Полный текст (186 стр.). Показаны 176–186 · переход к 181.
стр. 176
والجواب أن يقال أما ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة المتأخرين من أن قيام العالم العلوي والسفلي بالجاذبية فهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة, وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل. وقد تقدم التنبيه على ذلك قريباً.
وأما ما ذكره من الخبر في عظم السماء الدنيا بالنسبة إلى الأرض فهو غلط.
ولفظ الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» رواه ابن مردويه. وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الفصل الذي قبل هذا الفصل.
وأما قوله فسبحان من لا يحيط بشيء من علمه أحد فهو خطأ ظاهر ويلزم على هذا الإطلاق أن يكون بنو آدم كلهم جهالًا الأنبياء فمن دونهم. وكذلك الملائكة ومؤمنو الجن.
والصواب إثبات ما أثبته الله تعالى من إحاطتهم من علمه بما شاء أن يعلموه. قال تعالى (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) فكل ما يعلمه العباد من العلم الصحيح فهو مما أطلعهم الله تعالى عليه من علمه وشاء أن يعلموه. قال الله تعالى (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) قال ابن كثير أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ويأباه وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به انتهى.
وقد قال الله تعالى (ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) وقال تعالى مخبراً عن الملائكة (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت أبا القاسم رسول الله ﷺ يقول «إن الله يقول يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يا رب كيف هذا لهم ولا حلم
стр. 177
ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي» قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن شوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قصة موسى والخضر ﵉ قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال الخضر ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
فصل
ونقل الصواف عن الألوسي أنه قال وأما الأرضون السبع فقد حارت فيها عقول المفسرين وذكروا فيها أقوالا كثيرة وقد جعلها الله تعالى مثل السموات والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف. فقال الجمهور المثلية هنا في كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض سكان من خلق الله لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى. وورد في بعض الأخبار: في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم وغيرهما فينا. وقول الجمهور هذا أصح سائر الأقوال وهو أن بين كل أرض وأرض من السبع مسافة عظيمة وفي كل أرض خلق لا يعلم حقيقتهم إلا الله ولهم ضياء يستضيئون به. ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر.
والجواب أن يقال أما كون الأرضين سبعا مثل السموات فقد دل عليه قول الله تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن).
ودلت على ذلك أيضاً الأحاديث الكثيرة التي فيها إثبات سبع أرضين.
ودل قوله ﷺ «من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به
стр. 178
يوم القيامة إلى سبع أرضين» على أن الأرضين بعضهن فوق بعض. وذكر أبو بكر الأنباري الإجماع على ذلك.
وأما تقدير المسافة بين كل أرضين فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن بين كل أرضين سبعمائة عام, ورواه الترمذي وعنده أن بين كل أرضين خمسمائة سنة. وقال الترمذي حديث غريب. قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زايد أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ورواه ابن جرير من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا. قال ابن كثير ولعل هذا هو المحفوظ.
قلت وهذا الخبر لم يصح إسناده فلا يعتمد عليه في تقدير المسافة بين كل أرضين.
وأما ما فيه من تقدير المسافة بين السماء والأرض بخمسمائة عام فهو ثابت من حديث عبد الله بن عمرو وابن مسعود والعباس وأبي سعيد ﵃ وقد تقدمت أحاديثهم في أول الكتاب.
وأما قوله وفي كل أرض سكان من خلق الله لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى فجوابه أن يقال إثبات السكان في كل أرض غير الأرض العليا يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ولا دليل على ذلك.
وأما الأثر المروي في ذلك من طريق أبي الضحى عن ابن عباس ﵄ أنه قال في كل أرض نبي كنبيكم إلى آخره. فهو أثر منكر جدا. قال البيهقي هو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا. وقد ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية وقال إنه محمول إن صح نقله عن ابن عباس ﵄ على أنه أخذه من الإسرائيليات.
قلت ومثله لا يثبت به شيء والله أعلم.
وأما قوله ولهم ضياء يستضيئون به ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر.
فجوابه أن يقال كل هذه تخرصات لا دليل عليها من كتاب ولا سنة وما لم يكن عليه
стр. 179
دليل فليس عليه تعويل. وقد قال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
فصل
قال الصواف لقد رصد أسلافنا القمر قبل أهل الشرق والغرب واهتموا اهتماما عجيبا بتحقيق الأمر فيه. ويظهر لي أنه لو كانت لهم من الوسائل ما لعلماء الفلك في هذا العصر لحاولوا الصعود إليه لكشف أمره وتحقيق الحكم فيه. وقد جاء في كتاب (مادل عليه القرآن) صفحة ١٢٩ وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه. هذا ما قاله مؤلف الكتاب قبل ما يقرب من خمسين سنة ونقله عن علماء مسلمين قالوه قبل مئات السنين. وأرجو أن يلفت القارئ إلى عبارتين وردتا في هذه الفقرة التي نقلتها من الكتاب. الأولى أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار وأنهم أحسوا بها في مراصدهم. والثانية قوله وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه. ألا تدل هاتان العبارتان على العجب العجاب الذي وصل إليه علماء المسلمين منذ قرون. أما كان الواجب علينا أن نتمم ما بدأوه من بحوثهم العلمية المستفيضة في علوم الكون والفلك وغيرهما. وهل سار علماؤنا في هذا الطريق إلا بأمر من الله ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والله ﵎ حينما يقول وهو يخاطب رسوله ليخاطب الناس (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) فهل المراد مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي أم هو النظر للبحث والعلم والتحقيق والاعتبار والادكار.
والجواب أن يقال لم يكن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم يرصدون القمر ويرجمون بالغيب عما فيه وحاشاهم من التخرصات واتباع الظنون الكاذبة .. ولو كان رصد القمر والبحث عما فيه
стр. 180
خيراً لكان الصحابة رضوان الله عليهم أسبق إلى ذلك من غيرهم. وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدي من بعدهم.
وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة إلى آخر كلامه. وذكر الألوسي أيضا في صفحة ١٠١ و ١٠٢ أن أهل الأرصاد اليوم كشفوا في القمر جبالا ووهادا وأودية وهكذا الشمس وسائر السيارات وظنوا أن فيها مخلوقات نحو سكنة الأرض وزعموا أن فيها بحاراً وأنهاراً. وصرح الألوسي أيضاً في عدة مواضع من كتابه أن أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وصرح في صفحة ٢٣ أنهم هرشل وأتباعه.
وذكر محمد فريد وجدي في دائرة المعارف أن غاليليه هو الذي اخترع المنظار الفلكي فرصد به القمر فرأى فيه الجبال والأودية والظلال الكثيفة الممتدة على سهوله.
قلت وكان غاليليه في القرن الحادي عشر من الهجرة وهو الذي نشر أقوال كوبرنيك البولوني.
فهؤلآء هم أسلاف الصواف الذين رصدوا القمر واهتموا بتحقيق الأمر فيه. وبئس ما رضي الصواف لنفسه حيث جعل كوبرنيك وغاليليه وهرشل وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج سلفاً له.
وأما قوله وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه.
فجوابه أن يقال ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة كله تخرص ورجم بالغيب.
ومن أين لهم اكتشاف القمر وتحقيق الأمر فيه وهو في السماء بنص القرآن وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فقدرتهم عاجزة عن اكتشافه من هذا البعد الشاسع وتحقيق الأمر فيه.
وقد أنفق بعض كبار الدول في زماننا أموالا كثيرة وبذلوا غاية الجهد في محاولة الوصول إلى القمر وتحقيق الأمر فيه فما استطاعوا ذلك ولن يستطيعوه أبداً. وقد صرح بعض الأذكياء من علمائهم المختصين بمعرفة الأرصاد أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى القمر.
стр. 181
وأما إطلاقه وصف الحكمة على فلاسفة الإفرنج فهو خطأ ظاهر ... والصواب أنهم أهل الغباوة والجهل الكثيف, وقد تقدم التنبيه على هذا مع ذكر أخطاء الألوسي.
وأما قوله ونقله عن علماء مسلمين قالوه قبل مئات السنين.
فجوابه أن يقال هذا غلط فاحش لأن الذين نقل عنهم الألوسي في شأن القمر ما نقل ليسوا بمسلمين وإنما هم أهل الهيئة الجديدة, وقد ذكرت مراراً أن الألوسي صرح في عدة مواضع من كتابه أن أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وصرح في صفحة ٢٣ أنهم هرشل وأتباعه.
وقول الصواف أنهم قالوه قبل مئات السنين ليس بصحيح لأن هرشل وأتباعه إنما كان زمانهم من نحو مائتي سنة فأقل. وإنا نتحدى الصواف أن يسمي لنا علماء المسلمين الذين نقل عنهم الألوسي في شأن القمر ما نقل. وأن يذكر كتبهم التي ذكروا فيها ذلك إن كان صادقاً. وما أبعده من الصدق.
وأما قوله وأرجو أن يلفت القارئ إلى عبارتين: الأولى أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار وأنهم أحسوا بها في مراصدهم. والثانية قوله وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه.
فجوابه أن يقال وهل ظننت أيها الصواف أن هاتين العبارتين من كتاب الله تعالى أو مما صح عن رسول الله ﷺ حتى ترجو من القراء أن يلفتوا نظرهم إليهما. وأي فائدة للقراء في تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة وما أوحاه الشيطان إليهم حتى يلفتوا نظرهم إلى ذلك بل الحق أنه ينبغي للقراء الذين عافاهم الله تعالى من اتباع الظنون الكاذبة إذا وقفوا على مثل هاتين العبارتين أن يحمدوا الله الذي عافاهم مما ابتلى به المتخرصين المتكلفين ما لا علم لهم به وما ابتلى به أتباعهم من جهال المسلمين المفتونين بزخارفهم وهذيانهم.
وأما قوله ألا تدل هاتان العبارتان على العجب العجاب الذي وصل إليه علماء المسلمين منذ قرون.
فجوابه أن يقال قد ذكرنا أن الذين تخرصوا في القمر وزعموا فيه ما زعموا ليسوا بمسلمين وإنما هم من فلاسفة الإفرنج وهم أهل الهيئة الجديدة ومن أولهم كوبرنيك البولوني وكان في القرن العاشر من الهجرة. ثم كان بعده كبلر وغاليليه وكانا في
стр. 182
القرن الحادي عشر من الهجرة ثم هرشل الإنكليزي وأتباعه وكانوا في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة. ولو فرضنا أن أحداً من المسلمين تخرص في القمر منذ قرون وقال فيه بما قاله أهل الهيئة الجديدة فيه لما كان تخرصه فيه مقبولا من أجل إسلامه بل ذلك مردود لما فيه من الرجم بالغيب واتباع الظن. وأي فائدة للمسلمين في التخرصات والظنون التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ويقال أيضاً ليس العجب العجاب من كفار يتخرصون في القمر ويرجمون بالغيب عما فيه فما هم عليه من الكفر بالله تعالى أعظم من تخرصاتهم وظنونهم في القمر. وإنما العجب العجاب من رجل مسلم ينتسب إلى العلم ويتصدر للتدريس والإرشاد وهو مع هذا يصدق أعداء الله في تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة ولا يتورع عن الافتراء لتأييد القول الباطل الذي هو مفتون به. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وأما قوله أما كان الواجب علينا أن نتمم ما بدأوه من بحوثهم العلمية في علوم الكون والفلك.
فجوابه أن يقال إذا كنت ترى ذلك واجباً عليك فاذهب إلى القمر وغيره من الأجرام العلوية وتمم ما بدأه أسلافك أهل الهيئة الجديدة من المزاعم الباطلة والظنون الكاذبة فيها. ولا يخفى عليك أن من ترك الواجب عليه فهو آثم أما غيرك فإنهم قد وقفوا حيث وُقِفَ بهم فما جاءهم عن الله تعالى ورسوله ﷺ تلقوه بالقبول والتسليم وما سكت الله ورسوله عنه سكتوا عنه ولم يتكلفوا ما لا علم لهم به لعلمهم أن الله تعالى قد نهى عن ذلك في قوله (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
وأما قوله وهل سار علماؤنا في هذا الطريق إلا بأمر من الله ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فجوابه أن يقال علماؤك من أهل الهيئة الجديدة لم يسيروا فيما زعموه عن القمر وغيره من الأجرام العلوية على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وإنما ساروا على مجرد ظنونهم وأرصادهم التي لا تغني من الحق شيئاً.
стр. 183
وقد صرح الألوسي بذلك في قوله: وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم فذكر أنهم ساروا على مجرد الظن وما تقتضيه الأرصاد لا على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ .
وذكر الألوسي أيضاً في صفحة ٢٣ أن هرشل الفيلسوف وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز والأرض وكذا النجوم دائرة حولها.
وهذا صريح في أن أهل الهيئة الجديدة إنما ساروا على مجرد التخيلات وهي التخرصات والظنون الكاذبة. لا على أمر من الله تعالى ووحي من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ . ويلزم على قول الصواف أن يكون الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان قد تركوا العمل بأمر أمر الله به ولم يفهموا ما جاء في الكتاب والسنة عنه. وأن الذين عربوا كتاب اليونان وعملوا رصد الكواكب في زمن المأمون وما بعده هم الذين عملوا بما أهمله الصحابة والتابعون وتابعوهم, وفهموا من الكتاب والسنة ما لم يفهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم. هذا ما يقتضيه كلام الصواف كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم ولا يخفى أيضاً ما يقتضيه كلام الصواف من الإزراء بالصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. وما يقتضيه أيضاً من الثناء على الذين عملوا رصد الكوكب وتخرصوا في الأجرام العلوية وزعموا فيها المزاعم الباطلة.
وما كان مقتضياً لما ذكرنا فهو قول سيء ينبغي التحذير منه لئلا يغتر به.
وقد ذكرت في أثناء الكتاب كلاماً حسناً للحافظ أبي عبد الله الذهبي قال فيه إنه لما عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب نشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة. ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية.
قلت وعن هذا العلم المردي المهلك نجم الكلام في القمر وغيره من الأجرام العلوية والإخبار عما فيها بمجرد التخرصات والظنون الكاذبة.
وعلى هذا العلم المردي المهلك سار علماء الصواف لا على ما زعمه من الأمر والوحي اللذين لا وجود لهما.
стр. 184
وأما قوله: والله ﵎ حينما يقول وهو يخاطب رسوله ليخاطب الناس (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) فهل المراد مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي أم هو النظر للبحث والعلم والتحقيق والاعتبار والادكار.
فجوابه أن يقال ليس المراد من الأمر بالنظر في ملكوت السموات والأرض مجرد النظر للتفرج والتفكه والتسلي ولا النظر للبحث والكشف عما في الأجرام العلوية من جبال وبحار وغير ذلك مما لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ فإن هذا من الرجم بالغيب والقول بغير علم. وإنما الأمر بالنظر للتفكر والاعتبار والاستدلال على عظمة الخالق ﷻ وكمال قدرته وأنه الإله الواحد الأحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون من سواه.
والآية إنما سيقت في مخاطبة المشركين ودعائهم إلى الإيمان بالله تعالى. قال البغوي في قوله تعالى (قل انظروا) أي قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ماذا في السموات والأرض من الآيات والدلائل والعبر ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها. قلت وتمام الآية دال على أن الخطاب للمشركين ولهذا قال تعالى (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) ونظير هذه الآية قوله تعالى (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) الآية, وقوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت).
وقوله تعالى (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون) قال القرطبي في تفسيره (وهم) يعني الكفار (عن آياتها معرضون) بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها من ليلها ونهارها وشمسها وقمرها وأفلاكها ورياحها وسحابها وما فيها من قدرة الله تعالى إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعاً قادراً واحداً فيستحيل أن يكون له شريك انتهى.
وأما حمل الآية على ما قاله الصواف من البحث والعلم والتحقيق - يعني البحث عما في الأجرام العلوية من جبال وبحار وسكان وتحقيق ما غلب على ظنون أهل المراصد من ذلك والعلم به - فهو من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه.
стр. 185
فصل
ثم ذكر الصواف ما نقله الألوسي في صفحة ٤٦ و ٤٧ عن ابن الهيثم أنه قال في القمر يحتمل أن يكون كرة نصفها مضيء ونصفها مظلم ويتحرك على نفسه فيرى هلالا ثم بدراً ثم ينمحق وهكذا دائماً.
والجواب أن يقال هذا الاحتمال بعيد من الصواب, ومن أمعن النظر في القمر ولا سيما من الليلة التاسعة إلى ليلة إحدى وعشرين لم يشك أن وجهه الذي يقابل الأرض لا يزال مقابلا لها وإنما يزداد نوره وينقص بحسب مقابلته للشمس.
وقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ (وجعل القمر فيهن نوراً) (قال وجهه إلى العرش وقفاه إلى الأرض قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم. وهذا يرد ما قاله ابن الهيثم والله أعلم.
فصل
ثم ذكر الصواف ما نقله الألوسي في صفحة ٤٨ عن ابن قتيبة في ذكر منازل القمر الثمان والعشرين. وعد منها السماك الرامح وليس هو من المنازل. وأسقط سعد السعود وهو من المنازل. وهذا غلط إما من الألوسي أو ممن قبله من النساخ ويبعد أن يكون ذلك من ابن قتيبة.
فصل
وهنا أود أن أتم ما بدأت بنقله حول ما قالوه عن عدد الأرضين حيث قال المؤلف, وقد قالوا أيضاً أن هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته وبلقيس مملكته بمعنى أن جميع ما فيه من كواكبه السيارة تدور عليها فيه على وجه مخصوص ونمط مضبوط وقد يقرب إليها فيه ويبعد عنها إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى كواكب ذوات الأذناب وهي عندهم كثيرة جداً تتحرك على شكل بيضي. وأن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر
стр. 186
تدور عليه دوران توابعها من السيارات وهو فيما نسمع أحد كواكب النجم ولهم ظن في أن ذلك أيضاً من توابع كوكب آخر وهكذا. وسماء كل عالم كالقمر عندهم ما انتهى إليه هواؤه حتى صار ذلك الجرم في نحو خلاء فيه لا يعارض ولا يضعف حركته شيء. والجسم متى تحرك في خلاء لا يسكن لعدم المعارض فلتكن كل أرض من هذه الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين وهناك ما يستضيء به أهلها سابحاً في فلك بحر قدرة الله , ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة السماء إلى السماء التي فوقها كما ذكرنا سابقاً. قال ولقد ختم الألوسي قوله في الأرضين بما يأتي وفي الجملة من صدق بسعة ملك الله تعالى وعظيم قدرته لا ينبغي أن يتوقف في وجود سبع أرضين على الوجه الذي قدمناه ويحمل السبع على الأقاليم أو على الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما وليس ذلك مما يصادم ضرورياً من الدين أو يخالف قطعياً من أدلة المسلمين.
والجواب أن يقال كل ما نقله الصواف ههنا عن الألوسي فهو باطل. وقد نبهت على بطلان كل جملة منه في موضعها فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
فأما ما ذكره عن أهل الهيئة الجديدة أن الشمس هي مركز العالم وأن جميع الكواكب السيارة تدور عليها فقد تقدم بيان بطلانه في أول الكتاب وفي مواضع كثيرة في أثنائه.
وأما قولهم إن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر تدور عليه إلى آخره. فقد تقدم رده مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي وفي المثال الثامن عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة. وأما قوله إن كل أرض من الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين إلى آخر كلامه. فقد تقدم رد كل جملة منه على حدة مع الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي وهذا آخر ما تيسر إيراده, والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
وقد وقع الفراغ من تسويد هذه النبذة في يوم الأربعاء الموافق لست مضين من جمادى الثانية سنة ١٣٨٦ هـ على يد جامعها الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.