← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وقوله في الكتاب: (في أظهر القولين) غير محمول على قولين منقولين في هذه المسألة بخصوصها؛ لإطباق النَّقَلَة على أن الخِلاَف فِيهَا وَجْهَان، لا قَوْلاَنِ، لكن الأئمة فهموا من اختلاف قوله في نظير المسألة قولين فيما يضبط المَسَائِل، وهو أن الزَّائِلَ العَائِدَ كالذي لم يزل، أو كالذي لَمْ يَعُد، فكأنه أرَادَ بالقولين ذلك، والله أعلم. قال الغزالي: الثَّانِي أَنْ لاَ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَرَيَانِ عَيْبٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْنَعَ أَوْ يُضَارِبَ بِالثَّمَنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيِّ فَلَهُ المُضَارَبَةُ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ عَلَى نِسْبَةِ نُقْصَانِ القِيمَةِ لاَ بِأَرْشِ الجِنَايَةِ إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ كُلَّ القِيمَةِ عِنْدَ قَطْعِ اليَدَيْنِ وَذَلِكَ لاَ يُعْتَبَرُ في حَقِّ البَائِعِ، وَجِنَايَةُ المُشْتَرِي كَجِنَايَةِ الأَجْنَبِيِّ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ. قال الرَّافِعِيُّ: إن لم يتغير المبيع عما كان فللبائع الرُّجوعُ لاَ مَحَالَةَ، وإن تغير فربما منع ذلك التغير الرُّجُوعَ، وربما لم يمنع على ما سيتضح تَفْصِيله، ويبين بذلك أنه ليس الشرط انتفاء نفس التغير، بل انتفاء بَعْضِ التغيرات. وبيان التَّفْصيل المشار إليه أن التغير إما أن يكون بالنقصان، أو بالزيادة. القسم الأول: التغير بالنقصان وهو على ضربين: أحدهما: نقصان مَا لاَ يتقسط الثَّمَنُ عَلَيْهِ، ولا يفرد بالعَقْدِ، وهو المراد بالعَيْبِ، وربما عبر عنه بنقصان الصِّفَةِ، فينظر إن حصل ذلك بآفة سَمَاوِيَّةِ فالبائع بالخِيَارِ إن شاء رَجَعَ إليه ناقصاً، وقنع به، وإن شاء ضَارَبَ مَعَ الغُرَمَاءِ بالثَّمَنِ، كما لو تعيب المبيع في يَدِ البَائِعِ يخير المشتري بين أخذه معيباً بجميع الثَّمَنِ، وبين الفَسْخِ والرجوع بالثَّمَنِ، ولا فرق بين أن يكون النقصان حِسِّياً، كسقوط بَعْضِ الأعضاء والعمى، أو غير حسي كنسيان الحِرْفة، والإباق، والزِّنَا، وفي كتاب القاضي ابْنِ كِجٍّ أن من أصحابنا من أثبت قولاً آخر أنه يأخذ المَعِيب، ويضارب مع الغُرَمَاءِ بما نَقَصَ، كما سنذكره في الضَّرْبِ الثَّانِي من النُّقْصَانِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وإن حصل بجناية جانٍ، فذلك الجانب إما أجنبي، أو بالبائع، أو المُشْتَرِي، إن كان الجاني أجنبياً فعليه الأَرْشُ، إما غير مُقَدَّر أو مقدر بناء على أن جرح العبد مقدر وللبائع أن يأخذه معيباً، ويضارب الغُرَماء بِمِثْلِ نِسْبَةِ ما انتقص من القِيمَةِ من الثَّمَنِ، وإنَّمَا ضارب هاهنا بِشَيْءٍ لأن المشتري أخذ بدلاً من النقصان، وكان ذلك مستحقاً لِلْبَائِعِ، ولو بقي فلا يحسن تضييعه عَلَيْهِ، وإنما اعتبرنا في حقه نقصان القيمة دون

стр. 2242

التَّقْدِيرِ الشَّرْعِي؛ لأن التقدير إنما أثبته الشرع في الجِنَايَاتِ، والأعواض تتقسط بعضها على بعض باعتبار القيمة. ولو اعتبرنا في حقه المقدر، لزمنا أن نقول: إذا قطع الجاني يديه وغرم تمام القِيمَة يرجع البائعُ إلى العَبْدِ مع تمام القِيمَة، أو تمام الثمن، وهذا محالٌ فننتظر فيما انتقص من قيمته بقطع اليدين، ونقول: يضارب البَائِعُ الغرماءَ بمثل نسبته من الثَّمَنِ، ولو قطع إحدى يَدَيْهِ، وغرم نِصْفَ القِيمَةِ، وكان النَّاقِصُ في السوق ثُلُثُ القيمة، يُضَارِبُ البَائِعُ بثلث الثَّمَنِ، ويأخذه، وعلى هَذَا القِيَاسُ. وإن كان الجَانِي البَائِعُ فهو كما لو كان الجاني أجنبياً، لأن جنايته جناية على ما ليس بِمَمْلُوكَ لَهُ، ولا هو في ضَمَانِهِ. وإن كان الجَانِي المشتري فطريقان: أظهرهما: عند الإمام: أن جنايته كجناية الأجنبي أيضاً، لأن إتْلاَفَ المُشْتَرِي قَبْضٌ، واسْتيقَاءٌ مِنْه على ما مَرَّ في موضعه، وكأنه صرف جزءاً من المَبِيعِ إِلَى غَرَضِهِ. والثَّانِي: أن جناية كَجِنَايَةِ البَائِعِ على المبيع قَبْل القَبْضِ، منْ حيث أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ غير مقر في يَدهِ، فعلى هذا يَحْصُل في جنايته قولان: أحدهما: أنها كجناية الأجنبي. وأصحهما: أنها كالآفة السَّمَاوِيَّةِ، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولا يَخْطُر بِالْبَالِ أن حق تشبيه جناية المشتري هاهنا بجناية البَائِع قبل القَبْضِ تشبيه جناية البائع هاهنا بجناية المُشْتَرِي، حتى يقال: كأنه استرجع بَعْض البيع، إذ ليس له الفسخ والاسترجاع إلا بعد حَجْرِ الحَاكِمِ عَلَيْهِ، وليس قبل الحَجْرِ حَقُّ ولا ملك. قال الغزالي: وَإِنْ تَغَيَّر بِفَوَاتِ بَعْضِ المَبِيع كَأَحَدِ العَبْدَيْنِ إِلَى القَائِمِ وَضَارَبَ بِثَمَنِ التَّالِفِ، وَنُقْصَانُ وَزْنِ الزَّيْتِ بالإِغْلاَءِ تَغَيُّرُ صِفَةٍ أُوْ تَلَفُ جُزْءٍ فِيهِ وَجْهَانِ. قال الرَّافِعِىُّ: الضرب الثاني: نقصان ما يقسط الثَّمن عَلَيْهِ، ويصح إفراده بالعَقْدِ، كما لو اشترى عبدين أو ثوبين فتلف أَحَدُهُمَا في يَدِ المُشْتَرِي ثم أفلس، وحجر عليه، فللبائع أن يأخذ البَاقِي بحصَّتِهِ من الثَّمَنِ، ويضارب مع الغُرَمَاء بحِصَّتِهِ عَنِ التَّالِفِ، بل لو بقي جَمِيعُ المَبِيعِ وأراد البائعُ فسخَ البَيْعِ في نصفه مُكِّن منه؛ لأنه أَنْفَعُ لِلْغُرَمَاءِ مِنَ الفَسْخِ في الكُلِّ، فهو كما لو رَجَعَ الأبُ في نصف ما وَهَبَ يجوز، وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ، وَأَبِي الحُسَيْنِ أن من الأصحاب من ذكر قولين في أنه إذا أخذ الباقي يأخذه بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أوَ يأخذه بِجَمِيِع الثَّمَنِ ولا يُضَارِبُ بشَيْءٍ، وذكر الإمام أن أصحاب هذه الطَّرِيقة طردوها في كل مَسْألَةٍ تُضَاهِيهَا، حتى لَوْ بَاعَ سَيْفاً وشقصاً بِمَائَةٍ، يأخذ الشقص بجميع المِائَةِ عَلَى قَوْلٍ، قال: وهذا عِنْدِي قَريبٌ مِن خَرْقِ الإِجمَاعِ.

стр. 2243

هذا إذا تلف أحد العبدين ولم يقبض شيئاً من الثمن أما إذا باع عَبْدَيْنِ متساويين في القِيمَةِ بِمِائَة وقبض خمسين، فتلف أَحَدُهُمَا في يَدِ المُشْتَرِي، ثم أفْلَسَ فقولان: القديم: أنه لا رُجوعَ لَهُ إلَى العَيْنِ، بل يضارب بِبَاقِي الثَّمَنِ مع الغُرَمَاء، لما روى أنه ﷺ قال:"أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعاً فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْبَائِعُ منْ ثَمَنِهِ شَيْئاً فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (١) وإن كان قد اقتضى من ثمنه شيئاً، فهو أسوة الغرماء. والجديد: أنه يرجع، واحتج له بأن الإِفْلاَسَ سَبَبٌ يعود بِهِ كُلُّ العَيْنِ إليه، فجاز أن يعود بعضُه كالفرقة في النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُرَدُّ بِهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْج تَارَةً، وبعضُه أُخْرَى، وأما الحديث فهو مُرْسَل (٢)، وعلى هذا فيما يرجع؟ نص في "الأَم": أنه يرجع في جَمِيع العَبْدِ البَاقِي بما بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ، وله فيما إذا أصْدَقَهَا أرْبَعِينَ شَاةً، وحَالَ عليها الحَوْلُ، فَأخرجت شَاةً، ثم طلقها قبل الدُّخُولِ قولان: أحدهما: يرجع بأربعينَ شَاةً: وهو قياس نصه هاهنا. والثاني: أنه يأخذ نِصْفَ المَوْجُودِ، وَنِصْفَ قِيمةِ الشَّاةِ المُخْرَجَةِ، واختلفوا هاهنا على طريقين: أحدهما: تخريج القول الثاني، وطرد القولين هاهنا وعلى هذا. أحدهما: فأظهرهما: أنه يأخذ جَمِيعَ العَبْدِ البَاقي بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ. ويجعل ما قبضه من الثمن في مقابلة التَّالِف، كما لو رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ وأخذ خَمْسِين، وتلف أحَدُ العَبْدَيْنِ، كان الآخَرُ مَرْهُوناً بِمَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ، والمعنى الجامع: أن له التَّعَلّق بِكُلِّ العَيْنِ إذا بقي كُلُّ الحَقِّ فيثبت له التعلق بِالْبَاقِي مِنَ العَيْنِ للباقي مِنَ الحَقِّ. والثاني: وهو اختيار المُزَنِي: أنه يأخذ نِصْفَ العَبْدِ البَاقِي بنصف البَاقِي من الثَّمَنِ، ويضارب الغرماء بِنِصْفِهِ؛ لأن الثمن يتوزع على المَبِيعِ بالمقبوض، والبَاقِي يتوزع كُلَّ وَاحِدٍ منهما على العَبْدَيْنِ.

стр. 2244

والطريق الثاني: القطع بالمَنْصُوصِ، والفرق بينه وبين الصدَّاق أن الزَّوْجَ إذا لم يرجع إِلَى عَيْنِ الصَّدَاقِ أخذ القِيمَةَ بتَمَامِهَا، والبائع هاهنا لا يأخذ الثَّمَن، بل يحتاج إلى المُضَارَبَة، ولو قبض بَعْضَ الثَّمَنِ، ولم يتلف شَيْءٌ من المبيع، ففي الرُّجُوع القَوْلاَنِ: القديم، والجديد، وعلى الجديد: يرجع إلى المَبيع بِقِسْطِ البَاقِي من الثَّمَنِ، فلو قبض نِصْفَ الثمن رجع في نِصْفِ العَبْدِ المبيع، أو العَبْدَيْنِ المَبِيعَيْنِ. فرعان: أحدهما: قد ذكره في الكتاب. إذا أغلى الزيت المبيع حتى ذهب بَعْضُه، ثم أفلس، فَوَجْهَان: أحدهما: أنه كما لو تَعَيَّبَ المبيع، وكان الزَّائِلُ صِفَة التفل، فعلى هذا يرجع إليه ويقنع به. وأصحهما: أنه بمثابة تَلَفِ بَعْضِ المبيع، كما لو أنضب، فعلى هذا لو ذَهَب نِصْفُه أخذه بِنِصْفِ الثَّمن، وضارب مع الغُرَمَاءِ بالنصف، وإن ذهب ثلثه أخذ بِثُلثَيِ الثمن، وضارب مَعَهُمْ بالثُّلُثِ، ومن قال بالوجه الأول فالشَّرْطُ أن يطرده في إغلاء الغَاصِب الزّيْت المَغْصُوب، وليس له ذِكْرٌ هناك، بل لم يتعرض له المعظم هاهنا واقتصروا على الوجه الثاني، نعم، لو كان مكان الزيت العصير، فقد أجابوا هاهنا وفي الغَصْب بوجهين، وَرَجَّحُوا التسوية بينه وبين الزيت، ووجه الفرق أن الذَّاهِبَ من العصير ماء لا مَالِيَّةَ لَهُ، والذَّاهِبُ من الزيت متمول، وإذا قلنا بالتسوية فلو كان العَصِير المبيع أربعَة أَرْطَالٍ، قيمتها ثَلاَثَةُ دَرَاهِم، فأغْلاَها حَتَّى عادت إلى ثلاثة أرْطَالٍ، فيرجع إلى الباقي، ويضارب بِرُبُعِ الثَّمَنِ للذَّاهِبِ، ولا عبرة بِنُقْصَانِ قِيمَةِ المغلي، كما إذا عادت قيمته إلى دِرْهَمَيْنِ، وإن زادت قيمته بأن صارت أربعة فيبنى على أن الزيادة الحَاصِلة بالصفة أثر أم عين. إن قلنا: أثر فَازَ البَائِعُ بِمَا زَادَ: وإن قلنا: عين، فعن القَفَّالِ: أن الجواب كذلك، وعن غيره أن المُفْلِسَ يكونُ شَرِيكاً لَهُ بالدراهم الزائدة وإن بقيت القيمة ثلاثة كما كانت فيكون بقاؤها بِحَالِهَا مع نقصان بعض العين؛ لازدياد البَاقِي بالطَّبْخِ، فإن جعلنا هذه الزِّيَادَةَ أثراً فَازَ البَائِعُ، وإن جعلناها عَيْناً فكذلك عند القَفَّالِ، وقال غيره: يكون المفلس شريكاً بثلاثة أرباع دِرْهَمٍ؛ لأن هذا القَدْرُ هُوَ قِسْطُ الرَّطْلِ الذَّاهِبِ، وهو الذي زَادَ بالطَّبْخِ في البَاقِي، هذا مَا يستمر على القَواعِدِ، ولصاحب "التلخيص" في المسألة كلام غَلَّطُوهُ فيه. الفرع الثاني: لو كان المبيع داراً فانْهَدَمَتْ، ولم يهلك شيء من النقض، فهذا النقصان من قَبِيل الضَّرْبِ الأول كالعمى ونحوه.

стр. 2245

ولو هلك بعضه بإحراق أو غيره فهو من الضرب الثاني هكذا أطلقوه، ولك أن تقول: وجب أن يطرد فيه الخِلاَف الذي ذكرناه في تلف سَقْفِ الدَّارِ المَبِيعَةِ قبل القبض، أنه كالتعيب أو تلف أحد العبدين. قال الغزالي: أَمَّا التَّغَيُّرُ بِالزِّيَادَةِ فَالمُتَّصِلَةُ من كُلِّ وَجْهٍ لاَ حُكْمَ لَهَا بَلْ تُسَلَّمُ لِلبَائِعِ مَجَّاناً، وَالمُنْفَصِلَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالوَلَدِ لاَ يَرْجِعُ فِيهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ صَغِيراً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ قِيمَةَ الوَلَدِ حَذَراً مِنَ التَّفْرِيقِ، فَإِنْ أَبى بَطُلَ حَقُّهُ عَلَى رَأَى مَنْ رَأَيِ الرُّجُوعَ (و)، وَبِيعَتِ الأُمُّ وَالوَلَدُ عَلَى رَأْيِ، وَصُرِفَ إِلَيْهِ نَصِيبُ الأُمِّ عَلَى الخُصُوصِ، وَإذَا تَفَرَّخَ البَيْضُ المُشْتَرَي أَوْ نَبَتَ البِذْرُ بِالزِّرَاعَةِ فَقَدْ فَاتَ المَبِيعُ عَلَى الأظْهَرِ (و) وَهَذَا مَوْجُودٌ جَدِيدٌ. قال الرِّافِعِيُّ: القسم الثاني: التغير بالزِّيَادَةِ، وهي نوعان: أحدهما: الزيادَةُ الحَاصِلَةُ لأمْرٍ خَارِجٍ، وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: المُتَّصِلَة منْ كُلِّ وَجْهِ كالسِّمَنْ، وتعلم الحِرْفة، وكِبَرِ الشَّجَرَةِ، فلا عبرة بها، وللبائع الرّجُوع من غير أن يلتزم بالزيادة شيئاً، وعلى هذا حكم هذه الزيادة في جميع الأبْوَاب إلا في الصَّدَاقِ، فإن الزَّوْجَ لا يرجع إذا طَلَّقَ قبل الدُّخُولِ إلى النِّصْفِ الزائد إلا بِرِضَى المَرْأةِ، وسبب مفارقة سَائِرِ الأصُولِ يُذْكَرُ هُنَاكَ. والثَّانِي: الزيادة المنفصلة من كل وَجْهٍ كثمرة الشَّجَرَةِ واللبن والولد، فيرجع في الأَصْلِ، وتسلم الزوائد للمُفْلِس، نعم، لو كان الولدُ صَغِيراً فوجهان: أحدهما: أنه إن بذل قيمة الولد أخذه مع الأم، وإلَّا ضَارَبَ بِالثَّمَنِ، وبطل حَقُّه مِنَ الرُّجُوعِ؛ لامتناع التفريق. وأصحهما: أنه إن بذل قيمتَهُ فَذَاكَ، وإلا بيعَا معاً، وصرف ما يخص الأم إلى البائع، وما يخص الولدَ إِلى المُفْلَس، وهاهنا مباحثة وهي: أنا ذكرنا وجهين فيما إذا وجد الأم مِعَيبة وهناك وَلَدٌ صَغيرٌ، أنه يترك الرّد وينتقل إلى الأرش، ويحتمل التفريق للضَّرورة، وفيما إذا رهن الأم دون الولد أنهما يباعان معاً، ويحرم التَّفْرِيق، ولم يذكروا فيما نحن فيه احتمال التفريق، وإنما احتالوا في دُفْعِهِ، فيجوز أن يقال: يجيء وجه في التفريق هاهنا أيضاً، لكنهم لم يذكروه اقتصاراً على الأَصَحِّ، ويجوز أن يفرق بأن مَالَ المُفْلِسِ كُلَّه مَصْرُوفٌ إلى الغُرَمَاءِ، فلا وجه لاحتمال التفريق مع إمكان المحافظة على جَانِبِ الرَّاجِعِ، وكون ملك المفلس مزالاً من الأَوَّلِ (١)، ولو كان المبيع بذراً فزرعه

стр. 2246

المشتري ونبت، أو بيضة فتفرخت في يَدِهِ، ثم أفلس فوجهان: أحدهما: أنه ليس له الرُّجوع إِلَيْهِ؛ لأن المبيع قد هَلَكَ، وهذا شَيْءٌ جديد له اسم جديد. والثاني: يرجع؛ لأنه حَدَثَ منْ عَيْنِ مَالِهِ، أو هو عَيْنُ مَالِهِ اكتسب هيئةً أُخْرَى، فصار كالوَدِيّ (١) إذا صار نَخْلاً. والوجه الأول هو اختيار صَاحِبِ الكِتَاب، وبه قال القاضيان ابْنُ كِجٍّ، وأبو الطَّيِّب، والأصح عند أصْحَابِنَا العراقيين، وصاحب"التهذيب" الوجه الثاني، وسترى في كتاب الغصب ما يؤيده، ويجري مثل هذا الخِلاَف في العَصِير إِذَا تَخَمَّرَ في يَدِ المُشْتَرِي ثم تَخَلَّل. ولو اشترى زرعاً أخضر مع الأرض ففلس وقد اشتد الحَبُّ فقد قيل: بِطَرْدِ الوَجْهَيْنِ، وقيل: بالقطع بالرجوع. واعلم أنا إذا قلنا: بثبوت الرجوع في هذه الصورة، جعلنا هذه التغييرات من القسم الذي نَحْنُ فيه، وإذا لم نقل بثبوته جعلنا هذه التغييرات خارجةً عن الأقسام المَذْكُورَةِ. والتقسيم الحاوي لها أن يقال: التغيير ينقسم إلى ما يقلب المبيع عما هو عليه ويجدد اسماً ومسمى، وإلى غيره، وفيه تقع الأقسام المَذْكُورة. قال الغزالي: وَإِنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ المَبِيعَةُ حَامِلاً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الرُّجُوعِ فَفِي تَعَلُّقِ الرُّجُوعِ بِهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ حَبَلَتْ بَعْدَ البَيْعِ فَالصَّحِيحُ تَعَدِّي الرُّجُوعِ إلَى الجَنِينِ، وَحُكْمُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأَبِيرِ حُكْمُ الجَنِينِ وَأَوْلَى بِالاسْتِقْلاَلِ. قال الرَّافِعِيُّ: الضرب الثالث: الزيادة المتصلة مِنْ وَجْهٍ دون وجه كالحمل، ووجه اتصاله ظاهر، ووجه انفصاله استقلاله وانفراده بالحياة والمَوْتِ، وكثير من الأحكام. وجملة القول فيه: أنه إن حدث الحَمْلُ بعد الشِّرَاء وانفصل قَبْلَ الرجوع، فحكم الولد مَا مَرَّ في الفصل السابق، وإن كانت حاملاً عند الشِّرَاءِ وعند الرجوع جميعاً فَهُوَ كالسِّمَنِ، ويرجع البَائِعُ فيها حَامِلاً، وإن كانت حاملاً عند الشِّرَاء وولدت قَبْلَ الرجوع ففي تعدي الرّجوع إلى الوَلَدِ قولان، بناهما الأصحاب على الخلاف في أن الحَمْلَ هل يُعْرَف أم لا؟

стр. 2247

إن قلنا: نعم، وهو الأصح، رجع كما لو اشترى شيئين. وإن قلنا: لا، بقي الولد للمفلس، وربما وجه قول التعدي بأن الولد كان موجوداً عند العقد، ملكه المشتري بالعقد، فوجب أن يرجع إلى البَائع بالرّجوع، وقول المنع: بأنه ما لم ينفصل تابع ملحق بالأعْضَاءِ، فكذلك تبع في البيع، أما عِنْدَ الرجوع فهو شَخْصٌ مستقل بنفسه فيفرد بالحكم، وكأنه وجد حين استقل، وإن كانت حائِلاً عند الشراء حاملاً عند الرجوع، فقولان مُوَجَّهَانِ بطريقين: أشهرهما: البناء على أن الحَمْلَ هل يعرف؟ إن قلنا: لا، أخذها حاملاً. هان قلنا: نعم، ففي "التهذيب" وجه: أنه لا رجوع له، ويضارب مع الغُرَمَاءِ بالثمن والأصح: أنه له الرجوع في الأم، ولا حق له في الوَلَدِ، كما لو كان منفصلاً. والثاني: توجيه تعدي الرجوع إلى الولد لأن العمل يتبع الجارية حَالَ البَيْعِ، فكذلك في حَالِ الرجوع، وتوجيه المنبع: لأن البائع يرجع إلى مَا كَان عِنْدَ البَيْعِ، أو حدث فيه من الزيادات المُتَّصِلَة، ولم يكن الحَمْلُ موجوداً، ولا سبيل إلى غيره من الزيادات المنفصلة، لاستقلاله وانفراده بكثير من الأحْكَام، ثم قضية المأخذ الأول: أن يكون الأصح اختصاص الرجوع بالأُمّ؛ لأن الأصَحَّ: أنَ الحملَ يُعْرَف، وكذلك ذكر بعض شَارِحي"المفتاح"، إلا أن الأكثرين مَالُوا إلى تَرْجْيحِ القَوْلِ الآخر، كما رُجَّحَهُ صَاحِبُ الكِتَاب، وذكروا أنه المَنْصوص، فليوجه بالمَأْخَذِ الثَّانِي، إذا قلنا باختصاص الرجوع بالأم، فقد ذكر الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ أنه يرجع فيها قبل الوضع، فإذا ولدت فالوَلَدُ لِلْمُفْلِسِ، وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ وغَيْرُهُ: يصبر إلى انفصال الولد، ولا يرجع في الحَالِ، ثم الاحتراز عن التفريق بَيْنَ الأم والولد طريقة مَا مر (١). واعلم أن استتار الثمرة بالأكمة وظهورها بالتَّأْبِيرِ قريبان من استتار الجنين وظهوره بالانفصال، وفيها الأحوال الأربع المذكورة في الجنين: أولها: أن يشتري نخيلاً عليها ثمرة غير مُؤَبَّرة، وكانت عِنْدَ الرجوع غير مُؤَبَّرَة.

стр. 2248

وئانيها: أن يشتريها ولاَ ثِمَارَ عليها غَيْر مؤبرة ثم كانت لها ثمار عِنْدَ الرُّجُوعِ مؤبرة أو مدركة أو مجذوذة، فالحُكْمُ فِيهَا كما ذكرنا في الحَمْلِ. وثالثها: إذا كانت ثَمَرَتْهَا عِنْدَ الشَّرَاءِ غَيْرَ مؤبرة، وعند الرجوع مؤبرة، فطريقان: أحدُهُمَا: أن أَخْذَ البَائِع الثمرة على القولين في أَخْذِ الوَلَدِ إذَا كَانَتْ حَامِلاً عند البَيْعِ ووضعت قبل الرجوع. والثاني: القطع بأنه يأخذ الثمرة؛ لأنها وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً فهي مشاهدة موثوق بها، قابلةٌ للإفراد بالبيع، فكانت أحد مقصودي العقد، فيرجع فيها رجوعه في النخيل، وإن شِئْتَ عَبَّرْتَ عن الطريقين بأنا إن قلنا: يأخذ الولد فالثَّمَرةُ أوْلَى بالإِخْذِ، وإلا فالقَوْلاَنِ. وَرَابِعُهَا: إذا كانت النَّخْلَةُ حَائِلاً عند الشِّراء، فأطلعت عِنْدَ المُشْتَرِي، ثم جاء وَقْتُ الرُّجُوع وهي غير مُوبَّرَةٍ فقولان. رواية الربيع: أنه لا يأخذ الطَّلع؛ لأنه يَصِح إفراده بالبيع، فلا يجعل تَبَعاً كالثمار المُؤَبَّرَةِ. ورواية المُزَنِيّ، وحرملة: أنه يأخذه مع النَّخِيلِ؛ لأنه تبع في البَيْعِ، فكذلك في الفَسْخِ، وفيه طَرِيقَةٌ أُخْرَى قَاطِعَةٌ: بأنه لا يأخذ الطَّلْعُ؛ لما ذكرنا من الوُثوقِ به واستقلاله، قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وعلى هذا القِيَاس أمر الثَّمرة التي لم تُؤَبَّر، فحيث أزال المِلْك باختياره بعوض استتبع مَا لَمْ يؤبر من الثّمار، وإن زَال قهراً بعِوَضٍ فهو كما في الشفعة، والرَدِّ بالعَيْبِ، فالاستتباع عَلَى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وإن زَال لا بعوض اختياراً أو قهراً كما في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ففيه القَوْلاَنِ. وقوله في الكتاب: (وحكم الثمرة قبل التأبير حكم الجنين وأولى بالاستقلال) يشير إلى طريقة القَطْعِ في الثمار تارة بالإثْبَات، وأخرى بالنَّفْي كما بيناه، وحكم سَائِرِ الثَّمَارِ وما يلتحق مِنْهَا بالمؤبر، وما يَلْتَحِق بغير المُؤَبَّرَةِ قد اتضح في البَيْعِ، ويتفرع على منقول المُزَنِي، وهو الأظْهَر: أنه لو جرى التَّأْبير وفسخ البائع البيع ثم قال البائع: فسخت قبل التأبير والثَّمار لي، وقال المُفْلِسُ: بل بعده، فالقول قول المُفْلِسِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ عدم الفَسْخ حِينَئِذٍ، وبقاء الثَّمَارِ لَهُ، وعن أبي الحُسَيْنِ: أن بعضهم ذَكَر قولاً آخر: أن القولَ قولُ الَبَائِع؛ لأنه أعرف بتصرفه (١)، وقال المَسْعُودِيُّ: يخرج قول أن

стр. 2249

المفلس يقبل قوله من غير يمين، بناء على أن النكول ورد اليمين كالإقرار، وأنه لو أَقَرَّ لما قُبِلَ إِقْرَرُةُ، والمذهب الأول، وإنما يحلف على نفي العِلْم بِسَبْقِ الفَسْخِ على التأبير، لا على نفي السَّبْقِ (١). فإن حلف بَقِيَت الثَّمارُ لَهُ، وإن نَكَلَ فَهَلْ لِلْغرَمَاءِ أن يُحْلِفُوا، فيه الخلاف المَذْكُور فيما إذا ادعى المفلس ديناً عَلَى غَيْرِهِ وأقام شاهداً ولم يحلف معه هل يحلف الغرماء؟ فإن قلنا: لا يَحْلِفون وهو الأصح أو قلنا: يَحْلِفُون فنكلوا، عرضت اليمين على البَائِع، فإن نَكَل فهو أَحَّقُّ كما لو حلف المُفْلس، وإن حَلَفَ فإن جَعَلْنَا اليمين المَرْدُودَةَ بَعْدَ النُّكُولِ كَالْبَيِّنَةِ، فالثَّمَارُ لَهُ وإن جعلناه كَالإقْرَارِ فيخرج على القَوْلَيْنِ في قبول إقرار المُفْلِس في مزاحمة المقر له للغُرَمَاءِ، فإن لم يقبله صرف الثمار إلى الغُرَمَاءِ كَسَائِرِ الأمْوَالِ، فإن فضل شَيْءٌ أَخَذَهُ البَائِعُ بِحَلِفِهِ. هَذَا إِذَا كَذَّبَ الغُرَمَاءُ البائع كما كذبه المفلس، وإن صَدَّقُوه لم يقبل إقرارهم على المُفْلِسِ، بل إذا حلف بَقِيَتِ الثَّمَارُ لَه وليس لهم المُطَالَبَةُ بقسمتها؛ لأنهم يَزْعَمُونَ أنها ليست مِلْكاً لَهُ، وليس له التَّصَرُّف فِيهَا؛ لمكان الحَجْرِ، واحتمال أن يكون له غَرِيمٌ آخر. نعم، له إجبارهم على أَخْذِهَا إن كانت مِنْ جنس حُقُوقِهِمْ، أو إبراء ذمته عن ذلك القَدْرِ عَلَى ظَاهِرِ المذْهَبِ، كما لو جاء المكاتب بالنجم فقال السيد: إنه مَغْصُوبٌ، فيقال له: خذه أو أبرئه عنه، وفيه وجه أنهم لا يجبرون على أَخْذِهَا، بِخِلاَفِ المُكَاتَب؛ لأنه يَخَافُ العودَ إِلَى الرِّق، لو لم يؤخذ منه، وليس على المفلس كَثِيرُ ضَرَرٍ، فَإذا أجبروا على أَخْذِهَا فأخذوها، فللبائع أخذها منهم لإقرارهم، وإن لم يجبروا وأقسم سَائِر أمواله فله طَلَبُ فَكَّ الحَجْرِ، إذا قلنا: إنه لا يرتفع بنفسه، ولو كانت من غير جِنْس حقوقهم فبيعت وصرف ثمنها إليهم تفريعاً على الإجْبَارِ، لم يتمكن البَائِعُ من أخذه منهم لأنهم لم يُقِرُّوا له بالثَّمَنِ، وعليهم رَدُّهُ عَلَى المُشْتَرِي، فإن لم يأخذه فَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ (٢)، ولو كان في المصدقين عَدْلاَن شهدَا لِلْبَائِع على صيغة الشَّهَادَةِ وشرطها، أو عدل واحد وحلَفَ البَائِعُ معه قُبِلَت الشَّهَادة، وقضى لهَ، هكذا أَطْلَقَ الشَّافعي ﵁ وعامة الأَصْحَاب، وأحسن بعض الشُّيُوخِ الشَّارِحِين "للمختصر" فحمله على ما إذا شهِدَ الشُّهُودُ قَبْلَ تَصْدِيقِ البَائِعِ.

стр. 2250

أو بعده، وقلنا: إنهم لا يجبرون على أَخْذِ الثَّمارِ، وإلا فهم يدفعون بالشَّهَادة ضرر أخذها، وضياعها عليهم بِأَخْذِ البَائِعِ. ولو صدَّق بَعْضُ الغرماء البائعَ وكَذَّبَه بعضهم، فللمفلس تخصيص المكذبين بالثَّمَارِ، ولو أراد بعضهم قسمتها على الكُلِّ فوجهان. قال أبو إسحاق ﵀ له ذلك، كما لو صَدَّقُوهُ جَمِيعاً، وقال الأكثرون: لا؛ لأن من صدق البائع يتضرر بالأخْذ؛ لأن البَائِع يتضرر بأخذ ما أخذه منه، والمُفْلِس لا يتضرر بأن لا يصرف إليه لإمكان الصَّرْفِ إلى المكذبين، بخلاف ما إذا صَدَّقَهُ الكُلِّ. وإذا صرف إلى المكذبين ولم يف بحقوقهم، فيضاربون المصدقين في سَائِرِ الأموال ببقية ديونهم، مؤاخذةً لهم بزعمهم، أو بجميع ديونهم؛ لأن زعم المُصَّدِّقين أن سائر ديون المكذبين لم تَتَأَدَّ، وفيه وَجْهَانِ: أظهرهما: وهو المنصوص أولهما، وجميع مَا ذَكَرْنَاه فيما إذا كذَّب المُفْلسُ البَائِعَ، أما إذا صَدَّقه، نظر إن صدقه الغرماء أيضاً قُضِيَ له، وإن كَذَّبُوه وزعموا أنه أقر عن مواطأة جرت بينهما، فعلى القولين فيما إذا أَقَرَّ بعين مال أو بِدَيْنٍ لغيره، وإن قلنا: لا يقبل، فللبائعِ تحليفُ الغرماء، قيل: إنهم لا يعرفون فسخه على التأبير، ومنهم من قال: هو على القولين السَّابقين في أن الغرماء هَلْ يحلفون؟ والأول أصح؛ لأن اليمين هاهنا توجهت عليهم ابتداء، وثم ينوبون عن المُفْلِس، واليمين لا تَجْرِي فيها النِّيابة (١). النظر في انْفِصَالِ الجَنِين، وفي ظهور الثَّمَارِ بالتأبير إلى حال الرجوع دُونَ الحَجْرِ؛ لأن ملك المفلس بَاقٍ إلى أن يرجع البائع. قال الغزالي: وَلَوْ بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي فَعَلَى البَائِعِ إِبْقَاؤُهَا إِلى الجِدَادِ، وَكَذَا إِبْقَاءُ زَرْعِهِ مِنْ غَيْر أُجْرَةٍ (و)، وَحَيْثُ يَثْبُتُ الرُّجُوعُ في الثَّمَارِ فَلَو كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ فَرَجَعَ فِي الشَّجَرَةِ فَيُطَالَبُ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ بِطَرِيقِ المُضَارَبَةِ، وَيُعْرَفُ قَدْرُهُ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّ (و) القِيمَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ العَقْدِ إِلَى يَوْم القَبْضِ؛ لأنَّ مَا نَقَصَ قَبْلَ القَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ في ضَمَانِ المُشْتَرِي، وَيُعْتَبَرُ لِلشَّجَرَةِ أَكْثَرُ القِيمَتَيْنِ عَلَى الأَظْهَر (و) تَقْلِيلاً لِلْوَاجِبِ عَلَى المُشْتَرِي. قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ مسألتان: إحداهما: مهما رَجَعَ البَائِعُ في الأَشْجَارِ المبيعة، وبقيت الثَّمَارُ للمشتري، إما

стр. 2251

لحدوثها بَعْدَ، أو لظهورِهَا قبل الرجوع، أو على أحد القولين في الحَالَةِ الثَّالِثَةِ، والرَّابِعَةِ، فليس له قَطْعُهَا، بل عليه إبقاء الثَّمَرَة إلى الجذاذ، وكذا لو رجع في الأَرْضِ المَبِيعَةِ، وهي مزروعة بزرع المُشْتَرِي ترك الزَّرع إلى الحَصَادِ؛ لأنه لم يتعد بالزَّرْعِ حتى يقلع زرعه، وهذا كما إذا اشْتَرَى أرضاً مزروعة ليس لِلْمُشْتَرِي أن يُكَلِّف البَائِعَ قَلْعَ الزَّرْع، ثم إذا بقي الزَّرْعُ أبقاه بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، بخلاف ما إذا اكترى أرضاً وزرع فيها المكتَري، ثم أفلس وفسخ المُكْرِي الإِجَارَةَ، حيث قلنا: يترك الزَّرْع إلى الحصاد بأجْرَةِ المِثْلِ. والفرق مِنْ وَجْهَيْنِ: أشهرهما: أن المستأجر دخل في الإِجَارة على أن يضمن للبائِعِ المنافع، فألزمناه بدلها، والمشتري دَخَل في الشِّرَاء على أن تحصل له المنافع بِلاَ عَوَضٍ، فلم يحسن إِلْزَامه بدلها، (وأوفقههما): أن مورد البيع الرَّقَبة، وأنها يَحْصُل له بالفَسْخِ، وإن لم يأخذ الأُجْرَة، ومورد الإِجَارَة المَنَافِعِ، فإِذا لم يتمكن من استيفائها ولم يمكن من أخذ بدلها خلا الفسخ عن الفَائِدَةِ، ولم يعد إليه حقّه، وعن صاحب "التقريب": أن ابْنَ سُرَيْجٍ خرج قولاً، أن للبائع طلب أجرة المِثْلِ لمدة بقاء الزرع، كما لو بني المشتري أو غرس، كان للبائغ الإبقاء بالأجْرَة كما سيأتي إن شاء الله -تعالى- ثم الكلام فيهما إذا طلب الغرماء أو المُفْلِس القطع قَبْلَ الجذَاذِ، وقبل الحصَادِ، على مَا مَرَّ في فَصْلِ الإجَارَةِ. الثانية: إذا ثبت الرّجوع في الثَّمَار، إما بالتَّصْرِيحِ ببيعها مع الأشْجَارِ، وهي مُؤَبَّرَةٌ على أحد القولين، في الحالة الثالثة، والرابعة، ثم تلفت الثمار بجائحة أو بأكل المشتري ثم أفلس فالبائع يأخذ الأشْجَارَ بحصتها من الثَّمَنِ، ويضارب مع الغرماء بحصة الثمار، وسبيل التوزيع أن تُقَوَّم الأشْجَار وعليها الثّمار، فيقال: قيمتها مائة، وتقوَّم وَحْدَها، فيقال: قيمتها تِسْعُون، فيضارب بِعُشْرِ الثَّمَنِ، فإن اتفق في قيمتها انخفاض وارتفاع فالاعتبار في قِيمَةِ الثَّمَارِ بالأقلِّ من قيمتها يوم العقد ويوم القبض؛ لأنها إن كانت يوم القَبْضِ أقل فما نقص قبله من ضمان البَائِعِ فلا يحسب على المُشْتَرِي، وإن كانت يوم العقد أقلّ فالزيادة حصلت في ملك المُشْتَرِي وتلفت فلا تعلق لِلْبَائِعِ بها. نعم، لو كانت العين باقية رجع فيها متابعة للأَصْلِ، وعن صاحب "التقريب": أن بعضهم قال: باعتبار قيمة يوم القَبْضِ واحتسب الزيادة لِلْبَائِعِ بعد التَّلَفِ كما أنها لو بقيت العين لَحَصَلت له، وهذا ظاهر نصه في "المختصر" إلا أنَ الجمهور حملوه على ما إذا كانت قيمة يوم القَبْضِ أقل، أو لم تختلف القيمة فبنوا إضافتها إلى هذا اليوم، أو إلى هذا اليَوْم. وأما الأَشْجَار ففيها وَجْهان: أظهرهما عند صاحب الكتاب وهو الذي أورده

стр. 2252

الصَّيْدَلاَنِيّ، وغيره: أن الاعتبار فيها بأكثر القيمتين؛ لأن المبيع بَيْنَ العقد والقبض من ضَمَانِ البَائِعِ، فنقصانه عليه وزيادته لِلمُشْتَرِي، ففيما يأخذه البَائِع يعتبر الأكثر ليكون النقصان محسوباً عليه، كما أن فيما يبقى للمشتري أو يضارب البائع بثمنه يعتبر الأقل ليكون النقصان محسوباً عليه. والثاني: وهو الذي نقله صاحب "التهذيب"، و"التتمة": أن الاعتبار بقيمة يَوْمِ العَقْدِ، سواء كانت أكثر القيمتين أو أقلهما، أما إذا كانت أكثرهما فكما ذكرنا في الوجه الأول. وأما إذا كانت أقلهما فلأن ما زاد بعد ذلك من جُمْلَة الزِّيَادَاتِ المُتّصِلة، وعين الأشجار بَاقِية، فيفوز بها البَائِع، ولا تحسب عليه، قال الإمام: ولصاحب الوجه الأول أن يقول: نعم البائع يفوز، ولكن يبعد أن يفوز بِهَا، وَهِيَ حادثة في مِلْكِ غَيْرِهِ، ثم لا يحسبها من المَبِيع، فإذا فاز بها فليقدر كلها وجدت يوم البيع، ولنبين اختلاف قيمة الأشْجَارِ والثمار بالتمثيل، فنقول: كانت قيمة الشجرة يوم البيع عشرة، وقيمة الثَّمَرَةِ خمسة، فلو لم تختلف القِيمَة لأخذ الشجرة بثلثي الثمن، وضارب للثمرة بالثلث، ولو زادت قيمة الثمرة فكانت عَشرة يومَ القَبْضِ، فكما لو كانت القيمة بحالها على الشُهُورِ، وعلى الوجه البعيد يُضَارِب بنِصْفِ الثَّمَنِ، ولو نقصت فكانت يوم القبض درهمين ونصفاً يضارب بخمس الثمن، ولو زادت قيمة الشجرة أو نقصت فالحكم على الوجه الثَّاني كما لو بقيت بحالها، وعلى الأول كذلك إن نقصت، وإن زادت فَكَانت خمسة عشر فيضارب بربع الثمن، ثم ذيل الإمام المسألة بكلامين مستفادين: أحدهما: إذا اعتبرنا في الثمار أقل القيمتين، فإن كانَتَا متساويتين، ولكن وقع بينهما نقصان، نظر إن كان بمجرد انخفاض السُّوق فلا عبرة به، وإن كان لعيب طرأ وزال، فكذلك على الظَّاهِرِ، كما أنه يسقط بِزَوَالِهِ حق الرد، وإن لم يزل العَيْب، لكن عادت قيمته إلى ما كان بارتفاع السّوق، قال: والذي أراه أن في هذه الصّورة تعتبر قيمة يوم العيب دون البَيْعِ والقبض؛ لأن النقصانَ الحَاصِل من ضمان البائع والارتفاع بعده في مِلْكِ المُشْتَرِي لا يصلح جابراً له. والثاني: إذا اعتبرنا فيِ الأشْجَارِ أكثر القيمتين فلو كانت قيمة الشجرة يوم العقد مِائَة، ويوم القبض [مائة] خمْسِين ويوم رجوع البَائِع مائتين، فالوجه القطع باعتبار المائتين، ولو كانت قيمتها يوم العقد ويوم القبض ما ذكرنا، ويوم الرجوع مائة اعتبرنا يوم الرجوع على أن ما طرأ من زيادة وزال ليس ثابتاً يوم العَقْدِ حتى نقول إنه وقت المقابلة لا يوم أخذ البائع حتى يحسب عليه، ولك أن تقول: هذا إن استقام في طرف الزيادة تخريجاً على ما سبق أن ما فاز به البائع من الزيادات الحادثة عند المشتري يقدر كالموجود عند البيع، فلا يستقيم في طرف النقصان، لأن النّقصان الحَاصِل في يد

стр. 2253

المشتري كعيب حدث في المَبيع، وإذا رجع البائع إلى العَيْنِ المبيعة لزمه القناعة بها، ولا يطالب المُشْتَرِي للعيب بِشَيْءٍ والله تعالى أعلم. وينبغي أن تعرف أن سبيل التوزيع في كل صُورة تلف فيها أحد الشيئين المبيعين، واختلفت القيمة وأراد الرجوع إلى البَاقِي على ما ذكرنا في الأشجار والثِّمَارِ بِلاَ فَرْقٍ. قال الغزالي: أَمَّا الزِّيَادَةُ المُلْتَحَقَةُ بِالمَبِيع من خَارجٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَيْناً مَحْضاً كَمَا لَوْ بَنَى المُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فَعَلَى ثَلاَثةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ فَاقِدُ عَيْنِ مَالِهِ، وَالثَّانِي: أنَّهُ يُبَاعُ الكُلُّ فَيُوَزَّعُ بِهِ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى العَيْنِ وَتَخَيُّرُ فِي الغِرَاسِ بَيْنَ أن يَبْذُلَ قِيمَتَهُ وَبَيْنَ أن يَغْرَمَ أَرْشَ النُّقْصَانِ أَوْ يَبْقَى بأُجْرَةٍ. قال الرَافِعِىُّ: النوع الثاني: من الزِّيادات هي الملتحقة بالمبيع من خارج، وتنقسم إلى عين محضة، وإلى صفة محضة، وإلى ما يتركب منهما. القسم الأول: العين المحضة، ولها ضربان: أحدهما: أن تكون قَابلَةً للتمييز عَنِ المَبِيع، كما إذا اشْتَرى أرْضاً فغرس فِيها أو بني، ثم أفلس قبل تَوْفِيه الثَّمَنِ. واعلم أن منقول المُصنِّف، وشيخه في المسألة يخالف منقول جُمْهُور الأَصْحَاب على طبقاتهم، فنذكر منقولهم الذي عليه الاعتماد، ثم نعود إلى ما نقلاه، قال الأصحاب: إذا اختار البائع الرجوع في الأَرْضِ نظر إن اتفق الغرماء والمُفْلس على القلع وتفريغ الأرْضِ وتسليمها بيضاء رجع فيها، وهم يستقلون بالقلع، وليس له أن يلزمهم أخذ قيمة الغراس، والبناء ليتملكها مع الأَرْض، وإذا قلعوا الغراس والبناء وجب تسوية الحَفْر من مَالِ المفلس، فإن حدث في الأَرْض نقصٌ بالقَلْع وجب أَرْشُ النَّقْص في مَالِه، ويضارب البائع به، أو يقدم على سَائِر الديون. في"المهذب" و"التهذيب": أنه يقدّم؛ لأنه لتخليص مَاله وإصلاحه، وذكر الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أنه يضارب مع الغُرَماء، وإن قال المُفْلِس: يقلع، وقال الغُرَمَاء: يأخذ القيمة من البَائِع ليتملكه، أو بالعكس أو وقع هذا الاختلاف بين الغرماء. قال القاضي ابْنُ كِجٍّ: يجاب مَنْ فِي قوله المَصْلَحة، وإن امتنعوا جميعاً من القَلْع لم يجبروا عَلَيْهِ، لأنه حين بني وغرس لم يكن متعدياً، وحينئذ ينظر: إن رجع على أنَ يتملك البناء والغِرَاس مع الأرض بقيمتها، أو يقلع وَيَغْرم أَرْشَ النقص فله ذلك؛ لأن الضَّرَرَ يندفع عن الجانبين بِكُلِّ واحدٍ من الطريقين، والاختيار فيهما إليه، ولَيْسَ للمُفلِسِ والغرماء الامتناع من القَبُولِ؛ لأن مال المُفْلِسِ مُعَرَّضٌ للبيع، فلا يختلف غرضهم بين أن يتملكه البائع، أو يشتريه أجْنَبِيٌّ، ويخالف هذا ما إذا زرع المشتري الأرض، وأفلس

стр. 2254

ورجع البَائِع في الأَرْضِ حيث لا يتمكن من تملك الزرع بالقيمة، ولا من القلع وغرامة الأَرْشِ، لأن للزَّرْعِ أمداً ينتظر، يسهل انتظاره، والغراس والبناء للتأبيد، وإن أراد الرجوع في الأرض وَحْدَها وإبقاء البناء والغراس للمفلس والغرماء نقل المُزَني أن له الرجوع، وأنه قال في موضع آخر: لا يرجع، وللأصحاب طريقان: أصحهما: وبه قال المُزَنِي وابْنُ سُرَيْجٍ وأبو إسحاق: أن في المَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أحدهما: وهو اختيار المُزَنِي أن له أن يرجع كما لو صبغ الثَّوبَ المشتري ثم أفلس يَرْجع البَائِعُ في الثوب، ويكون المُفْلِسُ شريكاً معه بالصَّبْغِ. وأصحهما: المنعِ، لما فيه من الضَّرَرِ، فإن الغِرَاس بِلاَ أَرْضٍ والبناء بِلاَ مقر ولا ممر ناقص القيمة والرجوع إنما يثبت لِدَفْعِ الضَّرَرِ بخلاف مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ، فإن الصبغ كالصَّفَة التَّابِعَةِ لِلثَّوْبِ. والثاني: تنزيل النِّصَّيْنِ على حَالَيْنِ، وله طريقان: عن القاضي أَبي حَامِدٍ في آخرين: أنه قال: حيث يرجع أراد أما إذا كانت الأرض كثيرة القيمة، والبناء والغراس مستحقرين بالإضافة إليها، وحيث قال: لا يرجع أراد مَا إِذَا كانت الأرضُ مستحقرة بالإضافة إليهما، والمعنى في الطريقين اتباع الأقل للأكثر، ومنهم من قال: حيث قال: يرجع أراد مَا إِذَا رجع في البَيَاضِ المتخلل بين الأبنية، والأَشْجَار، وضارب للباقي بقسطه من الثمن يمكن منه لأنه ترك بعض حَقِّه في العين، فإذا فرعنا على طريقة القولين، فإن قلنا: ليس له الرجوع في الأَرْضِ، وإبقاء البِنَاءِ والغراس للمفلس، فالبائع يترك الِرجوع وَيُضَارِب مع الغُرَمَاءِ بالثمن، أَو يعود إلىَ بذل قيمتهما، أو قلعهما مع غرامة أرْشِ النقص، وإن مَكَّنَّاهُ منه فوافق البائع الغرماء، وباع الأرض معهم حتى بَاعُوا البناء والغراس فذاك، وطريق التوزيع ما بيناه في الرَّهْنِ، وإن أَبَى فَهَلْ يخير؟ فيه قولان: أحدهما: نعم كما في مسألة الصَّبْغِ. وأصحهما: لا؛ لأن إفراد البِنَاءِ والغِرَاسِ بالبيع مُتَأَتِّ بخلاف الصَّبْغِ، وإذا لم يوافقهم فباعوا البِنَاء والغِرَاس بقي للبائع ولاية التَّمَلُّك بالقيمة، والقلع مع غَرَامَةِ الأَرْشِ، وللمشتري الخيار في البيع إن كان جاهلاً بحال ما اشتراه، ذكره الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره، هذه طريقة الجمهور، وأما الإمام: فإن محصول ما ذكره في المَسْأَلَةِ أربعة أقوال: أحدها: أنه فاقد عَينِ مَالِهِ، ولا رُجوعَ بِحَالٍ؛ لأن الرجوع في الأَرْضِ ينقص قيمة البِنَاء والغِرَاس.

стр. 2255

والثاني: أن الأَرضَ والبناء يباعان معاً دفعاً للخُسْرَانِ عن المفلس كما يفعل بالثَّوْبِ المصبوغ. والثالث: أنه يرجع في الأَرْضِ ويتخير بين ثلاث خِصَالٍ، تملك البناء والغِرَاس بالقيمة، أو قلعهما مع غرامة أَرْشِ النقصان أو إبقاؤهما بأجره المثل يأخذها من مِلْكَيْهِمَا، وإذا عين واحدة من هذه الخِصَال فاختار المفلس والغرماء غيرها، أو امتنعوا من الكل فوجهان في أنه يرجع إلى الأَرْضِ ويقلع مجاناً، أو يجبرون على ما عينه؟ والرَّابعُ: حكاه عن رواية العراقيين: أنه إن كانت قيمة البِنَاء أكثر فالبائع فَاقِد عَيْنِ مَالِهِ، وإن كانت قيمة الأرض أكثر فَوَاجدٌ، وتابعه صَاحِبُ الكتاب وغيره من أصْحَابِهِ، واقتصروا على الأقوال الثلاثة الأُولى، وأنت إذا تَأَمَّلْتَ هذا الكلام بعد وقوفك على المذهب المعتمد، وتصفحك عن كتب علمائنا ورأيت ما بَيْنَهُما من المخالفة الصَّريحة قضيت منه العجب، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال؟ ثم حفظت لسانك استعمالاً للأدب. والله أعلم. وبه التوفيق. فرع: اشترى الأرضَ من رَجُلٍ، والغراسَ من آخر، وغرسها فيها ثم أفلس، فلكل واحد منهما الرجوع إلى عَيْنِ ماله، ثم إذا رَجَعَا فإن أراد صاحب الغراس البيع مُكِّن منه، وعليه تسوية الحَفْرِ وأرش نقص الأرض إن نقصت، وإن أراده صَاحِب الأرض فكذلك إن ضَمن أرش النَّقْص، وإلا فوجهان: أحدهما: المنع؛ لأنه غرس بحق فلا يقلع من غير غرامة، كما لو كان للمُفْلِس. والثاني: الجواز؛ لأنه باع الغراس مقلوعاً فيأخذها كذلك. قال الغزالي: فَإِنْ لَمْ تَقْبَلِ الزِّيَادَةُ التَّمْيِيزَ كَمَا لَوْ خَلَطَ مَكِيلَةَ زَيْتٍ بِمَكِيلَةٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ أَرْدَأ مِنْهُ رَجَعَ (و) البَائِعُ إلَى مَكِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ فَهُوَ فَاقِدٌ عَلَى قَوْلٍ، وَيُبَاعُ عَلَى قَوْلٍ وَيُوَزَّعُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَعَلَى قَوْلٍ يُقَسَّمُ المَكِيلُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْدَإِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ نُقْصَانِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ عَيْناً فِي حَقِّ البَائِعِ فَيُقَالُ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْنَعَ بَالمَبِيعِ بِعَيْبٍ أَوْ تُضَارِبَ، وَتَضْيِيعُ جَانِبِ المُشْتَرِي لاَ وَجْهَ لَهُ هَذَا هُوَ النَّصُّ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ التَّسْوِيَةُ. قال الرَّافِعِيُّ: الضرب الثاني: ألا تكون الزيادة قابلةً للتمييز كخلط ذوات الأمثال بعضها ببعض، فإذا اشترى صَاعَ حِنْطَةٍ، وخلطه بصاع حنطة، أو مكيلة زَيْتٍ، وخلطه بمكيلة زَيْت، ثم أفلس، نظر إن كان المخلوطُ به مثل المبيع فللبائع الفَسْح، وتملك مكيلته من المخلوط، وطلب القِسْمة، فإن طلب البيع فهل يُجَاب إليه؟ فيه وجهان:

стр. 2256

أصحهما: لا، كما لا يتمكن الشُّرَكاء من أن يطالب بَعْضُهُمْ بعضاً بالبيع. والثاني: نعم؛ لأنه لا يصل بالقسمة إلى عين حقه، وبالبيع يصل إلى بَدَلِ حقه، وقد يكون له غرض فيه فيباع الكُلّ، ويصرف نصف الثَّمن إليه، وإن كان المخلوط أردأ من المَبِيع فله الفَسْخُ، والرجوع إلى حَقِّه من المَخْلُوط أيضاً، ولكن في كيفيته وجهان نقلهما العِرَاقيون، وتابعهم صاحب "التهذيب". أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: إن المكيلتين تباعان، ويقسم الثَّمن بينهما على قَدْرِ القيمتين؛ لأنه إن أخذ مكيلة منه نَقَص حَقُّه، وإن أخذ أكثر من مَكِيلَةِ لزم الرِّبا، فعلى هذا لو كان المَبِيعُ يساوي دِرْهَمَيْنِ، والمخلوط به دِرْهماً قسم الثَّمن بينهما أثلاثاً. وأصحهما: أنه ليس له إلا أخْذ مكيلة منه، والمضاربة مع الغرماء بالثمن؛ لأنه نقصان حَصَلَ في البيع فأشبة تعيب العبد والثوب. وإن كان المخلوط به أجود فقولان: أحدهما وهو اختيار المزني: أن له الفَسْخَ، والرجوع إلى حَقِّه من المخلوط، كالخلط بالمثل والأردأ، وأيضاً فإنه لو اشترى ثوباً وصبغه، أو سويقاً فَلَتَّةُ لا ينقطع حق الرجوع فكذلك هاهنا. وأصحهما: أنه لا رجوع، وليس له إلا المضاربة بالثمن؛ لأن الرجوع إلى عين المبيع متعذر هاهنا حقيقة وحكماً. أما حقيقة فللاختلاط. وأما حكماً فلأن في هذا الخلط لا يُمكَّن من المطالبة بالقسمة بأخذ مكيلة من المخلوط؛ لما فيه من الإصرار بصاحب الأَجْوَدِ، بخلاف ما إذا كان الخلط بالمثل والأردأ، فإن المطالبة بالقسمة جائزة والمأخوذ بمثابة الأول حكماً. قال الشَّافعي ﵁ في تقرير هذا القول: ولا يشبه -يعني ما نحن فيه- الثوب يصبغ ولا السويق يُلَت؛ لأن عين ماله فيه زيادة، والذائب إذا اختلط انقلب حتى لا يوجد عين ماله، ومعناه أن الاختلاط إذا حَصَل لم تكن الإشارة إلى شَيْءٍ من المخلوط، بأنه المبيع، فكأنه هَلَك بخلاف الثَّوْبِ المصبوغ، والسويق المَلْتُوث، ومن هذا الفرق خرج مخرجون في الخَلْطِ بالمثل والأردأ قولاً آخر: أنّه ينقطع به حق الرجوع، وأيد ذلك بأن الحنطة المبيعة لو انهالت عليها حنطة أخرى قبل القَبْضِ ينفسخ العقد على قول، تنزيلاً له منزلة التَّلف، والأظهر: القطع بأن الخَلْط بالمثل والأردأ لا يمنع الرجوع على ما سبق، ويفارق اختلاط المبيع قبل القبض؛ لأن المِلْكَ غير مستقر، فلا يبعد تأثره بما لا يتأثر به الملك المُسْتَقر. وإذا فرعنا في الخلط بالأجود على قول الرجوع ففي كيفيته قولان:

стр. 2257

أصحهما: أنه يكون شريكاً كما في صَبْغِ الثوب. والثاني: عن رواية الربيع والبويطي: أن نفس المكيلتين يقسم بينهما باعتبار القِيمة، فإذا كانت المكيلة المبيعة تُسَاوِي درهماً، والمخلُوطُ بها دِرْهَمَيْن أخذ من المكيلتين ثلثي مكيلة وربما يخرج هذا الخِلاَف على أن القسمة بيع أو إفراز حَقٍّ. إن قلنا: بالأول ولم يقسم عين الزَّيْتِ، لما في هذه القسمة من مقابلة مكيلة بثلثي مكيلة. وإن قلنا بالثاني: فيجوز كأنه أخذ بعض حقه وترك بعضه، ومن الأصحاب من ينقل بَدَل القولين الآخرين وجهين، وينسب الأول إلى أبي إسحاق، وإذا ترك الترتيب والتنزيل حصل في الخلط بالأجود ثلاثة أقوال كما ذكر في الكِتَاب. أصحها: أنه فاقد عين ماله. والثاني: أنه يرجع فيباع الكُلّ، ويوزع على نسبة القيمتين. والثالث: أنه يقسم المكيلتان على نسبة القيمتين. وأما قوله: (ونقل عن ابْنِ سُرَيْجٍ التسوية بين الخلط بالأجود والأردأ) فالسابق إلى الفهم من ظاهره التسوية في طرد الأقوال الثلاثة، وليس المراد ذلك، وإنما المُرَاد التسوية في طَرْدِ القولين الآخرين حتى يقول: إذا ساوى المبيع درهمين والمخلوط به درهماً يباعان على قَوْل، ويكون ثلثَا الثمن للبائع والثلث للمفلس، وفي قول: يقسم. عين المخلوط، فيصرف ثلثاه إلى البائع، والثلث إلى المُفْلِس، والأول هو الذي قَدَّمْنَا حكايته عن أَبِي إسْحَاقَ ولا أقول: إن القول بكونه فاقداً عين ماله لا مجال له في الخلط بالأردأ، كيف وقد قدمنا أن بعضهم خَرَّجه، ولكن لا تعلق له بابْنِ سُرَيْجٍ، والمنقول عنه في "النهاية" و"الوسيط" ما بيناه. والفرق بين طرف الأجود حيث نظرنا فيه إلى الفَسْخِ وبين طرف الأَرْدَإِ حيث ألزمناه القناعة بمكيلة من المَخْلُوطِ على ظاهر المَذْهَبِ، واضحٌ في الكتاب ونختم المَسْألة بذكر شيئين: أحدهما: قال الإِمام إذا قلنا: الخلط يلحق المبيع بالمفقود فلو كان أحد الخليطين كثيراً، والآخر قليلاً لا تظهر به زيادة في الحِسِّ، ويقع مثله بين الكيلين فإن كان الكثير للبَائِع، فالوجه لِلْقَطْعِ بكونه واجداً عين ماله، وإن كان الكَثِيرُ للمُشْتَرِي فالظاهر كونه فاقداً. الثاني: ولو كان المخلوط به من غَيْرِ جنس المبيع كالزيت بالشيرج، فلا فسخ، وهو بمثابة ما لو تَلَفَ المَبِيع، قال الإِمام: وفيه احتمال سيما على قولنا: ببيع المخلوط وقسمة الثمن.

стр. 2258

قال الغزالي: وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَيْنًا مِنْ وَجْهٍ وَوَصْفاً من وَجْهٍ كَمَا لَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ فَإِنْ لَمْ تَزِد قِيمَتُهُ فَلاَ أَثَرَ لَهُ، وَاِن زَادَ فَالمُشْتَرِي شَرِيكٌ (ح) بِذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي زَادَ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ من قِيمَةِ الصَّبْغِ فَالزِّيّادَةُ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ صِفَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الصِّفة المَحْضَةِ فِي طَحْنِ الحِنْطَةِ وَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ وَقِصَارَةِ الثَّوْبِ وَكُلِّ مَا يُسْتَأْجَرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ قَوْلاَنِ، أحَدُهُمَا: أنَّهُ يُسَلَّمُ لِلبَائِعِ فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ المُتَّصِلةِ مِنَ السِّمْنِ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: أنَّهَا كَالصَّبْغِ، لأَنَّهَا عَمَلٌ مُحْتَرَمٌ مُتَقَوَّمٌ، بِخِلاَف مَا لَوْ صدَرَ مِنَ الغَاصِبِ فإنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، فَعَلَى هَذَا لِلأَجِيرِ حَقُّ الحَبْسِ، وَلَوْ تَلَفَ الثَّوْبُ في يَدِ القَصَّارِ سَقَطَتْ أُجْرَتُهُ. قال الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل يشتمل على القسمين البَاقِيين من أقْسَام النَّوْع الثَّاني من الزيادات، وتقديم المُؤَخَّر منهما في لفظ الكتاب أَلْيَق بالشَّرْحِ فنقدمه ونقول: القسم الثاني: الصفة المَحْضَة، فإذا اشترى حنطة فطحنها، أو ثوباً فقصره، أو خاطه بخيوط من نَفْسِ الثوب، ثم أفلس فللبائع الرُّجُوعُ إلى عَيْنِ مَالِهِ، ثم ينظر إن لم تزد قيمته فلا شركة للمفلس فيه، وإن نقصت قِيمَتُهُ فلا شَيْءَ لِلْبَائِع مَعَه، وإن زادت فَقَوْلاَن: أحدهما واختاره المُزَنِي: أن الزيادة بهذه الأعْمَالِ تَجْرِي مجرى الآثار، ولا شَرِكَةَ لِلمُفْلِسِ فيها؛ لأنها صفات تَابِعة حصلت بفعله، فهي كالسَّمَنِ للدابة بالعلف، وكِبَرِ الوَدْيِ بِالسَّقْيِ والتعهد، وأيضاً فإن القصارة تزيل الوسخ، وتكشف عما فيه من البياض، فلا تقتضي الشَّركة كما لو كان المبيع لوزاً فكسره وكشف اللب وزادت به القيمة. وأصحهما: أنها تجري مَجْرَى الأعيان، ويصير المفلس شريكاً فيها؛ لأنها زيادة حَصَلَتْ بفعل متقوّم مُحْتَرم، فوجب ألا تضيع عليه بخلاف الغَاصِب؛ لأن فعله غير محترم، ويخالف سمن الدَّابة بالعَلَفِ، وكبر الوَدِيِّ بالسقي؛ لأن القصار إذا عمل عمله صَارَ الثوب مقصوراً لا مَحَالة، والسقي والعَلَف يوجدان كثيراً، ولا يحصل السمن والكبر، فكان الأثر فيه غير مَنْسُوب إلى فِعْلِهِ، بل هو محض صُنْعِ الله ، ولهذا لا يجوز الاستئجار على تَسْمِين الدَّابة، وتكبير الوَدِيِّ، ويجوز الاستئجار على القصارة. ويجري القولان فيما لو اشترى دقيقاً فخبزه، أو لحماً فَسَوَّاه، أو شَاةً فذبحها، أو أرْضاً فضرب من تربتها لبناً، أو عرصة وآلات البِنَاء فبنى فيها داراً، ثم أفلس، وعن أبي إسحاق أن تعليم العبد القرآن، والحرفة، والكتابة، والشِّعْرَ المباح، ورياضة الدابة لا تلحق بها، ولا تجري مجرى الأعيان قَطْعاً؛ لأنه ليس بيد المعلم ولا الرائض إلا التَّعْلِيم، وقد يجتهد فيه ولا يحصل الغرض، فكان كالتسمين ونحوه، ويحكى هذا عن ابنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ القَطَّانِ أيضاً.

стр. 2259

والأصح وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وصاحب "التلخيص"، والقاضي أبُو حَامِدٍ: أنها من صور القولين؛ لأنها أعمال يجوز الاستئجار عليها، ومقابلتها بالعوض، وضبط صور القولين أن يصنع بالمبيع ما يجوز الاستئجار عليه، فيظهر به أثر فيه، وإنما اعتبرنا ظهور الأثر فيه؛ لأن حفظ الدابة وسياستها عمل يجوز الاستئجار عليه، ولا تثبت به الشركة؛ لأنه لا يظهر بسببه أثر على الدَّابة، ثم الأثر تارة يكون صِفَة محسوسة كالطَّحْنِ والقصارة، وتارة يكون من قبيل الأخلاق كالتعليم والرياضة، إذا عرفت القولين ومحلهما. فإن قلنا بالأول: أخذ البائع المبيع وفاز بزيادته. وإن قلنا بالثاني: فيباع، ويكون لِلْمُفْلِس من الثَّمن بنسبة ما زَادَ في قيمته. مثاله: قيمة الثَّوْبِ خمسة وبلغت بالقصارة سِتّة، يكون للمفلس سدس الثَّمن، فلو ارتفعت القيمة بالسّوق أو انخفضت فالزيادة والنقصان بينهما على قَدْرِ هذه النسبة، ولو ارتفعت قيمةُ الثوب دُونَ القصارة بأن صَارَ مثل ذلك الثوب لا يؤخذ غَيْر مقصور إلا بِسِتَّةِ، ويشتري مقصوراً بسبعه فليس للمُفْلِس إلا سُبُع الثَّمن، والزيادة حَصَلت في الثوب، ولو زادت قيمة القصارة دُونَ الثَّوْبِ بأن كان مثل هذا الثوب يشتري مقصوراً بسبعة، ويؤخذ غير مقصور بخمسة فللمفلس سُبْعَان من الثمن، وعلى هذا القياس. ويجوز للبائع أن يمسك المبيع ويمنع من بيعه، ويبذل للمفلس مَا زَادَ بسبب الأعمال، كذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، كما أنه يبذل قيمة الغِرَاس والبناء، ومنع في "التتمة" منه، لأن الصفة لا تقابل بِعِوَضٍ (١). وأما قوله: (فعلى هذا للأجير حق الحبس) إلى آخره فهو إشارة إلى فرعين لا تعلق لهما بالمفلس، أحدهما: إذا استأجر للقصارة، أو الطَّحن فعمل الأجير عمله هل له حبس الثوب المقصور والدقيق لاستيفاء الأجرة؟ فإن قلنا: القصارة وما في معناها أثار فلا. وإن قلنا: إنها أعيان فَنَعَمْ، كما أن البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وهذا ما اختاره الأكثرون (٢).

стр. 2260

واحتجوا به للقول الثاني موهمين كونه مجزوماً به. والثَّاني: إذا تمم القصار والطحان العمل وتلف محل العَمَل في يَدِهِ. فإن قلنا: بالأول استحق الأجرة، وكأنه وقع مسلماً بالفراغ. وإن قلنا: بالثاني لم يستحق؛ لأنه تلف قبل التسليم، كما يسقط الثمن بتلف المبيع في يَدِ البَائِعِ، وهذا الفرع قد أعاده في الكتاب في باب الإِجَارَةِ. القسم الثالث: ما هو عَيْنٌ من وَجْهِ وصِفَةٌ مِنْ وَجْهٍ كصبغ الثوب وَلَتِّ السويق وما أشبههما، فإذا اشترى ثوباً وصبغه ثم أفلس، نظر إن لم ترد القيمة بالصبغ أو نقصت، فالحكم على مَا مَرَّ في القِسْمِ الثاني، وإن زادت فإما أن تزيد بقدر قيمة الصبغ أو أقل أو أكثر. الحالة الأولى: أن يزيد بقدر قيمة الصبغ كما إذا كان الثوب يساوي أربعة، والصّبغ درهمين وكانت قيمته مصبوغاً ستة، فللبائع أن يفسخ البيع في الثوب، ويكون المفلس شريكاً بالصّبغ فيباع، ويكون الثمن بينهما أثلاثاً، وكيف تنزل الشّركة بينهما؟ أنقول كل الثوب لِلْبَائع، وكل الصَّبغ للمفلس، كما لو غرس الأرض أو نقول يشتركان فيهما جميعاً بالأثلاث لتعذر التمييز كما في خلط الزيت؟ حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهين: الحالة الثانية: أن تكون الزيادة أقل من قيمة الصبغ، كما إذاكانت قيمته مصبوغاً خمسة، فالنقصان محال على الصبغ، لأنه هالك في الثوب والثوبُ قائمٌ بحاله، إذا بيع قُسِّم الثمن بينهما أخماساً، أربعة أخماسٍ للبائع، وخمسُهُ لِلْمُفْلِس. الحالة الثالثة: أن تكون الزيادة أكثر من قيمة الصَّبْغِ، كما إذا كانت قيمته مصبوغاً مائة، فما زاد على قيمتها إنما زاد بصنعة الصَّبْغِ، فيبنى على أن القصارة ونحوها من الأَعْمَالِ آثار أم أعيان؟ إن قلنا: أنها أعيان فالزيادة بالصبغ للمفلس، وذلك مثل قِيمة الثوب، فيجعل الثمن بينهما نصفين. وإن قلنا: إنها آثار، فقد حكى الإمام أن الشيخ أبَا عَلِيّ ذكر في "الشرح" أن البائع يفوز بها على ما هو سبيل الزيادات المتصلة، وحينئذٍ يكون الثَّمَنُ بينهما أرباعاً، ثلاثة أرباع للبائع، والرّبُعُ للمفلس، قال: وكنت أود أن نقص أثر الصفة على الثَّوْبِ والصبغ حتى يجعل الثمن بينهما أثلاثاً، فيكون ثلثاه للبائع، والثُّلُثُ للمفلس؛ لأن الصفة اتصلت بالثوب والصبغ جميعاً، وهذا الذي قلناه هو الذي أورده الشَّيْخُ في "شرح الفروع" وصاحب "التهذيب" والأكثرون، وفي كتاب ابْنِ كِجٍّ نقل الوجهين معاً.

стр. 2261

ولو ارتفعت القيمة بعد الصبغ فبلغت سِتَّةَ عشر مثلاً، أو وجد من اشتراه بهذا المبلغ، ففي كيفية القِسْمة هذه الوجوه الثلاثة، والربح بكل حال يقسم بحسب قسمة الأصل. وإذا عرف القدر الذي يستحقه المفلس من الثمن، فإن شاء البائع تسليمه ليخلص له الثوب مصبوغاً فله ذلك، ومنع صاحب "التتمة" منه كما ذكرنا في القسم الثاني هذا كله فيما إذا صبغ الثوب المشتري بصبغ مِنْ عنده، أما إذا اشترى ثوباً وصبغاً من إنسان وصبغه به ثم أفلس فللبائع فسخ البيع والرجوع إليهما، إلا أن تكون القيمةُ بعد الصبغ كقيمة الثوب قبل الصبغ أو دونها، فيكون فاقد للصبغ، وإن زادت القيمة بأن كانت قيمة الثوب أربعة، وقيمة الصبغ درهمين، والثوب مصبوغاً يساوي ثمانية، فعلى الخلاف في أن الصباغات آثار أم أعيان؟ إن قلنا: بالأول أخذهما ولا شركة للمفلس. وإن قلنا: بالثاني فالمفلس شريكٌ بالرُّبُعِ. ولو اشترى الثوب من واحد بأربعة وهي قيمته، والصبغ من آخر بدرهمين وهما قيمته وصبغه به، وأراد البَائِعَانِ الرجوع، فإن كان الثوب مصبوغاً لا يساوي أكثر من أربعة فصاحب الصبغ فاقدُ مَالِهِ، وصاحب الثوب واجد مَالِهِ بِكَمَالِه، إِن لم ينقص عَنْ أربعة، وناقصا إن لم يبلغ. وإن كانت قيمته بعد الصّبغ ثمانية. فإن قلنا: إن الأعمال آثار فالشركة بين البائعين، كما هي بين البائع والمُفْلِس إذا صبغه بصنع نفسه؛ تفريعاً على هذا القول. وإن قلنا: أعيان فنصف الثمن لبائع الثَّوْبِ، وربعه للمفلس. ولو اشترى صبغاً وصبغ به ثوباً كان له، فللبائع الرجوع إن زادت قيمته مصبوغاً على ما كانت قَبْلَ الصّبغ، وإلا فهو فَاقِدٌ، وإذا رجع فالقول في الشركة بينهما على مَا مر (١). واعلم أن جميع ما ذكرناه في القسمين مفروض فيما إذا بَاشَرَ المفلس القصارة والصبغ

стр. 2262

وما في معناه بنفسه، أو استأجر أجيراً ووفاه الأجرة قبل التفليس، أما إذا حصلها بأجير ولم يوفه أجرَتُه فسنذكر حُكْمَه في الفَصْل الذي يَلِي هذا الفَصْل إن شاء الله تعالى. فرع: حكم صبغ الثَّوْبِ كما في البناء والغِرَاس، ولو قال المفلس والغرماء: نقلعه ونغرم نقصان الثوب، قال القاضي ابْنُ كِجٍّ: لهم ذلك. وقوله في الكتاب عند ذكر الصّبغ: (وإن زاد فالمشتري شريك بذلك القَدْر الذي زاد) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن محل القطع بالشركة ما إذا كان الصّبغ مما يمكن فيه التمييز والاستخلاص، أما إذا لم يمكن التمييز وصار مستهلكاً، فعن القاضي أَبِي حَامِدٍ وجه أنه ينزل منزلة القصارة والطَّحْن، حتى يكون للبائع تبعاً للثوب على أحد القولين. قال الغزالي: وَلَوْ كانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً وقِيمَةُ القِصَارَةِ خَمْسَةً والأُجْرَةُ دِرْهَمٌ وَأَفْلَسَ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الأُجْرَةِ فَيُقَدَّمُ (و) الأَجِيرُ بِدِرْهَم وَالبَائِعُ بعَشَرَةٍ وَأَرْبَعَةٌ لِلغُرَمَاءِ، وَإِنْ كانَتِ الأُجْرَةِ خَمْسَةً وَقِيمَةُ القِصَارَةِ دِرْهَمٌ اخْتَصَّ الأجَيرُ بِالدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَضَارَبَ بِالإِرْبَعَةِ وَيُقَالُ (و) لِلأَجِيرِ: اقْنَعْ بِمَا وَجَدَتَّهُ مِنَ القِصَارَةِ أوْ ضَارِبْ بِكُلِّ الأُجْرَةِ فَإِنَّ القِصَارَةُ وَإِنْ شُبَّهَتْ بِالصَّبْغ فَلَيْسَتْ عَيناً يُمْكِنُ إيرَادُ الفَسْخِ عَلَيْهَا. قال الراَّفِعِيُّ: إذا اشترى ثوباً واستأجر قصاراً فقصره ولم يوفِهِ أجرته حتى أفلس. فإن قلنا: القصارة أثرٌ فليس للأجير إلاَّ المُضَاربة بالأُجْرَة مع الغرماء، وللبائع الرُّجُوع في الثَّوْبِ المَقْصُورِ، ولا شَيْءَ عليه لما زاد، وعن صاحب "التلخيص" أن عليه أجرة القصارة، وكأنه استأجره وغلطه الأصحاب فيه. وإن قلنا: إنها عين نظر إن لم تزد قيمته مقصوراً على ما كان قبل القصارة فهو فاقد عَيْنِ مَالِهِ، وإن زادت فلكل واحد من البَائِع والأجير الرجوع إلى عَيْنِ مَالِه، فإن كانت قيمة الثَّوب عشرة، والأجرة درهماً، والثوب المقصور يساوي خمسة عشر، رجعا وبيع بخمسة عشر، وصرف منها عشرة إلى البائع، ودرهم إلى الأجير، والباقي للغُرَمَاء. ولو كانت الأجرة خَمْسة دراهِم، والثوب بعد القصارة يساوي أحد عَشَر، فإن فسخ الأجير الإجارة فعشرة للبائع، ودرهم للأجير، ويضارب مع الغرماء بأربعة، وإن لم يفسخ فعشرة للبائع، ودِرْهم للمُفْلِس، ويضارب مع الغرماء بخمسة. ولا يخفى من نظم الكتاب أن الجواب في الصورتين مقصور على قَوْلِ العين، وأنهما معطوفتان على قوله من قبل، فعلى هذا للأجير حق الحبس، ولو تلف الثوب في يد القصار سقطت أجرتُه.

стр. 2263

وقوله: (ولا يقال للأجير) إلى آخره، إشارةٌ إلى سؤال وجواب مشهورين في هذا المقام. أما: السؤال فهو أنا إذا جعلنا القصارة عيناً فزادت بِفْعلِهِ خمسة، وجب أن يكون الكُلُّ له، كما لو زاد المبيع زيادة متصلة، وإن كانت أجرته خمسةً، ولم يحصل بفعله إلا دِرْهَم وجب ألا يكون له إلا ذلك؛ لأن من وجد عينَ ماله ناقصةً ليس له إلا القناعة بها والمضاربة مع الغرماء. والجواب: أنه لا شك في أن القصارة صفة تابعةٌ للثوب، ولا نعني بقولنا: إن القصارة عين أنها في الحقيقة تفرد بالمبيع والأخذ والرد كما يفعل بِسَائِرِ الأَعْيَانِ، ولو كان كذلك جعلنا الغاصب شريكاً للمالك إذا قصر الثَّوب، كما جعلناه شريكاً إذا صبغه، إنما المراد أنها مشبهة بالأعيان مِنْ بعض الوجوه؛ لأن الزيادة الحاصلةَ بها متقومةٌ مقابلة بالعوض، فكما لا تضيع الأعيان على المُفْلِس لا تضيع الأعمالُ عليه، وأما بالإِضَافة إلى الأجير فليست القصارة مَوْرِدَ الإجَارة، حتى يرجع إليها، بل مورد الإجارة فعله المحصل للقصارة، وذلك الفعل يَستحيل الرُّجُوع إليه، فيجعل الحاصل بفعله لاختصاصه به متعلق حقه كالمَرْهُون في حَقِّ المرتهن، أو نقول: هي مملوكة للمفلس مرهونة بحق الأَجِير، ومعلوم أن الرَّهْنَ إذا زادت قيمتُه على الدَّيْنِ لا يأخذ المرتهن منه إلَّا قدر الدَّيْن، وإذا نقصت لا يتأدى به جميعُ الدَّيْنِ. وأعلم قوله: (يقال للأجير: اقنع) بالواو لأنه حكى في "الوسيط" أن بعض الأصحاب قضى بأنه ليس له إلا القناعة بالقصارة، أو المضاربة على مَا هُو قِيَاسُ الأعيان، ولم أعثر على هذا النَّقْل لغير المصنف، لكن ذكر القاضي ابْنُ كِجٍّ، أن أبا الحُسَيْنِ خرج وجهين: في أنه لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء، وصاحب هذا الثّوب هل يجبر عليه؟ فإن الأصح الإجبار، وهذا هو القياس على البائع إذا قدمه الغرماء بالثمن، فكان هذا القائل يعطي القصارة حكم الأعيان من كل وجه. ولو كانت قيمة الثوب المشتري عَشْرة، واستأجر صباغاً فصبغه بصبغ قيمته دِرْهم، وصارت قيمته خمسة عشر، فالأربعة الزائدة على القيمتين حاصلة بصنعة الصبغ، فيعود فيه القولان في أنها أثر أم عين؟ فإذا رجع كُلُّ واحدٍ من البائع والصباغ إلى ماله بيع بخمسة عشرة، وقسم على أحَدَ عَشَر، إن جعلناها أثراً فللبائع عشرة، وللصباغ واحد؛ لأن الزيادة تَابِعَةٌ، وهذا الأصح يطبق على قولنا: إن القصارة مرهونة بحقه، إذ ليس للمرتهن التمسك بغير المرهون إذا أدى حقه بوجه طالبها. وإن جعلناها عيناً عشرة منها للبائع، ودرهم للصّباغ، وأربعة للمفلس، يأخذها الغُرَمَاء. ولو كانت المسألة بحالها وبيع بثلاثين لارتفاع السوق، أو للظفر بِرَاغِبٍ، قال ابْنُ الحَدَّادِ: للبائع عشرون، وللصباغ درهمان، وللمفلس ثمانية؛ وقال غيره يقسم الكُلّ

стр. 2264

على أحد عشر، عشرة للبائع، وواحد للصباغ، ولا شيء للمشتري، قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيّ: الأول جواب على قولنا: أنها عين والثاني: على أنها أثر، وبمثله لو كانت قيمة الثوب عشرة، واستأجر على قصارته بدرهم، وصارت قيمته مقصوراً خمسة عشر، ثم اتفق بيعه بثلاثين، ذكر الشيخان أَبُو مُحَمَّدٍ وَالصَّيْدَلاَنِيُّ وغيرهما تفريعاً على قول العين: أنه يتضاعف حق كل واحد منهم، كما قاله ابْنُ الحَدَّادِ في الصبغ، واستدرك الإمام فقال: ينبغي أن يكون للبائع عشرون، وللمفلس تسعة، وللقصار درهم كما كان، ولا يضعف حقه لما مر أن القصارة غير مستحقة للقصار، وإنما هي مرهونة بحقه، وقد أشار الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ إلى مثل هذا المعنى في مسألة الصَبْغ، واعتذر عنه ابْنُ الصَّبَّاغِ بأنه قال: كأنه باع الصبغ بدرهم، فتوزع الزيادة على الصَّبْغَ والثوب، وهذا العذر قريب وإن لم يكن واضحاً كل الوضوح إذ ليس استئجار الصَّبَّاغِ مجرد شراء الصبغ، فلا مساغ له في القصارة، فأما الاستدراك الذي ذكره الإِمام فيه فقه والله أعلم. فرع: لو أخفى المديون بَعْضَ ماله ونقص الظَّاهِرُ عن قدر الدّيون فحجر الحاكم عليه، ورجع أصحاب الأمتعة إلى أمتعتهم، وقسم الحاكم ما بقي بين الغرماء ثم بان صنيعه لم ينقص شيء من ذلك؛ لأن لِلْقاضي بيع أموال الممتنع وصرف الثمن إلى ديونه والرجوع إلى عين المال بامتناع المشتري من أداء الثمن فمختلف فيه، فَإذا اتصل به حكم حاكم نُفِّذَ قاله في "التتمة": وفيه توقف لأن القاضي ربما لا يعتقد جواز الرجوع بالامتناع، فكيف يجعل حكمه بناء على ظن آخر حكماً بالرجوع بالامتناع. فرع: من له الفسخ بالإِفْلاَس، لو ترك الفسخ على مال لم يثبت المال، وهل يبطل حَقِّه من الفَسْخِ إن كانَ جَاهِلاً بجوازه؟ فيه وجهان كما سبق نظيرهما في الرَّدِّ بالعَيْبِ وبالله التوفيق.

стр. 2265

كِتَابُ الحَجْرِ (١) قال الغزالي: أَسْبَابُ الحَجْرِ خَمْسَةٌ: الصِّبَا وَالرِّقُّ وَالجُنُونُ وَالفَلَسُ (ح) وَالتَّبْذيرُ (ح)، وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَنْقَطِعُ بِالبُلُوغِ مَعَ الرُّشْدِ. قال الرَّافِعِيُّ: جرت العادة بذكر أصناف المحجورين هاهنا وهو لائق بترجمة الباب، فإن الترجمة مطلق الحجر، وأحسن ترتيب فيه ما ساقه أصحابنا العراقيون ومن تابعهم قالوا: الحجر على الإنسان نوعان: حجر شرع للغير. وحجر شرع لمصلحة نفسه. والنوع الأول خمسة أضرب. أحدها: حجر المفلس لِحَقِّ الغرماء. وثانيها: حجر الرَّاهِن لحق المرتهن. وثالثها: حَجْر المريض لحق الورثة. ورابعها: حَجْرُ العبد لحق السيد، والمكاتب لِحَقِّ السيد وحق الله تعالى. وخامسها: حجر المرتد لحق المسلمين. وهذه الأضرب بأسرها. خاصة لا تعم جميع التصرفات، بل يصح من هؤلاء

стр. 2266

المحجورين الإقرار بالعُقُوبات، وكثير من التصرفات، ولها أبواب مفرقة مذكورة في مَوَاضِعِهَا. والنوع الثاني: ثلاثة أضرب: أحدها: حجر الجنون ويثبت بمجرد الجنون، ويرتفع بالإفاقة وتسلب به الولايات واعتبار الأقوال رأساً، ومن عامله أو أقرضه فتلف المال عنده أو أتلفه فالمالك هو الذي ضيعه، وما دام باقياً يجوز له استرداده، قال في "التتمة": من له أدنى تمييز ولم يكمل عقله فهو كالصبي المميز. والثاني: حَجْرُ الصبي، والأصل إلغاء تصرفاته وعباراته، ومنها ما يصح وفاقاً أو خلافاً كعباداته، وإسلامه، وإحرامه، وتدبيره، وعتقه، ووصيته، وإيصاله الهدية، وإذنه في دخول الدار، فمنها مَا مَرَّ بيان حكمه، ومنها ما سيأتي. والثالث: حجر السَّفِيه المبذر، والضرب الأول أعم من الثاني، والثاني أعم مى والثالث، ومقصود الباب الكلام في هذه الأضرب الثلاثة، والثالث معظم المقصود والأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (١) فالسفيه على ما قيل: المُبَذِّر، والضعيف الصبي، والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ المغلوب على عَقْلِه، وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (٢) الآية، وقد روي "أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَر اشْتَرَى أَرْضاً سَبْخَةً بِثَلاِثينَ أَلْفاً، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً ﵁ فَعَزَمَ أَنْ يَسْأَلَ عُثْمَانَ الْحَجَرَ عَلَيْهِ، فَجَاء عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر إِلَى الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ -رَضِىَ اللهُ عنه-: شَرِيكُك، فَلَمَّا سَألَ عَلِيُّ عُثْمَانَ الْحَجْرَ عَلَى عَبْدِ الله قَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أحْجُرُ عَلَى مَنْ كَانَ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ" (٣). دلت القِصَّة على أنهم كانوا متفقين على جَوَازِ الحَجْرِ بالتبذير، وأنه كان مشهوراً فيما بينهم. وقوله في الكتاب: (والفلس والتبذير) معلمان بالحاء. أما: الفلس فلما سبق في التفليس. وأما: التبذير، فلأن عنده لا ينشأ الحَجْر على من بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً. وإن بلغ مفسداً لماله لا يسلم المال إليه حتى يكمل خمساً وعشرين سنة، فحينئذٍ يُسَلم.

стр. 2267

وقوله: (وحجر الصبي ينقطع بالبلوغ مع الرشد)، هكذا يطلقه بعض الأصْحَاب، ومنهم من يقول: الحجر للصبي ينقطع بمجرد البلوغ، وليس ذلك خلافاً محققاً، بل من قال بالأول أراد الإطلاق الكلي، ومن قال بالثاني أراد الحجر المخصوص بالصَّبي وهذا أولى؛ لأن الصِّبَا سبب مستقلٌ بالحَجْرِ، وكذلك التبذير، وأحكامهما مُتَغَايِرَة، ومن بلغ وهو مُبَذِّر فحكم تصرفه حكم تصرف السَّفِيه، لا حكم تصرف الصَّبي، والقول في أن الإطلاق الكُلِّي متى يحصل إذا بلغ رشيداً أو سفيهاً سيأتي من بعد. قال الغزالي: وَالبُلُوغُ باسْتِكْمَالِ خَمْس عَشَرَةَ سَنَةً (ح م) لِلغُلاَمِ وَالجَارِيَةِ، أَوْ الاحْتِلاَمِ، أَوِ الحَيْضِ لِلْمَرْأَةِ (ح)، أَوْ نَبَاتٍ (ح) العَانَةِ في حَقِّ صِبْيَانِ الكُفَّارِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ فِيهِمْ (و) لِعُسْرِ الوُقُوفِ عَلَى سِنِّهِمْ، وَفِي صِبْيَانِ المُسْلِمِينَ وَجْهَانِ. قال الرَّافِعِيُّ: للبلوغ أسباب: منها: ما يشترك فيه الرجال والنساء. ومنها: ما يختص بالنساء. أما: القسم الأول فمنه السِّن، فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة قمرية فَقَدْ بَلَغ. روى عن ابن عمر ﵄ قال: "عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في جَيْشِ يَوْم أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يَقْبَلْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ منْ قَابِل عَامَ الْخَنْدَقِ، وَأَنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةَ فَقَبِلَنِي وَرَآنِي بِلَغْتُ" (١). وعن أنس أن النبي ﷺ قال:"إِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَولُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كُتِبَ مَالَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودةُ" (٢) وفيه وجه: أن البلوغَ يحصل بنفس الطَّعْنِ في السنة الخامسة عشر، وإن لم يستكلمها؛ لأنه حينئذ يسمى ابن خمس عشرة سنة. والمذهب الأول، وهذا التوجيه ممنوع. وقوله: (باستكمال خمس عشرة سنة) لفظ الاستكمال مُعَلَّم بالواو لهذا الوجه. وقوله: (خمس عشرة سنة) بالحاء والميم. أما: الحاء فلأن عنده بلوغ الغلام بثماني عشرة سنة، وفي الجارية روايتان: إحداهما: كذلك. والثانية: بسبع عشرة سنة. وأما: الميم فلأنه يروى عنه أن البُلوغَ لا يحصل بالسِّن، وإنما النظر فيه إلى الاحتلام.

стр. 2268

والسبب الثاني: الاحتلام قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (١) روى أنه ﷺ قال:"رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، عَنِ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" (٢) والحلم لا يتعلق بخصوص الاحتلام؛ بل هو منوط بمجرد خروج المَنِيّ، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين، ولا عبرة بما ينفصل قبل ذلك، وفيه وجهان آخران، ذكرهما الإمام كل واحد منهما في موضع من كتابه. أحدهما: أنه يدخل بِمُضِيِّ ستة أشهر من السَّنَةِ العَاشِرة. والثاني: أنه إنما يدخل بتمام العَاشِرَة، وهذه الوجوه كالوجوه في أقل سِنِّ الحيض، لكن العاشرة هاهنا بمثابة التاسعة، ثمّ؛ لأن في النساء حدة في الطبيعة وتسارع إلى الأِدْرَاك، وهكذا يكون النبات الضعيف بالإضافة إلى القَوي، والاعتماد فيه على الوجدان بعد البحث كما في الحَيْضٍ، ولا فرق في إفادة خروج المَنِي، البلوغ بين الرجال والنساء كما في السِّن، وفيه وجه: أنه لا يُوجِبُ بلوغهن؛ لأنه نادر فيهن ساقط العبرة، وعلى هذا قال الإمام: الذي يتجه عندي أن لا يلزمها الغَسْل؛ لأنه لو لزم لكان حكماً بأن الخارج مَنِيّ، والجمع بين الحكم بأنه منى وبين الحكم بأنه لا يحصل به البلوغ متناقض. ولك أن تقول: إن كان التناقض مأخوذاً من تعذر التكليف بالغسل مع القول بِعَدَمِ البلوغ، فنحن لا نعني بلزوم الغُسْلِ سوى ما نعنيه بلزوم الوُضُوءِ عَلَى الصَّبِيَّ إذَا أحدث، فبالمعنى الذي أطلقنا ذلك، ولا تكليف نطلق هَذَا، وإن كان غير ذلك فلا بد من بيانه. واعلم: إنا إذا قلنا: إن خروج المَنِي لا يوجب البلوغ في حق النِّساء، صارت أسبابُ البلوغ ثلاثة أقسام: المشتركة بين الرجال والنساء، وما يختص بالرِّجال، وهو خروجُ المَنِيّ [وما يختص بالنساء] والله أعلم. والسبب الثالث: إنبات العانة يقتضي الحكم بالبُلُوغ في حق الكُفَّار، خلافاً لأبي حنيفة. لنا: ما روي "أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَتَل مُقَاتِلَتَهُمْ، وسَبَى ذَرَارَيهُمْ، فَكَانَ يُكْشَفُ عَنْ مُؤَتَزِرِ الْمُرَاهِقِينَ، فَمَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ جُعِلَ في الذّرَارِيِ" (٣) وعن عطية القرظي قال: "عُرِضْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَكَانَ مَنْ أنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى

стр. 2269

سَبِيلِي" (١). ثم هو بلوغ حقيقة، أو هو دليل البُلُوغِ وأمارته فيه قولان: أحدهما: أنه بلوغ حقيقة كسائر الأسْبَاب، وأظهرهما على ما قاله الإمام، وهو الذي أورده صاحب الكتاب أنه أمارة بلوغِ، لأن البلوغ غير مكتسب، وهذا شيء يستعجل بالمعالجة. فإن قلنا: بالأول فهو بلوغ في حَقِّ المسلمين أيضاً كسائر الأسباب، لا فرق فيها بين المسلم والكافر. وإن قلنا: إنه أمارة ففي حق المسلمين وجهان: أظهرهما: أنه لا اعتبار به؛ لأن مراجعة الآباء في حَقِّ المسلمين، والاعتماد على أخبارهم عن تواريخ المواليد سَهْل، بخلاف الكفار فإنهم لا اعتماد على قولهم، ولأن المسلمين رُبَّما استعجلوا بالمعالجة ورفعاً للحجر واستفادة الولايات، والكفار لا يتهمون بمثله، لأنهم حينئذ يقتلون أو تضرب عليهم الجزية. والثاني: وبه قال مالك وأحمدَ: إنه يجعل أمارة في حقهم أيضاً، لأن الإشْكَالَ قد يقع في حق المسلمين أيضاً، ويدل عليه ما روى "أَنَّ غُلاماً مِنَ الأَنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةٍ فِي شِعْرِهِ فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَلَمْ يَجِدْهُ أَنْبَتَ، فَقَالَ لَوْ أَنْبَتَّ الشَّعْرَ لَحَدَدْتُكَ" (٢). ثم العبرة بالشَّعْرِ الخَشِن الذي يحتاج في إزالته إلى الحَلْق. فأما: الزغب والشّعر الضعيف الذي قد يوجد في الصِّغر فلا أثر له. وفي شعر الإبط وجهان: أحدهما: أن إنباته كنبات شَعْرِ العَانَةِ، وبه قال القَاضِي حسين وآخرون، قال الإمام: لأن إنبات العَانة يقع في أول تحرك الطَّبِيعَة في الشَّهْوَة، ونبات الإبط يتراخى عن البُلُوغِ في الغَالِب، فكان أولى بالدّلالة على حُصولِ البلوغ. والثاني: وهو الأصح على ما ذكره صاحب "التتمة": أنه لا أثر له في البلوغ؛ لأنه لو أثر لما كشفوا عن المؤتزر لحصول الغرض من غير كشف العورة. ونبات اللحية والشارب فيهما هذان الوجهان، لكن صاحب "التهذيب" فرق،

стр. 2270

فألحق شَعْرِ الإِبِطِ بِشَعْرِ العانة، ولم يلحق به اللَّحْية والشَّارِب، ولا أثر لِثِقَلِ الصَّوْت ونهود الثَّدْي ونتوء طرف الحُلقوم وانفراق الأرنبة، كما لا أثر لاخضرار الشَّارِب، وفي "التتمة" طرد الخِلاَف فيها. وأما القسم الثاني وهو ما يختص بالنساء فشيئان: أحدهما: الحَيْضُ في وقت الإمكان بُلوغٌ، واحتج له بما روى أنه ﷺ قال لأسماء بنت أبي بكر: "إِنَّ الْمَرْأَة إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَأَشَارَ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ" (١) علق وجوب السَّتْر بالمحيض، وذلك نوع تكليف، وبما روى أنه ﷺ قال:"لاَ تَقْبَلُ الله صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ" (٢). أشعر بأنها بالحَيْضِ كلفت بالصَّلاَةِ. والثاني: الحَبَلُ يوجب البلوغ، لأنه مسبوق بالإِنْزَالِ، لكن الولد لا يستيقن ما لم تَضَع، فإذا وضعت حكمنا بحصول البُلوغ قبل الوَضْعِ بستة أشْهُر وَشَيْءٍ؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإن كانت مطلقة فأتت بِوَلَدٍ يلَحق الزَّوْجَ حكمنا ببلوغها قبل الطَّلاَق. فرع: الخنثى المشكل إذا خرج من ذَكَرِه ماء وهو على صفة المَنِيّ، ومن فرجه دَمٌ وهو على صفة الحيض، فهل نحكم ببلوغه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه إما ذكر وقد أَمْنَى، أو أنثى وقد حاضت. والثاني: لا؛ لتعارض الخارجين وإسقاط كل واحد منهما حكم الآخر، ولهذا لا يحكم والحالة هذه بالذكورة ولا بالأنوثَة هذا ما نسبه القَاضِي ابْنُ كَجٍّ إلى ظاهر نَصِّ الشَّافعي. وإن وجد أحد الأمرين دُونَ الثَّانِي، أو أمنى وَحاضَ مِنَ الفَرْجِ، فجواب عامة الأصحاب أنه لا يحكم ببلوغه لجواز أن يظهر من الفَرْجِ الآخر ما يعارضه، وقال الإمام وهو الحق: ينبغي أن يحكم بالبلوغ بأحدهما، كما يحكم بالذكورة والأنوثة، ثم إن ظهر خِلاَفُه غيرنا الحُكْمَ، وكيف ينتظم منا أن نحكم بأنه ذكر أو أنثى ولا نحكم بأنه قد بلغ. قال الغزالي: وَأَمَّا الرُّشْدُ فَهُوَ أن يَبْلُغَ صَالِحاً في دِينِهِ مُصْلِحاً لِدُنْيَاهُ، فَإِذَا اخْتَلَّ

стр. 2271

أَحَدُ الأَمْرَيْنِ اسْتَمَرَّ الحَجْرُ (م ح و)، وَمَهْمَا حَصَلَ انْفَكَّ الحَجْرُ (و)، فَلَوْ عَادَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ لَمْ يَعُدِ الحَجْرِ؛ لأنَّ الإِطْلاَقَ الثَّابِتَ لاَ يُرْفَعُ إلاَّ بِيَقين كَمَا أَنَّ الحَجْرَ الثَّابِتَ لاَ يُرْفَعُ إلاَّ بِيَقِين، فَلَو عَادَ الفِسْقُ وَالتَّبْذِيرُ جَمِيعاً يَعُودُ الحَجْرُ أَوْ يُعَادُ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَينِ، ثُمَّ يَلِي القَاضِي أَمْرَهُ أَم وَليُّهُ في الصَّبِيِّ؟ فيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في الجُنُونِ الطَّارِئِ بَعْدَ البُلُوغِ، وَصَرْفُ المَالِ إلَى وُجُوهِ البرِّ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ، فَلاَ سَرَفَ في الخَيْرِ، وَصَرْفهُ إلَى الأَطْعِمَةِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لاَ تَلِيقُ بِحَالِهِ تَبْذِيرٌ (و)، فَإِذَا انْضَمّ إِلَيْهِ الفِسْقُ أَوْجَبَ الحَجْرَ. قال الرَّافِعِيُّ: أول ما ينبغي أن يعرف في الفَصْلِ أولاً معنى الرُّشْدِ المذكور في قوله ﵎: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ وقد فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بالصَّلاَحِ في الدِّين مع إصْلاحِ المَالِ، ويدل عليه ما روى عن ابن عباس أنه قال: معناه: "رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ صَلاَحاً في دِينِهِمْ وَحِفْظاً لِأَمْوَالِهِمْ" (١) وروى مثله عن الحسن (٢) ومجاهد (٣)، والمراد من الصَّلاَح في الدين أن لا يرتكب من المُحَرَّمَاتِ ما تسقط به العَدَالَةُ، ومن إصْلاحِ المَالِ أن لا يَكون مبذراً، وصرف المال إلى وجوه الخير في الصَّدَقَاتِ وفك الرقاب وبناء المَسَاجِدِ والمدارس وما أشبهها لَيْسَ بِتَبْذِير، فلا سَرَفَ في الخير، كَمَا لا خَيْرَ في السَّرَفِ، وعن الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ: أن الصَّبِيَّ إذا بلغ وهو مفرط في الانْفَاق في هذه الوجوه فهو مُبَذِّرٌ، وإن عرض له ذلك بعد ما بلغ مقتصداً لم نحكم بصيرورته مبذراً. وتضييع المال: بإلقائه في الْبَحرِ، أو باحتمال الغبن الفاحش في المُعَامَلاَتِ ونحوها تبذيرٌ، وكذا الإنفاق في المُحَرَّمَاتِ. وصرفه إلى الأطعمة النفيسة التي لا يليق اتخاذها بِحَالِهِ، هل يكون سفهاً وتبذيراً؟ قال الإِمام وصاحب الكتاب: نِعم لِلْعَادة. وقال: الأكثرون لا؛ لأن المال يطلب لينتفع به ويلتذ به، وكذا القول في التجمل بالثِّيَابِ الفاخرة والإكثار من شِرَاءِ الغانيات والاستمتاع بهن وما أشبه ذلك. وبالجملة فالتبذير على ما نقله معظم الأصحاب محصور في التضيعات والإنفاق في المُحَرَّمَات ولا بد من اختبار الصبي ليعرف حاله في الرُّشْدِ وعدمه، ويختلف ذلك باختلاف طبقات النَّاسِ.

стр. 2272

فولد التَّاجر يختبر في البَيْعِ والشراء والمُمَاكَسَة. وولد الزَّارع في أمر الزِّراعة والإنفاق (١) على القَوَّام فيها. والمُحْتَرِف فيما يتعلق بحرفته. والمرأة في أمر القطن والغَزْلِ (٢)، وحفظ الأقمشة، وصون الأطعمة عن الهِرَّة والفأرة، وما أشبهها من مَصَالِحِ البَيْتِ. ولا تكفي المَرَّة الواحدة في الاختبار؛ بل لاَ بُدَّ من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال، ويفيد غلبة الظنِّ بكونه رَشِيداً، وفي وقت الاختبار وجهان: أحدهما: ما بعد البلوغ؛ لأن تصرفه في الصِّبَا غيرُ نافذ. وأظهرهما: أنه قَبْلَه؟ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٣). واسم اليتيم إنما يقع على غير البَالِغِ، وعلى هذا فكيف يختبر؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يدفع إليه قدراً من المَالِ ويمتحنه في المماكسة والمُسَاوَمة، فإذا آل الأمر إلى عَقْدٍ عَقَدَهُ الوَلِيُّ؛ لأن تصرف الصبي لاَ ينفذ. والثَّاني: يصح منه العقد أيضاً في هذا الغَرَض للحاجة وقد أشرنا في أول البيع إلى هذا. ولو تلف المالُ المدفوع إليه للاختبار في يَدِهِ فلا ضمان على الوَلِيّ (٤) إذا تقرر ذلك فننظر إن بلغ الصَبِيُّ غير رَشِيدٍ إما لاختلاف الصَّلاح في الدِّين، أو إصلاح المَالِ، بقي محجوراً عليه، ولم يدفع إليه المَال، وقال أبو حنيفة: إن بلغ مفسداً للمال مُنِعَ

стр. 2273

حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة كما سبق، وإن بلغَ مصلحاً لماله دفع المال إليه، ونفذ تصرفه، وإن كان فاسقاً، وبه قال مالك فيمن بَلَغَ فَاسِقاً، ونقل المتولي مثل مذهبهما عن بعض أصحابنا. وجه الظاهر المذهب أن الآية اعتبرت الرشد والصَّلاح مأخوذ من تَفْسِير الرشد. ثم يتصرف في ماله ويستديم الحَجْرَ عليه من كان يتصرف قبل البلوغ أباً كان، أو جداً، أو وَصِياً، أو حَاكِماً. فإن بَلَغَ رشيداً دفع إليه المال، وينفك الحَجْر عنه بنفس البلوغ والرُّشْد أو يحتاج إلى فَكِ القاضي؟ فيه وجهان: أرجحهما عِنْدَ صَاحِبِ "التهذيب": أنه يحتاج إلى فَكِّ القَاضِي، لأن الرُّشْدَ مما يعرف بالنَّظَرِ والاجْتِهَادِ، ويروى هذا عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. والثاني: وبه أجاب صاحب الكتاب وهو الأصح عند الإمام والمتولى، ويحكى عن ابنِ سُرَيْجٍ: أنه ينفك عنه؛ لأنه حجر لم يثبت بالحَاكِم فَلاَ يتوقف زواله على إِزَالَةِ الحَاكِم، كَحَجْرِ المَجْنُونِ يزول بمجرد الإِفَاقة، وهذا أولى، إلا لأَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى طَلَبِ الَفَكِّ في أوائل البُلُوغِ، ولا يجدوه أهم مهماتهم. ثم قال المفرعون على الوجه الأول: إنه كما ينفك بفك القَاضِي ينفك بِفَكِّ الأب والجَدّ، وفي الوصي والقَيِّم وَجْهَانِ، وهذا يطعن في توجيههم إياه بالحَاجَةِ إلى النَّظَرِ والاجْتِهَادِ. وإذا قلنا: لا يزول حتى يزال فتصرفه قبل إِزَالَةِ الحَجْرِ كتصرف من أنشأ الحجر عليه بالسَّفَهِ الطَّارِئِ بعد البُلُوغِ، ويجري الخِلاف فيما إذا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيداً، ثُمَّ صَار رَشِيداً وإذا حصل الرُّشْدُ فلا فرق بين الرَّجُل والمَرْأَة، وبين أن تكون المرأة مزوجة أو لا تكون. وقال مالك ﵀: لا يدفع المالُ إِلَى المرأَةِ حتى تنكح، فإذا نكحت دفع إليها بإذن الزَّوْجِ، ولا ينفذ تَبَرُّعُهَا بِمَا زاد على الثُّلُثِ إلا بِإِذْنِ الزوج ما لم تصر عَجُوزاً. ولو عاد التبذير بعد ما بلغ رشيداً لم يطلق، ولم يمكن من التَّصَرّف، وكيف الحال؟ فيها وجهان: أحدهما: أنه يعود الحَجْر بنفس التبذير، كما لو جُنّ. وأصحهما: أنه لا يعود، ولكن يُعَاد، ومن الذي يُعِيدُه؟ لا خلاف في أن لِلْقاضي أن يُعِيدَه، وعن أبي يحيى البلخي فيما نقل ابْنُ كجٍّ -رحمه الله تعالى-: أنه يعيده الأَبُ والجَدُّ أيضاً، والمشهور تخصيصه بالقَاضِي؛ لأنه في مَحَلِ الاجْتِهَادِ.

стр. 2274

ولو عاد الفسق دون الإتْفَاقِ في المعاصي وسائر وجوه التبذير. فإن قلنا: اقتران الفسق بالبلوغ لا يقتضي إدامة الحَجْرِ، وهي الطريقة المنقولة على وفاق أبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- فلا يحجر. وإن قلنا: يقتضيها فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه يُحْجَرُ عَلَيْهِ، كما يستدام به الحَجْر، وكما لو عَادَ التَّبْذِيرُ. وأصحهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ لا يحجر؛ لأن الأولين لم يحجروا على الفَسَقَةِ، ويخالف الاستدامة، لأن الحَجْرَ ثُمَّ كَانَ ثَابتاً، والأصل بقاؤه وهاهنا ثبت الاطْلاَق، والأصل بقاؤه فلا يلزم من الاكتفاء بالفسق للاستصحاب الاكتفاء به لبراءة الأَصْلِ، ويخالف التبذير فإنا نتحقق به تَضْيِيعَ المَالِ، أو بالفسق لا يتحقق، فإنه ربما لا ينفق المال إلا فيما يسوغ هان كان فَاسِقاً، ومقصود هذا الحَجْرِ صيانةُ المَالِ، ولا يجيء في عود الفسق الوجه الذَّاهِب إلى مَصِيره محجوراً بنفس التبذير، قال الإِمام ﵀ فإذا حجر على من طرأ عليه السَّفَه، ثم عادَ رَشِيداً فإن قلنا: الحجر عليه لا يثبت إلا بضرب القَاضِي، فلا يرتفع إلا برفعه. وإن قلنا: يثبت بنفسه ففي زواله الخِلاَف المذكور فيما إذا بَلَغَ رشيداً. ومن الذي يلي أَمْرَ من حَجِرَ عَلَيْهِ بالسَّفَهِ الطارئ. إن قلنا: إنه لاَ بُد من ضَرْبِ القاضي، فهو الذي يليه. وإن قلنا: إنه يصير محجوراً عليه بنفس السَّفه، فوجهان شبيهان بالوجهين فيما إذا طرأ عليه الجُنون بَعْدَ البُلوغِ. أحدهما: أنه يلي أمره الأب، ثم الجَدّ كما في حالة الصِّغَر، وكما إذا بلغ مجنوناً. والثاني: يَلِيه القَاضِي؛ لأن ولاية الأبِ قد زالت فَلاَ تَعودُ، والأول أَصَحُّ في صورة عُروض الجُنُون، والثَّانِي أصح في صُورَةِ عروض السَّفَهِ؛ لأن السَّفَهَ وزوالَه مُجْتَهَدٌ فيه فيحتاج إلى نَظَرِ الحَاكِمِ. ونعود إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب. قوله: (فإن اختل أحد الأمرين استمر الحجر) ينتظم إعلامه بالميم، والحاء، والواو، لما ذكرنا فيما إذا بلغ مصلحاً لماله فاسقاً. وقوله: (مهما حصل) أي: كلاهما (انفك الحجر) معلم بالواو؛ للوجه الصَّائِر إلى أنه لاَ بُدَّ من فَكِّه، وكذا قوله: (لم يعد الحجر) للوجه الذي مَرَّ في عود الحَجْرِ عند عود التبذير وقوله: (لأن الإطلاق الثابت لا يرفع إلا بيقن) ولا يتيقن الرشد مع واحد

стр. 2275

من الأمرين، والإطلاق هاهنا متيقن، فلا يعاد الحجر إلَّا بتيقن احتلال الرشد، وذلك يعود للمعنيين جميعاً، وهذا قريبٌ من لفظه في الوَسِيط، وقضية خروج الصَّلاح في الدِّين، وإصلاح المَالِ عن أن يكون حقيقة الرشد، واعتبارها للاستدلال بهما على حصول الرُّشْدِ. واعلم أن كلام المُصَنِّف هاهنا، وفي "الوسيط" مُصَرح بأن عود مجرد الفِسْق والتبذير لا أثر له، وإنما المُؤَثِّر في عود الحَجْرِ، أو إعادته عَوْدُ الفِسْق والتبذير جميعاً، وليس الأمر كَذَلِك، بل الأَصْحَاب ﵃ مطبقون على أن عود التبذيرِ وَحْده كَافٍ في عَوْدِ الحَجْرِ، أو إعادته كما سبق بيانه (١). وقوله: (ثم يلي أمره القاضي أو وليد في الصبي، فيه وجهان) موضع الوجهين ما إذا قلنا: إن الحجر يعود بنفسه، أما إذا قلنا: إن القَاضِي هو الذي يعيدهُ، فهو الذي يَلِي أمره بلا خلاف. وقوله: (فصرف المال إلى وجوه البر ليس بتبذير) يمكن إعلامه بالواو للتفصيل المنقول عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. وقوله: في الصرف إلى الأطعمة النفيسة (إنه تبذير) يجب إعلامه بالواو، ومعرفته أن الأظهر عند الأئمة ﵏ خلاف ما ذكره. وقوله: (فإذا انضم الفسق إليه أوجب الحجر) بناء على ما قدمه من اعتبار اجتماع الأمرين، وقد عرفت أن الصَّحِيحَ المعتمد خلافه. فرع: لو كان يُغْبَن في بعض التصرفات خَاصَة، فهل يحجر عليه حَجْراً خاصاً في ذلك النوع؟ فيه وجهان، لبعد اجتماع الحَجْرِ والإطلاق في الشَّخْصِ الوَاحِدِ. فرع: الشحيح على نفسه جداً مع اليسار، قال في "البيان": فيه وجهان عن الصيمري، والأصح المنع. قال الغزالي: ثُمَّ فَائِدَةُ الحَجْرِ سَلْبُ اسْتِقْلاَلِهِ في التَّصَرُّفَاتِ المَالِيَّةِ كَالبَيْع وَالشِّرَاءِ (و) وَالإِقْرَارِ بِالدِّيْن (م)، وَكَذَا الهِبَةُ، وَفِي سَلْبِ عِبَارَتهِ عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِهِ خِلاَفٌ، وَعَلَيْهِ يُبتَنَى صِحَّةُ قَبُولهِ الوَصيَّةَ وَالهِبَةَ، وَلاَ حَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَجْرِ كَالطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَالخُلْعِ وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَنَفْيهِ وَالإقْرَارِ بِمُوجِبِ العُقُوَبَاتِ؛ لِأَنَهُ مُكَلَّفٌ وَالوَلِيُّ لاَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ فَلاَ بُدَّ وأَنْ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، وَالأَصَحُّ: أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِإِتْلاَفِ مَالِ الغَيْرِ كَالصَّبِيِّ، وَيَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ ثُمَّ يُمْنَعَ الزَّادَ إنْ لَمْ يَكُن فَرْضاً عَلَيْهِ، ثُمَّ حُكْمُهُ حُكْمُ

стр. 2276

المُحْصَر أَو المُحْرم المُفْلِسِ حَتَّى لاَ يَتَحَلَّلَ إِلَّا بِلِقَاءِ البَيْتِ فِيهِ خِلاَفٌ. قال الرَّافعِيُّ: الغرض الآن الكلام فيما ينفذ من السَّفِيه المحجور عليه من التَّصَرُّفَاتِ، وما لا ينفذ وفيه مَسَائِل: أحدها: لا يصح، منه العقود التي هي في مظنة الضَّرر المَالِي، كالبيع والشِّراء، والإعتاق (١)، والكتابة، والهبة، والنكاح، ولا فرق بين أن يشتري بِعَيْنِ ماله أو في الذمة، وفي شرائه في الذِّمَّةِ وجهٌ ضعيفٌ، تخريجاً من شراء العَبْدِ بغير إذْنِ مَوْلاَه، والمذهب الأول؛ لأن هذا الحَجْرَ إنما يشرع نظراً للمبذر، وذلك يقتضي الرّد حالاً ومالاً، والحجر على العبد لحق المولى، فلا يمتنع التَّصْحِيحِ بحيث لا يضر بالمولى، وإذَا بَاعَ وأقبض استرد من المشتري، فلو تَلَفَ في يَدِهِ ضَمِن، فلو اشترى وقبض واستقرض فتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضَمَان عليه، ومن أقبضه فهو الذي ضَيَّعَه، ولوليه استرداد الثَّمن إن كان قد أَقْبَضَهُ، ولا فرق بين أن يكون من عامله عالماً بحاله أو جاهلاً؛ إذ كان من حقه أن يتجنب ولا يعامل إلا عَنْ بَصِيرَة، وكما لا يجب الضَّمَانُ في الحَالِ لا يجب بعد رفع الحَجْرِ؛ لأن هذا الحَجْرَ لمصلحته فأشبه الصَّبِي، لكن الصبي لا يأثم، والسَّفِيه يأثم؛ لأنه تَكَلُّف، وفيما إذا أتلفه بنفسه وجه أنه يضمن عند رفع الحَجْرِ عنه (٢)، وهذا كُلُّه فيما إذا استقل بهذه التَّصَرُّفَاتِ، أما إذا أذن له الولي نظر إن أطلق الإذْن فهو لَغْوٌ، وإن عين له تصرفاً أو قدر العوض فوجهان: أصحهما عند المصنف: أنه يَصِح كما لو أذن له في النِّكاح، وهذا لأن المقصود أن لا يضر بنفسه ولأيتلف ماله، فإذَا أذن الولي أمن مِنَ المَحْذُورِ. والثاني: وهو الأصحِ عند صاحب "التهذيب": المنع، كما إذا أَذِن للصَّبِىِّ (٣)، ويخالف النكاح؛ لأن المَال فيه تبع، ومقصود الحَجْرِ حفظ المالِ عليه، على أنَ الإِمَامَ ﵀ أشار إلى طَرْدِ بعضهم الخِلاَفَ في النِّكَاحِ.

стр. 2277

فإن قلنا: لا يصح، فقد سلبنا بالحَجْرِ عبارته. وإن قلنا: يصح، فالمسلوب هو الاستقلال، وعلى الوجهين يخرج ما إذا وكله غيره بِشَيْءٍ من هذه التصرفات، هل يصح عَقْدُه للموكل؟ وفيما إذا اتَهب، أو قبل الوصية لِنَفْسِه (١). ولو أودعه إنسانٌ شيئاً فلا ضمان عليه لو تلف عنده، ولو أتلفه فقولان كما لو أودع صبياً. الثانية: لو أقر بدَيْن معاملة لم يقبل، سواء أسنده إلى ما قبل الحَجْرِ أو بَعْدَه كالصَّبِي، وفيما إذا أسنده إلى ما قبل الحَجْرِ، وَجه أنه يقبل تخريجاً من الخِلاَف، في أن المفلس إذا أقر بدين سَابِقٍ على الحَجرِ، هل يزاحم المقر لَهُ الغُرَمَاء؟ ولو أقر بإِتْلاَفِ مالٍ أو جنايةٍ توجب المَالَ فقولان: أحدهما: يقبل؛ لأنه لو أثبتنا الغصب أو الإتلاف يَضْمن، فإذا أَقَرَّ بِهِ يُقْبَل. وأصحهما: الرد كما لو أقر بدَيْنِ مُعَامَلَةٍ، ولا يؤخذ بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه بما أقر به ورددناه، ولو أقر بما يوجب عليه حداً أو قصاصاً قُبِلَ؛ لأنه مُكَلَّف، ولا تعلق لهذا الإقرار بالمال متى يتأثر بالحَجْرِ، ولو أقر بِسَرِقَةٍ توجب القَطع قُبِلَ قَوْلُه في القَطْعِ، وفي المَالِ قولان كالعَبْدِ إذا أَقرَّ بِسَرِقَةٍ، هذا إن قلنا: لا يقبل إقراره بدين الإتْلاَف فإن قلنا: فأولى أن يُقْبَل هاهنا. ولو أقر بقصاص، فعفى المُسْتَحِق على مَالٍ فالصحيح يَنُوب المال؛ لأنه يتعلق باختيار الغَيْرِ لا بإقراره، ولو أَقَرَّ بِنَسَبٍ ثبت النَّسَبُ، وينفق على الوَلَدِ الذي استلحقه من بيت المال. ولو ادعى علية دين معامله لزمة قبل الحجر، وأقام عليه بينة سُمِعَت، وإن لم يكن بينة. فإن قلنا: إن النكول ورد اليمين كالبينة سُمِعَت. وإن قلنا: كالإقرار فلا؛ لأن غايته أن يقر، وإقراره، غير مقبول. الثالثة: يصح منه الطَّلاق؛ لأنه لا يدخل تحت حجر الولي وتصرفه، ألا ترى أن الوَلِيَّ لا يطلق أصلاً؟ بل المحجور عليه يطلق بنفسه إذا كان مكلفاً كالعَبْدِ، وأيضاً فإن الحَجْرَ لإبقاء مَالِهِ عليه والبضع ليس بِمَالٍ، ولا هو جَارٍ مجرى الأموالِ، ألا ترى أنه لا ينتقل إلى الوَرَثَةِ، ولا يمنع المَرِيض من إزالة المَالِ عَنْه؟ وإِذَا صَحَّ الطلاق مجاناً فالخُلْعُ أولى بالصَّحَة، وكذلك يَصِحّ منه الظَّهَارُ والرَّجْعَةُ، وَنَفْيُ النَّسَب باللّعَانِ وما أشبهه؛ لأن هذه العقود لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِمَالٍ.

стр. 2278

ولو كان السفيه مطلاقاً مع حاجته إلى النّكاح سرى بجارية فإن تبرم منها أُبْدِلَتْ. الرابعة: حكم السفيه في العِبَاداتِ حكم الرَّشِيد، لكنه لا يفرق الزّكاة بِنَفْسِهِ، فلو أحرم بغير إذْنِ الوَلي انعقد إحرامه، ثم ينظر إن أحرم بَحَجِّ التطوع وزاد ما يحتاج إليه للسَّفَرِ على نفقته المعهودة ولم يكن له في الطريق كسْبٌ يفي بتلك الزيادة فللولي منعه، ثم كيف سبيله؟ نقل الإمام ﵀ وجهين: الأصح: الذي أورده أكثرون: أنه كالمُحْصَرِ حتى يتحلل بالصَّوْمِ، إذا جعلنا لِدَمِ الإحْصَارِ بَدَلاً؛ لأنه محجورٌ فِي المَالِ. والثاني: أن عجزه عن النفقة لا يُلْحِقه بِمُحصَرٍ، بل هو كالمُفْلِس الفَاقِدِ للزّادِ والراحلة، لا يتحلل إلا تِلْقَاء البَيْتِ، وإن لم يزد مَا يَحْتَاجُ إليه على النَّفَقَةِ المعهودة، أو كان يكتسب الطَّرِيق ما يفي بالزِّيَادَةِ لم يمنعه الولي، بل ينفق عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، ولا يسلمه إلَيهِ، بل إلى ثِقَةٍ لينفق عليه في الطَّرِيق. وإن أحرم بحجة مفروضةٍ كحجة الإسْلاَم والحجة المنذورة قبل الحَجْرِ، أنفق عليه الوَلِيُّ كما ذَكَرْنَا، قال في "التتمة": والحجة المنذورة بعد الحجر، كالمنذورة قبله إن سلكنا بالنذر مسلك واجب الشَّرْع، وإلا فهي كحجة التطوع. ولو نذر التصدق بعين مالٍ لم ينعقد، وفي الذمة ينعقد. ولو حلف انعقد يمينه، ويكفر عند الحِنْثِ بالصَّوْمِ كالرقيق (١). قال الغزالي: وَوَلِيُّ الصَّبيِّ أبُوهُ أَوْ جَدُّهُ وَعِنْدَ عَدَمِهِمَا الوَصِيُّ، فإنْ لَمْ يَكُنْ فَالقَاضِي، وَلاَ وَلاَيَةَ لِلأُمِّ (و)، وَلاَ يَتَصَرَّفُ الوَليُّ إِلاَّ بِالغِبْطَةِ، وَلاَ يَسْتَوْفِي قِصَاصَهُ (ح) وَلاَ يَعْفُو عَنْهُ وَلاَ يَعْتِقُ، وَلاَ يُطْلِقُ بعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ، وَلاَ يَعْفُو عَنْ حَقِّ شُفْعَتِهِ إِلاَّ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَوْ تُرِكَ فَلَيْسَ لَهُ الطَّلَبُ بَعْدَ البُلُوغِ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ من مَالِهِ إِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنْ كَان غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِف.

стр. 2279

قال الرَّافِعِيُّ: هذه البقية لبيان من يلي أَمْرِ الصبي، وفي معناه المَجْنُون، وأنه كيف يتصرف؟ أما الذي يليه فهو الأب ثُمَّ الجُدُّ، كما في ولاية النِّكاح، فإن لم يكونا فالوصي المنصوب من جهتهما، فإن لم يكن فالولاية لِلْقَاضِي، أو من يُنَصِّبُهُ القاضِي (١). وظاهر المذهب: أن لا ولاية لْلأُم، كما ليس لها ولاية النِّكَاحِ، وعن أبي سعيد الإصْطَخْرِي ﵀ أن لها ولاية المَالِ بعد الأبِ والجَدِّ، وتقدم على وصيهما لزيادة شفقتها. وأما كيفية التَّصَرُّفِ، فالقول الجملي فيه اعتبار الغِبْطَة، وكون التَّصَرُّفِ على وجه النَّظَرِ والمَصْلَحَةِ، وفي الفصل صور. منها: يجوز للولي أن يَشْتَرِي لَهُ العقار، بل هو أولى من التِّجَارَةِ لمّا فيها من الأَخْطَارِ، وانحطاط الأَسْعَارِ، فإن لم يكن فيه مصلحة لنقل الخراج، أو جَوْرِ السّلطان، أو إشراف المَوْضِع على البَوَارِ لم يجز، ويجوز أن يبني له الدورَ والمساكِنَ، ويبنى بالآجر (٢) أو الطين؛ لأنّ الأجر يبقى في العمارة، والطين قليل المؤنة والجص، ولا يبنى باللبن والطين لِقلَّةِ بَقَائِهِ، وذكر القاضي الرّويَانِي ﵀ أن كثيرًا من الأصحاب ﵏ جوزوا البناء له على عادة البلد كيف كانت، قال: وهو الاختيار (٣)، ولا يبيع عقاره إلا لِلْحَاجَة، مثل أن لا يكون له ما يصرفه إلى نفقته وكسوته

стр. 2280

وقصرت غلته عن الوَفاءِ بهما ولم يجد من يقرضه، أو لم ير المصلحة فيه أو الغبطة، مثل أن يكون ثقيل الخَراج، أو يرغب شَريك، أو جار بأكثر من ثمن المثل، وهو يجد مِثْلَه ببعض ذلك الثَّمَنِ. وله بيع ماله نَسِيئة، وبالعرض إذا رأى المَصْلَحَة فيه، فإذا باع نسيئة زاد على ثمنه نقدًا، وأشهد عليه وارتهن به رهنًا وافيًا، فإن لم يفعل ضَمِن، هكذا قاله المعظم، وروى الإمام وجهًا في صِحَّةِ البَيْعِ، إذا لم يرتهن وكان المشتري مَلِيًّا، وقال: الأصح الصحة، ويشبه أن يذهب القَائِل باَلصِّحَّةِ، إلى أنه لا يضمن، ونجوزه اعتمادًا على ذمة المَلِئ، ولا يحتاج الأَبُ إِذَا بَاعَ مالَ وَلَدِهِ من نَفْسِهِ نسيئة أن يرتهن من نفسه، بل يؤتمن في حَقِّ وَلَدِهِ، وإذا بَاعَ الأبُ والجَدّ عقاره، فيُرْفَعُ الأَمْرُ إلى القَاضِي، سجل على بيعه ولم يكلفه إثبات الحاجة أو الغبطة (١)، فإذا بلغ الصبي وادعى على الأب والجَدّ بيع ماله من غير مَصْلَحَةٍ، فالقول قولهما مع اليمين وعليه البينة، وإن ادعاه على الوَصِي أو الأمين، فالقول قوله في العقار، وعليهما البينة، وفي غَيْرِ العَقَارِ وجهان: أظهرهما: أنها كالعقار، والفرق عسر الإشهاد في كل قَلِيلٍ وكثير يبيعه، ومنهم من أطلق وجهين من غير فرق بين وَلِيٍّ وَوَلِيٍّ، وبين العقار وغيره، ودعواه على المشتري من الولي هي على الولي، وليس للوصي والأمين بيع ماله من نفسه ومال نفسه منه، روى أنه ﷺ قال: "لا يَشْتَرِي الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ" (٢) وللأب والجَدّ ذلك، وبيع مال أَحَدِ الصغيرين من الآخر، وهل يشترط أن يقول: بعت واشتريت كما لو باع من غيره؛ أم يكتفي بأحدهما، فيقوم مقامهما، كما أقيم الشّخص الواحد مقام اثنين؟ فيه وجهان تعرضنا لهما في أول البيع، وإذا اشترى الوَلِي للطِّفْلِ فليشتر من ثقة، وحيث أمر بالارتهان لم يقم أخذ الكفيل مَقَامه. ومنها: لا يستوفى القِصَاص المستحق له، لأنه ربما يرغب في العَفْوِ ولا يعفو، لأنه ربما يختار الاستيفاء تشفيًا، ولا يعتق عبيده لا بعوض، ولا مجانًا، ولا يكاتبهم، ولا يهب أمواله، لا بشرط الثَّواب ولا دونه، إذ لا يقصد بالهِبَةِ العِوَض، ولا يطلق زوجته لا مجانًا ولا بعوض، ولو باع شريكه شقصًا مشفوعًا، فيأخذ ويترك بحسب المصلحة، فإن ترك بحكم المَصْلَحة ثم بلغ الصبي وأراد أخذه فوجهان: أصحهما: أنه لا يمكن كما لو أخذ بِحُكْمِ المَصْلَحة ثم بلغ الصبي وأراد رده.
следующие страницы →