وفرحات بن سعيد هذا الذي أتيحت لي فرصة التكلم عنه بعد، والذي تسبب عدوانه في تغيير مشاريعي، كان عدوا ومنافسا لبوعزيز الذي خلفه في منصب شيخ العرب.
فظل يبحث عن جميع الوسائل لقلبه ولاسترجاع النفوذ الذي كان له في السابق. ولذلك كان قد اتحد مع إبراهيم، وعندما انهزم هذا الأخير اتصل بجميع الذين يريدون تشويش البلاد. فكتب إلى عبد القادر والي الفرنسيين.
وأملا منه في أن يكون حظ الفرنسيين أحسن في هذه المرة على الرغم من هزيمتهم الأولى رأيناه يتقدم نحو قسنطينة. ولكنه لم يستعجل وبقي ينتظر على من تدور الدوائر. ولو
أن الفرنسيين غلبوا لكان من المحتمل أن ينضم إلينا ويطالب بجائزة. غير أننى أريد أن أنصف فرحات فأقول: إنه رجل بارود وصاحب ذراع. ولقد حاربني مدة سبع سنوات.
فكان في المعركة يقابل مائة وحده ويعتبر بوعزبز، إلى جانبه، امرأة)).
وبعد أن صممنا الذهاب إلى الصحراء توجهنا إلى الجنوب. وكان ذلك بعد احتلال قسنطينة بيومين. وعندما كنت في المكان المسمى الأصنام حمل إلي أحد الفرسان العرب رسالة من الجنرال. قائد الفرنسيين. لقد كانت
стр. 72
قصيرة وتحتوي على العبارات التالية: ((تعالوا اطلبوا الأمان واستسلموا سريا سنبعثكم إلى فرسا)). كان هذا هو العرض الوحيد الذي قدم لي، ولم أكن قادرا على قبوله فأجبت بالرفض. وبعد ذلك بثلاثة أيام جاءني شخصان آخران هما ابن العطار من قسنطينة والحاج الباي من عنابة. فرددا علي نفس العبارات مضيفين بأن أيدي فرنسا ممتدة إلى جميع الأنحاء وأن لا مفر من الاستسلام بدون شرط. (٥٣) وفي هذه المرة أضافا بأن الفرنسيين سيعاملونني بالإكرام الذي تتسم به هذه الأمة العظيمة، فأجبت بأنني: ((أريد أن أستسلم، ولكن لا أحب أن يفرض علي الذهاب إلى فرنسا، يجب أن يترك لي الأمر في أن أتوجه إلى بلد إسلامي أو إلى بيت الله)). وعندما أبديت هذه الرغبة قال لي بوعزيز: ((ماذا تفعل أتريد أن تنكث عهدا ضربته على نفسك ? ألم تقل أنك ستصطحبنا إلى الصحراء؟ فلا تقبل هذا الاقتراح، إذن. وضرب الله مرة أخرى، على بصري غشاوة فأجبت المرسلين بالرفض المطلق.
стр. 73
وقبل احتلال قسنطينة بمدة قصيرة، كان الحاج عبد القادر قد كتب إلى العرب يخبرهم بأنه أبرم الصلح مع الفرنسيين الذين اعترفوا بسيادته على كامل أنحاء البلاد، وعليه يطلب منهم أن يتخلصوا من سلطاني ويدخلوا في طاعته. ((وإذا لم تفعلوا ذلك، فإنني أثير عليكم الفرنسيين وفي وقت وجيز ستسحقكم قواتي وقواتهم)). ولم يكن لهذه الرسائل تأثير كبير على عرب قسنطينة، ولم يستجب لعبد القادر غير فرحات بن سعيد الذي كان يعمل على استغلال جميع الفرص التي من شأنها أن تخدم مشاريعه ضد بوعزيز بن قانة. وتعين خليفة لعبد القادر في الصحراء وأعطاه هذا الأخير رسائل اعتماد. ولكنه قبل التورط معه كليا واستعمال تلك الرسائل، عزم فرحات على الذهاب إلى ناحية قسنطينة التي تكون مسرحا لكثير من الأمور الهامة، وكما ذكرت، عمل على أن لا يصل إليها إلا عندما يتم النصر لواحد من الطرفين.
وبالفعل، فإنه لم يصل إلا بعد مرور سبعة أيام على السلم، ولما رأى أنني متجه إلى الصحراء حاول أن ينضم إلى الفرنسيين وعرض عليهم اقتراحات فيما يخص التحالف. فطلب أن يعترفوا به كشيخ للعرب وأن يمدوه بالجيوش
стр. 74
ليحاربني ويحارب بوعزيز، وقال لهم: انظروا، إنني أتصرف في سبعة نجوع من العرب بينما لم يبق مع بوعزيز سوى نجع واحد. وإذا أعطيتموني جيوشا، فإنني سأنتهي معه وآتيكم برأس الباي أحمد)). ولكن - أجابه الفرنسيون - كيف تطلب المعونة وأنت تزعم أنه لم يبق مع ابن قانة سوى نجع واحد وأنت تتصرف في سبة. فاذهب إليه، إذن بكل ثقة، وعندما تهزمه وتبرهن له على قوة فرنسا، فإننا نعطيك أكثر مما تطلب. أما الآن، فلا تعتمد كثيرا على الجيوش الفرنسية)). امتثل فرحات لهذا القول ولاحقني، وبعد ذلك بأيام كان لقاء خالد بيننا ونصرني الله عليه نصرا مبينا. ثم واصلت طريقي إلى الصحراء، وفي منعطف من منعطفات الطريق وجد جنودي أنفسهم وجها لوجه مع جنود فرحات الذين جاوءا يقطعون سبيلي معتقدين أنهم أسروني. غير أنني، وبدون أدنى تردد، أمرت فرساني أن يحملوا ويكسروا الحواجز التي تعترضنا.
ودارت المعركة حامية الوطيس، فسالت الدماء من كل جانب وفقد فرحات ما يزيد عن ثلاثمائة من أجناده ما بين جريح وقتيل. وهكذا تخلصت من فرحات الذي اضطر، على الرغم من الشجاعة التي أبداها، إلى الفرار تاركا في حوزتي كل ما كان يملك. ولجأ إلى بلاد سوف بين الجريد وتوقرت.
стр. 75
١٥
وعندما وصلت إلى مكان يكاد يكون آمنا، كتبت إلى السلطان محمود أعلمه بكل ما جرى. ولم أستطع الإحجام عن رفع شكاوي شديدة اللهجة من الإهمال الذي تركت فيه فقلت: ((انظروا، إنني رفضت التفاوض مع الفرنسيين وظللت أنتظر النجدات التي وعدتموني بها. إنني لم أفعل شيئا دون استشارتكم والعمل بنصائحكم، وها أنا الآن طردت من قسنطينة وأصبحت أتجول بين الأعراب. هل هذا هو جزاء ثقتي بكم وهل نفذتم ما وعدتموني به منذ سبع سنوات أليست طاعتي إليكم هي التي قادتني إلى هذا الوضع المؤلم وهل تتركونني على ما أنا عليه. إنني أخبرتكم وعليكم أن تفعلوا ما تريدون)).
وفي هذه المرة بعثت رسالة عن طريق تونس، وكانت مصحوبة بأخرى إلى الباي الذي استقبل رسولي بكل حفاوة وإكرام وخصه بالضيافة اللائقة. ومما لا شك فيه أن تصرف الباي هذا لم يكن نتيجة حبه لي، لأننا كنا تعادينا عدة مرات أثناء ولايتي: عندما احتجز الإعانة التي أرسلت إلي وفي كثير من المناسبات الأخرى التي يبدي فيها غيرته من سلطاني. ولكن سبب الاستقبال الظاهري الذي خص
стр. 76
به رسولي هو أنه كان ينوي الاستقلال عن القسطنطينية ويخشى أن يدعوني الباب العالي لاستبداله. وقد كان من السهل علي في ذلك الوقت أن أثير البلد. وهكذا، فإن الباي أجابني على الفور وقال بأنه ما علي إلا أن ألجأ إلى تونس حيث يستقبلني كأخ شقيق، إذا لم أعد أجد الأمن في بلادي فشكرته على حسن عواطفه ثم رفضت كل ما عرضه علي شخصيا واكتفيت بأن أوصيته خيرا بأعواني.
وبعد ذلك قصدت المكان المسمى بوحصيف في حدود التل، وكان جميع العرب التابعين لي قد تعرضوا لخسائر فادحة جعلتهم يعيشون في تقشف كبير. وعندما علموا بأن القموح تباع، في إيالة تونس، بأسعار موافقة، طلبوا مني أن أكتب إلى الباي ليسمح لهم بشراء ما يحتاجون إليه من مؤن. ولما كتبت، أعطى الباي في الحين، أمرا يسمح لهم بذلك ويعطيهم الأولوية على غيرهم. وفي الإجابة عن هذا الموضوع، ألح الباي من جديد علي أن أتوجه لولايته.
ويؤسفني أن أقول هنا بأن الرجال الذين ذهبوا إلى تونس لم يتصرفوا كما ينبغي. لقد اتبعوا نصيحة مفسدة أعطاهم إياها بوعزيز بن قانة. فنسوا أنهم لم يكونوا سوى ضيوف على هذا البلد وأنهم فيه محظوظون ومخصصون
стр. 77
بالأولوية، وراحوا ينتهكون واجبات الضيافة ويقومون بغزوة ضد زاوية عبد الكريم التي كانت مخزنا لحبوب كامل الشرق التونسي. وعلى إثر ذلك كتب لي كاهية الكاف يلومني على سلوك قومي، فأجبته بأنني مستعد للتعويض وأمرت بإجراء تحقيق حول قيمة المسروقات فوجدت أنها تبلغ ٨٠.٠٠٠ ريال تونسي. وكتب لي الكاهية من جديد يطلب مني أن ألزم المذنبين بدفع هذا المبلغ، ولكنني أخبرته بأنني لم أعد سوى حاكم مخلوع لا يملك أية سلطة تقريبا.
ولكي لا يقال بأن قومي اقترفوا عملا سيئا ولم أصلح الخطأ، اقترحت على الكاهية أن أدفع الثمن من خزينتي الخاصة. غير أن الكاهية أجاب بأنني لست مرغما على تقديم أي تعويض. ومع ذلك أخذت ٥٠.٠٠٠ ريال ووزعتها على المصابين. أما بوعزيز، فقد كانت نيته، عندما أعطى نصيحة في مثل ذلك الخبت، أن يثير علي باي تونس. لقد كان يريد الاجهاز علي لتأخذ ما كنت أملك. وبما أنه لم يكن رجلا شجاعا ليفعل ذلك علنا، فإنه يستعمل جميع الوسائل لبلوغ هدفه، ولقد كان ملهوفا على المال فضحى بكل شيء لإشباع رغباته ثم إني كنت رفضت في ذلك الوقت أن أنزل عند طلباته، والسبب في ذلك هو ما يلى: ((كان
стр. 78
عم الحسناوي، في القديم، هو شيخ قبيلة الحنانشة (٥٤) التي كنت مقيما عندها، ولأنه حاك مؤامرات ضدي، حكم عليه بالإعدام واستبدل برزقي الذي أبدى لي كثيرا من الإخلاص. ولإرضاء أسرة الحسناوي (٥٥) عينت هذا الأخير كاتبا للشيخ. ولكن حقده علي اضطره إلى التنازل عن منصبه، فلجأ إلى تونس أولا، ثم ذهب إلى يوسف في عنابة دون أن يقطع إطلاقا الرباط بيني وبينه. وذات يوم طلب من بوعزيز أن يعينه شيخا على الحنانشة في مكان رزقي، ولهذا الغرض قدم له مبلغا كبيرا من المال وعلى الفور استجاب بوعزيز إلى الطلب وجاء يرجوني أن أقوم بهذا التبديل.)) ولكنني - قلت له - كيف أثق في عدوي وكيف تريدني أن أخلع رزقي وقد كان دائما مخلصا لي. إن ما تشير به علي ليس من العدل في شيء.)) وقاومت طويلا، غير أنني كنت، في ذلك الوقت تقريبا تحت رحمة بوعزيز فاضطررت إلى القبول. فعين الحسناوي وابتعد رزقي عني.
لكنه عندما علم بسبب عزله قصد بن قانة، بدوره، ووعده
стр. 79
بالمال إن هو أرجعه إلى منصبه، وخوفا من أن أشك في تصرفاته قال له: ((اذهب إلى الباي أحمد واقترح عليه أن يتخلص من الحسناوي ويأمر بقتله ثم يعين صهرك محمد بن علي شيخا على الحنانشة، وسأكون كاتبا له ومستشارا.))
لم يتردد بوعزيز أمام هذا الاقتراح وجاء يطلب مني تحقيق المشروع، إنني استنكرت عليه ذلك بشدة وقلت له: ((كيف تشفع في عدوي وتعمل على تنصيبه ثم تأتيني، اليوم، تطلب قتله، وأنت تعلم أنه نزل ضيفا علينا واستقبلته في خيمتي، وإذا كنت قد عاقبت من خانني، فإنني لم أخن أحدا.)) واغتاظ بوعزيز لهذه الإجابة فأشار على القوم بأن يغزوا زاوية عبد الكريم ليعزلني عن سلطان تونس. ولما انتبه غادرني ورجع إلى الصحراء. أما أنا فقصدت الحراكته.
ومنذ ذلك الوقت استسلم بوعزيز إلى الفرنسيين (٥٦) ولكن بعد استشارتي. لقد كتب لي رسالة في هذا الموضوع يقول فيها: ((سأنضم إلى الفرنسيين وأكون لك وسيطا عندهم إن سمحت.)) غير أن ما جرى بيننا منعني من قبول
стр. 80
هذا العرض ومع ذلك فلم استنكر الاختيار الذي انتهى إليه. وهكذا تولى الحكم مكان فرحات، بيد أنه لم يمارس السلطة إلا بعد ذلك بكثير.
أما أنا، فبقيت عند الحراكته حوالي شهرين وبعد مرور عام على احتلال قسنطينة علمت أن الفرنسيين يعملون على تنظيم حملة ضدي، وخرج الجيش ثم تمركز على مقربة مني وأرسل إلي الجنرال الذي يقوده، يطلب مني الاستلام (٥٧) فأجبته كما سبق أن فعلت ذلك مرارا، بأنني كتبت إلى القسطنطينية، وإنني أنتظر الرد. وظننت أنني سأهاجم، فحولت معسكري ليلا، غير أن الفرنسيين لم يلاحقوني ورجعوا إلى قسنطينة.
وعلى إثر ذلك انسحبت إلى وادي ريغ حيث قضيت الشتاء، وفي الربيع خرج طابور من قسنطينة وتوجه إلى
стр. 81
المرتفعات. ولكنني، قبل التكلم عنه، يجب أن أسرد جميع المؤامرات التي دبرت ضدي في تلك الأثناء. إن الذي يفقد الملك يكون كالأسد الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة. ويصير
أولائك الذين كانوا يخشون النظر إليه في عهد عزه، كالطيور الكاسرة تنقض عليه لتقتلع قطعة عن لحمه.
١٦
علمت أن المسمى ولد يونس قد دبر خيانة ضدي بالتعاون مع أولاد سيدي يحي والزرالنه من رعايا تونس فكتب إلى القائد الفرنسي الذي كان في قسنطينة وقال له: ((أعطوني
٤٠.٠٠٠ دورو أوزعها على الأعراب وآتيكم برأس الحاج أحمد باي.)) ثم جاءني وذكر بأنه كتب إلى الجنرال حاكم قسنطينة: ودعونه إلى أن يخرج من المدينة مع جيوشه وطلبت منه ٤٠.٠٠٠ دورو. وعندما يخرج ننصب له كمينا ونأخذ طابوره بأكمله.)) وعندما سمعت هذا التعس يجرأ على التصريح بفمه، ويؤكد خطته الإجرامية التي كنت أعرفها من قبل، قدمته إلى المحكمة فحكم عليه وعلى ابنه بالإعدام، وعينت مكانه ابن أخته أحمد بن الزين. وبعد أيام قلائل توجه الجيش الفرنسي إلى الحراكته، فأرسلوا يستنجدون بي. وكنت في ذلك الوقت، مصابا بمرض شديد جعلني
стр. 82
أفكر في اللجوء إلى الجبل، ولكنني لم أستطع مقاومة دعائهم ولم تسمح لي نفسي بالتخلي عنهم وهم تعرضون للهلاك من أجلي. (٥٨)
ثم تغلبت على الألم وذهبت إليهم. غير أن الفرنسيين كانوا قد سبقوني وقاموا بغزوة مريعة تم فيها أسر عدد كبير من الحراكته وفر الباقون. فاضطررت إلى الانسحاب، ولكن الفرنسيين لم يلاحقونا فرجعنا إليهم من الغد واسترجعنا جزءا هاما من القطعان.
وبعد هذه الحملة رجعت إلى وادي ريغ حيث أقمت، ولم تمض إلا فترة حتى جاءني الشيخ مراد: شيخ الدرادة الذين هم من رعايا تونس، وقضى الليلة، كضيف عند أحمد بن الزين، ولكن هذا الأخير قام بالليل وسرق له من جبيرته خاتمه الذهبي ثم كتب إلى باي تونس يقول له: ((اعلموا أن الشيخ مراد جاء إلى هنا يقابل الباي أحمد على غير علم منكم ويتآمر ضدكم، والدليل على ذلك أني أبعث إليكم خاتمه الذي أخذته من جبيرته.)) وفي الغد جاءني
стр. 83
مراد يشتكي من السرقة التي تعرض لها، فاستعلمت وتحققت من خيانة ابن الزين الذي لم يكن له هدف غير إثارة غضب الباي علي. ولذلك ألقيت عليه القبض، وبعد التأكد من الخيانة تم الحكم عليه بالإعدام.
لم يكن هو الوحيد الذي تآمر ضدي، وقد كنت مرغما على أن أعاقب بشدة جميع الذين شاركوا معه ومن جملتهم الزرالمة. ثم مر عام وأنا مقيم في وادي ريغ، وذات يوم جاء
الزرالمة وأولاد يونس في قوة معتبرة يرعون أغنامهم على حد قولهم، ولكنهم أتوا في الواقع للقيام بخيانة وللانتقام وقد كنت أخبرت بمشاريعهم قبل ذلك بأيام. لقد جاؤوا عند غروب الشمس، وعندما هجمت عليهم وقتلت لهم ٢٥ رجلا فروا من ميدان المعركة، فلاحتهم ولكن بلا جدوى. ثم مر عام آخر دون أن يحدث شيء. وفي آخر السنة انتقلت من وادي ريغ إلى منطقة الحنانشة حيث، قضيت شهرين. وبعدهما توجهت إلى جبل أوراس أجمع أفراد أسرتي وجميع الأمتعة التي كنت أرسلتها إلى هناك أثناء احتلال قسنطينة.
стр. 84
وفي هذه الأثناء خرج إلي طابور فرنسي، ولكنه حينما علم أنني التجأت إلى الأوراس رجع إلى قسنطينة.
بقيت عاما في هذا الجبل، وذات يوم جاءني أولاد دراج يطلبون مني مصاحبتهم إلى الحضنة. فقلت لهم: ((إنني موافق ولكن ينبغي أن يتبعني جميع القوم.)) وهكذا انضموا إلي واستطعت أن أرغمهم على المسير ضد أحمد بن الحاج، خليفة الأمير عبد القادر الذي كان في بسكرة.
فهاجمناه وأخذت له، في أثناء المعركة التي دارت بيننا، ٣٠ بندقية وقتلت له ٤٠ من جنوده. والتجأ الباقون إلى داخل المدينة وأحكموا غلقها بحيث أنني لم أتمكن من الدخول إليها.
وكنت علمت أن أحمد بن الحاج كان يريد القيام بحملة ضدي، وذلك بالاتفاق مع أولاد دراج. غير أنني تصرفت بمهارة واستعملت ضده أولائك الذين أراد أن يسلحهم ضدي. وبعد هذه الحملة توجهنا إلى الحضنة (٥٩) حيث أقمت إلى أن جاءتني رسالة من مسعود شيخ ريغة (٦٠)
стр. 85
يخبرني فيها بأن طابورا خرج يطلبني من سطيف، وبأنه يجب أن أجمع أجنادي وأنضم إليه، فوزعت ٤٠٠٠ بوجو على فرساني والتحقت به.
وعندما التقينا بالطابور الفرنسي فقدت ستة من رجالي وتسعة أحصنة. ثم انفصلنا ودخلت إلى الحضنة حيث قضيت أربعة أشهر توجهت بعدها إلى أولاد سلطان وبقيت عندهم عاما ونصفا. وفي أثناء هذه الإقامة خرج من سطيف طابور ثان وتمركز عند أولاد علي فجمعت أولاد سلطان وسيرتهم إليه وقد دام القتال يومين ثم رجع الطابور إلى سطيف ولم أحضر المعركة. وبعد حوالي ثمانية أيام رجع الطابور ثانية فهاجمناه ولكن الفرنسيين تراجعوا في أعمالهم.
ولقد وقعت هاتان الحملتان في الفترة التي توجه فيها ابن الملك (٦١) إلى الصحراء بعد أن تعين على رأس مقاطعة قسنطينة. وعلى إثر هذه الحملة رجع إلى قسنطينة، حيث قضى بضعة أيام ثم سير ضدي قبائل الأعراب والتلية.
وكانت قواتي تتكون من ٧٠٠ فارس وجندي ومن أولاد سلطان، وبعد حين طوقتنا الجيوش الفرنسية والأعراب
стр. 86
الذين كانوا معها، فتقابلنا مدة يومين بكل شدة وضراوة حتى أنني أستطيع القول بأنها أدمى معركة حضرتها، حياتي، ويعلم الله كم معركة شاهدتها منذ طفولتي، وكان الفرنسيون قد شكلوا ستة طوابير ليصلوا إلى قمة الجبل:
ولكن نشاطنا كان متزايدا بحيث أنهم عندما وصلوا إلى منتصف المنحدر كررنا عليهم بشدة وعنف، فأرغمناهم على العدول عن خطتهم والرجوع إلى مركزهم.
وقد استفدنا في ذلك اليوم من الأمطار الغزيرة ومن الضباب الذي بلغ من الكثافة حتى أن الرجل أصبح لا يرى جاره. وكانت أضرارنا أخف من أضرار العدو لأننا كنا نعرف الميدان. وفي يوم السبت التالي عاد جيش الأعداء من جديد إلى الجبل وتمكن من التمركز في المكان المسمى بالبير قضى فيه ليلته ثم اجتاز الأوراس ودخل إلى باتنة حيث بات وتزود، وبعد أن لف بالجبل بحثا عن منحدرات أسهل، رجع ثالثة إلى الأوراس. وقد لاحظت أن هذه الهجومات الثلاثة وقعت في ظرف خمسة عشر يوما، ودائما في يوم الأربعاء. وفي المرة الثالثة عندما صعد الجيش الفرنسي كنت في مرض شديد قريببا من الموت، ولم ينقذني إلا إخلاص رجالي الذين حملوني على نعش كما يفعل
стр. 87
بالجثة. وعندما اشتد القتال وضعت في غابة كنت أسمع منها جميع الطلقات النارية. ولكم آلمني أنني لم أكن قادرا على المساهمة في معركة سببها مصالحي، وعز علي أن أبقى بعيدا عن الميدان، وعندما تغلب الجيش الفرنسي علينا، كنت على مقربة منه، لا تفصلني عنه سوى مسيرة ربع ساعة، ولما كان الليل، ورأيت أن الله لم ينصرني، حملني أنصاري ومررت بجانب الجيش الفرنسي فكنت أميز الحرس تمييزا كليا. وسرنا الليل كله متجهين غرب البير. وفي الصباح اكتشف الأعداء آثارنا فلاحقونا. ثم حملت إلى جبل متليلي حيث أقمنا ليلة ونهارا. وفي الغد توجهنا إلى الدايا. وأثناء هذه الفترة كلها كان المرض قد اشتد بي إلى درجة أنني لم أكن قادرا لا على السير ولا على ركوب الخيل بل قطعت المسافة في نعش يحمله أعواني المخلصون على أكتافهم.
وبعد إقامة قصيرة في الدايا , قصدنا بني فراج، وعندما وصلنا إليهم قضينا الليلة عندهم وفي اليوم التالي دخلت إلى قريهم حيث مكثت بضعة أيام. ثم ذهبت إلى المنعة (٦٢) إلى منزل ابن العباس فجمعت أمتعتي وأفراد أسرتي: ولا
стр. 88
أظنني في حاجة إلى القول بأنني فقدت كل ما أملك أثناء هذا الفرار. أمتعتي، أوراقي، خيامي، كل ذلك تقريبا وقع في حوزة العدو. لقد كنت شديد المرض، فلم أتمكن من اتخاذ أي نوع من الإجراءات وكان المصاب عظيما.
وأقمت في المنعة مدة عام تقريبا. وفي تلك الأثناء وجهت حملة ضد سكان وادي عبدي. (٦٣) وعندما اقترب الطابور منهم بعث إليهم الجنرال يدعوهم إلى الاستسلام، لكنهم رفضوا الدعوة بشدة وأوفدوا يطلبون معونتي، فجمعت كل من كان حولي وانضممت إليهم. ولما وصلت رأيت أنهم لم يستعدوا للمعركة، وأنهم كانوا مختلفين فيما بينهم. فقلت لهم: ((إنني لا أستطيع أن أحارب معكم، ولا أريد أن أعرض نفسي إلى هزيمة وأن نصيحتي إليكم هي أن تستسلموا وتقولوا للجنرال أنكم تقبلون عروضه.
وأنها لنصيحة أملتها علي مصالحكم. أما أنا فإنني أترككم)) ولكنهم أجابوني قائلين: ((هذا مستحيل إننا لن نستسلم لأحد، بل سنحارب ولن نترككم تنصرفون.)) وأحسست في داخل نفسي أن من الخزي والعار أن أتركهم، فبقيت إلى اليوم الذي وقعت فيه المعركة. ولكنهم، عند احتدام
стр. 89
القتال، تخاذلوا وفروا إلى جهات مختلفة ورجعت إلى المنعة. أما الفرنسيون فواصلوا سيرهم لينقضوا على التوابة وبني سليمان (٦٤) ثم توقفوا في المكان المسمى بالمدينة.
وقد صادف أن أحمد بن الحاج (٦٥)، خليفة عبد القادر، كان متمركزا بجيشه عند التوابة. وحينما علم بقدوم الفرنسيين ارتحل وفر إلى بلاد السوف. وبعد ملاحقة دامت بضعة أيام رجع الفرنسيون إلى المدينة حيث استراحوا في هيئتين توجهت إحداهما إلى قرى التوابة، وسارت الثانية مع الوادي. ولما تعرضت الفرقة الأولى إلى هجوم التوابة سارعت إليها الثانية دون أن يراها أحد وعندما وجد التوابة أنفسهم بين نارين تأكدوا من أنه لم يبق لهم سوى الاستسلام فطلبوا الأمان، ولما رأيت كل ما جرى، غادرت المنعة وتسلقت جبل أحمر خدو (٦٦).
стр. 90
وترك الجيش الفرنسي أولاد عبدي إلى بيت ابن العباس حيث كنت مقيما. وبعد الاستقصاء علم الفرنسيون أنني في جبل أحمر خدو. فاستراحوا بضعة أيام ثم انقسموا إلى فرقتين توجهت إحداهما إلى بني فارح ثم إلى باتنة.
ورجعت الثانية إلى المدينة تلاحق أحمد بن الحاج، وظلت تطارده إلى أن وصلت مكانا يقع بين الخنقة والتوابة، وهو مكان لا توجد فيه مياه. ولذلك تعذب الجيش كثيرا ومات عطشا عدد كير من الجنود. ثم قصدت الفرقة الخنقة ومنها توجهت إلى جبل العمامرة. وهنا تفرق الأجناد ورجعوا إلى ثكناتهم. أما الأمتعة التي بقيت في المدينة، فإنها حملت إلى قسنطينة بواسطة العربي بن ضياف.
١٨
أما أنا فقد استقريت في جبل أحمر خدو وقضيت فيه حوالي عامين. وذات يوم كتب لي القائد الفرنسي في بسكرة يقول بأن من المستحسن أن نضع حدا للعداوة القائمة بيننا.
وتبادلنا عدة رسائل أدركت على إثرها أن السلم محبب عند الله وارتحت إلى الاقتراح.
ثم كتب لي قائد باتنة في نفس الاتجاه ووعدني باستقبال صادق وبالأمان، كما ذكر بأنه سيحبب لي سلطان فرنسا
стр. 91
التي تعيد إلي أملاكي ومكتسباتي، وامتلأت نفسي حبورا لهذا الوضع الجديد كما أنني كتبت عددا من المراسلات في هذا الصدد.
وبعد ذلك بأيام قليلة خرج قائد باتنة في طابور معتبر وقصد بني وجانة. فأرسلت إليه أحد أعواني المخلصين، وهو الوحيد الذي رضيت باستعماله في مفاوضات بمثل هذه الأهمية. ولكنه أصيب بمرض خطير، ولكي لا أطلع شخصا آخر على سر استسلامي إلى الفرنسيين، انتظرت شفاءه لمواصلة المساعي التي كنت بدأتها. ولقد كان من اللازم أن أكتم السر، لأن العرب ما كانوا يتركونني أنفذ مشروعي ولربما اغتنموا هذه الفرصة للإجهاز علي.
وهكذا أرسلت إلى حاكم باتنة من كان يحظى بكامل ثقتي، وطلبت منه أن يبعث لي رجلا يمكن أن أتفاوض معه بصفة نهائية، وأن يبلغني ما يريده بالضبط. وبعد يومين جاءني الرسول وسرني كلامه. ثم أفهمته بأنه ينبغي المحافظة على السرية الكاملة، وأن ترسل جيوش تحاصرني من كل جهة حتى لا تبقى فكرة المقاومة عند العرب. وعلى إثر ذلك انسحب ليعود بعد التشاور مع من أرسله، وقد ارتحت
стр. 92
كل الارتياح عندما رأيت أن اقتراحاتي قد قبلت وفي سرية مطلقة أمرت بالاستعداد للرحيل. فاستعدت أسرتي وتوجهت شخصيا إلى مكان عين لي مسبقا، وكنت أعلم أنني التقي فيه بقائد باتنة الذي جاء على رأس جيش عرمرم. (٦٧)
وبالفعل لقد وجدته، وبمجرد ما وصلت أسرع إلي واستقبلني بحفاوة. ثم كرر الوعود التي كانت قد أعطيت لي، والتي دفعتني إلى الاستسلام، وهي استرجاع أملاكي ومكتسباتي الخاصة، والسماح لي بالذهاب، تحت رعاية فرنسا، إلى أرض أسلامية. ولو أنني لم أثق كل الثقة في تنفيذ هذه الاتفاقيات لهربت، وقد كان في وسعي أن أفعل ذلك بكل سهولة. وعليه، فإنني جئت إلى الفرنسيين راضيا تحدوني إرادة صادقة في وضع حد للحرب الطويلة التي ظلت قائمة بيني وبينهم، وذلك بإبرام اتفاق متين وأمان مشرف.
لم تدم المقابلة الأولى مع قائد باتنة إلا فترة وجيزة
стр. 93
توجهنا بعدها إلى بسكرة حيث استقبلت بحفاوة وامتياز محاطا بالاحترام والتبجيل. وأقمت هناك ثلاثة أيام أتمتع بنفس الاستقبال ثم ذهبنا إلى باتنة، وقد اجتهد القائد في أن يسعد أوقاتي التي أقضيها معه. ووعدني، باسم فرنسا، الصدق والأمان وتحقيق ما أصبو إليه. لقد أمضينا يومين معه وفي اليوم الثالث أخذنا الطريق إلى قسنطينة.
وفي أثناء الطريق استحوذت علي أفكار متعددة: إنني أذهب بلا أملاك ولا قوة إلى المدينة التي رأتني سيدا في أوج عزتي وحيث مارست سلطة السيادة. ولكن الله كيف نفسي وتجلت إرادته. وأي إنسان يستطيع الإفلات من أيدي القدر فسبحان الله وجل جلاله.
وعندما اقتربنا من قسنطينة خرج أكابر المقاطعة لاستقبالي. وما لا شك فيه أنهم أحسوا بالشعور الذي كان يغمرني، فأسرعوا للتخفيف مما كان يثقل كاهلي وذلك عندما جاؤوا بعدد من الفرسان توسطتهم ودخلت إلى المدينة.
وهناك أيضا، حظيت باستقبال رائع، وأن سكان قسنطينة لم ينسوا أبدا بايهم القديم، ومن الواجب علي أن
стр. 94
أذكر هنا، وكلي عرفان بالجميل، إنني أثناء الفترة التي قضيتها في المنفى، اتصلت من جميع السكان - فقراء كانوا أم أغنياء - بتذكار خالد: فبعضهم أرسل لي الملابس والأغذية والعسل والزبد والفواكه، والبعض الآخر بعث لي، وفقا لثروته، عددا من منتوجات مصانعهم كالأحذية والجزامى والتلاليس وغيرها ... وقد قام الجميع بإنجاز ما كانوا يعتبرونه واجبا نحو ملكهم، وأن عددا منهم كان يرسل لي ما أحتاج إليه (٦٨).
لم نبق في قسنطينة إلا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذنا طريقنا إلى سكيكدة حيث استقبلت بحفاوة بالغة.
وانتظرنا فيها يومين قدوم المركب البخاري الذي أقلني إلى مدينة الجزائر. وقد أولانا قائد هذه الباخرة - أنا وجميع أفراد أسرتي الذين اصطحبوني - كل عناية ورعاية. وبعد إبحار دام يومين وصلنا إلى ميناء الجزائر، وكان ذلك يوم الثلاثاء ١٧ رجب سنة ١٢٦٤. وفي هذه المدينة، أيضا (٦٨) - إن السلطات العسكرية المحلية لم تفهم هذا الشعور، وراحت تلقي القبض على من أظهروا عطفهم على بايهم القديم، وقد أشار مدير الشؤون العربية إلى المغالاة في التشدد، وذلك في رسالة كتبها إلى وزير الداخلية يوم ٧ جوان ١٨٤٨.
стр. 95
استقبلت بامتياز، وخصصوا لي دارا استطعت أن أسكن فيها مع أسرتي وخدمي (٦٩) ثم قدمت إلى الوالي العام الذي أسمعني، باسم فرنسا، عبارات في مستوى هذه الأمة العظيمة أعزها الله لأنها تستحق ذلك.
وإني الآن، أنتظر إنجاز الوعود التي أعطيت لي، وكلي ثقة في الله وخضوع لإرادته (٧٠).