← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

شَاتَيْن، فهو جذع؛ لأن له نزواً وضرَاباً، وإن كان من بين هَرَمين، فلا تسمى جَذَعَةً حتى تستكمل ثمانية أشهر. وقوله: في أثناء الكلام وما بينها أَوْقَاصٌ هي جمع وقْص وهو ما بين الفَرِيضَتَيْن، ثم منهم من يقول: القاف من الوَقْص متحركة، وهو الذي ذكره في "الصِّحاح"، قالوا: ولو كانت ساكنة لجاء الجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وكلب وأكلب، ومنهم من يسكن القاف ويقول: هو مثل هَوْل وأَهْوَال، وحول وأحوال، والشّنْق بمعنى الوَقْصِ، ومنهم من قال: الوَقْصَ في البقر والغنم خاصّة، والشّنق في الإبل خاصة (١). وقوله: لا يعتدّ بها يجوز أن يريد به أنها لا تؤثر في زِيادَةِ الوَاجِب، ويجوز أن يريد به أن الوَاجب لا ينبسط عليها بل هو عفو، وهو الصَّحيح وفيه خلاف مذكور في الكتاب من بعد. وقوله: أما الجَذَعة من الضَّأن، وهي التي لها سنة ليس المفسّر الجَذَعَة من الضَّأن بخصوصها بل الجَذَعة من الغَنم هي التي لها سنة على الوجه الأظهر سواء كانت من الضّأن أو المَعِز، وكذلك الثّنية من الغَنَمِ هي التي لها سنتان سواء كانت من الضَّأْن أو من المَعِزِ، ثم الواجبة من هذه الجذعة ومن تلك الثَّنية -والله أعلم-. قال الغزالي: ثُمَّ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الأَوَّلُ: فِي إِخْرَاجِ شَاةٍ عَنِ الإِبِلِ وَهِيَ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيةٌ مِنَ المَعْزِ، وَالعِبْرَةُ فِي تَعْيِينِ الضَّأنِ

стр. 1017

أَوُ المَعْزِ بِغَالِبِ غَنَمِ البَلَدِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنّ الاسْمَ مُنْطَلِقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخْرَجَ ذَكَرًا فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ أَوْ عَنْ عَشْرٍ أَخَذَ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ شَاةٍ. قال الرافعي: لك أن تقول: النَّظَرُ الثَّالث والخامس لا اختصاص لهما بزكاة الإبل على ما سنبينه من بعد، وإنما كان يحسن قوله في زكاة الإبل في خمسة مواضع، إذا كانت المواضع كلها مختصة بالإبل، إذا تقرر ذلك فالنظر الأول في كيفية إخراج الشَّاة من الإبل، وقد ذكرنا أن الواجب في الإبل قبل بلوغها خمساً وعشرين الشِّياه، وإنما تجب الجَذَعَة من الضَّأن، والثَّنيةُ من المعز كما ذكرنا في الشَّاة الواجبة في الغنم، لما روي أن مصدق النبيّ ﷺ قال: "إنَّمَا حَقُّنَا فِي الجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَنِيَّةِ مِنَ الْمَعْزِ" (١). وروي أنه قال: "أُمِرْنَا بَأَخْذِهِمَا" (٢) وخلاف أبي حنيفة في أن الواجب منها الثنية ومالك في أن الجذعة منهما تجزئ عائد هاهنا أيضاً، ثم في الفصل مسائل؟ إحداها: هل يتعين أحد النوعين من الضَّأن والمَعِزِ؟ حكى في الكتاب فيه وجهين: أحدهما: أنه يتعين غالب غنم البلد، إن كان الغالب الضَّأن وجب الضأن، وإن كان الغالب المَعِزُ وجب المعز؛ لأنه مال وجب في الذِّمة بالشرع، فاعتبر فيه عرف البلد كالكَفَّار، هذا ما ذكره صاحب "المهذّب"، وقال: إن استويا يخير بينهما. والثاني: أنه يخرج ما شَاءَ من النَّوعين، ولا يتعيّن الغالب في البلد، لأنه ﷺ قال: "في خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ شَاةً"، واسم الشاة يقع عليهما جميعاً، فصار كما في الأَضْحِيَة لا يتعين فيها غنم البلد؛ وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجه آخر، وهو أنه يتعين نوع غنمه إن كان يملك غنماً، كما إذا كان يزكي عن الغنم، وكما في إبل العَاقِلَةِ على رأي، ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "فغالب غنم البلد" وكذا قوله: "يخرج ما شاء" بالواو لمكان هذا الوجه الثالث، والثاني معلّم بالميم أيضاً؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجب من غالب غنم البلد. وقوله: "يخرج ما شاء ويؤخذ منه"، لا ضرورة إلى الجمع بين هذين اللفظين، والمقصود حاصل بأحدهما. ثم اعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وحكاه إمام الحرمين عن العِرَاقيين، وذكر أن صاحب "التَّقْرِيب" نقله عن نص الشافعي ﵁، ونقل نصوصاً أخر تقتضي التَّخيير ورجحها، وساعده الإمام عليه، وإليه صار الأكثرون وربما

стр. 1018

لم يذكروا سواه، فإذاً الوجه الثاني أصحُّ في المذهب. والشُّبْهة داخله في حكاية الإمام عن العِرَاقيين من وجهين: أحدهما: أن الشيخ أبا حامد وَشِيْعته نصوا على أنه لا يعتبر غالب غنم البلد، وإنما يعتبر غنم البلد فحسب. والثَّاني: أنه يشبه أنهم أرادوا بما ذكروا تَعْيِينَ ضَأْن البلد ومعزه، وذلك لا ينافي التَّخْيير بين الضَّأن والمَعِزِ يدل عليه أن صاحب "الشَّامل" خير بين الضَّأن والمَعِز، ومع ذلك قال: يخرج من غنم البلد وكذلك خير في "التَّتمة" بين النوعين، ثم حكى وجهين في أن الضَّأن المخرج أيضاً مثلاً هل يجب أن تكون مع نوع ضان البلد، أم لا؟ ومن قال: يتعيين غنم البلد قال: لو أخرج غيرها وهي خير من غنم البلد بالقيمة أجزأته، وكذلك لو كانت مثلها إنما الممتنع أن يخرجها وهي دونها. الثانية: لو أخرج جذعاً من الضَّأن أو ثَنياً من المَعِزِ هل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كالشَّاة المخرجة من الأربعين من الغنم، وكَأَسْنَان الإبل المؤدّاة في زكاتها وهذا لأن في الإِنَاثِ رفق الدّر والنَّسل فيبنى أمر الزَّكَاة على اشْتراط الأنوثة في المؤدي فيها: وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق ونعم، لشمول الاسم كما في الأضحية. ثم ذكر في "التتمة" طريقين: أشهرهما: أن الوجهين مطردان فيما إذا كانت الإبل ذكوراً كلها وفيما إذا كانت إناثاً أو مختلطة، وهذا هو الموافق لإطلاق الكتاب والمذكور في "التهذيب". والثاني: أنها إذا كانت إناثاً أو كان بعضها إناثاً لم يَجُزْ إخراج الذكر والوجهان مخصوصان بما إذا كانت ذكوراً كلها والوجهان مبنيان على أصل سنذكره، وهو أن الشَّاة المخرجة عن الإبل أصل بنفسها أم عن الإبل. إن قلنا: بدل جاز إخراج الذَّكر كما لو أخرج عنها بعيراً ذكراً يجزئه، وإن قلنا: أصل لم يجز جرياً على الأصل المعتبر في الزكوات وهو كون المخرج أنثى، وقوله في الكتاب: "فعلى هذين الوجهين" أشار به إلى تقارب مأخذ الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها. الثَّالثة: لو ملك خمساً من الإبل ولزمته شاة فأخرج بعيراً، فظاهر المذهب أنه يجزئه، وإن كانت قيمته أقلَّ من قيمة الشَّاة، خلافاً لمالك وأحمد حيث قالا: لا يجزئ إلا الشَّاة. لنا أن البعير يجزئ عن خمس وعشرين، والخمس داخلة فيها، فأولى أن يجزئ عنها منفردة، وفي المسألة وجهان آخران: أحدهما: أن البعير إنَّما يجزئ إذا بلغت قيمته قيمة شَاة، أما إذا انقصت فلا لما

стр. 1019

فيه من الإِجْحاف بالفقراء، حُكِيَ هذا عن القفال والشيخ أبي محمد. والثاني: أنه إن كانت الإبل مراضاً أو قليلة القيمة لعيب بها فأخرج بعيراً منها جاز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة الشاة أما إذا كانت صحاحاً سليمة لم يجز أن يخرج عنها بعيراً قليل القيمة. والفرق أنه في المراض لا يعتقد بأداء البعير تطوعاً وفي الصحاح يعتقد التَّطوع. وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وهذا الوجه هو الذي أورده الصَّيْدَلاَني وحكى المنع فيما إذا كانت الإبل صحاحاً هو وغيره عن نص الشافعي ﵁ وفي كلام الشيخ أبي محمد حمل ذلك النَّص على الاسْتحباب، وإذا قلنا بظاهر المذهب فأخرج بعيراً عن خمس من الإبل فهل يكون كله فرضاً أو يكون خمسة فرضاً والباقي تطوعاً؟ فيه وجهان شبههما الأئمة بالوجهين في المُتمتع إذا ذبح بُدْنة بدل الشَّاة هل تكون كلها فرضاً أو الفرض سبعها؟ وفيمن مسح جميع الرأس هل يقع الكل فرضاً أم لا؟ وجعلوا المصير إلى أن الكلَّ ليس بفرض، في مسألتي الاسْتِشْهاد أوجه؛ لأن الاقتصار على سبع بدنة في الهَدَايا، وعلى بعض الرأس في المسح جائز، ولا يجزئ هاهنا أخراج خمس بعير بالاتفاق وكذلك قال الإمام من يقول: الفرض مقدار الخمس يعني به، على شرط التَّبرع بالباقي ليزول عيب التَّشْقِيص، وذكر قوم منهم صاحب "التهذيب" أن الوجهين مبنيّان على أصل، وهو أن الشياة الواجبة في الإبل أصل بنفسها أم هي بدل عن الإبل؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها أصل جرياً على ظاهر النص. والثاني: بدل لأن الأصل وجوب جنس المال؟ إلاَّ أن إيجاب بعير قبل كثرة الإبل يجحف بربِّ المال وإيجابُ شِقْص بعير ممَّا يشقُّ لما فيه من نقصان القيمة وعسر الانْتِفَاع، فعدل الشَّارع إلى الشَّاة ترفيهاً وإرفاقاً، فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج البعير كان كله فرضاً كالشاة، وإن قلنا: الأصل هو الإبل، فإذا أخرج بعير كان الواجب خمساً؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين وحصّة كل خمس حينئذ خمسة. ولو أخرج بعيراً عن عشر من الإبل أو عن خمس عشرة أو عشرين، هل يجزئه؟ فيه وجهان بنوهما على الخلاف الذي تقدم، إن قلنا: إذا أخرجه عن الخمس وقع الكلام فرضاً، وقام مقام شاة فلا يكفي في العشر بعير واحد، بل لا بد من بعيرين أو بعير وشاة، وفي الخمس عشرة من ثلاثة أَبْعرة أو بعيرين وشاة، أو شاتين وبعير، أو ثلاث شياة، وفي العشرين من أربعة، وإن قلنا: الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعاً في العشر بثلاثة أخماسه، وفي الخمس عشرة بخمسة وفي العشرين بخمسة، ولم يرتض الإمام هذا البناء، ومن وجوه الإشكال فيه أنه يقال: لم يلزم من كون كله فرضاً

стр. 1020

إذا أخرجه عن خمس ألا يكتفي به عن العشر بل يجوز أن يكون كله فرضاً إذا أخرج عن هذا وفرضاً إذا أخرج عن ذاك، أَلاَ تَرَى أنه يقع فرضاً فيكتفي به عن الخمس والعشرين مع الحكم بأن كله فرض إذا أخرج عن الخمس وكذا البُدنة ضحية واحدة إذا ضحَّى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها، وسواء كان البناء المذكور مرضياً أم لا، فظاهر المذهب إجزاؤها عما دون الخمس والعشرين كإجزائها عن الخمس والعشرين، وهو المذكور في الكتاب، والوجهان المذكوران هاهنا مبنيان على الصّحيح في إجزاء البعير عن الخمس مطلقاً، والوجهان الآخران ثم يعودان هاهنا أيضاً ونعتبر تفريعاً عليهما أن لا تنقص قيمته في العشر عن قيمة شاتين، وفي الخمس عشرة عن قيمة ثلاث شياه، وفي العشرين عن قيمة أربع. وإذا عرفت جميع ما ذكرنا رقمت قوله في الكتاب: "أخذ" بالميم والألف والواو وقوله: "وإن نقصت قيمته" بالواو أيضاً للوجه المنسوب إلى القَفَّال وأبي محمد -رحمهما الله-. واعلم: أن الشَّاة الواجبة في الإبل يجب أن تكون صحيحة، وإن كانت الإبل مراضاً لأنها في الذّمة (١) ثم فيها وجهان: أحدهما: وهو الذي أورده كثيرون أنه يؤخذ من المراض صحيحة تليق بها. مثاله: خمس من الإبل مراض قيمتها خمسون، ولو كانت صحاحاً لكانت قيمتها مائة وقيمة الشاة المجزئة عنها ستة دراهم فيؤمر بإخراج شاة صحيحة تساوي ثلاثة دراهم، فإن لم توجد بهذه القيمة شاة صحيحة قال في "الشَّامل": فرق الدراهم. والثاني: أنه يجب فيه ما يجب في الإبل الصحاح بلا فرق قال في "المهذب": وهذا ظاهر المذهب، ونسب الأول إلى أبي عَلِيِّ بنِ خَيْرَانَ -[والله أعلم]-. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي العُدُولِ إِلَى ابْنِ لَبُونٍ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ أَخَذَ ابْنَ لَبُونٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ جَازَ لَهُ شَرَاءُ ابْنِ لَبُونٍ، وَلَوْ كَانَ

стр. 1021

فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاض مَعِيبَةٌ فَهِيِ كَالْمَعْدُومَةِ، وَلَوْ كَانَتْ كَرِيمَةً لَزِمَهُ عَلَى الأَقْيَسِ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَالِهِ وَإِنَّمَا تُتْرَكُ نَظَراً لَهُ، وَتُؤخَذُ الخُنْثَى مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاض عِنْدَ فَقْدِهَا، وَيُؤْخَذُ الحِقُّ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَ فَقْدِهَا كمَا يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ. قال الرافعي: إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل وجبت عليه بنت مخاض فإن وجدها لم يعدل إلى ابن اللَّبون، وإن لم يجدها وكان عنده ابن لَبُون جاز أخذه منه سواء قدر على تحصيل بنت المَخَاض أم لا، وسواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاضَ، أو لم يكن لما رويناه في الخبر ولا جبْرَان، بل فضل السن يجبر فضل الأنوثة ثم فيه مسائل: إحداها: لو لم يكن في ماله بنت المَخَاض، ولا ابن اللَّبون ففيه وجهان (١): أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يشتري ما شاء منها ويخرجه أما بنت المَخَاض فلأنها الأصل، وأما ابن اللَّبون فلأن شرط إجزائه موجود وإذا اشتراه كان في ماله ابن لبون وهو فاقد لبنت المخاض. والثاني: وبه قال مالك وأحمد وصاحب "التقريب" يتعيّن عليه شراء بنت المخاض؛ لأنهما لو استويا في الوجود لم يخرج ابن اللَّبون، فكذلك إذا استويا في الفقد، وقدر على تحصيلهما. الثانية: لو كانت عنده بنت مَخَاض معيبة فهي كالمعدومة؛ لأنها غير مجزئة، ولو كانت كريمة وإبله مهازيل فلا يكلّف إخراجها. لما روي أنه ﷺ قال: "إِيَاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" (٢) فإن تطوّع بها فقد أحسن وإن أراد إخراج ابن لبون ففيه وجهان: أظهرهما: عند صاحب الكتاب وشيخه: أنه لا يجوز؛ لأن شرط العدُول إلى ابن اللَّبون أن لا يكون في ماله بنت مَخَاض، وهي موجودة هاهنا بصفة الإجزاء، إلاَّ أنها تَركت نظراً له ورعاية لجانبه، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد (٣)، وأكثر شيعته ورجحه الأكثرون.

стр. 1022

والثاني: يجوز، لأنها لما لم تكن موجودة في ماله كانت كالمَعْدُومة، ويحكى هذا عن نصه إلى ترجيحه يميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب". قوله في الكتاب: "لزمه على الأَقْيس شراء بنت مخاض" لا يخفى أنه ليس الغرض منه عين الشراء، بل المقصود تحصيله بأي طريق كان وإخراجه عن الزكاة وكذا حيث قال في هذه المسائل: يجوز الشِّراء أو لا يجوز، وقوله في أول الفصل: "أخذ منه ابن لبون" ليس على معنى أنه يلزم بذلك، إذ لو حصل بنت مخاض وأخرجها جاز، ولكن المعنى أنه يقنع به. الثالثة: لو لم يكن في ماله مَخَاض فأخرج خنثى من أولاد اللَّبون، هل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لتشوّه الخلْقة بنقصان الخنوثة فأشبه سائر العيوب. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: نعم، فإنه إما ذكر وابن اللبون مأخوذ بدلاً عن بنت المَخَاض، أو أنثى وهي أولى بالجواز لزيادة السِّن مع بقاء الأنوثة، ثم لا جبران للمالك لجواز أن يكون المخرج ذكراً بخلاف ما إذا لم يكن في ماله بنت مخاض، وكانت عنده بنت لبون فأخرجها له الجبران، ولو وجد ابن اللّبون وبنت اللّبون فأراد إخراج بنت اللّبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين قاله في العدّة، ولو لزمته بنت مَخَاض وهي موجودة في ماله فأراد أن يخرج خنثى من أولاد اللبون بدلاً لم يجز لجواز أن يكون ذكراَ وابن لبون مأخوذ بدلاً عن بنت مخاض مع وجودها بخلاف ما لو أخرج بنت لبون. وقوله في الكتاب: "وتؤخذ الخنثى من بنات اللبون" لو قال: "من أولاد اللبون" لكان أحسن، فإن الخُنُوثة تمنع من معرفة كونه ابناً أو بنتاً، وكذلك هو في بعض النّسخ. الرابعة: لو أخرج حقّاً بدلاً عن بنت مَخَاض عند فقدها فلا شك في جوازه؛ لأن إخراج ابن اللّبون جائز فالحِق أجوز وأولى، ولو أخرجه بدلاً عن بنت لبون لزمته فوجهان: أحدهما: يجوز، لاختيار فضيلة الأنوثة بزيادة السّن كما يجوز إخراج ابن اللّبون بدلاً عن بنت المخاض. والثاني: لا يجوز؛ لأن النص ورد ثَمَّ وهذا ليس في معناه؛ لأن تفاوت السِّن في بنت المَخَاض وابْن اللَّبون تفاوت يوجب اخْتصاصه بقوّة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع، والتفاوت بين بنت اللبون والحِقْ لا يوجب اختصاص الحقّ بهذه القوة بل هي موجود فيهما جميعاً، فلا يلزم من كون تلك الزيادة حائزة لفضيلة الأنوثة

стр. 1023

كون هذه الزيادة جابرة لها، والمذكور في الكتاب من هذين الوجهين هو الأول، لكن المذهب الثاني بل الجمهور لم يذكروا سواه ولم يتعرض للخلاف إلا الأقلون منهم الحناطِيُّ. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ إِذَا مَلَكَ مَائَتَيْنِ مِنَ الإبِلِ، فإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أَحَدُ السِّنَّيْنِ أَخَذَ مِنْهُ المَوْجُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ اشْتَرى (و) مَا شَاءَ مِنَ الحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَإِنْ وُجِدَا جَمِيعاً وَجَبَ إِخْرَاجُ الأغْبَطِ لِلْمَسَاكِينَ، وَقِيلَ: الخِيَرَةُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الحِقَاقُ فَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي غَيْرَ الأَغبَطِ قَصْدًا عَلَى قَوْلِنَا: يَجِبُ الأَغْبَطُ لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ وَإِنْ أَخَذَ بِاجتِهَادِهِ فَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المَوْقِعَ، وَقِيلَ: يَقَعُ المَوْقِعَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَبْرُ التَّفَاوتِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ جَبرُ التَّفَاوتِ بِبَذْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَبْرُةُ بِأنْ يَشْتَرِي بَقِدْرِ التَّفَاوُتِ شِقْصًا إِنْ وَجَدَهُ إِمَّا مِنْ جِنْسِ الأَغْبَطِ عَلَى رَأيٍ أَوْ مِنْ جِنْس المُخْرجِ عَلَى رَأْيٍ. قال الرافعي: مقصود هذا النظر الكلام فيما إذا بلغت ماشيته حدّاً يخرج فرضه بحسابين كما إذا ملك مائتين من الإبل فهي أربع خمسينات وخمس أربعينات. وقد روينا في الخبر أنه ﷺ قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينِ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" (١). فما الواجب فيها؟ نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وفي القديم على أنه يجب أربع حقاق واختلفوا على طريقين: أحدهما: أن المسألة على قولين: أصحهما: أنَّ الواجب أحد الصّنفين لما ذكرنا أن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيتعلق بها أحد الفرضين. والثَّاني: أن الواجب الحِقَاق؛ لأن الاعتبار في زكاة الإبل بزيادة السّن ما وجد إليها سبيل، ألا ترى أن الشّرع رقي في نصيبها إلى منتهى الكمال في الأسنان ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة في السن. والطريق الثاني: القطع بما ذكره في الجديد، وحمل القديم على ما إذا لم يوجد إلا الحقاق، فإن أثبتا القديم وفرعنا عليه نظر إن وجدت الحِقَاق بصفة الإجزاء لم يجز غيرها، وإلاَّ نزل منها إلى بنات اللَّبون أو صعد إلى الجِذَاع مع الجبْرَان، وإن فرعنا على الجَدِيد الصّحيح فللمسالة أحوال، ذكرنا ثلاثاً منها في الكتاب فنشرحها، ثم نذكر غيرها على الاخْتِصار. إحدى الأحوال الثلاث: أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد

стр. 1024

الصِّنفين بكماله دون الآخر فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الثاني وإن كان أنفع للمساكين، ولا يجوز النّزول والصّعود عنه مع الجبران ولا فرق بين أن لا يوجد الصنف الآخر أصلاً وبين أن يوجد بعضه والناقص كالمعدوم، ولا يجوز أن يؤخذ الموجود من الناقص، ويعدل بالباقي إلى الصعود والنزول مع الجبران، إذ لا ضرورة إليه، ولو وجد الصنفان لكن أحدهما معيب فهو كالمعدوم. والحالة الثانية: أن لا يوجد في ماله شيء من الصّنفين، وفي معناه أن يوجد أو هما معيبان، فإن أراد تحصيل أحدهما بشراء وغيره فوجهان: أحدهما: يجب تحصيل الأغبط كما يجب على الظَّاهر إخراج الأَغْبَط إذا وجد على ما سيأتي: وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب يحصل ما شاء من الحقاق أو بنات اللبون، فإنه إذا اشترى أحد الصّنفين صار واجداً له دون الآخر فيجزئه، والوجهان كالوجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين، وليس فيها بنت مَخَاض، ولا ابن لبون، هل يجب تحصيل بنت المَخَاض أم لا؟ يجوز في هذه المسألة أن لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون، ولكن ينزل أو يصعد مع الجبران، وحينئذ إن شاء جعل بنات اللبون أصلاً ونزل منها إلى خمس بنات مَخَاض فأخرجها مع خمس جبراناتا، وإن شاء جعل الحِقَاق أصلاً وصعد منها إلى أربع جِذَاع فأخرجها وأخذ أربعة جبرانات، ولا يجوز أن يجعل الحقاق أصلاً وينزل منها إلى أربع بنات مخاض، مع ثمان جبرانات ولا أن يجعل بنات اللبون أصلاً ويصعد منها إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات لإمكان تقليل الجبْرَان بجعل الجِذَاع بدل الحِقَاق وبنات المخاض بدل بنات اللبون. وحكى الشيخ أبو محمد في "الفروق" وجهاً آخر وهو أنه يجوز النّزول والصّعود فيهما كما لو لزمته حقة فلم يجدها ولا بنت لَبُون في ماله فنزل إلى بنت مخاض فأخرجها مع جبرانين أو لزمته بنت لبون فلم يجدها، ولا حقّة في ماله فيصعد إلى الجذعة فيخرجها ويأخذ جبرانين يجوز والظاهر الأول. والفرق أن في صورتي الاستشهاد لا يتخطّى واجب ماله، وفيما نحن فيه يتخطّى في الصعود، والنزول أحد واجبي ماله. والحالة الثالثة: أن يوجد الصِّنْفان معاً بصفة الإجْزَاء فقد قال الشّافعي ﵁ نصاً: يأخذ السَّاعي ما هو الأَغْبَط منهما لأهل السَّهْمَيْن؛ لأن كل واحد من الصَّنفين فرض نصابه لو انفرد، فإذا اجتمعا روعي الأصلح للمحتاجين، واحتج له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١).

стр. 1025

وعن ابن سريج: أن المالك بالخيار يعطي ما شاء منهما، كما أنه بالخيار في الصعود والنُّزول عند فقد الفرض، وأجاب الأصحاب أن المالك ثَمَّ يسبيل من ترك الصُّعود والنزول معاً، بأن يحصل الفرض، وإنما شرع ذلك تخفيفاً للأمر عليه ففوض إليه وهاهنا خلافه. التفريع إن خيرنا المعطي على رأي ابن سريج فيستحب له مع ذلك أن يعطي الأَغْبط إلا أن يكون وَلِيَّ يتيم فيراعى حظه، وإن فرعنا على النّص وهو ظاهر المذهب فلو أخذ السَّاعي غير الأغبط نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة واحدة من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا، أو وجد تقصير من المالك بأن دلَّس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن جهة الزَّكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع عن جهة الزَّكاة، هذا ما اعتمده الأكثرون منهم صاحب "المهذّب" وهو الظاهر، وزاد في التَّهذيب شيئاً آخر، وهو أن لا يكون باقياً بعينه في يَدِ السَّاعي، فإن كان باقياً لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما، وهذا قد حكاه الشيخ أبو الفضل بْن عَبْدَان عن ابن خَيْرَان ووراء ما نقلنا من الظَّاهر وجوه أخر: أحدها: أنه يقع عن الزَّكَاة بكل حال، وإن أخذ من غير اجتهاد حكاه ابن كج وغيره؛ لأنه يجزئ عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع وهذا رجوع إلى رأي ابن سريج. والثاني: لا يقع عن الزَّكاة بحال؛ لأنه ظهر أنَّ المأخوذ غير المأمور به. والثالث: إن فرقة على المستحقّين ثم ظهر الحال حسب عن الزَّكاة بكل حال وإلاَّ لم يحسب، والفرق عسر الاسْتِرْجاع. والرابع: عن أبي الحسين بن القطَّان عن بعض الأصحاب: أنه إن دفع المالك مع العلم بأنه الأدنى لم يجزه، وإن كان السَّاعىِ هو الذي أخذ جازِ، ويقرب عن هذا عد صاحب "التَّهْذيب" مجرَّد علم المالك بحالة تقصيراً مانعاً من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس. وفي كلام الصيدلاني وغيره ما ينازع فيه إذا أخذه السَّاعي بالاجتهاد، فهذا بيان الاختلافات في هذا الموضع. التَّفْريع حيث قلنا: لا يقع المأخوذ عن الزَّكَاة فعليه إخراج الزكاة، وعلى السَّاعي ردُّ ما أخذه إن كان باقياً وقيمته إن كان تالفاً، وحيث قلنا: يقع فهل يجب إخراج قدر التَّفاوت؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يستحب ولا يجب؛ لأن المخرج محسوب عن الزكاة فيغني عن غيره كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة وأخذها لا يجب شيء آخر. وأصحهما: أنه يجب لنقصان حتى أهل السَّهْمين، قال الأئمة: وإنما يعرف قدر التفاوت بالنَّظَرِ إلى القِيمَة، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسون وقد أخذ الحقاق فقدر التفاوت خمسون. التّفريع: إن كان قدر التَّفاوت يسيراً لا يؤخذ به شِقْص من ناقة دفع الدَّراهم للضّرورة. وحكى إمام الحرمين ﵀-

стр. 1026

عن صاحب "التقريب" إشارة إلى أنه يتوقف إلى أن يجد شِقْصاً واستبعدها، وإن كان قدراً يؤخذ به شقص، فهل يجب شراؤه أم يجوز دفع الدراهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن الواجب الإبل والعدول إلى غير جنس الواجب في الزكاة ممتنع على أصلنا. وأصحهما: أنه يجوز دفع الدَّراهم لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المُشَاركة، وقد يعدل إلى غير جنس الوَاجب لضرورة تعرض أَلاَ ترى أنه لو وجب شاة عليه في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثّمن يعدل إلى القيمة على أن الغرض هاهنا جبْرَان الواجب فأشبه دراهم الجبران. التفريع إن قلنا: يجوز دفع الدراهم فلو أخرج بها شِقْصاً، فالظَّاهر جوازه. قال في "النهاية" وفيه أدنى نظر، لما فيه من العسر على المَسَاكين، وإن قلنا: يجب إخراج شِقْص ينبغي أن يكون ذلك الشّقص من الأَغْبَط، أو من المخرج، فيه وجهان: أحدهما: من المخرج كيلا تتفرق الصدقة. وأظهرهما: عند الصّيدلاني وغيره: من الأغبط فإنه الواجب في الأصل، ففي المال الذي سبق ذكره يخرج على الوجه الأول نصف حقة، لأن قيمة كل حقة مائة وقدر التّفاوت خمسون. وعلى الوجه الثاني: يخرج خمسة أتساع بنت اللبون؛ لأن قيمة كل بنت لَبَون تسعون، فإذا أخرج الشّقص لزمه صرفه إلى السّاعي على قولنا: يجب الصَّرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة، وإذا أخرج الدَّراهم فوجهان: أحدهما: لا يجب الصَّرف إليه؛ لأنها من الأموال البَاطنة. والثاني: يجب؛ لأنها جبران المال الظَّاهر (١) هذا تمام السلام في الأحوال المذكورة في الكتاب. ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض كل واحد من الصّنفين، كما إذا وجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فهو بالخيار بَيْنَ أن يجعل الحِقَاق أصلاً فيعطيها مع بنت لبون وجبران وبين أن يجعل بنات اللبون أصلاً فيعطيها مع حقة ويأخذ جبراناً، وهل يجوز أن يعطي حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانَات؟ فيه وجهان لبقاء بعض الفرض عنده،

стр. 1027

وكثرة الجبران مع الاستغناء عنه. ويجري الوجهان فيما إذا لم يجد إلا أربع بنات لبون وحقة، فأعطى الحقَّة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ونظائره. قال صاحب "التهذيب" ويجوز في الصورة الأولى أن يعطي الحقاق مع الجذعة ويأخذ جبراناً، وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران. ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض أحد الصنفين، ولا يوجد من الآخر شَيْء، كَمَا إذا لم يجد إلا حِقَّتَيْن فله أن يجعلها أصلاً، ويخرجها مع جذعتين ويأخذ جبرانَيْن، وله أن يجعل بنات اللَّبون أصلاً فيخرج بدلها خمس بنات مَخَاض مع خمس جبرانات، ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله أن يخرجها مع بنتي مخاض وجبرانين وله أن يجعل الحقاق أصلاً فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جبرانات. هكذا ذكر الصورتين في "التهذيب" ولم يحك خلافاً أصلاً، وقياس الوجهين المذكورين في الحالة السّابقة على هذه يقتضي طرد الخلاف في جعل بنات اللَّبون أصلاً في الصورة الأولى، وجعل الحقاق أصلاً في الصورة الثانية لبقاء بعض الفروض عنده وكثرة الجبران، فإن كان هذا جواباً على الظاهر، فالظاهر ثم أيضاً الجواز. واعلم: أنه إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان حكمها حكم بلوغ الإبل مائتين، فإنها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات، والواجب فيها ثلاث مسنّات، أو أربع أَتْبِعة، ويعود فيها الخلاف والتَّفاريع التي ذكرناها، ولهذا قلنا: إن السلام في النظر الثالث لا يختص بزكاة الإبل، وأعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه. أما قوله: "إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السّنين" ففيه شيء مدرج تقديره إذا ملك مائتين من الإبل فعليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فإن كان في ماله هذا، أو ما أشبهه. وقوله: "وجب إخراج الأغبط للمساكين"، لفظ المساكين في هذا الموضع وأمثاله لا يعني به الَّذين هم أحد الأَصناف الثَّانية خاصة، بل أهل السَّهمان كلعهم لكن المساكين والفقراء أشهر الأصناف فيسبق اللِّسان إلى ذكرهم. وقوله: "وقيل: الخيرة إليه" هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج. وقوله: "وقيل: تتعين الحقاق" هو القول المنقول عن القديم، لكن إيراده في الموضع المذكور في الكتاب يقتضي اختصاصه بما إذا وجد الصّنفان جميعاً في ماله، وهكذا زعم القَاضِي ابن كج، لكن الشيخ أبو حامد وعامة من نقل ذلك القول أثبته عند بلوغ الإبل مائتين على الإطلاق وتفريعه ما قدمناه. وقوله: فيما إذا أخذ غير الأغبط قصداً "لم يقع الموقع" معلم بالواو؛ لأنه لم يَحْكِ الخلاف إلا فيما أخذه بالاجتهاد، وقد حكينا وجهاً أنه يقع الموقع وإن أخذه من

стр. 1028

غير الاجتهاد. وقوله: "قيل: لا يقع الموقع" "وقيل: يقع الموقع" ليس المراد منه السلام في كونه مجزئاً، إذ لو كان كذلك لما انتظم التفريع على وجه وقوع الموقع بأنه هل يلزم جبر التفاوت أم لا؟ وإنما المراد من وقوعه الموقع كونه محسوباً عن الزّكاة. وقوله: "وقيل: عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم" يشبه أن تكون الدراهم في كلام الأصحاب ليست معينة في هذا الفصل بعينها بل المعتبر نقد البلد، وهذه العبارة هي التي أوردها الشيخ إبراهيم المروزيّ فيما علق عنه (١). وقوله: "إمَّا من جنس الأَغْبط على رأي أو من جنس المخرج على رأي" يجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى عن إشارة بعض المصنفين وجهاً ثالثاً، ومال إليه وهو أنه يتخير بين الصنفين بعد حصول الجبران، ولا يتعين هذا ولا ذاك. قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ حَقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفاَ لَمْ يَجُزْ للتَّشْقِيصِ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعمائَةٌ فَأَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ. قال الرافعي: مالك المائتين من الإبل لو أخرج حقَّتَيْن وبنتي لَبُون ونصفاً لم يجز؛ لأن التَّشْقيص نقصان وعيب، ولو ملك أربعمائة من الإبل فعليه ثمان حِقَاق أو عشر بنات لبون؛ لأنها ثمان خمسينات وعشر أربعينات، ويعود فيها جميع ما في المائتين من الخلاف والتفريع. ولو أخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون، ففي جوازه وجهان: قال الإصطخري: لا يجوز؛ لأنه تفريق الفريضة كما في المائتين وتمسك بنصه في "المختصر"، ولا يفرق الفريضة. والأصح وبه قال الجمهور: يجوز؛ فإن كل مائتين أصل علي الانفراد، فيجوز إخراج فرض من إحداهما وفرض من الأخرى، كما يجوز في إحدى الكَفَّارتين الإطعام وفي الأخرى الكسوة، وكما يجوز في أحد الجبرانين الشِّياه وفي الآخر الدراهم، بخلاف ما إذا لم يملك إلا مائتين، فإن التَّفْريق فيها كالتفريق في الجبران الواحد، والكفَّارة الواحدة على أنه ليس المانع في المائتين مجرد التَّفريق، أَلاَ تَرَى أَنَّه لو أخرج حِقَّتَيْن وثلاث بنات لَبُون يجوز، قاله صاحب "التهذيب" وكذا لو أخرج أربع بنات لبون وحقة بدل بنت لبون يجوز، وإنما المانع من المائتين التَّشقيص، ولا تشقيص هاهنا.

стр. 1029

وقوله: "ولا يفرق الفريضة" منهم من لم يثبته لما بيناه من جواز التفريق، وقال: الثابت رواية الربيع، وهي لا تفارق الفريضة أي: إذا وجد السَّاعي في المال أحد الصّنفين دون الآخر لم يجز أن يفارق الموجود ويكلفه تحصيل المفقود، ومَنْ أَثْبته حمله على تفريق التَّشْقيص في صورة المائتين، أو التَّفريق مع الجَبْران من غير ضرورة مثل أن يأخذ أربع بنات لَبُون وحقَّة، ويعطي الجبران وهو واجد لخمس بنات لبون، ويجري الوجهان متى بلغ المال أربعينات وخمسينات بحيث يخرج منها بنات اللَّبون والحقاق بلا تشقيص، ولعلَّك تقول: ذكرتم أن السَّاعي يأخذ الأَغْبَط ويلزم من ذلك أن يكون أَغْبَط الصنفين هو المخرج، فكيف يخرج البعض من هذا والبعض من ذاك. فاعلم أن ابن الصَّبَّاغ أجاب عن هذا فقال: أما ابن سريج فلا يلزمه هذا إذ الخِيَار هذا عنده لرب المال، أما على قول الشافعي ﵁ فيجوز أن يكون لهم حظّ ومَصْلَحة في اجتماع النَّوعين، وهذا يفيد معرفة شيء آخر وهو أن جهة الغبْطَة غير منحصرة في زيادة القيمة إذا كان التَّفَاوت لا من جهة القيمة يتعذر وإخراج الفضل وقدر التفاوت. قال الغزالي: النَّظَرُ الرَّابعُ فِي الجَبْرَانِ وَجُبْرَانُ كُلِّ مَرتَبَةٍ فِي السِّنِّ عِنْدَ فَقْدِ السِّنِّ الوَاجِبِ بِشاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، فَإنْ رَقَى إِلَى الأكْبَرِ أَخَذَ الجُبْرَان، وَإِنْ نَزَلَ أُعْطِيَ، وَالخِيرَةُ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالشَّاةِ (و) إِلَى المُعْطِي، وَالخِيرَةُ فِي الانْخِفَاضِ وَالارْتِفَاع إِلَى المَالِكِ إلاَّ إِذَا كَانَ إِبلُهُ مِرَاضاً فَارتَقَى وَطَلَبَ الْجُبرَانَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُون خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ. قال الرافعي: في حديث أنس ﵁ أن النَّبي ﷺ قال: "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ جَذَعَةً وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيه المصَدَّقُ شَاتَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً ومن بلغت صدقته حقه وليست عنده وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً" (١) وروي مثل ذلك في بنت المَخَاضِ وبنت اللَّبُونِ. من وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده جاز أن يخرج بنت لبون، ويأخذ من السَّاعي شاتين، أو عشرين درهماً؟ وإن وجبت عليه بنت لبون وليست عنده جاز أن يخرج حقَّة، ويأخذ ما ذكرنا؟ وإن وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أن يخرج جَذَعَة، ويأخذ ما ذكرنا، وهذه صور الارتقاء عن الواجب. ولو وجبت عليه جَذَعَة وليست عنده جاز أن يخرج حِقَّة مع شَاتَيْن، أو عشرين درهماً.

стр. 1030

ولو وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت لَبُون مع ما ذكرنا، ولو وجبت عليه بنت لَبُون وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت مخاض مع ما ذكرنا، وهذه صور النُّزول وجملة ذلك تفصيل قوله في الكتاب: "وجبرَان كلّ مرتبة في السِّن" إلى قوله: "أعطى"، وصفة شاة الجبران ما ذكرنا في الشَّاة المخرجة عما دون خمس وعشرين من الإبل، وفي اشتراط الأُنوثة إذا كان المعطي هو المالك الوجهان المذكوران في تلك الشَّاة، والدَّراهم التي يخرجها هي البقرة. قال في "النَّهَاية": وكذلك دراهم الشَّرْعية حيث وردت، فإذا احتاج الإِمَام إلى إعطاء الجبْرَان، ولم يكن في بيت المال دَراهم باع شيئاً من مال المساكين، وصرفه إلى الجبران، وإلى من تكون الخيرة في تعيين الشَّاتِيَن أو الدَّرَاهم نص في "المختصر" على أن الخيرة إلى المعطى، سواء كان هو السّاعي أو المالك، وعن "الإملاء" قول آخر: أن الخيرة للسّاعي يأخذ الأَغْبَط منها للمساكين، وللأصحاب فيه طريقان مذكوران في "النهاية". إحداهما: أن المسألة على قولين: أصحهما: أن الخيرة للمعطي لقوله ﷺ : "وَأْخْرَجَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهمًا" (١). وهذا تخيير للمخرج فإذا كان السَّاعي هو المعطي راعى مصلحة المساكين. والثاني: أن الخيار إلى السَّاعي كالخيار في المائتين بين الحِقَاق وبنات اللَّبون على الظاهر. والطريقة الثانية وبه قال الأكثرون: أن الخيرة إلى المعطي بلا خلاف، وما ذكره في الكتاب يجوز أن يكون جواباً على هذه الطَّريقة، ويجوز أن يكون جواباً على الصَّحيح مع تسليم الخِلاف وهو الذي ذكره في "الوسيط"، وإذا فقد السِّن الواجبة وأمكلن الصعود والنزول فإلى من الخيار فيهما؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى السَّاعي كما في تخييره بين الحِقَاق وبين بنات اللبون في المائتين من الإبل. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب إلى المالك، لأن الصّعود والنّزول شرعاً تخفيفاً عليه، فيفوض الأمر إلى خيرته، وموضع الوجهين ما إذا طلب المالك خلاف الأغْبَط للمساكين، فإذا كان الأغْبَط ما يطلبه فلا خلاف، وعلى السّاعي مساعدته وهذا عند الصّحة والسلامة. فأما إذا كان الواجب مريضاً أو معيباً لكون أبله مراضاً أو معيبة

стр. 1031

فأراد الصعود وطلب الجبران، مثل أن يجب بنت مَخَاض معيبة فارتقى إلى بنت لَبُون معيبة وطلب الجبْرَان فيبنى ذلك على الوجهين، إن قلنا: الخيار إلى الساعي، فلو رأى الساعي الغبطة فيه جاز، وإن فَرَّعنا على الصَّحيح وهو تفويض الخِيَار إلى المالك فيستنثى هذه الحَالَة ولا يفوض الخيار إليه (١)، وعلَّله جماعة منهم صاحب الكتاب بأن الجبران المأخوذ قد يزيد على المعيب المدفوع، ومقصود الزكاة إفادة المساكين لا الاستفادة منهم، وأحسن منه ما أشار إليه العراقيون فقالوا: لو صرف إليه الجبران إما أن يصرف إليه الجبران المشروع بين الصَّحيحين أو غيره. والأول: ممتنع؛ لأن قدر التَّفَاوت بين الصَّحِيحَيْن فوق قدر التَّفَاوت بين المريضين كما يدفع إليه، لا على التَّفَاوت كيف يدفع لأدناهما؟ والثاني: يمتنع؛ لأنه لا نظر إلى القيمة في الزَّكوات عندنا، ولم يرد نص فنتبعه، ولو أراد أن ينزل من السِّن المريضة أو المعيبة إلى سن ناقصة دونها، ويبذل الجبران فهذا لا منع منه؛ لأنه تبرع بزيادة؛ لأن ما يعطيه من الجبران هو الجبران المشروع بين الصيحيحين. قال الغزالي: وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ الجَذَعَةِ ثَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ جُبْرَانٌ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ جَاوَزَ أَسْنَانَ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمْ يَجِدُوا فِي مَالِهِ إِلاَّ حِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ فَرَقَي إِلَى الجَذَعَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ كَثَّرَ الجُبْرَانَ مَعَ الاسْتِغْنَاء عَنْهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ شَاةً وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانَيْنِ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا جَازَ. قال الرافعي: في الفصل مسائل: إحداها: لو وجب عليه جَذَعَة فأخرج مكانها ثَنية، ولم يطلب جبراناً جاز، وقد زاد خيراً ولو طلب الجبران فوجهان: إحداهما: يجوز (٢) لزيادتها في السّن كما في سائر المراتب، وإلى هذا يميل كلام العراقيين وهو ظاهر النص.

стр. 1032

وأظهرهما عند المصنّف وصاحب "التهذيب": المنع؛ لأن المؤدي ليس من أَسْنَان الزكاة فأشبه ما لو أخرج فَصِيلاً لم يبلغ أَسْنان الزكاة مع الجبْرَان لا يجوز. الثانية: كما يجوز الصُّعود والنُّزول بدرجة واحدة يجوز بدرجتين مثل أن يعظي مكان اللَّبون جذعة عند فقدها وفقد الحِقَّة ويأخذ جبرانين أو يعطي بدل الحِقَّة بنت مَخَاض عند فقدها (١) مع جبرانين، وكذلك بثلاث درجات مثل أن يعطي مكان الجَذَعَة عند فقدها، وفقد الحقة وبنت اللَّبون بنت مخاض مع ثلاث جبرانات أو يعطي مكان بنت المخاض عند فقدها وفقد بنت اللبون والحقة جذعة ويأخذ ثلاث جبرانات، وهل يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع القدرة على الدرجة القربى كما إذا لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ووجد حقة وجذعة فَرَقَى إلى الجذعة؛ فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو لم يجد الحِقّة، فإنها ليست واجب ماله فوجودها وعدمها بمثابة واحدة، وهذا ما ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، ونسبه الإمام إلى القَفَّال ﵀. وأصحهما: عند الأكثرين المَنْعُ للاستغناء عن أخذ الجبرانين ببذل الحِقَّة، وموضع الوجهين ما إذا رَقَى إلى الجذعة وطلب جبرانين أما لو رضي بجبران واحد فلا خلاف في الجواز، ويجري الخلاف في النُّزول من الحِقَّة إلى بنت المخاض، مع وجود بنت اللَّبون، ولو لزمته بنت اللَّبون فلم يجدها في ماله ولا حقه وفي ماله جذعة وبنت مخاض، فهل يجوز أن يترك النزول إلى بنت المخاض وَيرْقَى إلى الجذعة؟ فيه وجهان مرتبان وأولى بالجواز وبه أجاب الصَّيدلاني؛ لأن بنت المخاض وإن كانت أَقْرَب إِلاَّ أنها ليست في الجهة المعدول إليها. الثالثة: لو أخرج المالك عن جبرانين شاتين وعشرين درهماً جاز كما يجوز إطعام عشرة مَسَاكين في كَفَّارة يمين وكسوة عشرة في أخرى ولو أخرج عن جبران واحد شَاةً وعشرة دراهم لم يجز؛ لأن الجَبْرَ يقتضي التَّخْيير بين شَاتَيْن وعشرين درهماً فلا تثبت خيرة ثالثة، كما أن في الكفَّارة الواحدة لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ ورضي بالتَّفريق جاز فإنه حقه وله إسقاطه أصلاً ورأساً.

стр. 1033

فرع: لو لزمته بنت لَبُون فلن يجدها في ماله، ووجد ابن لبون وحقة فأراد أن يعطي ابن اللَّبون مع الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان نقلهما القَاضِي ابن كج وغيره: وجه الجواز أنَّ الشَّرْع نزله منزلة بنت المَخَاض حيث أقامه مقامها في خمس وعشرين. قال في "العدّة": والأصح المنع. واعلم: أن الجبران لا مدخل له في زكاة البقر والغنم؛ لأن السنة لم ترد به إلا في الإبل، وليس هو بموضع القياس والله أعلم. " القول في صفة المخرج في الكمال والنقصان " قال الغزالي: النَّظَرُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ المُخْرَجِ فِي الكمَالِ وَالنُّقْصَانِ، وَالنُّقْصَانُ خَمْسَةٌ: (الأَوَّلُ) المَرَضُ فِإنْ كَانَ كُلُّ المَالِ مِرَاضًا أَخَذَ (م) مِنْهُ مَرِيضَةً، فَإنْ كَانَ فِيهَا صَحِيحٌ لَمْ يَأخُذْ إِلاَّ صَحِيحَةً تقَرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ أَرْبَعِينَ شاةً. قال الرافعي: هذا النظر لا يختص بزكاة الإبل، ومقصوده السلام في صفة المخرج في الكمال والنُّقصان، ومن الصفات ما يعد في هذا الباب نقصاناً وهو كمال في غيره كالذّكورة: لأن الإناث في مظنَّة الدّر والنّسل فهي أرفق بالفقراء، ثم جعل أسباب النصقان خمسة: أحدها: المرض، فإن كانت ماشيته كلها مراضاً لم يكلفه السّاعي إخراج صحيحة. وعن مالك: أنه يكلف ذلك. لنا أن ماله رديء فلا يلزمه إخراج الجَيِّد كما في الحُبُوب ثم المأخوذ من المراض الوسط جمعاً بين الحقّين، ولو انقسمت الماشية إلى صحاح ومراض. فإما أن يكون الصَّحيح منها قدر الواجب فصاعداً، أو كان دونه فإن كان قدر الواجب فصاعداً لم يَجُزْ إخراج المريضة. لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ" (١). فإن كانت المريضة ذات عَوَار فالنَّصُّ مانع منها وإلاَّ فهي مَقِيسَةٌ عليها، وقضية ذلك أنْ لا تؤخذ المريضة أصلاً. خالفنا [فيما] (٢) إذا كانت ماشيته كلها مراضاً، قيبقى الباقي على قضية الدَّليل، هذا إذا وجب حيوان واحد، فإن وجب اثنان ونصف ماشيته مراض كبنتي لَبُون في ستِّ وسبعين وشاتين في مائتين من الشِّياه، فهل يجوز أن يخرج صحيحه ومريضه؟ فيه وجهان حكاهما في "التهذيب": أظهرهما: عنده: نعم. وأقربهما: إلى كلام الأكثرين: لا، وإن كان الصَّحيح منها دون قدر الواجب،

стр. 1034

كما إذا وجب شاتان في مائتي شاة، وليس فيها إِلاَّ صحيحة فوجهان: أحدهما: ويحكى عن الشيخ أبي محمد: أنه يجب عليه صحيحتان ولا يجزئه صحيحة ومريضة؛ لأن المخرجتين كما يزكيان ماله يزكّي كل واحد منهما الأخرى، فيلزم أن تزكّى المريضة الصحيحة وهو ممتنع. وأصحهما ولم يذكر العراقيون والصَّيْدلاَنيّ غيره: أنه يجزئه صحيحه ومريضه؛ لأن امتناع إخراج المراض يقدر بقدر وجود الصّحاح، أَلاَ ترى أن ماشيته لو كانت مراضاً بأسرها جاز له إخراج محض المراد؟ فالمطلوب أن لا يخرج مريضه ويستبقي صحيحه كي لا يكون مُتيّمماً بخبيث ماله لينفق منه، وإذا أخرج صحيحه من المال المنقسم إلى الصِّحاح والمراض فلا يجب أن تكون من صحاح ماله ولا مما يساويها في القيمة، ولكن يؤخذ صحيحة لائقة بماله. مثاله: أربعون شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران، وقيمة كل مريضة دينار يخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وذلك دينار ونصف، ولو كان الصِّحاح منها ثلاثين والقيمة ما ذكرناه أخرج صحيحة بقيمة ثلاثة أرباع صحيحة وربع مريضة وهو دينار ونصف وربع، ولو لم يكن فيها إلاَّ صحيحة أخرج صحيحة بقيمة تسعة وثلاثين جزءاً من أربعين من مريضة وجزء من أربعين من صحيحه وذلك دينار وربع عشر دينار، وجميع ذلك ربع عشر المال على ما قال في الكتاب: تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان ماله أربعين شاة، واعرف في هذا اللَّفظ شيئين: أحدهما: أن قوله: "تقرب قيمتها" يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب، وهذا لم أره في كلام غيره ولا ينبغي أن يسامح بالنُّقصان والبخس. والثاني: الذي ذكرناه من طريق التَّقسيط هو ما أورده أكثر الأصحاب وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية، ولا يستمر إلا فيما إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة القيمة، ولفظ الكتاب يغني عن النّظر إلى الآحاد، ورأيت القاضي ابن كَجّ رواه عن أبي إسحاق فمتى قُوّم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر القيمة كفى ثم لا يخفى أن هذا في الشَّاة مع الأربعين، فإن ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فينبغي أن يكون قيمة الشاتين قدر جزء من مائة وإحدى وعشرين من قيمة الجملة، وإن ملك خمساً وعشرين من الإبل فينبغي أن تكون النَّاقة المأخوذة بالقيمة جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من قيمة الكل، وقِسْ على هذا سائر النّصب وواجباتها. ومن الأمثلة في الباب: لو ملك ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير وقيمة كل مريضة ديناران يجب عليه صحيحه بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهو ثلاثة دنانير، أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولك

стр. 1035

أن تقول: هلاّ كان هذا ملتفتاً إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟ فإن انبسطت فذاك وإلاَّ قسط المأخوذ على الخمس والعشرين (١). قال الغزالي: (الثَّاني) العَيْبُ فَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيباً أخَذَ مَعِيبَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سَلِيمَةٌ طَلَبْنَا سَلِيمَةً تَقْرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيبًا وَبَعْضُهُ أَرْدَأَ أَخَذَ الوَسَطَ مِمَّا عِنْدَهُ. "النقص الثاني": قال الرافعي: السلام في العَيْب كالكلام في المرض، سواء تمحضت الماشية معيبة أو انقسمت إلى سَلِيمَة ومعيبة. وأعلم قوله: "أخرج الوسط مما عنده" بالواو، وليس هذا الاعلام للخلاف الذي يوهمه نظم "الوسيط" ولكنه يصح لغيره. وأما أنه ليس لما يوهمه نظم "الوسيط" فلأنه لا خلاف في ذلك الوجه ولا عبرة بإيهامه. بيانه: أنه قال في "الوسيط": قال الشافعي ﵁ يخرج أجود ما عنده. وقال الأصحاب: يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الأصح فأوهم أنَّ في المسألة خلافاً، وأراد بما نقله عن الشَّافعي ﵁ ما رواه المزني في "المختصر" حيث قال: "ويأخذ خير المعيب" لكن الأصحاب متفقون على أنه مأول، منهم من قال: أراد: بـ "الخير" الوسط، ومنهم من قال غير ذلك، ولم يثبتوا خلافاً بحال. وأما أنه يصح لغير ذلك فلأن إمام الحرمين حكى وجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما من أجود المال مع العيب، والأخرى دونها. أحدهما: أنه يأخذ التي هي أجود. وأصحهما: أنه يأخذ الوسط، وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بأخذ الأغبط من الحِقَاق وبنات اللبون إذا اجتمع الصِّنفان في المالين ثم العيب المرعى في الباب ماذا؟ فيه وجهان: أصحهما: ما ثبت الرَّد به في البيع. والثاني: هذا مع ما يمنع الإِجْزَاء في الضَّحَايَا. قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الذُّكُورَةُ فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أُنْثَى أَوْ كَانَ الكُلُّ إِنَاثًا لَمْ تُؤْخَذْ

стр. 1036

إِلاَّ الأُنْثَى لِورُودِ النَّصِّ بِالإِنَاثِ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ ذُكُوراً لَمُ يُؤْخَذِ الذَّكَرُ أَيْضاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ. "النقص الثالث": قال الرافعي: غرض الفصل يتَّضح بتفصيل أَجْنَاس النّعم، أما الإبل فإن تمحضت إناثاَ أو انقسمت إلى إناث وذكرر فلا يجوز فيها إخراج الذكر إلاَّ في خمس وعشرين، فإنه يجزئ فيها ابن لَبُون عند عدم بنت المَخَاض (١) وإن كانت كلها إناثاً، وذلك في المستثنى والمستثنى منه مأخوذ من النّص على ما تقدم وإن تمحّضت ذكوراً، فهل يجوز أخذ الذكر؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن سلمة وأبو إسحاق: لا، ويروى هذا عن نص مالك؛ لأن النّص ورد بالإناث من بنت المَخَاض وبنت اللبون وغيرهما فلا عدول عنها، وعلى هذا فلا يؤخذ منها أنثى كانت تؤخذ لو تمحضت إبله إناثًا بل تقوم ماشيته لو كانت إناثاً وتقوم الأنثى المأخوذة منها ويعرف نسبتها من الجملة ثم تقوم ماشيته الذكور، ويؤخذ منها أنثى قيمتها ما تقتضيه النسبة، وكذلك الأنثى المأخوذة من الإناث، والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث، فطريق التّقسيط ما ذكرناه في المِراض. وأظهرهما: وبه قال ابن خَيْران، ويروى عن نصه في "الأم": أنه يجوز أخذ الذكور منها كما يجوز أخذ المريضة من المراض، والمعنى فيه أن في تكليفه الشّراء حرجاً وتشديداً وأمر الزكاة مبني على الرفق، ولهذا شرع الجِبْرَان، ومنهم من فَصَّل فقال: إن أدَّى أخذ الذكور إلى التَّسوية بين نِصَابَيْن لم يؤخذ، وإلاَّ فيؤخذ بيانه: يؤخذ ابْن مَخَاض من خمس وعشرين وحق من ست وأربعين وجذع من إحدى وستين، وكذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، ولا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت الخاض، فيلزم التّسوية بينهما. ومن قال بالوجه الثاني قال: لا تسوية، لا في كيفية الأخذ ولا في المأخوذ. أما في كيفية الأخذ فلأن أخذ ابن اللَّبون من ست وثلاثين مشروط بعدم بنت اللَّبون لا بعدم بنت المخاض، وأخذه من خمس وعشرين مشروط بعدم بنت المَخَاض لا بعدم بنت اللبون. وأما في المأخوذ: فلأن عندي يؤخذ من ست وثلاثين ابن لَبُون

стр. 1037

فوق ابن اللَّبون المأخوذ من خمس وعشرين، ويعرف ذلك بالتَّقْويم والنِّسْبة. وأما البقر فالتَّبيع مأخوذ منها في مواضع وجوبه وجب واحد منه أو عدد للنص الذي رويناه، ولا فرق بين أن تتمحَّض إناثاً أو ذكوراً أو تنقسم إلى النَّوْعين وحيث تجب المسنّة، فهل يؤخذ المسن عنها إن تمحضت إناثاً، أو انقسمت إلى ذكور وإناث؟ فلا، وإن تمحضت ذكوراً فوجهان كما في الإبل، وأما الغنم فإن تمحضت إناثاً أو كانت ذكوراً وإناثاً لم يَجُزْ فيها الذَّكر خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يؤخذ الذكر منها مكان الأنثى، وسلم في الإبل أنه لا يؤخذ إلا على طريق اعتبار القيمة على أصله في دفع القيم لنا قياس الغنم على الإبل، وأيضاً فقد روي أنه ﷺ قال: "وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ" (١) وإن تمحَّضت ذكوراً فطريقان: أحدهما: القطع بأنه يؤخذ الذّكر منها. والثاني: طرد الوجهين المذكورين في الإبل والأول هو ما أورده الأكثرون، وفرقوا بأن أخذ الذكر منها لا يؤدي إلى التَّسوية بين نصابين، فإن الفرض فيها يتغير بالعدد، وفي الإبل يؤدي إلى التَّسوية بين القليل والكثير؛ لأن الفرض فيها يتغير بالسِّن أولاً كما سبق. وعد بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأْعلم قوله: "لم يؤخذ، إلاَّ الأنثى" بالحاء، فإن عند أبي حنيفة ﵀ يؤخذ الذّكر على ما بيناه، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن لا بد من استثناء أخذ التَّبيع في مواضع وجوبه عنه، وكذلك أخذ ابن اللَّبون بدلاً عن بنت مَخَاض، وذكروا وجهين فيما إذا أخرج عن أربعين من البقر أو خمسين تبيعين. أظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأن إخراجهما عن ستين جائز فعمَّا دونها أجوز، فعلى هذا تستثنى هذه الصُّورة أيضاً. وقوله: "لم يأخذ الذكر أيضاً" يجوز أن يعلم بالألف؛ لأن ظاهر كلام أحمد فيما رواه أصحابه أنه يجوز أخذه. وقوله: "على أحد الوجهين" بالواو؛ لأن اللفظ يشمل الغَنَم وغيرها، وفي الغنم طريقة أخرى قاطعة بالجواز و [الله أعلم]. قال الغزالي: (الرَّابعُ) الصِّغَرُ فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ كَبِيرَةٌ لَمْ تُؤْخَذِ الصَّغِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ صِغَاراً كَالسِّخَالِ وَالفِصْلاَنِ أَخَذْنَا الصَّغِيرَةِ، وَقِيلَ: لاَ تُؤْخَذُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي في الإِبِلِ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي غَيْرِ الإِبِلِ وَفِي الإِبِلِ فِيمَا جَاوَزَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَلاَ يُؤْخَذُ فِيمَا دُونَهُ كَيْلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ.

стр. 1038

"النقص الرابع": قال الرافعي: الماشية إمَّا أن تكون كلها أو بعضها في سِنِّ الفرض أو لا يكون شيء منها في تلك السِّنِّ، وحينئذ إِمَّا أَنْ تكون في سنِّ فوقها أو دونها، فهذه ثلاث أحوال: الحالة الأولى: أن تكون كلها أو بعضها في سن الفرض، فيؤخذ لواجبها ما في سِنِّ الفرض ولا يؤخذ ما دونه ولا يكلف بما فوقه. أما الأول فللنصوص المقتضية لوجوب الأَسْنَان المقدّرة. وأما الثاني فلما فيه من الإِجْحَاف والإضرار بالمالك. وقد روي أن عمر ﵁ قال لساعين سفيان بن عبد الله الثقفي ﵀: "اعتد عليهم بالسَّخلة التي يروح بها الرّاعي على يده ولا تأخذها ولا تأخذ الأَكُولَة والرُّبَّى والمَخَاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية، فذلك عدل بين غذاء المال وخياره" (١). الأكولة: هي المُسمنة للأكل في قول أبي عبيدة. وقال شمر: أكولة غنم الرجل الخصي، والهَرِمَة: العاقر، والرُّبَى: هي الشاة الحديثة العهد بالنِّتَاج، ويقال: هي في رِبَائِهَا كما يقال: المرأة في نِفَاسِهَا، والجمعُ رُباب بالضّم، والماخض: الحامل، وفحل الغنم: الذكر المعدّ للضّرَاب والغذَاء السخال الصغار، جمع غذي وهذه التي فسَّرناها لو تبرَّع بها المالك أخذت إلا فحل الغنم، ففيه ما ذكرنا في أخذ الزكاة. الحالة الثانية: أن تكون كلّها في سن فوق سن الفرض فلا يكلَّف بإخراج شيء منها بل يحصِّل السِّن الواجب ويخرجها، وله الصعود والنزول كما في الإبل كما سبق. والحالة الثالثة: أن يكون الكلّ في سن دونه، وقد يستبعد تصوير الحالة ببادى الرأي، فيقال لا شك أن المراد من الصّغر هو الانْحِطاط عن السِّن المجزئة، ومعلوم أن أحد شروط الزكاة الحَوْل وإذا حال الحول فقد بلغت الماشية حدَّ الإجزاء، والأصحاب صوروها فيما إذا حدثت من الماشية في أثناء الحَوْل فَصْلان أو عجُول أو سخَال ثم ماتت الأمهات كلها وتم حولها وهي صغار بعد، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أن الحول لا ينقطع بموت الأمهات بل تجب الزكاة في النِّتَاج إذا كان نِصَاباً عند تمام حول الأصل، وبه قال مالك، وذهب أبو القاسم الأَنْمَاطِيُّ من أصحابنا إلى أن الأمهات مَهْمَا نقصت عن النِّصاب انقطع حَوْل النِّتاج فضلاَ من أن لا يبقى منها شيء، فعلى قوله: لا تتصور هذه الحالة الثالثة من هذا الطريق، وكذلك لا يتصور عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه شرط

стр. 1039

بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، وإن لم يشترط بقاء النصاب. وعند أحمد ﵀ روايتان: أصحهما: كمذهبنا والأخرى كمذهب أبي حنيفة ﵀، وسيأتي هذا الأول بشرحه في "شرط الحول" -إن شاء الله تعالى- ويمكن أن تصور هذه الحالة في صورة أخرى، وهي أَنْ يملك نِصَاباً من صغار المَعز ويمضي عليها حول فتجب فيها الزكاة، وإن لم تبلغ سن الإجزاء فإن الثنية من المعز على أظهر الأوجه التي سبقت هي التي لها سنتان، وهذه الصورة لا تستمر على مذهب أبي حنيفة ﵀ أيضاً؛ لأن عنده لا ينعقد الحَوْل على الصّغار من المواشي، وإنما يبتدئ الحَوْل من وقت زوال الصغر. إذا عرف التصوير ففيما يؤخذ وجهان. وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان: القديم: أنه لا يؤخذ إلاَّ كبيرة؛ لأن الأخبار الواردة في الباب تقتضي إيجاب الأسْنَان المقدرة من غير فرق بين أن تكون الماشية صغاراً أو كباراً، وعلى هذا تؤخذ كبيرة هي دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة، كذا إذا انقسم ماله إلى صغار وكبار يأخذ الكبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره فإن لم توجد كبيرة بما يقتضيه التقسيط يؤخذ منه القيمة للضرورة، ذكره المَسْعُودِيّ في "الإفصاح". والجديد: أنه لا يشترط كونها كبيرة بل يجوز أخذ الصَّغيرة من الصّغَار كما يجوز أخذ المريضة من المِرَاض، وعلى هذا فتؤخذ مطلقاً أم كيف الحال؟ قطع الجمهور بأخذ الصَّغيرة من الصّغار من الغنم، وذكروا في البقر والإبل ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال أبو العباس وأبو إسحاق: أنه لا يؤخذ منها الصغار؛ لأنا لو أخذنا لسوَّيْنا بين ثلاثين من البقر وأربعين في أخذ العجل وبين خمس وعشرين من الإبل، وإحدى وستين وما بينهما من النّصابين في أخذ فَصِيل، ولا سبيل إلى التَّسوية بين القليل والكثير بخلاف ما في الغنم، فإن الاعتبار فيها بالعدد فلا يؤدي أخذ الصغار إلى التسوية، وعلى هذا فتؤخذ كبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره، ولا يكلف كبيرة فتؤخذ من الكبار. والوجه الثاني: أنه لا يؤخذ الفَصِيل من إحدى وستِّين فما دونها؛ لأن الواجب فيها واحد، واختلافه بالسِّن فلو أخذنا فَصِيلاً لسوَّينا بين القليل والكثير، أما إذا جاوز ذلك فالاعتبار بالعدد فأشبه الغنم وكذلك البقر. والثالث: أنه يؤخذ الصّغار منهما مطلقاً اعتباراً بجنس المال كما يؤخذ من الغنم، ولكن يجتهد الساعي ويحترز عن التَّسوية فيأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل

стр. 1040

المأخوذ من خمس وعشرين ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس -والله أعلم-. ولنبين ما في الكتاب من هذه الاختلافات. والأظهر منها: قوله: "أخذنا الصغيرة" وهو الوجه الأخير المجوز لأخذ الصّغار من الغنم وغير الغنم وإيراده يشعر بترجيحه، وكذلك ذكر صاحب "التَّهذيب" وآخرون أنه الأصح. وليكن قوله: "أخذنا" معلم بالميم والحاء. أما بالميم فلأن عنده لا تؤخذ إلاَّ الكبيرة وأما بالحاء فلأن عنده لا تؤخذ الصغيرة ولا الكبيرة، ولا زكاة في الصّغار كما سبق بيانه. وقوله: وقيل: لا يؤخذ، هو المحكي عن القديم الصائر إلى المنع مطلقاً، وأراد بقوله: "لأنه في الإبل يؤدي إلى التسوية" أنا لو أخذنا الصغيرة لأخذناها من الإبل أيضاً، كالمريضة والمعيبة حيث تؤخذ تؤخذ من غير الإبل من جميع النعم، ولو أخذنا من الإبل لزم التَّسوية بين القليل والكثير فامتنع الأخذ أصلاً ورأساً. وقوله: "وقيل: يؤخذ في غير الإبل ... " إلى آخره هو الوجه الثاني من الوجوه التي بَيَّنَّاها على الجديد، وزيفه الأئمة من وجهين: أحدهما: أن التسوية التي تلزم في إحدى وستين فما دونها تلزم في ست وسبعين وإحدى وتسعين أيضاً، فإن الواجب في ست وسبعين بنتًا لَبُون وفي إحدى وتسعين حقَّتَان، فإذا أخذنا فَصِيلين من هذا ومن ذاك فقد سوينا بينهما لا فرق إلا أن المأخوذ قبل مجاوزة إحدى وستين واحد وبعد مجاوزتها اثنان، فإن وجب الاحتراز عن تلك التسوية فكذلك عن هذه. والثاني: أن هذه التسوية تلزم في البقر بين الثلاثين والأربعين، وعبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع هذين الالْتِزَامين، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية بين القليل والكثير، ولا تؤخذ حيث يؤدي أخذها إلى التسوية، وهكذا ذكر المصنف في "الوسيط" والإمام في "النهاية". وقوله: "ولا يؤخذ فيما دونه" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن صاحب "التهذيب" خص وجه المنع بالست والثلاثين والست والأربعين فما فوقهما، وجوز إخراج فصيل من خمس وعشرين إذ ليس في تجويزه وحدة تسوية وفي كلام، الصيدلاني مثل ذلك -[والله أعلم]-. قال الغزالي: (الخَامسُ) رَدَاءَةُ النَّوْعِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَعْزاً أَخَذَ المَعْزَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الأغْلَبِ وَعِنْدَ التَّسَاوِيَ يُرَاعِي الأَغْبَطَ لِلْمَسَاكين، وَالثَّانِي: أنَّهُ يؤْخَذ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بِقِسْطِهِ، هَذَا بَيَانُ النِّصَابِ وَلاَ زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ إلا إِذَا تَمَّ بِخَلْطَةٍ نِصَاباً.

стр. 1041

قال الرافعي: نوع الجنس الذي يملكه من الماشية إن اتحدَّ أخذ الفرض منها، كما إذا كانت إبله أَرْحبِيَّةً (١) كلها أخذ الفرض منها، وإن كانت مُهَرِيَّةً (٢) أخذ الفرض منها وإن كانت غنمه ضأناً أخذ الضأن، وإن كانت مَعِزاً أخذ المعز، وذكر في "التهذيب" في ذلك وجهين في أنه هل يجوز أن يؤخذ ثنية من المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأناً، أو جذعة من الضأن عن أربعين معزاً؟: أحدهما: لا، كما لا يجوز البقر من الغنم. وأصحهما: نعم، لاتفاق الجنس، كالمهرِيَّةِ مع الأرَحبِيَّةِ. وحكى عن القاضي حسين: أنه يحتمل أن لا يؤخذ المعز من الضّأن ويؤخذ الضأن من المعز؛ لأن المعز دون الضَّأن كما تؤخذ المهرِيَّة عن المجِيدِيَّة (٣)، وكلام إمام الحرمين ﵀ يقرب من هذا التفصيل، فإنه قال: الضأن أشرف من المعز، فلو ملك أربعين من الضّأن الوسط فأخرج ثَنِية من المَعِز الشريفة، وهي تساوي جذعة من الضّأن الذي يملكه فهذا محتمل والظاهر إجزاؤها، وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه من الماشية كالمُهَرِيَّة والأَرْحَبِيَّةِ من الإبل وَالعِرَاب والجَوَامِيس من البَقر والضَّأْن والمَعِزِ من الغَنَم فيضم البعض إلى البعض لاتِّحاد الجنسَ، وفي كيفية أخذ الزكاة منها قولان مشهوران: أحدهما: أنها تؤخذ من الأغلب، لأن النظر إلى كل نوع مما يشق فيتبع الأقل والأكثر ولو استوى النوعان أو الأنواع في المقدار، فقد قال في "النهاية" تفريعاً على هذا القول: إنه عند الأئمة بمثابة ما لو اجتمع في المائتين من الإبل الحِقَاق وبنات اللَّبون، فظاهر المذهب أن السّاعي يأخذ الأَغْبَطَ للمساكين، وهو المشهور، والمذكور في الكتاب، ومن قال: ثم الخيرة إلى المالك، فكذلك يقول هاهنا، فيجوز أن يرقم لهذا قوله: "وعند التساوي يراعي الأغبط" بالواو. والقول الثاني: وهو الأظهر: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط رعاية للجانبين، وليس معناه أن يُؤْخَذ شِقْص من هذا، وشِقْص من ذاك (٤) فإنه لا يجزئ بالاتِّفاق، ولكن

стр. 1042

المراد النَّظر إلى الأَصْناف باعتبار القيمة على ما سنبينه في الأمثلة، وإذا اعتبرت القيمة والتَّقسيط فمن أي نوع كان المأخوذ جاز، هكذا قال الجمهور. وقال ابن الصباح: ينبغي أن يَكُونَ المأخوذ من أعلى الأنواع، كما لو انْقَسَمَت ماشيته إلى صحاح ومراض يأخذ بالحصَّة من الصِّحاح، ولك أن تقول: ورد النهي عن المريضة والمعيبة (١) فلذلك لا نأخذها ما قدرنا على صحيحة وما نحن فيه بخلافه. في المسألة قول ثالث محكي عن "الأم": وهو أنه إذا اختلفت الأنواع يؤخذ الفرض من الوسط كما في الثِّمار، ولا يجئ هذا القول فيما إذا لم يكن إلا نَوْعين، ولا فيما إذا كانت أَنْوَاعاً متساوية في الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ. وحكى القاضي ابن كج وجهاً: وهو أنه يؤخذ من الأجود أخذاً من نَصِّه في اجتماع الحِقَاقِ وبنات اللَّبُون (٢) ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى عن أبي إسحاق أن موضع القولين ما إذا لم تحتمل الإبل أخذ واجب كل نوع لو كان وحده منه، فإن احتمل أخذ كذلك بلا خلاف، مثل أن يملك مائتين من الإبل مائة مُهَرِيَّة، ومائة أَرْحَبِيَّة، فيؤخذ حقَّتَان من هذه، وحقَّتَان من هذه، والمشهور طرد الخلاف على ما يقتضيه لفظ الكتاب، ونوضح القولين بمثالين: أحدهما: له خمس وعشرون من الإبل عشرة مهَرِيَّة، أرحِبيَّة أَرْحَبِيَّة، وخمسة

стр. 1043

مجِيْدِيّة، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مَخَاض أَرْحَبِيَّة أو مهرية بقيمة نصف أَرْحَبِيّة ومهرية؛ لأن هذين النَّوْعين أغلب، ولا نظر إلى المجِيدِيّة. وعلى الثاني يؤخذ بنت مَخَاض من أي الأنواع أعطى بقيمة خمس مهَرِيّة، وخمس أَرْحَبِيَّة، وخمس مجِيْدِيّة (١) فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة وقيمة بنت مخاض مجيدية ديناران ونصف فيأخذ بنت مخاض من أحد أنواعها قيمتها ستة ونصف وهي خمساً عشرة وخمسًا خمسة وخمس ديناران ونصف، وصور بعضهم قيمة المجيدية أكثر، وذلك فرض في إبل الشخص على الخصوص، وإلاَّ فالمجيدية أردأ الأنواع الثلاثة، وغرض التمثيل لا يختلف. والثاني: له ثلاثون من المعز، وعشر من الضَّأْن، فعلى القول الأول يؤخذ ثنية من المعز. قال في "النهاية": ويكتفي بماعزة كما يأخذها، لو كانت غنمة كلها معزاً، وعلى عكسه لو كانت ثلاثون منها ضأناً أخذنا جذعة من الضَّأن كما نأخذها لو تمخَّضت غنمه ضأناً، وعلى القول الثاني يخرج ضائنة، أو ماعزة بقيمة ثلاثة أرباع ماعزة وربع ضائنة الصورة الأولى وبقيمة ثلاثة أرباع ضائنة وربع ماعزة في الصُّورة الثانية، ولا يجيء قول اعتبار الوسط هاهنا وعلى الوجه الذي رواه ابن كج يؤخذ من الأَشرف فلا يخفى قياسها في المثال الأول.

стр. 1044

بَابُ صَدَقَةِ الخُلَطَاءِ وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ قال الغزالي: الأَوَّلُ، فِي حُكْمِ الخُلْطَةِ وَشَرْطِهَا وَحُكْمُ الخُلْطَةِ تَنْزِيلُ المَالَيْنِ مَنْزِلَةَ مَالٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ بِأَرْبَعِينَ لِغَيْرِهِ فَفِي الكُلِّ شَاةٌ وَاحِدَةٌ (ح)، وَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغَيرِهِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ (م ح) شَاةٍ. قال الرافعي: النَّظَر في المواضع الخمسة كان معترضاً في شرط النِّصاب، فلما فرغ منها عاد إلى القول في النِّصاب، ولما كانت الزِّكاة قد تجب على مَنْ لا يملك نصاباً بسبب الخَلْطَة وجب اسْتِثْنَاؤها عن اشتراط النِّصَاب، فاستثنى ووصل به باب صَدَقَة الخُلَطَاء وهو من أصول أبواب الزكاة، وأدرج مقصوده في خَمْسَةِ فصول: أولها: في حكم الخلْطَة وشرطها. اعلم: أن الخلطة نوعان: خلطة اشتراك وخلطة جوار (١)، وقد يعبر عن الأولى بخلطة الأعيان، والثاني بخلطة الأوصاف، والمراد من النوع الأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرَّجلين أو الرِّجال عن نصيب غيره كماشية ورثها اثنان أو قوم أو ابتاعوها معاً، فهي شائعة بينهم. ومن النوع الثاني: أن يكون مال كل واحد معيناً متميزاً عن مال غيره، ولكن تَجَاورا تَجَاوُرَ المال الواحد على ما سنصفه، ولكلتا الخلطتين أثر في الزّكاة، ويجعلان مال الشخصين أو الأشخاص منزلة مال الشَّخص الواحد في الزكاة، ثم قد تكثر (٢) الزَّكَاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة ولو انفردا كل واحد بنصيبه لم يجب شيء وقد نقل كما لو كان بينهما ثمانون مختلطة يجب فيها شاة ولو انفرد كل واحد بأربعين لوجب على هذا شاة وعلى هذا شاة. وحكى الحناطي وجهاً غريباً أن خَلْطَة الجوار لا أثر لها، وإنما تؤثر خلطة الشُّيُوع. وعند أبي حنيفة ﵀ لا حكم للخلْطَة أصلاً، وكل واحد يزكِّي زكاة الانْفِرَاد إذا بلغ نصيبه نصاباً، وعند مالك لا حكم للخلْطَة إِلاَّ إذا كان نصيب كل واحد منهما نِصَاباً، فلذلك أعلم قوله في الكتاب: "إلا إذا تم بخلطة نصاباً" بالحاء والميم،

стр. 1045

وكذلك قوله: "ففي كل واحد نصف شاة"، وقوله: "ففي الكل شاة واحدة" بالحاء وحده، ومذهب أحمد ﵀ كمذهبنا والدليل عليه ما روي في حديث أنس وابن عمر ﵃ أن النَّبي ﷺ قال: "وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" (١). قال العلماء: هذا نهي للسَّاعي والملاك عن الجمع والتَّفريق اللَّذَين يقصد بهما السّاعي تكثير الصدقة والملاّك تقليلها، فجمع الساعي أن يكون لزيد عشرون من الغنم، ولعمرو عشرون وهي متفرقة متميزة، فأراد السّاعي الجمع بينهما ليأخذ منها شاة، وتفريقه أن يكون بينهما ثمانون مختلطة، فأراد أن يفرق ليأخذ شاتين. (وأما) جمع الملاك مثل أن يكون لزيد أربعون من الغنم، ولعمرو أْربعون متفرقة فأراد الجمع لئلا يأخذ السَّاعي منها إلاَّ واحدة، وتفريقهم مثل أن يكون لهما أربعون مُخْتَلَطة فأراد التَّفريق لئلا يأخذ منهما شيئاً، ولولا أن الخلطة مؤثرة لما كان لهذا الجمع والتفريق معنى. قال الغزالي: وَشَرْطُ الخُلْطَةِ اتِّحَادُ المَسْرَحِ وَالْمَرْعَى وَالمَرَاحِ وَالْمَشْرَعِ وَكَوْنِ الخَلِيطِ أَهْلاً لِلزَّكَاةِ لاَ كَالذِّمِّيِّ، وَالمُكَاتَبِ، وَفِي اشْتِرَاكِ الرَّاعِيِ وَالفَحْلِ وَالمَحْلَبِ وَوُجُودِ الاخْتِلاَطِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَجَرَيَانِ الاخْتِلاَطِ بِالقَصْدِ وَاتِّفَاقِ أَوَائِلِ الأحْوَالِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: نوعاً الخلْطَة يشتركان في اعتبار شروط وتختص خلْطَة المُجَاورة بشروط زائدة، فمن الشروط المشتركة: أن يكون المجموع نصاباً، وفي لفظ الكتاب ما يدل على اعتباره حيث قال: إلا إذا تم بخَلْطه نصاباً فلو ملك زيد عشرون شاة، وعمرو مثلها، فخلطا تسع عشرة بتسع عشرة وتركا شاتين منفردتين فلا أثر لخلطتهما ولا زكاة أصلاً. ومنها: أن يكون المختلطان من أهل وجوب الزَّكاة فلو كان أحدهما ذمِّياً أو مكاتباً فلا أثر للخلطة بل إن كان نصيب الحُرِّ المسلم نصاباً زكى زكاة الانفراد، وإلاَّ فلا شيء عليه وذلك من ليس أهلاً لوجوب الزكاة عليه لا يجوز أن يصير ماله سبباً لتغير زكاة المسلم. ومنها: دوام الخلْطَة في جميع السّنة على ما سيأتي شرحه. وأما الشروط التي تختص خلطة الجوار باعتبارها. فمنها: اتِّحاد المَرْعى والمَسْرح والمَرَاح والمَشْرَع (٢)، وهذا لفظ الكتاب والمراد

стр. 1046

من اتِّحاد المَشْرَع: أن تسقى غنمهما من ماء واحد من نَهْر أو عَيْن أو بئر أو حوض أو مياه متعددة، ولا تخصّ غنم أحدهما بالسَّقي من موضع، وغنم الآخر بالسَّقي من غيره. والمراد بالمَرَاح: مأواها ليلًا فلو كان يختّص غنم أحدهما بمَرَاح وغنم الآخر بمَرَاح آخر، لم تثبت الخلْطَة، وإن كانا يخلطانها نهاراً. وأما المَرْعَى والمَسْرح فلفظ الكتاب يقتضي تَغَايُرهما، وكلام كثير من الأئمة يوافقه، ومنهم من يقتصر على ذكر المَسْرَح ويفسره بالمَرْعَى، ولفظ "المختصر" قريب منه وليس في الحقيقة اختلاف، لكن الماشية إذا سَرَحَت عن أماكنها، تجئ قطعة قطعة وتقف في موضع، فإذا اجتمعت امتدت إلى المرعى، وكان بعضهم أطلق اسم المسرح على ذلك الموضع وعلى المرتع نفسه؛ لأن الإبل مسرحة إليها ومنهم من خصَّ اسم المسرح بذلك الموضع وإنما شرط اتِّحاد المالين في هذه الأمور ليجتمع اجْتِمَاع ملك المالك الواحد على الاعْتِيَاد. وقد روى عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سمع النبي يقول: "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (١)، وَالْخَلِيطَانِ مَا إِذَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ والرَّاعِي". فنص على اعتبار الاجتماع في الحوض والرعي من الأمور الأربعة، وقيس عليهما البَاقي، ومنها اشتراك المالين في الرَّاعي، حكى المصنف وشيخه وجهين: أظهرهما: أنه يشترط كالاشْتِرَاك في المراح والمسرح، وأيضاً فقد روي في بعض الرِّوَايات عن سعد بدل الرَّعي الراعي (٢) (٣). والثّاني: أنه ليس بشرط؛ لأن الافتراق فيه لا يرجع إلى نفس المال، فلا يضر بعد الاجتماع في المَراح وسائر ما ذكرنا، ولا شك في أنه لا بأس بتعدد الرّعاة، والخلاف في أنه، هل يشترط أن لا تختص غنم أحدهما براع أم لا؟ ويجوز أن يعلّم قوله في

стр. 1047

الكتاب: "في اشتراك الراعي" بالواو؛ لأن كثيراً من الأَصْحَاب نفوا الخلاف في اشتراطه. ومنها: الاشتراك في الفَحْل فيه وجهان كما في الراعي. أحدهما: أنه لا يعتبر ولا يُقْدَح في الخَلْطَة اختصاص كل واحد منهما بِإِنْزَاء فَحْل على ماشيته، وهذا أصح عند المَسْعُودِي، لكن يشترط كون الإِنْزَاء على موضع واحد على ما سنذكره في الخلاف. وأظهرهما: ولم يذكر الجمهور سواه (١) أنه يعتبر لما ذكرنا في خبر سعد، وعلى هذا فالمراد أن تكون الفُحُولَة مرسلة بين ماشيتهما، ولا يخصّ واحد منهما ماشيته بِفَحْل سواء كانت الفُحُولة مشتركة بينهما أو مملوكة لأحدهما أو مُسْتَعَار. وحكى الشيخ أبو محمد وغيره وجهاً آخر، أنه يجب أن تكون مُشْتَرَكة بينهما، وضعفه (٢). ولك أن تعلَّم لفظ "الفحل" بالواو لمثل ما ذكرنا في الراعي. ومنها: حكى في الكتاب في الاشْتِراك في المِحْلَب خلافاً وشرحه أن المُزنِيَّ روى في "المختصر" في شرائط الخلْطَة أنه يعتبر أن يُحْلَبا معاً، وحكى مثله عن حَرْمَلَةَ ورواية الزَّعْفَرَانِيّ وليس له ذكر في "الأم" فاختلفوا منهم من أثبت قولين: أحدهما: اعتباره كما في السَّقْيَ والرعي. والثاني: المنع فإنه ارْتِفَاقٌ وانتفاع فلا يعتبر الاجْتِمَاع فيه كما في الرُّكُوب، ومنهم من قطع بنفي الاعتبار حكى الطريقتين القاضي ابن كج، والظاهر الذي أورده الأكثرون وفَرَّعوا عليه إنَّما هو الاعتبار ثم هاهنا أشياء موضع يحلب فيه، وإناء يتقَاطَرُ فيه اللَّبن وهو المَحْلَب وشخص يحلب ففي ماذا يعتبر الاشتراك أما الموضع فلا بدلا من الاشتراك فيه كالمَرَاح والمَرْعى فلو حلب هذا ماشيته في أهله وذاك ماشيته في أهله، يثبت حكم الخلْطَة (٣)، وأما الحالب ففيه وجهان:

стр. 1048

أحدهما: أنه يعتبر الاشْتِراك فيه أيضاً على معنى، أنه لا يَجُوز أن ينفرد أحدهما بحالب يمنع عن حلب ماشيته لآخر، وهذا ما ذكره الصَّيْدَلاَنِي. وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يعتبر ذلك كما في الجاز وفي الاشتراك في المحْلَب وجهان أيضاً: أظهرهما: لا يعتبر الاشتراك فيه كما لا يعتبر الاشتراك في آلات الجَزِّ فإن كل واحد منهما نوع انتفاع. والثاني: يعتبر وبه قال أبو إسحاق هاهنا، ومعناه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بمحْلَب أو محالب ممنوعة عن الثَّاني، وعلى هذا فهل يشترط خلط اللبن أو يجوز أن يحلب أحدهما في الإناء، ويفرغه ثم يحلب الآخر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يشترط ذلك، فإن لبن أحدهما قد يكون أكثر، فإذا اختلطت امتنعت القِسْمَة. والثَّاني: يشترط ثم يَتَسَامحون في القِسْمة كما يخلط المسافرون أزوادهم ثم يأكلون، وفيهم الزّهيد والرغيب. ومنها: نِيَّة الخلطة، وفي اشتراطها وجهان: أحدهما: أنها تشترط، لأنها تغير أمر الزَّكَاة، إما بالتَّكْثِير أو بالتَّقْلِيل، ولا ينبغي أن يكثر من غير قصده ورضاه ولا أن يَقُلْ إذا لم يقصد محافظة على حق الفقراء. وأظهرهما: أنها لا تشترط فإن الخَلْطَة إنما تؤثِّر من جهة خفَّة المؤنة باتِّحَاد المرافق، وذلك لا يختلف بالقصد وعدمه، وهذان الوجهان كوجهين يأتيان في قصد الاسَامَة والعَلَفِ، ويجريان غالباً فيما لو افترقت المَاشية في شيء مِمَّا يعتبر الاجتماع فيه بنفسها أو فرقها الرَّاعي ولم يشعر المالكان إلا بعد طول الزَّمان؟ هل تنقطع الخلطة أم لا؟ ولو فرقاها أو أحدهما قصداً في شَيْءٍ من ذلك انقطع حكم المخالطة وإن كان يسيراً والتفرق اليسير من غير قصد لا يؤثر، لكن لو اطَّلَعَا عليه فأقراها على تفرقهما ارتفعت الخلطة؟ ومهما ارتفعت الخلطة فعلى من كان نصيبه نصاباً زكاة الانفراد إذا تَمَّ الحَوْل من يوم المِلْك لا من يوم ارتفاعه. وأما قوله: "ووجد الاختلاط في أول السنة"، وقوله: "واتفاق أوائل الأحوال"

стр. 1049

فهما المسألتان اللتان يشتمل عليهما الفصل الثالث ونشرحهما إذا انتهينا إليه، والخلاف الذي أبهم ذكره في جميع الصُّوَرِ وَجْهَان، إلا في وجود الاخْتِلاَط في أول السَّنة فهو في هذه المسألة قولان ستعرفهما؟ ولك أن تعلم قوله: "وشرط الخلطة اتحاد المَرْعَى والمَسْرَح ... " إلى آخره بالميم؛ لأن ابن الصَّبَّاغ حكى عن أصحاب مالك اختلافاً في الأمور التي شرطناها في الخلطة، فمنهم من شرط اجتماع المالين في أمرين منها، ومنهم من اعتبر الرَّعي والرَّاعي، ومنهم من اعتبر الرَّعي وأمراً آخر أيّما كان. قال الغزالي: وَفِي تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ فِي الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ، فَعَلَى الثَّالِثِ يُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الشُّيُوعِ دُونَ الجِوَارِ، وَلاَ تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الجِوَارِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَفِي الشُّيُوعِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: لا خلاف عندنا في تأثير الخَلْطَة في المَوَاشي، وهل تؤثر في غير المواشي من الثِّمار والزروع والنقدين وأموال التجارة؟ أما خلطة المشاركة ففيها قولان: القديم: وبه قال مالك وكذلك أحمد في أَصَحِّ الرِّوايتين أنها لا تثبت بخلاف المَوَاشي، فإنّ فيها أوقاصاً فالخلْطَة تنفع المالك تارة والمسكين أخرى، ولا وَقْصَ في المُعشرَات، فلو أثبتنا الخلطة فيها لتمحَّضت ضرراً في حقِّ المالكين، لأنها تضر فيما إذا كان ملك كل واحد منهما دون النصاب، ولا يثبت نفع بإزائه واحتج له أيضاً بظاهر قوله ﷺ : "وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّعْي" (١). فإنه يقتضي حصر الخَلِيطَيْن في المجتمعين في هذه الأمور، وذلك لا يفرض إلاَّ في المواشي. والجديد: أنها تثبت؛ لأنهما كما يَرْتَفِقَان بالخلطة في المَوَاشي لخفّة المُؤْنة باتِّحاد المرافق كذلك يرتفقان في غيرهما باتحاد الجرِين والنَّاطُور والدّكان، والحَارِس والمتعهّد وكرَّاء البيت وغيرها. واحتج له بإطلاق قوله ﷺ : "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (٢). وأما خلطة المُجَاورة: فإن لم تثبت خلطة المُشَاركة، فهذه أوْلى وإن أثْبتنا تلك ففي هذه قولان ومنهم من يقول: وجهان، وذلك بأَنْ يكون لكلِّ واحد صف نخيل أو زرع في حائط واحد أو كيس دراهم في صندوق واحد أو أمتعة تجارة في خزانة واحدة. أصحهما: عند العراقيين وصاحب "التهذيب" والأكثرين: أنها تثبت أيضاً كما في المَوَاشي، وهذا الحصول حصول ارتفاق باتحاد النَّاطُور والعَامِلِ والنَّهْرِ الذي منه تسقى وباتحاد الحارث ومكان الحفظ وغيرها.

стр. 1050

والثاني: أنها لا تثبت؛ لأن كل نَخْلَة متميزة بمكانها الذَّي تشرب منه، فأشبه افْتِرَاق المَاشِيَة في المَشْرَب، ونسب القاضي ابْنُ كَجٍّ هذا إلى اختيار أبي إسحاق، والأول إلى اختيار ابن أبي هريرة، ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين الثِّمار والزُّروع وبين النَّقْدَين وأموال التِّجَارة على المَشْهُور وعن القَفَّال طريقة أخرى، وهي أن الخِلاَفَ في الثِّمَار والزُّروع في الخلطتين جميعاً وفي النَّقْدَين وأموال التجارة في خلطة المشاركة وحدها، وفي خلطة الجوار نقطع بأنها لا تثبت فيها، وهذه الطريقة هي التي أوردها الشّيخان الصَّيدلانيّ وأبو محمد، وذكرها صاحب الكتاب فقال: "ولا تؤثر خلطة الجوار في مال التجارة وفي الشيوع قولان" فأعلم قوله: "ولا تؤثر" بالواو، وقوله: "تؤثر خلطة الشيوع" بالميم والألف لما قدمناه، واعرف أنا حيث أثبتنا الخلاف وتركنا الترتيب حصلت ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب: أحدها: تأثير الخلطتين. والثاني: المنع. والثالث: تأثير خلطة الشيوع دون الأخرى، وفرعوا على الصحيح وهو تأثير الخلطتين فروعاً. منها: نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد أثمرت خمسة أوسق لزمهم الزكاة، وساعدنا مالك في هذه الصورة ويمثله لو وقف أربعين شاة على جماعة معينين، هل تجب عليهم الزكاة؟ يبنى ذلك على أن المِلْك في الوَقْف، هل ينتقل إليهم؟ إن قلنا: لا، فلا زكاة عليهم، وإن قلنا: نعم، فوجهان: أصحهما: لا زكاة لنقصان مِلْكهم كما في ملك المُكَاتب (١). ومنها: لو استأجر أجيراً ليتعهد نخيله على ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمارها وقبل بدوّ الصّلاح وشرط القَطْع لكن لم يتّفق القطع حتى بدا الصّلاح وكان مبلغ ما في الحائط نصاباً وجب على الأجير عشر ثمرة تلك النخلة وإن قلَّت. قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّرَاجُعِ: وَلِلسَّاعي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عُرْضِ المَالِ مَا يَتَّفِقُ ثُمَّ يُرْجِعُ المَأْخُوذَ مِنْهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ خَلِيطِهِ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ مِنَ البَقَرِ بِثَلاَثِينَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّاعيِ أَخْذُ المُسِنَّةِ مِنَ الأَرْبَعِيْنَ وَالتَّبِيعِ مِنَ الثَّلاَثِينَ بَلْ يَأْخُذُ كَيْفَ اتَّفَقَ،

стр. 1051

فَإِنْ أَخَذَ كَذَلِكَ فَيَرْجعُ بَاذِل المُسِنَّةِ بِثَلاثَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ وَبَاذِلُ التَّبِيعِ بِأَرْبَعَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنَّينِ وَاجِبٌ فِي الجَمِيعِ عَلَى الشُّيُوعِ كَأنَّ المَالَ مِلْكٌ وَاحِدٌ. قال الرافعي: روينا عن النّبي ﷺ أنه قال: "وَمَا كَانَا مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" (١). أخذ الزكاة من مال الخليطين يقتضي رجوع أحدهما على صاحبه دون رجوع الآخر عليه وقد يقتضي التراجع بينهما، وهو الذي تعرض له الخبر. وقوله ﵇ بالسَّوية حمله الأئمة على الحصّة، فإذا ملك ما دون خمس وعشرين من الإبل بينهما نصفين وأخذ السَّاعي واجباً من أحدهما رجع بنصف قيمة المأخوذ على صاحبه ولو كانت بينهما أثلاثاً أو أرباعاً فالرجوع بالحساب ثم الرجوع والتَّراجع يكثران في خلطة الجواز، وإنما رَسَمَ الفصل في الكتاب للتراجع في هذه الخلطة وقد يتفقان قليلاً في خلطة المشاركة أيضاً على ما سنذكره آخراً، وحكى المُحَامِليُّ فيما يحمل عليه الخبر من الخلطتين قولين: الجديد: أن مطلق الخلطة ينصرف إلى خلطة المشاركة. والقديم: أنه ينصرف إلى خلطة المُجَاورة، وعليها حمل المعظم الخبر إذا عرفت هذه المقدمة فنتكلم في مقصود الفصل أوّلاً ونقول: إذا اختلط المالان خلطة جوار بشرائطها ووجب الزَّكاة نظر، هل يمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منها لو انفرد من ماله أم لا؛ فإن لم يمكن فللسّاعي أن يأخذ الفرض من إيهما شاء فإن لم يجد سن الفرض بصفة الأجزاء إلا في مال أحدهما أخذه منه. مثاله: بينهما أربعون من الغنم بالسّوية لا يمكن التَّشْقيص فيأخذ شاة من أَيِّهِمَا اتّفق، ولو وجب بنت لَبُون في إبلهما ولم يجدها إِلاَّ في مال أحدهما أخذها منهم، ولو كانت ماشية أحدهما مراضاً أو معيبة أخذ الفرض من الآخر، وإن أمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منهما لو انفرد منه فوجهان: أحدهما: فقد قال أبو إسحاق يأخذ كل واحد ما يخص ماله، ولا يجوز غير ذلك إغناء لهما عن التراجع. وأصحهما وبه قال ابن أبي هريرة والمعظم وهو المذكور في الكتاب: أن له أن يأخذ من عرض المال ما يتفق ولا حجر عليه، بل وإن أخذ كما ذكر صاحب الوجه الأول يبقى التراجع بينهما، وذلك لأنَّ المالين عند الخلطة يَنْزِلان منزلة المَالِ الواحد،

стр. 1052

أَلاَ ترى أنَّ الواجب يقلّ تارة ويكثر أخرى، كما لو كان الكلُّ لواحد [وإذا] (١) كان كذلك فكلُّ المأخوذ شائع في جميع المال وليس شيئاً منه بعينه عن شيء من المال بعينه والباقي عن الباقي. مثال هذه الحالة التي فيها الوجهان: أن تجب شاتان في الغَنَمِ المخلوطة، وأمكن أخذ إحداهما من هذا والثانية من ذاك، وكذلك لو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لإحداهما وثلاثون للآخر وأمكن أخذ المسنة من الأربعين والتَّبيع من الثلاثين، وكذلك لو كان بينهما مائة وثمانون من الإبل مائة لأحدهما وثمانون للآخر وأمكن أخذه حِقَّتين من المائة وبنتي لَبُون من الثَّمانين، ولا يخفى نظائره إذا تقرر ذلك فلنبين كيفية الرّجوع والتراجع عند أخذ الزَّكاة على الوجه المُحوج إلى أحدهما على حسب الخلاف الذي حكيناه. فنقول: إذا أخذ شاة من أحد الخَلِيطين عن أربعين من الغنم عشرون منها لهذا وعشرون للآخر رجع المَأْخُوذ منه بنصف قيمة الشَّاة المَأْخوذة على الآخر ولا يرجع بنصف شاة؛ لأن الشَّاة ليست بمثليه ولو كانت ثَلاَثون لأحدهما وعشرة للآخر، فإن أخذ الشَّاة من صاحب الثلاثين رجع بربعها على الآخر ولا يرجع بنصف شاة، وإن أخذها من الآخر ورجع بثلاثة أرباعها على صاحب الثلاثين، ولو كان بينهما مائة وخمسمون شاة لأحدهما مائة وللآخر خمسون فأخذ السّاعي الشاتين الواجبتين فيها من صاحب المائة رجع على الآخر بقيمة ثلث كل شاة ولا نقول بقيمة ثُلُثي كل شاة؛ لأن قيمة الشَّاتين تختلف وإن أخذها من صاحب الخَمْسِين رجع على الآخر بقيمة ثلثي شاة ولو أخذ من كل واحد شاة ورجع صاحب المائة على صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاته وصاحب الخمسين على صاحب المائة بقيمة ثُلُثِي شاته ولو كان نصف الشَّاة لهذا ونصفها للآخر فكل واحد منهما يرجع على الآخر بقيمة نصف شاته، فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التّقاص عند تساوي الدِّينين قدراً وجنساً، ولو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لأحدهما وثلاثون للآخر فالتَّبِيع والسُنَّة واجبان عليهما على صاحب الأَرْبَعِين أربعة أسباعهما، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما، فلو أخذهما الساعي من صاحب الأربعين رجع بقيمة ثلاثة أسباعهما على الآخر، ولو أخذهما من الآخر رجع بقيمة أربعة أسباعهما على صاحب الأربعين، ولو أخذ التَّبيع من صاحب الأربعين والمسنة من صاحب الثَّلاثين رجع صاحب الأَرْبَعِين بقيمة ثلاثة أسباع التَّبِيع على الآخر ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع المسنة، ولو أخذ المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من الآخر رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع المسنة على الآخر، ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع

стр. 1053

التبيع (١)، وهذه الحالة الرابعة المذكورة في الكتاب، ولك أن تُعلَّم قوله: "من عرض المال ما يتفق" بالواو، وكذا قوله: "لم يجب على الساعي أخذ المسنة" وقوله: "بل يأخذ كيف اتفق"، وقوله: "فيرجع باذل المسنّة" للوجه المنسوب إلى أبي إسحاق فإن كان ذلك مشروط على ذلك الوجه بأن لا يمكن أخذ ما يخص كل واحد منهما لو انفرد منه على ما سبق. وقوله: "بثلاثة أسباعهما"، أي: بقيمتها. وكذا قوله: "بأربعة أسباعه". ولو ظلم الساعي فأخذ من أحد الخَلِيطَين، والواجب شاة شاتين أو أخذ شاة حبلى رُبّى أو مَاخِضَة رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمة الواجب لا قيمة المأخوذ فإن السَّاعي ظلمه بالزيادة والمظلوم يرجع على الظالم دون غيره، فإن كان المَأْخوذ باقياً في يد السَّاعي استردوه، وإلا استرد الفضل والفرض ساقط، ولو أخذ القيمة في الزكاة أو أخذ من السّخَال كبيرة، فهل يرجع على خليطه؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق في أخذ القيمة: أنه لا يرجع. وأصحهما: وبه قال ابن أبي هريرة: يرجع؛ لأنهما من مسائل الاجتهاد، فالقيمة مأخوذة عن أبي حنيفة ومالك، والواجب في السّخَال كبيرة عند مالك، ومنهم من خصّ الوجهين بمسألة القيمة، وقطع في أخذ الكبيرة فالرجوع هذا تمام ما نذكره من خلطة الجوَار. أما خلطة الشيوع: فإن كان الواجب من جنس المال وأخذه السّاعي منه فلا يراجع فإن المأخوذ مشاع بينهما، وإنْ كَانَ الوَاجِب من غير جنس المال كالشَّاة فيما دون خمس وعشرين من الإبل، فإذا أخذ السَّاعي شاة من أحد الخليطين عن خمس من الإبل بينهما رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمتها، ولو كان بينهما عشر فأخذ من كل واحد منهما شاة ثبت التراجع فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التقاص، ومتى ثبت الرجوع وتنازعا في قيمة المأخوذ فالقول قول المأخوذ منه؛ لأن غارم. قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي اجْتِمَاعِ الخُلْطَةِ وَالأنْفِرَادِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا مَلَكَ رَجُلاَنِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ غُرَّةَ المُحَرَّمِ وَخَلْطاَ غُرَةَ صَفَرٍ، فَفِي الجَدِيد يَجِبُ عَلَى

стр. 1054

كُلِّ وَاحِدٍ فِي آخِرِ الحَوْلِ الأَوَّلِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الأَحْوَالِ نِصْفُ شَاةٍ تَغْلِيبًا لِلأنْفِرَادِ، وَعَلَى القَدِيمِ يَجِبُ أَبدًا نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ مَلَكَ الثَّانِي غُرَّةَ صَفَرِ وَخَلَطَ غُرَّةَ رَبِيعٍ فَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ، وَخَرَجَ ابْنُ سُرُيجٍ أَنَّ الخُلْطَةَ لاَ تَثْبُتُ أَبدًا لِتَقَاطُعِ أَوَاخِرِ الأَحْوَالِ. قال الرافعي: اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد، أما أن يكون بطروء الخلطة على الانفراد أو بطروء الانفراد على الخلطة، وهذا الفصل الثالث مرسوم للقسم الأول فنبينه، ونقول: لا خلاف في أنه لو لم تكن لهما حالة انفراد بأن ورثا ماشية أو ابتاعها دفعة واحدة شائعة أو غير شائعة لكن مخلوطة وإذا ما الخلطة أنهما يزكيان زكاة الخلطة وكذا لو كان ملك كل واحد منهما دون النصاب وبلغ بالخلطة نصاباً زكاه زكاة الخلطة؛ لأن الحَوْل لم ينعقد على ما ملكاه عند الانفراد، فأما إذا انعقد الحول على الانفراد ثم طرأت الخلطة فلا يخلو، إما يتفق ذلك في حق الخليطين جميعاً أو في حق أحدهما. الحالة الأولى: أن ينعقد الحول على الانفراد في حقهما جميعاً ثم تطرأ الخلطة فأما أن يتفق حولاهما أو يختلف، فإن اتفق كما لو ملك كل واحد أربعين شاة غرة المحرم ثم خلطا غرة صفر ففيه قولان (١): الجديد وبه قال أحمد: أن حكم الخلطة لا يثبت في السنة الأولى؛ لأن الأصل الانفراد والخلط عارض فيغلب حكم الحول المنعقد على الانفراد، فعلى هذا إذا جاء المحرم وجب على كل واحد منهما شاء. والقديم وبه قال مالك: أنه يثبت حكم الخلطة نظراً إلى آخر الحَوْلِ والعبرة في قدر الزَّكَاة بآخر الحَوْل أَلاَ تَرى أنه لو مَلَكَ مائة وإحدى وعشرين شاة فتلف منها شاة أو شاتان في آخر الحَوْل؛ لا يجب عليه إلاَّ شاة فعلى هذا إذا جاء المحرم فعلى كل واحد منهما نصف شَاة، وعلى القولين جميعاً في الحَوْل الثّاني وما بعده يزكيان زكاة الخليطة لوجودها في جميع السنة (٢).

стр. 1055

فإذا قلنا بالجديد فوجود الخلطة في جميع السنة شرط في ثبوت حكم الخلطة، فلذلك أدرج حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذه المسألة في جملة الشرائط التي حكي الخلاف فيها على ما سبق، وإن اختلف حولاهما كما لو ملك هذا غرة المحرم وهذا غرة صفر وخلطا غرة شهر ربيع الأول، فينبغي على القولين عند اتفاق الحول، فعلى الجديد: إذا جاء المحرم فعلى الأول شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني شاة، وعلى القديم: إذا جاء المحرم فعلى الأول نصف شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني نصف شاة ثم في سائر الأحوال يتفق القولان على ثبوت حكم الخلطة فيكون على الأول عند غرة كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند غرة كل صفر نصف شاة، وذهب بعض الأصحاب إلى أن حكم الخلطة لا يثبت في سائر الأحوال أيضاً، ويزكيان أبداً زكاة الانْفِراد واتَّفق حملة المذهب على ضعف هذا الوجه. وقالوا: بأن الخلطة في سائر الأحوال حاصلة في جميع الحول فيثبت حكمها كما لو اتفق الحول ولا شك في بعد هذا الوجه لو سلم صاحبه ثبوت القول القديم في الحول الأول وامتنع من طرده في سائر الأحوال، لكنه لو طرد القولين في سائر الأحوال وكان ما ذكرَ من عدم ثبوت الخلطة تفريعاً على الجديد لم يكن بعيداً، ويجوز أن يوجه بأن حول الثاني غير تام عند تمام الحول الأول، وحكم الانفراد مستمر عليه فيلزم انعقاد الحول الثاني للأول على حكم الانفراد، وإذا انعقد الحول على الانفراد يستمر حكمه كما في الحول الأول ثم إذا تم حول الثاني فلصاحبه حكم الانفراد فينعقد حوله الثاني على الانفراد أيضاً، وهكذا أبداً وسواء قوي هذا أو ضعف، فمن صار إليه جعل اتفاق أوائل الأحوال من شرائط ثبوت الخلطة، ولذلك أدرج حجة الإسلام هذه المسألة في الشرائط المختلف فيها، ونسب المعظم هذا الوجه إلى تخريج ابن سريج، وعلى ذلك جرى في الكتاب فقال: وخرج ابن سريج أن الخلطة لا تثبت أبداً، ولم يصحح ذلك على ابن سريج المحاملي، وذكر أن أبا إسحاق حكى في الشرع عن ابن سريج مثل هذا المذهب، وأضاف الوجه المذكور إلى غيره من الأصحاب فإن كان المراد أنه غير ثابت عنه فيجوز أن يعلم قوله: "وخرج ابن سريج" بالواو، ويجوز أن يقال: "خرجه ولم يذهب إليه" جمعاً بين الروايتين، ويجوز إعلام قوله: "لا تثبت أبداً" بالميم والألف؛ لأن عندهما تثبت الخلطة في سائر الأحوال، وإنما يختلفان في الحول الأول اختلاف القديم والجديد ولا يخفى موضع رقمهما في الصورة الأولى.
следующие страницы →