← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (أحسنت، أتركها حتى تماثل)]. * فيه جواز تأخير الحد عن المريض لأجل المرض. * وفيه ما يدل على أن من الفواحش ما يفعله الأعراب اليوم من إهمالهم إماءهم حتى يزنين ويلدن من الزنا من غير إنكار، ولا إقامة حد، ألا تراه يقول: (اتقوا الله، وأقيموا الحدود على أرقائكم)؟ فإن رسول الله ﷺ أمره أن يجلد أمة له. -١٥٣ - الحديث التاسع: [عن زر قال: قال علي ﵁: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى: أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق]. * في هذا الحديث من الدليل أن حب على إيمان، وبغضه نفاق. * وفيه دليل على أن الرجل يصدع بالحق وإن كان فيه ثناء على نفسه من غير جبن عن ذلك، ولاسيما إذا وقع الجهل من أهل الشك، كما ذكر عثمان ﵁ عن نفسه من فضله لما أرتاب الجاهلون بفضله. -١٥٤ - الحديث العاشر: [عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح

стр. 247

على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ (٩٣/ أ) ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم]. * فيه جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر مما يحتج به على الشيعة؛ فإنهم لا يجيزون ذلك، ومستندهم بزعمهم إلى علي ﵁، وهو يروي ما يخالفهم. -١٥٥ - الحديث الحادي عشر: [عن علي ﵁ قال: (نهاني- يعني النبي ﷺ أن أجعل خاتمي في هذه، أو التي تليها. قال بعض الرواة: (نهاني أن أتختم في إصبعي هذه، أو هذه، قال: وأومأ إلى الوسطى والتي تليها. ونهاني عن لبس القسي، وعن جلوس علي المياثر. قال: فأما القسي، فثياب مضلعة يؤتي بها من مصر والشام، وأما المياثر: فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف الأرجوان. أخرج منه البخاري: تفسير القسية والميثرة فقط بغير إسناد.

стр. 248

فقال: وقال عاصم عن أبي بردة: قلنا لعلي: ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة، فيها حرير؛ فيها أمثال ألا ترج، والمثيرة: ما كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف. قال البخاري: وقال جرير في حديثه: القسية: ثياب مضلعة يجاء بها من مصر؛ والميثرة: جلود السباع]. * في هذا الحديث دليل على تحريم لبس الحرير، وقد مضي. * وفيه دليل على كراهية المياثر، وإنما كره ذلك لأنه نوع من التنعم والسرف إلا أن يكون ذلك لمن يريد الطاء للرفق ببدنه فلا بأس إذا لم يكن حريرًا * والمثيرة جلود السباع، فيه دليل على أن جلود السباع لا تستعمل وإن دبت لأنها لا تطهر بالدباغ. -١٥٦ - الحديث الثاني عشر: [عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم أهدني وسددني. وفي رواية: قل: اللهم إني أسألك الهدى والسداد، وأذكر بالهدى هدايتك (٩٣/ ب) الطريق، والسداد، سداد السهم].

стр. 249

* هذا الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ حضه على سؤال الهدى والسداد، وأنه ذكر له ما يجمع له في ذكره إياه بين حفظ النطق ومعرفة المغني، فإنه قال: (اذكر بالهدى هدايتك الطريق) وذلك أن السلوك إلى الحق على سبيل السنة يشابهه سلوك الطريق إلى المقصد في الطريق المعروفة، فمتى مال عن الطريق يمينًا أو يسارًا فقد جانب الهداية، والسداد هو التصويب، وسداد السهم التصويب وأن يريد به التنصيص والتحقيق، وأن لا تزيله الأهواء. -١٥٧ - الحديث الثالث عشر: عن علي قال: رأينا النبي ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا، يعني في الجنازة]. * في هذا الحديث ما يدل على أن القيام والقعود للجنازة قد كانا مشروعين في زمان النبي ﷺ اقتداء بفعله ﷺ . -١٥٨ - الحديث الرابع عشر: [عن أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته. وفي رواية: ولا صورة إلا طمستها].

стр. 250

* في هذا الحديث ما يدل على تحريم الصورة، وأنه يجزي في تغييرها الطمس. * وفيه أيضًا ما يدل على تسوية القبور، وأنه هو السنة، وإن كانت الشيعة قد اعتمدته، ولا نترك السنة لأجل اعتماد الشيعة ذلك. -١٥٩ - الحديث الخامس عشر: [عن أبي ساسان، قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد، وقد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران، أنه شرب الخمر، وشهد آخر، أنه رآه يتقيًا. فقال عثمان ﵁: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال يا علي، قم (٨٩٤/ أ) فأجلده، فقال علي: قم، يا حسن فأجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها (فكأنه وجد عليه)، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فأجلده، فجلده وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي]. * في هذا الحديث ما يدل على اعتقاد (علي) صحة إمامة عثمان، لأنه لما أمر عثمان أن يجلده، أستناب ولده في جلده، وأنه لما قال الحسن: (ول حارها من تولى قارها) كره ذلك منه، وأمر عبد الله بن جعفر بأن يجلده. * وفيه أيضًا ما يدل على أن الحد في الخمر أربعون، وأن ثمانين جائزة، وكل من ذلك حسن. * وقوله: (ول حارها من تولى قارها)، يريد: ول شدة هذا الأمر وصعوبته من

стр. 251

تولى رفاهيته ولينه. * وقول علي ﵁ لعبد الله بن جعفر (قم فأجلده)، يدل على أنه لم يرض ما قاله الحسن، ولذلك لم يعمل به، وإن كان الذي أراه أن الحسن لم يقل ذلك إلا لكراهية أن يستوفى الحد بيده من نسيب عثمان ﵁، فيكون فيه نوع مما يجر موجدة، إلا أن رأي علي في ذلك أحسن وأقرب للتقوى.

стр. 252

٥ مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁ أخرج له في الصحيحين سبعة أحاديث المتفق عليه منها اثنان، وباقيها انفرد به البخاري -١٦٠ - الحديث الأول: (من المتفق عليه) [عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان

стр. 253

بسرغ، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبره أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال لي عمر: أدع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام (٩٤/ ب) فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، قلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ و-كان عمر يكره خلافه- نعم، تفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان؛ إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله،

стр. 254

وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه). قال: فحمد الله عمر بن الخطاب، ثم أنصرف. وفي رواية: فسار حتى أتى المدينة، فقال هذا المحل أو هذا المنزل إن شاء الله. وفي رواية: أن عمر إنما انصرف بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁]. * في هذا الحديث من الفقه أن لا يقدم على أرض الوباء إذا سمع به فيها. * وفيه أيضًا أنه يستحب للإمام أن يشاور أماثل مأموميه. * وفيه أيضًا أن يشاورهم على الترتيب على حسب مقاديرهم، فيبدأ بالأفاضل ثم بمن يليهم، وعلى ذلك، ألا تراه كيف أحضر المهاجرين أولا ثم الأنصار ثم الذين أسلموا بعد الفتح؟ * وفيه أن الإمام أو الوالي ليس مخيرًا في أن يحمل رعيته على ما يقتضيه يقينه من التوكل واطراح الأسباب، بل يذرهم (١١٩٥/ أ) بمقتضى الحكمة التي دبر الله بها عموم عباده، فإن عمر ﵁ أجاب أبا عبيدة بن الجراح بما يقتضي قوله بقوله: (أرأيت لو كانت لك إبل)؟ يعني إنه في رعاية الخلق على نحو

стр. 255

رعاية صاحب الإبل، من حيث إن الإبل لا تدري أين يذهب بها راعيها، فلو هبط بها عدوة جدبة لما أنكرت، كما لو هبط بها عدوة خصبة لما شكرت، فإذا ترك الراعي العدوة الخصبة عامدًا أو هبط العدوة الجدية مختارًا ثم قال: إنها لن تأكل إلا ما قدر لها، لقيل له: أما إنها لن تأكل إلا ما قدر لها فهذا قول صحيح، ولكن بئس الراعي تكون أنت إذن، ولذلك (فإن) اليتيم في حجر الوصي، إذا تركه عاريًا جائعًا، تؤذيه الشمس، وتطرق عليه الآفات حتى مات ثم قال: إنه لم يمت إلا بأجله قيل له: صدقت، إنه لم يمت إلا بأجله ولكن بئس الوصي أنت. * وفيه من الفقه أن المؤمن إذا ثبت عنده الحق، وكان في ظاهر الأمر أن ذلك الحق ليس بعزيمة بل رخصة، عدل عن العزيمة إذا كان راعيًا لغيره أو كافلا لسواه. * وفيه أن المؤمن ينبغي أن لا يحتفل بما يستحسنه الجهال، إذا كان ما استحسنوه مما لا يرضي الله به ورسوله والذين آمنوا. * وفيه أن الرجل الصالح قد يلبس عليه الأمر أحيانًا بما يغلب من الأخذ بالعزائم، ويكون مخطئًا، ألا ترى أبا عبيدة كيف قال لعمر: (أفرارًا من قدر الله)؟ فقال له عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة)؟ وفي تفسير هذا قولان: أحدهما، أن المعنى: لو قالها غيرك لعاقبته. والثاني، أن المعنى: هلا تركت هذه الكلمة لغيرك ولم ترتضها لنفسك، أتظن أني أفر من قدر الله، ثم أحتج عليه بما يليق بالحال؟ فقال: (أرأيت لو نزلت واديًا له عدوتان ..)؟، على أن أبا عبيدة لم يقل إلا قولا له مأخذ؛ لكن عمر قال له بفقهه:) نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله). * وفي الحديث من الفقه أن الوباء إذا (٩٥/ ب) وقع بأرض فإن الشرع حظر أن يخرج منها فرارًا أو يقدم عليها.

стр. 256

فأما النهي عن القدوم فلئلا يقول الذي يصيبه: (لو لم أقدم ما أصبت)، فيقف مع الأسباب وينسى المسبب. وأما النهي عن الخروج ففيه ثلاثة أوجه: - أحدها؛ لئلا يظن الخارج أنه يسلم بخروجه، وينسى القدر، فيساكن ذلك فيهلك، فإنه من سبق الكتاب أنه يموت في الوباء لم يمت إلا فيه، ومن سبق له أن لا يموت في الوباء لم يمت فيه. * والثاني؛ لئلا يخرج الأصحاء فيهلك المرضى لعدم من يقوم بمصالحهم، فلا يبقى لهم ممرض، ولا من يواري ميتًا إن مات منهم. * والثالث؛ أن من حصل له شيء من ذلك المرض لم يغنه الخروج فلا يكون له فائدة في خروجه على رأيهم. -١٦١ - الحديث الثاني: [عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إني لواقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، فتمنتني أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم؛ هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك.

стр. 257

قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثلها. فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه. قال: فابتدراه بسيفهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبراه، فقال: (أيكما قتله)؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: (هل مسحتما سيفيكما)؟ قالا: لا، فنظر رسول الله ﷺ إلى السيفين، فقال: (كلاكما قتله)؛ وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء].

стр. 258

* فيه (٩٦/ أ) من الفقه جواز أن يختار الرجل في الحرب أن يكون بين رجلين باسلين لقوله: (تمنيت أن أكون بين أضلع منهما). * وفيه استحباب أن يكتم الرجل في الحرب عزمه إلى وقت إمكان الفرصة؛ ألا تراه كيف قال: (فغمزني أحدهما، فقال: أرني أبا جهل، ثم غمزني الآخر وقال لي مثل ذلك)؟ * وفيه أن الإخلاص في الجهاد داعية النصر، ألا ترى إلى قولها أنه: (بلغنا أنه يسب رسول الله ﷺ )؟ وأنهما غارا لرسول الله ﷺ ؛ فلا جرم أن الله أمكنهما من عدوه وشفى صدورهما منه. * وفيه أنه لما ادعى كل منهما قتله، جعل رسول الله ﷺ بينة كل منهما الدم في نصله؛ فحينئذ قال: (كلاكما قتله). فأما قضاؤه بالسلب لأحدهما دون الآخر، فإن الذي أراه في ذلك أنه نفله إياه من حيث إنه رآه له أصلح؛ وأنه إما قد رآه أمكن لحمل السلاح من صاحبه، أو رآه أفقر إياه على ما رآه رسول الله ﷺ من ذلك. وقوله: بين أضلع منهما؛ أي أقوى منهما.

стр. 259

-١٦٢ - من أفراد البخار: الحديث الأول: [عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: (كاتبت أمية بن خلف كتابًا: أن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت (الرحمن) قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان لك في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) فلما كان يوم بدر خرجت لأحرزه، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من مجالس الأنصار، فقال: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا، خلفت لهم ابنه؛ لأشغلهم به، فقتلوه، ثم أتونا حتى لحقونا، وكان أمية رجلا ثقيلا، فقلت: أنزل، فنزل فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، (٩٦/ ب) وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر في ظهر قدميه]. * في هذا الحديث من الفقه أنه كان في أول الإسلام للمسلم أن يوادع واحدًا من الكفار بحال تخصه، وأن يحفظ له صاغيته؛ وهم أهله؛ ليحفظ هو مثل ذلك. * وفيه جواز أن يحزر المسلم الكافر إذا اتفق له مثل الذي اتفق لعبد الرحمن بن عوف، إلا أن محو (الرحمن) من اسم عبد الرحمن وجعل (عبد عمرو) مكانه أمر قد غفره الله لعبد الرحمن فلا يذكر فيه شيئًا؛ ولولا ذلك لقلت إنه خطأ فاحش. * وفيه جواز أن يقتل الكافر في حصن المسلم في مثل ذلك الموطن.

стр. 260

* وفيه أن المسلم إذا امتنع عليه الكافر بمحاماة من المسلم وإلقاء نفسه عليه، جاز له التوصل إلى قتله حتى لو جرح المسلم، ولما كان فيه قصاص ولا أرش، بل يتعين على المسلم أن يتجنب إصابة المسلم بجهده، وعلى هذا ينبني القول في المسألة المعروفة أنه إذا تترس المشركون بالمسلمين، ولم يمكن الوصول إلى المشركين إلا بإصابة المسلمين فلا حرج. -١٦٣ - الحديث الثاني: [عن عبد الرحمن قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع. فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وأنظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها. فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق بني قينقاع: قال: فغدًا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن. قال: ثم تابع الغدو، فما لبثت أن جاء عبد الرحمن عليه أثره صفرة. فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم. قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار. قال: كم سقت؟ قال: زنة نواة من ذهب، أو نواه من

стр. 261

فضة، فقال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة)]. * في هذا الحديث من الفقه جواز المؤاخاة بين المسلمين. * وفيه أيضًا حسن الإيثار من الأخ الغني للفقير حتى بإحدى زوجتيه. * (٩٧/ أ) وفيه أيضًا أن أحسن من ذلك ما فعله عبد الرحمن بن عوف من توفيره على أخيه ماله وأهله. * وفيه أيضًا استحباب الكسب. * وفيه أيضًا أن الكسب من السوق لا يتورع منه المؤمن، اللهم إلا أن تكون الأسواق تكثر فيها العقود الفاسدة أو التعامل بالربا ومشاهدة المنكرات، ويضعف المؤمن عن مقاومة إنكار ذلك في كل وقت، فكسبه من غير السوق أصلح لمثله، على أنه لو جاهد في الصبر وأنكر المنكر، وذكر الله في أثناء كسبه لكان كالشجرة الخضراء بني الشجر اليابس. * وفيه أيضًا جواز العقد على وزن نواة من ذهب. وقد ذكر ابن فارس اللغوي أن النواة وزن خمسة دراهم.

стр. 262

* وفيه أيضًا استحباب الوليمة للعرس. * وفيه استحباب أن تكون الوليمة بأكثر من شاة فإن رسول الله ﷺ قال: (أو لم ولو بشاة). * وفيه جواز أن يخرج الرجل إذا كان عروسًا وعليه ردع زعفران. * وفيه أنه لما تغانى أن يأخذ من سعد بن الربيع شيئًا أغناه الله سبحانه حتى جعله من أغنى أهل المدينة. * وفيه أيضًا أنه لما وثق بوعد الله تعالى بالغنى عند التزويج مع فقره بقوله سبحانه ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ... الآية﴾؛ فتزوج مع فقره واثقًا بوعد الله سبحانه أعقبه الله الغنى. -١٦٤ - الحديث الثالث: [عن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: أتي عبد الرحمن بطعام، وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير، وكان خيرًا مني، فكفن في بردة: إن غطى رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة أو رجل آخر- شك إبراهيم-. وفي رواية: قتل حمزة- ولم يشك- قال: وهو خير مني، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل

стр. 263

يبكي (٩٧/ ب) حتى ترك الطعام) * في هذا الحديث من الفقه أن مصعب بن عمير، وحمزة بن عبد المطلب أعوزهما كفن سابغ يكفون فيه، فليس إذن سعة الدنيا مما يدل على خير على الإطلاق. * وفيه أن المؤمن يستحب له إذا بسط له من الدنيا أن يذكر شدة عيش الأفاضل من المؤمنين قبله. * وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون خوفه من الفتنة في الغني أكثر، وأن يكون عند حصول الطيبات أحذر، فأما بكاء عبد الرحمن حتى ترك الطعام فلا أحاسبه في ذلك الوقت الأخ كان وحده، إذ لو كان معه غيره أوقد أتفق له ضيف لم يحسن به أن يبكي حتى يترك الطعام فيكدر على ضيفه. -١٦٥ - الحديث الرابع: (عن عبد الرحمن أنه قال لصهيب ﵄: (أتق الله، ولا تدع إلى غير أبيك). فقال صهيب ما يسرني أن لي كذا وكذا، وأني فعلت ذلك، ولكني سرقت وأنا صبي). * فيه من الفقه جواز أن ينهى المؤمن أخاه عما يظنه فيه من الوقوع في معصية.

стр. 264

الحديث الخامس: (عن بجالة بن عبيد -ويقال: ابن عبدة- قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، عم الأحنف فجاء كتاب عمر قبل موته بسنة: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وأنهم عن الزمزمة)، فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين المرء وحريمه في كتاب الله، وصنع لهم طعامًا كثيرًا، وجعل السيف على فخذه، وجعل يدعوهم إلى الطعام، فألقوا وقر بغل أو بغلين، وأكلوا بغير زمزمة، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر). * في هذا الحديث من الفقه جواز قتل الساحر أذا استجاز فعل السحر، وأن لا يترك أحد من المجوس مع أخت ولا أم ولا ذات رحم محرم، من أجل أنهم يرون عندهم نكاح الأمهات والأخوات. * وفيه جواز أخذ الجوية من المجوس، لحديث عبد الرحمن عن النبي ﷺ (٩٨/ أ) لأن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. * وفيه أيضًا الحجة على نهي المشركين أن يرفعوا أصواتهم بشيء من أموالهم في دار الإسلام؟ ألا ترى أن عمر ﵁ قد اشترط. عليهم ترك الزمزمة وهي من أخفضت الأصوات؟ فكان المنع مما فوق ذلك أحرى.

стр. 265

٦ مسند طلحة بن عبيد الله ﵁ أخرج له في الصحيحين سبعة أحاديث المتفق عليه منها حديثنا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة. -١٦٧ - الحديث الأول: (من المتفق عليها) [عن طلحة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوري صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام.

стр. 266

فقال رسول ﷺ : (خمس صلوات في اليوم والليلة). فقال: هل علي غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع). وقال رسول الله ﷺ : (وصيام رمضان). قال: هل علي غيره؟ قال: (لا، إلا أن تطوع). قال: وذكر له رسول الله الزكاة، فقال: هل على غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع). قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق)] في هذا الحديث من الفقه تعيين الفرائض بما ذكر، وأن السائل سأله عن الإسلام، فأخبره بخمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، والزكاة. وهذا أرى فيه أن إخلاله ﷺ بذكر الشهادتين والحج في هذا الحديث من أجل أن دعاءه إلى الشهادتين كان دعاء ظاهرًا، وأن الدعوة بذلك اتصلت في البادي والحاضر، وكذلك الحج، فهو أمر شائع، وقد كان في الجاهلية قبل الإسلام (٩٨/ ب) وزاد الإسلام في تأكيده، فلم يكن يخفي تحتمه ووجوبه، فأخبره ﷺ عما عدا ذلك من أركان الإسلام. وقوله في كل شيء: (هل على غيره)؟ يعني من جنسه، فكان يجيبه بأنك (لا إلا أن تطوع) في كل باب من الأبواب.

стр. 267

وقوله بعد ذلك: (أفلح إن صدق)، فإنه يستبين صدقة باستمراره على فعله ذلك مدة حياته، وحينئذ يتحقق له الفلاح. وأصل الفلاح في اللغة البقاء. -١٦٨ - الحديث الثاني: [عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها رسول الله ﷺ ، غير طلحة وسعد؛ عن حديثهما. وفي رواية: فقت لأبي عثمان وما علمك بذلك؟ فقال: عن حديثهما]. * فيه دليل على أن الصادق يقل خبر. في حق نفسه. -١٦٩ - من أفراد البخاري: الحديث الأول: [عن السائب بن يزيد قال: صحبت طلحة بن عبيد الله وسعدًا والمقداد وعبد الرحمن بن عوف، فما سمعت أدحدًًا منهم يحدث عن رسول الله ﷺ ، إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد]. في الحديث من الفقه تورع أصحاب رسول الله ﷺ في الحديث.

стр. 268

الحديث الثاني: [عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد]. في هذا الحديث من الفقه وجوب وقاية رسول الله ﷺ على أصحابه وعلى كل مسلم بنفسه وأعضائه ألا ترى طلحة ﵁ وقى رسول الله ﷺ بيده حتى شلت؟ من أفراد مسلم -١٧١ - الحديث الأول: [عن عبد الرحمن بن عثمان قال: كنا مع طلحة ونحن حرم، فأهدى لنا طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلم يأكل، فلما أستيقظ طلحة، وفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله (٩٩/ أ) ﷺ ] * في هذا الحديث من الفقه جواز أن يأكل المحرم من صيد لم يكن صيد لأجله.

стр. 269

الحديث الثاني: [عن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك)]. * في هذا الحديث من الفقه أن سترة المصلي يكون مقدارها نحو رادفة الرحل، ورادفة الرحل أطول من مقدمته، ويستحب للمصلي إليها أن يدنو منها، وأن يجعلها إزاء حاجبه الأيمن أو الأيسر حتى ينحرف عن مقابلتها بكل وجهه، فقد روي عن النبي ﷺ ذلك. -١٧٣ - الحديث الثالث: [عن طلحة قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: (ما يصنع هؤلاء)؟ فقالوا: يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فلقح. فقال رسول الله ﷺ : (ما أظن يغني ذلك شيئًا)؛ فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: (إن كان ينفعهم فليصنعوه، فإني إنما ظننت ذلك ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به، فإني لن أكذب على الله تعالى]. * في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ لما رأى جعلهم الفحال في النخلة ظن أن ذلك

стр. 270

مما تحيله عقول الجهال نافعًا، فقال فيه ﷺ ما قال، ثم إنه ﷺ تدارك في ذلك بأن قال إن كان ينفعهم ذلك فليفعلوه؛ (فإني إنما قلت ذلك ظنًا)، وإنه لم يقله عن ربه ، وأخبر ﷺ أنه لم يكن له أن يقول عن ربه إلا ما قاله ، وهذا الحديث مفسر وموضح لكل ما ورد من الأحاديث في هذه الصورة.

стр. 271

٧ مسند الزبير بن العوام ﵁ أخرج له في الصحيحة تسعة أحاديث. المتفق عب منهما حديثان، وباقيها للبخاري -١٧٤ - الحديث الأول: (من المتفق عليه) [(٩٩/ ب) عن الزبير: أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: (أسق

стр. 272

يا زبير ثم أرسل إلى جارك)؛ فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: (أسق يا زبير ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر). فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... الآية﴾. وفي رواية البخاري: (فاستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي، أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم)]. * في هذا الحديث من الفقه جواز أن يكون السقي للأول ثم للذي بعده، إلا أن هذا في النخل خاصة وما يجري مجراه. فأما الزرع وما لا يصبر على العطش أكثر من جمعة ونحو ذلك فإن الماء يتناصف فيه بالسوية. قال الله : ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾. * وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ خفف عن الأنصاري بترك شيء من حق الزبير معه، فإن الزبير من رسول الله ﷺ يحكم في حقوقه، فلما جهل الأنصاري ذلك وظن الأمر بخلاف ما كان عليه استوعى حق الزبير؛ ليعلم الأنصاري سر الأمر ويتأدب عن أن يسيء ظنه برسول الله ﷺ ، وأخذ حق الزبير كله فلم يظلم الأنصاري حقه. والجدر: هو أصل الجدار. والشراج: طريق الماء إلى النخل.

стр. 273

الحديث الثاني: [عن ابن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت -أنا وعمر بن أبي سلمة- مع النساء، يعني نسوة النبي ﷺ في أطم حسان بن ثابت، فنظرت فإذا أنا بالزبير (١٠٠/ أ) على فرسه يختلف إلى بني قريظة. فلما رجع قلت: يا أبت، رأيتك تختلف؟ قال: أو هل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: أما والله لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: (فداك أبي وأمي). قال بعض الرواة فيه: كان رسول الله ﷺ قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟)، فانطلقت، فلما رجعت جمع لي أبويه]. * في هذا الحديث من الفقه جواز حراسة الأطفال والصبيان عن أن يشهدوا موطن الحرب. * وفيه أن رسول الله ﷺ جمع للزبير بين أبويه في النداء. وقد سبق ذكر ذلك في حديث علي بن أبي طالب ﵁ في حق سعد بن مالك، وجمعه له بين أبويه- أنظر الصفحة ٢٥٢، الحديث رقم ١٢٦.

стр. 274

-١٧٦ - من أفراد البخاري: الحديث الأول: [عن ابن الزبير قال: لما وقف الزبير ﵁ يوم الجمل، دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئًا؟ ثم قال: يا بني، بع مالنا، فأقض ديني؛ وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني لبني عبد الله- قال: فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء، فثلثه لولدك. قال عبد الله بن الزبير: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني، إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي. قال: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت، من مولاك؟ قال الله؛ قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه، فقال: فقتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين، منها الغابة، وإحدى دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي كان عليه: أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه. فيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، وإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجًا، ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع رسول الله ﷺ (١٠٠/ ب) أو مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال عبد اله بن الزبير ﵄: فحسبت ما كان عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا بن أخي، كم على أخي من الدين؟ قال: فكتمته وقلت: مائة ألف.

стр. 275

فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذه. فقال عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا؟ فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، قال: فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا، قال، فإني شئتم جعلتموها (فيما) تؤخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة. قال: فقال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا. قال: فباع عبد الله منها فقضي دينه وأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف. قال: فقدم على معاوية، وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، قال: فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بمائة ألف. قال: كم بقي منها، قال: أربعة أسهم ونصف؛ فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت منها سهمًا بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، قال: فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف. قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: أقسم بيننا ميراثنا. قال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان (١٠١/ أ) له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، قال: فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما مضي أربع سنين، قسم بينهم، ورفع الثلث؛ قال: وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف. قال: فجميع ماله خمسون ألف

стр. 276

ألف، ومائتا ألف). * في هذا الحديث من الفقه أن الزبير ﵁ رأى أنه يوم الجمل مقتل مظلومًا، وقد كان ما جرى يوم الجمل على ما قد تناهت به الأخبار، ألا أن الحق في ذلك أن الكل كانوا مجتهدين، وكان علي ﵁ مجتهدًا مصيبًا فله أجران، وكان الآخرون مجتهدين غير مصيبين فلهم أجر واحد. وقد روى سفيان أن علي ابن أبي طالب ﵁ سئل عن القتلى في يوم الجمل من الجانبين فقال: كلهم في الجنة. * في هذا الحديث جواز شغل الرجل الصالح ذمته بالدين االواسع إذا كانت حاله مثل حال الزبير. * وفيه أيضًا ما يدل على غزارة دينه وثقته بالله في أمره ولده بأن يستعين بمولاه الكريم في قضاء دينه. * وفيه أيضًا جواز ابتياع الأرض واقتناء الضيعة من غير كراهية، فقد الكراهية لم ترد إلا في اقتناء الضيعة من سواد العراق لكراهية الدخول في أداء الخراج والانقياد للمذلة من أجل ذلك. * وفيه جواز تأخير قسوة االميراث احتياطًا لقضاء الدين كما فعل عبد الله بن الزبير. * وفيه أيضا ما يدل على كلام عبد الله بن جعفر في مبادأئه بأن يضع عن الزبير حقه، وهو ذلك المال الجم، حيث لم يجبه الوصي إلى وضع ما عليه؛ فجعل ذلك آخر ما يقضي. * وفيه ما يدل على كرم حكيم بن حزام ببذله الإعانة في قضاء دين الزبير ابتداءً منه.

стр. 277

-١٧٧ - الحديث الثاني: [عن عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت؛ ولكن سمعته يقول: (من كذب على فليتبوأ مقعده من النار)]. * في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (لم (١٠١/ ب) أفارقه) يعني: مفارقة مباينة، وليس يريد مفارقة جسدين إذ لم يكن ينام مع رسول الله ﷺ . * وفيه أيضًا التحذير من الكذب على رسول الله ﷺ فإنه قد أتى الوعيد ههنا مطلقًا مثل حديث علي: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)، هكذا مطلقًا من غير تقييد بتعمد. -١٧٨ - الحديث الثالث: (عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه- وفي رواية: فيستعين بثمنها- خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه).

стр. 278

في هذا الحديث استحباب الكسب ما كان- حتى بالاحتطاب- فإنه خير من المسألة- * وفيه أيضًا كراهية المسألة لن يقدر على الاكتساب أعطي أو حرم -١٧٩ - الحديث الرابع: [عن الزبير قال: لقيت يوم بدر عبيدة (ويقال عبيدة) بن سعيد بن العاص، وهو مدجج، لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكني أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته ي عينه فمات. قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها. وقال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت إلى آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل). * فيه من الفقه ذكر شدة الزبير وقوة بطشه، لأنه تمطى حتى استخرج العنزة، وهي الحربة، من أبي ذات الكرش وهو مدجج، والمدجج: الغائض في الحديد. * وفيه أيضًا أن هذه العنزة أخذها رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان

стр. 279

(١٠٢/ أ) ثم آل علي ثم عبد الله تبركًا بمكانها، من حيث إن الله قتل بها عدوًا، ونصر بها وليًا. -١٨٥ - الحديث الخامس: [عن عروة: أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للزبير بن العوام يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ قال: إني إن شددت كذبتم؟ قالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر. قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير. قال عروة: وكان معه عبد الله، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به (رجلا)] * في هدا الحديث من الفقه ستة بأس الزبير، وأنه لما أغراه قوم بالحملة ولاح له أنهم لا يشدون معه، حمل إذ عزم، وأنه شق الصفوف حتى تجاوزها، ويدل على ذلك عودة من ورائها حين ضرب ضربتين على عاتقه، كان بينهما ضربة ضربها يوم بدر، وأن ذلك كان من الآثار المستحسنة؛ حتى قال عروة بن الزبير: (كنت أدخل يدي فيها ألعب بها). * وفيه جواز أن يدخل الصبي في الحرب، ولكان في حالة يحتاط عليه فيها كيلا

стр. 280

يهجم بغرته فيصاب فيهوهن المسلمون به. وقوله: (إن شددت كذبتم؟)، فإني لا أراه إلا على نحو الاستفهام، يعنى به: إن شددت، أنا أتفعلون أنتم التأخر؟. -١٨١ - الحديث السادس: [عن الزبير قال: ضربت للمهاجرين يوم بدر بمائة سهم]. * في هذا الحديث جواز عد السهام التي يرمي بها في سبيل الله ؛ ولا يكون عدها خارجًا خرج الإعجاب بل على وجه تعديد النعم، فقد جاء في الحديث أنه: (من رمى بسهم في سبيل الله فيبلغ- أخطأ أو أصاب- كان كتحرير رقبة من ولد إسماعيل). -١٨٢ - الحديث السابع: (عن هشام بن عروة قال: قال عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة، وكان سيف عروة محلة بفضة). * (١٠٢/ ب) في هذا الحديث جواز تحلية السيف بالفضة.

стр. 281

٨ مسند سعد بن أبي وقاص ﵁ أخرج له في الصحيحين ثمانية وثلاثون حديثًا. المتفق عليه خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. -١٨٣ - الحديث الأول: (من المتفق عليه) [أخرجناه مختصرًا، وأخرجه البخاري بطوله من حديث جابر بن سمرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁ فعزله واستعمل عليهم.

стр. 282

عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ لا أخرم عنها، أصلي صلاة العشي فأركد في الأولين، وأخف في الأخريين: قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا- أو رجالا- إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة؛ فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكني أبا سعدة. فقال: أما إذا نشدتنا، فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعدك أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن .. فكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، يغمزهن. وفي رواية: أما أنا فأمد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا ألو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ ، قال: صدقت؛ ذاك الظن بك؛ أو ظني بك. وللبخاري في رواية: قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة؟ قال: كبير مفتون أصابتني

стр. 283

دعوة سعد]. * في (١٠٣/ أ) هذا الحديث من الفقه جواز أن يعزل الإمام العامل تطيبًا لقلوب رعيته، وإن غلب على ظنه تقولهم عليه؛ ألا تراه كيف عزل سعدًا بمجرد شكايتهم؛ مع كونه قال له: (ذاك الظن بك يا أبا إسحاق)؛ يعنى تجويد كل الأعمال؟ * وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا عزل الإمام العامل تطيبًا لقلوب رعيته؛ فإنه يتتبع كشف ما ذكروه عنه؛ ليكون العمل على يقين، ولتعلم الرعية أنه لا يهمل الكشف عما يقال له، فلا يحتجون في ترك مواجهتهم إياه بالحق بهيبة ولايته. * وفيه أنهم لما رموه بكبير من الأمر من نسبته إلى الجهل بالصلاة، أرسل عمر لكشف ذلك مع كونه قال له: (ذلك الظن بك). * وفيه أيضًا أن عمر ظن به الحسن الجميل ظنا يسوغ معه الاعتبار، إذ لو علم بطلان قولهم يقينًا لم يكن ليشرع في كشف ولا بحث. وقوله: (أركد في الأوليين) يعني أثبت فيهما، وهذا من قول سعد تنبيه منه على ما عداه من أحكام الصلاة، وأن هذا من آدابها وسنتها، وهو أن يطيل الأوليين؛ من الظهر والعصر؛ لأن صلاتا العشي، ويقتصر في الأخريين على فاتحة الكتاب، فهو يعني: إني إذا كنت قد حفظت عليهم آداب الصلاة إلى هذا الحق فإن أحفظ غيرها من الأمور المكشوفة الظاهرة أولى وأحرى. وأراد: إني لم أضع هذا القدر مع كوني ذا أشغال ومهمات، فإذا كنت مراعيًا للسنة من مقادير القيام والقراءة، فكيف أضيع ما فوقها؟

стр. 284

* وفيه أيًضا جواز أن يعتبر قول من شكا من الرعية بما عند غيرهم من أمثالهم؛ ألا تراه كيف طاف بسعد على المساجد؟! * وفيه أيضًا أنه لا يسأل عنه إلا بحضوره ومشهده؛ لئلا يقال في حقه ما لا يوافق عليه، ولئلا يحتاج في الموافقة بينهم إلى تقدير مرة أخرى. * وفيه أيضًا أن سعدًا لما قدح فيه أبو سعدة بما لم يكن كما قال من قوله: (إنه لا يسير بالسرية (١٠٣/ ب)، ولا يقسم بالسوية؟! لا يعدل في القضية)، لم يخلد في هذا إلى أن يقابله عليه بقولٍ ولا بسوطٍ؟ بل عدل إلى دعاء الله تعالى؛ واثقًا بأن الله إذا دعاه المظلوم أجابه- وإن كان أميرًا- ليتبين صدق سعد وكذب أبى سعدة فيما بعد تلك الحال وإلى يوم القيامة، وكان سعدًا أراد أن يكون الله تعالى هو المزكي له والشاهد ببطلان ما قيل عنه بما أظهر من إجابة دعوته. -١٨٤ - الحديث الثاني: [عن سعد قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا، وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله ﷺ منهم رجلا، هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول الله ﷺ : (أو مسلمًا) ذكر ذلك سعد ثلاثًا، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار]. وفي رواية قال الزهري: فترى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل

стр. 285

الصالح. وفي رواية لمسلم: أن النبي ﷺ قسم قسمًا وترك رجلا]. * فيه من الفقه جواز أن ينبه الرجل الإمام على بعض ما عساه أن يحل به. ألا ترى سعدًا كيف راجع رسول الله ﷺ ثلاث مرار في ذلك فلم ينكر عليه؟! * وفيه أن الإيمان درجة من وراء الإسلام، فأما الإسلام فحقيقة من حيث اللغة الاستسلام، فقد يكون عن معرفة صحة ما عليه من أستسلم له في الأكثر، وأنه يسلم نفسه راضيًا بما أسلم نفسه فيه عن علم بصحته، وقد يكون على نحو ما فعله الأعراب من إسلامهم مخافة القتل والحرب مع غير عقيدة متيقنة؛ قال الله ﴿قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، فأما الإيمان فأصله التصديق وهو درجات، ومذهب أهل السنة أنه قول وعمل، وهذا الحديث صريح في فرق النبي ﷺ بين الإسلام والإيمان. * وفي هذا الحديث (١٠٤/ أ) من الفقه قوله ﷺ : (إني أعطى الرجل، وغيره أحب إلي منه)؛ ففيه جواز أن يكون الذي عليه خاف رسول الله ﷺ هو المعطي لعلمه ﷺ أنه كان الحرمان يرد به بعض موارد الهلكة من سوء ظنه في الله تعالى، أو من شكه في الإسلام أو سوء احتماله للفقر وغير ذلك، ويجو أن يكون المحذور عليه هو المحروم من كونه قد كان يعلم رسول الله ﷺ أنه إنما يصلحه فقره، فلو قد استغنى أبطره غناء أو شغله عن ربه، أو حلت به آفة من آفات سواء احتمال الغنى، وعلى هذا ينبغي لكل مؤمن أن يحسن الظن بربه في قسمه الأرزاق بين عباده، وأنه سبحانه لم يضع من ذلك شيئًا
следующие страницы →