← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الخامس أخبار الرسول ﷺ قبل البعثة المبحث الأول: مولده ﷺ ولد في ربيع الأول يوم الإثنين بلا خلاف، والأكثرون على أنه ليلة الثاني عشر منه (١). وقال خليفة بن خياط: والمجمع عليه أنه ﵇ ولد عام الفيل (٢). ١٧ - من حديث قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ﵁ قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لِدَّان، ولدنا مولدًا واحدًا" (٣). ١٨ - ومن حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن صوم يوم الاثنين قال رسول الله ﷺ : (ذاك يوم ولدت فيه، ولوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه) (٤). ١٩ - ومن حديث ابن عباس ﵁ قال: "ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحَجَرَ الأسود يوم الاثنين" (٥) ٢٠ - ومن حديث ابن عباس وجابر ﵃ أنهما قالا: "ولد رسول

стр. 37

الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات". هذا هو المشهور عند الجمهور. والله أعلم (١). ٢١ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "ولد رسول الله ﷺ عام الفيل" (٢). المبحث الثاني: مرضعاته ﵊ ثويبة مولاة أبي لهب مولاة بني هاشم ٢٢ - من حديث زينب ابنة أبي سلمة أنَّ أمَّ حبيبة ﵂ أخبرتها أنها قالت: "يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان، فقأل: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم، لست لك بِمُخْلِيةً، وأحَبُّ من شاركني في خير أختي". فقال النبي ﷺ : (إنَّ ذلك لا يحلُّ لي. قلت: فإنا نُحَدَّثُ أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تَعْرضَنَّ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن) (٣).

стр. 38

حليمة السعدية ٢٣ - من حديث عبد الله بن جعفر ﵄: قال: "لما وُلد رسول الله ﷺ قدمت حليمة بنت الحارث، في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسون الرضعاء بمكة. قالت حليمة: فخرجت في أوائل النسوة على أتان لي، قمراء، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، أحد بني سعد بن بكر، ثم أحد بني ناضرة، قد أدمت أتاننا، ومعي بالركب شارف والله ما تبض بقطرة لبن، في سنة شهباء. قد جاع الناس حتى خلص إليهم الجهد، ومعي ابن لي، والله ما ينام ليلنا، وما أجد في يدي شيئًا أعلله به، إلا أنا نرجوا الغيث، وكانت لنا غنم، فنحن نرجوها. فلما قدمنا مكة فما بقي منا أحد إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فَكَرهَتْهُ، فقلنا: إنه يتيم، وإنما يكرم الظئر، ويحسن إليها الوالد، فقلنا: ما عسى أن تصنع بنا أمه أو عمه أو جده، فكلُّ صواحبي أخذ رضيعًا، فلما لم أجد غيره، رجعت إليه، وأخذته، والله ما أخذته إلا إني لم أجد غيره، فقلت لصاحبي: والله لآخذنَّ هذا اليتيم من بني عبد المطلب، فعسى الله أن ينفعنا به، ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئًا، فقال: قد أصبت. قالت: فأخذته، فأتيت به الرَّحْلَ، فوالله ما هو إلا أن أتيت به الرَّحْلَ، فأمسيت أقبل ثدياي باللبن، حتى أرويته، وأرويت أخاه، وقام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها، فإذا هي حافل، فحلبها، فأرواني وروي، فقال: يا حليمة، تعلمين والله لقد أصبنا نسمة مباركة، ولقد أعطى الله عليها ما لم نتمنَّ، قالت: فبتنا بخير ليلة، شباعًا، وكنا لا ننام ليلنا مع صبينا. ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي، فركبت أتاني القمراء، فحملته معي، فوالذي نفس حليمة بيده لقطعَتْ الركب حتى أن النسوة ليقلن: أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها كانت أدمت حين أقبلنا فما شأنها؟ قالت، فقلت: والله حملت عليها غلامًا مباركًا. قالت: فخرجنا، فما زال يزيدنا الله في كل يوم خيرًا، حتى قدمنا والبلاد سِنَةٌ، ولقد كان رعاتنا يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعًا، وتروح غنمي شباعًا، بِطانًا، حفلًا، فنحتلب، ونشرب، فيقولون: ما شأن

стр. 39

غنم الحارث بن عبد العزى، وغنم حليمة تروح شباعًا حفلًا، وتروح غنمكم جياعًا؟ ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم رعاؤهم، فيسرحون معهم، فما تروح إلا جياعًا، كما كانت، وترجع غنمي كما كانت. قالت: وكان يُنسب شبابًا ما يشبه أحد من الغلمان، يشب في اليوم شباب الغلام في الشهر، ويشب في الشهر شباب السنة، فلما استكمل سنتين أقدمناه مكة، أنا وأبوه، فقلنا: والله لا نفارقه أبدًا ونحن نستطيع، فلما أتينا أمه، قلنا: أي ظئر! والله ما رأينا صبيًّا قط أعظم بركة منه، وإنا نتخوف عليه وباء مكة وأسقامها، فدعيه نرجع به حتى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة. فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بُهْم له، إذ أتى أخوه يشتدُّ، وأنا وأبوه في البدن، فقال: إن أخي القرشي، أتاه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه واضطجعاه، فشقَّا بطنه، فخرجت أنا وأبوه يشتدُّ، فوجدناه قائمًا، قد انتقع لونه، فلما رآنا أجهش إلينا، وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا، فقلنا: ما لك بأبي أنت؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني، فشقا بطني، وصنعا به شيئًا، ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، إلحقي بأهله، فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه. قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فلما رأتنا أنكرتْ شأننا، وقالت: ما رجعكما به قبل أن أسألكماه، وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أن قد قض الله الرضاعة وسرّنا ما نرى، وقلنا: نؤويه كما تحبون أحبَّ إلينا، قال: فقالت: إن لكما شأنًا فأخبراني ما هو، فلم تدعنا حتى أخبرناها، فقالت: كلا والله، لا يصنع الله ذلك به، إن لابني شأنًا، أفلا أخبركما خبره، إني حملت به، فوالله ما حملت حملًا قط، كان أخف علي منه، ولا أيسر منه، ثم أريت حين حملته خرج مني نور أضاء منه أعناق الإبل ببصري -أو قالت: قصور بصرى- ثم وضعته حين وضعته، فوالله ما وقع كما يقع الصبيان، لقد وقع معتمدًا بيديه على الأرض رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضه وانطلقنا" (١).

стр. 40

المبحث الثالث: شق صدره وذر السكينة على قلبه سبق ذكرها في الحديث السابق ٢٤ - من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁: "أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: (كانت حاضتني من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بُهْم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا. فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي، ومكثت عند البهم، فأقبل طيْرَان أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: -قال: يزيد في حديثه- أفتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: أئتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: أئتني بالسكينه، فَذَرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة. فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كِفَّةٍ، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني. وفَرقَتُ فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقت عليَّ أن يكون ألبس بي قالت: أعيذك بالله، فرحَّلت بعيرًا لها، فجعلتني أو فحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك، فقالت لي: رأيت خرج مني نور، أضاءت منه قصور الشام) (١).

стр. 41

٢٥ - وقد جاء من حديث أنس ﵁ باختصار أكثر فقال: "إن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه "يعني ظئره" فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون". قال أنس: "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره" (١). وقد حدثت أيضًا حادثة شقِّ الصدر مرة أخرى في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي تفصيلها هناك فانظرها. المبحث الرابع: وفاة أمه ﵇ وزيارته قبرها بعد البعثة ٢٦ - قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أنَّ أم رسول الله ﷺ توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة" (٢). ٢٧ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" (٣).

стр. 42

المبحث الخامس: كفالة جده وحبه له ٢٨ - من حديث كندير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهلية فهذا رجل يطوف بالبيت وهو يرتجل يقول: رب رد راكبي محمدًا … رده لي واصطنع عندي يدًا قلت: من هذا يعني؟ قال: عبد المطلب بن هاشم ذهبت إبل له، فأرسل ابن ابنه في طلبتها، فاحتبس عليه، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، قال: فما برحت حتى جاء النبي ﷺ ، وجاء بالإبل فقال: يا بني، لقد حزنت عليك كالمرأة حزنًا لا يفارقني أبدًا" (١). المبحث السادس: رعيه الغنم وعصمة الله له من الزلل ٢٩ - من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) (٢). ٣٠ - ومن حديث جابر ﵁: قال كنا مع رسول الله ﷺ نجتني الكباث، فقال: (عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه قال: قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: (نعم، وهل من نبيّ إلا قد رعاها) (٣). ٣١ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمُّون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في

стр. 43

أغنام لأهله يرعاها: (أبصر إلى غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا. قال رسول الله ﷺ : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته" (١). المبحث السابع: قصة بحيرا الراهب ٣٢ - من حديث أبي موسى الأشعري: قال: "خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يسيرون، فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء، فأخذ بيد رسول الله ﷺ قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى

стр. 44

فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفتَ فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيره لك لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه (أبا بكر وبلالًا) وزوده الراهب من الكعك والزيت" (١).

стр. 45

المبحث الثامن: مشاركة النبي ﷺ في حلف الفضول ٣٣ - من حديث عبد الرحمن بن عوف قال ﵇: شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه) (١). وحلف الفضول هو كما قال محمد بن إسحاق: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنه. وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة ابن كلاب، وتيم بن مرة. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه، وكانوا على من ظلمه حتى يردوا عليه مظلمته. فسَمَّت قريشًا ذلك الحلف حلف الفضول" المبحث التاسع: زواجه من خديجة وبيان عظم منزلتها ٣٤ - من حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعت أباها وزُمَرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لأبيها: "إن محمد ابن عبد الله يخطبني فزوجني إياه، فزوجها إياه، فخلقَتْهُ، وألبسته حلة، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، فلما سرى عنه سكره نظر، فإذا هو مخلَّق، وعليه حلَّة، فقال ما شأني؟ ما هذا؟ فقالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: أزوج يتيم أبي طالب، لا لعمري. فقالت خديجة: أما تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي) (٢). ٣٥ - ويؤيده ما جاء من حديث جابر بن سمرة ﵁ بنحو اللفظ

стр. 46

السابق ببعض زياده (١). وهذا يردُّ ما جاء عن المؤملي أن الذي زوج خديجة هو عمها عمرو بن أسد، لأن المؤملي متروك، لا يعتد بكلامه … (٢). ٣٦ - وعن الزهري قال: "لم يتزوج رسول الله على خديجة حتى ماتت" (٣). ٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: (خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، فقال: (أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنة محمَّد ﷺ ، ومريم بنة عمران، وآسية بنة مزاحم امرأة فرعون) (٤). ٣٨ - ومن حديث علي بن أبي طالب قال ﵇: (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة) (٥). ٣٩ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أتى جبريل ﵇ النبي فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام وطعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صَخَبَ فيه، ولا نَصَب" (٦).

стр. 47

المبحث العاشر: مشاركة الرسول ﷺ في بناء الكعبة ٤٠ - من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: "كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، وكانت قدر ما يفتحها العناقة، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها تأدبًا، وكانت ذات ركنين كهيأة الحلقة. فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جدة، تكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًّا عندها، فأخذوا الخشب أعطاهم إياه. وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب الذي في السفينة بيت ربنا. فلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الحائر، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها. فاجتمعت قريش عند المقام، فعجُّوا إلى الله فقالوا: ربنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فافعل ما بدا لك. فسمعوا خوارًا في السماء، فهذا بطائر أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، أعظم من البشر، فغرز مخاليبه في رأس الحية، حتى انطلق بها يجر ذنبها، أعظم من كذا وكذا ساقطًا، فانطلق نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا. فبينما النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فتُرَى عورتُه من صغر النمرة، فنودي يا محمد، خَمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان يرى بين بناء الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة" (١).

стр. 48

٤١ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "إنَّ رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إِزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة؛ قال: فحلَّه، فجعله على منكبه، قال: فسقط مغشيًّا عليه، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا" (١). المبحث الحادي عشر: تحكيم قريش الرسول ﷺ في رفع الحجر ٤٢ - من حديث عليّ قال: "لما أرادوا أن يرفعوا الحجر "يعني قريشًا" اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، قال: وكان رسول الله ﷺ أول من خرج عليهم، فجعلوه في مرط، ثم رفعه جميع القبائل كلها، ورسول الله يومئذ رجل شاب يعني قبل البعثة" وفي رواية قال: "لما رأوا النبي ﷺ قد دخل قالوا: قد جاء الأمين" (٢). المبحث الثاني عشر: تسليم الحجر عليه قبل النبوة ٤٦ - من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" (٣).

стр. 49

الباب الثاني البعثة النبوية الفصل الأول الوحي المبحث الأول: بدء الوحي في سن الأربعين أوحي إلى نبينا محمد ﷺ ، فنزل عليه الوحي في غار حراء بالرسالة السماوية الخالدة. ٤٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين، وكان بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا، فمات وهو ابن ثلاث وستين" (١). ٤٨ - ومن حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لخديجة ﵂: (إني أرى ضوءًا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنون). قالت: "لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله: ثم أتت ورقة بن نوفل، فذكرت ذلك له فقال: "إن يكن صادقًا فإنَّ هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعزره، وأنصره، وأؤمن به" (٢). ٤٩ - ومن حديث عائشة ﵂ قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣)، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه "وهو تعبد الليالي ذوات العدد" قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى

стр. 50

خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء. فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (١) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٢) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني (٣)، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع (٤)، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ (٥)، وتكسب المعدوم (٦)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (٧)، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى: فقال له ورقة: هذا الناموس (٨) الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا (٩)، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا (١٠)، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي".

стр. 51

المبحث الثاني: فترة الوحي وعند الإِمام أحمد زيادة لطيفة في شدة حزن النبي لفتور الوحي، تقول الزيادة "وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه، تبدى له جبريل ﵇ فقال له: يا محمَّد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جأشه، وتقرُّ نفسه ﵊، فيرجع، فإذا طالت عليه، وفتر الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ﵇ فقال له مثل ذلك" (١). ٥٠ - من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي: (بينما أنا واقف، فرفعت رأسي إلى السماء، فهذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيه بين السماء والأرض، قال رسول الله ﷺ : فَجُئِثتُ منه فرقًا، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني دثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢). ثم تتابع الوحي (٣). فيكون أول ما أنزل من القرآن ابتداءً ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وأول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي وعودة جبريل للنزول على النبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ والله أعلم. ٥١ - ومن حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "اشتكى

стр. 52

رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١) (٢). المبحث الثالث: كيف كان يأتي الوحي الرسول ﷺ ٥٢ - من حديث عائشة زوج النبي ﷺ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ " فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فينفصم عني، وقد وعيت ما قال: وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد، فينفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا" (٣). المبحث الرابع: تصديق ورقة بن نوفل بالرسول ﷺ ٥٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين) (٤). ٥٤ - ومن حديث عائشة أن خديجة سألت النبي ﷺ عن ورقة بن نوفل فقال: (قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض) (٥).

стр. 53

الفصل الثاني أول الناس إسلامًا ٥٥ - من حديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: "أوحي إلى رسول ﷺ يوم الاثنين وصلى عليّ يوم الثلاثاء" (١). ٥٦ - ومن حديث عفيف الكندي ﵁ قال: "كنت امرءًا تاجرًا، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءًا تاجرًا، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت، قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج ذلك الرجل منه، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين ناهز الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي. قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال: هذا محمَّد ابن أخي عبد الله بن عبد المطلب قال: قلت: من هذه المرأة قال: هذه امرأته خديجة ابنة خويلد. قال: فقلت من هذا الفتى قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه. قال: قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول -وأسلم بعد فحسن إسلامه: لو كان الله رزقني الإِسلام يومئذ، فكون ثانيًا مع علي بن أبي طالب" (٢). ٥٧ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "أول من صلى مع النبي

стр. 54

- ﷺ بعد خديجة علي" (١). ٥٨ - ومن حديث سلمان ﵄ قال: "أول هذه الأمة ورودًا على نبيها ﷺ أولها إسلامًا علي بن أبي طالب" (٢). ٥٩ - ومن حديث زيد بن أرقم ﵄ قال: "أول من صلى (وفي لفظ) أول من أسلم مع رسول الله ﷺ علي" (٣). ٦٠ - من حديث أبي الدرداء ﵄ في قصة ما حصل بين أبي بكر وعمر من الخصومة فقال رسول الله ﷺ : (إنَّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟) (٤). ٦١ - من حديث عمار ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمس أعبد، وامرأتان، وأبو بكر". وفي هذا الحديث أن أبا بكر أول من أسلم من الأحرار مطلقًا (٥). وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن كعب، ومحمد بن سيرين، وسعد بن إبراهيم، وهو المشهور عند جمهور أهل السنة (٦). ولا منافاة في ذلك، "فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصييان، وخديجة أول من أسلم من النساء، وزيد بن حارثة أول

стр. 55

من أسلم من الموالي". وهذا قول أبي حنيفة ﵁ (١). أما الأعبد الذين ذكروا في حديث عمار فهم بلال بن رباح، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديمًا مع أبي بكر، وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، وشقران مولى النبي ﷺ . والمرأتان فخديجة، والأخرى أم أيمن أو سمية (٢). وقد كان من أوائل من آمن بالنبي ﷺ الصحابي عمرو بن عبسة ﵁ عنه. ٦٢ - عن عمرو بن عبسة ﵁: قال: قلت: "يا رسول الله، من معك على هذا الأمر؟ قال: (حر وعبد) قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، ثم قال له: (ارجع إلى قومك حتى يمكن الله لرسوله) قال: وكان عمرو بن عبسة يقول: "لقد رأيتني وإني لربع الإِسلام" (٣).

стр. 56

الفصل الثالث الجهر بالدعوة ٦٣ - من حديث ابن عباس ﵄: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحا، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). قال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢). ٦٤ - ومن حديث عائشة ﵂ قالت: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ فقال: (يا فاطمة بنت محمَّد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم) (٣). ٦٥ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: (يا معشر قريش، أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا) (٤).

стр. 57

الفصل الرابع موقف قريش مما جاءهم به الرسول ﷺ - المبحث الأول: قريش تطلب من أبي طالب الحد من نشاط الرسول ٦٦ - من حديث عقيل بن أبي طالب ﵁ قال: "جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إنَّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل، انطلق فأتني بمحمد، فاستخرجته من كنس، أو قال خنس، يقول: بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر. فلما أتاهم قال: إنَّ بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فاتته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: (ترون هذه الشمس). قالوا: نعم، قال: (فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منه بشعلة) وفي رواية: (والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار). فقال أبو طالب: "والله ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا راشدين" (١).

стр. 58

المبحث الثاني: الوليد بن المغيرة وقوله في القرآن ٦٧ - من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄: "أن الوليد بن المغيرة جاء رسول الله ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقد له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا فقال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض ما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك إنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجنَّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله؛ لأنه ليعلو ولا يعلى؛ لأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرض عنك قومك حتى تقول فيه. قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكَّر، قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (١) (٢). المبحث الثالث: صور من أذى قومه له وسيأتي تفصيل أكثر ولكن نذكر بعضه هنا لمناسبته للأحداث في هذا المبحث. ٦٨ - من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا.

стр. 59

قال. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضي، فلما مرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: (تسمعون يا معشر قريب، أما والذي نفس محمَّد بيده لقد جئتكم بالذبح)، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدَّهم فيه وصاة من قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا. قال: فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، كما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله ﷺ ، (نعم أنا الذي أقول ذلك)، قال: فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشدُّ ما رأيت قريشًا بلغت منها" (١). وقوله "فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا بلغت منه" لا يعني أن النبي لم يؤذ أشد من ذلك، ولكن قال ذلك لما رأى هو، وليس لما رأى غيره.

стр. 60

المبحث الرابع: الدخول في الإسلام على الرغم من الأذى ١ - إسلام حمزة ﵁ - جاء في قصة إسلامه عليه رضوان الله عليه آثار مرسلة بأسانيد رجالها ثقات: ٦٩ - عن محمَّد بن كعب القرظي قال: "كان إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ حَمِيَّةً، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مر بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا، وصنعت كذا وكذا، ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم، فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عمارة، ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام! شتمه، وتناوله، وعمل وفعل. فقال: هل رآه أحد؟ قالت: أي والله، لقد رآه ناس. فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم. فاتكأ على قوسه، وقال: رميت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس، فضرب بها بين أذني أبي جهل فوق سنتها، ثم قال: خذها بالقوس، وأخرى بالسيف: وأشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله. قالوا: يا أبا عمارة إنه سبَّ آلهتنا، وإن كنت أنت، وأنت أفضل منه، ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا" (١). وقد جاء من حديث ابن إسحاق عن رجل من أسلم، فذكر القصة أطول مما ذكرت هنا (٢).

стр. 61

٢ - إسلام أبي ذر الغفاري ﵁ - ٧٠ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت. فتزود، وحمل سنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسول الله ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل (اضطجع)، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحدًا صاحبه عن شيء حتى أصبح، قام احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك، فأقام معه، فقال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره. قال: فإنه حقٌّ، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل، فانطلق يقفوه (١)، حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه. وأتى العباس فأكب علي، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم.

стр. 62

ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه" (١). وقد جاءت قصة إسلامه مبسوطة أكثر عند مسلم (٢) من حديث عبد الله بن الصامت، وفيها زيادات كثيرة، فانظر التوفيق بين الروايتين في فتح الباري (٣) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ٣ - إسلام ضماد الأزدي ٧١ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "إن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءه، وكان يرقى من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمَّد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : (إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. أما بعد) قال: "فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. قال: فقال: (هات يدك أبايعك على الإِسلام)، قال: فبايعه، فقال رسول الله ﷺ : (وعلى قومك)، قال: وعلى قومي. قال: فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال: رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردها فإنَّ هؤلاء قوم ضماد (٤).

стр. 63

المبحث الخامس: عتبة يعرض على الرسول ﷺ المناصب والمال والنساء ٧٢ - من حديث جابر بن عبد الله: قال: "اجتمعت قريش للنبي ﷺ يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ما يرد عليه. قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة. قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمَّد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت النبي ﷺ ، قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، قد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقَّت جماعتنا، وشَتَّتتَ أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أنَّ في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، ما ينتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ : أفرغت، قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا. قال: لا. فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك. فقال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: هل أجابك، قال: نعم، قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئًا مما قال غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك بالعربية، فلا تدري ما قال.

стр. 64

قال: لا والله، ما فهمت مما قال غير ذكر الصاعقة (١). المبحث السادس: قريش وطلبهم الآيات والمعجزات وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٢). ٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: (قالت قريش للنبي ﷺ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال فدعا: فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. فقال: بل باب التوبة والرحمة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ (٣) (٤).

стр. 65

٧٤ - من حديث ابن عباس ﵄ أيضًا قال: "قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) (٢). المبحث السابع: اشتداد إيذاء قريش للنبي ١ - أبو جهل بن هشام يزعم أنه يطأ عنق الرسول ٧٥ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال أبو جهل: هل يعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟. قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا) (٣). ٧٦ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "قال أبو جهل لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال ﵇: (لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم في

стр. 66

النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا) (١). ٧٧ - ومن حديث ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي فجاء أبو جهل: فقال: "ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ فزبره، فقال: أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله" (٢). ٢ - فعل أبي لهب ٧٨ - من حديث ربيعة بن عباد الديلي: وكان جاهليًّا أسلم قال: "رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله الله تفلحوا، إلا أن وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذو غديرتين يقول: إنه صابىء كاذب، فقلت من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة. قلت: ومن هذا الذي يكذبه، قالوا عمه أبو لهب. قلت: "يعني ابن أبي الزناد إنك كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله، إني يومئذ لأعقل". وفي رواية أخرى: "قال: إني لمع أبي، رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة، يقف رسول الله ﷺ على القبيلة ويقول: (يا بني فلان، إني رسول الله إليكم آمركم، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به). فإذا فرغ رسول الله ﷺ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه. فقلت لأبي من هذا؟ قال: عمه أبو لهب" (٣).

стр. 67

وقد سبق ذكر حديث الجهر بالدعوة، وإيذاء أبي لهب للنبي أمام قريش بقوله: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ فانظره هناك. ٣ - إيذاء عقبة بن أبي معيط للرسول ﷺ ٧٩ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فظل في كتفي محمَّد إذا سجد. فانبعث شقي القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ساجد، ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة. فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت تشتمهم، فلما قضى النبيُّ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم. وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل، سأل ثلاثًا، ثم قال: (اللهم عليك بقريش) ثلاث مرات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (١)، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط). وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق! لقد رأيت الذين سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب: قليب بدر) (٢).

стр. 68

وأما السابع ففي رواية البخاري: (عمارة بن الوليد) (١). ٨٠ - ومن حديث عبد الله بن مسعود أيضًا قال: "بينما رسول الله ﷺ في المسجد وأبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، ورجلان آخران كانوا سبعة، وهم في الحجر، ورسول الله ﷺ يصلي، فلما سجد وأطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها، فنكفئه على محمد ﷺ ، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط، فأتى به فألقاه على كتفيه، ورسول الله ﷺ ساجد قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي منعة تمنعني، فأنا أذهب إذ سمعتُ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشًا تسبهم، فلم يرجعوا إليها شيئًا. ورفع رسول الله ﷺ رأسه كما كان يرفع عند تمام السجود، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (اللهم عليك بقريش ثلاثًا، عليك بعتبة وعقبة وأبي جهل وشيبة)، ثم خرج من المسجد، فلقيه أبو البختري بسوط يتخصر به، فلما رأى النبي ﷺ ، وأنكر وجهه، فقال النبي ﷺ : خل عني، قال: علم الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك، فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي ﷺ أنه غير مخلّ عنه أخبره، فقال: (إن أبا جهل أمر فطرح عليّ فرث)، قال أبو البختري: هلَّم إلى المسجد. فأتى النبي ﷺ وأبو البختري فدخلا المسجد، ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمد ﷺ ، فطرح عليه الفرث قال: نعم. قال فرفع السوط فضرب به رأسه، قال: فثار الرجال بعضها إلى بعض، قال: وصاح أبو جهل: ويحكم هي له، إنما أزاد محمَّد أن يلقي بيننا العداوة،

стр. 69

وينجو هو وأصحابه" وفي رواية: فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه: (حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد اللهم عليك الملأ من قريش) (١). ٤ - اجتماع الملأ من قريش وضربهم الرسول ٨١ - من حديث أسماء بنت أبي بكر أنهم قالوا لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ فقالت: "كان المشركون رفعوا في المسجد عمدًا ليروا رسول الله ﷺ وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك، إذ أقبل رسول الله ﷺ فقاموا إليه بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقالوا: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وإن له لغدائر أربع، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلًا يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ قال: فَلهَوْا عن رسول ﷺ ، وأقبلوا على أبي بكر ﵁، قالت: فرجع إلينا أبو بكر، فجعل لا يمس من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٢). ٨٢ - من حديث ابن عباس ﵄، قال: "إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة ﵂ تبكي حتى دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية أريني وَضُوءًا، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هوذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم

стр. 70

حصبهم بها فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا" (١). المبحث الثامن: عدوان المشركين على مستضعفي المسلمين ٨٣ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد" (٢). ٨٤ - من حديث عثمان بن عفان قال: "أقبلت مع رسول الله ﷺ آخذًا بيدي نتمشى بالبطحاء، حتى أتى على آل عمار بن ياسر، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ : اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت" (٣). وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبي عمار وأم عمار وعمار: (اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) (٤). ٨٥ - ومن حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ مر بعمار بن ياسر وبأهله

стр. 71

يعذبون في الله فقال: (أبشروا آل ياسر، موعدكم الجنة) (١). ٨٦ - عن خباب بن الأرت ﵁: "قال أتينا رسول الله ﷺ -وهو في ظل الكعبة متوسدًا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله ﵎ لنا، واستنصره. قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: (لقد كان من كان قبلكم يحفر له حفرة ويجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشي بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه عن دينه، -وليتمَّن الله ﵎ هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون) (٢). ٨٧ - من حديث خباب بن الأرت ﵁ قال: (كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: قلت: لن أكفر به حتى تموت، ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال فنزلت: ﴿أفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ " (٣). ٨٨ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر ﵁ فجعل ينادي ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنون". وزاد البزار في رواية: "فتركوه، وأقبلوا على أبي بكر" (٤).

стр. 72

المبحث التاسع: ما فعله الرسول وأصحابه بأصنام المشركين ٨٩ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كنت أنطلق أنا وأسامة بن زيد إلى أصنام قريش التي حول الكعبة، فنأتي بالعذرات، فنأخذ (حريراق) بأيدينا، فننطلق به إلى أصنام قريش فنلطخها، فيصيحون، يقولون: من فعل بآلهتنا؟ فينطلقون إليها، ويغسلونها باللبن والماء" (١). ٩٠ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال: لي رسول الله ﷺ : اجلس، وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل وجلس لي رسول الله ﷺ فقال: اصعد على منكبي. قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى استمكنت منه، فقال لي رسول الله: ﷺ اقذف به، فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق، حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يلقانا أحد من الناس). وفي رواية: (كان على الكعبة أصنام، فذهبت أحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلت أقطعها، ولو شئت لنلت السماء). وزاد البزار (بعد قوله حتى استترنا بالبيوت، فلم يوضع عليها بعد يعني شيئًا من تلك الأصنام) (٢). ٩١ - من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: (دخلت مع رسول الله ﷺ الكعبة، فرأى فيها تصاوير، فقال لي: ابتغ لي ماء، فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل به الثوب، ثم يضرب به الصور، يقول: قاتل الله أقوامًا يصورون ما لا يخلقون) (٣).

стр. 73

الفصل الخامس الهجرة إلى الحبشة ٩٢ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحوًا من ثمانين رجلًا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي) (١). ٩٣ - ومن حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: "كان عمر ابن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة، فأتى عمر بن الخطاب، وأنا على بعيري، وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب" (٢). ٩٤ - من حديث أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله وحده، لا نؤذى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا ما يستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، وبعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا

стр. 74

للنجاشي هداياه، ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ثم قالا: لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعمًا، ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه. فقالوا له: أيها الملك، قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأبنائهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فلهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعايبوهم فيه. ولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهم، فليردهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي وقال: لا هيم الله إذ لا أسلمهم إليهما ولا أكاد، قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحتسب جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا: بعضهم لبعض ما تقولون في الرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم: فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ﵁، قال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش،

стр. 75

ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا، وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قال: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) قالت: فبكى النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم، ولا أكاد". قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال: عمرو بن العاص: والله لأتينه غدًا أعيبهم عنده بما أستاصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبد. قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه.
следующие страницы →