← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13595

شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية

إيهاب سلامة

Полный текст (454 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة القاهرة كلية دار العلوم قسم النحو والصرف والعروض شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية رسالة لنيل درجة الماجستير إعداد الطالب / إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة تحت إشراف الأستاذ الدكتور / محمد جمال صقر أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد

стр. 2

المقدمة الحمد لله وحده لاشريك له، حمدًا توجبه سوابغ نعمه، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد: فقد شُغِف الباحث بالنحو حبا منذ فترة طويلة، وتمنى أن يكون له إسهام في دراساته ولو بقدر بسيط، وتعَمَّق هذا الحب خلال سنوات الدراسة. وفي السنة التمهيدية أضاف أستاذنا د. محمد الطويل إلى هذا الحب حبًا آخر، هو حب البحث عن مناهج العلماء، فقد أشار في محاضراته إلى قلة الدراسات في هذا الجانب، وإلى إغفال الدارسين له؛ فعقد الباحث العزم أن يكون موضوعه جامعا بين جانبين: جانب الدراسة النحوية، وجانب الحديث عن المنهج. وزاد من تحمس الباحث لهذا العزم والجمع بين الدراسة النحوية والحديث عن المنهج عدة أمور: ـ الأول: ما قرأه الباحث لشيخنا الجليل محمود محمد شاكر في كتابه ((رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)) من لوم وتقريع شديدين للباحث الذي لم ((يجد من وقته ساعات للتأمل والأناة والصبر للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجده أمامه مطبقا في كتاب كامل (يقصد كتابه المتنبي) وأحس به كل منهم إحساسا خفيا دعاه إلى المعارضة أو الثناء. وهذا خذلان كبير غفر الله لنا ولهم وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم)) (١). فكان هذا اللوم والتقريع لافتين انتباه الباحث لأهمية البحث عن مناهج العلماء، خاصة إذا علمنا أنه ليس من وكد العالم ((أن يبدأ أول كل شيء فيُفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يُقبل منه بل يرد عليه = ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وها أنذا قد طبقته. هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول)) (٢).

стр. 3

ـ الثاني: ما أبانه علماؤنا من أن ((الكشف عن المناهج لدى مفكري الإسلام يعتبر بالإضافة إلى قيمته التاريخية أفضل مدخل للتراث الإسلامي في جملته؛ فهو الذي يوضح الخطوات القياسية أو الاستقرائية التي اتبعها المفكرون والعلماء المسلمون في مختلف أوجه النشاط التي مارسوها سواء كانت نظرية أم تجريبية)) (١). ـ الثالث: أن هناك علاقة بين أقوال العلماء ومناهجهم، فـ ((في نظم كل كلام وفي ألفاظه، ولابد، أثر ظاهر أو وسم خفي من نفس قائله، وما تنطوي عليه من دفين العواطف والنوازع والأهواء من خير وشر أو صدق وكذب = ومن عقل قائله، وما يكمن فيه من جنين الفكر، من نظر دقيق، ومعان جلية أو خفية، وبراعة صادقة، ومهارة مموهة، ومقاصد مرضية أو مستكرهة)) (٢). وكانت الخطوة التالية: مَن من العلماء يمكن أن يختاره الباحث لدراسة أقواله النحوية ومنهجه؟ وكان شغف د. الطويل بأبي العلاء دافعا آخر لاختياره للدراسة، وزاد من اقتناع الباحث بهذا الاختيار ((قلة الإشارة إلى جهده في الدرس اللغوي فيما كتب عنه هنا وهناك)) (٣) على الرغم من أن حظ أبي العلاء من الدراسة عظيما؛ فأثار ما أثار من جدل ومناقشة في الشرق والغرب، وأخذ العلماء والباحثون ـ منذ القدم وحتى اليوم ـ في الكتابة فيه وعنه. وكان من قدر الله أن اطلع الباحث على مقال بمجلة فصول بعنوان ((خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام)) للأستاذ الهادي الجطلاوي، فعلم الباحث أن الديوان له شروح كثيرة جمعها التبريزي في شرح واحد منها شرح لأبي العلاء؛ فعزم الباحث على اختيار هذا الشرح ليكون منطلقا لدراسة أقوال أبي العلاء النحوية ودراسة منهجه.

стр. 4

ولكن الباحث وجد أن أقوال أبي العلاء متداخلة مع أقوال التبريزي، ولم يكن هناك تمايز واضح تماما بين كلام كل منهما بالرغم ما قام به محقق الديوان من جهد مشكور لإبانة هذا التمايز؛ فقرر الباحث أن يضم شرح التبريزي إلى شرح أبي العلاء في هذه الدراسة. وقد يتبادر إلى الذهن أنه قد يكون شرح التبريزي مخالفا في أقواله ومنهجه لشرح أبي العلاء وهذا أمر غير صحيح، لأن التبريزي ـ كما عرف عنه ـ كان ناقلا وملخصا لشروح السابقين، وهو ((خير من يمثل هذا الأسلوب)) (١). وقد عرف بين العلماء بأنه ((إمام المنهج الانتخابي التهذيبي التكميلي)) (٢). ولكن هذا طبعا لا ينفي عنه إمامته في اللغة والنحو. ومما يسوغ هذا الضم أيضا وطمأن الباحث إلى أن أقوال ومنهج كلا الرجلين متشابهة إلى حد كبير ما ثبت أن التبريزي تَلْمَذَ لأبي العلاء، وكان أبو العلاء بمثابة الأستاذ له. وعلى ما سبق فقد جاءت الرسالة في بابين رئيسيين، يسبقهما تمهيد وتتبعهما خاتمة. أما التمهيد فيشمل مقدمة عن الديوان وقيمته، وتراجم أبي تمام وأبي العلاء والتبريزي. والباب الأول: الدراسة النحوية والصرفية لشرح أبي العلاء والتبريزي، والباب الثاني: دراسة منهج أبي العلاء والتبريزي في شرحهما. والخاتمة تلخص أهم النتائج. ويحب الباحث أن ينوه بأمرين:

стр. 5

الأول: إن الكلام عن المنهج، أومناهج علماء اللغة لا يستأثر به باحث في مجال لغوي معين عن باحث آخر، فالمتخصص في الدراسات النحوية ليس بأولى بالكتابة في هذا الموضوع من المتخصص في الدراسات البلاغية أوالمتخصص في اللغة، أوالعكس، بل هو ـ كما يعتقد الباحث ـ متاح للجميع بلا تثريب. كما أن الدعوى برفض الدراسات البينية، والاقتصار على الدراسات المتخصصة أمر يجده الباحث فيه نوع تعنت، وإغلاق لأبواب اجتهاد جديدة، فالأمر فيه سعة. ولم نجد عند علمائنا الأقدمين هذا الفصل الحاد بين علوم اللسان العربي، فـ ((كتاب)) سيبويه مثلا ساهم في الدراسات الأدبية إسهاما ملحوظا، ((ويكفي دلالة على دوره في تنمية البحث الفني في لغة الأدب رجوع عبد القاهر الجرجاني إلى الأصول التي سنها سيبويه، والأمثلة التي أوردها في كثير من قضايا اللغة الأدبية، نضيف إلى ذلك مؤلفات لغوية أخرى مثل الخصائص لابن جني والصاحبي لابن فارس وفقه اللغة للثعالبي، كما نضيف ذلك الفرع من الدراسات اللغوية حول القرآن (...) وبإمكاننا الزعم بأن الأفكار التي أثيرت في تلك البيئة من بيئات البحث كانت وراء كثير من الانتقالات في تاريخ البحث في لغة الأدب)) (١). كما نجد في كثير من كتب أصول الفقه ((بدءا من ((رسالة)) الشافعي ومرورا بأمهات كتب الأصول مثل ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري، و ((المستصفى)) للغزالي، و ((المحصول)) للرازي وغيرها، [أنَّ] هذه المؤلفات تضم في ثناياها ـ بخاصة في مقدماتها ـ كثيرا من المباحث الدائرة حول اللغة في مختلف صور استخدامها، وحول كثير من مستويات بحثها، بخاصة ما يتصل بالصيغة والتركيب والدلالة)) (٢).

стр. 6

الثاني: الكتابة في المنهج عند أبي العلاء والتبريزي استلزمت تتبع بعض الأمور البعيدة بعض الشيء عن مجال النحو والصرف، وهذا أمر فرضه الحديث عن المنهج، ولا دخل للباحث فيه. منهج البحث: اعتمد الباحث على المنهج الوصفي الإحصائي التحليلي. - الدراسات السابقة: في جانب المنهج لم يقف الباحث على دراسة تتناول هذا الأمر إلا: ١ـ دراسة للدكتور أحمد جمال العمري، بعنوان: شروح الشعر الجاهلي: الجزء الثاني، مناهج الشراح، تناول فيه في بضع صفحات منهج التبريزي عامة في شروحه. ٢ـ مقال بمجلة فصول، مجلة النقد الأدبي بعنوان: ((خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام))، للهادي الجطلاوي. أما الدراسات عن أبي العلاء التي تتناول جهده في الدرس اللغوي فهي قليلة، وما وقف الباحث عليه من هذه الدراسات هو: ١ـ فصل بعنوان: من ملامح الإبداع النحوي، عند أبي العلاء، في كتاب: مشكلات نحوية، د. محمد عبد المجيد الطويل. ٢ـ الفكر اللغوي عند أبي العلاء المعري في ضوء علم اللغة الحديث، د. جمال محمد طلبة. ٣ـ المسائل النحوية والصرفية في شرح أبي العلاء المعري على ديوان ابن أبي حصينة، رسالة ماجستير، للباحث هاني محمد عبد الرازق القزاز. أما التبريزي فلم أقف على أية دراسات عنه. والله أسأل أن أكون قد وفقت فيما تناولت وقدمت ، الباحث: إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة ****

стр. 7

التمهيد ويشمل أربعة مباحث: - المبحث الأول: نبذة عن شعر أبي تمام وديوانه وشراحه. - المبحث الثاني: ترجمة أبي تمام. - المبحث الثالث: ترجمة أبي العلاء. - المبحث الرابع: ترجمة التبريزي.

стр. 8

المبحث الأول: نبذة عن شعر أبي تمام وديوانه وشراحه أبوتمام عَلَمٌ من أعلام الشعر العربي؛ يُعَدُّ بحقٍ ((أستاذ الطبقة الثالثة من الشعراء الحضريين المولَّدين بعد بشار وأبي نواس)) (١). سُلِّمَتْ له الزعامة في عصره، ولم يزاحمه فيها أحد في عصره مزاحمة جدية، فقد انفرد بالزعامة ((حتى اعترف له خصومه بذلك)) (٢). شغل النقاد والأدباء والشعراء واللغويين والبلاغيين، شغل كل الطوائف بشعره، فقد ((فاجأهم بما لم يتوقعوا؛ فبالغ في التعمق في المعاني، والغوص على الفكرة، وأكثر من صور البديع إلى درجة الإسراف، وتجنب عمود الشعر العربي الذي كان القدوة التي تقتدى بها، وخرج على قواعد اللغة العربية، ونحوها وصرفها؛ مما كان سببا في إهمال الكثير من شعره)) (٣). وأبوتمام ـ بنهجه هذا ـ كان من الطائفة التي ((لا تسلك مسلك الشعراء قبلها)) (٤)، بل كان من الطائفة التي ((تميل إلى التجديد في عصره)) (٥)، والتي ((بعدت كثيرا عن الصياغة التي جرى الشعراء عليها في الجاهلية والإسلام)) (٦).

стр. 9

وكان السبب في تلك النزعة التجديدية عند أبي تمام ما وجده في الشعراء قبله من جمود وثبات؛ فقد ((حبس الشعراء أنفسهم ـ قبله ـ في تفاصيل الصور والمعاني من وصف للدمن والأثافي والوحوش، ومحوالرياح للآثار (...) فضيقوا على أنفسهم حتى لم يعد أمامهم مجال للتجديد غير التجويد الفني؛ وحتى جاء شعرهم أدل على المهارة في الصياغة منه على أصالة الطبع والعمق في الإنسانية)) (١). وفي هذا ـ بلا شك ـ ما يفسر ((نزعة أبي تمام للتجديد في الصياغة، واتخاذه من البديع مذهبا، بما يجر إليه مذهب كهذا من التكلف والإحالة والإسراف والإغراب في المعاني المألوفة)) (٢). وأبو تمام بصنعته تلك ملأ قلوب النقاد والأدباء، وشحن صدورهم بتساؤلات عديدة، ((وكان مذهبه ذلك مثارا لحركة أدبية نقدية كبيرة، وهكذا شأن الجديد في كل عصر، وفي كل علم وفن أن يثير الجدال، وأن يقسم الناس إلى معسكرين: معسكر ينصره، وآخر يخذله)) (٣). وكان الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٧هـ ((يرى الاحتجاج بأقوال المولدين، والقياس عليها، مستشهدًا في تفسيره بأبيات لأبي تمام؛ لأنه ـ في رأيه ـ ممن يوثق بقوله. وقد تبعه في هذا الرأي العلامة الرضي فقد استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من شرحه لكافية ابن الحاجب، كما جرى على هذا المذهب الشهاب الخفاجي في شرح درة الغواص؛ فقد استشهد بشعر المتنبي. وقد روى عن الزمخشري لما سئل في هذا أنه قال: ((أجعل ما يقوله أبوتمام بمنزلة ما يرويه))، وهويشير بهذا القول إلى أن العلماء لا يترددون في الأخذ بما جاء في حماسة أبي تمام من أشعار، وهي رواية هذا الشاعر وحده، أو هو المسئول عن صحتها، فلماذا لا نجعل ما ينظمه من شعر

стр. 10

على قدم المساواة مع ما يرويه في الحماسة، ولكن البَطْلَيَوْسِيُّ (١) يقف من هذا الرأي موقفًا معتدلا؛ فيرى أن البيت الذي سكت عنه علماء اللغة حين تناولوا شعره ولم ينكروه عليه، يلحق بما يصلح للاستشهاد به من كلام العرب)) (٢). ولقد توافر على ديوان أبي تمام عدد من الشراح، حاولوا فض مغاليق شعره، وتوضيح معانيه، وهم: [١] أبوبكر الصُّوليّ (٣)، وهومن أكثر الناس تعصبا لأبي تمام؛ ((فعد مذهبه قمة المذاهب الفنية، وسخر كل جهده للدفاع عن مذهبه))، وهوأقرب الشراح عهدًا بأبي تمام، وأول الذين وصلت إلينا شروحهم على ديوانه (٤). [٢] الآمِدِيّ (٥). وهومتهم بالتعصب على أبي تمام، وكتابه الموازنة يشهد بذلك. [٣] المَرْزُوقِيّ (٦).

стр. 11

[٤] الخَارَزَنْجِي (١). [٥] أبوالعلاء (٢). ثم جاء التبريزي (ت٥١٢هـ) وقد قرأ ديوان أبي تمام علي يد ((الشيخ أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني، الذي قرأه على عبد الكريم السكري، عن الآمدي، عن السجستاني، عن أبي سعيد السكري، عن أبي تمام؛ فروايته إذن تنتهي إلى

стр. 12

أبي سعيد السكري عن أبي تمام، وهذه أسانيد كلها موثوق بها)) (١)، ثم قام التبريزي بجمع شروح الديوان في شرح واحد، فكان يشرح البيت، وإذا نقل شرحا من شروح العلماء السابقين كان يضع قبل الشرح رمزا خاصا لمن نقل عنه: [ع] لأبي العلاء، [ص] للصولي، [ق] للمرزوقي، [خ] للخارزنجي (٢). وقد اختار الباحث شرحي أبي العلاء والتبريزي لدراسته لسببين: • الأول: أن شرحي أبي العلاء والتبريزي هما أغزر الشروح مادة علمية وأكثرها (٣). • الثاني: تداخل أقوال التبريزي مع أقوال أبي العلاء، فقد عرف عنه أنه كان ناقلا عن غيره (٤).

стр. 13

المبحث الثاني: ترجمة أبي تمام (١) اسمه ولقبه ومولده: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي، من حوران، من قرية جاسم (١)، وفي الأغاني: ((من نفس طيئ صليبة، مولده ومنشؤه منبج، بقرية منها يقال لها جاسم)) (٢). ولد أبوتمام في سنة ١٨٨هـ، أو١٩٠هـ، في أيام الرشيد، ((وكان أولا حدثا يسقي الماء بمصر (٣)، ثم جالس الأدباء، وأخذ عنهم، وكان يتوقد ذكاء، وسحَّت قريحته بالنظم البديع)) (٤). أسلم وكان نصرانيا، مدح الخلفاء والكبراء، وكان أسمر طوالا، فصيحا، عذب العبارة مع تمتة قليلة، يوصف بطيب الأخلاق، والظرف والسماحة. وكان ابن وهب قد اعتنى بأبي تمام، وولاه بريد الموصل، فأقام بها أكثر من سنة. وأبوتمام ((يعد رأس الطبقة الثالثة من الشعراء المحدثين)) (٥). ومن الألقاب التي أطلقت عليه ((الطائي الكبير)) (٦)، ((المُوَلَّد)) (٧). (٢) مكانته وشعره:

стр. 14

يعد أبوتمام رأس الطبقة الثالثة من الشعراء المحدثين، وإليه انتهت معاني المتقدمين والمتأخرين، فهو ((شاعر مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غواص على ما يستصعب منها، ويعسر متناوله على غيره)) (١)؛ فـ ((شعره في الذروة)) (٢). وكان أبوتمام ((كثير الاختراع والتوليد عند جمهور من علماء الشعر خلافا للقاسم ابن مَهْرُويه)) (٣)، ((لاقطا للمعاني الجميلة)) (٤). وقد فضَّلَ أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء من لا يشق الطاعنون عليه غباره، ولا يدركون ـ وإن جدوا ـ آثاره، وما رأى الناس بعده ـ إلى حيث انتهوا ـ نظيرا ولا شكلا (٥). واحتج بشعره بعض أئمة النحو واللغة، قال ابن جني: ((... ولا يستنكر ذكر هذا الرجل (أبي تمام) ــ وإن كان مولدًا ــ في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المتقدمون. وقد كان أبوالعباس (٦) ـ وهوكثير التعقب لجلة الناس ـ احتج بشيء من شعر حبيب بن أوس الطائي في كتابه الاشتقاق؛ لما كان غرضه فيه معناه دون لفظه، فأنشد فيه له: لَورَأَينا التَّوكيدَ خُطَّةَ عَجزٍ ... ما شَفَعنا الأَذانَ بِالتَّثويبِ [بحر الخفيف] وإياك والحنبلية؛ فإنها خلق ذميم، ومطعم على علاته وخيم)) (٧).

стр. 15

وقد كان البحتري يرفع من شأن أبي تمام، ويقدمه على نفسه ويقول: ((ما أكلت الخبز إلا به، وإني تابع له)) (١). وكان الصولي من المتيمين بأبي تمام؛ فقال فيه: ((كان واحد عصره في ديباجة لفظه، وفصاحة شعره)) (٢). وقال: ((إن أبا تمام أشعر أهل زمانه)) (٣). وقال: ((إن أبا تمام اخترم، وما استمتع بخاطره، ولا نزح ركي فكره، حتى انقطع رشاء عمره)) (٤). وقال له ذات مرة: ((يا أبا تمام، أمراء الكلام رعية لإحسانك)) (٥). وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الشاعر الأموي المشهور بعد استماعه لقصيدة لأبي تمام: ((كمل والله، لئن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واتساق الكلام، فإن صاحبكم هذا أشعر الناس)) (٦). وذكر كارل بروكلمان أن ((أبا الفرج الأصفهاني سماه أمير الشعراء، وأشاد أحمد زكي أبوشادي في كتابه: ((فوق العباب)) بقوة شاعريته، وأبدى أسفه لعدم بذل العناية الواجبة في الكشف عن نواحي عبقريته)) (٧). وكان ابن خلدون يشير إلى أهمية شعر أبي تمام لمن يروم تعلم اللسان العربي (٨). وثار جدل في أمره وأمر المتنبي أيهما أشعر، فـ ((الأذكياء على أن المتنبي أشعر، والشيخ أثير الدين مذهبه أن أبا تمام أشعر؛ فلوعُمِّر عمر المتنبي، وتأخر زمانه حتي يرى أقوال من تقدمه كان أشعر من المتنبي؛ لأن المتنبي تقدمه فحول

стр. 16

الشعراء، مثل: أبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، وأمثالهم؛ فأخذ محاسنهم، ورأى أنموذج جيدهم؛ فنسج على ذلك المنوال)) (١). (٣) مذهبه في الشعر: يقر كثير من الأدباء والشعراء أن أبا تمام كان صاحب ((مذهب)) في الشعر (٢)، وأنه قد كانت له ((فلسفة حسنة، ومذهب ليس على مذاهب الشعراء)) (٣)، قال ابن خلدون: ((وأول من أحكم الطريقة حبيب بن أوس والبحتري، فقد كانا مولعين بالصنعة، ويأتون منها بالعجب)) (٤)، وتتمثل بعض جوانب هذا المذهب وتلك الصنعة في ((أن أبا تمام أخذ نفسه باستعمال البديع، وأكثر منه؛ فجاء بالنادر والمستكره، وهذا معلوم من مذاهبه في أشعاره)) (٥). وأكثر أبوتمام من صور البديع إلى درجة الإسراف؛ ويروى أن يعقوب الكندي لما رأى كد أبي تمام ذهنه في تحلية شعره بالمعاني والبديع قال فيه: ((هذا رجل يموت قبل حينه؛ لأنه حمل على كيانه بالفكر)) (٦). وأنكر الجرجاني في أسرار البلاغة، والمرزباني في الموشح على أبي تمام كثرة استعمال الغريب المصدود عنه من الكلمات وأسماء الأمكنة (٧)، ونقل ((ابن قتيبة (في عيون الأخبار ٢/ ١٦٥) أن أبا تمام هجا يوسف السراج المصري باستعمال الغريب

стр. 17

في غير موضعه، حتى إن زهيرا لونبش عنه المقابر لصرخ بالعويل والنحيب، وأن كلامه أقرب إلى تفسير بُقْرَاط الطبيب منه إلى الشعر؛ (...) وأبوتمام بلغ به نبو الذوق أن وصف حبيبته بصفات لم يجتمع أمثالها في موطن لولا صفات في كتاب الباه)) (١). ونرى أن ما اتُّهم به أبوتمام، وأخذه عليه النقاد من استعماله للبديع، واستعماله الغريب المصدود عنه من الكلمات والأسماء والأمكنة كان فيه الخير الكثير للغة؛ فقد اضطر الشارحون للديوان إلى تجنيد كل ثقافتهم، لا أقول اللغوية فقط بل الفقهية والفلسفية والتاريخية والجغرافية والصوتية والنباتية والبلاغية لشرح شعر أبي تمام؛ ففازت اللغة بشروح قيمة مفيدة وممتعة، والمتأمل في الشروح اللغوية للديوان يخرج بمادة صرفية ونحوية ودلالية قيمة. (٤) مؤلفاته: حينما انتشرت نزعة التجديد في الشعر على عهد العباسيين؛ تغير ذوق الأدباء؛ فلم يعد أحد يطيق الصبر على قراءة القصائد الطوال، بل اكتفوا بتذوق القطع المختارة؛ فظهرت اختيارات كثيرة لتلبية هذه الرغبة، مرتبة على معاني الشعر، وأقدم هذه الاختيارات ما جمعه أبو تمام. واقتصر اختياره على شعراء الجاهلية وصدر الإسلام (٢). وهذه الاختيارات ـ المعروفة الآن بكتاب الحماسة ـ هي ((السبب الأساسي في مجد أبي تمام وشهرته، حتى قال شارحه التبريزي: إن أبا تمام في حماسته أشعر منه في شعره)) (٣). وجمع منافس أبي تمام البحتري (المتوفي ٢٨٤هـ) مختارت سميت أيضا الحماسة ((ولم تنل حماسة البحتري هذه من الذيوع والنجاح ما نالته حماسة أبي تمام)) (٤). ويذكر الذهبي أن له أيضا كتاب ((فحول الشعراء)) (٥).

стр. 18

(٥) وفاته: تشير بعض المصادر إلى أن أبا تمام مات وهولم يتجاوز الأربعين بعد (١)، ونقل الذهبي أنه قيل: عاش نيفا وأربعين سنة (٢). ومات في ((جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقال مخلد الموصلي: مات في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأما نفطوية وغيره: موته بسامراء في سنة ثمان وعشرين ومائتين)) (٣). وأضاف بروكلمان: سنة ٢٢٩هـ أو٢٣٦هـ (٤). *********

стр. 19

المبحث الثالث: ترجمة أبي العلاء . (١) اسمه ومولده ومنشؤه: هو: ((الشيخ العلامة، شيخ الآداب، أبوالعلاء، أحمد بن عبد الله بن سليمان ثم التَّنُوخي (١)، المعري الأعمى، اللغوي، الشاعر، صاحب التصانيف السائرة)) (٢). ولد بمعرة النعمان من أعمال حلب سنة ((ثلاث وستين وثلاثمائة)) (٣). وبيت أبي العلاء من بني سليمان بن داود بن المطهر، سليل الساطع، ((وهوبيت علم وفضل ورياسة)) (٤)، وفيهم يقول ابن العديم مؤرخ حلب: ((وأكثر قضاة المعرة وفضلائها وشعرائها وأدبائها من بني سليمان)) (٥). في هذا البيت الكريم الماجد، ولد أبو العلاء، ومن تلك السلالة المعرقة في الفضل والعزة والعلم والأدب تلقى ميراثه. كان عجبا في الذكاء المفرط والحافظة، لا يكاد ينسى شيئا مما يمر بسمعه (٦)، وقال الشعر في حداثته. ولما كبر أبوالعلاء، ووصل إلى سن الطلب، أخذ العربية عن قوم من بلده، كبني الكوثر، أو من يجري مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وقيد اللغة عن أصحاب ابن خالويه أيضا. وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك؛ فرحل إلى

стр. 20

طرابلس الشام، وكانت بها خزائن الكتب قد وقفها ذوواليسار من أهلها (١)، ثم رحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، أقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده؛ فأقام ولزم منزله إلى أن مات (٢). (٢) مكانته وفضله: كان غزير الفضل، شائع الذكر، وافر العلم، غاية في الفهم، عالما باللغة، حاذقا بالنحو، جيد الشعر، جزل الكلام، شهرته تغني عن صفته، وفضله ينطق بسجيته (٣)، قال الإمام الذهبي: ((ولو تكسب بالمديح؛ لحصَّلَ مالا ودنيا؛ فإن نظمه في الذروة، يعد مع المتنبي والبحتري)) (٤). وقال الباخرزي [في دمية القصر]: ((أبوالعلاء ضرير ما له ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، قد طال في ظل الإسلام آناؤه، ولكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره، والله العالم ببصيرته والمطلع على سريرته)) (٥). ولما عاد إلى المعرة في سنة أربعمائة لازم منزله، وشرع في التصنيف، وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق (...) وكاتبه العلماء والوزراء والفضلاء، وأهل الأقدار، واختاروا عليه التصنيفات؛ ففعل، وكان نادرة زمانه (٦). كان يملي تصانيفه على الطلبة من صدره، وقال فيه تلميذه التبريزي: ((أفضل من قرأت عليه أبوالعلاء)) (٧). (٣) ثقافته وعلمه:

стр. 21

(أ) إجادته للغة: كان أبوالعلاء عالما باللغة حافظا لها، أخذ اللغة عن أبيه، وعن قوم من بلده، كبني الكوثر، أو من يجري مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وكان عنده من الطلبة من يطالع له التصانيف الأدبية، لغة وشعرا وغير ذلك (١)؛ وكان نتيجة كل هذا أن كان إليه ((المنتهى في حفظ اللغات)) (٢)، قال عنه ياقوت: ((كان عالما باللغة، حاذقا بالنحو)) (٣)، وقال صاحب الوافي بالوفيات: ((كان اطلاعه على اللغة وشواهدها أمرا باهرا)) (٤). وأورد صاحب إنباه الرواه أن الخطيب التبريزي قرأ نسخة من كتاب ((إصلاح المنطق)) على أبي العلاء، وطالبه بسنده متصلا؛ فقال أبوالعلاء: ((إن أردت الدراية فخذ عني ولا تتعد، وإن قصدت الرواية فعليك بما عند غيري))، ويعلق صاحب الإنباه على هذا بقوله: ((وهذا القول من أبي العلاء يُشعر أنه قد وجد من نفسه قوة على تصحيح اللغة، كما وجدها ابن السكيت مصنف الإصلاح، وربما أحس من نفسه أوفر من ذلك؛ لأن ابن السكيت لم يصادف اللغة منقحة مؤلفة، قد تداولها العلماء قبله، وصنفوا فيها وأكثروا، كما وجدها أبوالعلاء في زمانه)) (٥) وقد بلغ من مكانة أبي العلاء في اللغة أنه كان يصحح بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض الأعلام؛ يروي صاحب ((التنبيه)) على الأمالي أن أبا على القالي أنشد: وَإِذا دَعَت قمريّةٌ شجنًا لها ... [بحر الكامل] فقال صاحب ((التنبيه)):

стр. 22

((.. وكذلك أنشده أبوتمام ﵀ في اختياراته، وأخبرني غير واحد عن أبي العلاء ﵀ أنه كان يرد هذه الرواية ويقول: إنها تصحيف وكان ينشده: وإذا دعت قمرية شجِبًا لها بكسر الجيم والباء بعدها؛ يعني: فرخها الهالك، وهوالهديل، وأخلق بهذا القول أن يكون صحيحا؛ والحق أحق أن يتبع)) (١). ومما ورد في نقده لكبار علماء اللغة نقده للخليل نفسه، حيث قال: ((وفي كتاب ((العين)) أن: ((النعمان)) الدم، وأن الشقائق مضافة إليه، وليس بشيء)) (٢). (ب) ثقافته الموسوعية: إذا حاولنا أن نتتبع ثقافة أبي العلاء بشيء من الإجمال من خلال دراسة الباحث لشرحه على الديوان نفسه فإننا يمكن أن نقول: كان أبوالعلاء يعلم أي الأساليب النحوية والصيغ صرفية شائع في كلام العرب، وأيها غير شائع، وأي التعبيرات ورد في اللغة والشعر، وأيها لم يرد. وبالنسبة للألفاظ كان يعلم: • ما أصله عربي أوغير عربي. • المبتذل منها وغير المبتذل. • أيها أخذ منه فعل أم لا، وأيها نطق به أم لا. • المذكر منها والمؤنث وما يغلب عليه التذكير والتأنيث. • الفصيح من غير الفصيح. • الألفاظ المصاحبة لألفاظ معينة دون غيرها، أو المصاحبة لسياق معين دون غيره. ونضرب لذلك أمثلة:

стр. 23

[١] قوله: ((وأفصح الكلام أن يقال: أرتجَ البابَ، إذا أغلقه، وقد حكى: رَتَجَ، بغير همز؛ وإذا صح أنهم قالوا: رتَجَ؛ فمُرْتَتِجٌ منه؛ لأنهم قلما يستعملون في أفعَل مُفتَعِلا)) (١). [٢] ونحوقوله: ((قال أبوالعلاء عند شرح أبي تمام: وَأَنَّ غَيرَكَ كانَ استَنزَلَ الكَذَجا [بحر البسيط] ؛أي استنزل أهل الكذج، وهذا على حذف المضاف وهوشائع في كلامهم كثير)) (٢). [٣] ونحوقوله: ((يقال: ظن أن سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) (٣). [٤] ونحوقوله: ((وأشبه الأمر بالطائي أن يريد بـ: (الحلائب) جمع حَلْبة من الخيل، جمعها على (فعائل)، كأن الواحدة حَلِيبة؛ إلا أن ذلك غير مشهور)) (٤). [٥] ((والخُبَّاث: جمع خابث، والمستعمل: خبيث)) (٥). [٦] ونحوقوله: ((.. تَسحبنَا: استطالتنا؛ كأنه من السَّحْب، والتَّسحُّب كلمة مبتذلة)) (٦). [٧] ونحوقوله: ((وبعض الناس يدعي أن أول من قال: (حَمِيَ الوطيس) النبي ﷺ ، وما أحسب هذا إلا وهمًا؛ لأن الوطيس قد كثر في الشعر القديم)) (٧). [٨] ونحوقوله: (((قرطستُ عشرا): مأخوذ من قرطس الرامي في الهدف إذا أصاب القرطاس، وهذه الكلمة كالمولدة، فأما القرطاس فقد تكلموا به قديما، ويقال إن أصله غير عربي)) (٨).

стр. 24

[٩] ونحوقوله: ((لا يوجد في الشعر القديم (إِمراته)؛ إلا أن القياس يطلق ذلك، وهذه اللفظة نادرة)) (١). [١٠] ونحوقوله: (((الفأل): قد استعمله مذكرا، وقد ادعى بعض الناس أنه مؤنث، والتذكير أشهر)) (٢). [١١] ونحوقوله: ((أكثر ما يستعمل في (الوقف) أحبسته فهومُحبَس، وقد حكى حبستُه، ولولم يقع له حبست في استعمال قديم لجاز على الاستعارة)) (٣). [١٢] ونحوقوله: (((دلوث): مثل دلاث، وهي الجريئة على السير، وقلما يقولون في صفة الناقة دَلُوث، وإنما يقولون دلاث)) (٤). [١٣] ونحوقوله: (((والسدس): جمع سَديس، ولا يستعمل ذلك في الخيل، ولكن في الإبل)) (٥). [١٤] ونحوقوله: قال أبوتمام: لا يَطرُدُ الهَمَّ إِلّا الهَمُّ مِن رَجُلٍ ... مُقَلقِلٍ لِبَناتِ القَفرَةِ النُّعُبِ [بحر البسيط] ((الهم الأول ما يجده الرجل في صدره مما يوجب رحيله، والهم الثاني: الهمة، وأصلهما واحد، إلا أنهم استعملوا الأول فيما يكره، واستعملوا الثاني فيما يحمد)) (٦). - كما كان أبو العلاء عالما بلهجات العرب واللغات المحيطة بهم: ويمكن أن نعطي أمثلة، فنقول: [١] قال أبوتمام:

стр. 25

عَطايا هِيَ الأَنواءُ إِلّا عَلامَةً ... دَعَت تِلكَ أَنواءً وَتِلكَ مَواهِبا [بحر الطويل] قال أبوالعلاء: ((بعض المتأدبين ينشد هذا البيت (دُعَت) على معنى: دُعِيَتْ؛ يذهب إلى أنها لغة طائية، وما يجب أن يكون الشاعر قال إلا دَعَت، بفتح الدال)) (١). [٢] ونحوقوله: ((وسكن الهاء في (مهْراق) على لغة من قال أَهْرقتُ، ومن قال: هَرَقتُ يقول: مُهَرَاق)) (٢). [٣] ونحوقوله: (((وَلِعَ) ولَعًا، وهولغة في أُولِعَ والاختيار أُولِعَ)) (٣). [٤] ونحوقوله: قال أبوتمام: مِن عَهدِ إِسكَندَرٍ أَوقَبلَ ذَلِكَ قَد ... شابَت نَواصي اللَيالي وَهيَ لَم تَشِبِ [بحر البسيط] قال أبوالعلاء: ((وبعض الناس ينشد: (من عَهْد إسكندرا)؛ فيثبت في آخره ألفا، وذلك من كلام النبط (٤)؛ لأنهم يزيدون الألف إذا نقلوا الاسم من كلام غيرهم؛ فيقولون: خمرا، يريدون الخمر، وعمرا يريدون عمرو)) (٥). - كما كان ملما بثقافة تاريخية واسعة، سواء: ما تعلق منها بالسيرة النبوية (٦)، أوأيام العرب (٧)، أوغيرهما (٨).

стр. 26

- كان على علم بثقافة فقهية وكلامية، وما يتعلق بالفرق المختلفة، وما يتعلق بالفلك وغيره (١). - كان خبيرا بعادات العرب، وحياتهم (٢)، وأمثالهم (٣)، وطبيعتهم (٤)، وحيواناتهم (٥)، ونباتاتهم (٦)، هذا بالإضافة إلى عادات غيرهم وقصصهم (٧) , كما كان عالما بالأنساب (٨)، وأسماء المواضع (٩)، والحصون (١٠)، والقبائل (١١). (٤) رواية أبي العلاء للقراءات والحديث: نشير هنا إلى علاقة أبي العلاء بالقراءات القرآنية والحديث لارتباط ذلك ـ من بعض الجوانب ـ بالمنهج الذي سلكه أبوالعلاء في شرحه لديوان أبي تمام، وهنا نذكر أن الإمام الذهبي قال: ((قال السلفي: وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر ـ أي:

стр. 27

أبو العلاء ـ، والأدب الباهر، والمعرفة بالنسب، وأيام العرب، قرأ القرآن بروايات، وسمع الحديث على ثقات)) (١) , وقال فيه أيضا: ((سمع جزءا من يحيى بن مسعر، رواه عن أبي عروبة الحراني)) (٢). ومما يشهد لذلك أن أبا العلاء أشار إلى بعض القراءات أثناء شرحه إشارات توحي بمدى علمه بها، وتمكنه منها. ومثال ذلك قوله عند قول أبي تمام: ثانيهِ في كَبِدِ السَماءِ وَلَم يَكُن ... لاثنَينِ ثانٍ إِذ هُما في الغارِ [بحر الكامل] ((... ((لاِثنَينِ ثانٍ)): ردىء عند البصريين؛ لأنه جاء بالمنصوب في لفظ المخفوض، وذلك عند الفراء لغة للعرب، وإن رويت ((ثانِيَ)) بفتح الياء من غير تنوين فهوضرورة أيضا. وإن أثبت التنوين، وألقيت عليه حركة الهمزة في ((إِذْ)) ـ وهومذهب وَرْش في القراءة ـ فلا ضرورة فيه)) (٣). وقال أيضا عند قول أبي تمام: قَمَرٌ تَبَسَّمَ عَن جُمانٍ نابِتٍ ... فَظَلِلتُ اَرمُقُهُ بِعَينِ الباهِتِ [بحر الكامل] ((... وقوله: ((باهت)) الأفصح عندهم بُهِتَ، وقد حكي ((بَهَتَ))، وقرأ بعضهم: ﴿فبَهِتَ الذي كفر﴾ (٤))) (٥). وأشارت بعض المصادر الأخرى إلى أن الخطيب التبريزي قد قرأ على أبي العلاء كتاب ((غريب الحديث)) سنة خمس وثمانين وثلاثمائة الذي قام بتهذيبه (٦). وقد استشهد أبوالعلاء ببعض الأحاديث النبوية أثناء شرحه (٧).

стр. 28

ونقصد من إثبات علاقة أبي العلاء بعلم الحديث والقراءات أن نوضح أن أبا العلاء قد تأثر بمنهج المحدثين وعلماء القراءات في توثيق الرواية عند شرحه لديوان أبي تمام، وهذا ما سنوضحه في الباب التالي، إن شاء الله. (٥) إلمام أبي العلاء بشعر أبي تمام: المتأمل في شرح أبي العلاء لشعر أبي تمام يلحظ لأي مدى كان أبوالعلاء متمكنا من شعره، هذا التمكن الذي ظهر في أقوال لأبي العلاء، مثل: ((وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الذي تقدم ذكره)) (١)، وقوله: ((وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الأول)) (٢)،وقوله: ((وهويشبه مذهب أبي تمام في الصنعة)) (٣). وأبوالعلاء يعترف لأبي تمام بالتبحر في رواية الشعر، وهذا ما يظهر في ثنايا كلامه عنه أثناء شرحه يقول: ((... إلا أن المعروف من كلام العرب تأيَّيْتُ، ولم يجئ في أشعارهم أيَّيْت؛ ويجوز أن يكون أبوتمام سمعها في شعر قديم؛ لأنه كان مستبحرًا في الرواية)) (٤). وتتمثل جوانب تمكن أبي العلاء من شعر أبي تمام في الجوانب التالية: (أ) وقوفه على الخصائص الأسلوبية لشعره: خصائصه في تركيب جملته، خصائصه في البنى اللفظية، خصائصه في تركيب لغته الشعرية. وفيما يلي بعض الأمثلة: [١] قال أبوالعلاء عند شرح قول أبي تمام: إِن يَكُن رَثَّ مِن أُناسٍ بِهِم كا ... نَ يُداوى شَوقي وَيَسلُسُ ريقي [بحر الخفيف]

стр. 29

((ولم يأت لـ (إنْ) في هذا البيت جواب؛ ولم تجر عادة الطائي بذلك)) (١) [٢] ونحوقوله: ((... وإن صح أن الطائي قال: (أسايله) بالهاء، فله معنى صحيح، يستحسن على مذهب الطائي)) (٢). [٣] ونحوقوله: ((... ومن روى (دَواء) بالدال فقد صَحَّف؛ لأن مذهب الطائي في الصناعة طريق معروف)) (٣). [٤] ونحوقوله: ((يقال: جاورتهم جوارا، والجوارـ بضم الجيم ـ اسم، والأحسن على مذهب الطائي أن تخفف همزة جؤار، وتجعل واوا)) (٤). [٥] ونحوقوله: ((الأشبه بصناعة الطائي أن يكون (فتى) منونا)) (٥). [٦] ونحوقوله: قال عند شرح قوله: عالي الهَوى مِمّا تُعَذِّبُ مُهجَتي ... أُروِيَّةُ الشَّعفِ الَّتي لَم تُسهِلِ [بحر الكامل] ((وبعضهم يروي (مما ترقص هامتي) ... وهذه الرواية أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يؤثر الاستعارة)) (٦). [٧] ونحوقوله: ((ومذهب الطائي أن يستعمل اللفظة على معنى الاستعارة)) (٧). [٨] ونحوقوله: ((قوله (مضيء المقاتل): الوجه أن يحمل على مذهب الطائي ويجعل من المستعار)) (٨). (ب) وقوفه على ما تفرد به الطائي من استعارات وأوصاف، نحو:

стр. 30

[١] ((استعار (السمن) للأحساب، وهي استعارة قديمة. وقابل سِمَن الحسب بهزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي، إلا أن يكون شيئا غير مشهور)) (١). [٢] ونحوقوله: ((فأما الدهر فطويل، ما علم أن أحدا قبل الطائي وصفه بالعرض)) (٢). [٣] ونحوقوله: ((... وطرف قُلقُل؛ أي: طرف يتردد إلى المسلَّم (...).وأصل (القلقل) الكثير الحركة، ولم يستعر ذلك قبل الطائي)) (٣). [٤] ونحوقوله: ((استعار (الشُّمَّ) في صفة السحاب، وما يُعرف ذلك لأحد قبله)) (٤). [٥] ونحوقوله: ((فَرِكَتْه من فرك النساء، وهوبغضهن لأزواجهن، وما أخرج الفِرْك من الحيوان إلى غيره من الشعراء أحد قبل الطائي)) (٥). [٦] ونحوقوله: ((الخرقاء: التي لا تحسن العمل من النساء؛ فاستعار هذه الكلمة للراح، ولعلها ما وصفت بالخرق من قبل الطائي)) (٦). [٧] ونحوقوله: ((تقول العرب: حية الوادي، وحية الجبل، فأما حية الليل؛ فيجوز ألا يكون أحد استعملها قبل الطائي)) (٧). (ج) وقوفه على الألفاظ والمعاني التي تكثر في شعره: [١] ((قد تردد في شعر الطائي وشعر غيره حمدُ الجنوب؛ لأنها تجئ بالمطر، ويذمون الشمال؛ لأنها تهب في الشتاء)) (٨). [٢] وقوله: ((وقد كثر في شعره (الأُلى) بمعنى الأُول)) (٩).

стр. 31

(د) إلمامه بالروايات المختلفة للبيت: قال في بيت أبي تمام: لَقَد كانَ يَنسى عَهدَ ظَمياءَ بِاللِّوى ... وَلَكِن أَمَلَّتهُ عَلَيهِ الحَمائِمُ [بحر الطويل] ((قوله: (لقد كاد ينسى) هي الرواية الكثيرة)) (١). وفي نهاية هذه الجزئية المتعلقة بمدى إلمام أبي العلاء بشعر أبي تمام، يحب على الباحث أن يسجل ملحوظة مهمة، وهي: إن المتأمل في الجزئية السابقة يستنتج أن أبا العلاء كان على وعي تام بأن هناك خصائص أسلوبية تفرد بها أبوتمام، ميزته عن غيره من الشعراء، وهذا ما دعت إليه وأقرته النظرية الأسلوبية Stylistics (٢) ، وقريب من المقولة التي قالها الناقد الفرنسي جورج بيفون: ((إن الأسلوب هوالرجل)) بمعنى ((أن بصمته هي التي تميزه عن غيره من البشر في الحياة، وعن غيره من الكتاب والأدباء إذا كان من أهل الحرفة)) (٣)، ونكاد نميز رائحة منهج إحصائي في كلام أبي العلاء (٤)، وهوأحد المبادئ التي يعتمدها علم الأسلوب (٥). وغاية ما يرمي إليه الباحث هنا أن يقول: إن تراثنا به كثير من اللآلئ التي تحتاج من يزيح عنها ركام النسيان، ويقدمها للآخرين في ثوب قشيب. (٦) تلاميذه ومؤلفاته: لا نتوقع أن يكون رجل بقامة أبي العلاء من العلم والفضل ولا يكون له من التلاميذ وطلاب العلم من يأخذون عنه هذا العلم وهذا الفضل، فقد كان صُوَّة من صوى العلم، وعلم من أعلام اللغة.

стр. 32

وتحدثنا المصادر أنه بعد سفره إلى بغداد التي ((دخل مكاتبها وقرأ ما فيها من الأدب واللغة والفلسفة والحكمة، وعرف العلماء وحضر مجالسهم ومناظراتهم، واشترك في المجامع العلمية والأدبية الخاصة والعامة، فكان يحضر المجمع الفلسفي الخاص الذي كان يعقد يوم الجمعة بدار عبد السلام البصري)) (١). في هذه الرحلة تعرض أبو العلاء للإهانة البالغة، ولاقى من خبث حاقديه وشانئيه الكثير (٢)؛ فقرر عند عودته ملازمة داره وعدم الخروج منها، ولكن تلامذته احتالوا لكسر هذه العزلة و ((تسببوا إليه حتى دخلوا عليه)) (٣)؛ فلم تلبث دار أبي العلاء ((أن استحالت إلى مدرسة يؤمها الطلاب الكثيرون من أبعد الأقطار الإسلامية وأنآها (...) كلهم يطلب عنده العلم والأدب، ويلتمس منه المعرفة والفقه بأصول اللغة)) (٤). ومن أشهر تلامذته: ١ـ على بن المحسن بن على التنوخي القاضي. ٢ـ أبو زكريا التبريزي. ٣ـ الإمام أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأبهر. ٤ـ الفقيه أبو تمام غالب بن عيسى الأنصاري الأندلسي. ٥ـ الخليل عبد الجبار القزويني. ٦ـ أبو طاهر محمد بن أحمد الأنباري. ٧ـ نصر بن صدقة القابسي النحوي. أما مؤلفاته فقد نقل د. عبد المجيد دياب عن القفطي والذهبي أن ((أكثر كتب أبي العلاء هذه عدمت، وإنما يوجد منها ما خرج عن المعرة قبل هجم الكفار، وقتل من

стр. 33

قتل من أهلها)) (١). وقد جمع د. دياب من مصادر مختلفة المؤلفات التي أملاها أبو العلاء، والتي بلغت ٨٩ كتابا، وقدمها في ثبت، ومن أهمها: ١. رسالة الغفران والملائكة. ٢. الصاهل والشاحج. ٣. كتاب إسعاف الصديق، يتعلق بكتاب الزجاجي المعروف بـ ((الجمل)). ٤. كتاب التصريف، ذكره ابن قاضي شهبة في طبقات النحاة واللغويين. ٥. كتاب تعليق الجليس، وهو مما يتصل بكتاب ((الجمل))، للزجاجي. ٦. كتاب تفسير أمثلة سيبويه وغريبها. ٧. شرح كتاب سيبويه. لم يتمه. ٨. ظهير العضدي، كتاب في النحو يتصل بالكتاب المعروف بـ ((العضدي)). ٩. كتاب عون الجمل، يتصل بكتاب الزجاجي. ١٠. كتاب غريب ما في جامع الأوزان والقوافي. (٧) وفاته: عندما عاد أبوالعلاء من بغداد إلى بلده معرة النعمان أقام بها إلى حين وفاته في الثاني من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين (٢)،وعاش ستا وثمانين سنة (٣). المبحث الرابع: ترجمة التبريزي (١) مولده ومنشؤه وطلبه العلم: هو: أبوزكريا يحيي بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن بسطام الشيباني، الخطيب، التبريزي، أحد الأعلام (٤). وذكر ياقوت في معجم الأدباء: ((أبوزكريا بن الخطيب التبريزي، وربما يقال له الخطيب وهو وهم)) (٥).

стр. 34

ولد سنة إحدى وعشرين وأربعمائة (٤٢١هـ ــ١٠٣٠م) (١)، بتبريز، ونشأ ببغداد. سافر في طلب العلم إلى الأقطار، وقرأ على: عبد القاهر الجرجاني، والحسين بن الحسين بن سهيل البيضاوي؛ وبالبصرة على الفضل بن محمد بن علي ابن الفضل القصباني، وببغداد على الحسن بن محمد بن على بن رجاء بن الدهان، وسمع بها الحديث، وكتب الأدب على هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي، ومحمد بن محمد بن المظفر بن عبد الله بن السراج، وعبد الكريم بن محمد بن عبد الله السناري وأبي الطيب الطبري، وأبي القاسم التنوخي، وأبي محمد الجوهري وغيرهم. وسمع الحديث من الفقيه سُليم بن أيوب الرازي، وأبي بكر الخطيب (البغدادي)، وقيل إنه دخل مصر وأخذ عن ابن بابشاذ النحوي (٢) وغيره اللغة ثم رجع إلى بغداد (٣). (٢) رحلته إلي أبي العلاء: لازم التبريزي أبا العلاء المعري بالمعرة وأقام عنده سنين (٤)، وقرأ عليه كثيرا من مصنفاته (٥). ويروي القفطي أن ((سبب خروجه إلى أبي العلاء أنه حصلت له نسخة لكتاب الأزهري في عدة مجلدات لطاف؛ وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن عالم باللغة؛ فَدُلَّ على أبي العلاء، فجعلها في مخلاة، وحملها على كتفه بتبريز إلى المعرة، ولم يكن له ما يستأجر به مركوبا؛ فنفذ العرق من ظهره إليها. وقيل: إنها ببعض

стр. 35

الوقوف البغدادية، وأن الجاهل بخبرها إذا رآها يظن أنها غريقة، وليس الذي بها إلا عرق يحيي بن علي)) (١). وقد شرح التبريزي ديوان سقط الزند لأبي العلاء. (٣) علمه وفضله: كان التبريزي ((أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب، حجة صدوقا ثبتًا)) (٢)، كانت له ((معرفة تامة بالأدب والنحو واللغة)) (٣)، فهو ((أديب، نحوي، لغوي، عروضي)) (٤). وصفه الإمام الذهبي بقوله: ((إمام اللغة (...) أحد الأعلام)) (٥)، وقال عنه الصفدي: ((كان إماما في اللغة، حجة في النقل، إماما في النحو، صدوقا ثبتا، انتهت إليه الرئاسة في فنه، وشاع ذكره في الأقطار، وروى كثيرا من شعره ومروياته ومصنفاته، ويسيرا من الحديث، وروى عنه أبو بكر الخطيب وهو من شيوخه)) (٦). وعندما عاد إلى بغداد ((تصدر بها، وروى بها عنه الجم الغفير، وتأدب به عالم كثير)) (٧). كتب بخطه كثيرا من كتب الأدب ودواوين الأشعار، و ((ولي تدريس الأدب بالنظامية وخزانة الكتب بها؛ وتخرج به خلق كثير)) (٨). ومما يشهد لإمامة التبريزي في اللغة والنحو ما جاء في شرحه على ديوان أبي تمام، حيث يشير هذا الشرح إلى ثقافة موسوعية تتمثل في معرفته بـ: - أي الألفاظ مستعمل، وأيها غير مستعمل، وأيها كثير الاستعمال، وأيها قليل.

стр. 36

- والألفاظ التي تأتي مصاحبة للفظة معينة أو لحقل دلالي معين، أو لسياق معين، والألفاظ التي لها فعل مستعمل والتي ليس لها. - والألفاظ التي لها أصل عربي والتي ليست عربية الأصل. - وأي الأوزان الصرفية قليل الاستعمال وأيها كثير. فمن أمثلة المستعمل وغير المستعمل ما يلي: [١] ((يقال: رثَّ الشيء وأرَثَّ وأرَثَّ أكثر)) (١). [٢] ونحوقوله: ((أصل (الوادي) من قولهم: وَدَى، إذا سالَ، ثم أهملوا هذه الكلمة فلم يستعملوها إلا في وَدَى البائل)) (٢). [٣] ونحوقوله: ((قولهم: (أدهم فيه كُمْتَةٌ) لم يستعملوا مثله؛ لأنهم لم يقولوا أدهم كميت)) (٣). [٤] ونحوقوله: (((الأروع) الذي يروعك من جماله، ولا يقولون: امرأة روعاء، وقالوا: مهرة روعاء، وكذلك الناقة، ولم يقولوا للذكر أروع)) (٤). [٥] ونحوقوله: (((الكذج): كلمة لم تستعملها العرب، ولا استعملت الكاف والذال والجيم فيما يعرف من الثلاثي)) (٥). [٦] ونحوقوله: (((ولوع): بناه على ولَع يَوْلَعُ، والمستعمل في الأكثر أولع بالشيء، والرجل مولع، ولكن وَلِعَ جائزة، ولا يقولون الرجل والع بكذا؛ لأنهم استغنوا بالمولع)) (٦).

стр. 37

[٧] ونحوقوله: ((يتفق في كلام العرب أشياء تستعمل في موضع دون موضع، من ذلك أنه يكثر في كلامهم: تغلب ابنة وائل، ولا يقولون: نمير ابن عامر، ولا كلاب ابنة ربيعة، ولو قيل ذلك لجاز)) (١). ومن أمثلة الألفاظ التي تأتي مصاحبة للفظ أولحقل دلالي أوسياق معين: [١] ((والذنابى مثل الذَّنب، وأكثر ما يستعمل في الطير، وقد استعمل في غيرها)) (٢). [٢] ونحوقوله: ((العيس: جمع أعيس، وعيساء، وهي الإبل التي يعلو بياضها شقرة، وقلما يخرجونها إلى غير ذلك)) (٣). [٣] ونحوقوله: ((ولا يستعمل (الرِّفَدُ) في معنى (الرِّفْد)، كأنها جمع رِفْدة، وإنما تستعمل الرِّفَد في الجماعات من الناس، وما يترافد من القول)) (٤). [٤] ونحو قوله: ((أصل اللَّبُوس اللِّباس، واللَّبُوس واللِّبس واحد، إلا أنهم كثر استعمالهم اللَّبُوس في الدروع)) (٥). [٥] ونحو قوله: ((الوخد من سير الإبل، وقلما يستعمل في غيرها)) (٦). [٦] ونحو قوله: ((حثاثا: أي نوما قليلا، ولا تستعمل إلا في النفي)) (٧). [٧] ونحو قوله: ((أصل أحد أن يستعمل في النفي؛ فيقال: ما جاءني أحد، ولا رأيت أحدا، ولا مررت بأحد. ويقبح أن نقول: جاءني أحد، والعرب خصت النفي بأشياء لم تستعملها في غيره)) (٨).

стр. 38

[٨] ونحوقوله: ((لُمَة محذوفة اللام، ولا يستعمل منها فعل)) (١). ومن أمثلة الأوزان القليلة الاستعمال أوالكثيرة: [١] ((ولما بنى الفعل من القلنسوة قال: قَلْنَس؛ فأثبت النون، و (فَعْنَل) بناء قليل)) (٢). [٢] ونحوقوله: (((التنائف) جمع تنوفة وهي القفر من الأرض، ولم يستعملوها إلا بالزيادة، ولم يقولوا: التَّنْفَ)) (٣). [٣] ونحوقوله: (((بِهرام) عندهم المريخ، وبعض الناس يقوله بفتح الباء، ولا يخرجه إلى أمثلة العرب؛ لأن فَعْلالا في المضاعف قليل جدا)) (٤). [٤] ونحوقوله: ((.. ولفظ (المُؤْيِد) جاء على غير ما يجب في الأكثر؛ لأنه أُخذ من الأَيْد، فهذا المثال يعتل في مُفْعِل إلا حروفا جاءت نوادر، مثل قولهم: امرأة مُغْيِل؛ إذا أرضعت الغَيْلَ)) (٥). [٥] ونحوقوله: ((وأكثر ما تستعمل العرب (الوساوس) بغير الياء)) (٦). [٦] ونحوقوله: ((وأكثر ما تستعمل الأمانيّ مشددة)) (٧). [٧] ونحوقوله: ((والهمز أكثر في كلام العرب)) (٨). ومن الأمثلة على معرفته بأصل الألفاظ: [١] ((يقال: مَنجنيق، ومِنجنيق، بفتح الميم وكسرها، وليست هذه الكلمة بالعربية في الأصل)) (٩).

стр. 39

[٢] ونحوقوله: (((الكَذَجات) جمع الكَذَج، وليست هذه الكلمة بالعربية)) (١). [٣] ونحوقوله: ((يقال: عيش خُرَّم؛ أي: واسع، ويجوز أن تكون الكلمة غير عربية في الأصل)) (٢). إلمامه بالقراءات القرآنية، والبيئات اللغوية المختلفة: من ذلك قوله: ((الأجود في الوصل أن تحذف الألف من (أنا) وقد جاء إثباتها، وكان محمد بن يزيد يتشدد في إجازته، وغيره يجعله من الضرورات، وقد روي إثباتها عند نافع المدني)) (٣). وقوله: ((يقال: عَقِدُ الرمل، وعَقَدَهُ، وهوما يُعْقَدُ منه، والذين يسكنون نجدا ونحوها يقولون: عَقْد الرمل)) (٤). وقوفه على طرائق العرب في التعبير ومذاهب الشعراء في صنعتهم: من ذلك قوله: قال أبوتمام: يا رُبَّ يَومٍ تَلوحُ غُرَّتُهُ ... ساطِعِ صُبحِ المَعروفِ مُنصَدِعِه [بحر المنسرح] ((وصفَ اليومَ بأنه ((ساطع صبح معروفه)) على طريقة العرب في قولهم: ليل نائم)) (٥). ومنه قوله: قال أبوالعلاء عند قول أبي العلاء: مَتى ما تَسْتَمْحِها السَّيْرَ تُترِع ... لَنا سَجلَ الذَّمِيلِ إِلى العَراقي [بحر الوافر] ـ ((استعار (الاستماحة) وهي طلب العطاء، واستعار للذميل سَجْلا، والعرب تكثر استعارة السجل والدلو)) (٦).

стр. 40

ومن ذلك قوله: ((الشعراء تجترئ على زيادة الباء مع (أن) وغيرها، إلا أنها مع غيرها أقل)) (١). ـ وكقوله: ((و (الحيازم): أراد الحيازيم، فحذف الياء، وإنما الواحد حيزوم، وحذف هذه الياء في الجمع يجترئ عليه الشعراء كثيرا)) (٢). ـ وكقوله: ((الرسيس: ما يجده الإنسان في قلبه من حزن أوهوى ... وهذا المعنى يتردد في أشعار المتقدمين والمحدثين)) (٣). ـ وكقوله: ((والخوامس: من الإبل التي ترد الخِمْس، وهي أن ترد يوما وترعى ثلاثة ثم ترد في اليوم الخامس، وتردد الخِمْس والخوامس في أشعارهم كثير، وقلما يذكرون السدس والسبع وغيرها من الأظماء)) (٤). ـ وكقوله في قول أبي تمام: وَمَن قامَرَ الأَيّامَ عَن ثَمراتِها ... فَأَحجِ بِها أَن تَنجَلي وَلَها القَمرُ [بحر الطويل] ((وقال: (أن تنجلي)؛فسكن الياء على معنى الضرورة، وقد كثر مجيء ذلك في الشعر)) (٥). (٤) إلمام التبريزي بشعر أبي تمام: كان التبريزي متمكنا من شعر أبي تمام كأستاذه، واقفا على خصائصه الأسلوبية، ويشهد لذلك التالي: ـ قال عند شرح قوله: مَضَوا لَم يُخزِ قائِلَهُم خُمولٌ ... وَلَم يُجدِب فَعالَهُمُ جُدُوبُ [بحر الوافر] ((وإن رويت (جُدُوب) بالضم، فهوأشبه بصنعة أبي تمام؛ لأنه يريد جمع: جَدْب)) (٦).
следующие страницы →