← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٣ - الساعة المرادة هي القطعة من الزمن، قد تطول وقد تقصر، إلاَّ أنَّ ساعة الجمعة هذه ساعة خفيفة ليست بالطويلة. ٤ - أخفى تعالى وقت هذه الساعة، فلا يُعلم هل هي في أول النَّهار، أو آخره، أو وسطه؟ وإخفاؤها عين الحكمة والرحمة؛ ذلك أنَّه لو عُلمَ وقتها، لما التمسها المسلمون بالعبادة والدعاء إلاَّ تلك الساعة، ولكن إخفاءها يجعلهم يلتمسون كل يوم الجمعة، عَلَّهُم يقعون عليها، فتكثر أعمالهم الصالحة، وإخفاؤها كإخفاء ليلة القدر، وإخفاء اسم الله الأعظم، ونحو ذلك من الأشياء المفضلة. ٥ - أرجى ساعة لساعة الإجابة ساعتان: إحداهما: حين يصعد الخطيب حتى تُقضى الصلاة؛ كما جاء ذلك في حديث أبي بردة، وهذا الوقت له ميزته باجتماع المصلين، والاجتماع على العبادة له أثره في إجابة الدعاء، كما أنَّ هذه الساعة هي المقصودة من يوم الجمعة، وهي التي نادى الله المؤمنين للسعي إليها. أما الساعة الثانية: ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ كما جاء ذلك في حديثي: عبد الله بن سلام، وجابر. ٦ - هذان الوقتان هما أرجى وقت لهذه الساعة الفاضلة؛ ذلك أنَّ وقت صعود الخطيب المنبر للخطبة حتى تنقضي الصلاة، هو ثمرة ذلك اليوم وزبدته، فما فضل هذا إلاَّ لهذه العبادة الجليلة، والذكر الكريم. أما بعد العصر فهو آخر النهار، وهو ختام أعمال النهار، والجوائز توزع وتُعطى في آخر العمل؛ قال ﷺ : "اعطوا الأجير أجره، قبل أن يَجف عرقه" [رواه ابن ماجه (٢٤٤٣)]. ٧ - استحباب التفرغ لهذه الساعة المباركة، والاجتهاد في ذلك اليوم، لعله يصادفها، ويقدر أنَّ كل ساعة تمر عليه في هذا اليوم وهي ساعة الإجابة.

стр. 1157

٨ - الإسلام شرط أساسي لقبول الأعمال، واستجابة الدعاء، فمهما عمل الكافر من عمل فمردود عليه؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]. ٩ - العبودية هنا لها معنى خاص، فليست العبودة العامة، وإنما هي عبودية الاتصال بالله تعالى، والالتجاء إليه، والتضرع بين يديه. ١٠ - جاء في الحديث: "يُسْتَجَابُ للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم" [رواه مسلم (٢٧٣٥)]، فالدعاء المستجاب هو المشروع في لفظه وقصده، والله أعلم. ***

стр. 1158

٣٨٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ. قال المؤلف: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف؛ وذلك لأنَّه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن بن راجح، قال أحمد: اضرب على أحاديثه؛ فإنَّها كذبٌ، أو موضوعة. قال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يُحتج به. وفي الباب أحاديث لا أصل لها، قال عبد الحق: لا يثبت في العدد حديث. وقال البيهقي: هذا الحديث لا يحتج بمثله، وضعفه ابن الجوزي. * مفردات الحديث: - مضت السنة: أي: جرت ونفذت. - فصاعدًا: يقال: بلغ العدد كذا فصاعدًا، يعني: فما فوقه فصاعدًا، منصوب على الحال، أو بنزع الخافض، فهو معطوف على لفظ "كل". * مايؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أن كل أربعين رجلاً، مقيمين بناءٍ مسماه واحد -فعليهم أن يقيموا صلاة الجمعة.

стр. 1159

٢ - مفهوم الحديث: أنَّهم إن نقصوا عن هذا العدد، فلا تقام فيهم الجمعة، بل يصلون ظهرًا. ٣ - الحديث ضعيف، ففيه عبدالعزيز بن راجح، وأحاديثه بين موضوعةٍ أو مكذوبةٍ، وقال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به، ثم لو صحَّ، فليس فيه حجة. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: هذا ساقط لا يحتج به، ولذا اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في العدد الذي به تنعقد الجمعة وتجب. فذهب الإمامان: الشافعي وأحمد إلى: أنَّها لا تقام إلاَّ باربعين رجلاً فأكثر؛ لما روى البيهقي (٣/ ١٨٠) عن ابن مسعود: "أنَّه ﷺ جمع بالمدينة، وكانوا أربعين رجلاً"، ولم يثبت أنَّه صلَّى بأقلَّ من أربعين، ولحديث الباب، وكلاهما لا تقوم به حجة. وذهب المالكية: إلى أنَّ العدد المعتبر لإقامة صلاة الجمعة هو اثنا عشر رجلاً؛ لما روى مسلم (٨٦٣) عن جابر في قصة العير القادمة، فانفضَّ الناس إليها حتى لم يبق معه إلاَّ اثنا عشر رجلاً، وهذه قضية لا تدل على العدد المذكور، وإنما هي اتفاق وصدفة لا تعتبر دليلاً قويًّا، ولكن الحديث يرد على مذهب الشافعية والحنابلة، فليس عندهم عليه جواب صحيح. وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى: أنَّ أقلَّ الجمع في الجمعة ثلاثة رجال، سوى الإمام؛ لأنَّ الثلاثة هم أقل الجمع الصحيح، والجمعة مشقة من التجمع. واختار جماعة منهم القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، إلى-: أنَّها تنعقد بثلاثةٍ: إمام ومستمعين اثنين، وهذا

стр. 1160

نص الإمام أحمد. قال علماء الدعوة: هذا القول أقوى، ففي الحديث الصحيح: "إذا كانوا ثلاثة، فيؤمهم أحدهم" [رواه مسلم (٦٧٢)]، وهو عامٌّ في الصلوات كلها، الجمعة والجماعة. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ما سوى هذا القول يحتاج إلى برهان، ولا برهان يخرجه عن هذا العموم. قال الحافظ ابن حجر: لا يصح في عدد الجمعة شيء، ووردت أحاديث تدل على الاكتفاء بأقل من أربعين. وقال عبد الحق: لا يثبت في العدد حديث. وحكى النووي وغيره إجماع الأمة على اشتراط العدد، وأنَّها لا تصح من منفرد، وأنَّ الجماعة شرط لصحتها. والقول الراجح في العدد: أنَّهم إمام واثنان يستمعان، كما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ***

стр. 1161

٣٨١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ". رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ جدًا. قال المؤلف: رواه البزار، ولا نعلمه عن النبي ﷺ إلاَّ بهذا الإسناد الذي فيه يوسف بن خالد السَّمْتي، وهو ضعيف جدًّا. وقال في"التقريب": تركوه، وكذَّبه ابن معين. ...

стр. 1162

٣٨٢ - وَعَنْ جَابرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ فِي الخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. وهو في مسلم والسنن عن جابر بن سمرة؛ بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يخطب قائمًا، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات يذكر الناس". * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تقدم حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إنَّ في الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله شيئًا إلاَّ أعطاه"، وتقدم في صحيح مسلم: "أنَّها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة" هذه الساعة هي وقت قيام الإمام لخطبة الجمعة. ٢ - يضاف إلى حصول هذه الساعة الفاضلة الجمع الكبير، يدعو بهم الإمام، وهو يؤمِّنون على دعائه، فينبغي اغتنام هذه النفحة المباركة بوجود هذا الجمع العظيم؛ بأن يدعو الإمام بالأمور الهامة، التي منها: الدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات؛ فإنَّ هذه سنة النبي ﷺ في كل جمعة، وعلى المأموم التأمين، فتأمينه كدعائه. ٣ - بعض العلماء يرى وجوب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الخطبة، وبعضهم يري استحباب ذلك، لا وجوبه، وهذا هو الصحيح لأمرين:

стр. 1163

الأول: أنَّ الحديث فيه ضعف. الثاني: أنَّ فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب، وإنما إن كان عبادة، دلَّت على الاستحباب، وإن كان عادة، دلَّت على الإباحة. ٤ - أن يدعو للمسلمين بالنصر، والتأييد، والعز، والتمكين، وقهر الأعداء. ٥ - أن يدعو لإعلاء كلمة الله، ونشر دينه، وتحكيم كتابه، وسنة نبيه ﷺ . ٦ - أن يدعو لأئمة المسلمين بالتوفيق والتسديد، وتأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم على الحق، وعلى نصر دين الله، وأن يرزقهم البطانة الصالحة، ويجنبهم بطانة السوء. ٧ - أن يحرص على الدعوات العامة الجامعة، وإذا كانت من الأدعية المأثورة، فهي أفضل في ساعات الإجابة، والأوقات الفاضلة، لاسيَّما في الأماكن الفاضلة؛ فإنَّها تغتنم ولا تُفَوَّت، فمن فوَّتها فهو المحروم، رزقنا الله جميعًا الاستعداد. ٨ - أما الحديث رقم (٣٨٢): ففيه استحباب تذكير الناس في الخطبة بآيات من كتاب الله، فقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص]، وتقدم أنَّه ﷺ كان يقرأ سورة ﴿ق﴾؛ لما فيها من المواعظ والزواجر، والتذكير بالموت، والجزاء بالنعيم المقيم، أو العذاب الأليم، فالقرآن نِعم المعلم المهذب والموجه، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء]. ٩ - ينبغي أن تكون الآيات التي يقرؤها الخطيب في الخطبة آيات تناسب موضوع الخطبة، وتكون دليلاً على ما قال وتأييدًا لخطبته، ولتكون خطبته تفسيرًا لها، ومشيرًا إلى معانيها، ولئلا يشتت على المستمعين أذهانهم باختلاف مواضيع الخطبة.

стр. 1164

* فائدة: إذا أُفْرِدَ الإسلام في النصوص الشرعية شمل الإيمان، وإذا أُفرد الإيمان شمل الإسلام، أما إذا اجتمعا في نص واحد؛ فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان أعمال القلوب؛ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر؛ وذلك مصرحٌ به في حديث عمر، حينما جاءهم جبريل، يعلِّمهم دينهم. ***

стр. 1165

٣٨٣ - وَعَنْ طَارِقٍ بنِ شِهَابٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إلاَّ أرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٌّ، وَمَرِيْضٌ". روَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ المَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوَسَى (١). ــ * درجة الحديث: قال في "التلخيص": رواه أبو داود من حديث طارق بن شهاب، ورواه الحاكم من حديث طارق هذا، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، وصحَّحه غير واحد. قال النووي: قول أبي داود "إنَّ طارقًا رأى النَّبيَّ ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا" -غير قادح في صحته؛ فإنَّه يكون مرسل صحابي، وهو حجة، والحديث على شرط الشيخين، وله شواهد. * مفردات الحديث: - حقٌ واجبٌ: الحق الواجب هو الثابت فرضه بالكتاب والسنة. - إلاَّ أربعة: "إلاَّ" بمعنى "غير"، ومحلها النصب على الاستثناء، لأنَّ "إلاَّ" قائمة مقام المستثنى، وهو كلام تام مثبت، واجب النصب، وما بعده مجرور بالإضافة. - مملوك: المراد به: الرقيق. - الصبي: مَنْ دون البلوغ من الذكور.

стр. 1166

٣٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ" رَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ، تقوَّى بشواهده، قال المؤلَّف: رواه الطبراني بإسناد ضعيفٍ؛ لأن في إسناده: عبد الله بن نافع، ضعَّفه جماعة. وقال الألباني: وفي الباب أحاديث أُخر، يقوى بها الحديث. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل على أن الجمعة لا تجب على أربعة أصناف، هم: (أ) العبد المملوك: قالوا: الحكمة في عدم وجوبها عليه؛ أنَّه محبوس على أعمال سيده، وهو تعليل غير جيد؛ لأنَّ حق الله تعالى أولى، وهو داخل تحت النداء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، وحق الله أوجب من حق سيده عليه؛ فتكون الصلاة عليه واجبة، كما اختاره شيخنا عبد الرحمن السعدي. (ب) المريض: سقطت عنه؛ لعذر المرض، لأنَّه معذور بعدم استطاعته عليها، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلاَّ وسعها. (ج) المرأة: لأنَّ المرأة ليست من أهل حضور مجامع الرجال، قال ابن المنذر وغيره: أجمعوا على أنَّه لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنَّهنَّ إذا حضرن فصلين الجمعة، أنَّ ذلك يجزىء عنهن. (د) الصبي: لأنَّه غير مكلَّف.

стр. 1167

أما الحديث رقم: (٣٨٤): فيدل على أن صلاة الجمعة لا تجب على المسافر، ولا تشرع في حقه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج والجهاد، فلم يصلِّ أحد منهم الجمعة في السفر، مع اجتماع الخلق الكثير. وإذا سمع المسافر النداء لصلاة الجمعة، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه إن كان يجب عليه إتمام الصلاة، ولا يصح منه القصر -وذلك حينما لا يرون سفره سفر قصر- فإنَّها تلزمه الجمعة بغيره وإلاَّ فإنَّها لا تلزمه لا بنفسه ولا بغيره. قال في "الإقناع" وغيره: ولا جمعة بمنى وعرفة، نص عليه الإمام أحمد؛ لأنَّه لم ينقل فعلها فيهما. هؤلاء الخمسة الذين لا تجب عليهم الجمعة، بعضهم سقطت عنه؛ لفقد شرط الوجوب، وهما المرأة والصبي، فإنَّها لا تجب على امرأة؛ لأنَّها ليست. من أهل الجُمَع والجماعات، وبعضهم سقطت عنه؛ لوجود المانع في وجوبها، وهم العبد المحبوس على عمل سيده، والمريض الذي يشق عليه الذهاب إليها، والمسافر الذي هو مظنة المشقة، إلاَّ أنَّهم جميعًا إذا صلوا الجمعة صحَّت منهم، وأجزأت عنهم، لأنَّ سقوطها تخفيفًا. ٢ - قال في "شرح المنتهى": وحرم سفر من تلزمه الجمعة في يومها بعد الزوال، حتى يصلي؛ لاستقرارها في ذمته بدخول وقتها، ويكره السفر قبل الزوال، ولا يحرم؛ لأنَّها لا تجب إلاَّ بالزوال وما قبله وقت رخصة، هذا إن لم يأت بالصلاة في طريقه، فإن أتى بها في طريقه، فلا يحرم بعد الزوال، ولا يكره قبله. ٣ - لا تجب الجمعة، إلاَّ على مستوطنين ببناء معتاد -ولو من قصب- لا يرحلون عنه شتاءً ولا صيفًا، فأما البادية أهل الظعن والحِل، الذين يسكنون

стр. 1168

بالخيام، أو بيوت الشعر، ونحوها فلا تجب عليهم؛ لأنَّ العرب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون الجمعة، ولم يأمرهم ﷺ بها؛ لأنَّهم على هيئة المسافرين. ٤ - الأجير: تجب عليه الجمعة حتى عند من لا يوجبونها على العبد، ويقولون: إنَّ وقت الصلاة مستثنى من زمن الأجرة، ما لم يكن في حراسة ونحوها ويخشى على حراسته من الضياع، أو الاعتداء، أو الذهاب، فهذا عذر في ترك الجمعة والجماعة. ***

стр. 1169

٣٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اسْتَوى عَلَى المِنْبَرِ، استَقْبَلنَاهُ بِوُجُوهِنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَديثِ البَرَاءِ عِنْدَ ابنِ خُزَيْمَةَ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ. قال المؤلف: رواه الترمذي بإسناد ضعيف؛ لأنَّ فيه: محمد بن الفضل ابن عطية، وهو ضعيف، بل قال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب، وقد ضعفه به الدارقطني وابن عدي وغيرهما. وقال المؤلف: وللحديث شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة، ولم نجده في المطبوع، ورواه البيهقي (٣/ ١٩٨). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية الخطبة على منجرٍ أو مِنْ وَضْعٍ عالٍ، ليكون أبلغ في إسماع الحاضرين. ٢ - يستحب للحاضرين الاتجاه إلى الخطيب بوجوههم؛ وذلك بأن ينحرفوا إليه إذا شرع في الخطبة؛ لفعل الصحابة؛ لأنَّ هذا هو الذي تقتضيه آداب الاستماع، وهو أبلغ في الوعظ، قال النووي: وهو مجمع عليه. وقال إمام الحرمين في سبب استقبالهم إياهم: إنَّه يخاطبهم، فلو

стр. 1170

استدبرهم، كان قبيحًا. ٣ - من فوائد استقبال الخطيب ونحوه، وإعطاؤه الوجه من المستمع-: أن ينشط الخطيب والواعظ ونحوهما على الكلام، إذا وجد له مصغيًا ومستفيدًا، كما أنَّه يتطابق النظر والتفكير، فتتساعد العين والقلب على استيعاب الفائدة؛ فيحصل كمال المقصود. ***

стр. 1171

٣٨٦ - وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ". رَوَاهُ أَبُو دَوُادَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص": رواه أبو داود من حديث الحكم بن حزن الكُلفِي، وإسناده حسن، وفيه شهاب بن خراش، وقد اختلف فيه، والأكثر وثَّقوه، وقد صحَّحه ابن السكن وابن خزيمة (٢/ ٣٥٢). وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند أبي داود، صححه ابن السكن. وفي الباب عن ابن عباس وابن الزبير رواهما أبو الشيخ وابن حيان. * مفردات الحديث: - متوكئًا: أي: مستندًا، أو معتمدًا على قوسٍ أو عصا. - قوس: -بفتح القاف المثناة فسكون الواو فسين مهملة- هي سلاح قديم على هيئة هلال، تُرمى بها السهام، تذكَّر وتؤنَّث، جمعها: " أقواس وقسي". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّه يندب للخطيب أن يخطب متوكئًا على قوسٍ أو عصًا. ٢ - الحكمة في ذلك -والله أعلم-: أن ذلك أربط لقلب الخطيب، وأثبت لقيامه، وأبعد له عن العبث بيديه، وهي عادة عربية عند الخطباء، تُشعر بالقوة والعزة للخطيب، وتُدخل الانقياد والإذعان لسامعيه.

стр. 1172

٣ - قال بعضهم: يستحب للخطيب حمل السيف؛ إشعارًا بأن الإسلام إنَّما فتح به، وردَّ ذلك ابن القيم فقال: لم يُحفظ عن رسول الله ﷺ بعد اتخاذ المنبر؛ أنَّه كان يرقاه بسيفٍ ولا قوسٍ ولا غيره، ولو كان ذلك سنة، ما تركه بعد اتخاذه المنبر، كما لم يحفظ عنه أنَّه اتَّخذ سيفًا قبل اتخاذ المنبر، وإنَّما كان يعتمد على قوسٍ أو عصًا، وما يظنه الجهال أنَّه كان يعتمد على السيف إشارة إلى أنَّ الدين قام به، من فرط جهلهم، فالدين إنما قام بالوحي والقرآن. وتقدم مثل هذا الكلام. ***

стр. 1173

توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام تَأليف رَاجي عَفو رَبّه عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام غفر الله له ولوالديه وللمسلمين طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة الجزء الثالث مكتَبة الأسدي مكّة المكرّمة

стр. 1174

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1175

باب صلاة الخوف مقدمة الخوف نقيض الأمن، ولصلاة الخوف هيئاتٌ وحالاتٌ خاصةٌ، لا تغتفر في حال الأمن، وتختلف هيئاتها وحالاتها وصفاتها بحال العدو من قُربه أو بُعده، ومن شدَّة الخوف أو خفته، ومن الجهة التي هو فيها. وليس للخوف تأثير في عدد ركعات الصلاة على الراجح. وسرُّ شرعها -والله أعلم- أمران: أحدهما: التيسير على هذه الأمة. والثاني: المحافظة على أداء الصلاة في وقتها. وصلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة، وعند جمهور الفقهاء. فأمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وأما السنة: فقد ثبت أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى صلاة الخوف في أربعة مواضع: هي: بطن نخلة، وعسفان، وذي قرد، وذات الرقاع، وسيأتي تحديد أماكنها في شرح الأحاديث، إن شاء الله تعالى. اتفق الفقهاء على أمرين: الأول: أنَّه يجوز للغزاة أن يصلوها بإمامين كل طائفة بإمام. الثاني: إذا اشتد الخوف وتعذرت الجماعة، فلهم صلاتها فرادى، في

стр. 1176

خنادقهم ومواقفهم، ومهما حصل منهم من حركةٍ وعدوَّ، واستدبارٍ للقبلة، فهو معفوٌّ عنه، ويركعون ويسجدون إيماءً. أما صلاتها جماعة بإمام واحد فتجوز في كل صفة صحت عن النبي ﷺ ، وقد جاءت الأخبار بأنَّها ستة عشر نوعًا، والمشهور من ذلك ست، أو سبع صفات، أجازها كلها الإمام أحمد، واختار منها حديث سهل بن أبي حثمة الأنصاري الأوسي الساعدي؛ لأنَّه أشبه بما جاء في الكتاب، ولأنَّه أحوط للصلاة، وأحوط أيضًا في حالة الحرب، وأتقى للعدو، وأقل في الحركة والأفعال. ونستفيد من مشروعية صلاة الخوف -كلها بصفاتها الخفيفة والثقيلة- أمرين: الأول: عظم أمر الصلاة، وشدَّة الاهتمام بها، والحرص على أدائها في وقتها، فإنَّه لم يُعذر المسلمُ في أدائها حتى في هذه الحال، التي يشتد فيها القتال، ويختلط المسلمون فيها بعدوهم، ويشتبكون بالسلاح الأبيض، فإذا بلغ الأمر هذا المبلغ بالاهتمام بالصلاة، فكيف يتساهل بها، ويفوتها الوادعون في بيوتهم وفُرشهم؛ إنَّ هذا شيء عجيب غريب. الثاني: عظم الجهاد في سبيل الله، وأهميته، والقيام به، حتى بلغ أنَّه سومح لأجله بالإخلال بالصلاة المفروضة، وترك الكثير من أركانها، والإتيان بما ينافيها من الكرّ والفرّ، واستدبار القبلة، وترك الركوع والسجود والقعود، وغير ذلك في الصلاة، كل ذلك لأجل القيام بأمر الجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، ونشر دينه، وبث دعوته. وما أصاب المسلمين من الذل والمهانة والحقارة، إلاَّ بتركهم الجهاد في سبيل الله، وركونهم إلى الدنيا والدَّعة، والإخلاد إلى الأرض، يريدون عَرَض الدنيا، والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم.

стр. 1177

٣٨٧ - عَنْ صَالحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاَةَ الخَوْفِ: "أَنَّ طَائِفَةً منْ أَصْحابِهِ ﷺ صَلَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ" مُتَّفَقٌ علَيهِ، وَهَذا لفظ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي "المَعْرِفَةِ" لابنِ مَنْدَهْ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - خوَّات: بفتح الخاء وتشديد الواو، هو صالح بن خوات من التابعين المشهورين. - ذات الرقاع: صاحبة الرقاع، بكسر الراء وفتح القاف المخففة ثم ألف وآخره عين مهملة، جمع: الرقعة من الجلد أو نحوها، وهي غزوة من غزوات النبي ﷺ قِبَل نجد إلى غطفان، وسمِّيت: ذات الرقاع؛ لأنَّه يومها أصيب الصحابة ﵃ وهم حفاة من خشُونة الأرض، فلفوا على أقدامهم رقاعًا. - صلاة الخوف: من: خاف يخاف خوفًا، وخيفة ومخافةً، وهو ضد الأمن. والخوف لغة: توقع مكروه عن أمارة مظنونةٍ أو معلومة. والمراد هنا: حكم صلاة الخوف حال كون المصلين رجالاً وركبانًا، حسب حالة العدو وجهته. وأضيفت الصلاة إلى الخوف من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ باعتباره

стр. 1178

خاصًّا بها، لا باعتبار أصل المشروعية؛ لأنَّ الصلوات الخمس مشروعة بدون خوف. - طائفة: يقال: طاف بالشيء يطوف طوفًا وطوافًا: استدار به، والطائفة، الجماعة من الناس. قال في "المصباح": وأقلها ثلاثة، وربما أطلقت على الواحد والاثنين. وقال في "المحيط": الطائفة مؤنث: الطائف، أو الواحد فصاعدًا إلى الألف، جمعها: طوائف، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، فال ابن عباس: الواحد فما فوقه. وقال في "الكليات": الطائفة إذا أريد بها الجمع، فجمع: طائف، وإذا أريد بها الواحد، فيصح أن تكون جمعًا، وكنى به عن الواحد. - وِجَاه: مثلثة الواو، هو مصدر: واجه؛ أي: تلقاءه وما يواجهه، وقعد وجاهه؛ أي: مستقبلاً له. - العدو: ضد الولي والصديق، للواحد والجمع، والذكر والأنثى، وقد يثنى ويجمع ويؤنث، جمعه: "أعداء". - ثبت: قال في "المصباح": ثبت الشيء ثبوتًا: دام واستقرَّ، فهو ثابت. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا هو حديث سهل بن أبي حتمة الأنصاري، الذي اختاره الإمام أحمد ﵀ أشبه بكتاب الله، وأحوط لجند الله، وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته ﷺ بذات الرقاع، وهي أحد الأوجه الستة المشهورة. ٢ - غزوة ذات الرقاع سميت بنالك؛ لأنَّ أرجل الصحابة نقبت من الحفاء، فَلَفُّوا عليها الخرق والرقاع، وأما مكانها فيقال له: "بطن نخل" اسم موضعٍ شرق شمال المدينة المنورة، بمسافة (١٥٠) كيلو متر عند قرية الحناكية، غزا فيها قبيلة غطفان، جماعة عيينة بن حصن الفزاري، ويقال: إنَّهم قبيلة مطير

стр. 1179

المعروفة الآن. ٣ - مشروعية الصلاة على هذه الكيفية المفصلة في الحديث: ذلك أنَّ العدو في هذه الغزوة في غير جهة القبلة، فهنا يقسم الإمام الجند طائفتين: طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم يذهبون يحرسون، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية، والركعتين الأخريين في الرباعية، والثالثة في المغرب، ويتمُّون صلاتهم، وينتظرهم الإمام في التشهد، ثم يسلم بهم. وفي هذا الوجه حصل العدل بين الطائفتين، فإنَّ الأولى أدركت مع الإمام تكبيرة الإحرام، وأما الطائفة الثانية فأدركت معه التسليم. ٤ - صلاة الخوف على هذا الوجه إن كانت: الفجر، أو كان الإمام يقصر الصلاة -فإنَّه يصلي بالطائفة الأولى ركعةً واحدةً، ويبقى الإمام قائمًا في الركعة الثانية، ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم يذهبون للحراسة، وإن كانت المغرب، أو رباعية صلَّى بالأولى ركعتين، ثم أتموا لأنفسهم وسلموا، وذهبوا للحراسة. أما الطائفة الثانية: فإنَّها لما كانت الأولى في الحراسة، جاءت فصلى بهم الإمام ما بقي من الصلاة، ثم جلس للتشهد، وأتموا لأنفسهم حتى يلحقوا في التشهد، فإذا تشهدوا سلم بهم. ٥ - جواز الانتظار في صلب الصلاة للمصلحة. ٦ - وجوب أخذ الحيطة والحذر من العدو، قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. ٧ - ما كابده الصحابة ﵃ في سبيل نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، والجهاد في سبيله، مما صار له أكبر الأثر في انتشار الإسلام، ودخول

стр. 1180

الناس فيه أفواجًا، حتى عمَّ الإسلام أقطار المعمورة، وصار الدين كله لله، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ورزق المسلمين الاقتداء بهم، واحتذاء أفعالهم، حتى يعيدوا عزَّ الإسلام وَمَنَعَتهُ وقوته، إنه القادر على ذلك، وصلى الله على نبينا محمد. ٨ - مشروعية صلاة الخوف عند سببها، حضرًا أو سفرًا، تخفيفًا على الأمة، ومعونةً لهم على الجهاد، وأداءً للصلاة في جماعة، وفي وقتها المحدد. ٩ - أنَّ الحركة الكثيرة لمصلحة الصلاة، أو للغزْو، لا تبطل الصلاة. ١٠ - الحرص الشديد على الإتيان بالصلاة في وقتها مع الجماعة، فقد سمح بأدائها على هذه الكيفية؛ محافظة على ذلك. ١١ - فيه أكبر دليل على أهمية الصلاة في وقتها، والصلاة جماعة، فقد تُرك لأجل المحافظة على الوقت والجماعة كثيرٌ من الأركان والواجبات الهامة، واغتفرت فيها الحركة والذهاب والإياب، فكيف بعد هذا نتساهل بالوقت، أو الجماعة في حالة الأمن والدعة؟! إنَّ هذا لمن العجب، ومن عدم التفقه في الدين. ١٢ - الصلاة بالغزاة على هذه الكيفية كلها لمأمومين متساوين في الصلاة مع قائدهم، والحرص على العدل بينهم في أداء الصلاة -فيها فائدة كبرى؛ فإنَّها تشعرهم بأنَّهم أمةٌ واحدةٌ، وأنَّهم يد واحدةٌ، مما يجمع كلمتهم، ويوحد صفهم، ويؤلف قلوبهم، ويشعرهم بالوحدة التامة، ولهذا اغتفر فيها كثير من المخالفات في أفعال الصلاة. ***

стр. 1181

٣٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فصَاففْنَاهُمْ، فقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأقْبلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ للْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - قِبل نَجد: بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: جهة نجد. - نجد: بفتح النون وسكون الجيم، وآخره دال مهملة، هي لغةً: كل ما ارتفع من الأرض، وحدُّها: من سفوح جبال السروات الشرقية إلى أطراف العراق. - فوازينا العدو: بالزاي بعدها مثناة تحتية؛ أي: قابلنا العدو وحاذيناه، وقد تبدل الواو همزة، فيقال: إزاء. - العدو: هو للمذكر والمؤنث، والواحد والجمع، ويجمع على: عِدى وأعداء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الصفة الثانية من صلاة الخوف أحد الأوجه الستة المشهورة، وحديثها هذا في الصحيحين، وراويها أحد الغزاة عبد الله بن عمر، ﵄.

стр. 1182

٢ - صفة هذه الصلاة أن يجعل الإمام الناس طائفتين: طائفة تحرس تجاه العدو، وطائفة تصلي معه، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة وسجدتين، ثم تمضي إلى جهة العدو للحراسة، بدون إتمام صلاتهم. ثم تأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم وحده لتمام صلاته، ثم تعود هذه الطائفة إلى مكان حراستها بدون سلام، ثم تأتي الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، وتصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتُتِمْ صلاتها وحدها، ثم تأتي الطائفة الثانية فتُتِمَّ صلاتها وحدها، لأنَّهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة. ٣ - وهذه الصفة تنقلاتها وحركاتها كثيرة، وليس فيها تمام الاقتداء بالإمام، فالصفة الأولى أفضل منها، وقد اختار هذا الكيفية الحنفية. ٤ - صلاة الخوف ليس لها تأثير في إتمام الصلاة أو قصرها، فإن كانوا في الحضر أتموا الصلاة، وإن كانوا في السفر قصروها، وإنما الذي يؤثر فيها شدة الخوف، وذلك بترك بعض شروط الصلاة وأركانها، وكثرة الحركة بالكر والفر، والذهاب والإياب. ٥ - هذه الصفة الثانية التي معنا قد قصرت فيها الصلاة، فالنبي ﷺ لم يصل بكل طائفة إلاَّ ركعةً واحدةً، وكل طائفة صلت لنفسها ركعةً واحدةً، وصلَّى النبي ﷺ لنفسه ركعتين. ***

стр. 1183

٣٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْتُ مَع رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاَةَ الخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّينِ: صَفٌّ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَليهِ، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ، قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَليهِ ... فَذَكرَ الحَدِيْثَ". وفِي رِوَايَةٍ: "ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَد الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي ... وَذَكرَ مِثْلَهُ". وَفِي آخِرهِ: "ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: "إِنَّهَا كاَنَتْ بِعُسْفَانَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - عسفان: تقدم تحديده، وغزوة عسفان سنة ست، كان النبي ﷺ ومعه أصحابه مُحرمين في عمرة الحديبية، فوجدوا خالد بن الوليد على خيل المشركين بعُسفان في مائتي فارس، ففاتهم الهجوم على النَّبي ﷺ وأصحابه في صلاة

стр. 1184

الظهر، فاستعدوا للهجوم عليهم إذا دخلوا في صلاة العصر، فأنزل الله صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالدًا، ولله الحمد، فهذه هي أول صلاة خوف، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ بدَّل الطريق، فاتَّجه إلى الحديبية، فوقع الصلح المشهور. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الوجه الثالث من صلاة الخوف، وهذه الصفة: العدو بينهم وبين القبلة، وكانت بعسفان، وهي أول صلاة خوفٍ صُلِّيت؛ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما جاء إلى مكة معتمرًا عمرة الحديبية، وعلم به كفار مكة، بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس، فصادفوا النبي ﷺ بعسفان، فوقف في نحورهم يتحين الفرصة ليهجم عليهم، وصلَّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر، وتأسف المشركون أن لو كانوا هجموا عليهم، فانتظروا إلى صلاة العصر، فنزل الوحي بمشروعية صلاة الخوف، فلم يكن للمشركين فرصة، ولله الحمد. ٢ - عسفان: قرية عامرة الآن فيها مدارس ومرافق حكومية، وتقع على الطريق المسمى الآن طريق الهجرة، الطريق السريع فيما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتبعد عن مكة شمالاً بـ (٨٠) كيلو متر. ٣ - صفة هذه الصلاة هي أن يصفَّ الإمام الناس صفين فأكثر، ويصلي بهم جميعًا ركعةً إلى أن يسجد، فإذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول الذي يليه، وبقي الصف الثاني قائمًا يحرس، حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، فإذا قام سجد الصف المتخلف، ثم لحقوه وهو قائم، هو والصف الذي يليه. وفي الركعة الثانية، سجد معه الصف الذي حرس في الركعة الأولى، وبقي الصف الآخر قائمًا يحرس، فإذا جلس الإمام للتشهد سجد الذين حرسوا، وتشهد بالطائفتين، ثم سلَّم بهم جميعًا.

стр. 1185

٤ - هذه صلاة مقصورة؛ فلم يصلوا الرباعية إلاَّ ركعتين، وقد خلت هذه الصفة من التنقلات؛ لأنَّ العدوَّ أمامهم، فالحراسة هنا هي بقاء كل طائفة مرة قائمة أمام العدو، وأختها تصلي ركعتَها مع الإمام. ٥ - يشترط ألا يُخاف كمين للعدو يأتي من خلف المصلين؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ٦ - فيه أنَّه تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم عند انتهاء كل ركعة للحراسة للمتأخرة، والإتمام للمتقدمة، وهذا فيه عدل بين الطائفتين، وفيه قرب الصف المصلي من الإمام، وعدم الحائل عنه، وليس هذا مخلاًّ بالصلاة؛ لأنَّه لمصلحتها ولمصلحة الحراسة. ٧ - فيه ما تقدم أن قلناه من العناية والاهتمام بهذين الركنين العظيمين من أركان الإسلام: الصلاة المكتوبة، والجهاد الذي هو من الإسلام ذرْوَته. ***

стр. 1186

٣٩٠ - وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى بِطائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخرينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ" (١)، وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث في البخاري (٤١٢٥)، ومسلم (٨٤٣) بهذا اللفظ، وزيادة مفسرة. فعن جابر قال: "كنَّا مع النَّبي ﷺ بذات بالرقاع، وأقيمت الصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين؛ فكان للنبي ﷺ أربع، وللقوم ركعتان". متفق عليه. وأما حديث أبي بكرة: فرواه أبو داود وابن حبان والحاكم والدارقطني، وأعله ابن القطان؛ بأنَّ أبا بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة. قال الحافظ: وهذه ليست بعلة، فإنَّه يكون مرسل صحابي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الوجه الرابع من صلاة الخوف، وقد صلاَّها النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فأصل الحديث في الصحيحين من حديث جابر، ولكن فيه زيادة مفسرة. فعن جابر قال: "كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم

стр. 1187

سلم؛ فكان للنبي ﷺ أربع ركعات بسلامين، وللقوم ركعتان". ٢ - في هذه الصفة: الصلاة مقصورة، ولكن للنبي ﷺ الأولى فرضًا، ثم أعادها نفلاً عدلاً بين أصحابه. ٣ - في صلاته بكل طائفتين ركعتين، دلالة على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، كما في قصة صلاة معاذ بقومه. ٤ - في الحديث دليل على أنَّ العدل يكون حسب الإمكان والطاقة؛ فإنَّ الذين صلى بهم الفرض أفضل من الطائفة الذين صلَّى بهم، وهي نافلة، ولكن؛ هذا ما يملكه ﷺ من إمكان العدل بينهم. ٥ - الحديث بهذا الوجه لا يعارض الحديث الذي قبله، وإن كان في غزوة واحدة؛ فإنَّ الصلاة تعددت في تلك الغزوة، فتحمل هذه على فرض، والأخرى على فرض آخر. ***

стр. 1188

٣٩١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الخَوْفِ بِهَؤُلاَءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلاَءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١). وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، صححه ابن حبان، وقال الشوكاني في "النيل": سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في "التلخيص"، ورجال إسناده رجال الصحيح، ويشهد له حديث ابن عباس عند النسائي، وحديث جابر عند النسائي أيضًا، فهذه الأحاديث تدل على أن من صلاة الخوْف الاقْتِصَارَ على ركعة لكل طائفة. ...

стр. 1189

٣٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاَةُ الخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ". رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضعيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، قال الشافعي: لا يثبت، وضعفه ابن حجر، وقال الهيثمي: فيه: ابن البيلماني وهو ضعيف، لكن تقدم الحديث السابق كشاهد صحيح له. قال في "التلخيص": قال الإمام أحمد: ما أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا. قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: تقول بالأحاديث كلها -أحاديث صلاة الخوف- أو تختار واحدًا منها؛ فأجاب ﵀: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل بن أبي حثمة فأنا أختاره. قال في "كشاف القناع": وحديث سهل الذي أشار إليه الإمام أحمد هو صلاته ﷺ بذات الرقاع. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - صفة الصلاة بهذا الوجه: أنَّه صلَّى بطائفة من أصحابه ركعة، ثم صلَّى بالطائفة الأخرى ركعة أخرى. ٢ - الحديث صريح في أنَّهم صلوها ركعة، وأنهم لم يقضوا الركعة الأخرى. ٣ - الحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان، وسكت عنه أبو داود، ولا يسكت

стр. 1190

إلاَّ عمَّا هو صالح عنده، وأخرجه الحافظ في "التلخيص"، وقال: رجال إسناده رجال الصحيح، وله شاهد عند مسلم (٦٨٧) عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة"، وقال بهذا طائفة من السلف، منهم: الحسن البصري وإسحاق وعطاء وطاوس ومجاهد وقتادة والثوري، ومن الصحابة ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة. فهذا الوجه من صلاة الخوف صار الاقتصار فيه على ركعة لكل طائفة، وللإمام ركعتان، ولكن جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- لم يجيزوا هذا الوجه، فلا يرون صحة هذه الصفة، وقالوا: إنَّ الخوف ليس له تأثير في نقص عدد الركعات، إلاَّ أنَّ تأويلاتهم لأحاديث هذا الوجه من صلاة الخوف ليست وجيهة وبعيدة. ٤ - الحديث رقم (٣٩٢) يفسر الحديث رقم (٣٩١)؛ إذ صرح بأنَّ صلاة الخوف ركعة واحدة، تصلى على أي وجه كان، وهذا لا يكون إلاَّ عند شدة الخوف. وقال الخطابي: صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة، بأشكال متباينة، يتحرى ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. ٥ - وقد رجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمرة لقوة الإسناد، وموافقة الأصول في أنَّ المؤتمة لا تتم قبل الإمام. * فوائد: الأولى: صلاة الخوف مشروعة بالكتاب والسنة، وأجمع الصحابة على فعلها، وأجمع المسلمون على جوازها، فهي مشروعة إلى أبد الدهر، وحكاه الوزير إجماعًا. الثانية: تجوز صلاة الخوف على جميع الأوجه الثابتة، قال الشيخ: هذا قول

стр. 1191

عامة السلف، والإمام أحمد يجوِّز جميع الوارد، ومثله فقهاء الحديث، وحكاه الوزير إجماعًا. الثالثة: قال الشيخ: لا شك أنَّ صلاته ﷺ حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال الأمن في الأفعال الظاهرة الرابعة: قال ابن القيم: صحت صلاة الخوف عن النبي ﷺ في أربعة مواضع: "ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان، وذي قرد المعروفة بغزوة الغابة". الخامسة: قال الزركشي: لا تسقط الصلاة حال المسايفة، والتحام الحرب، بلا نزاع ولا يجوز تأخيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي: فصلوا رجالاً وركبانًا، يصلون للقبلة وغيرها، يومئون بالركوع والسجود طاقتهم. وقال الشيخ المباركفوي: أما إذا تلاحم الفريقان، وأطلقت البنادق والمدافع، ودبت الدبابات والمدرعات، وقذفت القنابل بالطائرات؛ فليس إذ ذاك صورة مخصوصة لصلاة الخوف، بل يصلوها كيف شاءُوا، جماعات ووحدانًا، قيامًا أو مشاة أو ركبانًا. السادسة: ومثل الخائف الهارب من عدو، أو الذي يريد أن يدرك وقت الوقوف بعرفة. قال الشيخ: إذا لم يبق من وقت الوقوف إلاَّ مقدار ذهابه، فإنَّه يصليها صلاة خائف، وهو ماش، أو راكب. السابعة: قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، اختلف في حكم حمل السلاح في صلاة الخوف: فقال بعضهم: واجب، وقال بعضهم: مستحب. والراجح أن هذا راجع إلى حال الخوف. وأجاز أهل العلم حمله في هذه الحال، وإن كان نجسًا، للضرورة.

стр. 1192

٣٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: "لَيْسَ فِي صَلاَةِ الخَوْفِ سَهْوٌ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ؛ ضعَّفه الدارقطني وابن حبان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث وحده لا تقوم به الحجة، فضلاً عن أنَّه يعارض أحاديث ثابتة في سجود السهو. ٢ - وعلى فرض صلاحيته للعمل به؛ فإنَّ صلاة الخوف ليست هيئتها كهيئة الصلاة، فقد سومح فيها بترك بعض أركانها وشروطها، فسقوط سجود السهو أخف منها، ولأنَّ سجود السهو يجبر ما ترك من الصلاة، وهنا يترك الركن وغيره محمدًا، ولا يخل بالصلاة، والله أعلم. ...

стр. 1193

باب صلاة العيدين المقدمة سمي: "عيدًا"؛ لأنَّه يعود ويتكرر بما أنعم الله به على عباده من العبادات والشعائر، وبما تفضل به عليهم من المباحات والطيبات، التي يظهرونها ويتمتعون بها في هذين اليومين، فمنها الفطر بعد المنع من مباح الطعام والشراب، والنكاح والتبسط في المباحات، والتهاني والزيارات، وشكر الله تعالى على صحة الأجسام، وأداء الشعائر العظام، ومنها صدقة الفطر، والتكبير والصلاة، وإتمام المناسك في البقاع المقدسة، وما يقرَّبون من الدماء المشروعة. ولكل أمة أعيادها التي تتكرر بمرور مناسبة من المناسبات الكبيرة عندهم، يحيون بها تلك المناسبة، ويعيدون ذكراها، ويظهرون الفرح والسرور بمرور وقتها، ولكن أمدَّ الله المسلمين بعيدَي: الفطر والنحر، اللذين هما يوما عبادةٍ، وشكرٍ، وسرورٍ، وفرحٍ، فليسا مجرد عبادة، وليسا مجرد عادة، وإنما جمعا خيري الدنيا والآخرة. وهذه الاجتماعات الإسلامية تحقق من المصالح الدينية والدنيوية، ما يدل على أنَّ الإسلام هو المنهج الذي جاء به الله تعالى لإسعاد البشرية، ولا يسوغ تعظيم زمان ولا مكان، لم يأت تعظيمه في الشرع؛ وذلك كتعظيم مولد النبي ﷺ ، أو ذكرى الإسراء والمعراج، ويوم بدر، والفتح، والهجرة.

стр. 1194

قال في "تنبيه الغافلين": اعتقاد ذلك قربة من أعظم البدع، وأقبح السيئات، فينبغي للعاجز عن إنكار هذه المنكرات ألا يحضر المسجد الذي تقام فيه، فتكثير سواد أهل البدع منهي عنه، وترك المنهي عنه واجب، والله المستعان. ***

стр. 1195

٣٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ" رَوَاهُ التِّرمذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ؛ كما قال الترمذي، قال المؤلف في "التلخيص": ورواه الدارقطني (٢/ ٥٢٥) من حديث عائشة مرفوعًا، وصوَّب الدارقطني وقفه، ورواه أبو داود (٢٣٢٤) من حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة مرفوعًا؛ بلفظ: "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون"، وابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، ونقل الترمذي عن البخاري؛ أنَّ ابن المنكدر سمع من عائشة، وإذا ثبت سماعه عنها أمكن سماعه من أبي هريرة؛ لأنَّه مات بعدها. * مفردات الحديث: - يفطر الناس: من "الإفطار" والمراد به: التعييد بعيد الفطر. - يضحي الناس: التضحية في الأصل: ذبح الأضحية، ويطلق هنا ويراد به: التعييد ليوم الأضحى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الفطر من صوم رمضان، وأحكام عيد الأضحى، والأضاحي -تكون مع الجماعة، ومعظم المسلمين، فلا يشذ أحد عنهم بفطر وتضحية، من دون السواد الأعظم؛ فإنَّ هذه الأمة بجملتها معصومة، فلا تجتمع على ضلال. ٢ - قال في "شرح الزاد وحاشيته": ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قوله،
следующие страницы →