← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13571

الإرشاد إلى سبيل الرشاد

أبو علي بن أبي موسى الهاشمي

Полный текст (548 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ونهى عن كسب الحجام وقال: هو شر كسب. قال: ولا يأكله؛ لأن النبي ﷺ قال له: " لا تأكله, واعلفه الناضح ". ولو استأجر دابة عشرة أيام بأجرة معلومة, فقال ربها للمستأجر: إن حبستها فعليك بكل يوم درهم. كان جائزًا.

стр. 212

باب الشركة قال: ولا بأس بشركة الأبدان, وإن لم يكن لهم مال, كالصيادين والنقالين والحمالين, ونحو هذا. قد اشترك عمار وسعد وابن مسعود يوم بدر بأبدانهم, فجاء سعد بأسيرين, ولم يأتِ عمار ولا ابن مسعود بشيء, فكانوا شركاء. فشركة الأبدان جائزة, عملا في موضع واحد أو في مواضع متفرقة. وشركة الأموال جائزة, اختلف المالان أو تساويا, عملا جميعا أو أحدهما, والربح على ما اصطلحا عليه. والوضيعة على قدر رؤوس الأموال. ولو اشترك رجلان: أحدهما بماله والآخر ببدنه كان جائزًا, والربح على ما اصطلحا عليه, والوضيعة على المال دون البدن. ولا ضمان على الشريك إلا أن يخون أو يخالف أو يتعدى. ولا يجوز لأحد الشريكين مشاركة ثالث بغير إذن شريكه. ولو استدان أحد الشريكين بغير إذن صاحبه لم يلزم شريكه, إلا أن يكون جُعل له في أصل عقد الشركة. أو قال كل واحد منهما لصاحبه: ما استدنت فعلي. فيلزمه ما استدان شريكه. وشركةُ المفاوضة جائزة. والشركة بالعُروض باطلة في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: هي جائزة.

стр. 213

ومتى افترق الشريكان وبينهما في الشركة عين ودين, فاقتسما بالعين جاز. فإن اقتسما بالدين على الغرماء, فقال أحدهما: ما على فلان لك, وما على فلان علي, وتراضيا بذلك, لم يجز, وكان يُبض من الدين بينهما, وما يَتْوى منه فمنهما. ولو اشترك رجلان: أحدهما بماله والآخر ببدنه, واتنفقا على أن الربح بينهما نصفين, ثم عملا فلم يربحا, فلا شيء لصاحب البدن, ولا أجرة له فيما عمل. ولو اشتركا بماليهما, وجاء كل واحد منهما بمئة درهم, ولم يخلطاها بعد عقد الشركة بينهما حتى ذهب أحد المالين, كان منهما؛ لأن الشركة بالأقوال عنده, خلطا المالين أو لم يخلطاهما. ولو اشترك رجلان, فجاء أحدهما بخمسين دينارا, وجاء الآخر بألف درهم, فاشتريا بالعين خاصة جارية فهلكت, فمن ماليهما, إذا كانا ابتاعاها للشركة. وإذا استرك رجلان: أحدهما بعين, والآخر بقيمة العين ورِقا جاز. فإذا افترقا رجع كل واحد منهما بمثل رأس ماله من العين والورق. ولو اشترى رجل متاعا, فقال لرجل: يا فلان, أنت شريكي في نصفه. وقبل الشريك ذلك, جاز, ونصف الربح للشريك, والوضيعة على رب المال خاصة. وكذلك لو قال رجل لرجل: ابتع متاعا كذا وكذا أنا شريكك. فقال: نعم. وابتاع المتاع, جاز, والربح بينهما على ما اصطلحا, والوضيعة على المال. قال: ولو اصطلحا على أن الربح بينهما, والوضيعة عليهما نصفين, لم يجز, وكان الربح بينهما على ما اصطلحا عليه, والوضيعة من المال دون البدن. فإن اشتركا على أن لأحدهما النصف وزيادة عشرة دراهم لم يجز, ولكن يقول: الثلث, الربع, الثلثان. فأما أن يعين دراهم معلومة فلا يجوز؛ لأنه يجوز أن لا يربحا قدر ما سمَّيا من الدراهم.

стр. 214

قال: ولو كانا شريكين في زرع, لم يكن لأحدهما أن يأخذ شيئًا من السنبل فيفركه ويأكله إلا بإذن شريكه. ولو اشترك رجلان ولأحدهما حانوت أو خان فعملا فيه, ولم يشترط صاحب الحانوت أن له أجرة لحانوته, لم يكن له على شريكه أجرة لمدة عملهما في الحانوت, إلا أن يشترط عليه الكراء, فيلزمه. وليس لأحد الشريكين أن ينفق أكثر من نفقة شريكه, فإن احتاج إلى ذلك استأذنه في قدر معلوم من الزيادة على ما يأخذ شريكه. وإن اتفقا على شيء معلوم من النفقة لكل واحد منهما كان أحوط. ولو عمل أحد الشريكين في الشركة عملا ببدنه لو عمله غيره استحق عليه أجرا, ولم يكن اشترط على شريكه أن له أجر ما يعمله, لم يكن له أجرة لما عمل. واختلف قوله إذا كان أحد الشريكين أبصر بالتجارة وأقوم بالعمل, فقال: أنا أعمل ببدني, وآخذ أجرًا لعملي. واشترط على الشريك ذلك, هل له أن يأخذ أجر ما يعمله وسطا أم لا؟ على روايتين؛ أوجب له ذلك في إحداهما مع الاشتراط. وقال في الأخرى: لا يعجبني أن يأخذ أجرًا وهو شريك. ولو باع الشريكان أحدهما قبل الآخر, كان البيع بيع الأول منهما. ولو باع أحد الشريكين جميع السلعة, جاز بيع حقه منها بحصته من الثمن في إحدى الروايتين, وفي الأخرى قال: بيعه باطل في الجميع, إلا أن يكون مأذونا له, فيصح بيعه في حقه وحق شريكه. ولو كان لهما على رجل دين فأخَّره أحدهما دون الآخر, جاز تأخيره في قدر حقه. وقيل: يجوز تأخيره في حقه وحق شريكه, إلا أن يكون قرضا. ولو وُسْوسَ أحد الشريكين أو جُنَّ خرج من الشركة, وسلَّم الشريك حقه من المال إلى وليه.

стр. 215

ولو اشترك ثلاثة نفر, فباع أحدهم بيعا ثم جحد, فشهد الشريكان عليه, جازت شهادتهما, ولو كان المشتري جحد الشراء, فشهد الشريكان عليه, لم يجز؛ لأن لهما حقًا في المبيع. ولو باع أحد الشريكين جارية له ولشريكه, فوجد المبتاع بها عيبا, وقد غاب البائع, كان له مطالبة الشريك بحصته من أرش العيب.

стр. 216

باب المضاربة المضاربة بالعين والورق جائزة. ولا تجوز بالعروض في الأظهر من قوله. والربح على ما اصطلحا عليه, والوضيعة على المال. ولا يجوز أن يشترط المضارب مع حصته من الربح فضل دراهم. ونفقة المضارب من نصيبه, وليس على رب المال نفقته. ولا يستحق ربحا حتى يَنِضَّ رأس المال, فإن عمل فربح ثم عمل فوضع قبل قسمة الفائدة, جبرت الوضيعة من الربح. وكذلك لو ابتاع سلعتين فربح في إحداهما ووضع في الأخرى, فإن كانا عملا واحتسبا واقتسما المال, ثم عملا فوُضعا, كانت الوضيعة من المال, ولم يلزم المضارب أن يجبرها من الربح المقتسم عليه. ويجوز توقيت المضاربة عنده, مثل أن يدفع إليه مالا, فيقول: ضارب به شهرا, ثم هو قرض عليك. ولا يجوز أن يعطيه مالا , فيقول: هو قرض عليك شهرا, ثم هو بعد الشهر مضاربة. وإن أخذ المضارب نفقته من المال كانت دينا عليه, إلا أن يشترط له ذلك رب المال. ولا يجوز المضاربة بالدين قبل قبضه, ويجوز ذلك بالوديعة قبل قبضها. والمضارب أمين لا ضمان عليه في تَوى المال, إلا أن يخون أو يُخالف. فإن

стр. 217

خالف؛ فالربح كله لرب المال قولا واحدا. وهل للمضارب أجرة مثله أم لا؟ على روايتين: وإن تلف المال كله كان ضامنا لمخالفته. فإن اختلف رب المال والمضارب في الربح, فقال رب المال: لي الثلثان. وقال المضارب: بل اشترطتُ عليك أن لك الثلث. فالقول قول رب المال. فإن قال رب المال: دفعت إليك ألفين. وقال المضارب: دفعت إلي ألفا. فالقول قول المضارب. وكذلك لو قال رب المال: أمرتُك أن تبيع بالنقد. وقال المضارب: أمرتني أن أبيع بالنقد وبالنسيئة. كان القول قول المضارب. ويتوجه وجه آخر: أن القول في ذلك قول رب المال. وكل من قلت: القول قوله, فعليه اليمين عند عدم بينة صاحبه.

стр. 218

باب المساقاة والمساقاة جائزة في الأصول, كالنخل والكرم إذا استؤجرت الأرض بأجرة معلومة على النصف مما تخرج من الثمر, أو الثلث, أو نحو ذلك. والباقي للعامل بحق عمله. ولا يجوز أن يُجعل للعامل مع سهمه أجر. والعمل كله, من السقي, والتأبير, وتسوية النخل, والحفظ, وأجرة العوامل للسقي, والحرث, على العامل دون رب الأرض, وما كان من كراء عمود, وحفر نهر, وإنشاء ساقية وما في معنى ذلك, فعلى رب الأرض. وكذلك ما كان من بناء دولاب وعمارته ومَرَمَّته والخراج, فذلك كله على رب الأرض دون العامل. وما كان من طريق الماء واستسقائه من دولاب وغيره, وأجرة الأجراء للعمل, فداخل في جملة ما على العامل دون رب الأرض. وإن وقعت المعاملة على الأرض والنخل على أن يكون البذر من رب الأرض وله من الريع سهم معلوم بحق أرضه, ومن الثمرة سهم معلوم بحق نخله, وللعامل سهم معلوم من الريع والثمرة بحق عمله, جاز ذلك, إذا لم يرتجع رب الأرض بدل بذره, ويكون الكِراب والتقطيع وسائر العمل على العامل. قال: ولا يقرض رب الأرض العامل شيئًا؛ لأنه يكون قرضا جر منفعة. والشركة في المزارعة جائزة إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر من عنده, والعمل, والنفقة, والعمارة, والكراب, والسعي على الآخر. فإن كانت الأرض لغيرهما, فاستأجراها بأجرة معلومة مدة معلومة, وتشاركا في زراعتها والبذر من

стр. 219

عندهما, أو كانت الضيعة ملكهما واشتركا في زراعتها على ما قدمت ذكره, فالشركة صحيحة, والريع بينهما على ما اصطلحا عليه. فأما إن كان البذر من أحدهما, والأرض للآخر, والعمل على أحدهما أو عليهما, واتفقا أن الريع بينهما, لم يجز, وكان الريع لصاحب البذر, ولصاحب الأرض أجرة أرضه. وكذلك لو كان البذر من رب الأرض, وتشارطا أن يرتجع مثل بذره ويقتسما ما بقي, لم يجز, وكان الريع كله لصاحب الأرض, وعليه للعامل أجرة مثله. وإن اكتريا أرضا من غيرهما واشتركا في زراعتها, على أن البذر من أحدهما والعمل على الآخر, لم يجز, وكان الريع لصاحب البذر, وللعامل أجرة مثله في الأظهر من القول عنه. وقيل عنه: يجوز ذلك. وهذا من قوله مبني على جواز الشركة بالعروض. ولا بأس باستكراء الأرض بالأجر المعلوم من عين أو ورق أو حب معلوم. وقد قيل عنه: لا تكرى الأرض بجنس ما يزرع فيها, مثل أن يكريها ببر ممن يزرعها برا, فإذا آجرها ببر لمن يزرعها شعيرا جاز. وهذا منه على طريق الكراهية لا على طريق الحظر. فإن كانت الأرض ذات نخل وشجر, فاستأجر البياض دون النخل أو الشجر جاز. وإن استأجر الأرض وما فيها من نخل, لم يجز إلا على وجه المساقاة على ما بينت. قال: ولو زارع رجلا على الثلث, أو الربع, أو عامله على نخل أو شجر, لم يكن للعامل أن يبيع نخله من غيره, ولا أن يبيع سهمه من غيره. وإن فعل, كان البيع باطلا, فإن باع حقه من الزرع بعد بدو صلاحه جاز. واختلف قوله في الرجلين تكون لأحدهما أرض لا شرب لها وللآخر الماء, فيقول رب الأرض لرب الماء: أنا أزرع أرضي على أن تسقيني من مائك والزرع بيننا. على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى, والأول أظهر. ومتى حصل للأكَّار من الزرع خمسة أوسق فأكثر, فالزكاة عليه واجبة وقد

стр. 220

بينته في باب الزكاة. قال: وما تساقط من الحب وقت الحصاد ثم نبت في العام المقبل وصار زرعا, كان لرب الأرض دون العامل أو المستأجر. ولو آجر أرضه سنة ممن يزرعها, فزرعها المستأجر, فلم تنبت في تلك السنة شيئا, ثم أنبتت في السنة الأخرى, كان الزرع للمستأجر, ولرب الأرض الأجرة بحساب ما احتبست الأرض. وليس لرب الأرض مطالبة المستأجر بقلع زرعه قبل إدراكه. ومن آجر أرضا فغرقت, انفسخت الإجارة. فإن ظهر فيها سمك كان لرب الأرض. ومن حصل له من أرضه من الحب خمسة أوسق فصاعدا, فأخرج عشره, ثم بقي عنده سنتين لا يريد به التجارة, فلا زكاة فيه قولا واحدا إلا أن يبيعه فيستقبل بثمنه حولا, ثم يزكيه إن كان نصابا, فإن نوى به التجارة ولم يبعه حتى حال الحول, فهل عليه أن يقومه ويخرج ربع عشر قيمته أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه يقومه بعد تمام الحول من يوم أراد التجارة ويزكيه. والأخرى: لا زكاة فيه, وإن نوى به التجارة, إلا أن يبيعه ويستقبل بثمنه حولا, ثم يزكيه. واختلف قوله في الرجل يقول لرجل: جُذَّ نخلي أو احصد زرعي بالثلث منه أو الربع, على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما بما اتفقا عليه, ومنع منه في الأخرى, وقال: للعامل أجرة مثله, وكره الحصاد والجذاذ ليلا, وأباح اللِّقاط, ونهى أن يمنع منه. ومن ابتاع تمرا في رؤوس النخل, فأصابته جائحة سمائية أو أرضية من برد أو ريح أو حر أو ما في معنى ذلك, فأهلكته أو بعضه, فللمشتري أن يرجع بالجائحة على البائع. وسواء كانت بقدر الثلث أو أكثر أو أقل؛ لأن النبي ﷺ وضع

стр. 221

الجوائح, ولم يخص منها قليلا من كثير. ومن أعرى ثمر نخلات من حائط لا يبلغ قدرها خمسة أوسق, فوهبها لرجل, جاز أن يبيعها بخرصها تمرا كيلا بعد زهوها, ولا يجوز ذلك في خمسة أوسق فأكثر. ولا يكون ذلك من باب ما نهي عنه من المزابنة, لأثر الوارد فيه.

стр. 222

كتاب الشفعة, والهبة, والصدقة, والقرض والحبس, والرهن, والعرايّة, والوديعة واللقطة, واللقيط, والغصب وإنما الشفعة في المشاع, ولا شفعة فيما قد قسم, ولا لجار, ولا في طريق, ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها, ولا في نخل ولا بئر إذا قسمت النخل والأرض, ولا شفعة بالشرب, ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من الباء والغراس, فإنه تبع لها. ولا شفعة في حمام, ولا حيوان, ولا سيف, ولا حجر. ولا شفعة فيما لا ينقسم. وقد روي عنه رواية أخرى أن الشفعة فيما لا ينقسم, كالحجر والسيف والحيوان, وما في معنى ذلك, لأن الشفعة موضوعة لرفع الضرر, وحصول الضرر بشركة ما لا ينقسم أبلغ منها فيما ينقسم. ولا شفعة للحاضر إذا علم بالمبيع, فأمسك عن المطالبة, ولا للغائب إذا علم فلم يُشهد على مطالبته في حال الغيبة, فإن لم يعلم, فهو على شفعه متى حضر. فإن كان المشتري أحدث فيها بناء, ثم قدم الشفيع فطالب بالشفعة, كان عليه الثمن وقيمة البناء قائما. ولا يؤمر المشتري بقلع بنائه؛ لأنه بنى في ملكه وهو غير متعدّ. وكذلك لو غرس فيها غراسا, أو حفر فيها بئرًا, وكان المشتري هدمها بعد الشراء, ثم قدم الشفيع فطالب بالشفعة, كان له أخذها بالقيمة. ولو اشترى دارًا بألف فباع بابها بألف, وكانت قيمة الدار بعد ذلك ألفا, ثم جاء الشفيع فطلب الشفعة, أخذها بخمس مئة.

стр. 223

ومن اشترى شِقصًا من دار وعرض وحيوان صفقة واحدة, فطالب الشريك في الدار بالشفعة, كان له أخذ الشقص بقيمته من الثمن, ولا يلزمه أخذ العروض والحيوان مع ذلك. ولا شفعة لذمي على مسلم في خلطة, ولا مجاورة بحال؛ لحديث الثوري عن حُميد عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " لا شُفعة لنصراني ", وقال الشعبي: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة. وهو قول الحسن البصري. وللصغير الشفعة إذا بلغ, فإن أمسك عن طلبها بعد البلوغ والعلم, فلا شفعة له, ولوليه المطالبة له بالشفعة في حال صغره إذا كان فيها نظر له. ولو تبايع ذلك جماعة كان للشفيع مطالبة أيهم شاء بالشفعة, ما لم يظهر تسليمه المبيع إلى مشتريه منه. فإن سلمه إليه تسليما ظاهرا, أو ثبت أنه في يده, فالخصومة في الشفعة بين الشفيع وبين مَن الملك في يده. وقال بعض أصحابنا: إن للشفيع مطالبة أيهم شاء, وإن كل من اشترى منهم ثم باع فهو خصم في الشفعة, سواء كان المبيع في يده أو في غير يده. والأول اختياري. وعهدة الشفيع على المشتري. وعهدة المشتري على البائع. والشفعة لا تُوهب, ولا تباع, ولا تورث, ما لم تقع المطالبة من الشفيع بها قبل وفاته. ولا شفعة فيما بيع بالخيار قبل انقضاء مدة الخيار واستقرار البيع. فإذا انقضت واستقر, وجبت المطالبة بها للشفيع.

стр. 224

والشفعة بين الشركاء بقدر الأنصباء في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: هي بينهم على عدد الرؤوس, فإن تركها بعضهم وطلبها البعض, لم يكن لطالبها إلا أخذ جميع المبيع أو الترك. ولا يجوز أن يقول: آخذ بقدر حقي من الملك. فإن فعل سقطت شفعته في جميع المبيع. ولا شفعة فيما بيع من البناء دون الأرض. ولا شفعة في الثمار, ولا فيما بيع من الغروس للقلع دون الأرض. ولا شُفعة في الوقف, ولا بالوقف, ولا في الصدقة. ولا شفعة في الهبة وإن عاوض عليها, إلا أن يقصد بها الحيلة لإبطال الشفعة. ومن اشترى دارا فجعلها مسجدا, فقد استهلكها, ولا شفعة فيها. قال: ولا شفعة في أرض السواد, ولا فيما فتح عنوة؛ لأنه لجميع المسلمين. ومن قال قبل البيع: ترتكتُ شفعتي, أو: قد وهبتها, أو: قد نزلت عنها. كان له المطالبة بها بعد البيع. ومن ابتاع عقارا فطولب بشفعته فقايل البائع البيع, لم تسقط الشفعة بالإقالة. وللشفيع انتزاع المبيع من يد البائع بالثمن الذي انعقد به البيع قبل الإقالة. ولا شفعة فيما جعل صداقا للمرأة من الأرض. وقال بعض أصحابنا: للشفيع أن يأخذ الشقص بقيمته. والأول أصح, وبه أقول.

стр. 225

الهبة ولا تتم هبة ولا صدقة إلا مقبوضة. وقيل عنه: إن القبض معتبر فيما يكال ويوزن من الهبة دون غيره. والأول عنه أظهر وأصح. وهبة المشاع, وصدقته, ورهنه, ووقفه جائز قولا واحدا. وهبة الرجل لبعض ولده منهي عنها, فإن فعل أُمر بالعدل بينهم في العطية, وإلا رده. كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اردده". رواه أحمد بن حنبل, أنبأنا سفيان ابن عيينة, أنبأنا الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير وحميد ابن عبدالرحمن بن عوف, أخبراه أنهما سمعا النعمان بن بشير قال: نحلني أبي غلاما, فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﷺ أشهده, فقال: "أكل ولدك نحلت؟ " قال: لا. قال: "فاردده". فإن لم يفعل حتى توفي الوالد والهبة في يد الموهوب له, لم يرجع فيها الأب ولا حكم ببطلانها حاكم, ثبتت الهبة له دون باقي الورثة. وقيل عنه: إن ذهب ذاهب إلى أنها ترد بعد الموت وتكون ميراثا كان مذهبا. والأول عنه أصح وأظهر. وللأب أن يأخذ من مال ولده الصغار والكبار ما يحتاج إليه بعلمهم وغير علمهم, رضوا أم كرهوا, ما لم يكن ذلك مضرا بهم, قولا واحدا, غنيا كان الأب أو فقيرا, وكره أن يأخذ من مالهم ما يكون مضرا بهم, وليس ذلك للأم ولا للجد أبي الأب. ولا يختلف قوله أن مال الولد ملك له دون والده, ولكن جعل له أن يأخذ ما شاء على ما بينَّا. فإذا قبض الأب من مال ولده شيئًا على وجه التمليك له ملكه

стр. 226

عنده بالقبض, وجاز تصرفه فيه بالبيع والهبة وغير ذلك. وكذلك لو كان للولد عبد أو أمة, فقبض ذلك الأب على وجه التملك له ملكه, وجاز عتقه له بعد القبض. فإن قال لعبد ولده قبل أن يقبضه: أنت حر. لم يعتق؛ لأنه باق على ملك الابن. وكذلك لو قال لرجل: قد وهبتُ لك من مال ولدي كذا. لم تصح الهبة إلا أن يقبض ذلك الأب ثم يهبه. واحتج في جواز أخذ الوالد من مال ولده وما يحتاج إليه بما رواه عن يحيى القطان: أنبأنا عبيد الله بن الأخنس قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتى أعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: "أنت ومالك لأبيك, إن أطيب ما أكلتم من كسبكم, وإن أموال أولادكم من كسبكم, فكلوه هنيئًا". وتصرف الولد البالغ الرشيد في أمواله بالبيع والهبة والصدقة جائز, لا اعتراض للأب عليه فيه, إلا في موضع واحد؛ وهو أن يكون للولد عقار يعود عليه منه قدر كفايته وكفاية والده ولا مال له غيره, ولا مال لوالده, فيتصدق به الولد, فإنه قال ها هنا: إن اعترض فيه الوالد رأيت أن يرده الحاكم على الأب ولا يدعه فقيرا لا حيلة له. واحتج لذلك بما رواه حماد بن زيد عن عمرو عن أبي بكر بن محمد أن رجلا تصدق بأرضٍ له على عهد رسول الله ﷺ , فجاء أبواه إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله, ما كان لنا مال - أو قال: معيشة- غيرها. قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليهما, فماتا, فورثهما ابنهما. وليس لواهب أن يرجع في هبته وإن لم يُثب عليها, إلا أن يشترط الثواب عند الهبة, فيكون له شرطه, إلا الأب, فله أن يرجع فيما وهبه لولده, ما لم يكن غرَّ

стр. 227

بالهبة, قولا واحدا. فإن كان غرَّ بما وهبه له قومًا لم يكن له أن يرجع في هبته في إحدى الروايتين. وما استدان الأب من ولده, فله رده عليه إن اختار الأب ذلك. وإن لم يختر رده, لم يكن للأب مطالبته بذلك. فإن مات الأب وقد أنفق ما استقرض من الابن بطل دينه قولا واحدا, ولم يكن له مطالبة الورثة. فإن استدان الأب من ابنه دينا أو ابتاع منه ثوبا ولم ينقد ثمنه, ثم مات الأب وقد أنفق بعض ما استدان وبعضه موجود بعينه, أو ما ابتاعه من ابنه موجود بعينه فهل يكون ذلك للابن دون سائر الورثة, أم يكون ميراثا ويكون الابن فيه كسائر الورثة؟ على روايتين؛ قال في إحداهما: إن ما وجده الولد من ماله بعينه, فهو له, يأخذه دون الورثة. وقال في الأخرى: ليس له الرجوع فيه, وهو ميراث بين جماعة الورثة, كسائر تركات الميت. ولو قبض الأب مهر ابنته الصغيرة من زوجها, فأنفق بعضه ثم مات, وأصابت الابنة باقيه, فقد برئ الزوج من المهر قولا واحدا, وليس له الرجوع على أبيها بما أنفق منه, وتأخذ ما بقي منه. وإن كانت الابنة كبيرة, فهل يبرأ الزوج من المهر بقبض الأب ذلك منه أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: أنه يبرأ بدفع المهر إلى الأب, ولا يكون لابنته الرجوع على الزوج به ولا مطالبته. فإن أنفق الأب بعضه ثم مات, كان الحكم فيها كما بينا في المسألة قبلها. والرواية الأخرى: الزوج لا يبرأ من المهر بدفعه إياه إلى الأب بغير إذن الزوجة. فإذا أنفق الأب بعضه كان لابنته مطالبة الزوج بجميع المهر, وعليه الخروج إليها منه. ويرجع الزوج على الأب بما قبضه منه إن كان حيا, وفي تركته إن كان ميتا. ولم يختلف قوله أن الربا ثابت بين الوالد وولده, وأنه لا يجوز أن يبيع من ابنه درهما بدرهمين نقدا ولا نسيئة, ولا يبتاع منه درهما بدرهمين, وأجاز الربا بين العبد وسيده, وفرق بينهما بأن قال: إن مال الابن ملك له, والعبد وما له ملك لسيده, فإذا

стр. 228

دفع إلى عبده درهما بدرهمين, فكأنه أضاف ماله إلى ماله, فلا ربا في ذلك. قال: ولو تصدق على ولده بصدقة, وأقبضه إياها إن كان كبيرا, أو قبضها الأب له من نفسه إن كان الولد صغيرا إذا أشهد على صدقته, لم يكن له أن يقبض منها بعد ذلك شيئا لنفسع, ولا يرجع في صدقته, ويثبت ذلك للابن. وهبة الأم لولدها جائزة, وليس لها أن ترجع فيها بخلاف ما قلنا في الأب. وقد روى محمد بن جعفر عن سعيد عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرجع إلا الوالد من ولده". ولو قسم رجل ماله وعقاره بين ولده في حياته, فليقسم ذلك على سهام الله تعالى المفروضة, للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن جهز بعض بناته فأعطاها شيئًا, فليعط جميع ولده مثل ما أعطاها يساوي بينهم. قال: ولو أعطى ولده ماله, ثم وُلد له بعد ذلك ولد, فأعجب إلي أن يرجع فيساوي بينهم. قال: والذي أحب أن لا يقسم الرجل ماله في حياته, يدعه على فرائض الله تعالى لعله يولد له. قال: ولو زوى رجل ميراثه عن بعض ورثته, وأشهد قوما على نفسه أنه قد باعه من بعضهم, وعلم الشهود ذلك, ثم سئلوا الشهادة والرجل حي أو ميت, أمرتهم ألا يشهدوا. ولو فضل بعض ولده, وأشهد له لم تقم الشهادة له قولا لولده بعد موته بذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال في ذلك: جَور. قال: ولو شهد الشهود ولا يعلمون له ولدا غيره ثم علموا, فإن دعاهم إلى

стр. 229

إقامة الشهادة فامتنعوا, فأرجو أنْ ليس عليهم شيء. ومن وهب لغائب هبة, وأنفذها إلسه على يد رسول نفسه, فمات الواهب قبل قبض الموهوب له الهبة كانت لورثة الواهب؛ لأن يد رسوله كيده. وإذا لم تخرج عن يده حتى توفي, بطلت؛ لعدم القبض وصارت ميراثا. وإن كان الواهب أنفذها على يد رسول الموهوب له أو وكيله, ثم مات الواهب قبل وصولها, فهي للموهوب له, دون ورثة الواب؛ لأن قبض رسوله أو وكيله كقبضه.

стр. 230

كتاب القرض قال: والقرض معروف, ومن سُئل فلم يقرض لم يأثم. وليش القرض من المسألة التي لا تحل. قال: ولا أُحب أن يتحمل الإنسان بأمانته ما ليس عنده. وقضاء الدين مقدم على الصدقة. قال: ومن كان فقيرا فأراد أن يستقرض, فليُعلم من يسأله القرضَ بحاله ولا يغره من نفسه, إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله. وكذلك: لا يتزوج الرجل الفقير المرأة الموسرة ولا يعلمُها بحاله. ولا يغر مسلم مسلمة. قال: ولا بأس أن يقول رجل لرجل: اسقرض لي من فلان ألف درهم ولك عشرة دراهم. ولو قال: اكفلني لفلان ولك أجرة كذل, لم يجز. قال: ولو أقرض رجلا دراهم إلى أجل, لم يكن القرض مؤجلا, وكان حالا, وينبغي له أن يفي له بما وعده. قال: ولو استقرض من رجل دراهم مكسرة وهي جائزة, فأتلفها, ثم حرم السلطان التعامل بالمكسرة, ونادى فيها, كان للمقرض قيمتها يوم اقترضها. وكذلك لو كانت باقية بعينها بعد أن حُرمت ونودي فيها, لم يكن له أن يردها؛ لأنه أخذها وهي جائزة, وفسدت في يده, فعليه قيمتها يوم أخذها ذهبا. قال: ولو استقرض دراهم, أو حبوبا, أو خبزا, فردَّ أجود مما أخذ, لم يكن به بأس, إذا كان بغير شرط. قال: ولو أقرض رجلا فضة فرد أرجح منها, وحلله منها, طاب ذلك له, ولم

стр. 231

يكن ربا, قد اقترض ابن عمر قرضا, فرد أكثر من ذلك, وقال للمقرض: هذا نيل منا لك. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ اقترض بعيرا, فأعطاه أفضل من سِنِّه. قال: لا بأس بذلك في القرض, ولا يجوز في السلم. وعن ابن مسعود: أن أقرض رجلا دراهم, فرد عليه أجود منها. قال: ولو أقرض رجلا دراهم فأعطاه بها طعاما وحاباه في السعر, لم يكن به بأس. هذا كل يجوز عنده إذا لم يكن شرط ولا تشوف نفس. فإن أقرض رجلا عشرة دراهم غلَّة, فقضاه صحاحا جاز في أول مرة, فإن عاد يلتمس منه قرضا ثانيا لم يقرضه, وإن فعل لم يأخ منه إلا مثل ما أقرضه, وإن أخذ زيادة أو أجود كان حراما قولا واحدا. ولو كان له على رجل بر معلوم, ولم يكن عنده, لم يجز أن يعطيه شعيرا أكثر كيلا من الطعام, إلا أن يقوم الطعام دراهم ويبيعه بها شعيرا. فإن أعطاه بطعامه شعيرا قفيزا بقفيز من غير زيادة جاز. فإن كان له على رجل دراهم مكسرة, فجاءة بدراهم صحاح أقل منها, لم يأخذها بجميع حقه, ولكن يأخذها بمثلها من حقه, وإن أحب أن يهب له الباقي جاز. ولا يجوز أن يأخذها على وجه الصرف قولا واحدا. قال: ولو كان له على رجل ألف درهم, فأعطاه دراهم فيها مكحَّلة أو مزبَّقة, لم يكن قد وفاه حقه؛ لأنه أعطاه كحلا وزئبقا. قال: ولا يكسبها المعطي إلا بأمره, وعلى المعطي أن يعطيه ما نقص. قال: ولا خير في الخبز قرصا بقرصين, ولا عظيما بصغير, إذا كان بعض

стр. 232

ذلك أفضل من بعض. فأما إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل, فلا بأس به, وإن لم يوزن, قال: والوزن في الخبز والخمير أحب إلي. قال: وقد سهل قوم في أن يأخذ الأصغر ويعطي الأكبر, فإذا لم يكن على مواطاة, فلا بأس. ولا خير في قرضِ جر منفعة, إلا أن يعطيه صاحبه بطيب من نفسه على غير مواطأة أول دفعة على ما بينا. ولو أقرض رجلا قرضا, فأهدى إليه هدية, لم يقبلها إلا أن يكافئه أو يحبسها من دَينه, إلا أن يكونا ممن جرت العادة بينهما أن بتهاديا قبل ذلك, فليس به بأس, وهو قول أنس. ولو استضاف رجلٌ غريما له, ولم تكن العادة جارية بينهما قبل القرض بذلك, حسب له ما أكل. ومن كان له على رجل قمح أو زيت, فطلبه ولم يكن عنده, لم يُقرضه دراهم يبتاع ذلك بها ويقضيه, فإن فعل كان مكروها غير محرم. قال: فأما إن كان له على رجل ألف درهم أفلس, فأقرضه صاحب الحق ألفا أخرى على أن يردها عليه والألف الأولى في كل شهر شيئا معلوما جاز. وكذلك لو كان له على رجل مال فأفلس, فقال صاحب الحق له: أعطني رهنا, وأعطيك مالا تعمل به وتقضيني. جاز ذلك. ولو أقرضه قرضا, ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض, كان ذلك قرضا جر منفعة. وكذلك لو قال له رجل: أقرضني درهما لأسكن دراك, وأزيدك في الأجرة. لم يجز؛ لأنه قرض جر منفعة.

стр. 233

قال: ولو كان لرجل أكّارٌ يعمل في أرضه, فقال له: أقرضني ما أبتاع به بقرا, لم يقرضه. قال: ولو قال له رجل: أقرضني ألف درهم, وادفع إلي أرضك أزرعها على الثلث. كان خبيثا. قال: ولو أقرضه طعاما ببغداد, فقضاه طعاما بالكوفة على غير شرط جاز. فإن أقرضه طعاما ببغداد, وشرط عليه أن يقضيه الطعام بالكوفة؛ لأن الطعام بها أغلى, كان مكروها. ومن كان له على رجل طعام قرضا, لم يبعه من غيره قبل قبضه قولا واحدا. واختلف قوله في بيعه من الذي عليه الطعام قبل قبضه منه على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى إلا بعد قبضه. قال: ولو استقرض منه فلوسا وقيمة كل عشرين فلسا دانق, فصارت قيمة كل عشرة فلوس منها دانقا كان له عليه عشرون فلسا. ولا بأس باستقراض سائر الحيوان, وكُره استقراض بني آدم. قال: لأن رسول الله ﷺ قد استلف بعيرا, ولم يستسلف عبدا ولا جارية. قال: ولو استقرض من رجل عشرة دراهم وزنها كعددها, لم يجز أن يأخذ منه عشرة دراهم, عددها أكثر من وزنها, إذا كانت تجوز في ذلك البلد برؤوسها. قال ولا بأس بتسعين دينارا بمئة دينار والوزن واحد, إذا كانت لا تنفُق في مكان إلا بالوزن. فأما إن كانت تنفُق في مكان برؤوسها فلا. قال: ولو أراد رجل أن ينقد نفقة عياله, فأقرضها رجلا على أن يدفعها إلى عياله, فلا بأس, إذا لم يأخذ عليها شيئا.

стр. 234

باب الحبس ولا يتم الحبس حتى يخرجه المحبس عن يده. فإن مات قبل إخراجه وحيازته بطل وكان ميراثا. ومن وقف جميع ماله في صحته على وارث وغير وارث جاز. وإن وقف في مرض موته جاز ذلك في ثلثه. وسواء وقفه على وارث أو أجنبي. ولا يحل ذلك محل الوصية التي لا تجوز لوارث. قال: ومن أوقف وقفا على ولده, وولد ولده, ونسله, وعقبه, أو على أجانب, وجعل آخره بعد انقراضهم لفقراء المسلمين ومساكينهم, وأخرجه إلى غيره عن يده في حال إيقافه, كان وقفا صحيحا على ما شرط قولا واحدا. فإن وقفه على قوم, ولم يجعل آخره للمساكين, فعلى روايتين: إحداهما: يكون وقفا على أقرب عصبات الميت المُوقِف بعد انقراض من وُقف عليه. والرواية الأخرى: يرجع بعد وفاة الموقف عليه إلى ورثة الموقِف ملكا بينهم على الفرائض. فإن وقفه على نفسه أيام حياته, فإذا مات فعلى المساكين, كان باطلا, ولم يكن وقفا صحيحا, وكان باقيا على ملك ربه, فإذا توفي كان لورثته. فإن وقف وقفا وشرط لنفسه سُكنها أيام حياته, أو شرط لنفسه النفقة من بعض أرفاقه, أو شرط النظر لنفسه أيام حياته, أو صرف غلَّته فيما جعهل وقفا عليه, جاز, بعد أن يخرجه عن يده إلى يد غيره, ثم يرتجعه لينظر فيه, كما اشترط. وكذلك لو اشترط لأولاده أو لبعضهم سُكنى الوقف, أو سُكنى بعض أيام حياته جاز ذلك.

стр. 235

ومن اشترط لنفسه تغيير وقفه متى شاء عن الوقف, أو بيعه عند الحاجة, أو الرجوع فيه, كان باطلا, ولم يكن وقفا صحيحا. ومن وقف وقفا جعل آخره للمساكين, وأخرجه عن يده, فقد خرج عن ملكه, وانقطع ملكه منه على ما بينت, فلا يباع ولا يوهب ولا يُملك ولا يورث, وليس لأحد أن يجع فيه, ولا أن يغيره عن حالته التي وُقف عليها. ومن وقف وقفا على ولده, وولد ولده لصلبه, لم يدخل فيهم البنات. ولو وقف على ولده ونسله وعقبه, وله أولاد, ثم رُزق بعدهم أولادا, دخل من حدث له من الولد في الوقف, وشاركوا فيه من قبلهم من ولده. ولو قال: هذه الضيعة وقف على ولدي. فمات الأولاد الموقوف عليهم, وتركوا نسودة حوامل, فكل ما كان من أولاد الذكورمن ذكر وأنثى, فالضيعة وقف عليهم, وما كان من ولد البنات فليس لهم في الوقف شيء. وكذلك لو جعلها وقفا على ولده, وولد بنيه لم يكن لولد البنات فيها شيء. فإن قال: ولدي وولد ولدي فهي على ولد الذكور والإناث, وعلى ولد ولده الذكور والإناث. ولو وقف ضيعة أو نخلا على ولده وولد ولده, فحصل فيها زرع قد استحصد, أو تمر قد أبرت, ثم رزق ولدا آخر بعد الحصاد والتأبير, فلا حق للولد الحادث في الزرع ولا في الثمرة. وإن كان قبل تأبير الثمرة وقبل حصاد الزرع شرِك الولد الحادث من كان قبله من الولد في الزرع وفي الثمرة. ولو حبس حبسًا على ولده الصغير, كانت حيازتع له صحيحة إلى أن يبلغ, وكان والده قيما له به ما دام صغيرا. فإن وقفا وقفا على ولده, وفيهم ذكور وإناث وبيّن قدر ما لكل واحد

стр. 236

منهم, كان ذلك بينهم على ما شرط, فإن لم يبين قدر ما لكل واحد منهم, كان الذكور والإناث فيه سواء, لا يفضل ذكر عن أنثى, إذا كان قال: وقفا على ولدي الذكور والإناث, فإن قال: بينهم على فرائض الله . كان للذكر منهم ضعف الأنثى. فإن فضّل بعضهم على بعض كان بينهم على ما شرط. فإن ماتوا ولهم أولاد, كان ما كان وقفا عليهم, وعلى أولادهم, وإن ماتوا ولا ولد لهم رجع الوقف إلى عصبة الموقف وقفا عليهم. فإن لم يكن للموقِف عصبة ولا ولد, وكان الواقف جعل آخر الوقف بعد انقراض الموالي للمساكين, كان وقفا على مساكين المسلمين أبدا كما شرط. وإن لم يكن آخره للمساكين بيع الوقف, وجُعل ثمنه في المساكين, وعلى الرواية الأخرى: يرجع ملكا لورثة الواقف. ولا يجوز وقف العين والورق والثياب, وما في معنى ذلك, ولا بأس بوقف السلاح والخيل. والوقف لا يباع ولا يوهب, ولا تُغير شروطه, ولا يُناقل به, إلا أن يخرب ولا يَرُدَّ شيئا, ولا يتمكن أربابه من عمارته, فيجوز حينئذ بيعه, ويُجعل ثمنه في وقف مثله. وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو والطراد جاز بيعه, وصرف ثمنه في مثله يكون حبيسا. وكذلك المسجد إذا خرب موضعه, ولم يبق له مجاور يصلي فيه, وخيف هلاكه, جاز أخذ آلته وبُني بها مسجد في موضع عامر يُصلى فيه. وكذلك ما تكسر من خشبه, ولم يصلح للعمل بيع واشتري بثمنه آلة تصلح للعمل, فجعلت في المسجد. ومن مات من أهل الوقف, رجع ما كان له منه على من شرط الواقف رجوعه إليه من بعده من ولد أو غيره. ومن وقف وقفا على بطن أعلى, وجعل غلته بعد انقراض البطن الأعلى على البطن الأسفل, ولم يشارك البطن الأسفل البطن الأعلى في شيء من غلة الوقف مع وجودهم, أو وجود بعضهم. والولاية على الوقف إلى من جعلها الموقف من أرباب الوقف, أو من غيرهم,

стр. 237

فإن أخلاه من وال, كان النظر فيه إلى الحاكم. وإذا حصل لأهل الوقف من غلته خمسة أوسق فصاعدا, لكل واحد منهم, كانت الزكاة عليه واجبة قولا واحدا. فإن كان الذي حصل من الوقف خمسة أوسق, فقُسم بين جماعة أهل الوقف, فهل فيها زكاة أم لا؟ على وجهين. فإن وقف وقفا على مساكين المسلمين وفقرائهم, فلا زكاة عليهم فيما يحصل لهم منه. قال: لأن ذلك صار جميعة لجماعة المساكين, فلا أرى عليهم فيه صدقة, إلا أن يوفق الرجل على ولده, أو على قوم أغنياء, فتجب الزكاة على من تبلغ حصته منهم خمسة أوسق فما زاد. قال: ومن وقف وقفا على قوم, وشرط أنَّ من مات منهم رجع نصيبه من الوقف إلى ورثة الموقِف, كان جائزًا على من شرط, وكان ما يرجع إلى الورثة من ذلك وقفا على سُبُله المشروطة. ولا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الموقف أمر الوقف إذا كان أمينا. ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى عمله من أمر وقفهم, حتى يستوي علمه فيه وعلمهم. قال: ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف, لتكون نسخة في أيديهم وثيقة لهم. وإن كان الموقف جعل للناظر في الوقف أجرا على قيامه به ونظره, وكان الوقف يحتاج إلى أجر أمناء وغيرهم, وكلفة النظر فيما جُعل للقيم من الأجر على نظره, فإن كان ذلك زائدا على قدر أجر مثله, كانت المؤنة التي تلزم الأمناء وغيرهم عليه مما جُعل له, دون أرباب الوقف, حتى يصير الباقي له مقدار أُجرة مثله. فإن احتيج إلى كلفة بعد ذلك كانت من غلة الوقف, إلا أن يكون الواقف شرط له ذلك خالصا. وشرط أن ما يلزم من الكلفة للوقف للأمناء وغيرهم من جُملة غلة الوقف دون ما جعلها للقيم, فيكون ذلك على ما شرط.

стр. 238

قال: وإن كان الوالي على الوقف غير أمين, ولم يرضَ به أرباب الوقف لم تنتزع يده, ولكن يجعل الحاكم معه أمينا يحتاط على الوقف ويحفظ غلته. ووقف المشاع جائز, كما يجوز وقف الحاضر, لا فرق بينهما عنده. وإذا جعل الرجل بيتا من داره مسجدا, فأذن فيه وأقام, ودعا الناس إلى الصلاة فيه, خرج بذلك عن ملكه, وانقطع ملكه عنه, وصار لله , ولم يعد إلى ملك من كان له أبدا, قيل له: فإن بنى في دار مسجدا ونوى أن يصلي فيه حياته, فإذا مات كان ميراثا لورثته؟ قال: لا يجوز ذلك, إذا أذّن فيه ودعا الناس للصلاة فيه, خرج عن ملكه, ولم يعد إليه ولا إلى ورثته, ولا تأثير للنية في ذلك بعد الأذان والصلاة فيه, قد صار لله . وكذلك من بنى سقاية وجعلها للسبيل, أو سبَّل أرضا وجعلها مقبرة, وأذن في الدفن فيها, لم يعُد ذلك إلى ملكه أبدا. قال: ومن غرس في مسجد نخلة كرهتُ ذلك, فإذا فعل, فثمرتها لمساكين الدرب. وكذلك لو كانت نَبْقة, أكل ثمرتها مساكين الجيران. ويخرج أهل المسجد من عندهم ما يحتاج المسجد من بواري وغيرها, فأما إن وقف على المسجد نخلا, أو حوانيت, فإن غلة ذلك بعد عمارته تكون مصورفة إلى عمارة المسجد, كما شرط الوقف. قال: وما كان من خُلقَان بواري المسجد تُصُدق به على المساكين, إنما هو لله , فلا يأخذه أحد.

стр. 239

باب العمرى ومن أعمر رجلا داره في حياته, كانت له ولورثته من بعده, ولم ترجع إلى المُعمِر الأول أبدا؛ لأنها تخرج بذلك عن مِلكه, كالوقف. وكذلك الرقبى. وليس كذلك السكنى. فإن قال لرجل: داري لك سكنى عمرك أو عمري. كان له ارتجاعها ممن جعل له سكناها أي وقت شاء في حياته, فإن لم يرتجعها إلى أن توفي, فهي لورثته من بعده, موروثة على الفرائض دون الساكن, والله أعلم.

стр. 240

باب الرهن قال الله : ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣]. والرهن جائز في الحاضر والمشاع, والسفر والحضر. ولا يصح الرهن إلا مقبوضا. وضمان الرهن من الراهن ما لم يجنِ عليه المرتهن, أو يفرط في حفظه. فإن فعل, فضمانه عليه. ونماء الرهن رهنٌ معه, إن كان لا يفسُدُ بالبقاء, وإن كان مما يفسد بالبقاء باعه المرتهن, إن كان الراهن جعله وكيلا في البيع, أو الحاكم إن لم يكن الراهن جعل ذلك للمرتهن, وكان ثمنه رهنا. وولدُ الأمة الرهن الحادث بعد رهنها رهن معها, وكذلك نتاج الماشية. وما هلك من الرهن بيد أمين, فمن مال الراهن. ومن رهن سلعتين صفقة واحدة لم تخرج إحداهما من الرهن بقضاء نصف الدين, وكذلك الرهن الواحد يُقضى أكثر ما عليه يكون رهنا بما بقي. وكذلك لو رهن رجلان دارا لهما عند رجل صفقة واحدة على ألف درهم, ثم جاء أحدهما بخمس مئة درهم فأقبضها المرتهن كانت الدار كلها رهنا على ما بقي, ولم تخرج حصة الدافع من الرهن.

стр. 241

ولو رهنه عبدا فقُتل العبد, فأخذ مولاه قيمته كانت رهنا مكانه. فإن جنى العبد الرهنُ جنايةً تحيط بقيمته, فهي في رقبته. فإن فداه المولى, فهو رهنٌ بحاله. وإن سلمه بجنايته كان عليه بقدر قيمته تكون رهنا مكانه. فإن مات العبد الرهن كان دين المرتهنبقايا في ذمة الراهن, وليس له مطالبته برهن يكون في يده مكانه. فإن أعتق المولى العبد الرهن نفذ عتقه, ولزمه أن يجعل بقدر قيمته رهنا مكانه. ورهنُ الشجر دون الأرض والولد دون الأم, والثمرة دون الأصل جاز. ومتى هلك الرهن هلاكا يتعلق ضمانه بالمرتهن, واختلفا في قيمته, كان القول قول المرتهن في القيمة, مع يمينه عند عدم بينة الراهن على ما يدعيه من القيمة. وإن هلك الرهن بغير جناية من المرتهن عليه كان من مال صاحبه, ودين المرتهن باق بحاله, وله المطالبة. فإن اختلفا في رهنه, فقال المالك: هووديعة, وقال مَن هو في يديه: بل هو رهن عندي, كان القول قول المالك مع يمينه, إلا أن يأتي الآخر ببينة على ما يدعيه من الرهن. وكذلك لو اختلفا في قدر ما عليه من الحق, فقال الراهن: رهنته عندك على مئة. وقال المرتهن: على مئتين. كان القل قول الراهن مع يمينه عند عدم بينة المرتهن على ما يدعيه من الزيادة. ولا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن, إلا ما كان مركوبا, أو محلوبا, فيركب ويحلب بمقدار العلف, بيد أن لا يُعجفه, ولا يُنهكه بالحِلاب والركوب. فإن كانت قيمة اللبن أكثر من قدر العلف, كان الفضل للراهن. وإن كانت قيمة ذلك أقل من قدر العلف, كان الفضل على الراهن. قال: ولا يحلب ولا يركب إلا بإذن مالكه. وما عدا ذلك من الرهون إذا احتاجت إلى مؤنة من طعام, أو أجرة مخزن, وما في معنى ذلك, فعلى الراهن. وكفن العبد الرهنِ إذا مات على الراهن دون المرتهن.

стр. 242

وبيع الرهن غير جائز؛ لأنه وثيقة بحق المرتهن, فإن اتفقا على بيعه ليقضيه حقه من ثمنه جاز. فإن كان الدين مؤجلا, فأذن المرتهن للراهن في بيعه قبل محل أجل الدين, فقد خرج بذلك من الرهن, ولا يستحق المطالبة بدينه, إلا عند محل أجله. ولا يستحق أخذ ثمنه ليكون رهنا في يده, ولا مطالبة الراهن برهن يكون مكانه؛ لأن المرتهن اختار إخراجه من الوثيقة, فإن شاء الراهن تعجيل قضاء الدين قبل محله كان ذلك له, وكان به متطوعا. ولو وكل الراهن المرتهن في بيع الرهن, إن حل الأجل ولم يقضه, كان له بيعه عند محل أجل الدين, إذا امتنع الراهن من الأداء بعد المحل, وقبض حقه من ثمنه. فإن لم يوكله في بيعه لم يجز له أن يبيعه, وإن حل أجل الدين, إلا بإذن الراهن أو الحاكم. فإن وكله ببيعه, ثم فسخ وكالته قبل محل الأجل بغير علمه, كان فسخا صحيحا. قال: ولا ينبغي له أن يحتال له ويخدعه, وفيه وجه آخر؛ لأنه ليس له فسج الوكالة, ولا إخراجه عنه؛ لأن فيه إبطال حقه من التصرف واستيفاء الدين. وقد منع أحمد بن حنبل ﵁ من الحيلة في غير موضع من كتبه, والأول هو المنصوص عنه. ولو تصدق الراهن بالدار الرهن, أو وقفها لم يجز, وكان فعله باطلا. ولو قيل: إن عتق العبد الرهن لا يجوز, كما لم يجز وقف الدار الرهن, كان وجها. ولو رهنه رهنا بدين, وله عنده دين آخر بغير رهن, كان الرهن وثيقة بما رهن به دون غيره, ولم يكن للمرتهن حبسه بالدين الذي لا رهن به. ويُمنع الراهن من وطء الأمة الرهن, فإن أقدم على ذلك أساء, فإذا أتت بولد خرجت من الرهن, ولزمه أن يأتي بقدر قيمتها لتكون رهنا مكانها. قال: فإن رهنه رهنا وأذن له في إعارته وإكرائه جاز له أن يعيره ويكريه. والأجرة

стр. 243

للراهن رهن مع الأصل. ولا يخرج الرهن بالعارية والإجارة من الرهن على معنى قوله. ولو آجره الراهن بإذن المرتهن خرج من الرهن في أحد الوجهين؛ لأن المرتهن حين أذن للراهن بالتصرف فيه يصير مخرجا بذلك عن عقد الرهن. والوجه الثاني: لا يخرج بذلك من الرهن, كما لو أخرجه المرتهن بإذن ربه, فيكون الأجر في الموضعين رهنا مع الأصل.

стр. 244

باب العارية والعارية مضمونة مؤداة, تعدى فيها المستعير أو لم يتعد, فإن اختلفا في قيمتها بعد هلاكها, كان القول في القيمة قول المستعير مع يمينه, إلا أن يأتي المعير ببينة على قدر ما يدعيه من القيمة. ومن استعار عارية, واستأذن ربها في رهنها, فأذن له, ثم هلكت في يد المرتهن, كان على المستعير ضمان قيمتها لربها, ولا ضمان على المرتهن إذا لم يخت ولم يتعدَّ فيها, ويرجع المرتهن على المستعير الراهن بدينه, فإن هلكت بيد المرتهن هلاكا يتعلق عليه به ضمانها كان المستعير خصمه فيها دون المعير, والمعير خصم المستعير فيها, ولا خصومة بينه وبين المرتهن.

стр. 245

باب الوديعة والمودَع أمين, وقوله مقبول في رد الوديعة, وإن أنكرها ربها, إن كان أودعها بغير بينة قولا واحدا. وإن كان أودعها ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة في الظاهر من قوله. والمودَع مصدَّق في هلاكها قولا واحدا إذا هلكت مع متاعه, ولا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى, أو يخون, أو يخالف, أو يفرط في حفظها, فيضمن بالتعدي. فإن هلكت وحدها من بين متاعه, فهل يضمن أم لا؟ على روايتين؛ فإن كانت عينا, أو ورقا فأنفق بعضها, ثم رده, ثم هلكت جميعها ضمن قدر ما أنفقه منها. فإن كانت الوديعة غلة, فخلطها بصحاح, أو صحاحا, فخلطها بغلة, لم يضمنها إن هلكت؛ لأنها تتميز من ماله. ولو أودع الوديعة غيره بغير إذن ربه ضمنها إن هلكت, فإن سلمها إلى زوجة ربها أو غلامه الذي جرت عادته بقبض أمواله لم يضمنها. وكذلك لو سلمها المودع إلى من جرت عادته بحفظ ماله من خادمه أو زوجته ليحرزها فهلكت, فلا ضمان عليه. ومن تَجَر بالوديعة, فقد تعدى, والربح كله لربها, وعليه ضمانها له متى هلكت. ومن باع الوديعة اعتدى, وكان بيعه باطلا, وعليه ردها مع وجودها, أو ضمان

стр. 246

مثلها إن هلكت, أو قيمتها عند عدم العين والمثل. وتُعتبر القيمة يوم التعدي. فإن اختلفا في القيمة, كان القول فيها قول الغارم مع يمينه, عند عدم بينة ربها على ما يدعيه من قيمتها. ولو أودعه ورقا, ثم قال: صرِّفه لي بعين. ففعل ثم هلكت العين بغير جنايته, لم يضمن؛ لأنه أمين. ولو فرض القاضي على غائب فرضا لزوجته وولده, وله وديعة, فأمر المودَع بدفع ما فرضه من النفقة من الوديعة, ففعل, برئ مما يدفعه إليهم, ولم يكن لرب الوديعة مطالبته.

стр. 247

باب اللقطة ومن وجد لقطة من عين أو ورق عرفها في الأسواق على أبواب المساجد في أوقات الصلوات سنة, فإن جاء ربها فوصف عفاصها, ووكاءها, ونقدها, دُفعت إليه بغير بينة, وإن لم يأت ربها بعد تمام الحول كان للاقط التصرف فيها إن شاء بالإنفاق لها, وإن شاء بالصدقة بشرط الضمان في الموضعين, في الصحيح من قوله. وقد لوَّح في موضع أنه إذا أنفقها بعد الحول والتعريف لم يضمنها؛ لحديث مطرف بن عبدالله عن عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة, فقال: " يُعرِّف, ولا يُغيِّب ولا يكتم, فإن جاء صاحبها, وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء". والصحيح أن يضمنها؛ لحديث الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن بُسر ابن سعيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة, فقال: " عرِّفها سنة, فإن جاء باغيها, فأدِّها إليه". وهذا الحيث أولى؛ لأن حديث عياض بن حمار ليس فيه بيان مدة التعريف, ولا فيه أيضا بيان سقوط الضمان عن الملتقط بعد الإنفاق لها, فهو أولى. فمتى جاء ربها وقد أنفقها المتلقط كان عليه غرامة مثلها. وإن كان قد تصدق بها, خُير ربها بين غرامتها له وبين الأجر, فكان له ما اختار منهما.

стр. 248

وعلى من وجد لُقطة أن يُشهد عليها ذوَي عدل ولا يكتم, فإن فعل فهلكت من يده قبل تمام الحول أو بعد ذلك قبل تصرفه فيها من غير تعد منه, لم يضمنها قولا واحدا. وإن لم يُشهد حين وجدها, لكنه عرفها, وأظهر التعريف, فهل يضمنها أم لا؟ على روايتين. فإن كانت اللقطة عروضا, فهل حكمها حكم العين والورق في تعريف السنة, وجواز التصرف فيها بعد ذلك أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: أن حكمها حكم العين والورق. والرواية الأخرى: أن حكم لُقطة العروض بخلاف لُقطة العين والورق في التعريف. وعلى من التقط عروضا أن يُعرِّفها أبدا, ولا يباح له التصرف فيها قبل الحول ولا بعده. قال: لأن رسول الله ﷺ قال في الدراهم والدنانير: "هي له بعد سنة" وهذا المتاع يعرفه. قال: فلم يجعل له التصرف بعد الحول, كما جعل ذلك في العين والورق. والأول أظهر. واختلف قوله فيمن وجد عروضا هل يبيعها بعد السنة والتعريف, ويتصدق بثمنها أم لا؟ على روايتين؛ قال في إحداهما: يبيعه ويتصدق بثمنه, بشرط الضمان على ما بينَّا. وقال في الأخرى لا يبيعه, ويعرفه أبدا. هذا إذا كان لا يفسد على البقاء. فإن كان مما يفسد بالبقاء, وخاف هلاكه باعه. وهل يتصدق بثمنه أم لا؟ على روايتين كما ذكرنا. وقد منع أحمد ﵁ في موضع, من الصدقة باللقطة, سواء كانت عينا, أو ورقا, أو عروضا, فقال: كيف يتصدق بمالٍ ليس له؟! ولا زكاة على الملتقط في اللقطة في زمان لزوم التعريف لها, وكونه ممنوعا من التصرف فيها, فإذا جاز الحول من حين التقطها وأبحناه التصرف فيها

стр. 249

استقبل حينئذ بها حولا, ثم زكاها. فإن جاء ربها فوصفها وأخذها كان عليه أن يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها. وقيل عنه: لا زكاة عليه فيها لما مضى؛ لأنها كانت في معنى المال التَّوي. ولا يأخذ ضالة الإبل, ولا ضالة البقر؛ لحديث زيد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة, فذكر الحديث إلى أن قال: يا رسول الله, فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت عيناه, أو احمر وجهه, ثم قال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها". ويأخذ ضالة الغنم, وعليه تعريفها سنة؛ فإن جاء ربها سلمها إليه. فإن أقدم على أخذ الإبل والبقر أساء, ولزمه تعريفها سنة ودفعها إلى ربها من جاء فوصفها. ومن وجد شاة بمهلكة من الأرض لم يملكها بأخذه لها, وكانت لقطة, وعليه تعريفها سنة. قال: والحديث المروي عن رسول الله ﷺ في ضالة الغنم: "هي لك, أو لأخيك, أو للذئب" فقد لا تكون للذئب. وكذلك لا تكون لك, عرِّفها سنة, فإن جاء صاحبها ردها عليه, وإلا فهي لك. وقد جاء في الحديث في ضالة الشاة عند قوله: "أو للذئب": "واجمعها حتى يأتيها باغيها" رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. فإن وجد ضالة من غنم أو غيرها, فأنفق عليها محتسبا, ثم جاء ربها, فهل له مطالبته بما أنفق عليها أم لا؟ على روايتين. وإن كان غير متطوع بالنفقة كان له الرجوع بما أنفق, إذا لم يتعد, وأنفق عليها نفقة مثلها. وما نُتجت الشاة, أو الناقة, أو البقرة, وهي في يده قبل الحول أو بعده كان ولدها لربها معها متى حضر. قال أحمد ﵁: طيرةٌ سقطت عند قوم فاصطادوها, وفرَّخت عندهم,

стр. 250

ثم جاء ربها, فعليهم ردها, ورد فراخها معها إلى ربها. فجعل الولد لمالك الأم. وحكم لقطة الحرم, كحكم اللقطة في الحل في التعريف على ما بينَّا. ومن التقط لقطة في أرض العدو أو من أموالهم طرحها في المقسم, وكانت كمالِ الغنيمة؛ لأنه بقوة جيش المسلمين صار إلى بلاد العدو. فإن وجد لقطة لا يعلم هل هي من مال مسلم أو كافر, فهي لقطة, عليه تعريفها سنة كما ذكرنا. واختلف قوله في الرجل يبتاع الشاة, فيجد في بطنها عينا أو ورقا في روايتين: قال في إحداهما: لقطة يعرفها حولا. وقال في الأخرى: هي لرب الشاة البائع لها, فليردها إليه. فإن ابتاع سمكة فوجد في بطنها درة, فالدرة للصياد. فإن وجد في بطنها عينا أو ورقا, كانت لقطة. فإن اصطاد سمكة فوجد في بطنها درة أو ما يكون البحر معدن له, كان ذلك له, فإن كانت عينا, أو ورقا, أو ما ليس البحر له معدنا, كان ذلك لقطة, والسمكة له. ولو وثبت سمكة من البحر فسقطت في حجر رجل جالس في السفينة كانت له دون رب السفينة. فإن سقطت في السفينة كانت لربها دون الراكب. ولو نصب رجل شَرَكًا, فوقع فيه صيد وثبت فيه, ولم يقلعه ويذهب به, فأدركه غير صاحب الشرك, لم يكن له أخذه. فإن أخذه, لزمه رده إلى صاحب الشرك؛ لأنه قد ملكه بذلك, فهو كصاحب السفينة. فإن طرح شبكته في الماء فوقعت فيها السمكة فقطعت الحبل, وذهبت بالشبكة في الماء, فأصابها غير ربها, كانت السمكة لمن أصابها, والشبكة لقطة, وإنما كان ذلك؛ لأن صاحب الشبكة لم يحز السمكة, وصاحب الشرك أثبت الصيد وحازه. وكذلك لو قلع الشرك وطار به فاصاده غير رب الشرك كان له, وكان الشرك لقطة. فإن وجد مملوك لقطة فاستهلكها قبل الحول كانت جناية, وهي في رقبته متى
следующие страницы →