← Фикх малики

Фикх малики · id 133369

توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام

عثمان بن المكي التوزري

Полный текст (760 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لأن مدار حكم الحاكم هو في الظاهر على كلام الخصمين لا حظ له في الباطن لأنه لا يبلغه علمه فلا ينفذ فيه حكمه وانما يحكم في الظاهر والباطن الظاهر الباطن سبحانه. وقد قال النبي ﷺ إنما أنا بشر وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضى له على نوع ما اسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق اخيه فلا ياخذه فانما اقطع له قطعة من النار فهذا رسول الله ﷺ المصطفى للاطلاع على الغيب يتبرأ من الباطن ويتنصل من تعدي حكمه اليه فكيف بغيره من الخلق وهذا يدل على أن الحاكم مصيب في حكمه في الظاهر وان أخطأ الصواب عند الله تعالى في الباطن لأن الله سبحانه قال وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا بحكمهم وانتم تعلمون بطلان ذلك والحاكم في عفو الله وثوابه والظالم في سخط الله تعالى وعقابه انتهى (قلت) الحديث والاية يدلان على أن حكم الحاكم لا يحل الحرام لأنه لا يتناول إلَّا الظاهر فقط على القول الصحيح (الثانية) كأن قائلاً قال له حيث كان لا يجوز للقاضي أن ينفذ الحكم إذا لم يظهر له وجهه فما يصنع اجاب عنه بقوله (والصلح يستدعي له أن اشكلا ... حكم وان تعين الحق فلا) (ما لم يخف بنافذ الاحكام ... فتنة أو شحنا أولي الارحام) يعني أن القاضي إذا اشكل عليه وجه الحكم أو المحكوم به بسبب تداخل كلام المتخاصمين كما تقدم أو تعارض البينات أو الأقوال فانه يدعوهما للصلح لأنه لا يجوز له أن ينفذ حكمه والحالة ما ذكر كما مر أما أن ظهر له وجه الحكم أو النص الذي يحكم به أو ترجيح احدى البينتين فلا يجوز له أن يدعوهما إلى الصلح بل الواجب عليه أن ينفذ حكمه إلَّا إذا خاف بتنفيذ حكمه حصول فتنة بين الخصوم أو وقوع الشحناء والبغض بين ذوي الارحام وكذلك اهل الفضل فانه يامرهم بالصلح. وقال كثير من اصحاب مالك لا بأس أن يامرهما بالصلح متى رآه قبل النظر وبعده

стр. 37

أشكل أمرهما أو لم يشكل كذا في ابن رحال على ميارة نقلا عن ابن دبوس (قلت) هذا هو المناسب لأهل هذا الزمان (الثالثة) قوله (والخصم أن يعجز عن القاء الحجج ... لموجب لقنها ولا حرج) يعني أن الخصم إذا عجز عن الاستظهار بحجته بسبب اندهاش ونحوه لو اقر الخصم بما فيه منفعة له وغفل عن طلب الكتب عليه فإن القاضي يلقنه حجته وينبهه على كتب ما اقر له به خصمه بدون حرج عليه في ذلك ولا اثم ولو كان العاجز غير جاهل بامور الخصام على المشهور وقد يقال أن التلقين واجب إذا كان الخصم جاهلا ضعيفا عنها لقوله ﵊ من ثبت غيبا في خصومة حتى يثبتها ثبت الله قدمه يوم تزل الاقدام قال الامام ابن عرفة فاذا ظن القاضي أن المعذور اليه يجهل ما يسقط عنه الحجة نبهه الحاكم على ما يسقطها وقال (خ) فإن اقر فله الاشهاد عليه وللحاكم تنبيهه عليه وقوله أن يعجز بضم الجيم فمفهومه أنه إذا كان غير عاجز ولا غافل فانه لا ينبهه وعليه الاثم وهو كذلك لأنه من الحيف وهو حرام كما أنه لا يجوز للقاضي وغيره تلقين الفجور والحيل ليتغلب على الخصم بها مع أنه في نفس الامر والواقع على باطل وهو جرحة فيمن فعله فقيها كان أو غيره ويؤدب فاعله باجتهاد الحاكم (الرابعة) قوله (ومنع الافتاء للحكام ... في كل مايرجع للخصام) يعني أنه يمنع للحكام الافتاء في كل ما شأنه يرجع للخصام من ابواب المعاملات قال المهدي ما نصه وما ذكره الناظم من المنع هو الظاهر ابن عبد السلام ونصه يعني أنه يجوز له الفتيا فيما عدى مسائل الخصام وهل له الفتيا في مسائل الخصام قولان احدهما ليس له ذلك لأنه من اعانة الخصوم على الفجور والثاني اجازة فتياه في مسائل الخصام واما تعليم القاضي العلم وتعلمه فجائز له فعبارته ظاهرة في المنع الذي قاله ظم البرزلي وهذا إذا كانت الفتوى فيما يمكن أن تعرض بين يديه ولو جاءته من خارج بلده

стр. 38

او من بعض الكور أو على يدي عماله فليجبهم عنها له ومحل المنع أيضا حيث لا يمكن الاطلاع على مذهبه ألَّا من افتائه وذلك إذا كان مجتهدا أو مقلدا وفي المسألة قولان متساويان مثلا واما أن كان احدهما راجحا أو معمولا به جاز له أن يفتي به انظر البناني والله أعلم (الخامسة) قوله (وفي الشهود يحكم القاضي بما ... يعلم منهم باتفاق العلما) (وفي سواهم مالك قد شددا ... في منع حكمه بغير الشهدا) (وقول سحنون به اليوم العمل ... فيما عليه مجلس الحكم اشتمل) يعني أنه يجوز للقاضي أن يستند على علمه في عدالة الشهود وجرحتهم فيحكم بشهادة من علم عدالته ولا يحكم بشهادة من علم جرحته اتفاقا ولا يجوز له أن يحكم بما علمه في غير التعديل والتجريح كان ذلك قبل ولايته أو بعدها في مجلس حكمه أو لا بل لابد من سماع الشهود لما اقر به الخصم لخصمه فإن لم يكن شهود حضورا لما اقر به فهو فيما اقر به الخصم لديه شاهد هذا هو المشهور وينقض حكمه أن وقع. وعند سحنون إذا جلس الخصمان لديه فاقر احدهما بشيء وسمعه القاضي وحده فجائز أن يقضي بينهما قال الناظم وبه العمل. وقال ابن رحال كلام المفيد وابن سلمون يفيد أن العمل على خلاف ما في التحفة وهذا هو اللائق بزماننا (تنبيه) يستثني من قوله وفي سواهم مالك قد شددا البيت الحكمان فانه يجوز لهما الحكم بما علماه من الزوجين ولا يحتاجان إلى احضار الشهود وينفذ ما حكم به قال ابن العربي (السادسة) قوله (وعدل أن ادى على ما عنده ... خلافه منع أن يرده) (وحقه انهاء ما في عمله ... لمن سواه شاهدا بحكمه) يعني أن العدل إذا ادى شهادته عند القاضي والقاضي يعلم خلاف ما شهد به العدل

стр. 39

فليس للقاضي أن يرد شهادته لعدالته عنده وليس له أن يحكم بهما لمخالفتها لما في نفس الامر والواقع الذي يعلمه القاضي والعمل في ذلك أن يرفع القاضي شهادته حيث لا يجوز له أن يحكم بما في علمه لغيره من الحكام مع شهادة العدل فيكون القاضي في هاته الجزئية بحكم الشاهد أي على حكم الشاهد وطريقته فالباء بمعنى على ويجوز أن يكون لفظ حكم زائد بين الجار والمجرور للوزن أي به أي بما هو مخالف لشهادة الشاهد فتبقى الباء على حالها (السابعة) قوله (وعلمه بصدق غير العدل لا ... يبيح أن يقبل ما تحملا) يعني أن القاضي إذا علم بصدق غير العدل فيما شهد به عنده فلا يجوز له قبول شهادته لأنه يؤدي إلى حكمه بعلمه وهو ممنوع كما تقدم (الثامنة) قوله (ومن جفا القاضي فالتاديب ... اولى وذا لشاهد مطلوب) (وفلتة من ذي مررءة عثر ... في جانب الشاهد مما يغتفر) يعني أن من اساء الأدب على القاضي بكلام لا يليق بمنصبه الشريف أو على الشاهد في مجلس حكمه فإنه يؤدبه بالاجتهاد وتأديبه أولى من العفو عنه زجرا لأمثاله إلَّا إذا كان ذا مروءة وحصل منه ذلك فلتة في جانب الشاهد وكذا في جانب القاضي فهو مغتفر لقوله ﵊ اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم الحديث. ويلحق بقضية الشاهد وقوع احد الخصمين في صاحبه قال الشيخ ميارة فلو قال الناظم بدل الشطر الأخير من البيت الثاني. في الخصم والشاهد مما يغتفر. لافاد مسألة الوقوع في الخصم (التاسعة) قوله (ومن الد في الخصام وانتهج ... نهج الفرار بعد إتمام الحجج) (ينفذ الحكم عليه الحكم ... قطعا لكل ما به يختصم) (وغير مستوف لها أن استتر ... لم تنقطع حجته إذا ظهر)

стр. 40

(لا كنما الحكم عليه يمضي ... بعد تلوم له من يقضي) الأبيات الأربعة يعني أن الخصم إذا تلذذ على خصمه في الخصومة وسلك طريق الفرار بتغيبه عن مجلس الحكم خوفا من وقوع الحكم عليه فإن كان ذلك بعد إتمام حجته وانقضاء الآجال والتلومات وثبت تغيبه فإن القاضي يحكم عليه وينفذ حكمه ولا تسمع له بعد ذلك دعوى ولا بينة. وإن كان فراره قبل استفاء حجته فإن القاضي يحكم عليه أيضا لكن بعد أن يتلوم له بالاجتهاد لعله يحضر فإن انقضى الأجل ولم يحضر وأمضى الحكم عليه ويبقى على حجته وبهذا جرى العمل (المسألة العاشرة) في حكم الالداد قال أبن العربي لا يجوز الالداد لقول الله تعالى ﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني ذا جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال أبغض الرجال إلى الله الالد الخصام. وقول الناظم الحكم في البيت الرابع مفعول مقدم منصوب بيمضي بضم الياء المثناة تحت من أمضى الرباعي وفاعل يمضي من وهو اسم موصول واقع على القاضي وجملة يقضي صلته والله أعلم (فصل في المقال والجواب) المقال هو دعوى المدعي أما بتقييدها وهو الأكثر وأما بتقديم رسم الحق. والجواب هو ما يجيب به المدعي عليه من إقرار أو إنكار أو امتناع (مقدمة) في صفة العمل في ذلك كما في المتيطية وغيرها أنه يجب على القاضي إذا حضر لديه الخصمان وعرف المدعي من المدعي عليه كما تقدم فيسأل المدعي عن دعواه ويفهمها عنه فإن كانت مما لا يجب على المدعى عليه بها حق أعلمه بذلك ثم يصرفها عنه فإن نقص من دعواه. ما فيه بيان مطلبه أمره بإتمامه وأن كان مجملا أمره بتفسيره وأن كان الحق لميت أو على ميت أمره بإثبات وفاته وبيان ورثته وتناسخ الوارثات أن كان ثم تناسخ وأن طال

стр. 41

ليعلم مناب كل واحد منهم وتضمينها في رسم المقال كتضمين التوكيل إذا كان القائل وكيلا وتضمين الايصاء أو التقديم إذا كان القائل وصيا أو مقدما في حق المولي عليه خوفا من ضياعها إذا انفردت فيتوقف حكم الحاكم عليها عند إرادة الحكم فإذا صحت الدعوى بشروطها المتقدمة وتمت الموجبات سأل القاضي المدعي عليه الجواب عنها فإن طلب من المدعي أن يجمع مطالبه ويحصر دعواه فيها ويأخذ نسخة من مقاله لينظر ما فيها ويحتج بها يوما ما أجيب إلى ذلك إلا في المواريث وحق المولي عليهم فلا حصر لأن الحصر يستلزم الإبراء والمولي عليه لا يصح الإبراء عنه ولا يجوز لما فيه من تضيع حقوقه ولا يسأل القاضي المدعي عن البينة قبل جواب المدعي عليه فلعله يجيب بالإقرار فيرتفع النزاع كما مر فإن أجاب بعد ذلك بالإقرار فظاهر ويجب على القاضي تسجيله لئلا ينكر بعد فيضيع الحق أو تطول الخصومة وإن أجاب بالإنكار نظر القاضي في ذلك بما يجب وهو أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر إذا كانت الدعوى في مال أو ما يؤول إليه كما تقدم وسيأتي أيضا في أنواع الشهادات مفصلا وإن أبهم في جوابه أمره بتفسيره وقيد بذلك كتابا كالمقال ليحتج كل واحد من الخصمين على صاحبه بما قيده على نفسه أو عن المنوب عنه فينحصر الخصام ويتمكن القاضي من تصور النازلة وفهمها فيسهل عليه فصلها فإن أمتنع من الجواب عن الدعوى بالإقرار أو الإنكار فالحكم في ذلك هو ما أشار إليه الناظم بقوله (ومن أبى إقرارا أو إنكارا ... لخصمه كلفه إجبارا) (فإن تمادى فالطالب قضي ... دون يمين أو بها وذا أرتضى) يعني أن المدعي عليه إذا أمتنع من الجواب عن دعوى المدعى بأن قال لا أجيب أو لا أقر ولا أنكر فإن القاضي يجبره على الجواب بأحد الأمرين أما بالإقرار وإما بالإنكار بالتهديد فإن أستمر على إبايته في ذلك المجلس سجنه وضربه أن أمكن فإن تمادى حكم عليه بعد إعلامه بذلك لأنه من باب الأعذار وهل يحكم عليه بدون يمين

стр. 42

المدعي وهو الأكثر وبه العمل أو بها وقد ارتضي هذا القول وبه عمل قولان (تكملة) قال الحطاب وان قال المدعى عليه هذا الشيء المدعى فيه ليس ملك لي بل هو لفلان وهو حاضر فصدقه سلم له المدعى فيه والخصومة بينه وبين المدعي وللمدعي احلاف المقر أنه ما اقر به لاتلاف حقه إذ لو اعترف أنه اقر بالباطل وان المقر به إنما هو لمدعيه لزم الغرم له فانه حلف أنه لم بقر إلَّا بالصدق ولا حق فيه للمدعي سقط مقال المدعي فإن نكل عن اليمين فهاهنا اختفل الناس هل يستحق بيمينه غرامة المقر لاتلافه باقراره ما اقر به أو لا لأنه لم يباشر الاتلاف واذا توجهت الخصومه بين المدعي والمقر له وجبت اليمين على المقر له فإن نكل حلف المدعي وثبت حقه فإن نكل فلا شيء له عليه وهل له تحليف المقر أو لا قال ابن عبد السلام ليس له ذلك لانها لو وجبت لكان للمقر النكول فاذا نكل عنها لم يكن للمدعي أن يحلف لأنه قد توجه عليه هذا الحلف ونكل عنه انتهى قوله (والكتب يقتضي عليه المدعي ... من خصمه الجواب توقيفا دعي) يعني أن المكتوب الذي يقيده المدعي ويطلب من المدعى عليه الجواب عنه كما يسمى مقالا يسمى أيضا توفيقا لأن الطالب الذي قيده يوقف عليه المطلوب للجواب عنه لدى القاضي أما ما يقيده المدعى عليه فيسمى جوابا لا غير والله تعالى اعلم قوله (وما يكون بينا أن لم يجب ... عليه في الحين فالاجبار يجب) (وكل ما افتقر للتامل ... فالحكم نسخه وضرب الاجل) (وطالب التاخير فيما سهلا ... لمقصد يمنعه وقيل لا) يعني أن الدعوى المقيدة بالمقال أن كانت سهلة قليلة الفصول فإن المدعى عليه يكلف بالجواب عنها حلا من غير تراخ ولا يجاب إلى اخذ نسخة أن طلبها وانما تقرأ عليه الدعوى فقد فإن امتنع من جواب اجبر عليه كما تقدم وان كانت غامضة كثيرة الفصول مفتقرة للتأمل فالحكم اعطاء نسخة منه للمدعى عليه أن طلبها ويضرب له

стр. 43

اجل للجواب بالاجتهاد ثم ما تقدر من كون المدعى عليه أن طلب التاخير عن الجواب فيما سهل لا يجاب لمطلبه أن كان لغير مقصد أما إذا طلب التأخير لمقصد من المقاصد كتوكيل من يجيب عنه وسؤال اهل العلم عما قيد عنه لياتي بما ينفعه أو ليحتج به على خصمه كما تقدم فهل يمنع من التاخير كذلك أو لا يمنع وتعطى له النسخة من المقال ويؤجل للجواب قولان عمل بهما واستمر العمل على الثاني قال بعض الشيوخ وهو المعول عليه والمناسب لاهل هذا الزمان ولا ضرر على المعطي للنسخ في هذا (استدراك) لابد من مطابقة الجواب للدعوى وسيأتي شيء من هذا عند قول الناظم. ومنكر للخصم ما ادعاه. البيت كما تقدمت الاشارة اليه في اول الفصل قوله (ويوجب التقييد للمقال ... تشعب الدعوى وعظم المال) (لانه اضبط للاحكام ... ولانحصار ناشئ الخصام) (وحيثما الامر خفيف بين ... فالترك للتقييد مما يحسن) (فرب قول كان بالخطاب ... اقرب للفهم من الكتاب) الابيات الاربعة تقدم أن المقال تارة يكون صعبا متشعبا لكثرة فصوله وتارة يكون سهلا وعلى كل حال فتقييد المقال المتضمن للدعوى امر مشروع عند العلماء وانما الكلام في الوجوب وعدمه فذكر الناظم هنا أنه إذا كان الوجه الاول وجب تقييد المقال لا سيما أن انضم إلى ذلك كثرة المال المتنازع فيه لأن تقييده يضبط الاحكام وينحصر به ناشئ الخصام فلا يقدر المدعي أن ينتقل من دعوى إلى اخرى ولا على زيادة شيء آخر إذا حصر دعواه فيما قيده حصرا بالفعل فإن زاد بعد الحصر شيئا لم تقبل زيادته أن امتنع خصمه من ذلك وان انتقل إلى اخرى بطلت دعواه جملة لاضطرابه. وان كان الوجه الثاني فترك التقييد حسن إذ ربما يكون تلقي الدعوى وفهمها بالكلام اسهل للفهم من الكتاب والاحسن التقييد لاهل هذا الزمان كما تقدم إلَّا إذا كان المال قليلا بحسب

стр. 44

العرف بحيث تضره المصاريف فلا يحسن التقييد كما قال وتكون النازلة شفاهية. والمراد بالوجوب هنا الوجوب الصناعي عند اهل الفن لا الوجوب الشرعي الذي يكون في فعله ثواب وفي تركه عقاب. وقوله اقرب بالرفع خبر المبتدأ الذي هو قول المجرور برب وجملة كان بالخطاب صفة لقول. وقوله الامر خفيف بين مبتدأ وخبر ونعت ومنعوت فائدة قال الزرقاني عند قول الشيخ خليل وملك الصيد المبادر لو تكررت شكوى شخص بآخر فإن للمشكو أن يرفع الشاكي للحاكم ويقول له أن كلن لك شيء عندي فيدعي به فإن أبى من ذلك حكم له بانه لا حق له بعد ذلك وليس له شكوى قطعا للنزاع. (قلت) قوله حكم له بانه لا حق له بعد ذلك الخ أي فيما كان يدعيه قبل الحكم أما ما كان محدثا بعد الحكم فله القيام به وتسمع دعواه فيه وهاته المسألة تعرف عندنا بالتقييد أو الاسقاط قطعا للمشاغبة على أن ذلك لا يكون إلَّا بعد التكرار كما قال لا من اول شكوى كما فعله بعض القاصرين من المعاصرين والله الموفق للصواب (ترتيب حسن) لكلام الناظم فصل في المقال والجواب والكتب يقتضي عليه المدعي ... من خصمه الجواب توقيفا دعي ويوجب التقييد للمقال ... تشعب الدعوى وعظم المال لانه اضبط للاحكام ... ولانحصار ناشيء الخصام وحيثما الامر خفيف بين ... فالترك للتقييد مما يحسن فرب قول كان بالخطاب ... اقرب للفهم من الكتاب وكل ما افتقر للتأمل ... فالحكم نسخه وضرب الاجل وما يكون بينا أن لم يجب ... عليه في الحين فالاجبار يجب وطالب التأخير فيما سهلا ... لمقصد يمنعه وقيل لا ومن أبى اقرارا أو انكارا ... لخصمه كلفه اجبارا فان تمادى فلطالب قضي ... دون يمين أو بها وذا ارتضى وخصم أن يعجز عن القاء الحجج ... لموجب لقنها ولا حرج

стр. 45

ومنع الإفتاء للحكام ... في كل ما يرجع للخصام ومن ألد في الخصام وانتهج ... نهج الفرار بعد إتمام الحجج ينفذ الحكم عليه الحكم ... قطعا لكل ما به يختصم وغير مستوف لها أن استتر ... لم تنقطع حجته إذا ظهر لا كنما الحكم عليه يمضي ... بعد تلوم له من يقضى (فصل في الاجال) لما ذكر الناظم أن المدعى عليه إذا اخذ نسخة من المقال للجواب عنه وانه يؤجل لذلك ناسب أن يكون فصل الاجال عقب فصل المقال والجواب (والاجال) جمع أجل وهو في اللغة مدة الشيء ووقته الذي يحل فيه وهو مصدر أجل الشيء اجلا من باب تعب. واجل أجولا من باب قعد لغة واجلته تاجيلا جعلت له اجلا والاجل على فاعل ضد العاجل وجمع الأجل آجال مثل سبب واسباب واجل مثل نعم وزنا ومعنى قاله في المصباح. وفي الاصطلاح المدة التي يضربها الحاكم للخصم لما عسى أن يأتي بما ينفعه من الحجة. واعلم أن ضرب الأجل للمواعيد سنة ماضية ومعنى قديم اسسه الله تعالى في القضايا وحكم به للامم وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال وان اول أجل ضربه الايام الستة التي مدها لجميع الخليقة فيها وقد كان قادرا في أن يجعل ذلك لهم في لحظة واحدة لأن قوله لشيء إذا اراده أن يقول له كن فيكون إلَّا أنه اراد تعليم الخلق التأني وتقسيم الاوقات على اعيان المخلوقات ليكون لكل عمل وقت وان الأجل إذا ضرب لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل لاجله فجاءه الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة وقد بين الله ذلك في قصة موسى ﷺ فضرب اجلا ثلاثين ليلة وهو معنى قوله تعالى ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ الاية فخرج لوعد ربه فزاد الله عشرة تتمة اربعين ليلة وهو معنى قوله تعالى ﴿وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ ثم أن الزيادة التي تكون على

стр. 46

الأجل غير مقدرة كما أن الأجل غير مقدر وانما يكون ذلك باجتهاد الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالامر من وقت وحال وعمل فيكون الأجل بحسب ذلك فاذا قدر الأجل باجتهاده قدر الزيادة مثل ثلث المدة السالفة كما أجل الله لموسى في الزيادة ثلث ما ضربه له من المدة وان رأى الحاكم أن يجمع له الاصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ولكن لا بد من التربص بعدها لما عسى أن يطرأ من العذر على البشر قاله أبو بكر بن العربي إذا تقرر هذا وعلمته سهل عليك فهم قول الناظم (ولاجتهاد الحاكم الاجال ... موكولة حيث لها استعمال) إلى آخره فمعنى هذا البيت هو أن الاجال التي يدخلها الاجتهاد إذا أريد استعمالها في المرافعات فإنها موكولة لنظر القضاة في قدرها وجمعها وتفلايقها كما مر أما الاجال المقررة في الشريعة وهي أجل المولى اربعة اشهر واجل المعترض والمجنون والمجذم سنة للدواء واجل المفقود اربع سنين للحر ونصفها للعبد واجل المعتدة والمستبرأة لا يدخلها الاجتهاد (ولما) كانت النفس ربما تتشوف لما ضربه القضاة الاقدمون من الاجال في جزئيات القضايا وان لم يجب الوقوف عنده لما يراه الحاكم العادل في تلك الجزئية كما تقدم شرع شرع الناظم رحمه الله تعالى في ذكر بعض مسائل من ذلك لينقاس عل كل واحدة منها ما يماثلها تسهيلا على المبتدئين من القضاة قال (وبثلاثة من الايام ... أجل في بعض من الاحكام) (كمثل احضار الشفيع للثمن ... والمدعي النسيان أن طال الزمن) (والمدعي أن له ما يدفع ... به يمينا امرها مستبشع) (ومثبتا دينا لمديان وفي ... اخلاء ما كالربع ذلك اقتفى) (وشرطه ثبوت الاستحقاق ... برسم الاعذار فيه باق) الابيات الخمسة يعني أن عمل القضاة جرى بالتاجيل ثلاثة ايام في خمس مسائل (الاولى) من اخذ بالشفعة وطلب التاجيل لاحضار الثمن أما من طلب التاجيل لينظر هل

стр. 47

يشفع أم لا فانه لا يؤخر إلَّا كساعه على المعتد (الثانية) من ادعى عليه بدعوى مالية فادعى الانسان لطول الزمن وطلب التاجيل ليتذكر فيقر أو ينكر (الثالثه) من توجهت عليه يمين فادعى أن عنده ما يدفع به تلك اليمين التي تكرهها النفس وتستبشعها (الرابعه) من له دين على اخر فلما طلبه ادعى العدم فلما رأى رب الدين من القاضي أن يحكم بثبوت عدم غيرمة طلب تاخير الحكم لذلك ليثبت أن لمدينه دينا أو حقا أما بثبوت التاجيل لاثبات دبن على منكره فسأتي بعد هذه (الخامسه) من استحق عقارا ولم يبق للمقوم عليه إلَّا عذرا وطلب المستحق اخلاءه ليعقله بالحيلولة بينما لا بعدم التفويت فقط على خلاف في ذلك يأتي ذكره في الشهادة الخامسة التي توجب العقلة فإن حائزه يؤجل لاخلاءهثلاثة ايام (مسئلة) من اكتري بيتا وانقضى أجل كرائه ولم يخرج فانه يؤخر ثلاثه ايام ونحوها لينتقل إلى مسكن اخر لأن في اخراجه لغير مسكن ضررا ذكره الشيخ ميارة في شرحه على الزقاقيه قوله (وفي سوى اصل له ثمانيه ... ونصفها لستة مواليه) (ثم ثلاثة لذلك تتبع ... تلوما واصله تمتعوا) يعني أن التاجيل في غير الاصول وخل العقود الاتي ذكرهما وغير المسائل المتقدمة بل في اثبات الديون والعروض والحيوانات يكون بواحد وعشرين يوما مفصلة ثمانية بغير اليوم الذي كتب فيه الأجل في جميع الاجال لا يعد على المتاجل ثم ستة ايام ثم اربعه ثم يتلوم له بثلاثة ايام اعذارا وهو الأجل الاخير. ولاصل فيه قول الله تعالى في قصة قوم صالح ﵊ الذين عقروا الناقة ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ أي عيشوا في دياركم ثلاثة ايام ثم تهلكون فهلكوا عن آخرهم بعدها والقصه مرجعها كتب التفسير فلا نطيل بذكرها. وعلى الحاكم إذا حضر لديه التاجل عند انقضاء الأجل المضروب له أن يقول لو لو ابقيت لك حجه فإن اتى بها نظر فيها بما يجب وإلَّا وسع

стр. 48

له بالأجل الثاني وهكذا إلى تمام الاجال والتلوم فإن انقضتولم يات بما تاجل له عجزه بالاسقاط عليه بمحضر عدلين يشهدهما على حكمه وساتي شيء من هذا قريبا والذي رأيته بمحاضرة تونس عدم التوقيف أن انقضاء كل أجل حيث أن الخصم بكثرة مصاريف رسوم الاجال والجمع اولى في هذا الزمن كما يأتي عند قوله وتجمع الاجال البيت قوله (وفي الاصول وفي الارث المعتبر ... من عدد ايام خمسة عشر) (ثم تلي اربعه ايام تستقدم ... بضعفها ثم يلي التلوم) (وفي اصول ارث أو سوله ... ثلاثة الاشهر منتهاه) (لاكن مع ادعاء بعد البينه .. ومثه حائز ملك سكنه) (مع حجة قوية له متى ... اثبته لنفه من اثبتاه) الابيات الخمسة يعني أن الأجل المعتبر في اثبات الاصول سواء كانت من ارث أو من غيره وفي اثبات الارث من غير الاصول ثلاثون يوما تفرق خمسة عشر يوما ثم ثمانيه ثم اربعه ثم تليها التلوم بثلاثة ايام يوقفه الحاكم عند انقضاء كل أجل أن طلبه الخصم كما تقدم وله أن يضرب له اجلا قاطعا ثلاثين يوما مشتملا على الاجال والتلوم فهو من فعل ما مضى من القضاه وسياتي الكلام عليه قريبا. ومحل كون الأجل ثلاثين يوما في اثبات الاصول وما عطف عليها إذا كانت البيئه حاضرة بالبلد فإن كانت غائبه فلا سيما أن كانت بعيده فانه يؤجل اكثر من ذلك في اثبات الاصول مطلقا اجلا منتهاه ثلاثة اشهر ومثله من بيده ملك حائز فادعاه مدع واثبت دعواه فطلب الحائز للملك التاجيل ليأتي بحجة تعارض حجة خصمه وتدفعها ليكون احق بما بيده من المالك فانه يؤجل ثلاثة اشهر ايضا. وقوله متى اثبته الخ شرط جوابه محذوف يدل

стр. 49

عليه ما تقدم والتقدير متى لنفسه من اثبت وادعى الحائز مدفعا فانه يؤجل اجلا منتهاه ثلاثة اشهر قوله (وبيع ملك لقضآء دين ... قد اجلوا فيه إلى شهرين) يعني أن من كان يملك ربعا أو عقارا وثبت عليه دين ولم يكن من اهل الناض فانه يؤجل في بيع ربعه أو عقاره الشهر أو اكثر من شهرين أما غير الربع والعقار من العروض والحيوان وهو المرد بالناض هنا فانه يباع بالمناداه كذلك ولا تباع عليه رباعه أو عقاراته لاكن أن كان المنقول كالحبل والدلو وما كان في تأخيره فساد فانه يباع حالا وان كان اثاثا أو حيوانا كالخيل والبغال والبقر فانه يباع بعد ايام يسيره أن ظنت الزياده وان كان كالجواهر واليواقيت فحكمه كالعقار فإن وفت المنقولات بالدين فذلك وإلَّا كمل العقار بما فيه وفاء الدين والله اعلم قوله (وحل عقد شهر التاجيل ... فيه وذا عندهم المقبول) (وتجمع الاجال والتفصيل ... وفي وقتنا هذا هو المعمول) يعني أن المشهود عليه إذا طلب حل الشهادة التي تضمنها العقد فانه يؤجل شهرا على القول المقبول المعمول به وقيل يؤجل شهرين وقيل يؤجل احدى وعشرين يوما قال صاحب العمل المطلق وهو صحيح. وحل العقود يكون بامور أما بظهور تناقض في فصول بيانات الاسترعآء وهي التي يمليها الشاهد الذي نقلت عنه الشهاده من حفظه أو بظهور تناقض أيضا في رسم الاصل وهو ما يمليه من عليه الحق أو الموكل بكسر الكاف ونحوهما على الشاهد أو فيما بين حجته التي قام بها وبين مقاله أو بظهور استحالة في متن الرسم عارةكالشهاده على شخص أنه باع وتاريخه قبل وجوده أو بظهور تغير في الكتابة على محل الحاجه من غير اعتذار عليه من الموثوق قبل العقد أو الخنفوسة أو بتجريح شهوده إلى غير ذلك من الامور التي تكون سببا لحل العقود. وانه يجوز للقاضي أن يجمع الاجال بان يضرب له اجلا معلوما قاطعا في

стр. 50

سجل واحد وأن يفصلها شيئًا فشيئًا كما تقدم قل وبهذا التفصيل العمل ووجه رجحانه رجاء تمام لنازلة في أثناء الأجل الأول إذا أتى المتأجل بما ينفعه فلا يفتقر إلى الأجل الثاني وهكذا فصل في الإعذار الإعذار في اللغة المبالغة في طلب العذر ومنه الإعذار في الحكم قاله ابن الفكهاني والعذر الحجة التي يعتذر بها ويدفع بها عن نفسه. وفي المثل أعذر من أنذر يقال ذلك لمن يحذر أمرا يخاف سواء حذر أو لم يحذر قاله في المصباح وفي الشرع عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الإعذار سؤال الحاكم من توجه عليه موجب حكم هل له ما يسقطه. والأصل فيه قول الله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ الآية قوله (وقبل حكم يثبت الإعذار ... بشاهدي عدل وذا المختار) يعني أن القاضي إذا أراد أن يحكم على من توجه عليه الحكم من الخصمين فإنه لا يحكم عليه إلا بعد الإعذار إليه بقوله أبقيت لك حجة ونحوه بمحضر شاهدي عدل على القول المختار المعمول به فإن قال لا حجة عندي ولا ناصر لي حكم عليه حينئذ وإن ذكر أن له حجة أجله إليها كما تقدم في الآجال فإن انقضت الآجال والتلوم ولم يأت بما تأجل له حكم عليه وقطع عذره وناصره وعجزه في كل شيء إلا في مسائل يأتي ذكرها في فصل خطاب القضاة مع بيان صفة العمل وحينئذ لا يلتفت إلى قوله بعد التعجيز عندي حجة قال بعض العلماء إلا إذا رأى القاضي عليه مخايل الصدق وأنه ليس من أهل الباطل فلا بأس بالتروي بقدر ما يظهر له (قلت) وعليه مراعاة الجانبين وجانب المولى جل وعلا أشد عند المتقين وقوله وذا المختار الإشارة راجعة إلى كون الإعذار قبل الحكم بشاهدي عدل ومقابل القول المختار هو الإعذار بعد الحكم والاكتفاء بالعدل الواحد وليس عليه عمل. وفي اختصار المتيطية فإن

стр. 51

أعذر إليه بواحد أجزأه. ودليل المجيز أن النبي ﷺ فعله إذ قال اغد يانيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت أي بالزنى الذي رماها به زوجها فرجمها. وحيث كان الإعذار قبل الحكم واجبًا شرطًا فإذا حكم الحاكم على من توجه عليه الحكم بدون إعذار لغفلة أو جهل ثم وجد المحكوم عليه حجة فله القيام بها لعدم الإعذار الذي هو شرط في صحة الحكم وقاعدة الشرط أنه يلزم من عدمه العدم وكذلك تقبل حجته أن اعذر إليه في شيء ناقص أو اعذر إليه ولم يعجزه. ولما كان الخصم يمكن من الإعذار في كل من شهد عليه إذا طلبه إلا في خمسة مسائل أشار إليها الناظم بقوله (وشاهد الإعذار غير معمل ... في شأنه الإعذار للتسلسل) (ولا الذي وجهه القاضي إلى ... ما كان كالتحليف منه بدلا) (ولا الذي بين يديه قد شهد ... ولا اللفيف في القسامة اعتمد) (ولا الكثير فيهم العدول ... والخلف في جميعها منقول) الأبيات الأربعة (فالأولى) الشاهد على المحكوم على بالإعذار من القاضي بابقيت له حجة فقال لا حجة عندي ثم أتى بحجة تقبل لو لم يعذر إليه وانكسر الإعذار فاستظهر المحكوم له بشهادة شاهدي الإعذار فأراد المحكوم عليه الإعذار فيهما بالتجريح فإنه لا يمكن من ذلك لأنه لو مكن منه لأذى إلى التسلسل وقيل يمكن من ذلك لأن التسلسل ينقطع بالمبرزين (والثانية) من وجهه القاضي بالنيابة عنه لتحليف أو حيازة ونحوهما (والثالثة) شهود مجلس القاضي بما أقر به الخصم بين يديه لكن هذا إنما يتمشى على قول سحنون أما على قول مالك وابن القاسم المشهور المعمول به كما تقدم فلا يتمشى ويمكن من الإعذار فيهم قال التسولي وهو الواجب في هذا الزمات (قلت) كلامه حسن لكن ينبغي التفصيل وهو أن شهود مجلس قاضي قاعدة المملكة المعبر عنه بقاضي الجماعة لا يمكن من الإعذار فيهم لأنه يؤدي

стр. 52

إلى الطعن فيه وهو أمر لا ينبغي لأنه محمول على العدالة التامة وأن شهود مجلس قضاة القرى والبوادي يمكن من الإعذار فيهم لجهلهم وقلة ديانتهم غالبًا كما في المعيار فبالريال الدور ويدورون وبأصحاب الشوكة يتقدمون أو يتأخرون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا لله وإن إليه راجعون (والرابعة) شهادة اللفيف وهو عبارة عن جماعة اثني عشر رجلا فأكثر غير عدول شهدوا أن فلانا قتل فلانا فهاته الشهادة لوث على ما قيل تجب معها القسامة وأن الخصم لا يمكن من التجريح فيهم بكل قادح مما يجرح به العدل من مطل وحلف بحرام ونحو ذلك مما يأتي في محله لأنه مدخول فيهم على عدم العدالة لكن لابد فيهم من ستر الحال فلا يقبل تارك الصلاة ولا المجاهر بالكبائر من إظهار سكر وكثرة كذل ولا متهم بقرابة أو عداوة وفي باب الدماء المشهور في هذا الفرع أنه ليس بلوث وعليه فشهادتهم كالعدم (والخامسة) الجماعة الكثيرة المشتملة على عدول وغيرهم يشهدون على شخص فإنه لا يمكن من الإعذار فيهم إذا طلبه وقيل يمكن المشهود عليه من الإعذار في جميع ما تقدم وإليه أشار الناظم بقوله والخلف في جميعها منقول فما أصعب موقف القضاة والحكام وفقنا الله وإياهم لما فيه المصلحة للأنام. وقوله اعتمد الجملة من الفعل ونائل الفاعل المقدر حال من اللفيف أي حالة كونه اعتمد عليه في القسامة والله تعالى أعلم. فصل في خطاب القضاة وما يتعلق به الخطاب في اللغة هو الكلام بين متكلم وسامع ومنه اشتقاق الخطبة بضم الخاء وهو ما يقوله الواعظ للقوم فتكون من باب فعلة بمعنى مفعولة نحو نسخة بمعنى منسوخة فهو خطيب والاسم الخطبة بكسرها إذا خطب المرأة ليتزوجها فهو خاطب وفي الاصطلاح هو أن يكتب قاضي بلد إلى قاضي بلد آخر بما ثبت عنده من حق لإنسان في بلد الكاتب على آخر في بلد القاضي المكتوب إليه ليحكم عليه هناك عملا بقوله والحكم في المشهور حيث المدعى عليه وهذا التعريف يشمل الإنهاء بالكتابة ويشمل

стр. 53

الخطاب على الرسوم الذي هو المراد هنا. ولا يُقال هذا التعريف الذي ذكره الشارح غير جامع لأنه لا يشمل الإنهاء بالمشافهة مع أنه خطاب لأنا نقول حيث لم يتعرض له الناظم داخل الفصل اقتصر عليه الناظم. وقوله وما يتعلق به أي من بيان كيفية الخطاب وما يقع في الرسوم من المحو ونحوه وحكم التسجيل والتعجيز وأنه ذكرها على هذا الترتيب فقال (ثم الخطاب للرسول أن طلب ... حتم على القاضي وإلا لم يجب) يعني أن الإنسان إذا كان له حق بشهادة عدول بلده على آخر في غير عمل قاضي بلده كما إذا كان أحدهما بتونس والآخر بالجزائر وأراد صاحب الحق السفر إلى بلد من له عليه الحق ليخاصمه هناك حيث أن المحاكمة لا تكون إلا في بلد المدعى عليه لا في بلد المدعي كما تقدم وخاف الطالب إذا قام على المطلوب لدى قاضي بلده ينكر دعواه فإذا استظهر برسمه يطلبه القاضي المترافع لديه بإثباته لما تقرر أن القاضي لا يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف قال أبو الحسن علي الزقاق. شهادة معروف لمعروف أن جرت ... على مثله والشيء معروف اقبلا. وإلا فلا قال القاضي أبو عبد الله الفشتالي في وثائقه لا يجوز للقاضي أن يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف أما الحاجة إلى معرفة المحكوم عليه فقد يأتي من يتسمى باسم غائب وتجري عليه الأحكام وهو لم يحضر ولم يقع عليه حكم وكذلك الحكم في المحكوم له وأما الحاجة إلى معرفة المحكوم فيه فالوقوف على عينه يكفي في ذلك أما بالشهادة عند القاضي أو بالحيازة أن كان ربعًا وإما الحاجة إلى معرفة الشاهد فلأجل التعديل والتجريح لأن العدالة لا تكون إلا بمعرفة الشاهد أما أن يعرفه القاضي بالعدالة أو بالجرحة فيكفيه ذلك وإما أن يعرفه بالعين والاسم ولا يعرفه بعدالة ولا جرحة فيعدل عنده وإما من لا يعرفه البتة فيعرف باسمه وعدالته وحليته على عينه انتهى فقوله لا يحكم إلا على معروف إلخ ولو بواسطة الشاهدة وهو أكثر ما يكون عند

стр. 54

القضاة فإذا طلب صاحب الرسم من قاضي بلده الخطاب بأن يكتب إلى قاضي بلد خصمه بما ثبت عنده من صحة ما شهد به شهود بلده في ذلك الرسم لعدالتهم وجب عليه ذلك وإن لم يطلبه فلا يجب عليه. واللام في قوله للرسوم يجوز أن تكون بمعنى على أو بمعنى في ثم شرع في بيان كيفية الخطاب فقال (والعمل اليوم على قبول ما ... خاطبه قاض بمثل اعلما) (وليس يغني كتب قاض كاكتفى ... عن الخطاب والمزيد قد كفى) (وإنما الخطاب مثل اعلما ... إذ معلما به اقتضى ومعلما) يعني أن العمل في زمن الناظم جرى على قبول خطاب القضاة بعضهم لبعض بقوله أعلم بصحة الرسم المقيد فوق هذا أو محوله على ما يجب الشيخ أبا فلان فلان بن فلان القاضي ببلد كذا أدام الله رعايته فقير ربه فلان بن فلان القاضي ببلد كذا والسلام عليكم ثم يؤرخ وإنما قدموا في التخاطب مفعول اعلم بصيغة الماضي الذي هو اسم المكتوب إليه على الفاعل الذي هو اسم الكاتب تعظيما وتأدبا وله أن لا يسمي قاضيًا بعينه فيكتب إثر الرسم الحمد لله اديا فقبلا وأعلم به فلان بن فلان القاضي بكذا أو أديا فثبت وأعلم به أو أعلم بصحته أو باستقلاله فلان بن فلان القاضي بكذا وذلك بعد أن حضر عنده شاهدا الوثيقة وأخبراه باللفظ بأن هذه شهادتهما وإلا فلا يجوز له ذلك في غيبتهما وضمير اديا يعود على شاهدي الوثيقة. وحيث لم يعين قاضيًا بعينه فيعمل به جميعهم بخلاف ما إذا عين قاضيا بعينه قال الإمام ابن عرفة الذي استقر عليه عمل القضاة بإفريقية عدم تسمية القاضي المكتوب إليه. وقال الشيخ أحمد بن سلامة في حاشيته على التاودي الذي عليه عملنا بتونس أن كل رسم يصدر من القضاة لا يتم إلا إذا كان مختومًا بالطابع وجد فيه خط القضاة أم لا ثم أنه إذا وصل الخطاب إلى القاضي المكتوب إليه أو من ولي بعده صرف نظره فيما ثبت عند القاضي الكاتب فإن كتب ثبوت شهادتهم فقط لم يأمر بإعادة شهادتهم ونظر في

стр. 55

تعديلهم وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم أعذر للمشهود عليه فيهم وإن كتب أنه أعذر إليهم فيهم فعجز عن المدفع أمضى الحكم عليه. وقوله وليس يغنى البيت يعني أن القاضي إذا كتب تحت الرسم اكتفى أو استقل أو صح أو ثبت ونحوها إشارة إلى حصول نصار الشهادة أو صحتها فيكتفى بالرسم عن زيادة الشهود مثلا ليكون تذكرة له بعد وإخبارا للمشهود له بأنه يكفيه عن الزيادة أو غيرها فليست تلك الألفاظ تغنيه عن الخطاب بأعلم وإنما تغنيه عن الزيادة في الرسم فقط إلا إذا زاد بعد اكتفى ونحوه أعلم به أو أعلم باستقلاله وإلا فلا يجوز لقاض آخر أن يمضيه اعتمادا على اكتفى ونحوه لأنه لم يخاطبه. وقوله وإنما الخطاب مثل اعلما البيت كرره مع البيت الأول ليفيد أن الخطاب في زمنه محصور في اعلم المقتضى معلما به بفتح اللام وهو الرسم وعليه يعود ضمير به ومعلما بفتح اللام أيضا وهو القاضي المكتوب إليه ويجوز الكسر فيكون هو القاضي الكاتب وعلى كل حال فاعلم يستلزم معلما بكسر اللام وهو الكاتب ومعلما بفتحها وهو المكتوب إليه ومعلما به وهو الرسم الذي وقع فيه الإعلام فإذا جرى عرف بين القضاة في الخطاب بلفظ آخر كأخبر أو بالعلامة كما تقدم وجب العمل به وإلى هذا أشار الناظم بقوله مثل اعلما وألفه للاطلاق لا بخصوص لفظ اعلم فإذا ثبت خطاب القاضي بما وقع عليه الاصطلاح أما بمعرفة خطه أو بمعرفة علامته وختمه أو التعريف به ولو بعدل واحد كتب عليه أعملته (فائدة) وفي حاشية الشيخ الشريف العمراني أن ما يكتبه القضاة أسفل الرسم من قولهم اعلم بصحته هل هو حكم أو يجري فيه ما جرى في الثبوت من الفرق بينه وبين الحكم وهو الظاهر خلاف انتهى قال القرافي اختلف في الحكم والثبوت هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم لأنه يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها إجماعًا فيثبت الهلال وتثبت طهارة الماء ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بالرضاع والتحليل بسبب العقد ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما وأنه يجب تقديمه على الحكم ومن قال الحكم هو الثبوت لم يتحقق له معنى ما هو الحكم (قال)

стр. 56

ابن الشاط ما قاله صحيح وقد يطلق على الثبوت حكم فالأمر في ذلك لفظي والله أعلم قوله (وإن يمت مخاطب أو عزلا ... رد خطابه سوى ما سجلا) (واعتمد القبول بعض من مضى ... ومعلم يخلفه والي القضا) (والحكم العدل على قضائه ... خطابه لا بد من إمضائه) يعني إذا خاطب قاض قاضيًا آخر ومات أحدهما أو عزل فإن مات القاضي الكاتب أو عزل من خطة القضاء فإما أن يسجل خطابه بإشهاد عدلين على نفسه بصحة الرسم عنده وثبوته لديه وأن الخطاب الواقع فيه هو له فهذا الخطاب يعمل به اتفاقا مات أو عزل وإما أن لا يسجله بالإشهاد عليه فهذا الخطاب قد اختلف في رده وقبوله على قولين والذي عليه العمل منهما القول بالقبول فإن مات القاضي المكتوب إليه أو عزل عن خطة القضاء قبل أن يصل الكتاب إليه فإن من ولي القضاء بعده يخلفه إذا وصل الكتاب إليه وإن كان إنما كتب لغيره فإنه ينفذه فإن لم يمت القاضي الكاتب ولم يعزل بأن كان حيًا مستمرًا على قضاءه فإما أن يكون من أهل العدل أو لا فإن كان من أهل العدل فالواجب على من وصله كتابه من القضاة أن ينفذ خطابه ويمضيه سجله أو لا وإن كان معروفًا بالجور والظلم فالواجب ترك خطابه لأنه ليس من أهل العدالة. وقوله مخاطب بكسر الطاء اسم فاعل ومعلم بفتح اللام اسم مفعول وسجلا يجوز بناؤه للنائب بضم أوله أو للفاعل بفتحه وألفه للإطلاق (وصفة) العمل في التسجيل هو ما قاله القاضي ابن عرضون في وثائقه إذا ثبت عند القاضي رسم من الرسوم وكتب تحته اكتفى أو ثبت أو استقل كتب الشاهد أسفل الرسم اشهد قاضي كذا وهو أعزه الله تعالى وحرسها باكتفاء الرسم أو ثبوته فوقه الثبوت التام أو باستقلال الرسم عنده الاستقلال التام وهو بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر وشهد على إشهاده بذلك بتاريخ كذا انتهى (وصفته) عندنا بالقطر التونسي في رسوم

стр. 57

الاسترعاء بعد أن ينقل الشاهد الذي قدمه القاضي بالنيابة عنه لنقل الشهادة عن الشهود ويكتبها في رسم ويكتب أسماء الشهود أسفل التاريخ ويضع على كل اسم شاهد شهد به ليكون علامة على أنه أدى شهادته وقبل ثم يكتب أسفل أسماء الشهود رسمًا آخر فيه تعديل شهود الرسم أعلاه ويذكر أسماء شهوده عقب التاريخ كذلك ثم يدفعه للقاضي ليطلع عليه فإذا ظهر له ثبوته ختمه ويكتب أسفل الرسم الثاني يسراه بقلمه يكتب العمل فقوله يكتب العمل إذن منه في التسجيل بالإشهاد عليه بثبوت الرسمين رسم الأصل ورسم التزكية وكثير من القضاة اليوم فضلا عن الموثقين لا يعرفون معنى يكتب العمل ثم يكتب الشاهد التسجيل أسفل الرسمين يمناه لتكون كتابته ممزوجة فيكتب العمل بعبارات اصطلاحية تعرف بالوقوف عليها في الرسوم ما صورته الحمد لله بلغ شهيديه من الشيخ القاضي المشار إليه أعلاه دام عزه وعلاه الإذن في العمل بالرسمين المقيدين أعلاه لتوفر موجبهما لديه رعاه الله تعالى وأحسن إليه بواسطة عونه الأمين فلان وشهد بذلك هنا بتاريخ كذا ويضع الشاهدان عقديهما ثم ترك الآن هذا التسجيل بالإشهاد ولم يبق ما يدل على الثبوت إلا الطابع وجملة يكتب العمل بقلمه فقط أما الرسوم الأصلية كرسوم النكاح والبيع والحبس والوكالات فإن القاضي يضع طابعه أمام الحمدلة أن احتيج إلى ذلك ويكتب أسفل عقدي الرسم ثبتت عدالتهما وزيد على ذلك الآن وختم في تاريخ كذا وكل من له طابع من الولات الشرعيين إلا وله دفتر يضمن فيه الرسم الذي طبع عليه بأمر من الأمير وهو استنباط حسن جدًا سدًا لطريق الضرب على الخطوط والطوابع حيث كثر استعماله من طائفة مخذولة من المزورين لا يخافون الله تعالى وقد شاهدنا عذابهم بما يكون فيه موعضة وعبرة لمن اعتبر ولعذاب الآخرة أدهى وأمر قوله (وفي الأداء عند قاض حل في ... غير محل حكمه الخلف اقتفي) (ومنعه فيه الخطاب المرتضى ... وسوغ التعريف بعض من مضى)

стр. 58

يعني أنه إذا نزل قاض ببلد لا ولاية له على أهلها هل له أن يسمع في ذلك المحل النازل فيه أداء الشهادة بحق لإنسان في ولايته على آخر غائب نازل في ولايته أيضا ثم يعمل على ما أخبره به قاضي البلد من عدالتهم فيكون خطابًا بالمشافهة أو ليس له أن يسمع شهادتهم لأنه لا ولاية له عليهم فكأنه ليس بقاض أصلا. وهل له إذا حل بغير محل ولايته كما ذكر أن يخاطب على الرسوم بما ثبت عنده بموضع ولايته حيث لم يخاطب عليها هناك وافتقر إلى الخطاب عليها في محل ولاية الغير أو ليس له ذلك وهو القول المرتضى وهل له أن يعرف قاضي موضع حلوله بما ثبت عنده من الرسوم بالمشافهة وبه عمل بعض المتقدمين أولا وهو المشهور وبه العمل خلاف في المسائل الثلاثة ومعنى المسألتين الأخيرتين اللتين تضمنهما البيت الثاني واحد وهو الخطابفي غير محل ولايته وهو أما بالكتابة أو بالمشافهة كما علمت. وقوله ومنعه مبتدأ والخطاب منصوب على نزع الخافض أي من الخطاب وفيه متعلق به والضمير المجرور عائد على غير محل حكمه والمرتضى خبر المبتدأ قوله (ويثبت القاضي على المحو وما ... أشبهه الرسم على ما سلما) يعني أن القاضي إذا طلب منه أن يثبت رسمًا ويصححه وكان به محو أو بشر أو حرق نار ونحو ذلك أو طلب منه أن يخاطب عليه غيره من القضاة فإنه يجب عليه أن يصححه أو يخاطب على ما سلم منه أن كان السالم يستقل بنفسه بدون ارتياب فيه وإلا سقط كله (وكيفية) العمل في ذلك بعد إمعان النظر فيه أن يكتب الحمد لله أعلم بثبوت ما عدا المحو أو البشر أو الحرق الذي بين لفظة كذا وكذا في الرسم أعلاه فلان بن فلان قاضي كذا وكذلك الملصق الذي يراد جعله محول الرسم فإنه لا يكون إلا على نظر القاضي وإلا فهو ريبة لا يجوز العمل به (وقوله) الرسم بالنصب على أنه مفعول يثبت بضم الياء من أثبت والقاضي فاعل قوله (وعندما ينفذ حكم وطلب ... تسجيله فإنه أمر يجب)

стр. 59

(وما على القاضي جناح لا ولا ... من حرج أن ابتداء فعلًا) يعني أن القاضي إذا حكم على أحد الخصمين وطلب منه كتبه في سجل بإشهاد عدلين على حكمه وأخذ نسخة منه فإنه أمر واجب عليه فعله شرعًا أما وجوبه من جهة المحكوم له فليتمسك به خوفًا من تجديد الخصومة وإما من جهة المحكوم عليه فليسأل عن العلماء صحة وفسادًا وأنه ليس على القاضي حرج ولا إثم أن فعل ذلك ابتداء بدون سؤال. ولا الأولى في كلام الناظم توكيد لما النافية ولا الثانية نافية عاملة عمل ليس ومن زائدة للتوكيد وحرج اسمها أي ولا حرج عليه أن فعل ذلك ابتداء وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه ثم قال (وساغ مع سؤاله تسجيل ما ... لم يقع النزاع فيه كلما) يعني أن القاضي إذا سئل تسجيل رسم وأحياؤه بدون وقوع كلام فيه ولا نزاع فإنه يجوز له تسجيله والكتب عليه لمن طلبه منه وذلك مثل رسوم الأحباس والأملاك القديمة التي هلك شهودها فيقع التعريف بخطوطهم وعقودهم بإذن القاضي ممن يرضى من الشهود الثقات العارفين بالخطوط والعقود ولا يضع طابعه على ذلك إلا بعد المقابلة والتحري التام. وقوله وساغ الخ المراد بالجواز هنا ما قابل الممنوع لا ما استوى طرفاه فيشمل الواجب وهو المراد لأن القاضي إذا سئل ذلك لا يجوز له الامتناع لما فيه من التسبب في ضياع الحقوق وهو ممنوع. وقوله سؤاله ضميره يعود على القاضي في محل نصف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله (ومعنى) التسجيل هنا الشهادة عند القاضي بصحة الرسم المعبر عنه بإحياء الرسوم للتحصين خوفًا من ضياع الحق الذي فيه بطول الزمان حتى لا يوجد من يعرف ذلك الخط والعقد وهذا التسجيل ليس فيه حكم بخلاف الأول فإنه إشهاد بالحكم كما مر. وقوله كلما بكسر اللام أي كلام قوله (وسائل التعجيز ممن قد قضى ... يمضي له في كل شيء بالقضا)

стр. 60

(إلا ادعاء حبس أو طلاق ... أو نسب أو دم أو عتاق) (ثم على ذا القول ليست يلتفت ... لما يقال بعد تعجيز ثبت) يعني أن المحكوم له طالبًا كان أو مطلوبًا إذا طلب من القاضي الذي قضى له بالحق أو بنفيه عنه أن يعجز له خصمه عند الحكم عليه فإنه يجيبه لمطلبه ويمضي له تعجيزه بالقضاء في كل شيء بحيث لا تسمع للمحكوم عليه بينة يأتي بها ولا دعوى يقوم بها في تلك النازلة ولو كان له عذر كالجهل والنسيان على القول الذي به العمل إلا في دعوى الحبس والطلاق والنسب ودم العمد والعتق فلا تعجيز فيها ويقع الحكم على من ادعى ذلك بعد الإعذار إليه ببقائه على حجته وحيث لا تعجيز في النسب لا تعجيز في الإرث لأنهما متلازمان كما في ابن مرزوق على المختصر. وللقاضي أن يفعل ذلك ابتداء بدون سؤال من المحكوم له قطعًا لمادة النزاع كما مر عند قوله وعندما ينفذ حكم وطلب البيتين ويصح أن يراد بطلب التعجيز طلب كتبه مع الحكم لئلا يدعي المحكوم عليه بعد ذلك عدمه فتتجدد الخصومة كما مر في التسجيل وعلى هذا فليس التعجيز والحكم شيئًا واحدًا بل هما شيئان وبه قال بعضهم حيث قرر أن الأمور التي تقع ثلاثة أولها الإعذار وهو سؤال الحاكم المحكوم عليه ابقيت لك حجة وفائدته استقصاء الحجج وثانيها الحكم وهو إلزام الحق أو إبطاله وفائدته قطع النزاع وثالثها التعجيز وفائدته عدم سماع ما يأتي به من البينات بعد الحكم وهو ظاهر كلام الناظم (قلت) لما كان المدار فيهما على قطع النزاع وعدم سماع الدعوى فهما شيء واحد ويعبر عنهما بالإسقاط وبه العمل (تنبيه) قال الشيخ الرهوني عند قول الشيخ خليل وقدمت بينة الملك ما نصه إذا ثبتت حجة الطالب في مسائل الاستحقاق مثلا فيقال للمطلوب إذ ذاك أثبت الملك لك أو لمن ادعيت أنه صار إليك منه فإن لم يثبت شيئًا قضى للطالب وإن أثبته نظر في الحجتين فإن رجحت بينة الطالب فذلك وإن رجحت بينة المطلوب قضي له وأن تعذر الترجيح سقطتا وبقي بيد حائزه مع يمينه ووقعت الغفلة

стр. 61

من ابن رشد ومن الناقلين لكلامه والكمال لله انتهى والمراد بالأمر الذي وقعت الغفلة عليه هو عدم تعرضهم لسؤال المطلوب عند الحكم عليه هل عنده معارض أو لا وعليه فمن الواجب على القاضي أن ينبه الذي يريد الحكم عليه والإعذار إليه بأبقيت لك حجة هل له ما يعارض به حجة خصمه أو لا وسواء كان عالمًا أو جاهلًا كما تقدم عند قوله وخصم أن يعجز عن إلقاء الحجج ... لموجب لقنها ولا حرج. وترك ذلك أما غفلة أو جهل فاحش وكأن من لم ينبه على ذلك لا يعرف من مقدمات الحكم إلا أبقيت لك حجة أن قالها فلهذا يسرع المغرور في الحكم ولا يترك الخصم المسكين يتلكم بدون تثبت ولا تبصر لعاقبة أمره وهو أن يكون بسبب ذلك حطبًا لجهنم (وصفة العمل في ذلك) مع زيادة فائدة وبيان لكلام الناظم (قال ابن سلمون) فإذا أعذر القاضي إلى الخصم فادعى مدفعًا أجله والآجال موكولة لاجتهاد الحاكم وجرى العمل بأنها في الأصول خمسة عشر يومًا ثم ثمانية ثم أربعة ثم ثلاثة وهي أيام التلوم ويكتب في ذلك (عقد) أعذر إلى فلان فيما ثبت في رسم الاسترعاء بكذا فقال أن له في ذلك مقالًا ومدفعًا وتأجل عن إذن القاضي فلان في حله والتماس منافعه فيه أجلا من خمسة عشر يومًا أولها غد التاريخ وأشهد بذلك في كذا ثم تكتب الأجل الثاني والثالث فإذا انصرمت فتكتب التلوم (ونصه) وتأجل فلان فيما تأجل فيه قبل أجلا من ثلاثة أيام أولها غد التاريخ تلومًا بعد الأجال الثلاثة المتقدمة عليه وأشهد بذلك في كذا فإذا انقضى التلوم عجزه القاضي وحكم بقطع حجته أي التي تأجل لها أما حجة المعارضة فلا تنقطع إلا بعد السؤال عنها كما تقدم (ثم) قال ويعجز القاضي كل واحد من الخصمين ويشهد بذلك ويقطع حجته وسواء كان طالبًا أو مطلوبًا ثم لا ينظر له هو ولا سواه أن قام بشيء في قضيته تلك إلا في العتق والطلاق والنسب فلا عجز في ذلك وينظر لكل من قام في ذلك بشيء متى جاء به من طالب أو مطلوب قاله ابن القاسم وابن وهب وأشهب قال بعضهم وكان ابن الماجشون وسحنون لا يريان تعجيز أحد الخصمين في شيء من الأشياء. وقال أصبغ أما الطالب فلا ينبغي تعجيزه ومتى

стр. 62

ثبت حقه قضي له به لأنها دعوى متى ظهرت أنقذت قال ابن حبيب وهو أحسن وأما المطلوب فإنه يعجزه ولا يسمع منه بعد ذلك حجة والحبس وطريق العامة لا تعجيز في ذلك وقيل في الدماء كذلك وفي كتاب الجدار سئل عيسى عن الخصمين يشترط أحدهما للآخر أن لم يوافقه عند القاضي لأجل معلوم فدعواه باطلة أن كان مدعيًا أو دعوى صاحبه حق أن كان يدعي عليه فتخلف فقال لا يوجب هذا الشرط حقًا لم يجب ولا يسقط حقًا قد وجب انتهى. وفي ابن عرضون فإذا انقضت الآجال وعجز عما تأجل فيه عجزه الحاكم ورفع يده وحكم بالمدعى فيه للقائم (وتكتب) في ذلك لما انصرمت الآجال المذكورة على فلان المذكور فوقه ولم يأت في أثناء الأجل فيما تأجل فيه بشيء يوجب له حكمًا وثبت ذلك كله لدى منيجب بواجب الثبوت واعذر فيه للمقوم عليه المذكور فلم يكن عنده فيما أعذر إليه فيه مدفع ولا مقال وأنهى ذلك إلى القاضي بكذا وهو فلان أعزه الله تعالى وحرسها وسأل منه القائم المذكور والنظر له في ذلك بواجب الحق اقتضى نظره الموفق السديد أن عجز فلانًا المذكور لعجزه وحكم لفلان بجميع الشيء المستحق المذكور ورفع يد فلان عنه الرفع الكلي حكمًا أنقذه وأمضاه وأوجب العمل بمقتضاه شهد على إشهاد بذلك إلخ (نص حكم) على من ادعى حبسية في ربع أو عقار ولم يثبت ما ادعاه على ما جرى به العمل في هذا الزمان من إنشاء شاهد القاضي بالحاضرة التونسية شملنا الله وإياه بالطاقة الخفية (الحمد لله) بعد أن قام فلان بأنه يستحق بالحبسية من جده فلان المضمنة وفاته أعلاه جميع العقار المذكور أعلاه بحدوده المذكورة أعلاه وأن فلانًا استولى عليه تعديًا بلا وجه شرعي وقيد عليه بالدعوى المرقومة أعلاه وأجابه فلان المدعى عليه المذكور بالجواب أعلاه والذي حاصله أن العقار المحدود المذكور ملكه وفي حوزه وتصرفه ولا أصل لما يدعيه وترافعا بموجب ذلك لدى الهمام العلامة الشيخ القاضي المالكي بحاضرة كذا رعاه الله تعالى وحرسها فتأمل من الدعوى والجواب وطلب المدعي إثبات دعواه المذكورة وأجله على ذلك بالأجل المرقوم أعلاه ومضر الأجل المذكور بمدة

стр. 63

تلوماته ولم يأت المتأجل المذكور بما تأجل له وأعيد الترافع بين الخصمين المذكورين لدى الشيخ القاضي المشار إليه وطلب منه المجيب المذكور القضاء على المتأجل المذكور بما يراه النظر الشرعي حيث مضى الأجب المضروب له ولم يأت بشيء فتأمل رعاه الله من الأجل المذكور فألفاه انصرم بمدة تلوماته وسال المتأجل المذكور الحجة التي تأجل لها فلم يدل لديه بشيء من ذلك فأجرى النازلة على القواعد الشرعية والنصوص الفقهية فكان الذي ظهر له رعاه الله الإسقاط على المتأجل المذكور وسقوط دعواه الآن حيث مضر الأجل المضروب له على إثبات دعواه ولم يأت بما تأجل له ولما ظهر له ذلك وتبين له أمر ما هنالك أشهد العلامة النحرير الهمام العمدة المحقق القدوة الإمام الشيخ فلان القاضي بحاضرة كذا رعاه الله تعالى أنه حكم بالإسقاط على فلان المتأجل المذكور وسقوط دعواه الآن لما قرر حكمًا تأمص نفذه وأمضاه وألزم العمل بموجبه ومقتضاه فلا سبيل لحله بعد إبرامه ولا لنقضه بعد إحكامه صدر منه أعزه الله وهو بمجلس حكمه وفصل قضائه بالمحكمة الشرعية على عين الخصمين المذكورين بعد الإعذار للمحكوم عليه بابقيت لك حجة واعترافه لديه ثم لدى شهيديه بأن لا حجة له تدفع عنه الحكم المذكور بلغ الحكم المذكور عنه عونه الأمين فلان ويتضمنه ختمه أعلاه وحضر الخصمان المذكوران واشهدا أنهما دخلا تحت الحكم المذكور وأذعنا له وشهد على كل بما نسب إليه فالشيخ القاضي بأكمل حال ومن عداه بحال جواز ومعرفة بتاريخ كذا إلخ وحيث لا تعجيز فيه على الإطلاق كبقية المسائل المستثنيات فالمحكوم عليه القيام بعد إذا وجد بينة تشهد له بصدق دعواه وقس على هذا ما أشبهه. وقول الناظم ثم على ذا القول ليس يلتفت البيت فيه إشارة إلى الخلاف الذي ذكره ابن سلمون ولما فرغ من الكلام على صفات القاضي ومسائل القضاء شرع يتكلم على صفات الشاهد وأنواع الشهادات فقال

стр. 64

باب الشهود وأنواع الشهادات وما يتعلق بذلك أي هذا باب في بيان من يقبل من الشهود ومن لا يقبل منهم وبيان ما يقبل من أنواع الشهادات الخمسة وما لا يقبل وبيان ما يتعلق بذلك من تعارض البينات وعقلة المدعى فيه وكيفية العقلة. والشهود جمع شاهد من الشهادة. وهي في اللغة الإخبار بما قد شوهد قاله في المصباح. وقال ابن العربي وغيره وردت الشهادة بأنواع مختلفة (منها) قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ قيل معناه احضروا. ومنها قوله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ أي قضى. ومنها شهد بمعنى أقر كقوله والملائكة يشهدون وقوله تعالى ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ وقول الشاعر ومليحة شهدت لها ضراتها ... والفضل ما شهدت به الأعداء ومنها شهد بمعنى حكم قال الله تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ الآية وفي هاته الآية الشريفة دليل جواز الحكم بالعرف والعادة وقرائن الأحوال وهو الشاهد العرفي الآتي ذكره عند قوله الناظم. وها هنا عن شهادته قد يغني ... إرخاء ستر واحتياز رهن. البيت. ومنها شهد بمعنى حلف كما جاء في اللعان. ومنها شهد بمعنى عام كما قال الله تعالى ﴿ولا تكتم شهادة الله﴾ أي علم الله. ومنها شهد بمعنى حضر للتحمل كقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ وقيل معناه وصى. وفي الشرع قال ابن فرحون أخبار يتعلق بمعين وبقيد التعيين تفارق الرواية انتهى. وقال الإمام ابن عرفة الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه أن عدل قائله مع تعدد أو حلف طالبه (فقول) الشيخ رحمه الله تعالى

стр. 65

قول جنس أعم من الكلام والكلمة والكلم والخبر أخص منه لأنه أخص من الكلام الذي هو أعم من الخبر. وقوله هو بحيث جملة إسمية صفة لقول وإنما عبر بذلك وأتى بالحيثية ليدخل فيه الشهادة قبل الأداء والشهادة غير التامة. وقوله يوجب على الحاكم يخرج به الرواية والخبر القسيم للشهادة ولم يقل القاضي لأن الحاكم أعم من القاضي لوجوده في المحكم والأمير وشبه ذلك. وقوله أن عدل قائله شرط في إيجاب الحكم والجملة حال أخرج به مجهول الحال. وقوله مع تعدده اخرج به إخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيًا آخر فإنه يوجب عليه الحكم بمقتضاه لكن لا يشترط فيه تعدد أو حلف فلو زاد أو ما يقوم مقامه أي مقام القول لشمل التعريف بالشهادة بالخط وشهادة الإيماء كالأخرس ونحوهما كذا في الرصاع (والأصل) في مشروعيتها الكتاب قال الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾. وقال تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. وقال تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون﴾. وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية﴾ الآية. والسنة قال ﵊ شاهداك أو يمينه وقال أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار وقال لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث (وحكمة) مشروعيتها لطف الله بعباده لصيانة الحقوق من أنساب وأديان وأعراض وأموال وأبدان فهي من الضروريات الحاجية كالإمامة الكبرى وما يتفرع عنها من القضاء ونحوه والشهادة منصبها عظيم وخطرها جسيم خصوصًا في هذا الزمان فإن كثيرًا ممن يتعاطاها لا يتحاشى عن الأمر الذميم الذي يكون سببًا في عذابه الأليم (وحكمها) له حالتان حالة تحمل وحالة آداء فأما التحمل وهو أن يدعى الشاهد ليشهد ويستحفظ الشهادة كالمنتصبين لها فإنها فرض كفاية يحمله بعض الناس عن

стр. 66

بعض إذا وجد وإلا تعين. وأما الأداء وهو أن يدعى ليشهد بما في علمه فإن ذلك واجب لقول الله تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾. وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾. ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا. ويتوقف أداؤها على الاستدعاء إذا كان المشهود به حقًا لغير الله على خلاف فيه أما إذا كان حقًا لله تعالى فإنه يجب عليه أن يبادر بأدائها عند الحاكم بدون استدعاء اتفاقًا إذا كان مما يستدام تحريمه كحبس وطلاق ورضاع والعفو عن القصاص بقدر الإمكان فإن أمكنه الآداء ولم يبادر فسق وسقطت شهادته. ولكل واحد من شاهدي الآداء والتحمل شروط بحيث لا تقبل شهادته إلا بها (فشاهد) الأداء يشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا مسلمًا عدلًا متيقضًا بحيث لا تتمشى عليه الحيل وإليها أشار الناظم بقوله (وشاهد صفته المرعية ... عدالة تيقض حرية) إذ لا يخفى أن العدالة تستلزم الإسلام والعقل والبلوغ استلزامًا اصطلاحيًا (فالعدالة) عرفها ابن الحاجب بقوله صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفًا ومعصية غير قليل الصغائر فقوله صفة مظنة أي صفة ذات مظنة. وقوله لمنع موصوفها متعلق بالمظنة ومنع مضاف وموصوفها مضاف إليه. والبدعة معلومة شرعًا وهو الأمر المحدث منصوب على أنه مفعول بالمصدر الذي هو المنع. وقوله عرفًا منصوب على إسقاط الخافض أي في العرف أشار به إلى السلامة من ترك المروءة كالأكل في السوق إلى غير ذلك أخرج به ما لا يشينه في عرفه والعرف في ذلك يختلف بحسب البقاع والمكان والحال والزمان. وقوله ومعصية بالنصب عطف على البدعة والمعصية تشمل الكبائر والصغائر. وقوله غير قليل الصغائر بالنصب على الاستثناء والمستثنى منه معصية أخرج به القليل من الصغائر فإنه غير ضار في العدالة إلا إذا كانت صغيرة خسة فإنها تضر كالكبيرة كما يأتي بسطه في البيت بعد هذا (إما) اشتراط تيقض الشاهد فإن لم يكن متيقضًا فطنًا فلا يخلو حاله أما أن يكون بليدًا

стр. 67

أو غبيًا فإن كان بليدًا أبله وهو الذي ليس له فكر يحركه فهذا لا تقبل شهادته في كل شيء البتة وإن كان غبيًا أو غلبت عليه الخيرية والأمانة وهو من له فكر لكن لا يحركه وإن حركه يتفطن فهذا لا تقبل شهادته في الأمور التي تتأتى فيها الحيل كالإقرارات وأما ما لا تتأتى فيه الحيل كقوله رأيت هذا يقطع يد هذا فإنها تقبل وفي قبول شهادة المولى عليه الفطن وعدم قبولها وبه العمل قولان. وأما اشتراط العدالة فلأن الفاسق بجارحة أو اعتقاد لما كان عاصيًا بمخالفة فروع الإيمان فلا تقبل شهادته لأنه لا يتوقى الكذب. وقد قال الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقال ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ فأنبأنا ربنا تعالى بما أنعم به علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطة الشهادة على جميع الخليقة فجعلنا أولًا مكانًا وإن كنا آخرًا زمانًا كما قال النبي ﷺ نحن الآخرون السابقون فهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفد على الغير قول الغير إلا أن يكون عدلًا قاله ابن العربي. وأما اشتراط الإسلام فلقوله تعالى ﴿شهيدين من رجالكم وممن ترضون من الشهداء﴾ والكافر ليس فيه شيء من هذه الصفات ومن العلماء من أجاز شهادته في الوصية في السفر لقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾. وفي آثار المدونة مما أسنده ابن وهب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض وتجوز شهادة المسلمين عليهم انتهى. وأما اشتراط الحرية على المذهب فلقوله ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا (قال) أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى قال علماؤنا هذا دليل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم وهذا أمر انبنى عليه الشرع فعمل به في كل زمن وفهمته كل أمة ومن أمثال العرب في بيته يؤتى الحكم وعلى خروج العبد من جملة الشهداء لأنه لا يمكنه أن يجيب ولا يصح له أن يأبى لأنه لا استقلال له في نفسه وإنما يتصرف بإذن غيره فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منصب الولاية وعن فرض الجمعة انتهى (قلت) إنما ينهض هذا لو جعل دليلًا على سقوط وجوب

стр. 68

المشي لا على قبولها بدليل أنه لو صلى ظهره جمعة مع الجماعة لصحت صلاته تأمل وقيل في تعليل عدم قبول شهادته غير هذا وكله ليس بظاهر ولهذا أجازها بعض العلماء. وأما اشتراط العقل فلأن عدمه يؤدي إلى عدم الضبط وينافي التكليف. وأما اشتراط البلوغ فلأن الشاهد مكلف بالأداء ولا تكليف مع الصبي ولأن الصبي لعلمه رفع القلم عنه لا يتوقى الكذب فلا تجوز شهادته ولا اختلاف إلا ما اختلف في ذلك من قبوله في الدماء (وشاهد) التحمل يشترط فيه أن يكون مميزًا متيقضا صغيرًا كان أو كبيرًا حرًا كان أو عبدًا مسلمًا كان أو كافرًا عدلًا كان أو فاسقًا فمن تحمل ي شهادة كانت وإن خطأ أو عقد نكاح لأن الإشهاد ليس بركن منه ولا بشرط في صحته كما في الرهوني وغيره وهو زمن التحمل مميز فطن غير أنه صغير أو عبد أو كافر أو فاسق ثم أدى شهادته بعد زوال المانع فإن بلغ أو عتق أو أسلم أو حسنت حالته وصار عدلًا فإنها تقبل لأن المعتبر عند العلماء زمن الأداء لا زمن التحمل كما يأتي في كلام الناظم إلا العقل فإنه شرط زمن الأداء وزمن التحمل تنبيهات (الأول) ومن المجموعة روى ابن وهب عن مالك في الذي يخنق أن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه وطلاقه في إفاقته فأما الذي لا يكاد يفيق فلا يجوز له شيء من ذلك (الثاني) هل يشترط في الشاهد عدم الحجر عليه وهو المختار وبه العمل أو لا يشترط فيه ذلك وقد تقدم ذكره ولعل الناظم ذهب إليه حيث لم يذكره مع الشروط خلاف (الثالث) تجوز شهادة الأعمى في الأقوال دون الأفعال كما يجوز للشاهد البصير أن يشهد على المرأة من وراء حجاب قد عرفها وعرف صوتها وأثبتها. وتجوز شهادة الأصم في الأفعال دون الأقوال ومثله الأخرس إذا فهمت إشارته (الرابع) كتب الشهادة هل هو فرض على الكاتب أو لا خلاف قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ الآية يريد يكون صكا ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الآجال

стр. 69

والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشرع الكتاب والإشهاد وكان ذلك في الزمن الأول. وقوله فاكتبوه إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفاته المبينة له المعربة عنه المعرفة للحاكم فيما يحكم عند ارتفاعهما إليه. وقوله تعالى ﴿ولا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ (فيه) أربعة أقوال الأول أنه فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز قاله الشِعبي (الثاني) أنه فرض على الكاتب في حاله فراغه قاله بعض أهل الكوفة (الثالث) أنه ندب قاله مجاهد وعطاء (الرابع) أنه منسوخ قاله الضحاك. والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه. وقوله تعالى ﴿وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ قال علماؤنا إنما أملى الذي عليه الحق لأنه المقر به الملتزم له فلو قال الذي له الحق لي كذا وكذا لم ينفع حتى يقر الذي عليه الحق فلأجل ذلك كانت البداءة به لأن القول قوله وإلى هاته النكتة وقعت الإشارة بقوله ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقوله تعالى ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا فليملل وليه بالعدل أي ولي السفيه أو الضعيف﴾ وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه إذا ثبت هذا فلن تصرف السفيه المحجور دون ولي فإن التصرف فاسد إجماعًا مفسوخ أبدًا لا يوجب حكمًا ولا يؤثر شيئًا. وأن تصرف سفيه لا حجر عليه فاختلف علماؤنا فيه فابن القاسم يجوز فعله وعامة أصحابنا يسقطونه والذي أراه من ذلك أنه أن تصرف بسداد نفذ وإن تصرف بغير سداد بطل وأما الضعيف أي الغبي الأبله فربما بخس في البيع وخدع ولكنه تحت النظر كائن (الخامس) الشاهد الذي ينتصب لكتب الوثائق بين الناس أخص من العدل إذ يشترط فيه شروط أخر قال الونشريسي في المنهج الفايق لا يجوز للولات أن ينصبوا لكتابة الوثائق إلا العدول المرضيين قال مالك ﵁ لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نسفه مأمون لقول الله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ وفي الغرناطية يعتبر في الموثق عشر خصال متى

стр. 70

عري عن واحد منها لم يجز أن يكتبها. وهي أن يكون مسلمًا عاقلًا متجنبًا للمعاصي سميعًا بصيرًا متكلمًا يقضنا عالمًا بفقه الوثائق سالمًا من اللحن وإن تصدر عنه بخط بين يقرأ بسرعة وبسهولة وبألفاظ بينة غير محتملة ولا مجهولة. وزاد غيره أن يكون عالمًا بالترسيل لأنها صناعة إنشاء فقد يرد عليه ما لم يسبق بمثاله. وأن يكون عنده حظ من اللغة وعلم الفرائض والعدد ومعرفة النعوت وأسماء الأعضاء. وعن ابن مغيث يجب على مرسم الوثيقة أن يجتنب في ترسيمها الكذب والزور وما يؤدي إلى ترسيم الباطل والفجور فإن الناقد بصير يسأله عند وقوفه بين يديه عن النقير والقطمير وقد تمالا كثير من الناس على التهاون بحدود الإسلام والتلاعب في طريق الحرام ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. وقد قال ابن أبي زمنين رحمه الله تعالى أيا ذا الوثائق لا تغرر ... بما في يديك من المرتقب فإنك مهما تكن عاقدًا ... لزور تزخرفه أو كذب فإن العظيم محيط به ... ويعلم من وراء الحجب فكن حذرًا من عقوبته ... ومن هول نار ترى تلتهب ولا تنس أهوال يوم اللقا ... فكم فيه من روعة ترتقب (ثم قال) الونشريسي اعلم أن علم الوثائق من أجل العلوم قدرًا وأعلاها إقامة وخطرً إذ بها تثبت الحقوق ويتميز بها الحر والرقيق ويتوثق بها ولذا سمي الكاتب الذي يعانيها وثاقا. وفي صحيح مسلم وغيره أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب الصلح يوم الحديبية بين يدي النبي ﷺ (ابن) فرحون هي صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الملوك والاطلاع على أمورهم وعيالهم وبغير هذه الصناعة لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسالك (ابن عبد السلام) بعد كلام له وبالجملة أن الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات

стр. 71

خسيسة وذلك لأنهم ألحقوها بأخس الحروف ولم يتمسكوا من الطلب بأدنى طرف وفي مثلهم قيل إن الكساد قد استولى على الكتبه ... لا عقد في بيع فدان ولا عتبه أخسس بحرقة قوم رأس مالهم ... حبر تبدده في صفحة قصبة (السادس) لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه كذا في الزرقاني عند قول المصنف وعوقبا والشهود (قلت) محله إذا لم يأذن له حاكم شرعي يرى في مذهبه جواز ذلك كبيع الكمشة المجهولة وإلا جاز له أن يشهد ويضمن إذنه في الرسم وبه العمل (السابع) اختلف في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة والأصح الجواز وتقدمت الإشارة إليه في كلام ابن العربي عند الكلام على حكم الكتابة وعلى الجواز فتكون بما وقع الاتفاق عليه من قليل أو كثير. وفي وقتنا هذا جعل لكل كتب من الرسوم أجر معلوم لا يتعداه الشاهد عند التشاح بأمر من الأمير قطعًا للنزاع. وفي الأحكام للباجي وأجرة كاتب الوثيقة على الدافع أو على من هي المنفعة له ولو كانت لهما جميعًا كانت عليهما وسيأتي الكلام على ما إذا كانت الجماعة في وثيقة واحدة وسهامهم مختلفة عند قول الناظم وأجر من يقسم أو يعدل ... على الرؤس وعليه العمل كذلك الكاتب للوثيقة ... للقاسمين مقتف طريقه وقيل أنها على قدر الأنصباء كالشفعة وضارب الفريضة قال الباجي في وثائقه وبه العمل فهما قولان عمل بكل منهما والذي تميل إليه النفس قول الباجي قال التسولي وبه العمل اليوم. وأما أخذ الأجرة على تحمل الشهادة فقول الله تعالى ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ يقتضي عدم أخذ الأجرة على التحمل وقال في المناهج شهادتهم ساقطة لأنهم لم يفعلوها لله بل الشاهد ساع لنفسه ومقتنم لفلسه. وأما أخذ الأجرة على الأداء فلا إشكال في التحريم قال الله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ قال بعض الأئمة

стр. 72

ولا يستحق الشاهد أجرًا يعني على الأداء من باب الاستتجار على الواجب عليه فيكون من أكل المال بالباطل وهو حرام إجماعًا والعدل لا يرتكب المحرمات ولا ما يخل بالمروءة بل الواجب عليه أن يتجنب جميع ذلك وإليه أشار الناظم بقوله (والعدل من يجتنب الكبائر ... ويتقي في الغالب الصغائر) (وما أبيح وهو في العيان ... يقدح في مروءة الإنسان) يعني أن الشاهد الذي يستحق أن يسمى عدلًا وأن تجوز شهادته شرعا هو من وجدت فيه القيود المتقدمة ويجتنب معها الذنوب الكبائر الآتي بيانها وصغائر الخسة كسرقة لقمة وكعكة اجتنابًا دائمًا ويتقي في غالب أحواله صغائر غير الخسة كالنظرة للأجنبية لعسر الاحتراز منها ويجتنب ما أبيح بالنظر إلى الأصل في حكم الشرع من الأقوال والأفعال التي صار ارتكابها واستعمالها بحسب العرف والعادة أمرًا مستقبحًا يشين ذوي الهيئات ويسلب عنهم المروءة وكل ما يسلب المروءة وينافيها حرام باعتبار ما يعرض له من القدح فيه وبطلان شهادته لأن من لا مروءة له لا يؤمن على ترك المعاصي وتقدمت الإشارة إلى هذا قريبًا وسيأتي في شرح المروءة أمثلة من ذلك سئل الشاطبي من أولياء الله فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة فإن كانت الشهادة بهذه الصفة فلا شيء أجل منها وإن كانت خطة فلا شيء أخس منها وكان يرى أن جنايات الشاهد في صحيفة من يقدمه لحديث من سن سنة حسنة أه أحمد بابا (قال) أبو عبد الله بن المديني عرف قنون في حواشيه على الزرقاني العدل عند المحدثين من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة وأن عبدًا أو امرأة. وأما من تقبل شهادته ففي الحطاب هو المجتنب للكبائر المتوقي لأكثر الصغائر إذا كان ذا مروءة وتمييز متيقضا متوسط الحال بين البغض والمحبة يريد لأن الفرط في المحبة يقوي تهمة من شهد له كالآباء والأزواج والفرط في البغض كالعدو والخصم يقوي تهمته في الشهادة عليه اهـ. والكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق

стр. 73

والسحر وشهادة والزور والغيبة والنميمة (ومعنى) المروءة هي المحافظة على فعل مباح يوجب تركه الذم عرفا كترك الانتعال وتغطية الرأس وعلى ترك مباح يوجب فعله الذم عرفا كالأكل في الشوارع عندنا أو في السوق أو في حانوت الطباخ لغير الغريب والحرف الرديئة لغير أهلها كالجزارة والدباغة هذا أن كان تلبسه بتلك الحرف اختيارًا ولم يكن من أهلها وإلا فلا تكون جرحة فيه قال بعض العلماء فلو مشي الإنسان حافيًا وبغير عمامة بالكلية مما هو مباح لكن العادة خلافه فينظر في أمره فإن أراد بذلك كسر نفسه عن الكبر لم يكن ذلك جرحة في حقه وكذلك أن صنعها ليدخل بها السرور على الفقراء أو يتصدق بما يأخذ في مقابة تلك الصنعة فإنها حسنة وإن كانت على جهة الاستهزاء بالناس وعدم الاكتراث بهم فهو جرحة وأما حمل الإنسان متاعه من السوق فهو من السنة لقوله ﵊ صاحب الشيء أحق به أن يحمله وذلك حين اشترى السراويل وأراد بعض الصحابة أن يحملها عنه وأظنه السيد أبا بكر ﵁. وليس المرد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وحسن الهيئة واللباس بل المراد التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق بمثله لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة فمن ترك اللباس المحرم أو المكروه الخارج عن السنة لا يكون جرحة في شهادته كلباس فقهاء هذا الزمن من تكبيرهم العمائم في قنون تنبيه قال ابن مرزوق اضطرب رأي المتأخرين في المروءة هل هي زائدة على حقيقة العدالة حتى أنها كصفات الكمال الزائدة على الحقيقة أو هي من تمام حقيقتها وهو الأظهر خلاف (ولما) كانت كيفية القضاء من أركانه كما تقدم وأن منها معرفة البينة والتعديل والتجريح واليمين شرع في بيان ذلك فقال (فالعدل ذو التبريز ليس يقدح ... فيه سوى عداوة تستوضح)

стр. 74

(وغير ذي التبريز قد يجرح ... بغيرها من كل ما يستقبح) (ومن عليه وسم خير قد ظهر ... زكى إلا في ضرورة السفر) (ومن بعكس حاله فلا غنى ... عن أن يزكي والذي قد أعلنا) (بحالة الجرح فليس تقبل ... له شهادة ولا يعدل) (وإن يكن مجهول حال زكيًا ... وشبهة توجب فيما ادعيا) الأبيات الستة قاعدتان (الأولى) هل الناس عند جهل حالهم محمولون على العدالة أو على الجرحة وهو مذهبنا خلاف (الثانية) هل العدالة حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها وعليه أكثر أهل العلم أو حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا خلاف إذا تقرر هذا علمت الفروع التي ذكرها الناظم هنا على ي شيء بنيت (وحاصل) ما ذكره في هاته الأبيات هو أن الشاهد العدل المبرز وهو الفائق في العدالة لا يحتاج فيه إلى تعديل لأن تعديله يؤدي إلى تحصيل الحاصل أو إلى التسلسل وكل منهما محال وأن المشهود عليه إذا طلب الطعن فيه بكل قادح فإنه لا يمكن منه لأن الواقع يكذبه فدعواه لا تسمح وإنما له أن يقدح فيه بالعداوة الدنياوية الواضحة كالخصومة والهجرة الطويلة لا العداوة الدينية فإنها لا تضر وصاحبها مأجور ولهذا جازت شهادة المسلم على الكافر كما تقدم لأنها عداوة عامة وهي لا تؤثر فإن وقعت بينهما عداوة دنيوية فإن شهادته عليه لا تجوز ومثل العداوة الواضحة القرابة الأكيدة كما يأتي في موانع الشهادة. والشاهد العدل إذا كان غير مبرز فلا يحتاج فيه إلى تعديل كذلك غير أنه يجرح فيه بالعداوة الواضحة والقرابة الأكيدة وغيرهما من كل ما يستقبح كشرب وسرقة وغصب وكذب وترك الصلاة ونحوها من أنواع التجريح أن طلب الخصم ذلك. والشاهد الذي تظهر عليه علامة الخير والدين بشهود الصلوات في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح ولم تتحقق عدالته فلا بد من تزكيته ولا تقبل شهادته بدونها لحمل الناس على الجرحة لا على العدالة إلا

стр. 75

في السفر فتقبل للضرورة. والشاهد الذي يعكس حال هذا وهو من ظهر عليه وسم الشر ولم يتحقق فسقه فلا تقبل شهادته حتى يزكى ولو في سفر فهو بالنسبة لما قبله من باب أولى. والشاهد الذي أعلن بالفسوق والفجور فلا تقبل شهادته ولو علم الحاكم بصدقه كما تقدم لأن العدالة حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطها ولا يصح تعديله لأن الواقع يكذبه. والشاهد الذي يكون مجهول الحال بأن لم يظهر عليه ما يدل على الخير ولا ما يدل على الشر فلا بد من تزكيته كذلك ولو في سفر ولا تقبل شهادته بدونها. وحيث توقف قبول شهادة المذكورين في الفروع الثلاثة على التزكية فإن شهادتهم لا تلغى قبلها بحيث لا توجب شيئًا بل توجب شبهة في كون المدعى فيه للمدعي وإلى هذا أشار بقوله وشبهة توجب فيما ادعيا فإذا شهد اثنان بحق وكانا ممن لا يحكم بشهادتهما إلا بعد التزكية عقل ذلك الشيء المدعى فيه كما يأتي إلى أن تثبت التزكية فيحكم بها أو يعجز عنها فتضمحل الشبهة باضمحلال الشهادة فترفع العقلة. وقوله شبهة بالنصب مفعول توجب وفاعله ضمير يعود على الشهادة وألف زكيا وادعيا للإطلاق قوله (ومطلقا معروف عين عدلا ... والعكس حاضرا وإن غاب فلا) يعني أن الشاهد الذي أريد تعديله أما أن يكون معروفًا عند القاضي أو من يقوم مقامه في تحرير الشهادة أو غير معروف عنده فإن كان معروف العين في البلد بحيث لا يشتبه في اسمه وصفته بغيره فإنه يعدل سواء كان حاضرًا مجلس القاضي أو غائبًا عنه وإن كان غير معروف العين عند القاضي أو من يتنزل منزلته في نقل الشهادة وهو المراد بالعكس فلا يعدل إلا حاضرا على عينه وإن غاب عن مجلس القاضي فلا يجوز ذلك لأنه لا يعرفه والحكم على الشيء فرع تصوره (ففي القرافي) أن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما
следующие страницы →