← Фикх общий

Фикх общий · id 13443

التفكر والاعتبار بآيات الكسوف والزلازل والإعصار

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (127 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عبد الكريم بن صالح الحميد، ١٤٢٦هـ فهرست مكتبة الملك فهد الوطنية الحميد، عبد الكريم بن صالح التفكر والاعتبار بآيات الكسوف والزلازل والإعصار. / عبد الكريم بن صالح الحميد - بريدة، ١٤٢٦هـ ١٣٤ ص؛ ١٧× ٢٤ سم ردمك: ٢ - ٦١٢ - ٤٩ - ٩٩٦٠ ١ - الوعظ والإرشاد أ. العنوان ديوي ٢١٣ ٥٧٦٥/ ١٤٢٦ رقم الإيداع: ٥٧٦٥/ ١٤٢٦ ردمك: ٢ - ٦١٢ - ٤٩ - ٩٩٦٠ حقوق الطبع محفوظة إلا لمن أراد طبعه وتوزيعه مجاناً الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م

стр. 2

ح فهرست مكتبة الملك فهد الوطنية الحميد، عبد الكريم بن صالح التفكر والاعتبار بآيات الكسوف والزلازل والإعصار. / عبد الكريم بن صالح الحميد – بريدة، ١٤٢٦هـ ١٣٤ ص؛ ١٧× ٢٤ سم ردمك: ٢ - ٦١٢ - ٤٩ - ٩٩٦٠ ١ – الوعظ والإرشاد ... أ. العنوان ديوي ٢١٣ ... ٥٧٦٥/ ١٤٢٦ عبد الكريم بن صالح الحميد، ١٤٢٦هـ حقوق الطبع محفوظة إلا لمن أراد طبعه وتوزيعه مجاناً الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م ــ للاطلاع على المزيد من كُتب الشيخ أنظر صفحته على موقع (صيد الفوائد) على شبكة الإنترنت: http://saaid.net/Doat/alhomaid/index.htm رقم الإيداع: ٥٧٦٥/ ١٤٢٦ ردمك: ٢ - ٦١٢ - ٤٩ - ٩٩٦٠

стр. 3

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .. ... أما بعد: فقد كتبت سابقاً في موضوع الكسوف والخسوف وأن كوْن ذلك يُدرك علم وقته قبل وقوعه بحساب سيْر الشمس والقمر حيث بيّن ذلك علماؤنا مثل ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. وكان المراد من ذلك: أولاً: بيان خطأ من أنكر العلم بإدراك ذلك قبل أن يكون. والثاني: أنه لا يُعارض ما ورد في الشرع من أنه مما يُخَوِّف الله به عباده. ولَمَّا رأيت أن الأمر في وقتنا هذا تفاقم وعَظُم بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك من جهة ظن التعارض بين معرفة أسباب الآية وبين كوْنها مما يُخوّف الله بها العباد، مما ظهرت له آثار سوء، وذلك بعزل المالك

стр. 4

سبحانه عن ملكه وعن تصرفه فيه وتدبيره له!. وأكبر شاهد على ذلك أنه مع كثرة ما تتابع في زماننا من الآيات العظيمة الموجبة لخوف الإله العظيم سبحانه إلا أنه مع عدم الخوف فلا ذكر لله أيضاً!، وكأن الطبيعة تتصرف بنفسها فضلاً عن الإقلاع عن موجبات سخطه والتوبة والرجوع إليه كما كان يحصل في الماضي، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ (٢). واعلم أن الخوف هو - كما قال ابن القيم -: (مسبوق بالشعور والعلم، فَمُحال خوف الإنسان مما لا شعور له به) (٣). وهذا هو الفارق بيننا وبين السلف، فالقلوبُ اليوم قَسَت وأظلمت، فضَعُف الشعور بالمالك المتصرف في ملكه سبحانه أو عُدِم فيصير من المحال خوف الإنسان مما لا شعور له به. ولا ريب أن الغَيْبة التي دَهَتْ القلوب عن مُحَرّك الكون ومُسَكِّنه هي بسبب التشبه بالكفار حيث يتكلمون عن أسباب مقطوعة عن المسبب،

стр. 5

وأدواؤهم قد طبّقت الأرض كلها، والفتنة بهم أصبحت لا تشبه الفتن وهم معطلة يرون الكون لا خالق له (١)!. وإذا كان الخوف - كما قال العلماء - يتولّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة؛ فإن أولئك الكفار ومَن قلَّدهم في مَعزِل عن الخوف المثمر للتوبة والإنابة، أما الخوف البهيمي فلا يُميّز الإنسان عن هذا النوع. ولذلك يقول الإمام الجنيد عن الخوف: (أنه توقع العقوبة على مجاري الأنفاس). وقال أبو حفص النيسابوري: (الخوف سَوْط الله يُقَوِّم به الشاردين عن بابه). وقال: (كل أحد إذا خِفْته هربت منه إلا الله ، فإنك إذا خفته هربت إليه).

стр. 6

وقال أبو سليمان الداراني: (ما فارق الخوف قلباً إلا خَرِب). وقال ذو النون: (الناس على الطريق ما لم يَزِلْ عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق). وقال ابن تيمية: (الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله) انتهى.

стр. 7

الفرق بين السلف والخلف في الخوف من الله تعالى لقد ذكر ابن كثير ﵀ في تاريخه، وذكر غيره من السلف والمؤرخين ما حدث في أزمانهم وقبلها من الآيات، وفي غالبها يذكرون ما يُقارنها ويعقبها من نتائج مفقودة في عصرنا؛ فالناس ينكسرون ويذلون لربهم ويضجون إليه بالتضرع والدعاء، وأهل المعاصي الظاهرة يُكسّرون آلات لهوهم ويُهْريقون خمورهم، ويلجأ الناس إلى المساجد بكسرة وذلة وخوف؛ وهذا مطلوب ومحمود. وبالجملة .. فإن أحوالهم تتغير إلى خير، وانتقال مما يسخط الله إلى ما يُرضيه، وهذا من حكمة إحداث الله الآيات لعباده .. قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ? فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١). والسبب أن أحوالهم كانت قريبة من الفطرة وصفائها والشرعة

стр. 8

وطهارتها، ولذلك يَقْرُب عَوْدُهم إلى ربهم مع بيان منكرات الشريعة حيث إنه ما غشاهم اللَّبْسُ الذي يُضعف الفرقان الديني أو يُزيله بالكلية ويقلبه. أما أحوالنا فقد أصبحت مُعَقّدة، واللَّبْس قد تمكَّن، والفهوم كدِرَة، والفِطَر مُجْتالة، والشبهات الكثيرة واردة من الفجرة على كل جانب من جوانب الشريعة، يوحيها إليهم الشيطان. وإنَّ تَرَحّل الخوف من القلوب لنذير شرّ، وإن هذا لظاهر فينا ظهوراً بَيِّناً دلت عليه ِآياتٌ عديدة جاءتنا ولم تُلْجئنا إلى ربنا بخلاف ما كان عليه السلف من عظيم صلتهم بخالق الكون ومُدَبِّره - سبحانه - في رَغَباتهم ورهَبَاتهم. وحينما زلزلت الكوفة في وقت عبد الله بن مسعود قال ﵁: (إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه) (١). قال ابن القيم ﵀: (استعتاب الله عبدَه أن يطلب منه أن يُعْتبه، أي يزيل عُتْبه عليه بالتوبة والاستغفار والإنابة، فإذا أناب إليه رَفَع عنه عُتْبَه) انتهى (٢).

стр. 9

من أسباب قسوة القلوب اليوم، وفراغها من الخوف من الله لقد كان من أسباب رحيل الخوف ظلمة القلوب لِمَا غطاها من ران الذنوب لَمَّا انتشر داء التعطيل والإلحاد حتى ملأ العالم بواسطة علوم دخيلة على المسلمين مجالها الطبيعة المقطوعة عمن خلقها ويُدَبِّرها، ومن هنا رحَل الخوف، ومن هنا عُزِل المالك سبحانه عن التصرف في ملكه، وذلك في عقول الطغام أشباه الأنعام حيث أصبحوا لا يذكرون الله ولا يخشونه حينما يقع بأس الله وغضبه كالكسوف والزلازل والأعاصير وغيرها، وإنما ينسبون ذلك للطبيعة وكأنها تتصرف بذاتها!. قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، فأين التضرع عند حدوث الحوادث؟!. قال ابن الجوزي: (الدنيا دار الإله، والمتصرِّف في الدار بغير أمر صاحبها لص) انتهى.

стр. 10

لقد عُزِل المالك سبحانه عن ملكه وامتلأت الأرض باللصوص!. ولو فَتَّش المسلمون اليوم بصدق عن سبب قسوة قلوبهم وبُعدهم عن خالقهم لوجدوا أن أعظم أسباب ذلك هو هذه العلوم المادية الإلحادية التي نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، لأنها جاءت من ملاحدة عزلوا الله عن علومهم الكوْنية إطلاقاً، وصارت فتنتها من أعظم الفتن التي تشَرَّبتها القلوب، فالأسباب عندهم مستقلة عن مُسَبِّب. كيف يتأتَّى والحال هكذا خوفٌ من الله وتجنبٌ لمساخطه؟!. والله المستعان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 11

الآيات والكوارث سببها الكفر والمعاصي قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١)، قال: (فخوَّف العبادَ مُطْلقاً، وأمرهم بتقواه لئلا ينزل [بِهم] الْمَخُوف، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، والإنذار هو الإعلام بما يُخاف منه، وقد وُجدت الْمَخُوفات في الدنيا، وعاقب الله على الذنوب أمماً كثيرة كما قَصَّه في كتابه، وكما شُوهِدَ مِن الآيات) انتهى (٢). ولقد أخبر الله ﵎ في كتابه الكريم بأن هذه الآيات والكوارث العظيمة ليس حصولها بمجرد سبب طبيعي مجرد فحسب، بل بسبب ما يرتكبه بنو آدم من الكفر والمعاصي والذنوب، حيث بيَّن سبحانه أنه قد أخذ بمثل هذه الآيات أُمَماً كثيرة بسبب ما ارتكبوه من الكفر والمعاصي والذنوب، فقال سبحانه وهو يعدد أصناف ما أصاب به أولئك الأقوام بسبب ذنوبهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 12

أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١). وقال : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٤). وقد دمر الله جنوب أمريكا الكافرة الجائرة بريح عاتية تُذَكِّرنا بما أصاب عادٍ قوم هود، وصاحَب تلك الريح غرق عظيم صبت السماء ماءه صباً، وتفجرت الأرض بفيضانات عارمة، فالتقى الماء على أمر قد قدر

стр. 13

مع رياح شديدة، فغرقت مدينة كاملة بأسرها، حتى ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (١)، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٢). وقد أخبر الله سبحانه أنه بمثل هذه الأعاصير العاتية قد أخذ عادٍ قوم هود حين كفروا به وكذبوا رسوله هود – ﵇، حتى جعلتهم تلك الريح العاتية بأمر ربها كأعجاز نخل خاوية، فقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ? فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٣). كما أخبر سبحانه أنه أخذ قومَ نوح بالطوفان العظيم الذي تفجر من الأرض عيوناً، وانفتحت السماء بماء عظيم تصبه صباً، فالتقى الماء على أمر قد قدر، حتى أغرقهم سبحانه عن آخرهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر بعد أن كفروا بربهم وكذبوا رسوله؛ فقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ? فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ? فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ? وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى

стр. 14

الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ? وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ? تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ? وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١). وأخبر سبحانه أنه أخذ بالمطر الشديد والسيل العرم قبيلة (سبأ) (٢) حينما كفرت بربها وبِنِعَمِهِ عليها، حتى مزقها كل ممزق، وجعلها أحاديث للناس وعبرة لهم، وآية لكل صبار شكور، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ? فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ? ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ? وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ? فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ? وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ? وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ

стр. 15

مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (١). قال الإمام ابن القيم: (وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دارِ اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب!. وما الذي أخرج إبليسَ من ملكوت السماء، وطرَدَه، ولَعَنَه، ومَسَخ ظاهره وباطنه، فَجُعِلَتْ صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعداً، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحاً، وبالجنةِ ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وبموالاتِ الولي الحميد أعظم عداوة ومُشاقة، وبزَجَل التسبيح والتقديس والتهليل زجَل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسَقَط من عينه غاية السقوط، وحلَّ عليه غضبُ الربِّ تعالى، فأهواه ومَقَته أكبر المقت فأرداه، فصار قوَّاداً لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال!. وما الذي سلَّط الريحَ العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه

стр. 16

الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت مامرَّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة!. وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قَطَّعَت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم!. وما الذي رفَع قرى اللوطية حتى سَمِعت الملائكةُ نبيحَ كلابهم، ثم قَلَبَها عليهم فجعل عالِيَهَا سافلها فأهلكهم جميعاً، ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم، فجَمَع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمةٍ غيرهم، ولإخوانهم أمثالها .. ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (١)!. وما الذي أرسل على قوم شعيبٍ سحابَ العذابِ كالظُّلل، فلمَّا صار فوقَ رؤسهم أمطر عليهم ناراً تلظى!. وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغَرَق والأرواح للحرق!. وما الذي خَسَف بقارون وداره وماله وأهله! .. وما الذي أهلك القرونَ من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمَّرها تدميراً!. وما الذي أهلك قوم صاحبَ يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم!.

стр. 17

وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأسٍ شديدٍ، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجالَ، وسبوا الذراري والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية، فاهلكوا ما قدروا عليه وتَبَّروا ما عَلَوْ تتبيراً!. وما الذي سلَّط عليهم أنواعَ العذاب والعقوبات، مرةً بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرةً بجوْرِ الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎ ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب! (١). قال الإمام أحمد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمر وحدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، قال: لما فتحت قبرص فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء .. ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟!، فقال: " ويحك يا جبير!، ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله

стр. 18

فصاروا إلى ما ترى! (١) انتهى (٢). ولهذا حذر الله عباده من شؤم الذنوب والمعاصي التي تجلب الكوارث والدمار والبوار، فقال سبحانه وهو يذكرهم بما حلَّ بمن كَفَر به وعصاه من العقوبات والكوارث المدمرة: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٦). فالحذر الحذر قبل أن تحل بنا عقوبات الإله العظيم ونحن على أحوال لا

стр. 19

ترضيه تعالى، فقد ذَكَّرَنا سبحانه بما عاقب به مَن كفر به وعصاه، وأكثر من تذكيرنا بذلك رحمة بنا وإعذاراً قبل أن يأخذنا بذنوبنا وبما فعل السفهاء منا، وواللهِ لن تنفعنا إحالة هذه الكوارث لـ (الطبيعة) إذا وقع بنا أمرُ الله، وحلت بساحتنا العقوبات كما حلت بمن قبلنا ومَن حولنا بعد أن بارزوا ربهم بالمعاصي والمنكرات، ونسأل الله يلطف بنا وبالمسلمين، وأن لا يؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا. وسيأتي الكلام في آخر الكتاب - إن شاء الله - على أسباب تأخر العقوبات الكونية العامة على كثيرٍ من الناس في هذا الزمان بعد أن بارزوا الله بشتى أنواع المنكرات إلا ما شاء الله، بينما تحل بأسلافهم في الماضي حينما يرتكبون بعض ما يُرتكب اليوم من المعاصي والمنكرات التي لم يسبق لها مثيلاً في كَمِّها وكيفيتها وصِفَتها - ولا حول ولا قوة إلا بالله -. هل معرفة الأسباب الطبيعية لحدوث الآيات والكوارث ينافي الخوف من الله، وأنها عقاباً منه؟!

стр. 20

لقد كان كثير من السلف يعلمون الأسباب الطبيعية لهذه الآيات والكوارث، وما كان ذلك حائلاً بينهم وبين معرفة الحكمة من إحداثها. غير أن كثيراً من الناس في وقتنا لَمَّا علموا بعضَ الأسباب التي يُجريها الرب سبحانه لآياته، وهي بعض أسباب حصول الآية أو احتمال حصولها رأوْا أنهم شَبّوا عن الطَّوْق، فتركوا ربْط الأسباب بِمُسَبِّبها لمن يَرَوْنهم " دراويشاً " حتى صاروا بينهم موْضعَ سخريةٍ وتندّر!، فابتعدوا عن ربهم وتنكّروا لدينهم، ويحسبون أنهم على شيء، وإنما هم كطفل في خطواته الأولى قَدَّر في نفسه استغناءه عن والديه فهام في خطواته المتعثرة مبتعداً عن والديه مُتَخيلاً قدرته على الاستقلال عنهما فكان ضحيةَ خَوَاطِره كما قيل في المثل: (إذا أراد الله حَتْفاً بنملة، أتاحَ لها جناحان فطارا بِها!)، أيْ طارا بها عن بيتها وعن أصحابها لأنها أجنحة تقود إلى الحتْف، وسُرْعان ما تساقطت، وإذا هي في المتاهة والضياع!. والأسباب التي عرفها هؤلاء هي أن الكسوف يُحَدّد وقته مُسْتَقْبَلاً ويقع كما حُدِّد؛ والزلازل عرفوا أن سببها أبخرة في داخل الأرض مُتحجّرة فتُريد الخروج فتحصل الزلازل، والأعاصير والفيضانات لها أوقات ومواسم

стр. 21

معلومة، وبما أن الأمر كذلك فالخوف والتخويف بعد انفتاح العلوم والتطور ورُقي الإنسان لا معنى له، إنما كان ذلك للإنسان البدائي في عصور الظلمات. وبعضهم أخذه الشيطان لأبعد من هذا، وهو أن الفضاء لا حَدَّ له، وفيه ملايين المجرات، والمسافات بينها خيالية، فأغفله الشيطان عن ذكر ربه فنسيه أو أنكره!، كيف إذا انضاف إلى هذه المسافات الخيالية في الفضاء الذي لا يُحد أن عُمْرَ الأرضِ يُقدرُ بملايينِ السنين، وأن الكائنات ما تزال في تطور، وأن الدين ظاهرة اجتماعية كما في هذه العلوم الدخيلة على أهل الإسلام والتي مَبْناها على الإلحاد والتعطيل (١). والمراد هنا أن معرفة بعض الأسباب الكونية لا توجب الغفلة عن مسببها، أو إنكاره. فإذا عُلِمَ أن سببَ كسوفِ الشمسِ هو مرور القمر بينها وبين الأرض، ولا يكون ذلك إلا في آخر الشهر؛ وعُلِمَ أن سبب خسوف القمر هو وقوع ظل الكرة الأرضية عليه فتحجب نورَه المستفاد من الشمس ولا يكون ذلك إلا في ليالي الإبدار ..

стр. 22

فإنه يقال: أولاً: هذا معلوم عند السلف قبل زماننا ومُدَوَّن في كتبهم مثل ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - وغيرهم. ثانياً: العلم بذلك لا يُعارض ما جعل الله هذه الآيات سبباً له من التخويف لتحصل التوبة والرجوع إلى الله؛ فلا تنافي إطلاقاً بين معرفة هذه الأسباب وبين ما ورد في الشرع بشَأنها إلا عند من يُريد التفلّت من العبودية لتكون حاله - كما قاله ابن القيم ﵀: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الذي خُلِقوا لَهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشيطَانِ! ويكون ممن صَدَّق عليه إبليس ظنه .. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). قال الحسن البصري ﵀: (لما أهبط الله آدم ﵊ مِن الجنةِ ومعه حواء هبط إبليس فرِحاً بما أصاب منهما، وقال: " إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف "، وكان ذلك ظناً من إبليس فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ

стр. 23

إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) (١). وقال ﵀: (واللهِ ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه) (٢). وهل إذا عَلِمَ الإنسانُ أن النطفةَ إذا استقرت في الرِّحم أن الطفل يولد بعد تسعة أشهر يوجب له إغفال أو إنكار الخالق سبحانه؟!، فالربُّ سبحانه أجرى عادته في أمور توجب إيمان الكافر وزيادة إيمان المؤمن، فكيف انقلبت الموازين في هذا الزمان السوء؟!. وهل إذا علم الإنسانُ أن الْحَبَّ والنوى إذا بُذِر في الأرض وسُقِيَ أنه تنبت منه هذه النباتات والأشجار العجيبة يوجب له ذلك قَصْر الأمر على السبب والانقطاع عن الفاعل سبحانه؟!. وهكذا فيما لا يُحصى من معرفة الأسباب وتَحْيين أوقاتها، ثم إن معرفة الأسباب وأوقات انعقادها قد أجراه الله في الرحمة كما أجراه في العذاب والنقمة، فالصلوات الخمس مَوْقوته وشهر رمضان ووقت الحج وآخر الليل مَوَاسم رحمة وأحايينها معلومة فهل في ذلك تعارض؟!.

стр. 24

كذلك أجرى الله عادته أن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر وخسوف القمر في منتصفه وأخبر سبحانه على لسان نبيه ﷺ أن ذلك مما يُخَوِّف الله به عباده؛ كذلك إذا أَطْلَعَ الله بعض الخلق على الوقت الذي سوف يحصل فيه الكسوف أو الخسوف بحساب سيْر الشمس والقمر ووقع كما أخبر، فهل يتعارض ذلك مع موجب الخوف وأنه سبحانه جعل ذلك آية يُخَوِّف بها عباده؟! (١). وشاهد ذلك أن يُقارن الكسوف والخسوف في أيامه حَوَادث وآيات غضب ونقمة كما حصل هذه الأيام من الأعاصير والفيضانات في دولة أمريكا، فلا تعارض أن ذلك عذاب ونقمة. وقد قارن ذلك كسوف الشمس والحمد لله، ونسأله المزيد من فضله حيث أخبر الحسّابون أن ذلك سيقع آخر شهر شعبان، والله أعلم؛ أما تَقَدُّم شهر ونحوه أوْ تأخره فلا يُعارض المقارنة، ومازالت النقمة مستمرة والحمد لله. وقد قال ابن القيم ﵀: (نَعَم لا ننكر أن الله سبحانه يُحدِث عند الكسوفَيْن من أقضيته وأقداره ما يكون بلاءاً لقوم ومصيبة لهم، ويجعل

стр. 25

الكسوف سبباً لذلك، ولهذا أمر النبي ﷺ عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والعتاقة والصدقة والصيام، لأن هذه الأشياء تدفع مُوجب الكسف الذي جعله الله سبباً لما جعله، فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع مُوجبه بهذه العبادات، ولله تعالى في أيام دهره أوقات يُحدث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء ويقضي من الأسباب ما يدفع مُوجب تلك الأسباب لمن قام به أو يُقلله أو يُخففه؛ فمن فزِع إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سبباً له أو بعضه. ولهذا قَلَّ ما تسلم أطراف الأرض حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل من شرٍّ عظيم يحصل بسبب الكسوف، وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوة والقيام بما جاءت به الرسل، أو يقلّ فيها جداً. ولَمَّا كَسَفت الشمسُ على عهد النبي ﷺ قام فزعاً مسرعاً يجرّ رداءه ونادى في الناس " الصلاة جامعة " (١)؛ وخطبهم بتلك الخطبة البليغة وأخبر أنه لم يَرَ كَيَوْمه ذلك في الخير والشر وأمرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعتاقة والصدقة والصلاة والتوبة، فصلوات الله وسلامه على أعلم

стр. 26

الخلق بالله، وبأمره، وشأنه، وتعريفه أمور مخلوقاته، وتدبيره، وأنصحهم للأمة، ومن دعاهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم، ونهاهم عما فيه هلاكهم في معاشهم ومعادهم) انتهى (١). أنظر قوله: (وقَلَّ ما تسلم أطراف الأرض حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف) وتأمل الشواهد .. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢). وتأمل الآن كيف كان يفعل النبي ﷺ حين حدوث الكسوف والخسوف حيث لم يقف مثلاً مع الحالة الطبيعية لكسوف الشمس وهو حيلولة القمر بينها وبين الأرض، ولكن لِمَا أعطاه الله من المعرفة العظيمة به والتعلق بربه مسبِّبِ الأسباب سبحانه كان علمه ﷺ مع معرفة تلك الأسباب الطبيعية والعلم بما وراء تلك الأسباب، وهو الخوف من الله تعالى بالفزع إلى الصلاة واللجوء إلى ربه ؛ فَعَن عائشة ﵂ أنها قالت: كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون

стр. 27

الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثلما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا "، ثم قال: " يا أمَّة محمد .. واللهِ ما من أحدٍ أغْيَر من الله أن يزني عبده، أو تزني أمَتُه، يا أمة محمد .. واللهِ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً!) (١). وعن أبي موسى – ﵁ قال: (خسفت الشمس في زمن النبي ﷺ ، فقام فَزِعاً يخشى أن تكون الساعةَ، حتى أتى المسجد، فقامَ يصلي بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: " إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره ") (٢). وإن من علامات رحيل الخوف من القلوب أن بعضَ الحسَّابين ممن ينتسب للإسلام يَصِف الكسوف القادم (٣) بأنه (كسوف جميل)!، فأين

стр. 28

هذا من قول الله ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ (١)، وقول النبي ﷺ عن كسوف الشمس وخسوف القمر بأنهما: (آيتان من آيات الله، يُخوِّف الله بهما عِبادَه)؛ أمَا نَخَاف من قول الله : ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ (٢)؟!. حقاً (إنها السُّنن) (٣)، فإن الكفار يبتهجون ويفرحون بمنظر الكسوف والخسوف، ويتابعون ذلك بآلات التصوير وغيرها من مكبرات ومقربات البعيد، وما يزيدهم ذلك إلا طغياناً كبيراً!. قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكر قوله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته)، وفي

стр. 29

رواية: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده) (١)؛ قال ﵀ بعد أن ذكر ذلك: (فذكر ﷺ أن من حكمة ذلك تخويف العباد كما يكون تخويفهم في سائر الآيات كالرياح الشديدة، والزلازل، والجدب، والأمطار المتواترة، ونحو ذلك من الأسباب التي قد تكون عذاباً؛ كما عذّب الله أُمَماً بالريح والصيحة والطوفان قال تعالى: ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ (٣)، وإخباره - سبحانه - بأنه يُخَوِّف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سبباً لعذاب ينزل كالرياح العاصفة الشديدة، وإنما يكون ذلك إذا كان الله قد جعل ذلك سبباً لما ينزل في الأرض) انتهى (٤). وقال: (والتخويف يتضمن الأمر بطاعته، والنهي عن معصيته) (٥).

стр. 30

وقال ﵀: (وهذا بيان منه ﷺ أنهما سبب لنزول عذاب بالناس، فإن الله إنما يُخَوِّف عباده بما يخافونه إذا عصوه وعصوا رسله وإنما يخاف الناس مما يضرّهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفاً، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾، وأمر النبي ﷺ بِمَا يُزيل الخوفَ [حيث] أمَر بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتق .. حتى يكشف ما بالناس، وصلى ﷺ بالمسلمين صلاةً طويلة) انتهى (١). وقال: (وأما كون الكسوف أو غيره قد يكون سبباً لحادث في الأرض من عذاب يقتضي موتاً أو غيره فهذا قد أثبته الحديث نفسه، وما أخبر به النبي ﷺ لا يُنافي لكوْن الكسوف له وقت محدد يكون فيه حيث لا يكون كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السِّرار، ولا يكون خسوف القمر إلا في وسط الشهر وليالي الإبدار، ومن ادّعى خلاف ذلك من المتفقّهة أو العامة فلِعدم علمه بالحساب، ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يُستقبل كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهِلة وما يُستقبل (٢)، إذْ كل ذلك بحساب كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ

стр. 31

سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢) انتهى. ولزيادة البيان والرد على مَن زعم أن ما حصل في أمريكا هو موسم أعاصير وفيضانات فقد قال ابن تيمية ﵀ قال: (كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة والباردة كقوم عاد كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أهل التفسير وقصص الأنبياء (٣) انتهى؛ فتأمل هذا الكلام وأن الريح الشديدة التي سلّطها الله على عاد قوم هود ﵇ الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (٤) كانت في وقت هبوب الرياح الشديدة الباردة، وقد وَصَفَها سبحانه بأنها "

стр. 32

عاتية "، فهو سبحانه قد زاد في سرعتها وبردها وقوتها، فجعلها ريح عذاب كـ (الأعاصير) وما يحصل بسببها من فيضانات في وقتنا. وإليك كلام شيخ الإسلام في ذلك؛ حيث قال ﵀: (فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يُنافِ ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سبباً لما يقتضيه من عذاب وغيره لمن يُعذّب الله في ذلك الوقت أو لغيره ممن ينزل الله به ذلك، كما أن تعذيب الله لمن عذّبه بالريح الشديدة الباردة كقوم عاد كانت في الوقت المناسب وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أهل التفسير وقصص الأنبياء. وكذلك الأوقات الذي يُنزل الله فيها الرحمة كالعشر الآخرة من رمضان والأُوَل من ذي الحجة، وكجوف الليل، وغير ذلك هي أوقات محدودة لا تتقدّم ولا تتأخر، وينزل فيها من الرحمة مالا يُنزل في غيرها) انتهى (١).

стр. 33

ما هي حقيقة (الطبيعة) التي يُحال إليها ما يجريه الله من الآيات والكوارث ؟! سسنة (٢٤٠هـ): ة (٦٤هـ): إنه من التعطيل والإلحاد إحالة الحوادث إلى الطبيعة وقطع ذلك عن مالكها المتصرف فيها سبحانه. ثم ما هي الطبيعة؟!، هل هي خالقة أو مُدَبِّرة؟!، إنها مخلوقة مُدَبَّرة .. إنها آلة بيد مُحَرِّكها ومُسَكِّنها سبحانه. قال ابن القيم ﵀ عن الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: (وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخِّر يُصَرِّفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبِّرة!) (١). إن الفلاسفة والطبائعيين هم الذين ملأت علومهم الأرض اليوم وليس لله فيها ذكر، وهي التي فتحت باب الإلحاد والزندقة. فانظر مثلاً إلى نظرية " داروين " التي عليها مدار علوم الغرب الدخيلة على أهل الإسلام، وليس لله فيها ذكر مع الكوْنيات، وأنه سبحانه كوَّنَها؛ بل ينسبون ما يرون من الكائنات والحوادث التي تجري فيها إلى

стр. 34

الاتفاق، وأن ذلك كله يحدث من ذاته، وهذا عيْن التعطيل. وتأمل الآن بعض الأجوبة القاطعة لأمثال هؤلاء: قال أبو سليمان الخطابي ﵀: (فمِن أوضح الدلالة على معرفة الله على أن للخلق صانعاً ومدبراً أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مُدَبَّرة، وعلى أحوالٍ شتى مُصَرَّفَة. كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً ولحماً، فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يُحْدِثَ في الحال الأفضل التي هي حال كمال عقله وبلوغ أشدّه عضواً من الأعضاء، ولا يُمكنه أن يزيد في جَوَارحه جارحة، فيدلّه ذلك على أنه في وقت نقصه وأوَان ضعفه عن فعل ذلك أعْجز. وقد يرى نفسه شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه، ولا في وِسْعه أن يُزَايل حال الْمَشِيب ويُرْجِع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعاً صَنَعَه وناقِلاً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدّل أحواله بلا ناقل ولا مُدَبِّر). وذكر الخطابي بعد ذلك كلاماً، ثم قال: (فأمَّا ما ادّعوْه من قبول النطفة بما فيها من القوة الإغتذاء والتربية، فإن ذلك لا يُنكر إذا صح العلم

стр. 35

به في طريق العادات) انتهى (١). هذا الكلام الأخير، وهو قوله: (فأما ما ادّعوه) إلى آخره .. هو معتقد هؤلاء الدهرية المعطلة الذين غَزَتْ علومهم المسلمين، وطَبّقت الأرض كلها، وتزندق بسببها كثيرون. وهذا الكلام - أيضاً - على نَسَقِ موضوع هذا الكتاب من حيث قطْع الأسباب عن مُسبّبها - سبحانه -، المتصرف فيها؛ مما نَتج عنه عزل المالك الحق عن ملكه!. فكلام أرباب هذه العلوم العصرية في الكسوف والزلازل والرياح الشديد العاتية التي تُسبب الأعاصير وغير ذلك من الحوادث الطبيعيّة واحد، وقد تبين الكلام على هذه الأشياء، ويأتي إن شاء الله زيادة بيان، وإنما الكلام هنا على النطفة وكلام الخطابي فيها وهو: (قبول النطفة بما فيها من القوة الإغتذاء). وهو نَفْس كلام هؤلاء في الخلايا وانقسامها وما تحويه من مَوادّ، فالشيخ الخطابي لا يُنكر هذه الأسباب إذا صحّ العلم بها، لكن تأمل الآن ما يأتي من رَدِّهِ عليهم. قال ﵀ بعد الكلام السابق: (ولكن الذي ننكره من ذلك

стр. 36

أن يكون هذا الفعل للنُّطفة بذاتها من غير مدبِّر دَبَّرها لذلك). تأمل ما تقدم تعلم أن أرباب هذه العلوم ومَن قلّدهم مغرورون بما حصل لهم من اكتشاف بعض الأسباب والتدقيق فيها بقطعها عن الخالق المدبِّر سبحانه. ثم إن الخطابي بعد ذلك سَيُبَرْهِن على كلامه السابق، ويفضح الملاحدة، وإخوانهم في وقتنا (الداروينيين / القرديين) بأربعة أمثلة تكشف زَيْفهم وتُظهر إلحادهم: الأول: قال ﵀: (ولو كان هذا جائزاً من غير مُدَبِّر حكيم عالِم قدير يعلم كيف يُدَبِّر النطفة ويُقلبها أطواراً، ويُسوّي منها السمع لِما يصلح له، ويضعه في موضعه، والبصر في مكانه الذي يليق به في البدن، وكذلك تعليق اليدين العاملتين في موضعهما والرجلين الحاملتين في أخصّ المواضع بهما، ووضع كل شيء من القلب والكبد والطحال وسائر الأجسام في الذي هو أملك به وأشكل لِما أُعِدَّ له من الفعل). الثاني: ثم قال ﵀ في جواب الشرط: (لَجَاز أن يرتفع الماء من تِلقاء نفسه، ويختلط بالطين، ويقع الطين في قالب اللبن، وينطبع به، ثم يزحف إلى موضع البناء فيرتفع بعضه على بعض فَيَنْتَضِد حتى يكون بناءاً رفيعاً محكماً مشيّداً من غير بانٍ ولا رافع ساق على ساق، بل ينطبع

стр. 37

الماء والتراب بنفسهما لا بشيء سواهما، فإن لم يكن هذا جائزاً لأنه ليس من طبع الماء والتراب أن يكون منهما ما وصَفْت، فكذلك غير جائز تركيب الإنسان وتصويره وتخطيطه على ما عليه الإنسان من جنس الصورة وعجيب التركيب بنفس النطفة وطبعها). الثالث: ثم قال: (ويُجاز على هذا بطبع الخشب وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها، واعتدلت وتماسكت وداخل بعضها بعضا وقرُبَتْ من الساحل معها دَقْلها (١) وآلاتها، يعبر من يريد العبور من المسافرين، ثم تعود بنفسها إلى مركزها ومرْساها كذلك). الرابع: ثم قال: (ويُجاز بطبع الماء والنار والتربة أن يوجد حَمّام (٢) في أسفله نار، وفي بيوته ماء على غاية الاعتدال في الحرارة والرطوبة من غير بانٍ بناه ومُسَخِّن سَخّنَه، ومُدَبِّر دَبَّره. فإن لم يَجز شيء مما ذكرناه، فلْيكن مثل ما ادّعَوْه من النطفة واجتماع خلْق الإنسان منها من غير مُدَبِّر حكيم دَبّره وأحْكمه، فهذا الدليل يتضمن أن المحدَث لا بُد له من محدِث وأن ما فيه من الحكمة لا بد له من قاصد حكيم) انتهى (٣).

стр. 38

وأخيراً .. (تمخّض الجمل فَوَلَدَ فأراً)، فالغربيون كأنهم بدأوا يستحيون من نظرية داروين التي تجعلهم أحفاد القِرَدة!، فلجئوا إلى ما سَمَّوْه " التصميم الذكي "، وهذه النظرية ترى أن الخلْق من فعل قوْة خفيّة؛ وعلى كل حال فهذا الاعتقاد يهدم بنيان نظرية داروين إن اعترفوا به وأقرّوه!، ويفضح المقلّدة العُمِي مِن أمثال الزنديق العراقي (معروف الرصافي) الذي يرى أن الأديان ليست وحْياً منزلاً على الأنبياء وإنما هي موضوعة ومُبتدعة!، كذلك الزنديق العراقي (جميل الزهاوي) الذي يفتخر بِقِرْديّته فيقول: إنْ نحْنُ إلاَّ أقْرُدٌ ... مِن نَسْلِ قِردٍ هَالِكِ فَخْرٌ لَنَا ارْتقاؤنا ... فِي سُلًَّمِ الْمَدَارك ويالَهُ مِن فَخْر!! .. وكل أرباب ملايين السنين المزعومة في الماضي السحيق وأهل السِّجل الجيلوجي والديناصورات الْمُتخيَّلة يرجعون إلى (داروين) وقروده فهو أصلهم ونسبهم، وعلى هذا مَبْنى العلوم العصرية التي يعكف عليها من يدّعي الإسلام، وقد ذكرت ذلك في كتاب (الفرقان في بيان إعجاز القرآن)، ويتبعهم أيضاً أهل ملايين المجرات المزعومة وأهل دوران الأرض. وليُعلم أنه حتى الإقرار بتصميم ذكيٍّ - كما يقولون - وقوة خفيّة ليس هو الإقرار بمعتقد المسلمين الذين يعتقدون بالخالق لكل شيء

стр. 39

سبحانه، وهو رب العالمين الحي القيوم المتّصف بصفات الجلال والعظمة والعُلوّ فوق عرشه المجيد العظيم الذي فوق سمواته. وحتى الذي يُقِرّ بهذا الربِّ سبحانه وحياته وما يتّصف به لا يدخل في الإسلام حتى يُقرّ بأنه (لا إله إلا الله)، وتصديقها الإقرار بشهادة (أن محمداً رسول الله) واتّباعه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما المتفلسفة وأتباعهم فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحِسّيات ولا يعلمون ما وراء ذلك، مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحاباً، وأن السحاب إذا أصْطك حدث عنه صوت، ونحو ذلك؛ لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المني يصير في الرحم، لكن ما الموجب لأن يكون المني المتشابه الأجزاء تُخلق منه هذه الأعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بَهَر الألباب؟!) انتهى (١). هذا هو مذهب أهل العلوم التجريبية الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بالمحسوس، وتأمل قوله: (ولا يعلمون ما وراء ذلك) تجد أن هذه العلوم التي ملأت الدنيا في زماننا تدور على هذا الفلَك - أيْ فلَك الأسباب المقطوعة عن المسبِّب .

стр. 40

وهل انعزل الْمَلِك الحق عن ملكه لما عزله الخلق؟! .. لقد ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾! (١). وقال ابن القيم - أيضاً - عن الطبيعة: (ولم يعلم هؤلاء الجهال الضُّلاّل أن الطبيعة قوّة وصِفَة فقيرة إلى محلها ومحتاجه إلى حامل لها، وأنها من أدَل الدلائل على وجود أمر مَن طَبَعها وخلقَها وأوْدَعها الأجسام، وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة؛ فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من مماليكه وعبيده، مسخّرة لأمره تعالى، مُنْقادة لمشيئته. ودلائل الصَّنْعَة، وأمارات الخلق، والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق، ولا تفعل، ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضْلاً عن إسناد الكائنات إليها) انتهى (٢). وقال ﵀ عن الطبيعة وتفاعلات عناصرها وآثارها، قال: (فعناصر العالَم ومَوَادّهُ مُنْقادة لربها وفاطرها وخالقها يُصَرِّفها كيف يشاء ولا يسْتعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طَوْع مشيئته، مُذَلَّلَة مُنْقادة لقدرته، ومَن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين، وكَفَر به، وأنكر ربوبيته) انتهى (٣).
следующие страницы →