← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد اعتنى المسلمون في جميع تخصصاتهم بالقرآن الكريم أشد عناية، كيف لا وهو المصدر الأول من مصادر التشريع، وهو دستور هذه الأمة، وقد تنوعت أوجه العناية به، ومن تلك العناية ما قام به العلماء من جميع المذاهب بجمع أحكامه الفقهية بمؤلفات خاصة، مبسوطة ومتوسطة ومختصرة، وقد شرفني المولى الكريم بتأليف (بلوغ المرام من آيات الأحكام)، وقصدت به السير في ترتيب أبوابه ترتيب الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وقد بدى لي خدمة القرآن وأحكامه ببيان مآخذ تلك الأحكام المستنبطة من آيات الأحكام الواردة في مؤلفي بلوغ المرام، وكتبت هذه التعليقة أرجو من الله أن تلقى قبولاً، وتكون نافعة في بابها، وأسميتها: (فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام). ثم إن المقصود بالمآخذ هنا: هي الأصول التي أخذت منها أحكام المسائل الجزئية، وهي تشمل القواعد الأصولية، والفقهية، والمقاصدية، وجُلُّ تلك المآخذ الواردة في هذا المؤلف محصورة في القواعد الأصولية، لضرورة إظهارها، وأهمية مكانها في الاستنباط، فإن كل فقه لم يبن على الأصول فليس بفقه. والحديث عن أهمية معرفة مآخذ الأحكام مما يطول ذكره، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ودونك بعض ما قاله المحققون الأوائل في ذلك:

стр. 2

قال ابن السبكي في طبقاته: «فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمآخذ لا يكون فقيهاً إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنَّما يكون رجلا ناقلا مخبطا حامل فقه إلى غيره لا قدرة له على تخريج حادث بموجود» (١). وقال في مقدمة الأشباه والنظائر: «حق على طالب التحقيق، ومن يتشوف إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يحكم قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتمَّ نهوض، ثُمَّ يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع؛ لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها ولا ممنوع» (٢). وقال الزنجاني في مقدمة كتابه تخريج الفروع على الأصول: «ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال» (٣). وقال الإسنوي في مقدمة كتابه التمهيد: «ثمَّ إني استخرت الله تعالى في تأليف كتاب يشتمل على غالب مسائله، وعلى المقصود منه، وهو كيفية استخراج الفروع منها .... وحينئذ يعرف الناظر في ذلك مأخذ ما نص عليه أصحابنا وأصلوه، وأجملوه أو فصلوه، ويتنبه به على استخراج ما أهملوه، ويكون سلاحاً وعدة للمفتين، وعمدة للمدرسين» (٤). ويقول القرافي في الذخيرة: « … وبيَّنت مذهب مالك ﵀ في أصول الفقه؛ ليظهر علو شرفه في اختياره في الأصول كما ظهر في الفروع، ويطَّلع على موافقته لأصله أو

стр. 3

مخالفته له، لمعارض أرجح منه فيطلبه حتى يطَّلع على مدركه، ويطلع المخالفين في المناظرات على أصله» (١). وقال الغزالي في المنخول: «ولا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والاطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه، إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول» (٢). وإني لأرجو أن تتحقق لطالب العلم المطَّلع على هذا المؤلف أمورٌ منها: (١) تنمية الملكة الفقهية، والتدرب على الاستنباط والترجيح، وتفريع المسائل وبنائها على الأدلة. (٢) الكشف عن الأسس العلمية، والمناهج المختلفة في الاستنباط، التي أدت إلى اختلاف العلماء. (٣) ربط الجزئيات الكثيرة بمآخذها، مما يساعد على فهم وحفظ المسائل الفقهية.

стр. 4

كتاب الطهارة قسم العلماء كتب الأحكام إلى كتب وأبواب، أمّا الكتاب فهو كالجنس، والباب كالنوع، فكتاب الطهارة جنس، أنواعه باب المياه، باب الأنية، باب إزالة النجاسة وبيانها، باب الوضوء، باب المسح على الخفين، باب نواقض الوضوء، باب الغسل وحكم الجنب، باب التّيمم، باب الحيض، وهناك أنواع أخرى لم تذكر لعدم وقوفي على آيات أحكام تندرج تحتها. والكتاب والطهارة في الأصل مصدران أضيفا وجعلا اسمًا لمسائل من مسائل الفقه تشتمل على مسائل خاصة. وأهم مسائل الفقه هي الصّلاة، ولما كانت الطهارة شرطا من شروطها بدأ بها، وحقها إدراجها تحت شروط الصلاة في كتاب الصّلاة، ولكن قدموها لكونها هي مفتاح الصلاة، كما أن مسائلها كثيرة. والطهارة اسم مصدر، أي: طهّر تطهيرًا وطهارة، مثل كلّم تكليمًا وكلامًا. وحقيقة الطهارة: استعمال المطهرين - أي الماء والتراب - أو أحدهما على الصّفة المشروعة في إزالة النجس، أو رفع الخبث. ولما كان الماء هو المأمور بالتطهر به أصالة قدمه فقال: باب المياه الباب لغة: ما يدخل ويخرج منه قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وهو هنا مجاز، شبّه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ثم أثبتت لها الباب.

стр. 5

والمياه: جمع ماء، وأصله موه؛ ولذا ظهرت الهاء في جمعه، وهو جنس يقع على القليل والكثير؛ إلّا أنّه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم الشّرع؛ فإنّ فيه ما ينهى عنه، وفيه ما يُكره. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] و [المائدة: ٦]. استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: من شروط التّيمم - كما سيأتي - عدم وجود الماء، ويدخل فيه كل ما يطلق عليه ماء. مأخذ الحكم: ورود لفظ (ماء) في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح. قال الطّحاوي: «فإنّما أباح التّيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنّه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطًا لغيره، أو منفردًا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التّمر ماء، فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظّاهر» (١). • الحكم الثاني: ذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. ومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند كثير

стр. 6

من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله- (١). ووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا. يقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا» (٢). وقال أيضاً: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور» (٣). فمأخذه ﵀ وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع. وقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده» (٤). تنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط. فمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما

стр. 7

علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد (١). • الحكم الثالث: استدل بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه (٢). مأخذ الحكم: المأخذ السابق، أو القول إن لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم. قال القرطبي: «فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه، كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد» (٣). وكلام القرطبي يشير إلى الفرق بين الماء غير المطلق، أي: الذي يطلق عليه اسم الماء ولكن بالإضافة، كماء الورد وماء الباقلاء، وبين المائعات الّتي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا إلّا من حيث السيولة فقط، مثل: النّبيذ، والقهوة، والشّاي، واللّبن … ، وسواء كان ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر. فالأخير لا يجوز التّطهر به على خلاف في النّبيذ. قال ابن قدامة: «فصل: فأمّا غير النّبيذ من المائعات، غير الماء، كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل» (٤).

стр. 8

تنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- كما سبق. • الحكم الرابع: استدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه (١). مأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده. ومأخذ آخر: عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها (٢). ومأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم

стр. 9

واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده. وناقش البعض: صحة المأخذ السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة. يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (١). قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: مشروعية الطهارة بالماء. قال السيوطي عن الآية الأولى: «هذا أصل الطّهارة بالماء في الأحداث والنّجاسات» (٢). مأخذ الحكم: ورود لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآيتين منكرًا، والآيتان في سياق امتنان فيعم كل ماء نزل من السماء كالمطر، والثلج، والبرد، ونحو ذلك. واللام في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ لام التّعليل، والباء في قوله: ﴿به﴾ للسّببية. فامتن المولى على عباده بإنزال الماء لأجل أن يتطهروا بسببه، وهذا يؤيد أنّ معنى ﴿طَهُورًا﴾ في الآية الثانية: الّذي يفعل به التّطهير، أو خبرٌ عن التطهير به، فهو طاهر بنفسه ومطهر لغيره بالإجماع.

стр. 10

قال ابن عاشور: «ووصف الماء بالطّهور، يقتضي أنّه مطهر لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنّه مطهر لغيره اقتضاء التزامي؛ ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية» (١). فالآيتان: «معناهما واحد، وإن اختلفت تراكيب الصّيغ، لكن الألفاظ غير مقصودة لذاتها، بل لإظهار المعنى» قاله الطّوفي (٢). تنبيه: قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إشارة إلى أنقى ماء، وأطهره، إذا لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، والمعنى: أنّ الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه. وقد كان ماء المطر معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ، ولذلك يقال لهم: بنو ماء السّماء، وفي البخاري في قصّة سارة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء) (٣). قال الحافظ ابن حجر: «كأنّه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم» (٤). مما يدل على أنه لا مفهوم له مخالف، أي إن ماء غير السماء مطهر أيضاً. فائدة: اختلف العلماء هل جميع المياه مصدرها من ماء السّماء؟ فمنهم من ذهب إلى ذلك مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ

стр. 11

فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] وقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]. ذكر السيوطي أنه قد استدل بالآيتين من قال إنّ المياه كلها من السّماء وأنّه لا ماء من الأرض (١). وذهب آخرون إلى خلاف ما سبق. قال القرطبي: «توقف جماعة في ماء البحر، لأنه ليس بمنزل من السماء» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما بالاعتبار، فإنّ الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ماء وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأنّ جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء» (٣). وسواء كان ماء الأرض من السماء أو لا، قفد اتفق العلماء على طهورية كل ماء سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض. قال ابن رشد: «وأجمع العلماء على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلّا ماء البحر، فإنّ فيه خلافًا في الصّدر الأوّل شاذا» (٤). فقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على

стр. 12

خلافه، وكذا العلماء (١). والكراهية لا تنافي الجواز؛ لذا قال ابن عبد البر: «وقد أجمع العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به» (٢). • الحكم الثاني: اختلف العلماء في أقسام المياه. فذهب الجمهور إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. ومأخذ الحكم: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يدل على أنّ الطّاهر غير الطّهور، وإلّا لزم التّأكيد، والتأسيس أولى (٣). ومن العلماء من جعل الماء قسمين: ومأخذ الحكم: القول بأن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فأطلق الماء فكل طاهر منه فهو طهور، ولم يفرق بينهما. قال شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا … » (٤). وقال أيضا: «لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز

стр. 13

عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا … وهذا القول هو الصّواب» (١). تنبيه: هذا المأخذ كان سببًا في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه، وذلك لأن في خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه ولا سيما بسبب مخالطة الماء لغيره خلافاً في كثير من المسائل، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟ قلت: ويكاد يكون هذا المأخذ هو أصل هذا الباب؛ لكثرة ما يتفرع عليه، ومن ذلك. (١) أن الماء لا تفسده النّجاسة الحالّة فيه قليلا كان أو كثيرا، إلا أن تظهر فيه النّجاسة وتغيّر منه طعما أو ريحا أو لونا. قال القرطبي: «وهو الصّحيح في النّظر وجيد الأثر» (٢). وأورد في مسألة مستقلة أخرى الخلاف في الفرق بين ورود النّجاسة على الماء، وورود الماء على النّجاسة، ثم قال: «والماء لا يخلو تغيّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير، فقد أجمع العلماء على أنّه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنّه إذا تغير بغير نجاسة أنّه طاهرٌ على أصله. وقال الجمهور: إنّه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس» (٣). (٢) أنّ الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء

стр. 14

به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه، وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء (١). (٣) ما نقله القرطبي عن علمائهم بأنّه يكره «سؤر النّصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف، كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النّجاسة» (٢). ثم ذكر في مسألة أخرى الخلاف في سؤر الكلب. (٤) ما مات في الماء مما لا دم له، فلا يضرّ الماء إن لم يغيّر ريحه، فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع، لم يفسد ذلك الماء موته فيه، إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه. قال القرطبي: «وليس بنجس عند مالك»، ثم قال: «وأمّا ما له نفسٌ سائلة، فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا عند المدنيين» (٣)، يعني من أصحاب مالك، ثم ذكر الخلاف فيه. • الحكم الثالث: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. ومأخذ الحكم: ما سبق من أن اسم الماء يتناولها فيصح التطهر بها. تنبيه: المخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضربٌ يوافقه في صفتيه جميعًا - أي كونه طاهراً ومطهراً - فإذا خالطه فغيَّره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب.

стр. 15

والضرب الثاني: يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، دون التّطهير فإذا خالطه فغيَّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير، كماء الورد وسائر الطاهرات. والضرب الثالث: يخالفه في الصّفتين جميعًا، فإذا خالطه فغيَّره سلبه الصّفتين جميعًا لمخالفته له فيهما وهو النجس. • الحكم الرابع: الماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهراً لغيره؟، من العلماء من قال إنَّه مطهر لغيره. مأخذ الحكم: أنّه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، أي أنه يندرج تحت اسم الماء المطلق، فيصح التطهر به. وقيل: بل هو مطلق لا عام، فلا يصح التطهر به. مأخذ الحكم: ذكر القرافي في فروقه مدركاً وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، فقال: «وأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به» (١). وقال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛

стр. 16

لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه» (١). • الحكم الخامس: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة. استدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (٢). مأخذ الحكم هو: ما سبق من كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده. وناقش البعض: صحة الاستنباط السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة. يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (٣). وقد حرم الخبيث بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولفظ (حرم) وما تصرف منه يفيد التحريم، وهي هنا إخبار عن الحكم شرعي، ومياه الصرف الصحي وإن حصل لها تنقية فإن علة الاستخباث والاستقذار باقية باعتبار أصلها، وكونه ماءً خارجاً ومعتصرًا من البول والغائط.

стр. 17

وقد ذكر الشيخ الدكتور بكر أبو زيد عضو المجمع في علة تحريمه ما سبق وقال: ( .... فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور: الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة. الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا). الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعاً وشرعاً. ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه: فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان. ولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم التساوي … إلخ) (١). ونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس. وقال شيخ الإسلام ﵀: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا

стр. 18

القول .... وما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي ﷺ يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (١)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه) (٢). وقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعاً لآكلهِ في دينه، والخبيث ما كان ضاراً له في دينه) (٣). باب الآنية الأنية: جمع إناء، وهو معروف، وإنّما بُوِّب لها؛ لأنّ الشّارع قد نهى عن بعضها فتعلقت بها الأحكام. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] قوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لفظ «التّحريم» من الألفاظ الصّريحة الدّالة على المنع والّتي لا تحتمل معنى آخر، ولا يختلف في أن المراد بها في القرآن خاصّة هو الحظر والمنع، والمحظور: ما يذم فاعله، ويمدح تاركه. والميتة هي: ما فارقه الرّوح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكولٍ فذكاته كموته، كالسّباع وغيرها.

стр. 19

استدل العلماء بالآية الكريمة على تحريم استعمال جلد الميتة في الأواني، وبالآية على جواز ذلك. مأخذ من حرم استعمال جلد الميتة: التحريم الوارد بصيغة العموم ﴿الْمَيْتَةُ﴾، فهو مفرد محلى بأل، أو داخل على اسم جنس فيعم أجزاء الميتة من لحم أو جلد، ويعم الأكل والاستعمال. ووجه ذلك: أن الحكم المضاف للأعيان - كإضافة التحريم هنا إلى عين الميتة - لا يصح، لأن الأعيان أنفسها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأنّ الحظر منع، والإباحة إطلاق، والأعيان الموجودة لا يصح المنع والإطلاق في عينها، بل تتعلق الأحكام بأفعال، والتحريم حكم شرعي متعلق بأفعال المكلفين، فلا بد من تقدير فعل للمكلف، فقالوا إن الظاهر هو تحريم التّصرف فقالوا بعموم المضمرات هنا، فقدروا لفظ «التّصرف «أو «الاستعمال «أو «فعلكم «ليشمل جميع أفعال المكلفين من أكل أو بيع، أو شرب، أو استعمال واقتناء، وهو من عموم المعاني. ومن التصرف والاستعمال اتخاذ جلد الميتة آنية. مأخذ من أباح استعمال جلد الميتة: هو المأخذ السابق، إلا أنهم قصروا التحريم على الأكل، والأكل فعلٌ من أفعال المكلفين، والتّقدير: حرم عليكم أكل الميتة. وقالوا إن الكلام عن العموم مفروض إذا لم يقم على تعيين أحد المقدّرات، وهنا قد دلّ العرف على أن المراد بتحريم الميتة، تحريم أكلها، وهو الّذي يسبق إلى الفهم من تحريم الميتة، ويدل عليه القرينة اللفظية في سياق الآيات كقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وقرينة خارجية، وهي قوله ﷺ : (إنّما حرم من الميتة أكلها) (١).

стр. 20

وعلى القول بكونها قاصرة على الأكل فإنّه يجوز استعمال الجلد في الأواني إذا دبغ على القول بأن الدبغ مطهر للجلد، كما أن الماء طهارة الأواني من غير الجلد كالنحاس وغيره. قال الطوفي: «قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ظاهرة في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا له، من جهة أن إضافة التّحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلد غير مأكول فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي متناول لجميع أجزائها يقتضي تناول الجلد في نظرنا في قوله ﷺ : (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (١) فهو عموم، وظاهره يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظّاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التّحريم» (٢). تنبيه: من العلماء من قال بأن إضافة الحكم للعين يصيره مجملاً، والجمهور على أنّه لا إجمال في الآية؛ لأنّ المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، والعرب فهمت المراد من ظاهر ما ورد في القرآن بهذا الأسلوب. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] استدل المالكية بالآية على عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب. وبيان ذلك: أن الآية تتحدث عما يباح من صيد الجوارح، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا

стр. 21

عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ والضّمير في قوله: ﴿أَمْسَكْنَ﴾ عامّ في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فمه عملًا بالظّاهر، ولم يرد أمرٌ بغسل ما مسه لعاب الكلب، وبنى عليه المالكية طهارة لعاب الكلب؛ إذ لو كان نجسًا لحرم الأكل حتى يغسل. ولهذا تكلم العلماء عن حكم غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب. ومأخذ الحكم من الآية: لمّا لم يرد أمر بغسل ما مسّه لعاب الكلب فيما إذا صاد صيداً، فإنه يدل على طهارة لعابه؛ إذ لو كان نجسًا لبينّه الشّارع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. تنبيه: للمالكية أجوبة على حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، منها: ما ذكره ابن العربي حيث قال: «إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشّرع، هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز العمل به، وتردد مالك في المسألة»، ثم قال: «ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه»، ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب، قال: «لأنّ الحديث عارض أصلين عظيمين، أحدهما: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه! الثاني: أن علَّة الطّهارة هي الحياة، وهي قائمة في الكلب» (١). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] استنبط العلماء من الآية: جواز استعمال آنية الكفار بالأكل والشّرب والطّبخ. قال القرطبي: «ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما

стр. 22

لم تكن ذهبًا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في أجزاء قُدور الفخَّار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النّجسة للمطبوخ في القدر ثانية، فاقتضى الورع الكف عنها» (١). ومأخذ الحكم: هو أن جواز أكل طعامهم يستلزم جواز استعمال آنيتهم الّتي طبخوا بها. والحِل المقصود به في الآية الإباحة، وهو من أسماء المباح. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم. فقد أذن في هذه الآية باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، وفي الآية حكمان مستنبطان منها: • الحكم الأول: مشروعية الانتفاع بجلود الأنعام، ولم يقيِّده بالذكاة قبل الموت، ولا بالدّباغ بعد الموت، فأخذ منها بعض العلماء جواز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ. مأخذ الحكم: ورد الإذن باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، في سياق الامتنان، ومقام الامتنان يعم الانتفاع بها، سواء كان لميتة أو مذكاة إلا أن يمنع منه دليل.

стр. 23

وقيَّدها عامّة أهل العلم بجلود الأنعام المذكاة، أو بما بعد الدباغ بما ورد من أحاديث كقوله ﷺ (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (١) ودفعًا للتعارض بينها وبين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد سبق أن البعض قدَّر محذوفاً يعم مقدرات ذلك المحذوف ك (استعمال أو انتفاع). • الحكم الثاني: مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال. مأخذ الحكم: الامتنان الوارد في الآية، كما سبق. مأخذ ثان: دليل الاستلزام، فإن مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار يستلزم طهارتها، وإنّما يغسل مخافة أن يكون علِقَ به وسخٌ، وقد ورد عنه ﵊: (لَا بَأْس بمسك الْميتَة (٢) إِذا دبغ وصوفها وشعرها إِذا غسل) (٣). واستدل بعضهم بقياس العكس. قال القرطبي: «ولأنّه كان طاهرًا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أنّ اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالاً بالعكس» (٤). تنبيه: طهارة صوف مأكول اللحم ووبره وشعره حال حياته إذا جز، لا خلاف فيه بين العلماء وكذا إذا جز بعد ذكاته، والخلاف فيما إذا كان ميتة، أو كان غير مأكول اللحم. ومأخذ الخلاف هل الصوف والوبر والشعر في حكم المتصل أو المنفصل؟ ومحل ذلك كتب الفقه.

стр. 24

تنبيه ثان: الصوف والوبر والشعر قد تستعمل كأوان وهذا قليل، وغالب الاستعمال فيها إنّما هو في اللباس والفرش، وقد يستعمل كخيوط في معالجة الكسر في الإناء أو خَرْج سواء في داخل البيوت لحفظ الأغراض أو على الدّواب لحمل الأغراض وحفظها. باب إزالة النّجاسة وبيانها النجاسة عين مستقذرة شرعاً، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه. قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وكذا آية [الفرقان: ٤٨]. استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها: • الحكم الأول: تزول النجاسة بالماء بلا خلاف. قال ابن عبد البر: «وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنّجاسات، وأنّه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات» (١). وقال أيضا: «وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنّه مطهر لها» (٢). ومن العلماء من يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء (٣).

стр. 25

ومأخذ الحكم: ما سبق وهو أن لفظ (ماء) نكرة في سياق امتنان، فيعم كما أن (اللام) في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ للتعليل، والباء في قوله (به) سببية. وهذا يدل على أن الماء طهور، وهذا الوصف يختص به، ولا يتعدى إلى سائر المائعات. • الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار. مأخذ الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به (١). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخاراً أو رشحاً (٢). نوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. كما نوقش بعدم تسمية البخار ماء. وفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به» (٣). أو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخاراً حال تبخره.

стр. 26

تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة (١)، والشيخ ابن عثيمين (٢). وهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون (٣). قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] من إزالة النجاسة الاستنجاء، والاستنجاء هو: غسل أثر النّجاسة بالماء. وفي الآية مشروعية الاستنجاء بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء) (٤). وفي الآية مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء، فيشرع للمسلم أن يستجمر ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حُكي الاجماع على ذلك أيضًا، مع وجود المخالف فيها (٥).

стр. 27

ومأخذ المسألتين أن الآية سيقت مساق المدح، وأن الفعل محبوب للمولى ، وذلك للحض على مثل فعلهم، وهو الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، حيث نزلت في أهل قباء، ولما سألهم رسول الله ﷺ عن شأنهم قالوا: (إنَّا نُتبع الحجارة الماء) (١). قال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب» (٢). وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يدل على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله، لا أنّه واجب» (٣). قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] استدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، وقد أجمع العلماء على ذلك. قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثّياب والبدن، وألَّا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب» (٤). وسيأتي في باب شروط الصّلاة. ومأخذ الحكم ظاهر حيث ورد بذلك الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 28

واستدل الحنفية بالآية على عموم ما يطهر به، الماء وغير الماء، فقالوا: كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر، وهو مطهر إذا كان طاهرًا. وأجيب: بأن الغرض من الآية التعرض لأصل التطهير، لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير، وهي الماء أو غيره، فلا عموم فيها في ذلك. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] استدل بالآية على نجاسة دم الحيض، ونجاسته مجمع عليها. ومأخذ الحكم: أولًا: كونه دمًا. ثانيًا: أمرت بالاغتسال والطهارة منه بالآية، وقد ورد في حديث أسماء أنها قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه) (١). وأمر المستحاضة بقوله: (فاغسلي عنك الدّم وصلي) (٢). هذا في دم الاستحاضة ودم الحيض أشد، ولا يؤمر بالغسل إلّا من النجس. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] استدل العلماء بهذه الآية في هذا الباب على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: اتفق العلماء على نجاسة بعض الميتات. قال ابن رشد: «وأمّا أنواع النجاسات، فإنّ العلماء اتفقوا من أعيانها على

стр. 29

أربعة: ميتة الحيوان ذي الدّم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدّم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت، إذا كان مسفوحا أعني: كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه … » (١). ويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة والمترديّة والنّطيحة، وما أكل السّبع، كما سبق من أن الميتة تطلق على ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية مما يذبح، وذكرها من باب عطف الخاص على العامّ. ويدخل فيها حكمًا: ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النّصب، كما سيأتي في كتاب الأطعمة. ويبقى الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، وقد وقع الإجماع على طهارتها كما سيأتي في الآية التي تلي هذه ومأخذ الحكم هنا: يظهر بما بعده من آيات (٢)، أمّا في هذه الآية فلا يكون إلّا على القول بأنّ كل محرم نجس، وقد علل بذلك بعض الفقهاء. والصّواب أن كل نجس محرم، وليس كل محرم نجساً؛ إذ إنّ الذهب والحرير محرمان على الرّجال وليستا بنجسين. • الحكم الثاني: استدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك (٣). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من

стр. 30

النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه (١). ومأخذ الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة. مأخذ الحكم: لأنّه لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به. قال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعاً على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعاً من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل» (٢) .. والصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال ﷺ : (إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول

стр. 31

وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة) (١). قال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها» (٢). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها: • الحكم الأول: استدل العلماء بالآية على نجاسة الخمر، وحكي الإجماع على ذلك، واستدل آخرون بالآية على طهارتها. ومأخذ من قال بنجاستها: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ قال الجصاص: «اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ لأنّ الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النّجس، وهذا أيضا يلزم اجتنابه، فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها» (٣). وأما من قال بطهارة الخمر فإنه يرى أن نجاستها نجاسة معنوية وليست حسية. ومأخذ الحكم: اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذه الثلاثة ليست نجسة فكذلك الخمر، ليست نجاستها نجاسة حسيّة حقيقية؛ لأنّها اقترنت

стр. 32

بالميسر والأنصاب والأزلام، وليست أعيانها نجسة. والميسر: هو القمار. والأنصاب: هي الأصنام، وقيل: النرد والشطرنج. والأزلام: القداح. قال النووي: «واحتج أصحابنا بالآية الكريمة، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها، مع أن هذه الأشياء طاهرة؛ لأنّ هذه الثّلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام» (١). وقد قوى الشّيخ العثيمين كون الخمر نجاستها نجاسة معنويّة، وليست حسيّة بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. حيث اعتبره رجسًا عمليًا وليس عينيًا، فلا تكن هذه الأشياء بذلك نجسة (٢). واستدل ابن جزم على نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، وقال: هي نجسة، ومن صلى وهو حامل لها بطلت صلاته (٣). ومأخذه: الأخذ بظاهر الآية. • الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا. قال محمّد الأمين الشّنقيطي: « … وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به» (٤).

стр. 33

ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد. وقد دلت الآية على نجاسته بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾، والرجس هو: النّجس. نوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. قال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٩١]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية» (١). والجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم. قال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (٢).

стр. 34

كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا. قال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (١). وقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (٢). ومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور. تنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (٣) في أثرها على الطهارة.

стр. 35

ولذا تسامح بها بعضهم؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين. وقالوا: إن في القول بنجاستها حرجًا عظيمًا؛ لأن فيه تأثيماً للأمة، وإبطالاً لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (١). • الحكم الثالث: استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (٢). مأخذ الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (٣). تنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى. وقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب، وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.

стр. 36

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] استدل بالآية على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. ومأخذ الحكم: أن معنى ﴿رِجْسٌ﴾: نجس. بالإضافة إلى ما سبق نقله من إجماع على أن المذكورات في الآية من أنواع النجاسات المتفق عليها. قال ابن عبد البر: «وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنّجس رجس محرم» (١). وفي هذه الآية تقييد الدّم بالمسفوح، وقد أطلق في آية المائدة، ويجب حمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لاتحاد الحكم والسّبب، وبني عليه عدم نجاسة الدّم الذّي في العروق. باب الوضوء قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: فرضية الوضوء ووجوبه. ومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهما يقتضيان الوجوب.

стр. 37

تنبيه: كان الوضوء ثابتاً قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل ﵇ فعلّمه الوضوء (١). • الحكم الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة. لا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة، وقد قال ﵊: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (٢). ومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم. أمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟ فذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب؟. ومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوباً (٣)، كما أن الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.

стр. 38

وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك: الطريق الأول: أن بعضهم ادعى النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله ﵊ يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد (١)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن. الطريق الثاني: أنهم قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله ﷺ ، وفعله ﷺ من صوارف الأمر عن الوجوب. • الحكم الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين. قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِّجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما» (٢). ومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو يقتضي الوجوب. • الحكم الرابع: أن ما لم يذكر في الآية اعتبره بعضهم سننًا وآدابًا. ذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب. قال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله) (٣) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب

стр. 39

غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة» (١). ومأخذ الحكم هو أنّ النبي ﷺ أحال السائل إلى كتاب الله فقال: (توضأ كما أمر الله)، فدَّل على أن غيره ليس بواجب. تنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، وبعضها من الفروض، وبعضها من الشروط، استدلالاً بأدلة أخرى خارجة عن الآية. قال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلاً بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وليس فيه ما يوجب خصوصاً أو عموماً» (٢). • الحكم الخامس: اشتراط النّية. مأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية. قال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن

стр. 40

الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (١). قال ابن العربي في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ في آية [النساء: ٤٣]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسباً له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة» (٢). تنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله بعضهم من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عندهم، والنسخ لا يكون بخبر الواحد. كما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس (٣). • الحكم السادس: اشتراط الموالاة. الموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه. وقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل» (٤).
следующие страницы →