه إبطال معنى الآخر فليس ذلك من الجمع، بل ذلك يعود إلى الترجيح، أي: ترجيح صدق أحدهما وإبطال الآخر.
وهذان الحديثان قد عين كل منهما أول ما خلق الله تعالى من المخلوقات، ولفظ أول لفظ ظاهر الدلالة على معنى السبق الحقيقي، أي: التقدم في الوجود على كل ما سواه، وأحد الحديثين عين لهذا السبق شيئًا غير الذي عينه الحديث الآخر فثبت
стр. 155
التعارض بينهما لا محالة، وذكر صاحب المواهب اللدنية في الجمع بين الحديثين بتأويل أحدهما.
حاصله: أن يكون النور المحمدي هو أول المخلوقات على الحقيقة، ويكون القلم أول المخلوقات بالنسبة لما عدا النور المحمدي وهذا بعيد؛ لأن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبين للناس أول المخلوقات ما كان يعوزه أن يذكر النور المحمدي، ثم يردفه بالقلم.
التأويل الثاني: حاصله أن المراد بأول المخلوقات في هذين الحديثين، وفي أحاديث أخرى مروية بأسانيد بعضها صحيح وبعضها ضعيف تقتضي أن أول المخلوقات العرش أو الماء هو أولية كل شيء مما ذكر بالنسبة إلى جنسه، وهذا الوجه فاسد لانعدام فائدة التفضيل فيه؛ ولأن من الأشياء التي أثبتت لها الأولية ما ليس له أفراد؛ كالعرش، والقلم، ومن الأشياء ما هو الجنس كله؛ كالماء.
الوجه الثالث: أن حديث جابر جعل نور أبصار المؤمنين مخلوقًا من الجزء الأول من الربع الرابع مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار على أبصار سائر الناس، وإنما تتفاوت الأبصار بالحدة والضعف بالخلقة ولا أثر في ذلك لإيمان ولا كفر؛ ولذلك لجأ شارح المواهب إلى تفسير الأبصار بالبصائر؛ ولكنه صنع اليد لا يساعد عليه لفظ الحديث، على أن قوله في الحديث بمعنى ومن الثاني نور قلوبهم يتأكد ما حمله عليه شارح المواهب.
الوجه الرابع: أن هذا الحديث يفيد معنى فاسدًا؛ وذلك لأن قوله: «أول ما خلق الله نور نبيك» يظهر منه أن الإضافة حقيقية، فالمراد من النور هو الحقيقة المحمدية أعني الذي سيكون فيما بعد روح محمد ﷺ حين خلق الأرواح والذي سجل في جسده الشريف حين تنفخ فيه الروح في طور تكوينه، وإذا كان كذلك فتقسيمه بعد ذلك أجزاء وخلق مخلوقات في كل جزء من تلك الأجزاء يقتضي إما دخول النقصان على الحقيقة المحمدية بعد خلقها، وإما كون تلك المخلوقات أجزاء لها فتصير الحقيقة المحمدية كلاَّ له أجزاء وهذا معنى مخيف، فإن كانت الإضافة لأدنى ملابسة، أي: النور الذي منه نبيك كان ذلك مقتضيًا أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسموات والأرضين معتبرة قبل الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور؛ لأنها كونت من أجزاء قبل تكوين الحقيقة المحمدية من الجزء الأخير الذي وضع في آدم عند خلقه فيكون معنى الحديث على المقصود منه بالإبطال، فإن المقصود منه لقائله التعريف بفضل الحقيقة المحمدية في سبق الخلق.
стр. 156
الوجه الخامس: أن في هذا الحديث تخليطًا في ترتيب الأشياء المخلوقة من هذا النور؛ إذ بعضها من الذوات مثل القلم، وبعضها من الأجناس مثل الملائكة، وبعضها من المعاني مثل المعرفة بالله والتوحيد، وهذه المعاني يتعلق الخلق بها تبعًا لخلق محلها، ومحلها هو العقل وليس في هذا الحديث ذكر خلق العقل، هذا ما لاح لي في بيان حال هذا الحديث.
* * *
стр. 157
تحقيق مسمى الحديث القدسي
هذا مبحث دقيق من علم الحديث لم يُتعرض له في علم مصطلح الحديث دعاني إلى تحريره أنه وقع لدي منذ بضعة أيام كتاب عنوانه «الأحاديث القدسية» مما جمعته لجنة القرآن والحديث من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وهي الأحاديث الموجودة في الموطأ والصحيحين وكتب السنن الأربعة، فحمدت عناية اللجنة وتهممهم بهذا العمل؛ إذ قل من اهتم بإخراج الأحاديث القدسية في كتاب مفرد، قال ابن حجر الهيثمي في شرح الحديث الرابع والعشرين من الأربعين النووية: «الأحاديث القدسية أكثر من مائة وقد جمعها بعضهم في جزء كبير».
وقال علي القاري في شرحه على الأربعين النووية: «الأحاديث القدسية أكثر من مائة»، قلت: هذا الجزء لا نعرفه ولا نعرف من جمعه، وفي هذا الغرض ألف كتاب «الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية» لمحمد المعروف بعبد الرؤوف المناوي ذكره صاحب كشف الظنون، وقال: رتبه على بابين الأول فيما صدر بلفظ: قال الله ، والثاني بما تضمن: قوله تعالى، وكلاهما على الحروف. وهذا الكتاب اطلع عليه الذين دونوا كتاب الأحاديث القدسية، ولعلي القاري كتاب سماه الأحاديث القدسية والكمالات الإنسية جمع فيه أربعين حديثًا قدسيًا وطبع في سنة (١٣١٦ هـ) ولم أقف عليه، وفي «كشف الظنون» أن الشيخ محيي الدين بن عربي جمع أربعين حديثًا قدسيًا، وقد اشتمل كتاب «الأحاديث القدسية» على أربعمائة حديث باعتبار المكرر باختلاف الروايات واختلاف الأسانيد، وعلى نحو مائة وثمانية وستين بطرح المكرر، مع أن ابن حجر الهيثمي وعليًا القاري ذكرًا في شرحيهما على الأربعين النووية: أن الأحاديث القدسية أكثر من مائة، وحصرها بأكثر من مائة يقتضي أن لا تزيد على المائة بكثير.
ولم أر كلامًا تنضبط به حقيقة الحديث القدسي لنضوب عبارات الكاتبين وإجمالها، فإذا أخذوا في بيان ما هو الحديث القدسي هرعوا إلى الخوض في التفرقة
стр. 158
بين الحديث القدسي وبين القرآن، وأن التفرقة بين القرآن وبين الحديث القدسي وإن كانت لا تخلو من تيسير لضبط تعريف الحديث القدسي ، فالاشتغال بها قبل ضبط التعريف يعد في صناعة التأليف تطوحًا عن الأهم، فحملني هذا وذاك على تحقيق معنى الحديث القدسي وتعريفه بحد جامع مانع بعد جلب التعاريف التي سبقوا بها.
تعريف الحديث القدسي:
الحديث القدسي ويسمى الحديث الرباني والحديث الإلهي.
قال السيد الجرجاني في كتاب التعريفات: «الحديث القدسي هو من حيث المعنى من عند الله، ومن حيث اللفظ من رسول الله ﷺ ، فهو ما أخبر الله تعالى به نبيه بإلهام أو بالمنام فأخبر ﵊ عن ذلك المعنى بعبارات نفسه. أ. هـ.
وفي الإتقان للسيوطي في النوع السادس عشر «قال الجويني: الحديث القدسي كلام من الله منزل على النبي ﷺ غير ملتزم تبليغه بلفظ معين، بل المقصود المعنى، فقد تكون العبارة من جبريل» أ. هـ.
وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين النووية عند الكلام على الحديث الرابع والعشرين: «الأحاديث القدسية ما نقل إلينا آحادًا عن النبي ﷺ مع إسناده لها عن ربه فهي من كلامه فتضاف إليه وهو الأغلب، ونسبتها إليه حينئذٍ نسبة إنشاء؛ لأنه المتكلم به أولاً، وقد تضاف إلى النبي ﷺ ؛ لأنه المخبر بها عن الله».
وقال علي القاري في شرح الأربعين النووية عند الكلام على الحديث الرابع والعشرين: «القدسي إخبار الله نبيه معنى لفظ بإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي ﷺ أمته بعبارته عن معنى ذلك الكلام» أ. هـ. وهو قريب من كلام السيد الجرجاني.
وقال أيضًا: «قال الطيبي: الحديث القدسي نص إلهي في الدرجة الثانية (أي: دون درجة القرآن) وإن كان من غير واسطة الملك غالبًا؛ لأن المنظور فيه المعنى دون اللفظ وفي القرآن اللفظ والمعنى منظوران» أ. هـ.
وهذه التعاريف تقتضي أن اللفظ في الحديث القدسي غير معين وإنما هو إلقاء
стр. 159
المعنى في قلب النبي ﷺ دون تعيين لفظ، أي: بواسطة الملك أو بالإلهام.
وتقتضي أن كل ما حكي في الأحاديث من أقوال منسوبة إلى الله تعالى تعتبر حديثًا قدسيًا، فيدخل فيه ما يجري من حكاية محاورات ومقالات فيها كلام الله تعالى مع بعض عباده.
وفي شرح جمع الجوامع للمحلي عند تعريف ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] بقوله: «القرآن اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته».
قال المحلي: «فخرج بالمنزل على محمد ﷺ عن ان يسمى قرآنًا الأحاديث غير الربانية، وخرج بالإعجاز الأحاديث الربانية» أ. هـ. وهذا يتضمن تعريف الحديث الرباني، أي: القدسي، ويؤخذ منه أنه موحى بلفظه إلى النبي ﷺ ولكن لفظه ليس للإعجاز ولا متعبدًا بتلاوته، فاقتضى أن لفظ الحديث القدسي موحى به بعينه، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة كون الكلام الذي يحكى به قول من الله تعالى في الأحاديث النبوية أهو عين ما أوحي بلفظه، أم هو كلام يرادفه؟ ! تعين علينا أن نتوسمه من صيغة حكاية راويه.
وكلام المحلي والطيبي يزيدان بالتصريح بأن لفظ الحديث القدسي موحى به إلى النبي ﷺ بلفظه؛ ولكنه يجوز أن يروى بلفظ آخر مساوٍ للفظه في أداء المعنى المراد، على نحو ما ذكروا في رواية حديث النبي ﷺ بالمعنى وجوازها في قول الأكثر، فاختلاف عباراتهم في تحديد الحديث القدسي يزيد بعضها على بعض لكن بعضها يكمل بعضًا ويتممه، فالتخالف بينها من قبيل التداخل.
والذي أستخلصه من مجموع كلامهم وحمل بعضه على بعض للجمع بينه أن نقول: الحديث القدسي: «هو كلام من الله تعالى صادر منه في الدنيا، غير مخاطب به معين، موحى به إلى رسوله ﷺ بألفاظ معينة غير مقصود بها الإعجاز ولا التعبد بتلاوتها، ليبلغها إلى الناس، مع تفويض التصرف في ألفاظها بما يؤدي المقصود».
فقولنا: «كلام من الله» جنس شامل لكل لفظ يتضمن مراد الله، فشمل القرآن وما يحكى من أقوال تصدر من الله زجرًا للكفار أو الشياطين.
وخرج بقولنا: «صادر في الدنيا» ما هو إخبار من رسول الله ﷺ عن أقوال تصدر من الله يوم القيامة أو صدرت منه قبل إهباط آدم إلى الأرض، أو إخبار عن
стр. 160
أعمال الله دون أقواله.
كقوله في حديث البخاري عن أبي هريرة: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة»، فهذه الرواية ليس فيها حكاية عن قول الله تعالى فلا تعد حديثًا قدسيًا، ووقع في رواية النسائي عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: «أيما عبدٍ من عبادي خرج مجاهدً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له أن أرجعه بما أصاب من أجرٍ أو غنيمة». الحديث، ففي هذه الرواية يكون حديثًا قدسيًا.
وخرج بقولنا: «موحى به إلى رسوله» ما يحكى من أقوال تصدر من الله تعالى خطابًا لغير محمد ﷺ كقوله في الحديث: «بينما أيوب يغتسل عريانًا خرَّ عليه جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب» الحديث.
وقولنا: «موحى به إلى رسول الله ﷺ » يشمل أنواع الوحي سواء كان بواسطة جبريل أو بالمنام أو بالإلهام كما يؤخذ من عبارة الجويني والطيبي، وأما الذي يؤخذ من كلام السيد الجرجاني وعلي القاري وكلام أبي البقاء في الكليات عند الكلام على القرآن، فهو أن الحديث القدسي لا يوحى به إلى النبي ﷺ بواسطة جبريل، بل بالإلهام أو المنام.
وبقولنا: «غير مقصود بها الإعجاز ولا التعبد بتلاوتها» خرج القرآن.
وقولنا: «ليبلغها إلى الناس» أي أن يقترن الإخبار بذلك الكلام بقرينة تدل على أن المقصود إعلام الناس به، وهذه جهة شبه بين الحديث القدسي وبين القرآن، وخرج بذلك ما يحكى من أقوال الله تعالى للملائكة أو في أثناء القصص ونحوها كما في الموطأ: «يتعاقبون فيهم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» إلى قوله: «فيقول لهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي» الحديث، وكما في حديث ابن عباس في صحيح البخاري في قصة سؤال موسى ﵇ مع الخضر؛ إذ عاتب الله موسى على قوله: إني لا أعلم أحدًا أعلم مني، فقال الله تعالى: بلى عبدنا الخضر بمجمع البحرين، فسأل موسى السبيل إلى لُقياه.
وقولنا: «مع تفويض التصرف في ألفاظها» أي: التفويض إلى النبي ﷺ -
стр. 161
وإلى جبريل إذا كان هو المبلغ لها مسوق مساق التقسيم؛ لأن الأحاديث القدسية يجوز التفويض في عبارتها لجبريل أو للنبي ﷺ .
صيغة رواية الحديث القدسي:
صيغة رواية الحديث القدسي حصرها ابن حجر الهيثمي في شرحه للأربعين في صيغتين:
إحداهما: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه، وهذه صيغة السلف، يعني أو ما يرادفها كما في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: «أيما عبدٍ من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله» الحديث المتقدم آنفًا.
الثانية: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله.
فيعتبر إحدى هاتين الصيغتين أو ما يرادفها من الحديث القدسي، ويدل التتبع والاستقراء على أن الحديث الذي فيه تحاور ومقاولة بين الله وبين بعض عباده الأخيار أو الأشرار، لا يعد حديثًا قدسيًا، بل الحديث القدسي ما هو حكاية قول الله وحده.
والذي يظهر من كتاب الأحاديث القدسية أن اللجنة التي دونته اعتمدت في حقيقة الحديث القدسي أنه كل ما حكي فيه قول محكي عن الله تعالى مطلقًا.
الفرق بين الحديث القدسي والقرآن:
والفرق بينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:
أما الفرق بين القرآن والحديث القدسي فظاهر مما ذكرناه، وإنما الخفاء في الفرق بين أقوال النبي ﷺ مما ينسبه إلى الله وبين غيره من كلامه؛ ذلك أن الكلام الصادر عن النبي ﷺ في التشريع وأمور الدين محمول عند الجمهور على أنه موحى به إليه. قال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين النووية: «اختلف في بقية السنة غير الأحاديث القدسية هل هو كله بوحي أولاً؟ وآية: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] تؤيد الأول»، وقال السيوطي في الإتقان في النوع السادس عشر: «إن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن».
وأقول: هذا هو الظاهر كما يدل عليه حديث يعلى بن أُمية: أن رجلاً أتى النبي ﷺ بالجعرانة وعليه (أي: على الرجل) جبةٌ وعليه أثر الخلوق، فقال:
стр. 162
يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرةٍ وهو مُتضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة فجاءه الوحي فلما سُري عنه قال: «أين السائل عن العمرة؟ » قلت: أنا يا رسول الله، قال: «اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق عنك وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، فهذا الإخبار عن حكم العمرة نزل فيه وحي ولم ينزل فيه قرآن، وظاهر الحال يقتضي أن الوحي للنبي ﷺ في تلك الساعة نزل لأجل جواب السائل عن العمل في العمرة، على أنه يحتمل أن يكون سؤال السائل صادف وقت نزول الوحي بقرآن وأن تأخير جواب النبي ﷺ عنه كان لأجل الاشتغال بتلقي قرآن ينزل لا لترقب نزول وحي لجواب السائل، وهو احتمال بعيد، ومسألة كون جميع الأحاديث موحى بها مسألة مبنية على الخلاف في وقوع الاجتهاد من النبي ﷺ في الشرعيات.
وبما تقرر تكون الأقوال التي ينطق بها النبي ﷺ ثلاثة أنواع: أعلاها: القرآن وهو معلوم، الثاني: الحديث القدسي وهو الذي بحثنا في شأنه ولابد فيه من نسبة قول إلى الله، الثالث: الحديث النبوي وهو ماعدا القرآن والحديث القدسي.
وقد تتبعت ما في كتاب الأحاديث القدسية للجنة القرآن والحديث، فوجدت ما يحق أن يعد حديثًا قدسيًا أربعة وخمسين حديثًا وفي أكثرها روايات ألغينا إثباتها. فنحو قول النبي ﷺ في الصحيحين: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» يشبه أن يكون قدسيًا وليس بالقدسي؛ لأنه قول إلهي متعلق بأحوال قوم مخصوصين.
ونحو قوله في حديث الموطأ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيقول الله لهم: كيف تركتم عبادي» الحديث ليس بقدسي؛ لأنه حكاية قول من الله للملائكة وليس قولاً يراد تبليغه، وإنما المراد تبليغ القصة كلها بما اشتملت عليه.
ونحو حديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا» الحديث ليس بحديث قدسي؛ لأنه نسبة فعل إلى الله لا نسبة قول، وكذلك حديث: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان في اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
وهذه أرقام الأحاديث التي يحق أن تعد قدسية وهي الأرقام المرقم بها في كتاب
стр. 163
الأحاديث القدسية على ترتيبها مع إلغاء أعداد مختلف رواياتها؟ ، وهي أربعة وخمسون حديثًا:
١٠ - ١١ - ١٣ - ١٦ - ١٩ - ٢٢ - ٢٥ - ٢٧ - ٣٠ - ٣٣ - ٣٤ - ٣٥ - ٣٦ - ٣٧ - ٤٢ - ٤٤ - ٤٥ - ٥٢ - ٦٢ - ٧١ - ٧٢ - ٧٣ - ٧٤ - ٨١ - ١١٣ - ١٢٣ - ١٣٤ - ١٤٢ - ١٤٤ - ١٤٦ - ١٥٢ - ١٥٤ - ١٥٥ - ١٦٠ - ١٦٢ - ١٧١ - ١٧٩ - ١٨٢ - ١٩٨ - ٢٠١ - ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٤ - ٢٣١ - ٢٣٤ - ٢٣٦ - ٢٦٢ - ٢٦٤ - ٢٦٦ - ٢٧١ - ٢٨٦ - ٢٨٩ - ٢٩٤ - ٣٠١.
* * *
стр. 164
شفاعة محمد ﷺ -
جاءني من الأستاذ السيد حسن قاسم مدير مجلة هدى الإسلام كتاب يشعرني فيه بالعزم على إصدار (عدد ممتاز) من المجلة لذكرى مولد الرسول ﵊، ورجا مني أن أكتب كلمة في ذلك، ولكن هذا الكتاب بلغني بأخرة من الوقت في حال تراكم أشغال بين يدي، ولولا أني أغتبط بالمشاركة في هذا العمل المبارك للذت بالاعتذار، وقد تذكرت أني كنت وعدت على صفحات مجلة هدى الإسلام أن سأكتب في حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» إجابة لسؤال الأستاذ حسين إبراهيم موسى الذي أرجأته منذ مدة، فقلت: هذا واجب الوفاء، قد أظل زمانه وأقام، ورأيت هذا المبحث جديرًا بالتحقيق والتحرير لتعلقه بالسيرة وبأصول الدين.
الشفاعة:
الشفاعة توسط سيد أو حبيب أو ذي نفوذ لدى من يملك عقوبة أو حقًا بأن يعدل عن الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود، وفي الحديث: «قالوا هذا جدير بأن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع»، وفي شفاعة الحبيب قال الشاعر:
فلا تحرمني نائلاً من شفاعة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
وقد تطلق الشفاعة مجازًا وتسامحًا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء»، وقول دعبل الخزاعي:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
стр. 165
ومن الشواهد لذلك نكتة تاريخية قل من يتفطن لها وهو ما وقع في ظهير الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية خراسان فقد جاء فيه: وليناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني.
والمراد بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعته يوم القيامة للناس عند الله تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب؛ وإذ قد أراد الله تعالى إكمال الفضائل لرسوله محمد ﷺ كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلة الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، تكميلاً لفضائله في الآخرة على حسب ما له من السؤود عند الله تعالى، فقد أعطى أهل السيادة الدنيوية الزائلة، خصلة الشفاعة الزائلة، وأعطى صاحب السيادة الحقة الدائمة الشفاعة الصادقة في دار الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائل لم يشاركه فيها أحد، فقد روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون فيهتمون لذلك فيلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يُريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى (فكل يعتذر) وأن عيسى يقول: ائتوا محمدًا عبدًا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربي فيأذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا».
- ووصف مثل مما وصف في المرة الأولى «ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة- قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة- فأقول ما بقي في
стр. 166
النار إلا ما حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود»، وزاد مسلم عن حذيفة: «ويقوم محمد فيؤذن له فيضرب الصراط ويمر الناس على الصراط فيمر الأول كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار».
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبله» وفي صحيح مسلم عن أنس قال رسول الله ﷺ : «انا اول الناس يشفع في الجنة».
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ : «إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة» يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد.
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، قال الترمذي: هو حديث صحيح غريب.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج الله به من يخرج من النار.
فشفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة أمر ثابت على الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وثبوتها للنبي ﷺ بأدلة من القرآن، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وبما ثبت في الصحيح ورويناه آنفًا.
والشفاعات على ما حققه أئمتنا خمسة أقسام:
الأول: الشفاعة إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يعجل حسابهم.
стр. 167
وتسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنها أعم أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد ﷺ صريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان.
الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا من خصائص النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.
الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار فيعتقهم الله منها.
الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا على ما اقتضاه حديث أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين.
الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة.
وإطلاق اسم الفاعل على القسم الأخير مجاز وتسامح، وإنما هي وساطة ووسيلة لزيادة النفع، في كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد ﷺ ؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهره أن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم.
وأما بقية الأقسام فاختصاص رسول الله ﷺ بالقسم الأول الذي هو الشفاعة العظمى، وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح الآثار التي لا معارض لها من مثلها، وأما القسم الرابع فقد ورد في بعض صحيح الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون، وبه جزم عياض في الإكمال أيضًا.
ولم يجب عياض عما تضمنه حديث الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله ﷺ بالشفاعة على الإطلاق، ورأى أن يكون الجواب على مجاراة ما جزم به عياض ﵀، أن يكون محمل حديث الموطأ والصحيحين: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي .... » فذكر منها: «وأعطيت الشفاعة»، إما الشفاعة العظمى، فيكون التعريف للعهد أو للكمال، وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق إجابة شفاعته لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فأردت أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».
وأما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فهو يقتضي تخصيص الشفاعة بكونها لأهل الكبائر من المسلمين، فيتعين حمل هذا الحديث على أن المراد بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعة تتحقق بها النجاة من أثر الجناية نجاة مستمرة بخلاف
стр. 168
القسم الأول فإنها شفاعة لنجاة خاصة من آلام الموقف وبخلاف الخامس؛ إذ إطلاق الشفاعة عليه مجاز كما علمته.
والتحقيق عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مما ظاهره إثبات شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعة مجازية؛ لأنها إما دعاء؛ كقول النبيين على الصراط: اللهم سلم سلم، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين، وإما شهادة وتعريض بالتشفيع؛ كقول المؤمنين الناجين في شأن المؤمنين الذين أدخلوا النار: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقول الله لهم: «أخرجوا من عرفتم»، فهذا إذن من الله لهم بعد شهادتهم كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم، وإما تلقي إذن من الله تعالى، كما ورد أن الله يأمر الملائكة بإخراج من لا يشرك بالله شيئًا، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين، وعليه فما وقع في بعض روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم، فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيون» هو من باب المجاز، أي: وسطت الملائكة واستجيب دعاء النبيين بالسلامة وقبلت شهادة المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة، وعليه فحمل حديث الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يعطها أحد قبله أن يكون على ظاهره، ويدل لذلك أن حديث الصحيحين المروي عن أنس وأبي هريرة وحذيفة صريح في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي ﷺ لتفصى أفضل بقية الرسل منها.
وقد أنكر بعض أقسام الشفاعة طوائف من المبتدعة في الدين وأول من أنكر الشفاعة الخوارج في عصر الصحابة، ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، فممرنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث الناس عن رسول الله ﷺ فإذا هو قد ذكر الجهنميين (أي: أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين) كما ورد في حديث عمران ابن حصين وانس بن مالك قال يزيد: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ويقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ
стр. 169
أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد يعني قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، قلت: نعم، قال: فإن مقام محمد المحمود الذي يخرج به من يخرج، ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، وإن إنكار الشفاعة مبني على أصلهم فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجب الخلود في النار إلا أن يتوب، فإن كان قد تاب فالشفاعة عبث؛ لأنها تحصيل حاصل وإن كان لم يتب فالشفاعة محال؛ لأنها لا تفيد المشفوع فيه شيئًا لوجوب خلوده في النار، وأدلتهم في ذلك ظواهر من القرآن تقتضي خلود مرتكب الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر، وتلك الأدلة عندهم أقامت لهم أصلاً قاطعًا من أصول الاعتقاد في نظرهم واستدلوا على بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فلذلك تأولوا الآيات التي تقضي وجود الشفاعة لمنافاتها للأصل القاطع، وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة الخوارج، ولذلك لما حدث به عصابة يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على الناس تبعًا للخوارج علمت تلك العصابة صدق ذلك الصحابي الشيخ، قال يزيد الفقير: فرجعنا فوالله ما خرج منا غير رجل واحد.
ووافقهم المعتزلة على ذلك مع اختلاف الدليل، وذلك أن المعتزلة يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النار إن لم يتب، ولا يجوزون المغفرة له؛ لأن الإحسان للمسيء والإساءة للمحسن قبيح يستحيل صدوره من الله تعالى، وتأولوا ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعة لرفع الدرجات في الجنة.
ومذهبنا معاشر أهل السنة أن الشفاعة ثابتة وسبيلنا في ذلك أنها جائزة عقلاً، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح وأدلتنا السمعية واضحة من الكتاب والسنة، ومحمل آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩] ونظائر ذلك كثيرة.
واعلم أن الشفاعة التي ينكرها هؤلاء هي الأقسام الثاني والثالث والرابع
стр. 170
ولم ينكروا الشفاعة للإراحة من هول الموقف ولا الشفاعة لرفع الدرجات كما حققه عياض ﵀ في الإكمال.
* * *
стр. 171
جواب لأحد الفضلاء في تحرير مسألة علم الهيئة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
إلى الفاضل ابننا السيد ... حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أما بعد،
فقد بلغني كتابكم أشكركم على حسن أمانيكم نحوي، وأسأل الله أن يجازيكم عنها أحسن جزاء البارين، وأحمد الله لكم على تهممكم بتحقيق المسائل الدينية راجيًا لكم مزيد التوفيق والسداد، وقد اطلعت على السؤال الوارد عليكم وما أجبتم به مما هو مسطور في الكتاب المذكور وطلبكم مني الجواب عن ذلك.
وجوابي أن من أصول علم الهيئة أن شروق الشمس وغروبها تابع لحركة الأرض حول الشمس، وهذا أصل لا نزاع فيه لثبوته بالأدلة المفيدة لليقين وليس في عقائد الإسلام ولا في فروعه ما ينافيه، وهذا من سير الأرض فإذا أسند إليَّ .... كان إسنادًا على وجه المجاز إذا قيل: طلعت الشمس أو غربت الشمس أو زالت الشمس عن كبد السماء.
وهنالك أصل آخر، وهو أن للشمس حركة انتقالية خاصة في فلكها وهو انتقالها في دائرة فلكية من مبدأ تلك الدائرة إلى أن تعود فتلوح للناظر في السمت الذي ابتدأ منه تنقلها ويحصل تمام ذلك الانتقال في مدة السنة الشمسية التي تستمر ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا في دائرة فرضية مقسمة إلى اثني عشر جزءًا مُعْلِمَة للناس بتجمع لنجوم ذات أشكال، لها أسماء تقريبية يعبر عنها بالبروج، وبها ينقسم العام إلى الفصول الأربعة وهي دائرة مضبوطة بابتداء الوقت الذي اصطلح علماء الهيئة على جعله مبدأ ضبط حلول الشمس في برج الحمل، فهذا هو التنقل الحقيقي للشمس في فلكها، وهو المعبر عنه بالجري أو بالسير وإسناده إلى الشمس إسناد حقيقي.
فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨].
فإنه أثبت للشمس جريًا، ولا شك في أن إطلاق الجري على تنقل جرم الشمس من حيز إلى حيز في دائرة فلكها المفروضة إطلاق مجازي؛ لأن حقيقة الجري هو
стр. 172
نوع من مشي الحيوان ذي الأرجل مشيًا سريعًا، وإنما تنقل الشمس تنقل دحرجة وتقلقل، وأطلق عليه الجري بعظيم أبعاد المسافات التي تقطعها الشمس.
فللتوفيق بين معاني القرآن وقواعد العلوم يتعين حمل الجري في هذه الآية على تنقل الشمس في فلكها الذي تتم به دورة العام الشمسي؛ لأن إسناده إلى الشمس إسناد حقيقي والأصل في الإسناد الحقيقة، وهذا هو المناسب لقرنه بمنازل القمر في الجملة المعطوفة لقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، فإن منازل القمر ثمان وعشرون منزلة يتنقل في دائرتها من مبدأ إلى نهاية في مدة شهر قمري، وهو نظير تنقل الشمس في دائرة بروجها في مدة عام شمسي.
وعبر بالفعل المضارع في قوله: ﴿تَجْرِي﴾ لإفادة تكرر هذا الجري وتجدده.
واللام في قوله تعالى: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ بمعنى (إلى) مثل اللام في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥]، ألا ترى أن نظيره في سورة لقمان: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩]، بحرف (إلى).
والمستقر مصدر ميمي بمعنى الاستقرار، أي: انتهاء الجري والسير، فالاستقرار ملازمة المكان فإن السائر إذا انتهى سيره يقال: إنه استقر، كما قال راشد السلمي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينًا بالإياب المسافر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * * *