Полный текст (970 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الجزء الأول
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
قال أبو عبد الله محمدُ بنُ العباسِ اليزيديُّ، قال الحسنُ بنُ الحسينِ السُّكريُّ، قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ
حبيبٍ: حُكي عن أبي عبيدةَ معمرِ ابنِ المثنى التيميُّ - من تيمِ قريش، مولىً لهم، فغَلبَ عليه نسبُهم
- قال: كان التهاجي بين جريرٍ والفرزدقِ، فيما ذكرَ له مِسحلُ بنُ كسيبِ بنِ عمرانِ بنِ عطيةَ بنِ
الخطفى، واسمُ الخَطفى حُذيفةُ بنُ بدرِ بن سَلمة، وإنما سُميَ الخَطفى بقوله:
يَرفَعْنَ بِاللَّيلِ إذا مَا أَسدَفَا ... أَعناقَ جِنَّانٍ وَهَاماً رُجَّفا
وَعَنقاً بَاقي الُرَّسِيمِ خَيْطفَا
ويروى بعد الرسيم خَيطفا، عَنقاً: ضربٌ من سيرِ الإبل. خَيطَفا سريعاً، يقال: خَطف خَطفاً. وأُمُّ
مِسحل زَيداء بنتُ جريرِ بنِ عطية، وكانت بَكرة بنتُ مُليص، أحد بني مُقلد بنِ كليب، تحت تَميم بنِ
عُلاثة، أحد بني سَليط. وسَليطٌ هو كعب بنُ الحارثِ بن يربوع، فضربها
стр. 3
فَشجها، فلقي أخوها زوجَ
أختِه تميماً فلامَهُ على ضربهِ، وشجه إياها، فوقع بينهما لَحاء - أي بين أخي بَكرة وتميم - فشجَّ تميمُ
أخا بكرة أيضاً، فشجَّه فأمه. فحمل هلالُ بن صعصعة أحدُ بني كُليب ثُلث الدِّية، وهو ثلاثة وثلاثون
بعيراً وثُلث بعيرٍ، وكذلك دِية الآمَّة، وتمام الدِّية مائة بعير - فالتأم ما بينهم على دَخن، فقال عطية بنُ
الخطفَى في ذلك يتوعدُ تميمَ بنَ عُلاثة:
تَلبَّثْ فَقَد دَايَنْتَ مَن أنتَ وَاثِقٌ ... بِلَيَّانهِ أَوْ قَابلٌ مَا تَيَسَّرا
مِنَ المُفَلِسِ الغَاوِي الَّذي إنْ نَأَيْتَهُ ... زَمَاتاً وَأَجْرَرتَ الَّذي لَكَ أَعْسَرا
إذَا ما جَدَعْنا مِنْكم أَنْفَ مِسْمعٍ ... أَقرَّ وَمَنَّاهُ الْصَّعَاصِعُ أَبْكُرَا
جدعنا: قطعنا، مسمع: أُذُن، وأنف كلِّ شيء أوَّله. والصعاصع: يريد هلال بن صعصعة ومن يليله،
وأبكُر: جمعُ بَكرٍ. فكانت الهدنة بينهم على دَخن - والهدنة الصلح والسكون - ثم اجْتوَر بنو جُحيش
بن سيف بن جارية بن سَليط، وبنو الخَطفى، فتنازعوا في غديرٍ بالقاع، فجعلت بنو الخطفى تُهجِّيهم
- أي تهجوهم - وكانت بنو جُحيش مُفحمين لا يقولون الشِّعر، فاستعانوا بغَّسانٍ بن ذُهيل بن البراءِ
بن ثُمامة بن سيف بن جارية بن سَليط، فهجا غسانُ بن ذُهيل بني الخَطفي، عن بني عمِّه بني سيف
بن جارية، وجرير بن عطية ترعيَةٌ، يرعى على أبيه الغَنم، لم يقل الشِّعر بعدُ - يقال ترعِيَةٌ وتِرعِيَّةٌ
стр. 4
وتِرعايَة، إذا كان لازماً للرعي - فتَفلَّت جريرٌ إليه، فزُبر، فقيل: أنت ضرعٌ وهو مُذكٍّ، فورَد جريرُ
على أهله ذات يوم بإعجالتهم، وذلك على عِدَّ أن مُلك بني الزبير - والإعجالةُ اللبنُ يتعجَّل به
الراعي إلى الحيِّ المقيم في الدار من المُرتَبع، والعِدَّانُ الوقت - فإذا هو بجماعة، فسأل ما هذا؟
فقالوا: غسَّانُ يُنشد بنا، فقال جرير: احملوني على بعيرٍ، فجاؤوه بقعودٍ فركبه، وأقبل حتى أشرف
على غسَّانَ والجماعة، فرَجزَ بهم وهو أول شعرٍ قاله:
لاَ تَحْسِبنِّي عَنْ سليط غَافَلا ... إنْ تَعْشُ لَيْلاً بِسَليطٍ نَازلاَ
لاَ تَلقَ قِرَاناً وَلاَ صَوَاهلاَ ... وَلاَ قِرىً لِلنَّازلِينَ عَاجلاَ
أَبلِغْ سَلِيطَ اللُّؤْمِ خَبْلاً خَابِلاَ ... أَبْلغْ أَبَا قَيْسٍ وَاَبْلِغْ بَاسِلاَ
والصُّلْعَ مِنْ ثُمَامَةَ الحَواقِلاَ
الحَواقل: جمع حوقلٍ، وهو المُسنُّ.
إني لَمُهْدٍ لَهُمُ مَسَاحلا ... زُغْبَةَ وَالشَّحَّاجَ وَالقَنَابِلاَ
المَساحِل: الحمير في أصواتها خشونةٌ وبُحةٌ، وهذه أسماءُ حمير. ويروى والثَّهَّاث.
يَضْرِبنِ بالأَكْبَادِ وَيْلاً وَائلاَ ... رَعَيْنَ بِالُصَّلْبِ نَدىً شُلاَشِلاَ
стр. 5
يريد أنهن يضربنَ بطونهنَّ بجَرادِين ضِخام. والنَّدي هاهنا: البَقلُ. والشُّلاشل: النَّديُّ الغَضُّ، الذي
يتشَلشلُ ماؤه.
في مُسْتَحِيرٍ يَغمُزُ الجَحَافِلا ... زُغْبَةُ لاَ يَسْألُ إلاَّ عَاجلا
أي سِفاداً عاجلاً.
مُستحِيرٌ: ماءٌ مُتحيرِّ في الأرض قائمٌ، يريد أنه يغصِبُهنَّ على أنفسِهنَّ ولا يبالي ما لقِين من سفادِه.
مَا يَتَّقي حُولاً وَلا حَوَاملا ... يَحْسِبُ شَكْوَى المُوجعَاتِ بَاطِلا
يَرْهزُ رَهْزاً يُرْعِدُ الخْصَائِلا ... يَتْرُك أَصفانَ الخُصَى جَلاَجلا
الخَصائل: العَضلُ في اليدين والرجلين واحدتها خَصِيلة، والأصفان: جماعة صفنٍ وهو جلد الخُصيتين.
تَسْمَعُ في حَيْزومِهِ أَفَاكِلاَ ... قَدْ قَطَع الأمْرَاسَ وَالسَّلاَسِلاَ
حيزومه: صدرُه، والأفاكل: الرِّعدةُ من النشاط، والأمراس: الحبال.
стр. 6
وقال جريرٌ أيضاً:
إنَّ سَليطاً في الخَسَارِ إنَّهْ ... أَولاَدُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقنَّهْ
واحد الأقنة قِنٌ: وهو الذي مُلِكَ هو وأبواه.
لاَ تُوعدُوني يَا بني المْصُنَّه ... إنَّ لَهُمْ نُسَيَّة لُعِنَّهْ
سُوداً مَغَالِيمَ إذَا بَطِنَّهْ ... كفِعلِ الأُتْنِ يَسْتَنِنَّهْ
ويروى يفعَلْنَ فِعلَ الأُتُنِ المِسُنّهْ.
يُولَعْنَ بِالبَيعِ وإنْ غُبِنَّهْ
وقال أيضاً:
إنَّ سَليطاً هُمْ شِرارُ الخَلْقِ ... قَلَّدْتُهُمْ قَلاَئِداً لاَ تُبْقي
وقال أيضاً:
إنَّ الُسَّليطي خَبيثٌ مَّطْعَمُهْ ... أَخْبَثُ شَيْءٍ حَسَباً وأَلأمُهُ
مُحْرَنْفشاً بِحَسبٍ لاَ يَعْلَمُهُ ... اسْتُ السَّلِيطِيِّ سَوَاءٌ وَفَمُهْ
стр. 7
الاحرنْفاشُ: نفشُ الدِّيك عُرفه، وانتفاخ الحُفَّاث إذا غضِب، يريد أنهُ ينتفخ بما ليس عنده. والحُفَّاث
حيّةٌ تكون باليمامة، عظيمة مُنكرةٌ الخَلقِ، فإذا غضِبت انتفختْ فصارت مِثل الجراب، ثم تَنفَّشُ ولا
تؤذي، ويقال لها العَربدُّ أيضاً، وهي تأكل الفأر في بيوتهم ولا تؤذيهم.
خِنْزيرُ بَقٍّ سَيِّئٌ تَنَسُّمهْ ... هَلْ لَكَ في بَيِضْ خُصيً تَلَقَّمُه
إنَّ السَّليطِيَّ مُباحٌ مُحْرَمُهْ
وقال لهم أيضاً:
أَنْعَتُ حَصَّاءَ القَفَا جَمُوحَا ... ذَاتَ حَطَاط تَنْكَأُ الجُرُوحَا
تَتْرُكُ فُحْجَانَ سَلِيطٍ رُوحاً
الأفحجُ: الذي تَداني صدورُ قَدميه، وتُقبلُ إحدى رجليه على الأخرى، والأروحُ الذي تَداني عَقباه
وتباعَد صدورُ قدميه. والحصَّاءُ: التي لا شعر عليها. والحَطاط: البَثر الصِّغار من شدَّة النَّعط كأن فيه
بَثراً.
فاستغاثت بنو سَليط بحكيم بن مُعية، أحد بني المِجرِّ، من بني ربيعة بن مالكِ بن زيدِ مناة، وهو
ربيعةُ الجوع. وبنو المِجر من كِندةَ
стр. 8
دخلوا في هؤلاء على حلف، وكانت عند حُكيم امرأةٌ من بني
سليط، فولَدت له بشِيراً، وكانوا حُلفاء لهم. وأقبل حُكيم مع بني سليط، ودون الموقف الذي به جرير
أُكَيمةٌ، قال حكيم: فلما أوفَيتُها سمعته يقول:
لا يتَّقي حُولاَ ولا حَواملا ... يترك أَصفان الخُصى جَلاجِلا
فقلت لهم: لقد جَلجل الخُصى جَلجَلة، عرفت أنه بحرٌ لا يُنكش. يقال هو بحرٌ لا يُنكش ولا يُفثج،
ولا يُؤبى، ولا يُغضغض، ولا يُغرَّض، ولا يُنكف، ولا يُنزح بمعنى واحد، ولا يَمكُل، ولا يُنالُ عَربُه.
وأنشد لطُفيل بن عوفِ الغَنويِّ:
ولا أقولُ وقعرُ الماءِ ذو عَرَبِ ... من الحرارةِ إن الماءَ مشغولُ
فانصرفتُ وقلت: أيمِ الله لا جَلجَلتني اليوم. ولَحِم التهاجي بين غَسان بن ذُهيل وبين جرير فقال
غسان:
لَعَمْري لَئن كَانَتْ بَجيلَةُ زَانَهَا ... جَريرٌ لَقَدْ أَخْزى كُلَيْباً جَريرُهَا
وَما يَذْبُحون الشَّاةَ إلاَّ بِمَيْسرٍ ... طَويلاً تناجيَها صغيراً قُدُورُهَا
يقول: يشتركون في الشاة كما يشترك الأيسارُ في الجزور. وتناجيها تشاورُها.
стр. 9
رَمَيْتَ نِضَالاً عِنْ كُلَيب فَقَصَّرتْ ... مَرَاميكَ حَتَّى عَادَ صفْراً جفَيرُها
المرامي السهام، واحدتها مرماة، والجفير والوفضة والقرن والجعبة واحد، والكنانة مثله، والصفر:
الفارغ، وزعم أن المرامي سهام وأنشد للكميت:
وبناتٍ لها وما ولدته ... ن إناثاً طوراً وطوراً ذكوراً
يعني الوفضة يقال له سهم ومرماة فمرة يذكَّر ومرة يؤنث.
سَتَعْلمُ مَا يُغْني مُعَيْدٌ وَمُعْرضٌ ... إذَا ما سَليطٌ غرَّقَتْكَ بُحُورُها
مُعيدٌ: جدُّ جرير أبو أمه، وأُمُّه: أُم قيس بنت ين عُثيم بن حارثة ابن عوف بن كُليب، ومُعرِض من
أخواله وكان يحمَّق.
فأجابه جرير، وفيها تَصداقُ قول حُكيم، إنهم إنما تهاجَوا من أجل الغديرِ الذي بالقاع الذي تنازعوا
فيه:
أَلا بَكَرتْ سَلْمَى فَجدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ العَصَا بَعْد اجْتماعٍ أَميرُهَا
شقُّ العصا: التَّفرق، ومن هذا يقال للرجل المخالف للجماعة قد شقَّ
стр. 10
العصا وأميرُها الذي تؤامِرُه، زوجهُا أو أبوها.
إذَا نَحْنُ قُلْنَا قَدْ تَبَايَنَتِ الَّنَوى ... تُرَقْرِقُ سَلْمَى عَبْرَةً أَوْ تُميرُهَا
النَّوى: نِيةُ القوم ووجهتُهم التي عَمدوا لها. وتَرقرقُ الدَّمع: امتلاءُ العين به قبل أن يفيض، وتميرُها:
تُجيلها، وتَميرَها بفتح التاء تجلبها.
لَهَا قَصَبٌ رَيَّانُ قَدْ شَجيَتْ به ... خَلاَخيلُ سَلْمىَ المصْمَتاتُ وَسُورُهَا
كُلُّ عظم مُمِخٍّ فهو قصبةٌ. المُصمت الذي لا يجول ولا يتحرك. وشَجيت غصت خلاخيلُها وسورُها
بيديها ورجليها، وسُورٌ جماعةُ سِوار.
إذَا نَحْنُ لَمْ نَمْلِكْ لِسَلْمى زيَارَةً ... نَفسْنَا جَدَى سَلْمَى عَلَى مَنْ يَزُورُهَا
فَهَلُ تُبْلغَنِّي الحَاجَ مَضْبُورَةُ القَرَى ... بَطيء بِمَوْرِ النَّاعجَات فُتُورُها
المضبورة: المُوثقُة، والقرى: الظَّهر. والمورُ: الطريق. والناعجاتُ: الإبل البيض.
نَجَاةٌ يَصِلُّ المَرْوُ تَحْتَ أَظَلِّها ... بِلاَحِقَةِ الأْظْلاَلِ حَامٍ هَجيرُهَا
النجاةُ: السريعة. والمروُ: الحجارة البيض. وصليلها: صوتُها إذا قرع
стр. 11
بعضها بعضاً. والأظلُّ: باطن
الخُفِّ. واللاحقةُ الأظلال: أراد فلاة حين عُقل ظِلُّها، فصار ظِلُّ كُل شيءٍ تحته، لم يفضل عنه.
والهجير: الهاجر. وأنشد اللبيد:
تسلُبُ الكانِسَ لم يُوْأَر بها ... شُعبةَ السَّاقِ إذا الظِّلُّ عَقَلْ
يُؤأر يُشعر، وأنشد لذي الرمة:
عواطفَ يستثبتنَ في مَكْنَسِ الضُّحى ... إلى الهَجْرِ أظلالا بطيئاً ضُهولُها
عواطفَ وعواقد واحد، وهو الظَّبيُ الذي يعطفُ نفسَه، يضع رأسَه على جنبه. يَستثَبِتنَ يستفعلن من
الثَّبات، كأنهن يستبردن الظِّلَّ ويستطِبنَهُ.
أَلا لَيْتَ شِعْري عَنْ سَليط أَلمْ تَجِدْ ... سَليطٌ سِوى غَسَّانَ جَاراً يُجيرُهَا
لَقَدْ ضَمَّنُوا اَلأحسَابَ صَاحِبَ سَوْءَةٍ ... يُنَاجي بِها نَفْساً لَئِيماً ضَميرُهَا
وَنُبِّئْتَ غَسَّانَ بن واهصَة الخصُى ... يُلَجْلُج مِنِّي مُضْغَةً لا يُحيرُهَا
يريد لا يَسيغها، والوَهصُ الشَّدخُ، يريد أنها تشدخُ خُصى الغنم، ويقال لمِا خُصِيَ على الشدخ
مَوهُوصٌ وموجودٌ، فإذا سُلت
стр. 12
بيضتاه فهو ممتونٌ ومملوسٌ، وقد مُتِن ومُلِس، والاسم منه المَتنُ
والمَلسُ.
سَتَعْلمُ مَا يُغْني حُكَيْمٌ وَمَنْقَعٌ ... إذَا الحَرْبُ لَم يَرْجْعِ بصُلْحٍ سَفيرُهَا
حُكيمُ بن مُعيَّة الرَّاجز، أحدُ بني ربيعةَ الجوع، ومُنقعٌ أحدُ بني نَصله بن بهدَلة، أحدُ بني ربيعة
أيضاً، كان يُعينُ على جرير. والسَّفيرُ المُصلحُ بين القوم، يقال سَفر بين القوم سِفارة، والسفيرُ أيضاً،
ما سَفرته الريحُ من ورقِ الشجر وغيره، تسفِرُه سَفراً، ومن هذا سُميت المِكنسة مِسفرةً، لأنها يُسفَر
بها أي يُكنَس.
ألاَ ساءَ مَا تُبلى سَليطٌ إذا رَبتْ ... جَوَاشِنُهَا وَازْدادَ عَرْضاً ظُهُورُهَا
يريد أنها انتفخت رئاتُها من الجُبنِ فملأت صدورَها وظهورها.
بِأسْتَاههَا تَرمْي سَليطٌ وَتَتَقَّي ... وَيَرمِي نضَالاً عَنْ كُلَيْبِ جَريرُهَا
وَلمَّا عَلاَكمْ صَكُّ بَازٍ جَنَحتُمُ ... بأَسْتَاه خِرْبَانٍ تَصرُّ صُقُورُهَا
الجُنوح: الميلُ إلى الأرض وغيرها. والخِربانُ: ذكورُ الحُبارى، واحدها خَربٌ. تَصِرُّ تصيح
صقورها تصوِّت. يقول ليس عندكم دفعٌ إلا بأستاهكم، كما أن الحُبارى ليس عندها دفع إلا أن تَسلَح
على البازي.
стр. 13
عَضَارِيطُ يَشْوُونَ الفَرَاسِنَ بِالضُّحَى ... إذَا مَا السَّرَايَا حَثَّ رَكْضاً مُغيرُهَا
العضاريطُ جمع عُضرُوطٍ وهم الأتباعُ واحدهم عُضرُوط. والفراسنُ أخفاف الإبل واحدها فِرسِن.
يقول: فذاك حظُّهم من الجزور - وهو شرُّ ما في الجَزُور - يريد أنهم لا يَيسِرون مع الناس، ولا
يأكلون إلا شرَّ ما في الجزور، وقولُه إذا ما السرايا حثَّ ركضاً مُغيرُها، يقول: إذا ركب الناسُ لغارةٍ
أو فزعٍ لم يركبوا معهم، يقول: ليسوا بأصحابِ حربٍ ولا خيلٍ يُعَيِّرُهم بذلك.
فَمَا في سَليط فارِسٌ ذُو حَفيظَة ... وَمَعْقلُهَا يَومض الهِيَاجِ جُعُورُهَا
يقول: إذا تَهايَج الناس أحدثُوا هُم فَزعاً وجُبناً، فلم يَستعِن بهم أحدٌ، فذلك نجواهم يوم الهياج ونجواهم
به. ومن أمثالهم قولهم "اتَّقى بِسلحِه سَمُرةُ" وأصلُ ذلك أن رجلاً أراد ضرب غلام له يقال له سَمُرة،
فَسلح الغلامُ فَخلاَّه، فذهبت مَثلاً. وذو حفيظةٍ: ذو غضب. ومَعقِلها: ملجأ قومها.
أَضِجُّوا الَّروَايا بالمَزَادَ فَإنَّكُمْ ... ستَكْفَونَ كَرَّ الخَيْلِ تَدْمَى نُحُورُها
يقول: اخدموا أنتم واستقوا فإن الحربَ يكفيكُمُوها غيرُكم. وقوله أَضِجُّوا، يقول: إنما أنتم رِعاءٌ.
الرَّوايا: الإبل التي يُحمل عليها الماء، وهي التي يُستقَى عليها، وكلُّ ما استقُي عليه من بعيرٍ أو غيره فهو
стр. 14
راوِيةٌ، وبذلك سُمِّيَ راوية الشِّعر والعِلم لأنه يحمله. والمزادُ كلُّ ما استُقي فيه من الأدم، الواحدة
مَزادةٌ. وقوله أَضِجُّوا الرَّوايا يعني ألحُّوا عليها بالاستقاء حتى تَضِجَّ حتى ترغُوَ للضَّجر.
عَجِبتُ من الدَّاعيِ جُحَيْشاً وَصاَئداً ... وَعَيْسَاءُ يَسعَى بِالعلابِ نَفيرُها
جُحَيش بنُ زيادٍ أحدُ بني زُبيد بن سَليط، وصائدٌ سَليطيٌ، وعيساءُ جدَّةُ غسان بن ذُهيلٍ. والعِلابُ
جمعُ عُلبةٍ وهي التي يحلبُ فيها، وهي أعظمُ من الملعقةِ وأصغر من الجفنةِ وهي تُعمل من جلود
الإبل.
أَسَاعَيةٌ عَيْسَاءُ والضَّأنُ حُفَّلٌ ... فَمَا حَاوَلَتْ عَيْسَاء أَم مَا عذيِرُهَا
التَّحفيلُ اجتماعَ اللبن في ضروعها، وكذلك التَّصريَة. والعذير الحال.
إذَا ما تَعاظَمْتُم جُعُوراً فَشَرِّفُوا ... جُحَيْشاً إذَا آبَتْ من الصَّيْفِ عيرُهَا
يقول: إذا جاءت الإبلُ بالمِيرة، كَثُرت عندهم الحِنطةُ والتَّمرُ، فيشبعون وتعظم جعورُهُم.
قال أبو عثمان: حدثنا الأصمعيُّ، قال: تجاعَر حيَّان من العرب أي خَرِئوا، فاختار كلُّ حيٍّ منهم
رجلاً، وكان سَبقُهُم في ذلك جَزُورا. قال: فأُطعِما من الليلِ طعاماً كثيراً، حتى اندحَّت بطونُهما، قال:
ثم أصبحوا، فاجتمع الناسُ، قال: فجاء أحدُهما فوضع أمراً عظيماً، فهال
стр. 15
ذلك أصحاب الآخر، وخَبنوُا، وخشوا أن يُغلبوا فقال صاحبهم: لا تعجَلوا، ابشروا. قال: فجاء صاحبُهم إلى ما وضع
صاحبُه ثم جَلَّله، ثم تَنحَّى ناحية فوضع مثله، قال: فغَلب فأخذه أصحابهُ فحملوه على أعناقهم، فقال
الغالبُ لأصحابه: بأبي أنتم، أمَا إذا كان الظَّفرُ لنا فأشبعوني من أطايبها يعني من أطايب الجزور.
أُنَاسٌ يَخَالُونَ الْعَبَاءَةَ فيهِمُ ... قَطِيفَةَ مِرْعَزَّى يَقلَّبُ نيرُهَا
كَأنَّ سَليطاً في جَواشِنها الْخُصَى ... إذّا حَلَّ بَيْنَ الأمْلَحَيْن وَقيرُهَا
يريد أن أبدانَهم مُعضَّلةٌ كَخلق العبيد قد اكتنزت من العمل فتَعضَّلت، ليست سَبطةً كَسُبوطةِ الأحرار.
والأملحانِ ماءان ويقال جبلان لبني سَليط، وأنشد لعُمارة بن عَقيل:
وكم بابٍ فتحتَ بغيرِ حقٍّ ... وكم مالٍ أكلتَ بغيرِ حِلِّ
كأنك من خُصى سبعين بغلاً ... جُمِعْتَ فأنت كالثورِ المُوَلِّي
المُولِّي: المسنّ. والوقِيرُ: الغَنمُ فيها حماران أو أحمِرةٌ ولا تسمى الغنم وقيرا إلا بحُمرِها.
إِذا قِيلَ رَكْبٌ مِنْ سَلِيطٍ فَقُبِّحَتْ ... رِكَاباً وَرُكَباناً لَئيماً بَشيرُهَا
стр. 16
البشيرُ: المُبشِّر، والبشيرُ أيضاً الجَميلُ الوجه، يقال من البِشارة بَشرتُه، وأبشرتُه وَبشَّرتْهُ، وأنشد أبو
تَوبَة:
بَشَرْتُ عيالي أنْ رأيتُ صحيفةً ... أتتكَ من الحَجَّاجِ يُتْلَى كتابُها
نهيتُكُمُ أن تركبوا ذاتَ ناطحٍ ... من الحربِ يُلوَى بالرِّداءِ نذيرُها
ويروى: يسيرُها. يقول: أُتيتم. ذاتُ ناطحٍ: داهية.
وَمَا بكُمُ صَبْرٌ عَلى مَشْرَفيَّةٍ ... تَعَضُّ فِرَاخَ الْهَام أَوْ تَسْتَطِيرُهَا
المَشرفيَّةُ: سيوفٌ تُطبع بالمشارف، والمشارفُ القُرى ما بين الريفِ والبدو، مثل الأنبار من بغداد،
والعُذيبِ من الكوفة، وهي المزالِفُ والمَذارِعُ، وفراخِ الهام أدمغتها.
تَمَنَّيْتُمُ أنْ تَسْلُبُوا الْقَاعَ أَهْلَهُ ... كَذاكَ المُنَى غَرَّتْ جُحَيْشاً غُرُورُها
وَقَدْ كَانَ في بَقْعَاءَ رِيٌّ لشائكُمْ ... وَتَلعَةَ والجَوْفاءُ يَجْري غدَيِرُهَا
تَنَاهَوْا وَلاَ تَسْتَورْدُوا مَشُرفيَّة ... تُطيرُ شُؤُونَ الْهَامِ مِنْهَا ذَكْورُها
لا تستوردوا: لا تجعلوا رءوسكم وِردا لها، وشؤون الهام: مواصل الرأس، واحدها شأنٌ والشَّأنُ ما
بين قبيلتين من قبائل الرأس.
كأَنَّ السَّليطيِّينَ أَنْقَاضُ كَمْاة ... لأوَّلِ جَانٍ بالْعَصا يَسْتَثيرُهَا
واحدُ الأنقاض نَقضٌ وهو ما خرج من رأس الكَمأةِ إذا انشقت عنها
стр. 17
الأرضُ. يَصفُهم بالذُّلِّ وأنهم لايمتنعون، كما لا تمتنعُ هذه الكَمأةُ إذا استُثيرت بالعصا. ومن أمثال العَرب "هو أَذَلُّ من فَقْعٍ بِقاع"
وهي الكَمأةُ البيضاءُ.
غَضِبْتُمْ علينا أَو تَغَنَّيْتُمْ بِنَا ... أَن أخْضَرَّ من بَطنِ التِّلاَعِ غَمِيرُهَا
الغميرُ الكَلأ اليابسُ يُصيبه المطر فينتثر فيكون خَلِيساً أبيض وأخضر. يقول: لما أخصبتم وَشعبتم
تَغنَّيتمُ بهجائي. والتِّلاع مَسايل الماء المرتفعة وهي المنخفضةُ وهي من الأضداد.
فَلَوْ كَانَ حِلْمٌ نَافِعٌ في مُقلَّد ... لَمَا وَغِرَتْ مِنْ جُرْمٍ صُدُورُهَا
يعني مُقلَّد بن كُليب. والوَغر: الحِقد والعداوة.
بَنُو الْخَطَفى والْخْيلُ أَيَّامَ سُوفَةٍ ... جَلَوْا عَنْكُمُ الظَّلْمَاء فَانْشَقَّ نُورُهَا
كانت قيسُ عَيلان أغارت إلى بني سَليط فاكتسحت أموالهم، وسَبوا منهم سبايا فَركِبت بنو الخَطفى،
فاستنقَذت ما في أيدي قيسٍ من إبل بني سليط وسباياها، فمنَّ ذلك عليهم جرير. وَسُوفة موضع
بالمرُّوت وهو صحارٍ واسعة بين قُفيَّن أو بين شَرفين غليظين، وحائلُ ماءٌ ببطن المرُّوت، وسُوفة
قريبةٌ منه فأُضيفت سوفة إليه، وأنشد:
إذا قَطَعْنَ حائلاً والمَرُّتْ ... فَأبْعَدَ الله السُّوَيق المَلْتُوتْ
وفي بئْرِ حصْنٍ أدركتنا حَفيظَةٌ ... وَقَدْ رُدَّ فيهَا مَرَّتَينَ حَفيرُهَا
حفيرُها ما خرج منها. والحفيظة: الغضبُ. قال: كان بنو مُرَّة بن
стр. 18
حِمَّان طَمُّوا بئر حِصن بنُّ عوف بن مُعاوية الأكبر من كليب، وكانت ببطن المَرُّوت، وكانت لأهل الزُّلف من بني سليط فمٌ يدَّعونه،
فطَمَّتها بنو حِمان، حتى جاء بنو عوف بن كُليب، رهطُ جريرٍ فنزلوا عليها فسَفرت السُّفراء بينهم
واصطلحوا.
فَجئْنا وَقدْ عَادَتْ مَرَاغَا وبَرَّكَتْ ... عَليْها مَخَاضٌ لَمْ تَجدْ مَنْ يُثيرُها
يقول: دُفِنت بئركُم هذه مرتين، فاستثرناها لكم بعدما صارت مَراغا لم تَدفعوا عنها. المخَاضُ من
الإبل ذَوات الحَمل، في بطونها أولادها.
لَئِنْ ضَلَّ يَوْماً بالمُجَشَّرِ رَأْيُهُ ... وكَان لِعوْفٍ حَاسِداً لاَ يَضيرُهَا
المُجشَّر من بني مُقلِد بن كُليب، وعوفٌ رَهطُ جرير.
فَأَوَلَى وَأَولَى أَنْ أُصِيبُ مُقَلَّداً ... بفاشِيَةِ العَدْوى سَريعٍ نُشُورُهَا
ويروى طُرُورها أراد بقصيدة جَرِّيةٍ تُعدي من دَنا منها، ونشورُها: انتشارُها أي تنتشر وتفشُو.
فأولى وأولى: تَهدُّدٌ ووعيدٌ أي كُفُّوا عني لا أُصِبكُم بهذه المَعرَّة الفَاشية.
لَقَدْ جُرِّدَتْ يَوْمَ الحِدَاب نسَاؤُهُمْ ... فَسَاءَتْ مَجَاليهَا وَقَلَّتْ مُهُورُهَا
مجاليها حين جُليت كما تُجلى العَروس. وكان هذا اليومُ لبَكر بن وائل على سَليط فَسبوا منهم نساءً،
فأدركتهم بنو رياحٍ وبنو ثعلبة ابني يربوع، فاستنقذوهنَّ من أيدي بكر. وقوله: قلَّت مهورُها، يقول:
إنما مَلكُوهنَّ بالرِّماح ولم يَنقُدوا فيهن مَهراً. والحِداب: موضع.
فردَّ على جريرٍ أبو الورقاءُ عُقبة بنُ مُليص المُقلَّدي فقال:
стр. 19
إنَّ الذَّي يَسْعى بِحُرِّ بلاَدَنا ... كَمُبْتَحثٍ نَاراً بِكفّ يُثيرُهَا
وَمَا حَارَبَتْنَا مِنْ مَعَدٍّ قَبيلَةٌ ... فَتُقْلَع إلاَّ وَهَي تَدْمَى نُحُورُها
وَإلاَّ رَمَيْنَاهَا بِصَدْرٍ وَكَلْكَلٍ ... مِن الشَّرِّ حَتَّى مَا يَهرُّ عَقُورُهَا
أَبَا الخَطفَى وابْنيَ مُعَيْدٍ وَمُعْرِضٌ ... تٌسَدِّي أُمُوراً جَمَّةً لاَ تُنيرُهَا
جَمَّة: كثيرة، ويقال: هذه بئرٌ جمَّةٌ أي كثيرةُ الماء. يقول: تُسدِّي أي تمدُّ خيوط الثوب طولاً. واللُّحمة
عرضاً، وباللُّحمة والنِّير يتمَّ نسجُ الثوب، وهذا مثلٌ ومعناه أنه يقول: تَعُدُّ ما لا تدركه ولا يتم ذلك.
وقال غسان:
مَنْ شَاءَ بَايَعْتُهُ مَالي وَخلْعَتَهُ ... إذَا جَنَى الْحَرْبَ بَعْدَ السِّلْمِ جَانيها
لاَ تَسأَلُونَ كليبِّياً فَيخْبِرَكُمْ ... أيُّ الرَّمَاحِ إذا هُزَّتْ عَوَاليْها
أَمَّا كُلَيْبٌ فَإنَّ اللُّؤمَ حالفها ... مَا سَالَ في حَفلَةِ الزَّبَّاءِ واديهَا
الزَّباء: ماءٌ لبني سَليط، وحفلتُه كثرتُه، يعني كثرة السَّيل واجتماعه. ومنه قولهم: احتفل الفرسُ إذا
لم يُبق من جَهدهِ شيئاً. وكذلك احتفل الوادي إذا انتهى سيلهُ، وكلُّ ماءٍ تؤنِّثهُ فهو حفلةٌ، وإذا ذُكِّر فهو
ماء.
فأجابه جرير
أسأَلْ سَليطاً إذَا مَا الحرْب أَفْزَعَهَا ... مَا شَأْنُ خَيْلُكُم قُعْساً هَواديهَا
стр. 20
القَعسُ دخولُ الظَّهر وخُروج الصَّدر، يريد أنهم يجذبون أعِنَّتها ولا يُجرونَها فيَلحقون بالفوارس فقد
قعست لذلك. هواديها: أعناقُها ومثله.
ولا يدرون ما الطَّعَنَانُ حتى ... يُمَدَّ الجَرْيُ من طَبَقِ العِنانِ
طَبقُ العِنان أن تُطبٌِّق عند كفِّ الفَرس عن العَدو، فإذا بُسِطَ للفرسِ عدوُه خَلَّى عِنانه، والطَعنان أن
يُبسطَ جَري الفَرس حتى يَحمى فيعَضُّ على مِسحَله، فيقال طَعن الفَرسُ في مِسحَله طعناً وطَعناناً -
ومثله قولُ طَرفة:
أَعْوَجيَّاتٌ على الشَّاأْوِ أُزم
أي عَواضُّ على لُجمُها، يقول: لم يعتادوا رُكوب الخيلِ وركضَها، كما قال:
لم يركبوا الخيلَ إلا بعدما كَبروا ... فهم ثِقالٌ على أكتافها عُنُفُ
لاَ يَرْفَعُون إلى دَاع أَعَّنَتَها ... وَفي جَوَاشِنها دَاءٌ يُجَافِيهَا
يقول: في صدور بني سليطٍ انتفاخٌ من الجُبنِ والفَزع، فهم لا يَثبتون على مُتون خيلهم، فذلك دارؤُها
الذي يجافيها عن لُزُوم مُتون الخيل، ويروى إلى الداعي.
وَمَا السَّليِطُّي إلاَّ سَوْءَةٌ خُلِقَتْ ... في الأَرْضِ لَيْسَ لَهَا سِتْرٌ يُوَارِيَها
стр. 21
وقال غسان:
وَجَدَتْ كُلَيْبٌ غبَّ أَمْر سَفيههَا ... مُتَوخِّماً إذ رَام شَرَّ مَرَامِ
المتوخِّم المُستَوخِم، يقول استوخَمت غِبَّ أمر سفيهها يعني جريراً حين رام قهري بشعره.
الآنَ لَمَّا أبْيضَّ أَعْلَى مِسْحَلِي ... وَأَكَلْتَ مِنْ نَابي عَلى الأجُذَامِ
المِسحل ما سفُل عن العارضين من اللِّحية، والأجذامُ جماعةُ جِذمٍ وجِذمُ كلِّ شيءٍ أصلُه، يريد أنه قد
أسنَّ وذَرا ناباه، وأنشد:
إذا مُقْرَمٌ منَّاذَرا حدُّ نابهِ ... تَخَمَّطَ منا نابُ آخَرَ مُقْرَم
وأنشد:
الآنَ لما أبيضَّ أعلىَ مِسْحَلي ... وَعَضِضْتُ من نابي على جِذْم
يَرْجُو سقَاطي ابْنُ المْرَاغَة للْعِدَى ... سَفَهاً تَمَنَّيَ ضَلَّة الأْحْلاَمِ
ووجدتُ بخطِّ أبي أحمد عبدِ السلام على النُّسخة، أنَّه وجَد في نُسخة أبي سعيد السِّيرافي زيادةُ على
ما في النُّسخةِ التي لأبي أحمد وهو، وروَى عمرُو بنُ أبي عمرو:
وَلَقَدْ نَزتْ بكَ مِنْ شَقَائِك بِطْنَةٌ ... أرْدَتْكَ حَتَّى طِحْت في الْقَمْقَامِ
أي البحر.
стр. 22
وَنَشِبْتَ في لَهَوَاتِ لَيْثٍ ضَيْغَم ... شَثْنِ الْبَراثِنِ بَاسِلٍ ضِرْغَامِ
نشِبت علقت، وضيغمٌ شديدُ العضِّ، والضَّغمُ، وشثنٌ غليظٌ، باسلٌ كريهُ المنظر، ضِرغامٌ أسَدٌ.
قَبَحَ الإلهُ بَني كُلَيْب إنَّهُمْ ... خُورُ الْقُلُوبِ أَخِفَّةُ الأْحْلاَمِ
قَوْمٌ إذَا ذُكِرَ الكِرَامُ بِصَالحٍ ... لَمْ يُذْكَرُوا في صَالِحِ الأْقْوَامِ
صُبُرٌ عَلَى طُول الْهَوَان أَذُّل منْ ... نَعْلٍ منَ الأْنْعام للأْقْدام
ويروى التَّوطاء.
وَيَبَينُ بَخْرُ اللُّوْمِ حينَ رَأَيْتَهُمْ ... فيِ كُلِّ كَهْلٍ مِنْهُمُ وَغُلاَمِ
فأجابه جرير:
أَبَنِي أدَيْرةَ إنَّ فِيكُمْ فَأعْلَمُوا ... خَوَرَ الْقُلُوبِ وخَفَّةَ الأْحلاَمِ
أُديرةُ تصغيرُ أُدرَة، كأنه رَمى أُمَّهم بالأدَر وليس يكون إلا في الرجال، ولا يكون في النساء، وقوله
خَورٌ أي ضَعفٌ.
بِئْسَ الفَوَارِس يَوْمَ نَعْفِ قُشَاوةِ ... وَالْخيْلُ عَادِيةٌ عَلى بِسْطَامِ
стр. 23
بسطامُ بنُ قيس بن مسعودِ بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو ابن الحارث بنِ همَّامِ بنِ مرَّة بنِ
ذُهل بن شيبان، والنَّعفُ منتهى السَّيل من الوادي إلى أسفل الجبل. وحدُّ كلِّ أرضٍ نَعفٌ. قال:
وقُشاوةٌ ضَفِرةٌ، وهو رملٌ مجتمعٌ في أعراضِها صخورٌ سودٌ وترابُها أبيض، فيقال لها الخرجاءُ
للسَّوادِ والبياض.
الظَّاعُنونَ عَلىَ الْعَمى بجَميعهمْ ... والخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامِ
العَمى الجَهل والضلالُ، والخافَض المُقيمُ.
تَرَكُو الأُحَيْمرَ حينَ خَرَّقَهُ الْقنَا ... إنَّ المُحامُي يَوْمَ ذَاكَ مُحَامِ
الأُحَيمرُ حُريث بنُ أبي مُليل، وهو عبدُ الله بنَ الحارثِ بنِ عُبيد بنِ ثَعلبَة بن يربوع.
أَبْلَيتُمُ خَوَراً وَفَكَّ عُنَاتَكُمْ ... عَارِي الأشَاجِعَ مِنْ بَني هَمَّام
يقول: أبليتُم قوَمكم ضعفاً وخوراً وجُبناً، وفكَّ عُناتكَم بِسطامٌ هذا، عُناتُكم أسراؤكُم والواحدُ عانٍ،
والأشاجع عَصَبُ ظاهرِ الكفِّ، وعُريُها قِلَّة لحِمها وذلك ما يُنعتُ به الرجلُ إلا يكونَ مُرهَّلاً كثير
اللحم، وواحدُ الأشاجع أشجع.
стр. 24
خَبرُ يومِ قُشاوَة
وكان من حديثِ يومِ قُشاوةَ أن بِسطامَ بنَ قيس بنِ مسعود، خرج غازياً لبني يربوع حتى اطَّردَ نَعماً
لرجلين من بني سَليط، يقال لأحدِهما سُعير، والآخر حُجير، وهما ابنا سفيان من بني يربوع، فأتىَ
الصَّريخُ بني عاصمِ بن عُبيد بنِ ثَعلبة، وكانوا أدنى الناسِ منهم، فركب سبعةُ فوارسَ من بني
عاصم، فيهم بُجيرِ بنُ عبدِ الله، ومُليلُ بنُ عبدِ الله وهما ابنا الطائية، والأُحيمرُ حُريثُ بنُ عبِد الله،
ومالكُ بنُ حِطَّانِ ابنِ عوفِ بنِ عاصم، وهو مالكُ بنُ الجُرميَّة، وخرج معهم قومٌ من بني سَليط حتى
أدركوا القوم، فلما نظروا إلى جيش بسِطام هابُوا أن يُقدِموا عليهم، فقال مُليلُ بنُ أبي مُليل: يا بَني
يربوع إنه لا طاقةَ لكم بهذا الجيش إلا بمثلهِ، فأرسِلوا بُجيراً يستصرخ لكم، وإنما أمَرهُم بذلك مخافةً
عليه أن يُقتَل، فقال بُجير لا والله لا ذَهبتُ صريخاً بعد أنْ عاينتُ القومَ، فلما غلبه قال لابنِ عمه
أذهب أنت يا أُحيمر. فقال: وأنا والله لا أذهب، فقال لمالِك بن الجُرمية فاذهب أنت صَريخاً، فقال:
وأنا لا أذهب، فقال لهم مُليل بنُ أبي مُليل: فأعطوني قولاً أثِقُ به وأطمئنُّ إليه، لَتضبِطنَّ لي أنفسَكُم
ولا تُقدِموا على الجيش حتى آتِيكُم ففعلوا. وذهب مُليلٌ صريخاً، فلما ذهب، نظر إليه بسطام فقال
لأصحابه ذاك الذي يركُض، سيجلبُ عليكم شرّاً، فانظروا أن تَفرغُوا من أصحابهِ من قبل أن يأتِيكُم
الناسُ. فبرزَ بسطامُ في فرسانٍ من أصحابهِ حتى دنا من القومِ، فكلَّمُه بُجيرُ فقال له بسطام مَن أنت؟
قال: أنا بُجيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارث، فقال: يا بُجيرُ ألم تكن تَزعُم أنك فَتى يربوعٍ وفارسُها؟ قال:
стр. 25
بلى، وأنا الآن أَزعُمه فَابرُز لي، فأبى أن يبرُز له بسطام، وقال بسطام: ما أظنُّ نِسوةَ بني يربوعٍ
يَظنُنَّ بك هذا الظنَّ، أن تُحجِمَ عن الكتيبةِ حين رأيَتها، ثم قال لصاحبيه أُحَيمر ومالك مِثل ذلك. فلم
يزل يَشحذُهم ويُحَضِّضهم كَيداً منه وخديعةً، حتى حملوا أفراسَهم وَسط القومِ، فأمَّا بُجيرُ فلِقيه الملبِّدُ
بنُ مسعود، عمُّ بسطام، فاعتنق كلُّ واحد منهما صاحِبه فوقعا على الأرض عِكْمَي عَيرٍ، فاعتلاه
بُجير، فلما خشي الملبِّدُ أن يظهَر عليه بُجير، نادَى رجلاً من بني شيبان، يقال له لُقيمُ بنُ أوس: يا
لُقيمُ أغِثني فقد قتلني اليربوعيُّ، فمال إليه لُقيمُ فضربه على رأسه فقتلهُ، وخُرِّق أُحيَمر بالقنا، وتُرِك
مطروحاً فظنوا أنهم قتلوه، وضُرِبَ مالكُ بنُ الجُرمية، فأُمَّ فعاش سنة مأموماً ثم مات من آمتِه،
وانهزمت بنو سَليط، فلما انهزموا، قال بسطام: يا بني شَيبان أَيسُرُّكم أن تأسِروا أبا مُليل، قالوا: نعم،
قال: فإنه أولُ فارسٍ يطلُع عليكم الساعةَ، أتاهُ مُليلٌ فأخبره خبرنَا وخبر ابنهِ، فلم ينتظر الناس،
فليتخلّف معي منكم فوارسُ فإنكم ستجدونه مُكِبّاً على بُجيرٍ حين عاين جيفتَه فَكَمن له بِسطامُ في
عشرةِ فوارسَ قريباً من مصرعِ أصحابهِ، فلم يلبثوا إلا قليلاً، حتى طلع عليهم على فرسِه بلعاءَ، فلما
عاين بُجيراً نزل فأكبَّ على جيفتِه يقبِّلُه ويحتضِنهُ، وأقبل بِسطامُ ومَن كان معه يركُضون حتى أتَوه،
فوجوده مُكِباً عليه، وبَلعاءُ يَعِلك لجامَه واقفاً فأسروه وأخذوا فرسه، فلما صار في يَديْ بسطام، قال: يا
أبا مليل، إني لم آخُذك لأقتلك، قال: قد قتلتَ ابني وَودِدتُ أني مكانه، أما إنَّ طعامَك عليّ حرامٌ
مادُمتُ في يدك، قال: فكان أبو مُليلُ يؤتى بالطعام فَيبيتُ يطرُد عنه الكلابَ مخافةَ أن تأكله، فيظنوا
أنه أكله هو حتى جُهِدَ، فلما رأوا جَهده، قال بشرُ بنُ قيس لأخيه بسطام بن قيس: إني لا آمَنُ أن
يموتَ أسيرُك هذا في يديك هَزلاً فتسبُّك به العربُ، فَبِعهُ نفسَه، فأتاه
стр. 26
وهو مجهودٌ فقال له: أبا مليل أتشتري مني نَفسك؟ قال: نعم، قال بكم؟ قال: بمائةٍ من الإبل، فإن لك مائةٍ بدمِ بُجير، قال: تِلادي
أحبُّ من تلادك، والدَّمُ لك، فخلني أذهب، فخلاه بسطام، وأحلفه أن لا يُعقِّبَ، أي لا يغزوهم ثانية،
فلما أتى قومه أخبرهم خبرهُ، فقال مُتمِّمُ بنُ نُويرَة:
أبلغْ أبا قيس إذا ما لقيته ... نَعامةُ أدنَى دارِه فَظَليمُ
بأنَّا ذوو جَدٍّ وأن قبيلَكُم ... بني خالدٍ لو تعلمون كريمُ
وأن الذي آلَى لكم في بيوتكم ... بِمَقْسَمِهِ لو تعلمون أثيمُ
يقول: إن الذي حلف لكم أن لا يُعقِّبُ عليكم، سيحَنثُ ولابد أن يغزوَكم ثانية.
هو الفاجعُ المُبْكي سَراة صديقِهِ ... وذو طَلَبِ يومَ اللقاءِ غَشوم
فنهجمُ أبياناً ونبكي نُسَيّةً ... بنسوتنا يوماً لهن نحيم
النحيم: البكاء والنحيب، يقال نحم يَنحِم نَحماً ونحيماً ونحماناً.
كان بُجيراً لم يقل ليَ ما ترى ... من الأمر أو ينظر بوجه قسيمِ
هذا البيت مُكفأٌ وصاحبه يكفئُ. والقسيمُ الجميلُ، والاسم منه القَسامةُ، يقال رجلٌ قسيمٌ وسيمٌ، بين
القسامَةِ والوَسامة.
стр. 27
ولو شئتَ نَجَّاكَ الكُميتُ ولم تكن ... كأنَك نَضبٌ للرجال رجيم
ويروي للرماح.
ولكن رأيتُ الموتَ أدرك تُبَّعاً ... ومَن بعدَه مِن حادثٍ وقديمِ
فيالَ عُبَيدٍ حَلفةً إنَّ خيرُكم ... بجزرةَ بين الوَعْسَتَيْنِ مقيمُ
أراد عُبيدَ بنَ ثعلبةَ بنِ يربوع. وجَزرَةُ من أرضِ الكُرمَة من بلادِ اليمامة. والوَعسُ من الرملِ اللَّينِ
المَوطُوءُ الذي قد وَعَسته السائلة:
غَدَرْتُمْ ولم تَرْبَعْ عليه ركابُكمُ ... كأنكُمُ لم تُفْجَعُوا بعظيمِ
وكنتَ كذاتِ البَوِّرِ ريعَتُ فَرَجَّعَتْ ... وهل تَنْفَعَنْها نظرةٌ وشَميمُ
يقول: كنتَ كالناقةِ التي نُحِرَ ولدُها فجاءت تشمُّه وترأَمُه، وهل ينفعها ذاك، فكذاك أنا لا أسكُن حتى
أثأرَ به.
أطَافَتْ فسافَتْ ثم عادَتْ فَرَجَّعتْ ... ألا ليس عنها سَجْرُها بِصَريمِ
سافت شمَّت، والسَوفُ الشَّمُّ، وسَجرُها حنينُها، يقول: ليس حنينُها بمنصرم.
وقال مالكُ بنُ نُويرةَ يهجو بني سَليط ويعيِّرُهم فِرارَهم وانصرافَهم عن أصحابهم:
стр. 28
لحا الله الفوارسَ مِن سَليطٍ ... خصوصاً إنهم سَلِموا وآوبوا
أجئتم تطلبونَ العُذْرَ عندي ... ولم يُخْرَقْ لكم فيها إهابُ
دَعَتْكُم خَلْفَكُم فأجبتموها ... مَجازِمُ في أعاليها الجُبَابَ
المجازِمُ الأسقِيةُ المملوءةُ، والجبابُ شبيهٌ بالزُّبدِ يعلو لَبنَ اللِّقاح.
كفِعلكُمُ غداةَ لِوَى حَييِّ ... فهذا من لقائِكِمُ عذابُ
إذا لاقيتُمُ أبدا فَضَحتُمَ ... ذمارَكُمُ فليس لكم عِتابُ
فكيف بكم وقد اخزيتموها ... إذا ذُكِرَ الحفَائِظُ والسِّبابُ
وكانت جعفرٌ لو صادفتها ... هُمُ أصحابُ نَجدتِها فغابوا
وهذا جعفر بن ثعلبة بن يربوع، جد عتيبة بن الحارث.
ولو شَهِدَ الفوارسُ من عُبيدٍ ... لراثَ لِرَهْطِ بِسطامٍ إياب
ولو سَمِعَ الدُّعاءَ بنو رياحٍ ... لجاء فوارسٌ منهم غِضاب
فلا تَبْعَد فوارِسُنا وجادت ... على أرضٍ ثَوَرْا فيها الذِّهاب
وقال مالكُ بن حِطَّان، وهو في المعركة قبل أن يموت:
لَعَمِري لقد أقْدمَتُ مُقَدَم حارِدٍ ... ولكنَّ أقرانَ الظُّهورِ مَقَاتِلُ
الأقرانُ الأعوانُ، الواحد قِرنٌ. الظَّهرُ هو الناصرُ.
стр. 29
ولو شَهِدَتْني من عُبَيدٍ عصابةٌ ... حُماةٌ لخاضوا الموتَ حيثُ أُنازِل
بكلِّ لذيذٍ لم يَخُنْهُ ثِقافُهُ ... وعضبٍ حُسامٍ أخلصَتْهُ الصَّياقِل
وما ذَنْبُنا أَنَّا لَقِينا قَبيلةً ... إذا وَاكَلَتْ فرسانُنا لا تُواكل
يُساقونَنا كأساً مِنَ الموتِ مُرَّةً ... وعرَّدَ عنا المُقرِفونَ الحَناكِل
الحناكلُ القِصارُ الأفعالِ، واحد حَنكل. وعَرَّد فرّ.
فليت سُعيراً كان حَيْضاً بِرَجلِها ... وليت حُجَيراً غَرَّقته القوابل
إذا مات الصَّبيُّ في الرَّحِم فقد غَرَّقتهُ القوابل.
ولَيَتُهُم لم يركبوا في رُكُوبنا ... وليت سليطاً دونَها كان عاقِل
رُكوبٌ جمعُ رَكبٍ، وعاقلُ وادٍ ببلاد قيس، وهو اليوم لباهلةَ بنِ أَعصُر.
فما بين مَن هاب المِنَيَّةَ منكم ... ولا بيننا إلا ليالٍ قلائل
وقال لُقيمُ بنُ أوسِ الشَّيبانيُّ في ذلك، ويذُكرُ أن الملبِّد قال: إنما قَتل لُقيمٌ بُجيراً حسداً لأنه أسَرهُ:
إني وبيت الله لولا شدَّتي ... لَشَتَا المُلبِّد في رِجامٍ مُوْصَدِ
أو غَيرَ ذلِكُمُ رهينةَ ماغثٍ ... بفوارسٍ شربوا سِمامَ الأسْوَد
لَحِقُوا وَدَعْواهم عُبَيدٌ كُلُّهم ... فَلَقُوا مناياهم حِمامَ المَرْصَدِ
أَفَكَانَ شكري أنْ زعمتَ نَفَاسَةٌ ... نَقْذِيكَ أمسِ وليتني لم أشهد
стр. 30
نَقذِيك من الاستنقاذ أي استنقاذي إياك.
جَلَّلتُ مَفْرِقَهُ وما هلهلتُه ... لَيْنَ المَهَزِّ وصارماً لم يَنْأَد
هَلهَلتُهُ لَبَّثتُهُ - وأنشد:
هَلْهِلْ بِكَعْبٍ بعد ما وقعت ... فوق الجبينِ بساعدٍ فَعْمِ
لمَ يَنأدِ لم يَعوجّ ولم يَنثنْ.
وقال غسان:
أَيَرْجُو جَريرٌ أَنْ يَنَالَ مَسَاعِي الْ ... كِرَامِ بآبَاءٍ لِئَامٍ جُدُودُهَا
فأجابه جرير:
لَقَدْ وَلَدَتْ غَسَّانَ ثَالبةُ الشَّوى ... عَدُوسُ السُّرى لاَ يَقْبَلُ الْكَرْمَ جيدُهَا
ورُوى ثالِثةُ، جعلها كالضَّبُع تمشي على ثلاث والثَّالِبة المعِيبةَُ، أراد أنها مُشقَّقةُ القَدمين من الرَّعي،
والعدُوس الدائمةُ السُّرى، والكَرمُ القِلادة، ورُوى باليةُ الشَّوى يعني القوائم.
стр. 31
جَبَيْتَ جَبَا عَبْدٍ فأَصْبَحتَ مُورِداً ... غَرَائِبَ يَلْقىَ ضَيْعَةً مَنْ يَذُودُهَا
جَبيت جمعتَ وجَبوتَ أيضاً، هذا مثلٌ، يقول: جمعتَ جمعَ عبدٍ فعجزتَ حين وردت عليك قوافيَّ أن
تنقضَها، كما يعجِزُ الضعيفُ عن ذِيادِ الغرائبِ عن الماء.
أَلمْ تَرَ يا غَسَّانُ أَنَّ عَدَاوَتِي ... تُقَطِّعُ أَنْفَاسَ الرِّجالِ كَؤُودُهَا
الكؤُودُ العقبةُ الصَّعبةُ المَصعدِ، يقال: عَقبةٌ كَؤودٌ وكَأداءُ.
قال أبو عمرو: وكان غسانُ بنُ ذُهيل حَدُثاً، أي حَسن الحديث، وكان جالساً يُنشِد لبيدَ بن عُطارد بنِ
حاجبِ بنِ زُرارة بالكُناسَة ويحدِّثُه، فجاء رجلٌ من بني عُليم بنِ جٌنابِ، ثم أحدُ بني مَصاد، يقال له
جَنباءُ، وذاك حين اجتمع الناسُ على معاوية، فقال: مَن هذا الذي يُنشِدُكم؟ قيل له: غسَّانُ بنُ ذُهيلٍ
السَّليطيُّ، فقال: أنت الذي تُغيرُ على الناس؟ فقال له غسانُ أنا الذي بلغك. فقال جَنباءُ، أما والله لو
أَغرت على رجلٍ حرٍّ بعدُ، لقد فطمك. وكانت تميمُ حالفت كَلباً بعد قتل عثمانٍ، في الفتنة، فكَفل على
بني تميم، أحدُ بني دَيسق اليربوعي، وعلى كلبٍ رجلٌ من بني عُليم. فقال غسان: هل لك أن أُخَالِعك
الحِلف وأُغاوِرَك؟ ففعل. فأغار غسَّان على الكَلبيِّ مع أخويهِ معنٍ وسَليطٍ ابني ذُهيل ودَوسرٍ بن غسان، فتَنقَّى خمسين من كرائِم إبلهِ، فبعث بها مع ابنه دَوسر إلى هَجر، فبَيَّعها فزحفت بنو ثعلبة إلى
بني سَليط، فحملها قيسُ بنُ حنظلةَ بنِ النَّطف السَّليطيُّ عن أخواله، وأُمُّ قيس بنِ حنظلة قُتيلةُ بنتُ
عبدِ عمروٍ من بني عوف بنِ حارثةَ، رهطِ غسان، فقال
стр. 32
غسانُ في ذلك، وجاء الكلبي ينشُد إبِلَه:
يُسَائِلُني جَنْبَاءُ أَيْنَ مَخَاضُهُ ... فَقُلتُ لَهُ لاَ تَعْلُ عَثْرَةُ تَاعِسِ
حَوَاهَا اُمْرؤٌ سَهْلٌ إذَا هُوَ بَاعَهَا ... وَإنْ وُكِسَتْ أَثْمَانُهَا لَمْ يُمَاكِسِ
قَلِيلُ الُسِّوَامٍ غيْرَ دِرْعٍ حَصينَة ... وأَبْيَضَ مِمَّا أَخْلَصَ الْقَيْنُ يَابِسِ
يقول: هو صُلب الحديدِ، ليس بأنيث، وذلك مما يُمدح به السيفُ.
كَفَاكَ فَأَلْهَاكَ ابْنَ نَثْلَةَ بَعْدَهَا ... عُلاَلَةُ بَيُّوتٍ مِنَ المَاءِ قَارِس
أخبره أنه أَبدَلهُ عن البانِها شُربَ الماءِ القَراح، والقارِسُ الباردُ، والبيُّوت ما بات في الحياض. وابنُ
نَثلة جَنباء هذا.
تَسُوفُ أَدَاحِي النَّعَامِ إفَالُهَا ... بِقُودِ الْهَوَادي مُشرِفَاتِ البَرَاعِسِ
الأداحي مواضعُ بَيض النَّعام، واحدها أَدحَى. وإفالُها أولادُها، واحدها أفيل. خبَّر أنها تراعي الوحشَ
لِعزَّة قومِها، آمنةٌ أن يُغارَ عليها. والبرَاعسُ الكرامُ واحدها بِرعِيسٌ.
لَهَانَ عَلَيْهَا مَا يَقُولُ ابنُ دَيْسَقٍ ... إذَا مَارَعتْ بَينَ الِّلوى فَالعَرائِسِ
تُحَضِّضُ حَمَّاداً لِيَسْعَى بِذمَّةٍ ... عَلَيْكَ بِرَهْطِ الأَبْلَخِ المُتَشاوِسِ
стр. 33
أراد حمادَ بنَ الربيع، أحد بني عاصم بنِ عُبيد بن ثعلبةَ بنِ يربوع، وكان جَبناءُ مجاوِراً حمَّاداً هذا،
والأبلخ المتكِّبرُ.
إذَا هِيَ حَلَّتْ بَيْنَ سَعْدٍ وَمَالكٍ ... وَعَمْرٍ وأُجيرَتْ بِالرِّمَاحِ المْدَاعِسِ
سعدٌ ومالكٌ ابنا زيدِ مَناة، وعمرُو بنُ تميم، والدَّعس الطَّعن.
بَنِي طارق أَوْفُوا بِذِمَّةٍ جَارِكُمْ ... وَلاَ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
فأجابه جريرٌ عن جَبناءَ، وحضَّ عليه بني عاصمٍ، وعيَّرهُ الغدرَ بجارِ بني يربوعٍ فقال:
أَلاَ حيِّ أَطْلاَلَ الرُّسٌومِ الدَّوَارِسِ ... وَآرِيَّ أَمْهَارٍ وَمَوْقِدَ قَابِسِ
لَقْد خَبَّرَتني النَّفْسُ أَنِّي مُزَايِلٌ ... شَبابِي وَوَصْلَ المُنْفِسَاتِ الأَوَانِس
وَأَصْبَحْتُ مِنْ هِنْدٍ عَلَى قُرْبِ دَارِهَا ... أَخَا الْيَأسِ أَوْرَاجٍ قَليلاً كَآيس
وَطَامِحَةِ العْيْنَيْنِ مَطْرُوفَةِ الهَوَى ... عَنِ الزَّوْجِ أَوْ مَنْسُوبَةِ الحَالِ عَانِسِ
العانسُ التي كَبِرت في منزل أهلِها ولم تُزوَّج، وقولُه منسوبةُ الحالِ أراد أنها كريمةٌ، طامِحةُ العينين
تطمحُ عينُها إلى غير زوجِها إذا كانت فارِكاً، والفاركُ المُبغِضةُ لزوجها، ومطروفة الهوى تَطرِف
الهَوى من هاهنا إلى هاهنا، كأنها تستطرفُ غير زوجِها.
стр. 34
بَنِي عَاصمٍ أَوْفُوا بِذمَّةِ جَارِكُمْ ... وَلَمْ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
يقول: لم يلحقكم شيءٌ من العيبِ، رطبٌ ولا يابسٌ. ورُويَ وَلم تُضرَبوا.
إذا مَا دَعَا جَنْبَاءُ قَالَ ابْنُ دَيْسَقٍ ... لَعَالَكَ فِيهَا عَالياً غَيْرَ تَاعِسِ
إذا عثَر الشَّابُّ قيل لعاً لك، دعاءٌ كأنه قال: نَعشكَ اللهُ ورَفعك.
جَرَتْ لأخِي كَلْبٍ غَدَاةَ تَأَبَّسَتْ ... عُبَيْدٌ بِرَدِّ البُزْل مِنْهَا القَنَاعِس
جرت لأخي كلبٍ يعني جنباءَ، والقناعِسُ من الإبلِ الثِّقالُ، الواحدُ قِنعاسٌ.
ألاَ إنَّ حَمَّاداً سُيُوفيِ بِذمَّةٍ ... عَلْيْكَ وَرَدِّ الأبْلَخِ المُتَشَاوِسِ
حمادُ بنُ الربيع أحدُ بني عاصم بنِ عُبيد. الأبلخُ المُتَعظِّمُ. والمنشاوسُ الذي ينظر بمؤخَّرِ عينه كِبراً.
أَلَسْتُمْ لئاماً إذْ تَرُومُونَ جَارَهُمْ ... وَلَوْلاَهُمُ لَمُ تَدْفَعُوا كَفَّ لاَمِس
стр. 35
يقول: لولا بنو ثعلبةَ، لم تدفع عنهم بنو سليط كفَّ لامِس، وكانوا نُهزَةُ لمن أرادهم.
فَانَّكَ لاَقٍ لِلأغَرِّ ابْنِ دَيْسَقٍ ... فَوَارِسَ سَلاَّبينَ بَزَّ الفَوَارِس
فَلاَ أَعْرِفَنَّ فَنَّ الخَيْلَ تَعْدُو عَلَيْكُمُ ... فَتَطْعُنَ في ذِي جَوْشَنٍ مُتقَاعِسِ
في ذي جوشنٍ: رجلٌ ذو جوشنٍ، والجوشنُ الصَّدرُ. متقاعسٌ: متأخِّرٌ عن الحرب.
إذَا اطَّرَدُوا لم يَخفَ دَاءُ ظُهُورِهُمْ ... عَلَى مَارَبَا مِنْ نَخْضِهَا المُتَكَاوِسِ
يعني لم يخفَ انتفاخُ أجوافِهم من الجُبن. وتكاوسُ اللحمِ انتفاخهُ. والنَّخضُ اللحمُ.
وقال جريرٌ ولم يُسمع لها بنقيضة:
تَلْقَى السَّليطيَّ والأبطَالُ قَدْ كُلِمُوا ... وَسْطَ الرِّجَالِ بَطيناً وَهُوَ مَفْلُولُ
لَمْ يَرْكبُوا الخَيْلَ إلاًّ بَعْدَ مَا هَرِمُوا ... فَهُم ثِقَالٌ عَلَى أَكْتَافِهَا مِيلُ
فقال رجلٌ منهم: أدام الله لهم البِطنة والسلامة. والأميلُ من الرجال الذي لا يستوي على السرج إذا ركب.
стр. 36
ومما قال جريرٌ لبني سَليطٍ ولم توجد له نقيضة:
جَاءَتْ سَليطٌ كَالحَميرِ تَرْدِمُ ... فَقُلْتُ مَهْلاً وَيَحْكُمْ لاَ تُقْدِمُوا
تَردِمُ تَحبقُ، والحبقُ الضُّراطُ، وهو الرَّدام. معناه لا تقدموا عليَّ.
إنِّي بأَكْل الحَائِنينَ مُلذَمُ ... قَدْ عَلمَتْ أُسَيِّدٌ وَخَضَّمُ
أنَّ أَبَا خَزْدَةَ شَيْخٌ مُرْجَمُ
المُلذمُ المولعُ بالشيءِ، يقال لذِم بالشيءِ وغَرِي به وسَدِك به وعَسِك به ولَكَى به ولَغِي به وعَسِق به
بمعنى واحد.
إنْ عُدَّ لُؤْمٌ فَسَليطٌ أَلأَمُ ... مَا لَكُم أسْتٌ في الْعُلا وَلاَ فَمُ
وَلاَ قَديمٌ في الْقَديمِ يُعْلَمُ
وقال لهم أيضاً ولم نجد له نقيضةً:
إنَّ سَليطاً كَاسْمِهَا سَلِيطُ ... لَوْلاَ بَنُو عَمروٍ وَعَمْروٌ عِيطُ
قُلْتُ دِيَافِيُّونَ أَوْ نَبِيطُ
стр. 37
عمرو بنُ يربوع وهم حلفاءُ سَليط، والعِيطُ الطِّوالُ الضِّخامُ، واحدُهم أَعيَطُ، والمرأة عَيطاءُ، لا
يُعطون أحداً طاعةً، وأصلهُ من قولهم، اعتاطت الناقةُ إذا أبتْ أن تحمل. ودِيافُ قريةٌ بالشَّام، قلت:
هم نَبيطُ الشام، ونبيطُ يعني نَبط العراق. والسَّليط الحديدُ اللسانِ، يقال سِكينٌ سليطٌ.
وقال لبني سَليطٍ ولا نقيضة لها:
نُبِّئْتُ غَسَّانَ بْنَ وَاهصَة الخُصَى ... بِقُصْوَانَ فيِ مُسْتَكْلِئِينَ بِطَانٍ
المُستكلِئون أهل الكلاءِ والخِصب. البِطان الشِّباعُ.
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَيَّ ضَبَّةَ أَطْرَقُوا ... عَلَى مَالَقُوا من ذِلَّةٍ وَهَوان
أي سكتوا وأقرُّوا بالذُّلِّ في موضِعهم.
خَرَجْتُ خُرُوجَ الثَّوْرِ إذْ عَسِكَتْ بِه ... مُقَلَّدَةُ الأَوْتَار غَيْرُ سَمان
شبَّه نفسه بالثَّور تكتنِفه الكلابُ، فيقتُل فيها ويجرَح ويُفلِت سالماً.
وذكروا أن بني سليطٍ بعثوا ربيئةً لهم على فرسٍ، فنام الرِّبيئةُ، ونفَرت الفرسُ، فلم يدرٍ كيف أُخذت،
وذهبت نازعةً إلى أوطانها، وجاء
стр. 38
الجيشُ الذين كانوا يتَوقَّعُهم بنو سليطٍ فوجدوا الرَّبيئةَ نائماً فجاوَزوه
إلى الحيِّ، فاكتسحوهم، فقال في ذلك جريرٌ ولا نقيضةَ لها:
ولَعَمْرِي لَقَدْ نَامَ السَّلِيطِيُّ نَوْمَةً ... عَلَى حَزَّةٍ مَا كَانَ حُرٌّ يَنَامُهَا
لَقَدْ نَفَرَتْ مِنْ ريحهمْ أَعْوَجِيَّةٌ ... مِنَ الْجُرْدِ لَمْ يَعْرِفْ سَلِيطاً لِجَامُهَا
الأعوجيةُ منسوبةٌ إلى أعوجُ، فَرس لبني هلال بن عامر بن صَعصَعة، وكانت أُمُّه سَبلُ لِغنيِّ بن
أعصُر بن سعد بن قيس بن عيلان بنِ مُضر، وكانا من أجودِ خيلِ العرب.
قال أبو عبيدة: حَدَّثني أبو منيعٍ الكُليبيُّ، قال: كان جريرٌ يقول لولا ما فعل العبدُ ابنُ أُّمِّ غسَّان،
لنشرتُ من أيَّام بني سليط مالا يَبيدُ جدَّ الدَّهر، أو حيريَّ الدَّهر، - وجدَّ الدَّهر في معنى يدَ الدَّهر،
يريدُ أبداً - قال: وكانوا فرساناً. قال: ولقي فَضالة أحد بني عَرين بن ثعلبةَ بن يربوع - وكانت أمُّ
فَضالة هنداً بنتَ حوطِ بن قِرواش بن حُصين بن ثُمامة بن سيف بن جاريةَ بن سَليط - جريراً فقال
له: أَتشتِمُ أخوالي؟ أمَا والله لأقتلنَّك. وأما العُرنِيُّ الشاعر، فزعم أنَّ الذي لقي جريراً عبد الله بن
فَضالة. فقال جرير:
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبَتْ لتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي
стр. 39
عَرينٌ مِنْ عُرَيْنَةَ لِيْسَ مِنَّا ... بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينِ
عَبِيداً مُسْبَعينَ لِعَبْدِ قَيْس ... مِنَ الْقِنِّ المُوَلَّدِ والْقَطِينَ
قُبَيِّلةٌّ أَنَاخَ اللُّؤْمُ فِيها ... فَلَيْسَ الُّلؤْمُ تَارِكَهَا لِحِين
فَنِعْمَ الْوَفْدُ وَفْدُ بَنِي رِيَاحٍ ... ونعم فَوَارِسُ الفَزْعِ اليَقِينِ
عَرَفْنَا جَعْفَراً وَبَنِي عُبَيْدٍ ... وَأَنْكَرَنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
الزَّعانف الأتباع، واحدهم زعنِفةٌ، وهو مأخوذٌ من زعانف الثَّوب وهي أهدابُه.
وذكر مِسحل بن كُسيب قال: وَلدت كهفةُ بنتُ مصادٍ الطائي أحد بني نبهان لِثُمامة بن سيف بن
جارية بن سَليط خمسةً سَلمة وأبا بَراءٍ وشجاراً وحُصيناً وقُتيباً بني ثُمامة، فأتى العنَّاب أعورُ بني
نبهان، واسمُه نُعيم بن شريكٍ، بني أُخته هؤلاء الذين سميناهم يسترفِدُهم في حَمالةٍ، او حفر ركيةٍ،
فأعطوه فأرضوه وزيَّنوا له أن يسأل جريراً، وكان جريرٌ لا يعطي أحداً لا يخافُه. قال مِسحل حدَّثتني
أُمي زيداءُ بنت جريرٍ قالت: بينما نحن بالجلاميد من الحَزن، إذا نحن بِبلقٍ قد ضُرب بناحيةٍ منَّا،
وكان جريرُ أشدَّ الناس فَرقاً من السلطان، فلما رأى البَلق، كاد يموت، فبعث من يسألُ، فقِيل له: هذا
الأعور النَّبهانيُّ، فدعا بجفنة فملأها زُبداً، وملأ أخرى من بَرنِيِّ هَجر، ووَطبٍ من لبنٌ فبعث به إليه،
فلما وُضِع بين يديه، قال: ما هذا؟
стр. 40
وجعل يُتَفِّف عليه، فأبلغ الرسول جريراً ذلك، فلما أصبح النَّبهاني
وجريرٌ جالسٌ في كُسيحةٍ له أمام بيته - والكُسيحة الموضع يُكسح ويُجعل حَواءً يُصَّلى ويُجلس فيه
- وقد صَّلى الصبح وكان لا يتكلم إذا صلَّى الصُّبح حتى تطُلع الشمس ولو تناحر الحيُّ، فلما طلُعت
الشمس، والنبهاني قاعدٌ قد سأله فلم يُجبه، قبل ذلك، أقبل عليه جريرٌ حين طلعت الشمس، فقال: أما
والله إنك لغنيٌّ مُقو ولو شئت لاكتفيت فقد بلغنا خَبرُك. وإنما أراد بنو ثمامة أن يمنعه جريرٌ فيهجوه.
قال: وحول بيت جرير بيوتٌ كثيرةٌ، فقال له جرير: ما مِمَّن ترى إلا واجبُ الحقِّ لا أجد له مَدفعاً،
وما كُل الحقِّ أنا واسعُ له، فانصرف راشداً أحسن الله إليك، فانصرف، فهجا جريراً فقال:
قُلْتُ لَهَا أُمِّي سَليطاً بأَرضِهَا ... فَبِئْسَ مُنَاخُ النَّازِلِينَ جَرِيرُ
وَلَوْ عْندَ غَسَّانَ السَّليطيِّ عَرَّسَتْ ... رَغَا قَرَنٌ مِنْهَا وَكَاسَ عَقيِرُ
القَرن البعير المقرون، ويقال: قد أرغى فلانٌ لفلانٍ، إذا قرن له بعيراً فأعطاه، ويقال سألتُ فلاناً فما
أرغاني ولا أثغاني، أي ما أعطاني شاة تثغو، وكَاس عَقير يريد عَقر له بعيراً فقام على ثلاث. يقول
لو نزلتُ بغسان لأعطاني جملاً يرغو في قرن، أي في حبل، وعقر لي آخر.
وأَنْتَ كُلَيبيٌّ لكَلْبٍ وكَلْبَةٍ ... لَهَا عنْدَ أَطْنَاب الْبيوتِ هَريرُ
следующие страницы →