← История

История · id 13551

مذكرات أحمد باي

أحمد باي

Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة يعتبر الحاج أحمد، باي قسنطينة الأخير، من ألمع وجوه المقاومة في الجزائر، ومن أكبر قادتنا الذين دوخوا فرنسا، والذين يجب أن نفتخر بهم. لقد اعترف له كثير من الجنرالات بالدهاء العسكري، وحاول المارشال فالي أن يتفق معه، اقتناعا منه بأن الرجل أهل للقيادة ولا يمكن أن يستسلم بسهولة. وإذا كان المؤرخون الغربيون لم يعطوا له حقه، قاصدين بذلك تشويه التاريخ الجزائري المجيد، والتمييز بين مختلف عناصر الشعب للتقليل من أمجاد ماضينا الحافل بعوامل الأمل، ودوافع الإيمان بالمستقبل، فإن واجبنا نحن أن نزيل الغبار على هذه الشخصية، وغيرها من أمثال ابن سالم، ابن علال، حمدان خوجة، بومرزاق، بومعزة بوبغلة، بوعمامة، محمد الصغير بن أحمد بن الحاج، بوزيان الخ .. ونخرج من طيات النسيان تلك الصفحات الخالدة التي كتبوها بدمائهم، لنستوحي منها طريقنا نحو حياة أفضل. لقد كان الحاج أحمد كرغليا، على حد تعبير المؤرخين الفرنسيين. ولكن المنطق يحتم علينا أن نؤكد عكس ذلك، أنه جزائري قبل كل شيء: ولد في الجزائر من أب ولد في الجزائر. زد على ذلك فهو ذلك الرجل الذي وهب حياته لهذا الوطن ولا يعرف وطنا سواه.

стр. 2

وإذا سلمنا لهؤلاء المؤرخين أن أحمد لم يكن جزائريا، فماذا نقول عن بونبرت الذي جاء لإلى فرنسا من جزيرة كورسكة؟ وماذا نقول عن الأمراء الفرنسيين الذين ينحدرون من سلالة بريطانية؟ وماذا تقول، أيضا، عن أباطرة روما العرب والأفارقة؟. وإذا أردنا نحن أن نجرد أحمد من الجنسية الجزائرية يجب، قبل ذلك، أن نطرح على انفسنا السؤال التالي: لماذا أعطيت الجنسية الجزائرية لكل من طلبها ممن انخرط من الأجانب في صفوف جيش أو جبهة التحرير الوطني أثناء ثورة نوفمبر ١٩٥٤؟ هذا بالإضافة إلى أنه لا مجال للمقارنة بين أحمد وهؤلاء، لأن الباي لم تكن له جنسية أخرى، ولا لغة، ولا تقاليد، ولا عادات، ولا أخلاق، غير جنسية الجزائريين ولغتهم، وتقاليدهم، وأخلاقهم. أما عن حياته، فإن السيد أحمد بوضربة، عندما قدم مذكراته إلى اللجنة الافريقية سنة ١٨٣٣، يذكر بأن الباي كان يبلغ من العمر في ذلك الوقت ٤٧ سنة، الأمر الذي يجعلنا نحدد تاريخ ازدياده بعام ١٧٨٦. وقد كان يسمى باسم أمه، فيقال الحاج أحمد بن الحاجة شريفة. وهي من أسرة ابن قانة المعروفة في الصحراء. أبوه هو محمد الشريف خليفة حسن باي الذي تولى الحكم بعد صالح باي المتوفى سنة ١٧٩٢. وأما جده فهو الباي أحمد القلي الذي حكم قسنطينة مدة ست عشرة سنة ابتدأها عام ١٧٥٥، والذي يقول عنه الحاج أحمد المبارك في (تاريخ حاضرة قسنطينة) أنه رجل عاقل صالح عالم بتسيير شؤون البلاد. وقد نشأ أحمد في بيت أخواله، فشب على حياة البداوة، وتعلم الفروسية، وتدرب على القتال، فكان رجلا حاسما وشجاعا لا يعرف التردد عندما يجب الفصل في القضايا.

стр. 3

وان هذه الصفات الخليقة بكل مسؤول، هي التي جعلت الايالة تعينه، وهو لم يتجاوز الثلاثين خليفة لباي قسنطينة التي هي أكبر القاطعات في الجزائر وأهمها من جميع النواحي. ولقد ظهر أحمد، أثناء ممارسته هذه المسؤولية الجبارة، مهارة كبيرة وخبرة واسعة في اكتساب ثقة الأهالي وضمان تعاونهم معه، بحيث أنه، عندما وقع الخلاف بينه وبين رئيسه، وأمر هذا الأخير بحبسه، وجدناه يحظى بمساعدة أعيان المدينة والبايلك بصفة عامة لمغادرة المكان والتوجه إلى العاصمة بسلام. وفي منفاه، ظل الباي متمسكا بسيرته الأولى، فكان يبرهن على شجاعته وتفانيه كل ما دعي للمساهمة في عمل من الأعمال. وفي البليدة، استطاع أن يثير إعجاب يحي آغة باستقامته وإخلاصه، وانقلب هذا الإعجاب محبة بعد تجارب طويلة، وخاصة بعد الدور الذي لعبه أحمد أثناء الزلزال الذي أصاب البليدة سنة ١٨٢٥. ولذلك رأينا الآغة، صاحب النفوذ والسلطان في ذلك الحين يتدخل لدى الداي، ويحصل للحاج على العفو في مرحلة أولى، ثم على البايلك في مرحلة ثانية سنة ١٨٢٦. هكذا، حصل أحمد على هذا المنصب باستحقاق. وبمجرد ما تسلم مسؤوليته الجديدة شرع في تنظيم الأمور والقضاء على الفوضى. وتبين من خلال هذه الأعمال أنه قائد مقتدر له من الدهاء العسكري والسياسي ما لم يتوفر لسابقيه. ولذلك تمكن من البقاء اثنتين وعشرين سنة على الرغم من المشاكل والمحن، ومن المجهودات والتضحيات التي بدلتها فرنسا للقضاء عليه. هذا، وإننا سنفرد للحاج أحمد دراسة مستقلة في وقت لاحق. أما اليوم، فإننا ننشر مذكراته التي يجمع المؤرخون على أن لها قيمة تاريخية كبرى. ولقد سبق أن نشرها

стр. 4

بالفرنسية وعلق عليها السيد مارسال أمريت في المجلة الأفريقية الصادرة سنة ١٩٤٩. ورجعنا إلى المخطوطات الوطنية في باريس، فوجدنا أن هناك نسختين من هذه المذكرات مكتوبتين باللغة الفرنسية، وأن هناك بعض الاختلاف بينهما من حيث الشكل لا من حيث المضمون، الأمر الذي جعلنا نتأكد من أن المذكرات إنما كتبت في أصلها بالعربية، وترجمها شخصان مختلفان. ولكن الترجمة التي نشرها أمريت هي الأتم على ما نعتقد. ولذلك لجأنا إليها لنعيد المذكرات إلى لغتها الأصلية .. وما لجأنا إلى ذلك إلا بعد أن يئسنا من وجود الأصل العربي. المترجم باريس ١٤ نوفمبر ١٩٧١

стр. 5

مذكرات أحمد باي

стр. 6

في سنة ١٨٣٠ ذهبت إلى مدينة الجزائر لأداء الدنوش أو الزيارة الإجبارية التي يؤديها إلى الباشا جميع البايات مرة كل ثلاث سنوات. كنت بايا لقسنطينة منذ أربعة أعوام، وكانت تلك هي المرة الثانية التي أقوم بهذا الواجب. فلم أكن إذن، مستعدا أي استعداد لمحاربة الفرنسيين، ومع ذلك كان الداي حسين قد أخبرني بمشاريعهم في رسالة ذكر لي فيها أنه بجب أن أهتم بعناية فقط. ولم يكن قلقا لا على نفسه ولا على مدينته الرئيسية. وهكذا، جئت كالعادة أحمل ((اللازمة)) ومعي أربعمائة فارس أو أقل، وأذكر من جملة القادة الذين اصطحبوني: ولد مقران، ابن حملاوي آغا، شيخ النغاس، قائد الزمالة، الوردي قائد بن عاشور، وشيخ بوشناح. وعندما حضرت بين يدي الباشا قال لي: ((ليس لديكم أكثر من الوقت الكافي للخروج إلى الفرنسيين الذين سينزلون بسيدي فرج، إنني أعرف مكان النزول من الرسائل التي تصلني من بلادهم ومن كتاب طبع في فرنسا وأرسله لي جواسيسي من مالطة وجبل طارق)) ثم أضاف بأن الرسائل ترد إليه باستمرار من فرنسا وانه على علم بكل ما يجري هناك.

стр. 7

غادرت مدينة الجزائر بسرعة، واتجهت إلى المكان الذي تجمع فيه الجيش. وعقدنا مجلسا لتحديد خطتنا في الدفاع عن البلاد، وشارك معي في هذا المجلس الآغا ابراهيم، صهر الداي، ومصطفى باي التيطري، وخوجة الخيل، وخليفة ياى الغرب. وقعت الندوة في مكان قريب من سيدي فرج. وابتدأ صهر الداي هكذا: ((يجب بناء حصون على شاطيء البحر، وتزويدها بمدافع قوية حتى نمنع الفرنسييين من النزول.)) وأجبت بأن هذا الرأي سديد، ولكننا لا نستطيع العمل به حينا، كما تقترحون ذلك، لأنكم لا تملكون الوسائل التي تمكنكم بسرعة من إقامة الحصون التي أشرتم إليها وبالفعل فكيف تحملون إلى هنا المدافع والذخائر الحربية التي تحتاجون إليها وليس في سيدي فرج سوى قلعة قديمة مخربة يحتاج إصلاحها إلى شهور كاملة. لقد استيقظتم متأخرين، وفي نظري، إذن فإنه لا ينبغي أن تنهكوا أنفسكم لصد نزول الفرنسيين، ومن المستحسن أن تبدوا بعض المقاومة وتهاجموهم بحيث تعرقلون النزول. ولكننا إذا وضعنا كل أملنا في إقامة التراسين والحصون، فإنكم لن تنتصروا، لأن نيران المراكب الفرنسية ستقضي على هذه

стр. 8

المنجزات المقامة بسرعة وتكون أعمالكم قد ذهبت سدى. ثم إنكم لن تتمكنوا من تسليح الحصون دون تعرية مدينة الجزائر التي ينبغي أن تهتموا كل الاهتمام بالدفاع عنها. وإذا استطعنا أن نفسد مشروع الفرنسيين بواسطة المعركة الصغيرة التي سنشنها عليهم أثناء النزول، فإننا نحمد الله ونشكره على مؤازرته لنا. وإذا لم نتمكن من التصدي لنزولهم، فإنه يجب على الجيش أن ينسحب إلى مؤخرة جيوش الأعداء ثم نشطأ البحر من الجهة الغربية. وتذكروا شيئا، فإن الفرنسيين يريدون إنهاء هذه الحرب بكل سرعة، وإرجاع الجيش إلى أوروبا. إنهم من بني الأصفر، ذوي الوجوه الشاحبة الذين يصعب عليهم تحمل مناخ هذه البلاد. وعندما نمدد الحرب في الزمن، فمعنى ذلك أننا سنحقق النصر لا محالة. وسيصيب أعداءنا ما وأصاب جميع الذين نزلوا هنا: إن الله كان دائما بجانب المؤمنين على الكافرين الذين يأتون لمهاجمة المدينة الموضوعة تحت حمايته، وهذه المرة أيضا، فإنه لن يتخلى عنا. ولاحظوا أن الفرنسيين لن يلحقوا ضررا كبيرا بالمناطق التي سيمرون بها لأن أراضيها تكاد تكون غير مزروعة، وليس فيها إلا عدد قليل من المساكن والأجنة.

стр. 9

وإذا وثقتم بي واتبعتم خطتي، فاننا نتجه إلى وادي مازفران، وعندها يقع أحد أمرين: إما أن يهاجم الفرنسيون مدينة الجزائر وإما أن يسيروا نحونا. ففي الحالة الأولى ننقض على مؤخرتهم فنأخذ مؤونتهم، ونهاجم قوافلهم فنقتل المتخلفين ونعمل على قطع الاتصال بينهم وبين مراكبهم، وهذه النقطة الأخيرة سهلة جدا لأن البحر يتغير ولا يسمح دائما بالنزول. أما إذا ساروا نحونا ليشنوا علينا الحرب، فإن واجبنا هو أن نتجنب المعركة ونجر جيوشهم إلى ميدان ملائم وبعيد عن مدينة الجزائر التي هي هدف مشروعهم. وإنكم لا تجهلون كم سيفقد الفرنسيون من الجنود، أثناء ملاحقتهم لنا، نتيجة للحرارة، وفقدان الماء وانعدام العديد من الأشياء الأخرى التي تعودوا بها والتي لا يمكن أن تتسع لها مراكبهم، هذا بالإضافة إلى أننا نكون قد حافظنا على مدينة الجزائر. إذن، فرأيي هو الرجوع إلى الوراء.)) وأجاب صهر الباشا بحمية جاهلية وثقة مزهوة في نجاح الخطة، بأن عدم مجابهة العدو ليس من عمل الرجال الشهام، وأن الله لن يغفل عن مساعدة من سيهاجمون الكفرة عند نزولهم وهم به واثقون.

стр. 10

وأثر هذا اللجوء إلى الله تأثيرا كبيرا على عقول الحاضرين. واستعملت نفس الوسيلة وأردت حملهم على أن يتركوا مدينة الجزائر تحت رعاية الإله يفعل بها ما يشاء ولكنهم عارضوني وتقرر أن يسيروا لمجابهة الفرنسيين. وهكذا، شرع في بناء المتاريس بسيدي فرج، ولكنها لم تسلح إلا بمدافع خفيفة لعدم وجود العربات التي يمكن أن تحمل المدافع ذات العيار الكبير. وتم النزول، وبعد انتصار الفرنسيين على مقاومتنا، تقرر التراجع وانتظارهم في سهل سطاولي حيث بنينا حصونا بسرعة وزودناها ببعض المدافع. وكان الباشا قد وزع عددا منها كذلك على جميع الأعيان الذين كانوا يقودون الجيش وعلى من كانوا مثلي قادمين من مناطق بعيدة. وقد خسرنا هذه المدافع في معركة سطاويلي التي ربحها الفرنسيون. وكان مدفعي قد سقط مرة أولى بين أيديهم، ولكنني جمعت فرساني وهاجمنا فخسرنا أكثر من مائتي جندي، ولكن الله مكنني من الانسحاب ومعي المدفع الذي أعطيت. وبعد معركة سطاويلي، هاجم الفرنسيون برج مولاي حسان. وكنت إذ ذاك قد انسحبت إلى المكان المسمى

стр. 11

بوادي القليعة (١) وسقط البرج خرابا بفعل البارود، ثم استسلم الباشا للفرنسيين الذين دخلوا من غدهم مدينة الجزائر. عندئذ، انسحبت مع فرساني إلى عين الرباط (مصطفى باشا)، وواصلت سيري نحو جنان الباشا (٢) حيث لحق بي جميع الهاربين. فأصبح معي ١٦٠٠ شخص وفي مساء يوم الاحتلال انسحبت إلى قنطرة الحراش حيث قضيت الليلة على الضفة الأخرى من الوادي. وفي الغد توجهت إلى الخميس (٣) وعسكرت في الفندق. (٤) وفي أثناء الليل وقع إنذار وأعلن عن ظهور طلائع الجيش الفرنسي. فركبت حصاني على الفور واصطحبت أربعين من فرساني، ولكن الإنذار كان خطأ. وواصلت طريقي، وعندما بلغت أولاد زيتون اتصلت برسالة من الجنرال الفرنسي المسمى بورمون. (٥)

стр. 12

يقول لي بورمون، في رسالته: إن الفرنسيين قد خلفوا حسين باشا في الحكم، وإنني احتفظ بمرتبة باي قسنطينة إذا رضيت أن أدفع لفرنسا ((اللازمة)) التي كنت أدفعها للداي، وباختصار إذا قبلت الاستسلام. وأجبت بأن السلطة تسلمتها من حسين برضا جميع سكان قسنطينة ومقاطعتها وإنني راجع إلى مركز قيادتي، وإذا كانت إرادة قادة قسنطينة تتفق مع رغبة الجنرال الفرنسي، فإنني سأخضع لها بكل سرور. انتهت هذه المفاوضات عند هذا الحد، وتوجهت إلى قسنطينة عن طريق الأعمال والبيبان، ثم بلغت منطقة العوامر بالقرب من سطيف وبعد ٢٢ يوما من السير، منذ أن غادرت مدينة الجزائر، وصلت إلى المكان الذي يسمى الحامة (٦) بنواحي قسنطينة. في أثناء غيابي عن قسنطينة دبرت مؤامرة ضدي. لقد تركت في المدينة حامية الشتاء وهي مكونة من الأتراك

стр. 13

واليولداش (٧). فأراد هؤلاء الأجناد أن يقلدوا ما كان قد جرى في مدينة الجزائر، وأعلنوا أنهم لم يعودوا يعترفون بي كباي وعينوا مكاني القائد سليمان، الباي الذي قاد المؤامرة بمساعدة خليفته ولد شكال محمود. وعبد الله خوجة وسطامبولي وجيمي علي ووزان أحمد وزمير لي بشير وضبيات علي. وعندما علم هؤلاء الناس بمقدمي، أرادوا أن يثيروا علي القبائل المقيمة في نواحي سطيف ولكنني هزمت من خرج إلى وقصدت قسنطينة التي غادرها المتآمرون ليعترضوا سبيلي، وبمجرد ما خرجوا من المدينة اجتمع الطلبة والسكان بسرعة تحت قيادة الباشا حمبا كيمان بن عيسى وألقوا القبض على سليمان وقتلوه أمام باب المدينة. وهكذا

стр. 14

لم ألاق أي عناء لاسترجاع سلطاني (٨)، ولكنني أردت أن أضرب مثلا، فوضعت يدي على المجريين، ووفقا للقانون حكمت عليهم بالإعدام ونفذت الحكم فيهم. وبعد ذلك قررت أن أضع حدا للمناورات المستمرة التي يقوم بها الأتراك واليولداش (٩) وخشي الكثير منهم نقمتي العادلة فالتجأوا إلى العرب. فكتبت إلى كل الجهات أقول: ((تحللوا من هؤلاء الأجانب الذين لا يحملون إليكم سوى البلبلة ويمنعون الحاكم من أن يحقق الخير الذي يريده لكم.)) ووجدت هذه الكلمات آذانا صاغية فدفع كثير من اليولداش ثمن الطغيان الذي فرضوه على البلاد زمنا طويلا.

стр. 15

وبمجرد ما رجعت إلى الحكم، اتصلت، من مدينة الجزائر، برالة كتبها الجنرال الذي يسمى كلوزال. (١٠) فعرض علي هو أيضا، الاعتراف بي كباي على قسنطينة ولكن شريطة أن أدفع اللازمة وقال بأنه سيرسل لي، عندما أستسلم، قفطان الشرف باسم ملك الفرنسيين. وفي الحين جمعت الديوان وقرأت عليه رسالة الجنرال. فكان رد الأعضاء أن قسنطينة كانت في الحقيقة تابعة لباشا الجزائر وتمتثل لأوامره، ولكن الجزائر، بدورها، كانت تابعة لسلطان اسطمبول: ولقبول الصلح المقترح علي يجب، أولا أن أحصل على موافقته، والإجابة الوحيدة هي أن نخبر الفرنسيين بأننا نستشير السلطان ثم نرفع الإرادة السنية بكل سرعة إلى الجنرال. كان الديوان يحمل بغضا شديدا للفرنسيين، ولم يكن الغرض من الإجابة التي نصحت بتقديمها لهم سوى تمديد المفاوضات وإطالتها، ومنع البلاد من أن تتعرض لمصائب جديدة نتيجة رفض عنيف.

стр. 16

وأجبت كما أشار علي الديوان بذلك، وبعد وقت قصير علمت أن الجنرال الذي كان يحكم الجزائر أمر بعزلي، وأبرم في هذا الموضوع عهدا مع باي تونس. وينص هذا العهد على أن قسنطينة تكون تابعة لتونس، وأن سي مصطفى أخا العاهل التونسي هو الذي يتقلد مرتبة الباي فيها. (١١) ولم يكن لهذا العهد أي مفعول، بل إنه ظل مجهولا من جزء كبير من السكان وبعد مدة قليلة من إبرام هذا العهد، وردت رسائل من تونس إلى مقاطعة قسنطينة، وحمل إلى عدد منها. إنها من الباي، وتقول أن قسنطينة كانت في الأزمنة الغابرة جزءا من مملكة تونس. وتقول أيضا أن الباي يعتزم استرجاع الوضع القديم، واستبدالي بأخيه أو بأي خليفة آخر يختاره وقد لاحظت أن هذه الرسائل لا تتكلم عن الفرنسيين أبدا. وكنت ممثلا فيها

стр. 17

كرجل مستبد وكانت نهايتها دعوة إلى الثورة حتى أطرد من بايلك قسنطينة. (١٢) وحينما أطلعت على محتوى هذه الرسائل قلت: إذا كان مثل هذا التغيير بإرادة من الله ومن شأنه أن يساهم في إسعاد الجميع، فإنني مستعد لقبوله. ثم أردت أن أعرف رأي الديوان في هذا الموضوع فجمعته وعرضت عليه ادعاءات الباي الواردة في الرسائل التي تكاثر عددها في كل مكان وبعد تفكير وتدبير فيما ينبغي فعله في هذه الظروف، تقرر أن يكتب الديوان رسالة إلى باي تونس، فكانت كما يلي: إن ما تقترحونه علينا لا يليق بنا مطلقا. إننا فرحون بحكم الباي أحمد ولا نريد استبداله. فكيف يمكن لكم أن ترغمونا على ذلك ألستم مثلنا، تابعين لخليفة اسطمبول وبأي عنوان تطالبوننا بالطاعة إن السلطان محمود وحده هو الذي يستطيع أن يقرر تقسيم أملاكه، ولو أننا دعينا إلى اختيار سيد غير السلطان الشرعي،

стр. 18

فاننا، وبكل صراحة، سنفضل احتلال الفرنسيين، لا حبا في الكافرين ولكن لأننا نعلم أن جوارهم سيجر لنا الحرب إن آجلا أو عاجلا ولأننا سنتعرض لهجوماتهم ولن تستطيعوا شيئا ((لحمايتنا.)) وقد وقعت هذه الإجابة عندما تأثر سكان قسنطينة من مزاعم الباي، كما تأثر الديوان من قبلهم وجاؤوني يقولون: انظر هذا ملك تونس، وهو ندلك قد تلقب بالباشا فلا بد أن تفعل مثله في اللقب وأن تضرب النقود على غراره فأرغمت على اتباع نصائحهم وعينت ابن عيسى خزناجيا وأمينا للسكة التي ضربت، كما هي العادة، باسم سلطان القسنطينية ثم قررت أن أحيط علما بكل ما جرى، من كنت أرى فيه سيدا لي وهو السلطان محمود ﵀. واغتاظ باي تونس من الرفض الذي لاقاه في قسنطينة، فكتب إلى اسطمبول يحرض علي ويتهمني بالطغيان. ويقول بأنني أثرت حقد جميع رعيتي. لقد علمت بذلك وعزمت أن أحارب الإدعاءات الكاذبة بلائحة يمضيها أهم القادة في مقاطعة قسنطينة. وضمنت رسالتي كل ما دار في الديوان بهذا الشأن وكذلك الرأي الذي تم التوصل

стр. 19

إليه، وختاما قلت: إنك الآن تعرف كل شيء وأنت صاحب الأمر، فإنني أنتظر قرارك)). ثم رجوته أن يرشدني إلى الطريق الذي يجب اتباعه. وكان كل من حضر قراءة هذه الرسالة موافقا على مضمونها فوضعت عليها خاتمي ووضع الأعيان خواتمهم ثم ذيلوها بملاحق تعبر عن رأيهم في حكمي وعينوا واحدا منهم ينقلها إلى سيدنا ومولانا ويؤكد له ما احتوت عليه. وكان سي علي بن العجوز، أحد أعيان قسنطينة، هو الذي كلف بأداء هذه المهمة، فأوفدت معه واحدا من عمالي، يدعى الحاج مصطفى. ومضت أربعة أشهر قبل رجوعهما، وفي هذه الفترة من الزمن وقع ما وقع من الأحداث الهامة التي يضطرني سردها إلى الرجوع إلى ما قبل الأحداث التي ذكرتها الآن. ٣ كان مصطفى بومزراق بايا للتيطري (١٣) عندما استولى

стр. 20

الفرنسيون على الجزائر، فحاول أن يربط علاقات معهم للاحتفاظ بالسلطة ولكنه لما لم يتمكن من أن يعتمد لديهم أراد أن يستقل وتلقب بالباشا ثم كتب لي يقول بأن علي طاعته ودفع اللازمة إليه، ومقابل ذلك يبعث لي قفطان الملك. فأجبت رسوله بقولي: ((كيف! بالأمس، كان مصطفى بايا مثلي، واليوم ينتصب باشا من تلقاء نفسه فما عليه إلا أن يأتي ليأخذ الاعتراف فليس عندي له إجابة والبارود وحده الذي يفصل بيننا.)) وأمام هذه الإجابة اندفع بومزراق في حمقه وأعلن أنه يعزلني وعين مكاني ابراهيم الذي كان بايا لقسنطينة في السابق والذي كان الداي حسين قد عزله. ولمحاربتي تحالف ابراهيم هذا مع فرحات بن سعيد (١٤)، شيخ العرب السابق الذي استبدلته مؤخرا بقريبي بوعزيز بن

стр. 21

قانة (١٥) وهكذا أراد مصطفى أن يثير ضدي طموح الأول الزائف وغيظ الآخر المكين. وقام ابراهيم وفرحات بإعلان الحرب علي، فوجهت لهما بوعزيز وبعض الجند ثم انتقلت للقائهما شخصيا، فهزمتها هزيمة شنعاء وأرغمتهما على الفرار (١٦). أما فرحات، فقد انسحب إلى أولاد جلال حيث راح يواصل معاداته لي، وظل يمارس نوعا من السلطة على قبائل وادي جدي. وأما ابراهيم، فإنه تمكن من اللجوء إلى تونس وبعد ذلك رجع إلى عنابة، فبدأ أولا وكأنه ارتبط ارتباطا متينا بالفرنسيين الذين لم يكن وضعهم فيها قد تعزز حينئذ. إلا أنه سرعان ما راح يحث همم المسلمين، ويؤلبهم ضد الكافرين وثور السكان، فأرغموا الفرنسيين على مغادرة المدينة، واستقر هو في قصبة الساحة المشرفة

стр. 22

عليها. وكانت مجاورة هذا العدو خطرا شديدا على سلطاني، فأرسلت ضده ابن عيسى، باش حمبايا (١٧) فحاصر عنابة من جميع نواحيها واستطاع أن يدخل المدينة (١٨) وأجبر ابراهيم على الانحباس في القصبة (١٩) وبما أن المؤن لم تعد تصل إليه، كاد أن يرغم على الاستسلام لو لم تأت ظروف مكنته الفرار من القصبة. ولم يفقد الفرنسيون أمل استرجاع عنابة التي طردوا منها. فأرسلوا إلى الميناء باخرتين محملتين بالجيوش تحت قيادة ضابط اسمه دارماندي واستغلت هذه الجيوش الفرصة فنزلت على الشاطيء. وقد بقيت أذكر اسم هذا الضابط لأن ابن عيسى، خليفتي، كان قد أقام معه بعض

стр. 23

العلاقات (٢٠) ووجد ابراهيم نفسه بين استعدادات الفرنسيين المهددة بالخطر، وهجومات ابن عيسى، فلم يحد مسلكا آخر غير طريق الفرار، فغادر القصبة خفية بينما انضم من تركهم فيها إلى السيد دارماندي، والمدعو يوسف المملوك الذي قدم من تونس والذي سيلعب دورا في البلاد. وفي هذه الأثناء، وبينما كان ابن عيسى قد اقترب من القلعة، تأهبا منه للاستفادة من فرار ابراهيم، رأى أن الجيوش الفرنسية نزلت من مراكبها متوجهة إلى القصبة. وساعدها المحتبسون في هذه الأخيرة فتسلقت الحيطان (٢١) واعتقد ابن عيسى ان لا طائلة في مواصلة هجومه على الحين وجهت حملة ضده، وتم نفيه بعد أن ألقى عليه القبض. والتجأ إلي ابن عدوي: سي احمد ولد بومزراق فنسيت أخطاء أبيه وازدهائه وعينته خليفة لي، واخترته ليكون صهري لكنه خان ثقتى. لقد كان بناحية الحمزة

стр. 24

عندما ترك مركزه ذات يوم، وأخذ معه مبلغا من الأموال ونهب من كانوا أشد ارتباطا بي، ثم لجأ إلى الحاج عبد القادر الذي عامله بإكرام في بداية الأمر، ولكنه حينما علم بخيانته وأطلع على تفاصيل حياته الماجنة، كبله بالأغلال غير أنه استطاع أن يهرب إلى الفرنسيين، وعندهم أطلق العنان لمؤامراته وفجوره. ٤ وأخيرا، أتاني جواب السلطان محمود بعد احتلال مدينة عنابة، وكان كالآتي: ((إن سلوككم إزاء الفرنسيين والإجابة التي تفضلتم بها على اقتراحاتهم ليتفقان في نظري، كل الاتفاق مع العدالة فأثبتوا على هذه السيرة، إنها هي الوحيدة التي يمكن أن تساهم في خير الإسلام والمسلمين. ومما لا شك فيه أنني أريد نجدتكم، وفي هذه الظروف، إنني في حالة سلم مع عنابة فاكتفى بإخلائها من السكان. أما الفرنسيون الذين كانوا قد تلقوا في ذلك الحين نجدات معتبرة، فإنهم لم يتوقفوا عند استيلائهم على القصبة، وإنما نزلوا إلى المدينة واستقروا فيها بكيفية محكمة.

стр. 25

كل هذه الأمور التي ذكرتها وقعت بعد احتلال الجزائر بعامين. وأحدث الاستيلاء على عنابة قطيعة مطلقة بيني وبين الفرنسيين. ولم أعد أفكر منذ ذلك الحين، إلا في خلق أكبر عدد ممكن من العراقيل لمشاريعهم المقبلة، وفي هذا الصدد أمرت ابن عيسى بمحاصرة عنابة ومنع تموينها. وقام الفرنسيون بتنصيب المملوك يوسف، وتعيينه على رأس فرسان البلد. أما ابراهيم الذي لجأ إلى الجبال، فإنه ظل يحاربني مدة عامين، كما كان يدير حربا عوانا على الفرنسيين. وأخيرا لجأ إلى المدية وتوفي فيها. (٢٢) أما الباي مصطفى بومزراق الذي كان قد انضم إلى الفرنسيين في بداية الأمر، فإنه لم يلبث أن خانهم، وفي جميع البلدان المسيحية ولا يمكن أن أقطع العلاقات إلا إذا وجدت أسباب جدية للغاية. وإذا قدمت لكم اقتراحات جديدة، فأجيبوا عنها كذلك بتملص، وأوضحوا بأنكم من رعايا القسنطينية،، وبأنه لا يمكن أن تتفاوضوا إلا

стр. 26

عن طريقي وأوصيكم، خاصة، أن تحيطوني علما بجميع الاقتراحات التي تعرض عليكم، وابقوا في طاعتي، ولا تبرموا السلم إلا إذا أمرتكم بذلك، ولا تقلقوا فإنني مهتم بكم.)) كانت هذه الرسالة تحمل خاتم رؤوف باشا، وسلمها لي رسل قسنطينة الذين نزلوا في طرابلس ومنها حملوما إلي. وبدا لي أن إجابة السلطان لم تكن مرضية، فقررت أن أرسل من جديد أحد أعواني إلى القسطنطينية، وانتهيت إلى اختيار بلهوان وتكليفه بالذهاب إلى الوزير رؤوف يحمل إليه الرسالة التالية: انظروا أيها السلطان كيف أصبحت اليوم ملاصقا للفرنسيين لقد استقروا في عنابة وصاروا، في كل يوم، يتقدمون ويتحصنون، ومن الممكن أن أهاجم من لحظة لأخرى وأنا مستعد لاضحي في سبيل ديننا الحنيف، ولاهلك دون أن استسلم إذا كانت تلك هي إرادتكم. ولكنه، إذا أردتم أن نقاوم، فابعثوا لنا النجدات وعززونا بنصائحكم وجيوشكم. وإذا رأيتم من المستحسن أن نستسلم إلى الفرنسيين فامروا بذلك، وإننا سنفعل في الحين، ومن سوء

стр. 27

الحظ، فان الوضع الذي نحن فيه لا يشير إلى شيء آخر غير الطريقة الأخيرة، ولكن، بالله عليكم خلصونا من هذه الحيرة.)) واستقبل الوزير رؤوف بلهوان بشيء من الحذر. وكانت الإجابة تأمرنا بالصبر، وتذكر أن رسولا سيأتي إلى قسنطينة للاطلاع على حقيقة الأمور. والسبب في هذا الاحتراز هو أن باي تونس كان قد بعث إلى السلطان محمود رسائل تهدف إلى إظهاري في مظهر التمرد إذ تقول ((إنكم لا تعلمون ما يجري في قسنطينة، إن أحمد قد شق عصا الطاعة، وتلقب بالباشا، وأعلن عن استقلاله، إنه يضرب النقود باسمه كما لو كان هو سلطا ن القسطنطينية)). ولذلك قرر الامبراطور، كما ذكرت، أن يبعث إلى عين المكان أحد رجاله الأمناء. وكان ذلك هو كامل باي. (٢٣)

стр. 28

٥ وفي هذه الأثناء كنت بناحية عنابة في حرب مستمرة مع الفرنسيين من جهة ومع الباي ابراهيم من جهة أخرى وكان يوسف يقوم بغزوات متعددة ضد القبائل المجاورة. وعلى إثر غرق حدث على ساحل سكيكدة ارجعت إلى الفرنسيين أربعة من النوتية الذين فقدوهم، وبذلك بدأ الجو يتحسن بيني وبين سلطات عنابة، كنت أتمنى أن تستمر العلاقات في تحسن عندما قدم إلى قسنطينة ذات يوم المدعو سي حمدان (٢٤) من مواليد مدينة الجزائر. لقد كان مرسلا الي من الحاكم الجديد، الدوق دورفيكو، فسلم لي رسالة كانت بالتقريب، تحتوي على العبارات التالية: ((أستلموا لفرنسا التي وهبها الإله سلطان افريقيا. انه لمن الواجب عليكم، ومن حقنا أن نطلعكم على الشروط التي نضعها لاستسلامكم ولإبقائكم في الحكم. تدفعون ٣ ملايين من الفرنكات كتعويضات للحرب وللحملات التي تتسببون فيها يوميا. بعد ذلك تدفعون اللازمة مرة في كل

стр. 29

سنة. فتفاهموا في كل شيء مع رسولي: سي حمدان. إنني وكلت إليه التفاوض معكم وفقا لتعليماتي.)) أحببت سي حمدان ((بأنني لست وحيدا في البلد، ولا أستطيع التفاوض من تلقاء نفسي. إنما سأجمع قادة المدينة والمقاطعة، لأنني تعودت الأخذ برأيهم قبل القيام بأي شيء.)) واستدعيت، حينا، جميع الأعيان في المدينة وفي خارجها، وبمحضر سي حمدان قرأت عليهم الرسالة التي تضمنت نوايا الحكومة الفرنسية. وعلى إثر ذلك بدأ النقاش وبعد أن تكلم كل واحد وأدلى برأيه، تم الاتفاق على أن تكون الإجابة على الرسالة المذكورة بالعبارات التالية: (٢٥) ((من جميع الأعيان في المقاطعة إلى حاكم مدينة الجزائر، لقد اتصلنا برسالتكم، وشرح لنا مبعوثكم سي حمدان كل نواياكم. فكيف تريدون منا أن ندفع ثلاثة ملايين (٢٦) بوجو إنه مبلغ يفوق ممتلكاتنا. أما عن اللازمة، فإننا لا نرفض دفعها إليكم، ولكن، ليتم ذلك يجب أن تسحبوا

стр. 30

جنودكم من المناطق التي تحتلونها. إن كل ثروتنا تتمثل في القموح والأصواف التي كنا نبيعها في ميناء عنابة. فإذا أرجتم إلينا هذه المدينة، فإننا سنكون قادرين على أن ندفع الضرائب كما كان الأمر في الماضي ولن نرفض ذلك أبدا. ثم بعد ذلك تقيمون قنصلا في عنابة كما هو الشأن في السابق، وعلى هذا الأساس يمكن أن نتفاهم. بيد أننا ننذركم بأننا لا نستطيع ابرام أي اتفاق نهائي دون إعلام السلطان محمود الذي هو سيدنا. ولقد أخبرناه بعد بجميع المقترحات التي عرضت علينا. وان التفاوض اليوم، بدون رضاه، يعتبر عملا صبيانيا يفند كتاباتنا. وعليه يجب أن نكاتب القسطنطينية)). خرج سي حمدان بكتابنا وتوجه إلى عنابة، ومنها أبحر عائدا إلى مدينة الجزائر. وبعد ذلك بقليل رجع إلى قسنطينة، ومعه رسالة ثانية من الجنرال الفرنسي. وكانت الشروط، في هذه المرة، قد تغيرت. لم نعد مطالبين بثلاثة ملايين بوجو، ولكن المبلغ انخفض إلى خمسين ألف دورو إلى جانب اللازم السنوي. ومقابل ذلك تتعهد فرنسا بأن تحصل لي على القفطان من القسطنطينية، شريطة التمكن من تنصيب حاميات فرنسية

стр. 31

في قصبتي عنابة وقسنطينة، وزيادة على ذلك يكون ميناء عنابة تابعا للفرنسيين، وتكون فيه حرية التجارة لهم وحدهم. فأجبت سي حمدان، وسلمته رسالة أقول فيها بأنني لا أستطيع قبول هذه الشروط، ولا دفع الخمسين ألف دورو التي تعتبر مبلغا باهضا بالنسبة إلينا، خاصة منذ أن جردنا من المواني التي هي مصدر ثرواتنا. وكررت كذلك بأن التفاوض لا ينبغي أن يكون معنا، وإنما يجب التوجه إلى القسطنطينية. عندئذ قال لي سي حمدان: ((من الخطأ أن تواجهوا الفرنسيين بهذا الرفض المطلق. فزودوني بعبارات ألطف، وأعطوني ٥ أو ٦ آلاف دورو وسأذهب إلى باريس وهناك أقوم بمساعي لصالحكم، وسوف أتمكن من تسوية قضيتكم بحيث يتركونكم في أمان.)) وكانت إجابتي: «يا سي حمدان، يشهد الله، لو كنت أعلم أني أحصل على هذه النتيجة بواسطتكم لدفعت عشرين من أضعاف ما تطلبون، ولكنني لا أعتقد أنكم تنجحون)). ألح سي حمدان على إمكانية تنفيذ هذه الخطة وأكد بأن المبلغ الذي يطلبه مني يزيد عن الكفاية.

стр. 32

عندئذ أحضرت خزنداري، فنقده المبلغ أمامي وتوجه إلى عنابة ومنها إلى مدينة الجزائر. وبعد ذلك علمت أنه ذهب إلى فرنسا ثم إلى القسطنطينية، وعندما رأيت وعوده لم تتحقق كتبت له، فأجابني بأن لا خوف علي ولا على دراهمي، ولكنني في الحقيقة تعرضت للمصائب وفقدت دراهمي إلى الأبد. (٢٧) ٦ في أثناء هذه المفاوضات قدم إلى قسنطينة كامل باي المبعوث الذي أرسله السلطان ليطلع على أوضاع البلاد. فاستقبلته استقبالا يليق بمرتبته، وأمرت حينا، باستدعاء جميع الأعيان في المقاطعة. وعندما اجتمعوا حولنا خاطبهم كامل قائلا: ((لقد أرسلني السلطان أعزه الله لأدعم شجاعتكم وأطلب منكم الالتزام بالايمان والصبر، لأن السلطان محمود قد تفضل بالتفاته إلى بلدكم، وهو لا يريد له أن يتألم مدة أطول، ويقوم الآن بابرام صلح يرمي إلى إبقاء المقاطمة في

стр. 33

حوزته بصفة نهائية. وعليه فلا تقبلوا أي شرط دون الرجوع إلى عاهلكم الشرعي ثم أوصيكم بالاتحاد، وسينصركم الله.)) صنق الجميع لهذا الخطاب ووعدوا بتنفيذه نقطة نقطة ثم سأل كامل الأعيان عن البلاد وعن ادارتي. ومن خلال هذا البحث اقتنع ببطلان اتهامات باي تونس. وبقي عندي مدة ظل يردد أثناءها نفس العبارات التي تفوه بها في الأيام الأولى. وأخيرا أراد أن يطلع السلطان بنتائج مهمته. وقبل أن يتوجه إلى القسطنطينية طلبت منه أن يشتري لي عدة أشياء وخاصة شالات من شالات كاشمير وبمجرد وصوله أنجز المهمة، وبسرعة فائقة أرسل لي ما طلبته بواسطة أحد خدمه، ويدعى عثمان فجاءني إلى قسنطينة وسلمني رسالة من كامل هذا نصها: ((بمجرد ما وصلت إلى مقام مولانا الملك، فضحت لجلالته جميع الاتهامات المغرضة التي وجهها ضدكم مصطفى باي تونس. وان السلطان يطلب منكم ان تتسلحوا دائما بالصبر، وعما قريب سيبرم صلحا لفائدتكم، وإذا لم يكن النجاح كما يتمناه، فإنه سيقرر، عندها، نجدتكم بقوات معتبرة. فلا تخفوا عنه شيئا من أمركم، وإذا كنتم تريدون

стр. 34

ابلاغه معلومات هامة، فافعلوا ذلك بواسطة سي الطاهر باشا الموجود في طرابلس، والذي يجب أن تبعث جميع مراسلاتك عن طريقه.» (٢٨) ٧ وهنا يجب أن أذكر، بحسب ترتيب الأحداث، أنذارا من الله أنبأني بالمصائب التي سأتعرض لها في مستقبل قريب. لقد كنا في منزل الربيع عندما أصاب قسنطينة مرض مريع، هو الريح الأصفر (الكوليرا) الذي أطلق عليه اسم ((واف)) (٢٩). وهو مرض كان يجعل من الرجل الصحيح، في لحظة، جثة هامدة وقد ظل يخرب مدينة قسنطينة مدة ١٧ يوما. مات في اليوم الأول ٢٢٠ شخصا من جملتهم ٢٢ جنزية من منزلي. وفي اليوم الثاني بلغ عدد الضحايا ٦٠٠ ثم ٧٠٠ في اليوم الثالث. وبعد ذلك صار الوبأ في نقصان إلى أن زال نهائيا في اليوم السابع عشر. ولم ينتشر في قسنطينة وحدها، وإنما بلغت الوفيات في جميع القبائل

стр. 35

درجة جعلتنا نعتقد أن عزرائيل ناقم عن بلدنا. لقد كان هناك معسكر، وعندما رأى مكونوه ان عددهم لم يعد كافيا لدفن الجثث فروا متفرقين. ولقد شهدت حادثة أثرت في تأثيرا عميقا، وخلاصتها أن طفلين كانا يلعبان على ركبتي، وفجأة شحبا ولم تمرر إلا لحظات حتى لم يبق بين ذراعي سوى جثثين هامدتين. ووقعت بدوري مريضا ولم أنج إلا برعاية خاصة من الله. وأقيمت الصلوات في جميع المساجد فحن الله علينا، وكما ذكرت، توقف الموت عن انتهائنا في اليوم السابع عشر. لن أتكلم عن الحملات المتعددة التي أمرت بشنها، أثناء السنوات التي عقبت احتلال عنابة (٣٠)، على قبائل الصحراء وقبائل وادي مغير التي لجأ إليها فرحات بن السعيد، والتي ظل يشعل فيها نيران الثورة ضدي، حتى أن الضرائب أصبحت في هذه الناحية، لا تدفع إلا قهرا. وكان على شيخ توقرت أن يتوب مرات عديدة. غير أن هذه الأعمال لم تهدد، قط، سلطتي: إذ أن الحرب هي عادة الأعراب وأن الذي يريد حكمهم قد يتحتم عليه إبقاءها

стр. 36

بينهم، والتحريض على المنافسات بين القبائل المختلفة الأصول والأجناس. أما أوضاع السلم، فإنها تقارب بين العرب وتوحدهم حول غرض واحد. وهذه حالة لا ينبغي أن يطمئن إليها من كان يريد السيطرة عليهم إذ قد تأتي ظروف يتحد فيها هؤلاء الرجال كالأخوة، ويجدون أنفسهم منظمين للقيام بالثورة. وعلى العكس، فإذا وجدت الحرب أو العداوات بينهم، فإن من يريد حكمهم يكون دائما متأكدا من إيجاد الأنصار. ومن المعلوم أن الحرب بين القبائل تخرب البلاد وتسهل السيطرة على من كانوا بعيدين عن السلطة، خاصة إذا لم تكن لهذه الأخيرة جيوش كبيرة أو حاميات متعددة في الحصون تنفذ أوامرها. ٨ إن الذي شغل بالنا، بعد الكوليرا، هو رجوع يوسف المملوك إلى عنابة. لقد كان غادر هذه المحلة التي رأيناه ينزل فيها للمرة الأولى، ليتبع الفرنسيين إلى الغرب. وعندما عاد شرع يوزع كمية من الرسائل على سكان المقاطعة تقول لهم فيها: أقبلوا علي، إنني مسلم مثلكم، جئت أخلصكم من الاحتلال الفرنسي ومن طغيان أحمد الذي يضطهدكم. إنني لم آت إلى هنا إلا لأساعدكم على

стр. 37

إبادة جميع الفرنسيين، وللقضاء على وجودهم. اجعلوني على رأسكم وسوف ترون أنني أعرف كيف أنجز مشروعي)). لقد قرأت عددا من هذه الرسائل التي وجهها لي حسناوي الذي كان موجودا بعنابة. وتبعا لما أوصيت به من أخطار السلطان بكل ما يجد في المقاطعة، أرسلتها إلى الوزير رشيد باشا في القسطنطينية، ولا أدري إذا كانت هذه الرسائل عرضت على السلطان أم لا، ولكنني أجزم بأن سي حمدان، الذي كان في القسطنطينية آنذاك، قد كلف بترجمتها إلى التركية. واستولى الفضول على العرب الذين اتصلوا برسائل يوسف، فأرادوا أن يعرفوه ويختبروا دينه. ولذلك بعثوا إليه جماعة منهم تستوضح الأمر (٣١) فاستقبلهم يوسف بحفاوة، وليؤكد لهم صحة إسلامه أدى أمامهم الشهادتين وردد مرارا: ((لا إلاه إلا الله محمد رسول الله)). ثم كرر لهم ما كان قد ضمنه رسائله، من أنه لم يأت إلى البلاد إلا ليطرد الفرنسيين منه.

стр. 38

ولا تنور بدوري واستفسر عما يقوله يوسف، أرسلت له ابن شيخ وادي زناتي. فقصده هذا الشاب إلى عنابة بإذن مني وأحاط سفره بغموض كبير وتقابل معه مدة طويلة دارت فيها المناقشة حول كل ما ورد في رسائل يوسف. والظاهر أن هذا الأخير أعجب بحديث الرسول الفتى، ولاكتساب ثقته أهداه بندقية جميلة لم يحتفظ بها وإنما حملها إلي. بعد ذلك وجه له ابن الشيخ السؤال التالي: ((في أية فترة تريدون تنفيذ ما وعدتمونا أن تقوموا به إزاء الفرنسيين وأجاب يوسف بأنه لا يستطيع تحديد ذلك ((لأنني ما زلت في حاجة إليهم، ولكنكم سترون فيما بعد كيف أنفذ وعودي.)) لقد كنت وما زلت مقتنعا بأن كل ما كتبه عن مشاريعه ضد الفرنسيين، لم يكن سوى لمغالطة العرب، وتأكد لي ذلك، خاصة، عندما رأيت أن نفس يوسف هذا طفق ليكون لنفسه حزبا في المقاطعة، ينشر عن حياته الماضية أقاصيص كاذبة تبين للجميع فيما بعد أنها لا تعتمد على أي أساس من الصحة. وهكذا أراد أن يقدم نفسه كأخ لأحمد باي المملوك باي

стр. 39

قسنطينة السابق. ولكنه تبين أن أحمد باي كان جورجي المولد بينما يوسف يهوديا من يهودي إيطاليا المرتدين. لقد علمت بهذه التفاصيل من أحد رفقائه القدماء، المسمى سليم الذي قضى معه سنوات طويلة عند سليمان كاهية تونس، حيث كانا مملوكين. فلم يخدم إذن، سوى باش مملوك باي تونس. وذات يوم فر يوسف وسليم بعد أن ارتكبا عملا إجراميا إزاء سيدهما. فقصد يوسف الفرنسيين، بينما جاء سليم إلي فاستقبلته بحفاوة وقلدته منصب قائد الشعير ليكتسب عيشه وكثيرا ما كان يقص علي النوادر المذكورة، وإنه لمن حقي أن أثق به، خاصة وأن الرجل ظل وفيا لي عندما سلطت علي المصائب، فتبعني إلى المنفى. ولما أذنت له بالانسحاب كتب إلى سيده ليعفو عنه، ولكن سيده كان قد نقله ربه إلى جواره. ومع ذلك رجع سليم إلى تونس وهو اليوم يشغل منصبا ممتازا في جيش الباي أحمد، وفي استطاعة كل واحد أن يسأله أنه هو الذي أخبرني بأن يوسف كان يهوديا، وذلك في الظروف التالية: التقيت به عندما علمت ما كان يجري في عنابة فقلت له: ((يا سليم ألا يتركني أخوك أنا وشأني - أيها السلطان،

стр. 40

كيف يمكن أن يكون هذا الرجل أخي. ولدت في الشركس من أبوين مسلمين، وولد يوسف في إيطاليا من أبوين يهوديين.)) وبعد كل هذا تعجبت كثيرا من مساعدة الفرنييين له. وفهمت جيدا أن كل أقواله عن طردهم، لم تكن سوى نتيجة اتفاق بينهم. ولكن الذي لم أستطع أن أتصوره هو إعطاء السلطة لرجل ليس له أي تأثير في البلاد. وبالفعل، فلكي يكون للمرء نفوذ يجب أن تكون له ثروة عظيمة ومواهب كبيرة، وان يكون عالما وشجاعا ومن أسرة نبيلة جليلة، ويوسف لا يملك أي شيء من هذه العناوين كلها. وان الذين لم يكن لهم أي كره ضد الفرنسيين يسخطون عليهم عندما يرونهم يريدون أن ينصبوا على رأسهم رجلا عرف في تونس كأبسط ما يكون. وان هذا السخط ليزداد عندما نعلم انه أحاط نفسه بأناس انقضوا على المقاطعة ليستحوذوا على المناصب وأعني بهؤلاء الناس القائد سليان بن زكري (٣٢) وغيره.
следующие страницы →