← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف بحث تفصيلي وتأصيلي لأهم قواعد مسألة ونشأة فريضة الحجاب مدعماً بكلام أهل العلم المتقدمين وفيه دراسة لبدعة القائلين اليوم أن ستر وجه المرأة المسلمة عن الرجال سنة ومستحب تأليف الشيخ تركي بن عمر بن محمد بلحمر

стр. 2

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف بحث تفصيلي وتأصيلي لأهم قواعد مسألة ونشأة فريضة الحجاب مدعماً بكلام أهل العلم المتقدمين وفيه دراسة لبدعة القائلين اليوم أن ستر وجه المرأة المسلمة عن الرجال سنة ومستحب تأليف الشيخ تركي بن عمر بن محمد بلحمر

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

خطاب الشيخ

стр. 5

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.، ، أما بعد: فقد أخبر الصادق المصدوق فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) أخرجه مسلم، وله من رواية أخرى عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها) ولا شك أن غربة الإسلام لن تكون في مسألة واحدة أو جانب واحد من مسائله بل ستطرأ في كافة الجوانب وبنسب متفاوتة ومختلفة كما نشاهده اليوم في جانب التوحيد والفرائض والواجبات، وكذلك في جانب الحلال والحرام كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر (١) والحرير والخمر والمعازف) أخرجه البخاري تعليقا (٢).

стр. 6

فهذه الأمور مجمع على تحريمها، ومع ذلك فإنه يأتي زمان على الناس يسمونها بغير اسمها فيستحلونها بأدنى الحيل فكيف بغيرها ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفيما رواه حذيفة قال ﷺ : (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية) أخرجه ابن ماجه (١). الداعي لهذا البحث: وقد كان يراودني دوما سؤال عن سبب التشكيك في صفة وكيفية فريضة الحجاب التي فرضها الله على المؤمنات الصالحات وبخاصة ما يشاع ويقال بين الحين والآخر أن الخلاف فيها كان بين الصحابة أنفسهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والحجاب فريضة إلهية ومسألة دينية كبيرة تختص بجوانب اجتماعية كثيرة وشعيرة إسلامية ظاهرة فمسألة النقاب وحكمه من ناحية الوجوب أو عدمه لابد وأن يكون واضحاً وجلياً ومعلوماً وقد حُسم في الصدر الأول، فلا يمكن في حقهم أن يجهلوها أو يختلفوا فيها كبعض المسائل الأخرى، فمن أشنع الأقوال أن يقال أن الصحابة اختلفوا في فريضة الحجاب وهل هو تغطية المرأة لوجهها أم كشفه؟ .

стр. 7

ومثل هذا لا يمكن نسبته للصحابة بتاتاً، وهم حول رسول ﷺ مع كثرة النساء الخارجات بينهم في اليوم والليلة، فلا يمكن لهذه المسألة أن تخفى أو تُجهل أو لا ينقل إلينا اختلافهم ونقاشهم فيها كما هو الحاصل اليوم بين الفريقين، ولهذا فلابد وأن تكون مسألة الخلاف فيها طارئة وحادثة وبعد إجماع العصور الأولى والقرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم. فمسألة التشكيك في النقاب أو وجوبه لم تأتِ فجأة ولم تأتِ من نصوص الكتاب والسنة الظاهرة والصريحة ولا من فهم الصحابة والسلف الصالح لها، وبالتالي فلا بد وأن تكون غربته بدأت تدريجياً وشيئاً فشيئاً، فما سنذكره من أسباب وما سنجليه من أمور وحقائق ونقول لأهل العلم هي بمشيئة الله تعالى ما سيبين ذلك التدرج حتى وصلت بغربة الحجاب إلى ما وصلت إليه اليوم من حرب على النقاب وزادت بسبب ما بثه بعض العلماء المتأخرين اليوم، من شُبَه جديدة وتفاسير خاطئة وفهم مخالف لمراد الله ومراد رسوله ﷺ ومقصد المتقدمين من السلف الصالح وأئمة الإسلام، وبعيداً عن أقوال أهل العلم السابقين، حتى حرفوا وبدلوا وصحفوا - بغير قصد - فريضة الحجاب عن حقيقتها. ولهذا لابد أن يكون الحق الذي هو موافق لمراد الله ومراد رسوله ﷺ ومراد سلف الأمة ظاهراً وليس كما حاول البعض أن يقنعنا أن الصحابة والسلف، وأئمة المذاهب الأربعة والذين كانوا قريبين من عصر النبوة قد اختلفوا فيها، بدون دليل ولا نقل صريح، فالمسألة

стр. 8

فريضة إلهية مذكورة ومحفوظة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتعنى بالشأن العام ونالت ما نالته من نصوص عديدة وكثيرة لا يمكن أن تخفى وتستتر حقيقتها عند البحث والتحقيق ولابد وأنه في كل الحالات سيكون الأمر واضحاً وجلياً ومدعماً بأدلة ووقائع خفيت مع طول الزمان بعض حقائقها، ولهذا عزمت مستعيناً بالله على كشفها وسبر أغوارها. كتبه راجي عفو ربه تركي بن عمر بن محمد بلحمر

стр. 9

(المبحث الأول) سورة الأحزاب وأول ما نزل من الآيات في مسألة الحجاب وما لحق تفسيرها من تحريف وتبديل وتصحيف

стр. 10

(المبحث الأول) سورة الأحزاب وأول ما نزل من الآيات في مسألة الحجاب وما لحق تفسيرها من تحريف وتصحيف وتبديل يُخطئ كثير من المستدلين لمسألة الحجاب وبخاصة القائلين بسفور المرأة لوجهها (١) عندما يستشهدون بالآية الكريمة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فيستدلون بها وكأنها أول ما أنزل من آيات الحجاب وكأنها الأصل والأساس في المسألة على تشريع فريضة الحجاب على نساء المسلمين فهذه الآية من أواخر ما نزل في شأن الحجاب، حيث نزلت متأخرة وبعد نزول أول آيات الحجاب والتي جاءت في سورة الأحزاب وذلك بشهادة أعلم الناس بشأن الحجاب الصحابي الجليل وخادم رسول الله ﷺ أنس بن مالك ﵁.

стр. 11

فمن استدل بها لبيان حكم وكيفية صفة فريضة الحجاب يكون قد خلط الأمر وبدأ طريقه خطأً فكلما سار على هذا الأساس بَعُد عن الصواب فكان مؤداه لأخطاء وتناقضات أكثر وأكبر، فهو جعل التفصيل والبيان والرُخص التي في سورة النور ومنه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الأصل العام والتشريع الأساسي لفريضة الحجاب ونسي أنها متأخرة وأنها استثناء والاستثناء لا بد وأن يأتي بعد أصل عام ومقرر سلفاً وصفه وحدوده وهو المستثنى منه فعليهم أن يرجعوا لأصل المسألة وأول ما نزل فيها حتى يفهموا المستثنى من ذلك تحديداً والغاية والمراد من ذلك الاستثناء كما أراده الله تعالى. فقد نزلت قبلها آيات كما في سورة الأحزاب ما كان لهم أن يغفلوا عنها والتي حسمت وحددت الزينة التي يجب سترها وأمرت بتغطية المرأة لزينتها ومن ذلك وجهها كما عليه إجماع الصحابة والتابعين وعلماء أهل التفسير جميعاً كما سننقله عنهم قريباً بالتفصيل. والآن ولكي نعرف حقيقة مسألة فريضة الحجاب علينا أن نحدد أول الآيات نزولاً في ذلك حسب تاريخ وأسباب النزول ثم نرتب آياتها ليتبين لنا الصواب في المسألة وحتى لا تتعارض معنا الآيات والأحاديث وتفاسير الصحابة، وحتى ندرك معنى كل آية حسب مراد الله ومراد رسوله ﷺ ومراد صحابته الكرام.

стр. 12

تاريخ نزول أول الآيات في مسألة الحجاب: أترك الجواب للصحابي الجليل أنس بن مالك خادمِ رسول الله ﷺ قال: (كنت ابن عشر سنين مَقدم رسول الله ﷺ وكان أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله فخدمته عشر سنين وتوفي ﷺ ، وأنا ابن عشرين سنة وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش أصبح النبي بها عروساً فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث، - وفي رواية - ورسول الله ﷺ جالسٌ وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط، فقام النبي فخرج وخرجْتُ معه لكي يخرجوا فمشى ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة - وفي رواية - فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتقَّرى حُجَر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة - إلى أن قال- فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الحجاب فخرج رسول الله وقرأهن على الناس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله: ﴿من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] أخرجه الشيخان وغيرهما. قال الإمام ابن كثير في تفسيره: (هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي

стр. 13

الله عنه كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مقام إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقلت: يا رسول الله أن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك، وفي رواية لمسلم، ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة. وقد قال البخاري: حدثنا مسدد عن يحيى عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش الأسدية التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم) انتهى من ابن كثير. وبهذا يتبين أن بدايات أمر الحجاب وفرضه كانت بعد غزوة الأحزاب وبني قريظة في سورة الأحزاب وأن آياتها من أول ما أنزل في ذلك ومنها قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].

стр. 14

أما سورة النور وما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقد نزلت بعد ذلك بفترة، فكان ما فيها من آيات عديدة في مسائل الحجاب تفصيل وبيان واستثناء ورخص من الأصل السابق، وهذا معلوم من طريقة القرآن وأسلوبه ورحمة الله بعباده والتوسعة عليهم، والدليل على ذلك أمور جلية وبينة منها: ١ - أن سورة الأحزاب وحادثة التحزب والخندق المذكورة في السورة كانت في السنة الخامسة من الهجرة على الصحيح المشهور كما قاله ابن كثير في تفسيره وابن إسحاق وغيرهم (١)، فهي بلا خلاف قبل سورة النور والتي ذُكر في آياتها وقائع حادثة الإفك التي وقعت في السنة السادسة للهجرة. ٢ - أن سورة النور ذكرت حادثة الإفك كما في الآية رقم (١١) ثم جاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وقد بينت عائشة ﵂ عند روايتها للحادثة التي وقعت لها أنهن قد أمرن قبل ذلك بتغطية وجوههن عن الرجال كما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما فيما حكته عن نفسها قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني، فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت

стр. 15

وجهي بجلبابي)، فدل بوضوح أن الحجاب قد فرض قبل سورة النور وقبل ما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. ٣ - الحديث المتقدم لخادم رسول الله ﷺ وأعلم الناس بشأن الحجاب وقوله: (وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش) متفق عليه. وقد ذكر أهل السير أن زواج رسول الله ﷺ بزينب، كان في السنة الخامسة للهجرة مما يدل على أن أول بدايات نزول آيات فرض الحجاب كانت في سورة الأحزاب التي ذكرها أنس وما بعدها من الآيات في نفس السورة، كقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وهي المتقدمة على سورة النور وما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الحافظ ابن حجر: (ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله ﷺ بها فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك) (١) انتهى. كما هو جلي وواضح والحمد لله. قال الإمام البيهقي: (وغزوة بني قريظة كانت عقيب الخندق في سنة خمس فنزول الحجاب كان بعده والله أعلم) (٢) انتهى. ٤ - وسوف نأتي لمزيد من الأدلة الأخرى عند تفسير آيات سورة النور بمشيئة الله تعالى (٣).

стр. 16

كيف مهد الإسلام لتشريع فريضة الحجاب ؟ : من بداية سورة الأحزاب والله يمهد لفريضة الحجاب وذلك بعدة أمور، ومن العجيب الذي لا يمكننا أن نلخصه في هذه العجالة أنك ترى في سورة الأحزاب أعظم تمهيد لحدث لم يكن مألوفاً ولا معتاداً على المسلمين، فقد شملت من الترغيب والترهيب وبيان عظمة الله وقدرته والتسليم لأمره وأنه ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وغير ذلك مما جاء لعدة أغراض وأسباب، من ضمنها نزول فريضة الحجاب ولا يمكنني التعبير عن دقة ذلك وعظمته وتدرجه، فأحيل القارئ الكريم لقراءة السورة كاملة، وهي التي حوت فريضة الحجاب وأول ما نزل في شأنها ولا بأس أن نُذكِر ببعض التمهيد العام والخاص في ذلك، فمن التمهيد العام والذي سبق نزول فريضة الحجاب: أ- عدم طاعة الكافرين والمنافقين والإعراض عن أذاهم: أن فريضة الحجاب والنقاب وستر النساء لوجوههن عن الرجال لم يكن ذلك بالأمر المألوف أو الهين على المسلمين كونه لم يكن مشروعاً قبل ذلك وكانت نساء الصحابة وزوجات رسول الله ﷺ يكشفن على الرجال، كما دلت على ذلك النصوص العديدة، فلم يكن تغيير ذلك الواقع سهلا بالنسبة لهم ولابد وأن النفوس البشرية ستستصعب ذلك. كما لا ننسى أعداء الإسلام من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب وكيف أنهم مشهورون بالسخرية والاستهزاء بالمؤمنين، ويحاربون كل

стр. 17

حكم وفريضة إسلامية يأتي بها الله تعالى، لهذا عندما تقرأ بدايات سورة الأحزاب، وإن جاءت لأسباب معينة كما ذكر ذلك بعض أهل التفسير فلا يمنع من أنها مهدت لفريضة الحجاب بأعظم تمهيد وتجهيز لنفوس عباده المؤمنين والمؤمنات لاستقبال أحكام الحجاب وغيره من الأحكام التي لم يكن المجتمع المسلم متعوداً عليها ومن أهمها إلغاء التبني والأمر بفريضة الحجاب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإنك لتعلم مدى قوة هذين الأمرين وصعوبتهما على النفوس وخوفها من نظرة الآخرين وكلامهم وانتقاداتهم، وإنك لتعلم مدى رحمة الله بعباده عندما تقرأ في أول سورة الأحزاب تلك البداية العجيبة التي تقشعر منها الجلود وهي قوله تعالى في أول آية منها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴿٢﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴿٣﴾ [الأحزاب]. فالأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لم يوجهه الله للمؤمنين مباشرة وإنما وجهه لأعلى شخصية إسلامية بأن يتقي الله، ويكون القدوة لأتباعه لتنفيذ ما يُوحَي إليه من ربه، في نفسه وأهل بيته وعموم المسلمين، ولا يطيع الكافرين والمنافقين ولو كانت أموراً عظيمة في جانب التوحيد أو التشريع مما لم يألفوها ويتعودوا عليها، فهو العليم الحكيم بما ينفع عباده، وهذا أروع استهلال وأعظم مقدمة تقشعر منها القلوب والجلود وتسلم لها الجوارح على حكمة العليم الحكيم ليهدم

стр. 18

قضية التبني ويُعد المؤمنين لاستقبال فريضة الحجاب والنقاب، وبذلك يجهز النفوس المؤمنة لمجابهة اللمز والغمز والمضايقات من أعداء الدين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ﴿٣٦﴾ [الأحزاب] ولهذا كرر ما قاله في أول السورة قبل آيات فرض الحجاب في البيوت كما في الآية الثامنة والأربعين فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴿٤٨﴾ [الأحزاب]. ثم كررها قبل آية الحجاب خارج البيوت كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴿٥٨﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿٥٩﴾ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً ﴿٦٠﴾ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ﴿٦١﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴿٦٢﴾ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ﴿٦٤﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴿٦٥﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ

стр. 19

وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧﴾ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ﴿٦٨﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً ﴿٦٩﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴿٧١﴾ [الأحزاب]. وسبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة! فقد تكالب أعداء الإسلام وقاموا بحملة ضد النقاب ومنع المسلمات في كثير من دول العالم من تغطية وجوههن والاقتداء بزوجات رسول الله ﷺ ونساء صحابته الكرام وأصدروا تشريعاتهم في ذلك لمحاربته والسخرية منه. لهذا ستجد أيها القارئ الكريم أن سورة الأحزاب من أولها وحتى آخرها تدور حول إعداد النفوس المسلمة لمواجهة أوامر الله جميعها السابقة أو الجديدة عليهم والتي لم يتعودوها ومنها ما نحن بصدده من الأمر بفريضة الحجاب وغير ذلك بالرضا والتسليم وعدم طاعة الكافرين والمنافقين والمرجفين والإعراض عن أذاهم القولي أو الفعلي والتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً. ب - مهد الله قبل فرض الحجاب بتذكيرهم بيوم الأحزاب يوم أن نجاهم الله من شر عظيم وفزع كبير، فكان في الأمر للنساء بقرارهن في بيوتهن وسترهن لوجوههن سكينة ووقار وطمأنينة لهن مما لا تحتمله النساء من الشدة والعناء والجهاد والمصاعب:

стр. 20

فقبل أن يفرض الحجاب بدأ بتذكيرهم بنعمته عليهم ورعايته لهم من كيد أعدائهم ومكرهم يوم الأحزاب يوم أن تكالبوا عليهم وبلغت القلوب الحناجر ولم يكن لهم من ملجأ إلا اللهَ ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴿٩﴾ [الأحزاب]، وهذا من أعظم الدواعي المحفزة للاعتماد عليه والأخذ بما أمر وشرع، وأنهم حين يتبعون أمره فلا غالب لهم، مهما بلغت قوة أعدائهم. ج- مهد الله لفريضة الحجاب بتشريف زوجات نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات للمؤمنين، ثم أمرُهُ لهن، بعد ذلك بالبعد عن مثيرات الشهوات والحجاب ممن قضى أنهم أبناء لهن، فكن بذلك مخصوصات عن بقية أمهات العالمين بالتحجب من أبنائهن: وهذا أعظم تمهيد عندما أعلن الله في بدايات السورة تكريمه لزوجات النبي ﷺ بما أعلى به قدرهن، ورفع به شأنهن، بأن جعلهن أمهات للمؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ﴿٦﴾ [الأحزاب]، ولهذه البداية حكمة عظيمة قبل فرض الحجاب فبعد هذا التكريم صرن أمهات للمؤمنين، ولهذا أكثر المؤمنون قبل نزول الحجاب من الدخول على بيوت النبي ﷺ بدون ترتيب أو استئذان حتى كان يدخل عليهن البر والفاجر، كما أخبر أنس، قَالَ: (قَالَ عُمَرُ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ فَلَوْ أمرتَ أمهات المؤمنين بِالحِجَابِ فأنزل اللَّهُ آية الحِجَابِ) أخرجه البخاري

стр. 21

وغيره، وعمر ما قال ذلك إلا لما أكثر الناس من الدخول على بيوت النبي ﷺ وشجعهم على ذلك وطمأنهم عليه كونهن أمهاتهم، وهو أولى بهم من أنفسهم كما نصت عليه الآية السادسة من سورة الأحزاب، ولم يكن لأحد بعد هذا أن يمنع أو يحجب الرجال عن الدخول على أمهاتهم إلا بنص قرآني آخر، ولهذا لم يحجبهن رسول الله ﷺ من عند نفسه وكان شديد الحياء، فكان عمر ﵁ يحث على ذلك حتى نزلت الآيات، قال الإمام السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول: (قال الحافظ بن حجر (١): يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ ولا يبسط يده إلى الطعام استحياء منهم فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً

стр. 22

فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً ﴿٥٣﴾) (١) انتهى. فبدأ الله التمهيد لمسائل الحجاب بهن، وكأنه لما أكرمهن بهذا اللقب الرفيع كان ذلك لحكم عديدة بالغة منها: أن كل ما أمرت به الأمهات مع أبنائهن من الرجال فغيرهن من النساء مع الرجال الأجانب أولى وأحرى وأوجب، ثم بعد هذا التشريف وهن الأمهات حثهن على لزوم طاعة الله ورسوله وخيرهن باختبار كبير إن كنَّ يردن الله ورسوله والدار الآخرة أو يردن الدنيا وزينتها، ثم حذرهن من مواطن الريبة والفتنة والفواحش، وأن يكنَّ قدوات لغيرهن من المؤمنات في الخيرات بل من العجب أن بدأ بهن في خطاباته الأولى وهن الطاهرات العفيفات زوجات خير الأنبياء أمهات المؤمنين اللاتي الفتنة منهن وإليهن أبعد عمن سواهن من النساء، وما ذلك إلا ليحرض المؤمنين والمؤمنات على الاقتداء بهن والسير على نهجهن، وقد أمرهن بأبسط الأمور وأدقها، مع جلالة قدرهن وسمو مكانتهن، فنهين عن الخضوع بالقول، وأمرن بالقرار في بيوتهن وعدم الخروج إلا لحاجة ونهين عن تبرج الجاهلية الأولى وأمرن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ﷺ وتبليغ ما أنزل في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وهذا أعظم محفز لغيرهن من النساء أن يشددن الهمة على الامتثال لفريضة الحجاب ونبذ التغريب والمغريات الدنيوية والتبرج والسفور.

стр. 23

وما بدأ الله بهن- وهن أمهات للمؤمنين - إلا ليمهد وينبه ويُسلي من بعدهن من المؤمنات بعظيم شأن الحجاب وقوة فريضته ويهون على من دونهن أوامره ونواهيه التي جاءت في ذلك. وصرن بهذا مختصاتٍ بالأمر بالتحجب من أبنائهن، خلافاً لسائر الأمهات اللاتي ليس مفروضاً عليهن ذلك، ولا أريد أن أطيل هنا في مسألة خصوصيتهن وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف من بعض المتأخرين، حتى قيل أن وجوب ستر الوجه مخصوص بأمهات المؤمنين وسنة على غيرهن من النساء، وبدون أن يكون لهم أدنى دليل أو مستند أو قول من أهل العلم في ذلك، إلا أنه عُكِس وبُدل مفهوم الخصوصية التي قصدها المتقدمون، فحورب النقاب لأجل هذا، وأُولت أدلته من الكتاب والسنة حتى عاد غريباً كما بدأ، بسبب فهم مغلوط ومعكوس لكلمة الخصوصية، وبهذا بدَّلوا الفائدة والحكمة التي أرادها الله من خصوصيتهن بالتحجب وهن الأمهات، وسوف نعقد لهذا فصلاً مستقلاً بمشيئة الله تعالى، وما يعنينا هنا، هو أن يُراجع القارئ الكريم السورة، ويتأمل ذكرها لهذا التشريف الكريم وما حوته من آيات مهدت بعده لهذا الحدث العظيم، وهو فريضة الحجاب، وستر النساء لوجوههن عن الرجال. د - تمهيد سورة الأحزاب لمسائل الحجاب على سبيل الخصوص: فإن كان هناك تمهيد وإعداد لفريضة الحجاب على سبيل العموم مما ذكرناه من عدم طاعة الكافرين والاعتماد على الله ولزوم أمره، وكذلك تذكيرهم بيوم الأحزاب وهذا فيه إشارة إلى أنه من كان مع الله

стр. 24

وأطاعه في أوامره ونواهيه لا يضره أذى المؤذين وكيد الكائدين، وغير ذلك مما جاء من التمهيد العمومي. كذلك كان هناك تمهيد وتدرج بخصوصه، حيث نجد أنه نزل قبل فرض الحجاب آيات تنهى زوجات النبي الكريم أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرن أن يقلن للرجال قولاً معروفاً مختصراً لا توسع فيه ولا تبسط، أي لا كما تخاطب المرأة زوجها، ثم جاء الأمر بقرارهن في البيوت وألا يخرجن إلا لحاجة، وألا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وهذا كله إعداد لمسألة الحجاب، حتى جاء أول ما نزل في شأن الحجاب كما أخبر به أنس رضي لله عنه وما تلاها من آيات هي الأولى في فريضة الحجاب.

стр. 25

أول ما نزل في شأن الحجاب: كل ما سبق وغيره مقدمات قبل فرض الحجاب حتى نزلت أول آية في شأن الحجاب كما أخبر بذلك أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ وأعلم الناس بشأن الحجاب قال: (وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش - إلى أن قال - فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الحجاب فخرج رسول الله وقرأهن على الناس: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله: ﴿من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] متفق عليه. وهذه الآية في بداية التحجب وذلك بمنع دخول الرجال على النساء جميعاً وعلى هذا جميع المفسرين كما سيأتي في مبحث الخصوصية إن شاء الله فإن كان هذا في حق نساء النبي ﷺ وهن في حكم الأمهات كما نصت عليه الآية السادسة من نفس سورة الأحزاب فغيرهن من النساء اللاتي لسن بأمهات ولا محارم للمؤمنين من باب أولى. وكون الصحابة عاصروا نزول القرآن لم يختلط عليهم مثل هذا الأمر في أن كل ما أمرت به أمهاتهم بعد ذلك، من التصون والحجاب عن من هم في حكم الأبناء لهنَّ، كان بديهياً أن يُفهم منه حينها دخول نساء المؤمنين في ذلك الأمر وهن لسن بأمهات ولا محارم لأولئك الرجال، وقد أوضحنا سبب ذكر الآية لبيوت النبي ﷺ بالذات؛ لأن

стр. 26

الدخول قبل نزول الحجاب كان بكثرة في بيوت النبي ﷺ وذلك لمكانته ومكانة زوجاته بنص أول الآيات في سورة الأحزاب، كما أنه لو جاء الأمر للمؤمنين بمنع الدخول على بيوت بعضهم البعض، لبقي الأمر على حاله في بيوت النبي ﷺ ولما امتنع أحد من الدخول معتقدين أن الآية لا تعنيهم، وهم في حكم الأبناء مع أمهاتهم، لقوله تعالى بعد تلك الآية: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ .. ﴿٥٥﴾ [الأحزاب]. ولهذا جاء بذكر بيوت النبي ﷺ بالذات حتى يشمل الأمر بالحجاب أمهات المؤمنين. قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: (وبهذا يرتفع الإشكال في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ مع قوله: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ إذ يقال كيف يلزم الإنسان أن يسأل أمه من وراء حجاب؟ والجواب ما ذكرناه الآن فهن أمهات في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام لا في الخلوة بهن ولا في حرمة بناتهن ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى) انتهى. ولهذا فصار بعد التمهيد ونزول آيات الحجاب من المؤكد للجميع أن أمومة أمهات المؤمنين التي جاءت في بدايات السورة ليست كالأمومة الحقيقية من كل وجه، وإنما كما قال الإمام الشافعي: (في معنى دون معنى) (١).

стр. 27

قال الإمام البيضاوي في تفسيره: (وأزواجه أمهاتهم منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات) انتهى. وقال في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية المحاربي: (قال الفقيه الإمام القاضي: وشرَّف تعالى أزواج النبي ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين، في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات) انتهى. وسيأتي معنا الكثير من نقولات أهل العلم بمشيئة الله تعالى في المبحث المستقل بخصوصية أمهات المؤمنين. فالمقصود أن الله لم يُرد أن يختص أمهات المؤمنين بترك الحجاب بل اختصهم بالحجاب وهن الأمهات وجعلهن كبقية النساء فكن مخصوصات حيث لم تؤمر سائر أمهات العالمين بالحجاب من أبنائهن كما أمرت به أمهات المؤمنين، فكان فيه أبلغ وأعظم استشعار بأهمية فريضة الحجاب. وهذا المنع من الدخول للبيوت كان بشكل إجمالي ثم جاء في سورة النور- المتأخرة عنها - وفصَّل وزاد في عدد الأصناف المسموح لهم بالدخول على النساء وبين أحكام الدخول وآدابه وطرق الاستئذان سواء للأجانب أوالأطفال بما لم يذكره هنا في الأحزاب. أخرج الفريابي وابن جرير عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، وأنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي،

стр. 28

وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت: ﴿يا أيها الذين أمنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنسُوا﴾ [النور: ٢٧]. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية السابقة من قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴿٥٥﴾ [الأحزاب]: (لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور، عند قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ إلى آخرها، [النور: ٣١] وفيها زيادات على هذه) انتهى كلامه يرحمه الله. وهكذا في الآيات التي بعدها - من سورة الأحزاب - في الأمر بالحجاب حال خروجهن من البيوت بدأ الله أيضا بأمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ويسترن كامل زينتهن بما في ذلك وجوههن. ثم في سورة النور فصل فبعد أن أكد الأمر السابق ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، استثني فرخص بإبداء الزينة في حالات الحاجة والضرورة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]

стр. 29

ولهذا جاء من أقوال السلف أنها الوجه والكفان، وجاء غير ذلك كثير أيضا، وإنما اشتهر ذلك كونهما الغالب مما تحتاج المرأة وتضطر لكشفه، فالآية لم تحدد ذلك، وإلا فقد تمرض المرأة وتحتاج إظهار أكثر من ذلك، وقد تحتاج إظهار أقل من ذلك من زينتها ككفها فقط، لهذا قالوا الخاتم، أو عينيها من خلف البرقع تبصر به الطريق وتتفحص بها الأشياء، لهذا قالوا الكحل، ونحو ذلك (١). ثم جاء أيضا بعدها بالرخصة ﴿وَالْقواعد مِنَ النِّسَآءِ الَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيم﴾ [النور: ٦٠]. فكان ما في سورة النور تفصيل وتوضيح لما أجمل في سورة الأحزاب.

стр. 30

آية الحجاب وإجماع المفسرين عليها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿٥٩﴾ [الأحزاب]. هذه الآية نزلت بعد الآية التي أخبر بها أنس أنها من أول ما نزل في شأن الحجاب، وكلامه واضح أنه نزل بعدها آيات، وانظر كيف أمر الله رسوله ﷺ ، بأن يبلغهن بنفسه بفرض الحجاب عليهن، وكيف أمر الله رسوله ﷺ أن يبدأ تبليغ ذلك الأمر بزوجاته أمهات المؤمنين وببناته الطاهرات وبنساء المؤمنين، وفي هذين الملحظين بيان لأهمية الحجاب ومكانته، وكبير قدره وشرفه حيث دُعي إليه أهل بيت رسول الله ﷺ قبل غيرهن من النساء، بل دُعي إليه من هن في حكم الأمهات قبل غيرهن من الأجنبيات. وهذه الآية مما أجمع عليها المفسرون قاطبة نقلا عن الصحابة وبخاصة ابن عباس ﵄، بأنها الأمر بلبس النساء للجلابيب وتغطيتهن لوجوههن، ولم يذكروا عند تفسيرهم لهذه الآية أي خلاف في ذلك بتاتاً، ولم يذكروا فيها وجود قول آخر ككشف المرأة لوجهها، أو غير ذلك، فهو إجماع صريح ثابت صحيح، مذكور منهم للأمانة، ومدون في كتبهم، خلف عن سلف فهو بلا شك مما علمه وفسره رسول الله ﷺ لصحابته الكرام، وتناقلوه جيلاً بعد جيل، وسيأتي بيان ذلك نقلاً وتفصيلاً.

стр. 31

والآن لا بأس أن نورد الكثير من أقوالهم ونَدَع الباقي للقارئ الكريم، وذلك لكثرتها وشهرة مذهب أصحابها في وجوب تغطية المرأة لوجهها وحتى لا نطيل فيما هو مفروغ منه: ١ - الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) وما وقع في تفسيره من التحريف والتبديل والتصحيف: قال ﵀: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن (١) لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به: فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منها إلا عينا واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس، قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من

стр. 32

جلابيبهن﴾ أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة. حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال: ولبسها عندنا محمد قال محمد: ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. حدثني يعقوب قال ثنا هشيم قال أخبرنا هشام عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله: ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه. وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ... ﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها.

стр. 33

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) انتهى كلام الطبري ﵀. التحريف والتبديل والتصحيف المعاصر لما لحق كلام شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره لآية الإدناء: وهنا لا بد لنا من وقفة لا يحتمل السكوت عنها، وتوضيح أمر مفهوم ومعلوم ولم يكن هناك داع لتوضيحه وهو أن تفسير الطبري ﵀ من أعظم وأشهر كتب التفسير بالمأثور؛ فهو ينقل الآثار عن السلف بالأسانيد، ولهذا كان دقيقاً في تفسيره أكثر من غيره، وينقل جل ما لديه من آثار في تفسير الآية، ولو جاءت العبارات مختلفة عن نفس الصحابي أو التابعي ولو كان معناها ومؤداها واحدا، فإنه ينقل الإسناد والعبارات كما هي ويفرق ويقسم الأقوال لأدنى اختلاف في اللفظ، وذلك حرصا منه ﵀ في استيعاب المعاني والألفاظ كما جاءت، وإسناد كل قول لقائله من السلف كما ورد عنه بالسند المأثور، وهذا ما أكسبه مكانة ورفعة حتى أصبح شيخ المفسرين بالمأثور، وهذا ما نراه ونقرؤه ونفهمه في تفسيره لهذه الآية. ولكن من المعاصرين من غاب عنهم هذا المعنى وهذا المنهج الدقيق فتسرع ظنا منه أن في المسألة اختلافا جوهريا بين الصفتين ينصر به مذهبه في القول بعدم وجوب تغطية المرأة لوجهها، ولا شك أن هذا من

стр. 34

التصحيف والتحريف والتبديل لمنهج الأئمة الأعلام وطريقة فهم كلامهم، ثم ما يترتب على ذلك الفهم الخاطئ من التحريف والتبديل لحكم الله ورسوله، وظن أنه بمجرد قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) ظن وجود خلاف في أصل معنى الإدناء، بمعنى أن الطبري قصد من الخلاف هنا خلاف التضاد الذي لا يمكن معه الجمع بين الأقوال في الصفتين المختلفتين لأن مؤداهما ليس لشاء واحد، وهو الأمر بتغطية الوجوه بل لشيئين متضادين، فتكون الصفة الأولى لتغطية الوجه، والثانية لتغطية الرأس فقط، والحقيقة الواضحة من كلام الطبري هو أنه عني بالخلاف هنا خلاف التنوع وهو (في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) وكيف تكون طريقة الإدناء وطريقة ستر النساء لشعورهن ووجوههن؛ لأنه قد قرر ابتداءً معنى الإدناء وهو مخالفة الإماء وذلك بسترهن لشعورهن ووجوههن إذا خرجن، وبهذا يكون الخلاف خلاف تنوع وليس كما توهمه البعض وذلك لأمور جلية وبينة كالشمس، فإن الطبري قصد بقوله وإن اختلفت الصفة والطريقة للستر ولكن مؤداهما واحد وهو الإدناء الذي أمرهن الله به من ستر الشعر والوجه بأي الصفتين كان ذلك، إما بالسدل والإرخاء والإلقاء من فوق رأسها، وإما بطريقة النقاب والتقنع والبرقع واللثام، ولا يكون بهذه الأمور إلا بطريقة أخرى وهي الشد على الجبين وبالعطف والضرب على الوجه. وذِكرُ الطبري لكلام السلف في اختلاف طريقة ستر الوجه كان لفائدة عظيمة سنأتي لذكرها، ولكن عدم فهمهم لمقصد ومنهج الصحابة

стр. 35

ومن بعدهم في التفسير، جعلهم يتسرعون فيحرفون ويبدلون - دون قصد - كلام الطبري عن مقصده ومراده. اختلاف ألفاظ السلف في التفسير غالباً ما يكون اختلاف تنوع: والمعروف أن ألفاظ السلف في التفسير واختلافهم غالبا هو من باب خلاف التنوع، لا من خلاف التضاد؛ لأن خلاف التضاد: هو أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، وأما خلاف التنوع: هو أن تكون ألمادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى أن صاحب القول الأول يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما. وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف هو في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير وهو أخص كِتاب في المأثور يرى أن أقوال الصحابة والتابعين، ولا سيما من اشتغل منهم بالتفسير فيها اختلاف كثير، وعامةُ هذا الاختلاف إما لفظي وأما تنوع، بمعنى: أن يذكر أحدهما معنى، ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما، ويكمل أحدهما الآخر. فمن لم يفهم منهجهم ويعرف طريقتهم نسب إليهم الاختلاف إما لمجرد قول الناقل عنهم (واختلفوا) وإما لما يراه من أقوال السلف المختلفة ظاهراً في تفسيرهم للآية، فيظنهم يقصدون اختلاف التضاد، فيحرف ويبدل كلامهم بغير قصد كما في فريضة الحجاب.

стр. 36

وهنا زعموا أن قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) أن بين الصفتين اختلاف تضاد فأداهم ذلك لورطة أخرى وخطأ أكبر وأشنع، وهو أنه يلزم من قولهم ذلك أن يبرهنوا أن لفظة التقنّع الواردة في الصفة الثانية (وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها) لا تعني ستر الوجه، ونقل نقلا مبتورا وناقصاً عن بعض أهل اللغة يفيد أنها بمعنى الستر فقط، فقالوا ليس فيها ستر الوجه، بل ومن العجيب أنهم قالوا: (أن التقنّع الذي يلبسه المحاربون لا يكون على الوجه بتاتا فإنه لو كان على الوجه كيف يبصرون الطريق فضلا عن القتال، وأنه وإن ورد عن البعض أنه يستر الوجه فهذا مجاز عن إحاطته بالوجه وليس حقيقة في تغطيته) (١)، وبهذه البساطة نسفت فريضة النقاب ووجوبه في الشريعة المطهرة، وأما كيف يبصرون؟ فإن الأطفال الصغار يعرفون الأقنعة ويلبسونها ويمكنهم أن يجيبوا بأن للمقاتلين في أقنعتهم فتحتين أمام العينين يبصرون بها، بل وورد لفظ القناع الذي يستر الوجه في السنة واللغة وقصص العرب بشكل مستفيض لا يحصى، سنأتي لذكره باستفاضة، بل لو أنهم نظروا في كلام الطبري بنوع من التأمل قليلا، لأغناهم عن ذلك كله، ولعلموا مقصده وأن التقنع يستر الوجه أيضا فقد نقل الإمام الطبري في الصفة الأولى بعد أثر ابن عباس، أثر عبيدة السلماني وكيف وصف ابن عون

стр. 37

تغطية الوجه بلفظة (التقنع) فقال الإمام الطبري: (قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) وهذا هو نفس تفسير ابن عباس الذي في الصفة الأولى (أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) مما يكفي معه أن يفهم الشخص منه معنى التقنع الوارد في الصفة الثانية التي أشكلت عليهم، وأنه كذلك بمعنى ستر الوجه أيضاً. وكل ما في الأمر أن الإمام الطبري أراد أن يبين صفات مختلفة وردت عن السلف بالأسانيد التي لديه في طريقة وكيفية الإدناء الذي هو كما قال بنفسه أنه تغطية الرؤوس والوجوه! حيث جاءت كيفيات وصفات وألفاظ في ذلك عن السلف كابن عباس وغيره فأراد الطبري أن يذكرها كما هي بأسانيدها التي لديه عنهم ففصل وقسم اختلافها في طرق الإدناء وستر الرؤوس والوجوه، وإلا فهناك نقولات عديدة من غير طريق الطبري نقلها أهل التفاسير عن ابن عباس وغيره من السلف بلفظة التقنع والمفيدة صراحة ستر المرأة لوجهها بقناعها وأنها إحدى الطرق والصفات في الإدناء وستر الوجه كما هو المروي عن ابن عباس وغيره من السلف وسنأتي لذكرها قريباً عند النقل عن أهل التفسير.

стр. 38

وما سبق إجمالاً ولنزيد الأمر توضيحاً نذكر ما يلي: أولاً- نلاحظ قول الطبري من بداية كلامه عن آية الإدناء فسرها بأنها تغطية الرؤوس والوجوه فقال: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن) انتهى. فهو قرر سلفاً أن الإماء يكشفن شعورهن ووجوههن وأن الله قال لنبيه أن يخبر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بعدم التشبه بهن في كشف الرؤوس والوجوه. ولما وصل في كلامه إلى قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال بعدها (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) أليس كلام الطبري واضحا وضوح الشمس من أنه لما وصل لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وأراد أن يفسر صفة الإدناء عليهن من جلابيبهن بالمأثور عن السلف ذكر في ذلك اختلاف صفة الإدناء، ولكن معناها ومؤداها واحد كما قرره سلفاً وهو تغطية الرؤوس والوجوه، وهذا ما يُعرف باختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهذا مشهور ومعلوم من تفسير الإمام الطبري وغيره من تفاسير الصحابة والسلف وأهل الأثر من المحدثين، نجدهم يكررون الحديث الواحد في نفس الباب والموضوع لأدنى اختلاف في رجال السند أو لفظه وإن كان معناه واحداً، والمتأمل للطبري في تفسيره يجده يقف عند كل آية ويقول فيها (واختلف) مثل ما قال هاهنا فيُفصل ويعدد الأقوال والآثار وقد

стр. 39

يكون المعنى واحداً، كما في هذه الآية حيث ذكر اختلاف الصفتين وهما بمعنى تغطية الوجه وإن كانا يختلفان في الطريقة والصفة والكيفية للستر، كما سننقل ذلك عن جميع المفسرين بل ومن نقلوه هم عن الإمام الطبري وعن ابن عباس وأنهما صفتان في الإدناء بمعنى تغطية الوجه، بل قال بعضهم وكلا المعنيين تحصيل حاصل، ولم يفهموا ما فهمه بعض المتأخرين اليوم من وجود اختلاف تضاد بينهما؛ وذلك لأن الصفة الأولى وهي تغطية الوجه كاملا وذلك بالسدل أو بالإلقاء أو بالإرخاء لشيء من جلابيبهن من فوق رؤوسهن أو بإظهار عين واحدة، وأما الصفة الثانية ومنها التبرقع أو التقنع أو النقاب أو التلثم ولا يكون لها ستر وجهها بهذه الأمور إلا بالصفة الثانية وهي بعطفه والشد على الجبين والضرب به على وجهها خشية من سقوطه لأنه لا يثبت ولا يستمسك على وجهها إلا بذلك، بعكس الإرخاء والسدل والإلقاء الذي يكون من فوق رأسها، وهذا مشاهد ومعروف لكل القائلين أو الداعين أو من نساؤهم مغطيات لوجوههن، يعرفون ويفهمون كلام الطبري الذي نقله عن ابن عباس وغيره في اختلاف الصفتين والطريقتين وأنه بمعنى ستر الوجه بالطرق المعروفة والممارسة لدي نسائهم، فهذه من المترادفات، كما نقول سترت المرأة وجهها، أو سترته بالبرقع أوسترته باللثام أوسترته بالنقاب فكذلك أو سترته بالتقنع، فهل يقول أحد أن العبارات أوالصفات أوالإشكال أو الطرق لذلك الستر اختلفت وبالتالي فلا تدل كلها على ستر الوجه؟ .

стр. 40

ثانياً- أن الإمام الطبري نقل الصفتين عن ابن عباس الأولى صريحة (أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) والثانية (أن تقنع وتشد على جبينها) والقناع معروف ومنه ما يلبسه أهل الحرب على وجوههم فلا يظهر منه إلا أعينهم ليبصروا بها، ولما كان قناع المرأة لا يثبت على وجهها كطريقة لبس قناع المحاربين الذي يثبت بوضعه من فوق رؤوسهم ليستر وجوههم؛ لهذا أمرها عند التقنع بشده وتثبيته على جبينها وعطفه على وجهها حتى لا يسقط منها فيظهر وجهها، فلو لم يفهم الإمام الطبري أن المعنيين عن ابن عباس بمعنى واحد كيف ينقل عنه قولين متعارضين ومتناقضين في تفسيره لنفس الآية دون أن يتعجب أو يتنبه لاختلافهما؟ أو يرجح أحدهما على الآخر، كما هي عادته ﵀؟ إلا أنه لم ير فيهما أي اختلاف يذكر، سوى أن ابن عباس أراد بيان طريقتين وكيفيتين وصفتين لستر الوجه لمن سترته بالسدل أو الإرخاء بأن ألقته على وجهها بطرف جلبابها أو غيره من خمار ونحوه، ومن سترته بطريقة التقنع أو النقاب أو اللثام أو البرقع ونحوهم فيكون بالشد على الجبين أوالعطف والضرب. وفي هذا من الفائدة والفهم الدقيق في أهمية بيان اختلاف الطريقتين كما نقلها شيخ المفسرين عن سلف الأمة ما لا يغيب مثله عن الطبري أو علماء الأمة فضلا عن حبرها ابن عباس حيث يعلم أهمية ذكر الطريقتين، وأن المحرمة لا يجوز لها النقاب وما في حكمه من التقنع أو اللثام أو البرقع كما روى ذلك ابن عمر قال ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرِمة ولا تلبس القفازين) أخرجه البخاري وغيره.
следующие страницы →