Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.
стр. 36
مَوْلاهُ الْكَرِيْم، كُلُّ ذَلِكَ بِحُبِّ الرئاسة، وَالَمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا. قَدْ فَتَنَهُ الْعُجْبُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالإِشَارَة إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.
إِنْ مَرِضَ أَحَدُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْ مُلُوكهَا فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ سَارَعَ إِلَيْهِ، وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَرِضَ الْفَقِيرُ الْمَسْتُورُ فَسَألَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَتْلُوهُ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ ضَيَّعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَحْكَامِهِ. أَخْلاقُهُ أَخْلاقُ الْجُهَّالِ: إِنْ أَكَلَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ شَرِبَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ, وإِنْ نَامَ فَبِغَيرِ عِلْمٍ, وَإِنْ لَبِس فَبِغَيْرِ عِلْمٍ, وَإِنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فَبِغَيرِ عِلْمٍ, وَإِنْ صَحِبَ أَقْوَامًا، أَوْ زَارَهُم، أَوْ سَلَّمَ عَلِيْهِم, أَوْ اسْتَأْذَنَ عَلِيْهِم؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَجْرِي بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْفَظُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَالِبٌ لِنَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وإِنْ كَانَ لا يُؤْبَهُ لَهُ، وَلا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.
فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ صَارَ فِتْنَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ؛ لأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالأَخْلاقِ الَّتِي لا تَحْسُنُ بِمِثْلِهِ اقْتَدَى بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِذَا عِيبَ عَلَى الْجَاهِلِ قَالَ: فُلانٌ الْحَامِلُ لِكِتَابِ اللهِ تعالى فَعَلَ هَذَا، فَنَحْنُ أَوْلَى أَنْ نَفْعَلَهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ
стр. 37
لِعَظِيمٍ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ, وَلا عُذْرَ لَهُ إِلا أَنْ يَتُوبَ.
وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ قَبِيحِ هَذِهِ الأَخْلاقِ نَصِيحَةً مِنِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ، لِيَتَعَلَّقُوا بِالأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، وَيَتَجَافَوا عَنِ الأَخْلاقِ الدَّنِيْئةِ، وَاللهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاهُمْ لِلرَّشَادِ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ - أَنِّي قَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا كَرِهْتُهُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ، فَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنِي، لَيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا يَنْصَحُ نَفْسَه عِنْد تِلاوَتِهِ للْقُرْآنَ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، وَاللهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ، وَمَا نَرَى أَنَّ أَحَدًا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلَّا اللهَ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ هَهُنَا بِأَخَرَةٍ، خَشِيتُ أَنَّ رِجَالًا يَتَعَلَّمُونَهُ يُرِيدُونَ بِهِ النَّاسَ وَمَا عِنْدَهُمْ، فَأَرِيدُوا اللهَ تَعَالَى بِقِرَاءتِكُم وَأَعْمَالِكُم، فَإِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُم إِذْ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَإِذْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ، وَإِذْ يُنْبِئُنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُكُم بِمَا أَقُولُ: مَنْ أَعْلَنَ خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ، وَظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا، وَمَنْ أَظْهَرَ شَرًّا أَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ،
стр. 38
وَظَنَنَّا بِهِ شَرًّا، سَرَائِرُكُم فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ربكم » (١).
فَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ خَافَ عَلَى قَوْمٍ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بميلهم إِلَى الدُّنْيَا؛ فَمَا ظنك بِهِمُ الْيَوْمَ؟ ! ...
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَقْتَرِئُ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّهِ، كِتَابُ اللهِ وَاحِدٌ، وَفِيكُمْ الأَخْيَارُ، وَفِيكُمْ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، اقْرَؤُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَهُ، يُقِيمُونَ حُرُوفَهُ، كَمَا يُقَامُ السَّهْمُ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِم، يَتَعَجَّلُونَ أَجْرَهُ، وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ» (٢) ...
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَدْ قَرَأَهُ عَبِيدٌ وَصِبْيَانٌ، لا عِلْمَ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهِ، وَلَمْ يَتَاَوَّلُوا الأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ، قَالَ اللهُ : стр. 39
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وَمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَاللهُ يَعْلَمُ، أَمَا وَاللهِ مَا هُوَ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، فَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ حَرْفًا! وَقَدْ وَاللهِ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ وَلا عَمَلٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: إِنِّي لأَقْرَأُ السُّورَةَ فِي نَفَسٍ، وَاللهِ مَا هَؤلاءِ بِالْقُرَّاءِ، وَلا الْعُلَمَاءِ، وَلا الْحُكَمَاءِ، وَلا الْوَرَعَةِ، مَتى كَانَتِ الْقُرَّاءُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا؟ لا كَثَّرَ اللهُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَؤلاءِ» (١).
عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ» (٢) ...
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذِهِ الأَخْبَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا стр. 40
تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ أنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَخْلاقُهُمْ مُبَايِنَةً لأَخْلاقِ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ كَعِلْمِهِمْ. إِذَا نَزَلَتْ بِهِمُ الشَّدَائِدُ لَجَؤُوا إلَى اللهِ الْكَرِيْم فِيهَا، وَلَمْ يَلْجَؤوا فيها إلَى مَخْلُوقٍ، وَكَانَ اللهُ أَسْبَقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ. قَدْ تَأَدَّبُوا بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمْ أَعْلامٌ يُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ خَاصَّةُ اللهِ وَأَهْلهُ، و ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة].
عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْل بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَلَّا تكون لَهُ حَاجَة إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ».
قَالَ: وسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: «حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلامِ ... لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو، وَلا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلا يَلْهُو مَعَ مَنْ يَلْهُو» (١).
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفضَيْل يَقُولُ: «إِنَّمَا أُنزل الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ стр. 41
بِهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ عَملًا، أَي لِيُحِلُّوا حَلالَهُ، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَيَقِفُوا عِنْدَ مُتشَابِهِهِ» (١).
كَتَبَ حُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِيُّ إِلَى يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ بِعْتَ دِينَكَ بِحَبَّتَيْنِ، وَقَفْتَ عَلَى صَاحِبِ لَبَنٍ، فَقُلْتَ: بِكَمْ هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ لَكَ بِسُدْسٍ، فَقُلْت: لا بِثُمُنٍ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ، وَكَانَ يَعْرِفُكَ! اكْشِفْ عَنْ رَأْسِكَ قِنَاعَ الْغَافِلِينَ، وَانْتَبِهْ مِنْ رَقْدَةِ المَوْتَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ آثَرَ الدُّنْيَا لَمْ آمَنْ أَنْ يَكُونَ بِآيَاتِ اللهِ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (٢).
عن أبُي الْمَلِيحِ قَالَ: «كَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ يَقُولُ: لَوْ صَلَحَ أَهْلُ الْقُرْآنِ صَلَحَ النَّاسُ» (٣).
عن بَشِيرِ بنِ أَبي عَمْرٍو الخَوْلاني أن الوَليدَ بنَ قَيْسٍ حَدَّثَه стр. 42
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفٌ بَعْدَ سِنِينَ أَضَاعُوا الصَّلاةَ، وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ثُمَّ يَكُونُ خَلْفٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ وَفَاجِرٌ».
فَقَالَ بَشِيرٌ: فَقُلْتُ لِلْوَلِيدِ: مَا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ؟ فقَالَ: الْمُنَافِقُ كَافِرٌ بِه، وَالْفَاجِرُ يَتَأَكَّلُ بِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ بِهِ (١).
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْن عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَامَ عِمْرَانُ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَ، فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: انْطَلِقْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلْ اللهَ بِهِ، فَإِنَّه سَيَأْتِي قَوْمٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ، يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ» (٢) ...
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فِي هَذَا بَلاغٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، فَاتَّقَى اللهَ ، وَأَجَلَّ الْقُرْآنَ وَصَانَهُ، وَبَاعَ مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ. стр. 43
باب: أخلاقِ المُقرئِ إذا جلس يُقرِئُ ويلقِّنُ لله ماذا ينبغي له أن يتخلق به
يَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ كِتَابَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ يُقْرِئ الْقُرْآنَ للَّهِ تعالى، يَغْتَنِمُ قَوْلَ النَّبيِّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١)، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنَ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَصِدْقِهِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي نَفْسِهِ إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ، وَلا يَتَعَاظَم فِي نَفْسِهِ ... وَيَتَوَاضَعَ لِمَنْ يُلَقِّنُهُ الْقُرْآنَ، وَيُقْبِلَ عَلَيْهِ إِقْبَالًا جَمِيلًا.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ يُلَقِّنُهُ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ؛ إِذَا كَانَ يَتَلَقَّنُ عَلَيْهِ الكبير والصغير، وَالْحَدَثُ، وَالْغَنِيُّ، وَالْفَقِيرُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوفِّيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيَعْتَقِدَ الإِنْصَافَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ بِتَلْقِينِهِ الْقُرْآنَ ...
ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ عَلَى نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلْغَنِيِّ، وَالتَّكبُّرَ عَلَى الْفَقِيرِ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَاضِعًا لِلْفَقِيرِ، مُقَرِّبًا لِمَجْلِسِهِ، مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِ، يَتَحَبَّبُ إِلَى الله بِذَلِكَ ... стр. 44
ويتأوَّلُ فِيهِ مَا أَدَّبَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الفقراء: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ إِذْ كَانَ قَوْمٌ أَرَادُوا الدُّنْيَا، فَأَحَبُّوا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْنِيَ منه مَجْلِسَهُمْ، وَأَنْ يَرْفَعَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَا سألوا، لا لأَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ يَتَأَلَفُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقِ عِنْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الْفُقَرَاءَ، وَيَنْبَسِطَ إِلَيْهِمْ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُبَاعِدَ الأَغْنِيَاءَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَى الدُّنْيَا، فَفَعَلَ ﷺ .
وَهَذَا أَصْلٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ جَلَسَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ، يتأدبُ بهِ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ ذَلِكَ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ بِذَلِكَ.
وأَنَا أَذْكُرُ مَا فِيهِ؛ لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا فَقِيهًا بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللهِ ، يُقْرِئُ للهِ ، وَيَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِنَ اللهِ لا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ...
وَأُحِبُّ لَهُ إِذَا جَاءهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ كَبِيرٍ؛ أَنْ يَعْتَبِرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُلَقِّنَهُ مِنْ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ»، يَعْتَبِرُهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا مَعَهُ مِنَ «الْحَمْدِ»، إِلَى
стр. 45
مِقْدَارِ رُبْعِ سُبْعٍ (١)، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَدِّي بِهِ صَلاتَهُ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ، وَكَانَ تَعَلَّمَهُ فِي الْكُتَّابِ؛ أَصْلَحَ مِنْ لِسَانِهِ، وقَوَّمَهُ، حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يُؤَدِّي بِهِ فَرَائِضَهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيُلَقِّنُهُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَأُحِبُّ لِمَنْ يُلَقِّنُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ الاسْتِمَاعَ إِلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَلا يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِحَدِيثٍ وَلا غَيْرِهِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَنْتَفِعُ هُوَ أَيْضًا، وَيَتَدَبَّرُ مَا يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ، وَرَبُّمَا كَانَ سَمَاعُهُ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ له فِيهِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ، وَأَجْر عَظِيم، وَيَتَأَوَّل قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف].
فَإِذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَنْصَتَ إِلَيْهِ أَدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ، وَكَانَ أَنْفَع لِلْقَارِئِ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِيِ» (٢) ...
وَأُحِبُّ لمن كَانَ يُقْرِئُ أَلَّا يَدْرُسَ عَلَيْهِ وَقْتَ الدَّرْسِ إِلا стр. 46
وَاحِدٌ، وَلا يَكُون ثانٍ مَعَهُ، فَهُوَ أَنْفَعُ لِلْجَمِيعِ، وَأَمَّا التَّلْقِينُ فَلا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَ الْجَمَاعَةَ.
وَيَنْبَغِي لِمَنْ قُرِئ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَأَخْطَأَ فِيهِ القَارِئُ، أَوْ غَلِطَ؛ ألَّا يُعَنِّفَهُ، وَأَنْ يَرْفُقَ بِهِ، وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ؛ فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَجْفُو عَلَيْهِ, فَيَنْفِرَ عَنْهُ، وَبِالْحَرِيِّ ألَّا يَعُودَ إِلَى الْمَسْجِدِ ...
وَقَالَ ﷺ : «إِنَّمَا بُعْثِتُم مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١) ...
فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أَقُولَ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ للهِ - جَلَّت عَظَمَته - أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنِ اسْتِقْضَاءِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَأَلَّا يَسْتَخْدِمَهُ، وَلا يُكَلِّفَهُ حَاجَةً يَقُومُ فِيهَا. وأَخْتَارُ لَهْ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَنْ يُكَلِّفَهَا لِمَنْ لا يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَصُونَ الْقُرْآنَ عَنْ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِج، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ قَضَاءَهَا، فَإِذَا ابْتَدَأَهُ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ فَقَضَاهَا لَهُ، شَكَرَ اللهَ إِذْ صَانَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، وَالتَّذَلُّلِ لأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِذْ سَهَّلَ الله لَهُ قَضَاءَهَا، ثُمَّ يَشْكُرُ لِمَنْ стр. 47
أُجرِي ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ، وَأَنَا أَذْكُرُهَا لِيَزْدَادَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا بَصِيرَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ -.
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ الْبُورَانِيُّ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ إِدْرِيسَ (١)، فَلَمَّا قمْتُ، قَالَ لِي: سَلْ عَنْ سِعْرِ الأُشْنَانِ (٢)، فَلَمَّا مَشِيْتُ رَدَّنِي، فَقَالَ لي: لا تَسَلْ؛ فَإِنَّكَ تَكْتُبُ مِنِّي الْحَدِيثَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ مَنْ يَسْمَعُ مِنِّي الْحَدِيثَ حَاجَةً» (٣).
قَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ: «مَاتَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُكَلِّمَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعَ عَنْ أَبِي مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا، فَقَالَ لِي حَمْزَةُ: وَيْحَكَ؛ إِنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، وَأَنَا стр. 48
أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْ بَيْتِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ الْمَاءَ» (١).
عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ ألَّا تَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ» (٢) ...
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ (٣)، وَلا تَجْفُوا عَنْهُ (٤)، وَلا تَأْكُلُوا بِهِ (٥)، وَلا تَسْتَكْثِرُوا (٦)» (٧).
عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا стр. 49
مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١) ...
والأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمُرَادِي مِنْ هَذَا النَصِيحَةُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ؛ لِئَلا يَبْطُلَ سَعْيُهُمْ، إِنْ هُمْ طَلَبُوا به شَرَفَ الدُّنْيَا حُرِمُوا شَرَفَ الآخِرَةِ، إِذْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعًا فِي دُنْيَاهُمْ، أَعَاذَ اللهُ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ.
فَيَنْبَغِي لِمَنْ جَلَسَ يُقْرِئُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ، يَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِن اللهِ، يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِن الْخَلْقِ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ لِيَكُونَ رَفِيعًا عِنْدَ اللهِ جَلَّت عَظَمَتُهُ ...
* * * стр. 50
بابُ: ذِكْرِ أخلاقِ مَنْ يَقرَأُ عَلَى المُقرِئ
مَنْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَلَقَّنُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الأَدَبَ فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَوَاضَعَ فِي جُلُوسِهِ، وَيَكُونَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، فَإِنْ ضَجِرَ عَلَيْهِ احْتَمَلَهُ، وَإِنْ زَجَرَه احْتَمَلَهُ، وَرَفَقَ بِهِ، وَاعْتَقَدَ لَهُ الْهَيْبَةَ، وَالاسْتِحِياَءَ مِنْهُ.
وَأُحِبُّ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضْبِطَهُ - هُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ - إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ فِي التَّلْقِينِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ خَمْسٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَلَقَّنَ إِلا ثَلاثَ آيَاتٍ، لَمْ يَسْأَلْ أَنْ يُلَقِّنَهُ خَمْسًا، فَإِنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ ثَلاثًا لَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهَا، وَعَلِمَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَحْتَمِل خَمْسًا سَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى أَرْفَق مَا يَكُونُ، فَإِنْ أبَى لَمْ يُؤْذِهِ بِالطَّلَبِ، وَصَبَرَ عَلَى مُرَادِ الأُسْتَاذِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُ دَاعِيَةً لِلزِّيَادَةِ له مِمَّنْ يُلَقِّنُهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ -.
وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضْجِرَ مَنْ يُلَقِّنه فَيَزْهَدَ فِيهِ، وَإِذَا لَقَّنَهُ شَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَدَعَا لَهُ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ. وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ إِنْ جَفَا عَلَيْهِ، وَيكرِمُ مَنْ يُلَقِّنهُ إذا كَانَ هُوَ لَمْ يُكْرِمْهُ، وَتَسْتَحِي مِنْهُ إِنْ كَانَ
стр. 51
هُوَ لَمْ يَسْتَح مِنْكَ. تُلْزِمُ أَنْتَ نَفْسَكَ وَاجِبَ حَقِّهِ عَلَيْكَ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّكَ؛ لأَنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ أَهْلُ خَيْرٍ وَتَيَقُّظٍ وَأَدَبٍ، يَعْرِفُونَ الْحَقَّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. فَإِنْ غَفَلَ عَنْ وَاجِبِ حَقِّكَ؛ فَلا تَغْفَلْ أَنْتَ عَنْ وَاجِبِ حَقِّهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَعْرِفَ حَقَّ الْعَالِمِ، وَأَمَرَكَ بِطَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ .
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا ... » (١)، قَالَ أَحْمَدُ: «يَعْنِي: يَعْرِفُ حَقَّهُ» ...
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لأَصَبْتُ مِنْهُ عِلْمًا» (٢).
عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ الله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي стр. 52
الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءُ: ٥٩]، قَالَ: «الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ» (١) ...
ثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ أَلَّا يُجَاوِزَ مَا لَقَّنَهُ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ أَحَبَّ أَنْ يَتَلَقَّنَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَلَقَّنْ مِنْهُ إِلَّا مَا لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ - أَعْنَي بِحَرْفٍ غَيْرِ الْحَرْفِ الَّذِي قد تَلَقَّنَهُ مِنَ الأُسْتَاذِ -؛ فَإِنَّهُ أَعْوَدُ عَلَيْه, وَأَصَحُّ لِقِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «اقْرَؤوا كَمَا عُلِّمْتُمْ» (٢) ...
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَنْ قَنَعَ بِتَلْقِينِ الأُسْتَاذِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ؛ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَيْهِ، وَأَحَبَّ ذَلِكَ مِنْهُ، فإذا رَآهُ قَدْ تَلَقَّنَ مَا لَمْ يُلَقِّنْهُ زَهِدَ فِي تَلْقِينِهِ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبهُ. стр. 53
وَأُحِبُّ لَهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْطَعَ حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ، وَقَدْ كَانَ الأُسْتَاذُ مُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ مِائَةَ آيَةٍ، فَاخْتَارَ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ فِي خَمْسِينَ آيَةً، فَلْيُخْبِرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِعُذْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ.
وَيَنْبَغِي له أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ يُلَقِّنُهُ أَوْ يَأْخُذ عَلَيْهِ، وَلا يُقْبِلْ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ شُغِلَ الأُسْتَاذُ عَنْهُ بِكَلامٍ لا بُدَّ لَهُ منه فِي الْوَقْتِ مِنْ كَلامِهِ؛ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى يَعُودَ إِلَى الاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ.
وَأُحِبُّ إِذَا انْقَضَتْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الأُسْتَاذِ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ انْصَرَفَ وَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، ودَرَسَ فِي طَرِيقِهِ مَا قَدْ تَلَقَّن.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ ليأخذ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَ. وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِالْحَضْرةِ مَنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْكَعَ، فَيَكْتَسِبَ خَيرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا للهِ تعالى، شَاكِرًا لَهُ عَلَى مَا عَلَّمَهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِمَّا جَالِسٌ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ، يَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَا لا يَحِلُّ، أَوْ مُعَاشَرَةِ مَنْ لَمْ تَحْسُنْ مُعَاشَرَتُهُ فَجَلَس فِي الْمَسْجِدِ، فَحُكْمُهُ
стр. 54
أَنْ يَأْخُذَ على نَفْسه فِي جُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ: ألَّا يَخُوضَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، وَيَحْذَر الْوَقِيعَةَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَيَحْذَر أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَفُضُولِ الْكَلامِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا اسْتَرَاحَتْ النُّفُوسُ إِلَى مَا ذَكَرْتُ، مِمَّا لا يَعُودُ نَفْعُهُ، وَلَهُ عَاقِبَةٌ لا تُحْمَدُ.
وَيَسْتَعْمِلُ مِنَ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ فِي حُضُورِهِ، وَانْصِرَافِهِ مَا يُشْبِهُ أَهْلَ الْقُرْآنِ.
وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.
* * *
стр. 55
بابُ: آدابِ القُرَّاءِ عِندَ تِلاوتِهِمُ القُرآنَ ممَّا لا يَنبَغِي لَهُمْ جَهْلُهُ
وَأُحِبُّ لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ في لَيْلٍ أَوْ نِهَارٍ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يَسَتَاكَ، وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ للْقُرْآنِ؛ لأَنَّهُ يَتْلُو كَلامَ الرَّبِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْنُو مِنْهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَيَدْنُو مِنْهُ الْمَلَكُ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَوِّكًا وَضَعَ فَاهُ عَلِى فِيهِ، فكُلَمَّا قَرَأَ آيَةً أخذ الْمَلَكُ بِفِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَسَوَّكَ تَبَاعَدَ المَلَكُ منْهُ.
فَلا يَنْبَغِي لَكُمْ - يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ - أَنْ تُبَاعِدُوا مِنْكُمْ الْمَلَكَ: فاسْتَعْمِلُوا الأَدَبَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ إِذَا لَمْ يَتَسَوَّكْ أَنْ يُجَالِسَ إِخْوَانَهُ.
وَأُحِبُّ أَنْ يُكْثِرَ الْقِرَاءَةَ في الْمُصْحَفِ؛ لِفَضْلِ مَنْ قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ.
وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُصْحَفَ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ. فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ في الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلا بَأْسَ بِهِ،
وَلَكِنْ لا
стр. 56
يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَصَّفَّحُ الْمُصْحَفَ بِشَيْءٍ، وَلا يَمَسُّهُ إِلا طَاهِرًا.
وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ؛ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الرِّيحُ، ثُمَّ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَقْرَأَ طَاهِرًا، فَهُو أفْضَلُ، وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا تَثَاءَبَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِي عَنْهُ التَّثَاؤبُ ...
وَأُحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَأْخَذَ نَفْسَهُ بِسُجُودِ الْقُرْآنِ، كُلَمَّا مَرَّ بِسَجْدَةٍ سَجَدَ فِيهَا. وَفِي الْقُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: إحدى عَشْرَةَ.
وَالَّذِي أَخْتَارُ أَنْ يَسْجُدَ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ؛ فَإِنَّهُ يُرْضِي رَبَّهُ ، وَيَغِيظُ عَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ.
رُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيتُ، فَلِي النَّارُ» (١).
وَأُحِبُّ لِمَنْ يَدْرُسُ وَهُوَ مَاشٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ стр. 57
أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيُومِئَ بِرَأْسِهِ بِالسُّجُودِ، وَهَكَذَا إن كَانَ رَاكِبًا فَدَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ سَجَدَ، يُومِئُ نَحْوَ الْقِبْلَةَ، إِذَا أَمْكنَهُ ...
وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَيَتَدَبَّرَ مَا يَتْلُو، وَيَسْتَعْمِلَ غَضَّ الطَّرْفِ عَمَّا يُلْهِي الْقُلُوبَ. وَإنْ يَتْرُكْ كُلَّ شُغْلٍ حَتَّى يَنْقَضِي دَرْسُهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ؛ لِيَحْضُرَ فَهْمُهُ، وَلا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ كَلامِ مَوْلاهُ.
وَأُحِبُّ إِذَا دَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ؛ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ باِللهِ مِنَ النَّارِ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَنْزِيهٍ للهِ تعالى عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ الكفر سبَّحَ اللهَ تعالى جَلَّت عَظَمَته, وَعَظَّمَهُ.
فإِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَأَدْرَكَهُ النُّعَاسُ؛ فَحُكْمُهُ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ, ويَرْقدَ، حَتَّى يَقْرَأَ وَهُوَ يَعْقِلُ مَا يَتْلُوهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا أَمَرْتُ بِهِ التَّالِي لِلْقُرْآنِ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ وَأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَنِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - ...
стр. 58
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: «أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَحُثُّ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ - يَعْنِي: السِّوَاكَ -، وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، دَنَا الْمَلَكُ مِنْهُ، يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ، فَمَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَلْفِظُ مِنْ آيَةٍ إِلا دَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ» (١).
عن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ قَالَ: «قُلْتُ لأَحْمَدَ: الْقِرَاءةُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ ، قَالَ: لا بَأْسَ بِهَا، وَلَكِنْ لا يَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ إِلا مُتَوَضِّئٌ» (٢).
قَالَ إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ رَاهَوَيْهِ -: كَمَا قَالَ, سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ.
عَنْ أبي بَكْرٍ الْمَرُّوذيُّ قَالَ: «كَانَ أبُو عَبْدِاللهِ رُبَّمَا قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلا يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ عُودًا، أَوْ شَيْئًا يَصَّفَّحُ بِهِ الْوَرَقَ» (٣). стр. 59
عَنْ زُرْزُرٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: «أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَخْرُجُ مِنِّي الرِّيحُ؟ قَالَ: تُمْسِكُ عَنْ الْقِرَاءةِ حَتَّى تنقضي الرِّيحُ» (١).
عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «إِذَا تَثَاءبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فَأَمْسِكْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْكَ» (٢).
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: «إِذَا نَعِسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» (٣) ...
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ يَنْبَغِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِهِ، وَلا يَغْفَلُوا عَنْهُ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ اعْتَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَاسَبَةِ لَهَا، فَإِنْ تَبَيَّنُوا مِنْهَا قَبُولَ مَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمْ الْكَرِيْمُ؛ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، حَمِدُوهُ فِي ذَلِكَ، وَشَكَرُوا اللهَ عَلَى مَا وَفَّقَهُمْ لَهُ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ النُّفُوَس مُعْرِضَةٌ عَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ، قَلِيلَةُ الاكْتِرَاثِ بِهِ؛ اسْتَغْفَرُوا اللهَ مِنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَسَأَلُوهُ النُّقْلَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، الَّتِي لا تَحْسُنُ стр. 60
بِأَهْلِ الْقُرْآنِ، وَلا يَرْضَاهَا لَهُمْ مَوْلاهُمْ، إِلَى حَالٍ يَرْضَاهَا؛ فَإِنَّهُ لا يَقْطَعُ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ. وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ، وَجَدَ مَنْفَعَةَ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَعَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ كُلُّ مَا يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -.
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «لَمْ يُجَالِسْ هَذَا الْقُرْآنَ أحدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَضَاءُ اللهِ الَّذِي قَضَى: ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (١) [الإسراء]».
عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللهِ : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] , قَالَ: «﴿البَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الْمُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللهِ فَوعاهُ, وَأَخَذَ بِهِ, وَانتَفَعَ بِهِ؛ كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَأَنبَتَتْ, وَأَمرَعَتْ: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] , أَيْ: إِلَّا عَسِرًا، فهَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ قَدْ سَمِعَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَعْقِلْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ الْخَبِيثَةِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَلَمْ تُنْبِتْ، وَلَمْ تُمْرِعْ شَيْئًا (٢). стр. 61
* * *
стр. 62
بابٌ: في حُسنِ الصوتِ بالقُرآنِ
... عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ قال: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (١).
عن صالح بن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: قَوْلُهُ ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»، مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: «التَّزْيِينُ أَنْ يُحَسِّنَهُ» (٢) ...
يَنْبَغِي لِمَنْ رَزَقَهُ اللهُ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ أن يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ قَدْ خَصَّهُ بِخَيْر عَظِيمٍ، فَلْيَعْرِفْ قَدْرَ مَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ، وَلْيَقْرَأْهُ للهِ، لا لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلِيَحْذَر مِنَ الْمَيْلِ إِلَى أَنْ يُسْتَمَعَ стр. 63
مِنْهُ لِيَحْظَى بِهِ عِنْدَ السَّامِعِينَ؛ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا، وَالْمَيْلِ إِلَى الثَّنَاءِ، وَالْجَاهِ عِنْدَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَالصَّلاةِ بالْمُلُوكِ دُونَ الصَّلاةِ بِعَوَامِّ النَّاسِ. فَمَنْ مَالَتْ نَفْسُهُ إَلَى مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ حُسْنُ صَوْتِهِ فِتْنَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ حُسْنُ صَوْتِهِ إِذَا خَشِيَ اللهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، وَكَانَ مُرَادُهُ أَنْ يُسْتَمَعَ مِنْهُ الْقُرْآنُ لِيَنْتَبِهَ أَهْلُ الْغَفْلَةِ عَنْ غَفْلَتِهِمْ، فَيَرْغَبُوا فِيمَا رَغَّبَهُمْ اللهُ ، وَيَنْتَهُوا عما نَهَاهُمْ عنه. فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ انْتَفَعَ بِحُسْنِ صَوْتِهِ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ ...
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى الله» (١).
وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: وَأَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ بِالأَلْحَانِ وَالأَصْوَاتِ الْمَعْمُولَةِ الْمُطْرِبَةِ؛ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلِ: يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالأَصْمَعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، стр. 64
وَأبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرِ وَاحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ, ويَأْمُرُونَ الْقَارِئَ إِذَا قَرَأَ أَنْ يَتَحَزَّنَ، وَيَتَبَاكَى، وَيَخْشَعَ بِقَلْبِهِ ...
فَأُحِبُّ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أن يَتَبَاكَى ... وَيَخْشَعَ قَلْبُهُ، فَيَتَفَكَّرُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ...
ألَمْ تسمع إِلَى مَا نَعَتَ اللهُ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَخْبَرَ بِفَضْلِهِمْ، فَقَالَ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، ثُمَّ ذَمَّ قَوْمًا اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ، فَلَمْ تَخْشَعْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، فَقَالَ : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم] يَعْنِي: لاهِينَ.
ثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ القرآن أنْ يُرَتِّلَ القرآن ترتيلًا كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل].
قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: «بَيِّنه تَبْيِينًا».
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا رَتَّلَهُ وَبَيَّنَهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَانْتَفَعَ هُوَ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُ قَرَأَهُ كَمَا أُمِر؛ قَالَ اللهُ : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى
стр. 65
النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] , يقال: «عَلَى تُؤَدَةٍ» ...
عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللهِ : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ , قَالَ: «عَلَى تُؤَدَة» (١).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: وَالْقَلِيلُ مِنَ الدَّرْسِ لِلْقُرْآنِ مَعَ الْفِكْرِ فِيهِ، وَتَدَبُّرِهِ أَحَبُّ إلِيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ، وَلا تَفَكُّرٍ فِيهِ، وظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلاثٍ، قَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ فِي لَيْلَةٍ، فَأَتَدَبَّرهَا، وَأُرَتِّلهَا أحبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ» (٢).
عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ قَالَ: «سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ قِرَاءَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَرَكُوعُهُمَا، стр. 66
وَسُجُودُهُمَا, وجلوسهما، أيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ... ١٠٦] (١).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا قُلْتُهُ يَنْبَغِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بِجَمِيعِ مَا حَثَثْتُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيل الأَخْلاقِ، وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا كَرهْتُهُ لَهُمْ مِنْ دَنَاءَةِ الأَخْلاقِ.
وَاللهُ المُوَفِّقُ لَنَا وَلَهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
تم جميع الكتاب
* * * стр. 67
فهرس المصادر والمراجع
* * *