Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
والاعتكاف والمزارعة والمعاملة
ــ
كونه يبطل بالشرط الفاسد خطأ وأنه يجب أن يذكر في القسم الثاني لأنه إنما يبطل به ما كان من باب التمليك والعزل ليس منه وهذا هو الحق انتهى.
أقول: وما مر من الأصل الثاني يؤيد ما قاله السرخسي (والاعتكاف) أي: إيجابه كقوله: علي أن أعتكف إن شفى الله مريضي، وإن قدم زيد وهذا ينافي ما مر في الاعتكاف من صحة تعليق المنذور منه بل في (الخانية) ما يفيد الإجماع عليه حيث قال: أجمعوا على أن النذر لو كان معلقاً بأن قال إن قدم غائبي أو شفى الله مريضي فلله علي أن أعتكف شهراً فعجل شهراً قبل ذلك لم يجز.
وفي (القينة) قال: لله علي اعتكاف شهر إن دخلت الدار ثم دخل فعليه اعتكاف شهر عند علمائنا، وإذا صح تعليقه يبطل بالشرط الفاسد قال في (جامع الفصولين): ما جاز تعليقه بالشرط لا يبطل بالشرط الفاسد، كذا في (البحر) وفيه هذا هو الموضع الثالث مما أخطؤوا فيه في بيان ما لا يصح تعليقه، والخطأ هنا أقبح من الأولين وأفحش لكثر الصرائح بصحة تعليقه والعجب من كونهم تداولوا هذه العبارات متوناً وشروحاً وفتاوى ولم ينبهوا على ما اشتملت عليه من الخطأ، ولا عيب بذلك على المذهب لأن ضابطه محمد بن الحسن لم يذكر جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط، وما يصح على هذا الوجه ويرحم الله صاحب (الهداية) لم يلتفت إلى جمع هذه الأشياء وهو دليل على كمال ضبطه ولو حذفها المص لكان أولى.
وأقول: تعقبه بعض أهل العصر بأن ما هنا في تعليق الاعتكاف لا في تعليق النذر فيه وهو مردود بما في هبة (النهاية) جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط الفاسد ثلاثة عشر موضعاً وعد منها تعليق إيجاب الاعتكاف بالشرط، ويمكن أن يجاب عنه بأن يكون معناه ما إذا قال: أوجب علي الاعتكاف إن قدم زيد لكنه بخلاف الظاهر فتدبره، وعلى كل تقدير فالتأدب مع سادتنا الأعلام وحسن الظن بهم واجب بلا كلام، ولحق أن كلامهم هنا محمول على رواية في الاعتكاف وإن كانت الأخرى هي التي عليها الأكثر، وكون محمد لم يذكرها مجموعة لا يقدح في ثبوت كل فرد منها لذكره لها متفرقة والعذر لصاحب (الهداية) حيث لم يذكرها مجموعة أنه التزم الجمع بين القدوري و (الجامع الصغير)، وليس فيهما ذلك ومن ثم حذفها في (المجمع) لالتزامه المنظومة والقدوري (والمزارعة والمعاملة) يعني المساقاة لأنهما إجارة فيكونان معاوضة مال بمال فيفسدان بالشرط الفاسد، ولا يجوز تعليقهما بالشرط كما لو قال: زارعتك أرضي أو ساقيتك كرمي على أن تقرضني ألفاً، وإن قدم زيد وقبل الآخر ولو تعاقدا عقد المزارعة على أن يكون الحصاد أو الدياس على
стр. 1507
والإقرار والوقف والتحكيم
ــ
أحدهما فسدت هذا في الشرط النافع لأحدهما، ولو شرطا ما لا ينفع كما لو شرطا أن لا يسقي أحدهما حصته لا تفسد، ولو أبطلا الشرط المفسد فإن في صلب العقد لا ينقلب جائزاً وإلا عاد جائزاً، كذا في (البزازية)، (والإقرار) لأنه ليس مما يحلف به فلا يصح تعليقه بالشرط بخلاف ما إذا علق الإقرار بموته أو بمجيء الوقت، فإنه يجوز ويحمل عل أنه فعل ذلك للاحتراز عن الجحود ودعوى الأجل فيلزمه للحال، كذا في (الشرح).
وفي (العمادية) له علي ألف إن مت لزمه الألف عاش أو مات، ومن فروع المسألة ما في (المبسوط) ادعى عليه مالاً فقال المطلوب إن لم آتك غداً فهو علي لم يلزمه إن لم يأت به غداً لأن تعليق الإقرار بالشرط باطل، وفيه في باب اليمين والإقرار لفلان علي ألف درهم إن حلف أو على أن يحلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حين حلف أو مع يمينه أو في يمينه أو بعد يمينه فحلف فلان وجحد المقر المال لم يؤخذ بالمال لأن التعليق بالشرط يخرج كلامه من أن يكون إقرار.
قال في (البحر): وظاهر إطلاق المص يعم الطلاق والعتاق، فلو قال: إن دخلت الدار فأنا مقر بطلاقها أو بعتقه لم يصح ويدل على ذلك ما مر من أنه لو أكره على إنشاء الطلاق والعتاق وقع، ولو على الإقرار به فأقر لم يقع، واعلم أن الشر حكى في كتاب الإقرار عن (النهاية): أن الإقرار المعلق باطل، وعن (المحيط) أنه صحيح ويبطل الشرط، ونقل عن (المبسوط) ما يشهد لما في (المحيط) وهو مخالف لما هنا.
قال في (البحر): والحق تضعيفه لتصريحهم هنا بأن الإقرار لا يصح تعليقه وأنه يبطل بالشرط الفاسد وأنت خبير/ بأن هذا يلزمه في عزل الوكيل والاعتكاف (والوقف) لأنه ليس مما يحلف به فلو قال: إن قدم ولدي فداري صدقة موقوفة على المساكين فجاء ولده لا تصير وقفاً لأن شرطه أن يكون منجزاً، جزم به في وقف (فتح القدير) و (الإسعاف) حيث قال: لو قال إذا جاء غداً أو رأس الشهر وإذا كلمت فلاناً أو إذا تزوجت فلانة فأرضي صدقة موقوفة يكون باطلاً لأنه تعليق والوقف لا يحتمل التعليق بالخطر، وفيه أيضاٍ وقف أرضه على أن له أصلها أو على أن لا يزول ملكه عنها أو على أن يبيع أصلها أو يتصدق بثمنها كان الوقف باطلاً، وحكى في (البزازية) وغيرها أن عدم صحة تعليقه رواية، والظاهر ضعفها لجزم المص وغيره بها (والتحكيم) كما إذا قال المحكمان لعبد: إذا أعتقت فاحكم بيننا لأنه تولية صورة، وصح معنى إذ لا يصار إليه إلا بتراضيهما لقطع الخصومة بينهما فبالاعتبار الأول يصح تعليقه، وبالاعتبار الثاني لا يصح فلا يصح بالشك، وهذا قول أبي يوسف قال
стр. 1508
وما لا يبطل بالشرط الفاسد القرض والهبة والصدقة والنكاح والطلاق والخلع والعتق والرهن والإيصاء والوصية والشركة والمضاربة
ــ
في قضاء (الخانية): وعليه الفتوى، وقال محمد: يصح تعليقه لأنه تفويض وتولية فصار كالوكالة وبقي إبطال الأجل.
قال في (البزازية): إنه يبطل بالشرط الفاسد (وما لا يبطل بالشرط) لكونه ليس بمعارضة مالية القرض كأقرضتك هذه المائة بشرط أن تخدمني شهراً، وفي (البزازية) وتعليق القرض حرام والشرط لا يلزم انتهى، وهو محمول على ما لو علقه بشرط فيه منفعة للمقرض لنهيه ﷺ عن قرض جر، والذي في (الخلاصة) عن كفالة (الأصل) (والقرض) بالشرط حرام انتهى، (والهبة والصدقة) كوهبتك هذه المائة أو تصدقت عليك بها على أن تخدمني سنة، (النكاح) كتزوجتك على أن لا مهر علي أو على أني بالخيار أو إن أجاز أبي أو أرضى فقالت: قبلت لا يصح لأنه تعليق والنكاح لا يحتمله، كذا في (الخانية).
قال في (الظهيرية): فلو كان الأب حاضراً فقبل في المجلس جاز، وهو مشكل والحق ما في (الخانية) (والطلاق) كطلقتك على أن لا تتزوجي بفلان، (والخلع والعتاق) كخالعتك وأعتقتك على أني بالخيار على ما مر (والرهن) كما إذا قال: أخذته رهناً على أنه إن ضاع ضاع بغير شيء فقال الراهن: نعم صح، وبطل الشرط وكذا لو قال: أوفيتك متاعك إلى كذا وإلا فالرهن لك بمالك بطل الشرط وصح الرهن، كذا في رهن (البزازية) (والإيصاء) كقوله جعلتك وصياً على أن لك مائة درهم كان وصياً ولغي الشرط.
قال في (البزازية): والمائة له وصية يعني غن قبلها كانت له وإلا لا والأولى صوره العيني وصيت إليك على أن تتزوج ابنتي إذ الكلام في الشرط الفاسد الذي لا يفسد العقد، وما هنا صحيح (والوصية) كأوصيت لك بثلث مالي بشرط أن تزوج أبي بابنتك وقول العيني صورتها أوصيت لك بثلث مالي إن رضي فلان ففيه نظر لأن هذا مثال تعليقها بالشرط وليس الكلام فيه، كذا في (البحر).
(والشركة) كشراكتك على أن تهدي إلي كذا (والمضاربة) حتى لو دفع إليه ألفاً على أن يدفع رب المال إلى المضارب أرضاً يزرعها أو داراً يسكنها سنة بطل الشرط وجازت المضاربة، وكذا لو شرط أن تكون النفقة على المضارب إذا خرج إلى السفر، كذا في (البزازية) وفيها لو شرط من الربح عشرة دراهم فسدت لا لأنه شرط
стр. 1509
والقضاء والإمارة والكفالة والحوالة والوكالة والإقالة والكتابة وإذن العبد في التجارة
ــ
بل لقطع الشركة، ولو شرط المضارب لرب المال أن يدفع له أرضاً أو داراً فسدت أيضاً لأنه جعل نصف الربح عوضاً عن عمله أو أجرة داره (والقضاء) كما إذا ولاه الخليفة بلدة، كذا على أن لا يعزل أبداً أو ولاه مؤبداً كان له عزله ولو بلا جنحة، وهل يشترط في صحة عزله كمدرس أبده السلطان أن يقول: رجعن عن التأبيد أفتى بعضهم بذلك وعندي أن لا سلف له فيه ولا دليل يقتضيه لأنه حيث صح العزل كان إلغاء للتأبيد سواء نص على إلغائه أو لا.
(والإمارة) قال في (القاموس): الأمر جمع أمور ومصدر أمر علينا مثلثة إذا ولى والاسم أمره بالكسر وقول الجوهري مصدر وهم، والمؤمر الملك كما لو قالوا: وليتك إمارة بلدة كذا على أن لا تركب قال في (البزازية): ولو شرط عليه ألا يرتشي ولا يشرب الخمر ولا يمتثل قول أحد صح التقليد كما والشرط، ولو .... من ذلك انعزل لا يبطل قضاؤه فيما مضى، ولو شرط عليه أن لا يسمع قضية رجل بعينه صح الشرط ولا ينفد قضاؤه في هذا الرجل.
(والكفالة) بأن قال: كفلت غريمك على أن تقرضني كذا، وفي (البزازية) لو قال: كفلت به على أني متى طولبت به فلي أجل شهر فإذا طالبه به فله أجل شهر من وقت المطالبة الأولى، فإذا تم الشهر من المطالبة الأولى لزم التسليم ولا تكون مطالبة الثانية تأجيلاً.
(والحوالة) بأن قال: أحلتك على فلان بشرط أن لا ترجع علي عند التواء وفي (البزازية) ومن صور فساد الحوالة ما إذا شرط أن يعطي المحتال من ثمن دار المحيل لأنه لا يقدر على الوفاء بما التزم/ بخلاف ما لو التزم المحتال عليه الإعطاء من ثمن دار نفسه لأنه قادر على بيع دار نفسه ولا يجبر على بيع داره، كما إذا كان قبولها بشرط الإعطاء عند الحصاد ولا يجبر على الآدمي قبل الأجل انتهى، وهذه ترد على إطلاق المص، وجوابه أن هذا في المحتال وعد وليس الكلام فيه.
(والوكالة) بأن قال: وكلتك على أن تبرئني مالك علي، (والإقالة) حتى لو تقايلا على أن يكون الثمن من الأول أو أقل صحت وكفى الشرط وقد مر في بابها، (والكتابة) بأن كاتبه على ألف بشرط أن لا يخرج من البلد، أو على أن لا يعامل فلاناً أو على أن يعمل في نوع من التجارة فتصح، ويبطل الشرط لأنه غير داخل في صلب العقد، فإن كان داخلاً فيه فسدت كالكتابة على خمر ونحوها قاله الشر، (وإذن العبد في التجارة) حتى لو أذنه على أن يتجر شهراً أو في كذا بطل الشرط، وكان الإذن علماً.
стр. 1510
ودعوة الولد والصلح عن دم العمد والجراحة وعقد الذمة وتعليق الرد بالعيب أو بخيار الرؤية وعزل القاضي.
ــ
(ودعوة الولد) بأن قال لأمة بعدما ولدت: هذا الولد مني بشرط رضى زوجتي، (والصلح عن دم العمد) حتى لو صالح القاتل عمداً ولي المقتول على شيء بشرط أن يهبه شيئاً أو يقرضه بطل الشرط، وصح الصلح وسقط الدم (و) صلح (الجراحة) التي فيها القصاص حالاً أو مؤجلاً كذلك، (وعقد الذمة) بأن قال الإمام لحربي يريد الإقامة بدار فأضربت عليك الجزية على أن تهدي إلي هدية.
(وتعليق الرد بالعيب) بأن قال: إن لم أرد عليك الثوب المعيب اليوم عيناً أو رده عليك إن شاء فلان (و) تعليق الرد (بخيار) الشرط بأن قال من له الخيار في البيع أسقطت خياري إن شاء فلان فإنه يصح البيع ويبطل الشرط قاله العيني، وعبارة (الخلاصة) أسقطت خياري إذا جاء غد فيصح ما شرط، (وعزل القاضي) بأن قال الخليفة للقاضي: عزلتك عن القضاء إن شاء فلان.
تتمة: بقي مما لا يبطل بالشرط الفاسد الصلح عن جناية الغصب والوديعة والعارية إذا ضمنها رجل وشرط فيها حوالة أو كفالة وكره في آخر هبة (النهاية)، كذا في (الشرح) وقد أخل الشر بالحجر عن المأذون والنسب مع ذكر صاحب (النهاية) لهما في آخر الهبة أيضاً.
تكميل: بقي ما يجوز تعليقه وهو مختص بالإسقاطات المحضة التي يحلف بها كالطلاق والعتاق والالتزامات كذلك كالحج والصلاة والتوليات كالقضاء والإمارة، كذا في (الشرح). قال في (البحر): وقد فاته الإذن في التجارة فإنه يصح تعليقه بالشرط كما في (الخانية) والإسلام فإنه يصح تعليقه أيضاً كما في (فتاوى قارئ الهداية)، والهبة فإنه يصح تعليقها لكن بشرط ملائم كوهبتك على أن تقرضني كذا في (جامع الفصولين) وكذا الكفالة فإنه يصح تعليقها بملائم أيضاً كما مر فيها. وفي (البزازية) تعليق تسليم الشفعة بالشرط جائز نحو إن كنت اشتريت سلمت وقد ذكر المص في آخر الإجارة ما يجوز إضافته وهو أربعة عشر موضعاً، وما لا يجوز وهو عشرة وعدها الشر هنا ولم يعدها استغناء بمراجعة الكتاب والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 1511
كتاب الصرف
هو بيع بعض الأثمان ببعض
ــ
كتاب الصرف
أخره لقلة وجوده بكثرة قيوده وأيضاً لما كان عقداً على الأثمان والثمن في الجملة تبعاً لما هو المقصود من البيع أخر عن البيع المتضمنة للمقاصد الأصلية، أعني المبيعات، وهو لغة: إما النقل ومنه قوله في دعاء الاستخارة فاصرفه عني ولا شك أن نقل كل من البدلين عن ماله إلى الآخر بالفعل شرط جوازه فكان في المسمى معنى اللغة فسمي باسم ذلك المعنى المشروط فيه، أو الزيادة لأنه لا يطلب منه إلا رهن إذ لا ينتفع بعينه والزيادة تسمى صرفاً لغة، ومنه سميت النافلة صرفاً في قوله ﵊: (من انتمى إلى غير أبيه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) أي: لا نفلاً ولا فرضاً، كذا في (الهداية).
ولا شك في مناسبة تسميته عدلاً لأنه أداء للحق المستحق عليه، واعترض بأنه فسر في (الفائق) .... حديث المدينة (من أحدث فيها حدثاً أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) الصرف بالتوبة لأنه صرف النفس عن الفجور إلى البر، والعدل بالفدية من المعادلة لأنه يعادل نفسه، والمراد بمن أحدث الحدث فعل ما يوجب الحد. وأجيب بأن أهل اللغة اختلفوا في ذلك فذكر في (الجوهرة) وغيرها كما في (الهداية) فلا اعتراض مع أنه الأنسب، كذا في (الفتح) والقولان حكاهما في (القاموس).
وأقول: وجود المعنيين لغة ثابت، غير أنه إنما اختلف التفسير إعطاء الكل مقام ما يناسبه وهذا لأن الجزاء بحسب الجناية من أحدث بالمدينة حدثاً أغلظ بدليل قرانه باللعن ناسب أن يفسر الصرف والعدل بما في (الفائق) فلا اختلاف حينئذ كما توهم، وشرعاً: ما أفاده بقوله (هو بيع بعض) بجنس (الأثمان ببعض)، وهذا المضاف لا بد منه ليدخل بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد فإنه سبب ما اتصل به من الصنعة لم يبق ثمناً صريحاً، ولذا يتعين في العقد ومع ذلك هو صرف ولم يقل من جنس واحد لأن اتحادهما جنساً ليس شرطاً، وشرطه/ تقابض البدلين قبل
стр. 1512
فلو تجانسا شرط التماثل والتقابض، وإن اختلفا جودة وصياغة
ــ
الافتراق وإن اختلف الجنس، ولذا لم يصح فيه أجل ولا خيار بشرط لأن خيار الشرط يمنع ثبوت الملك أو تمامه على القولين وذلك يخل بتمام القبض وهو ما يحصل به التعيين، فإذا سقط الأجل والخيار في المجلس صح بخلاف خيار الرؤية والعيب، إلا أنه لا يتصور في النقد وسائر الديون خيار رؤية لأن العقد ينعقد على مثلهما لا عينهما بخلاف الأواني والحلي، وبهذا عرف أنه لا حاجة بجعلهما، أعني إسقاط الأجل وخيار الشرط شرطين على حدة كما جرى عليه في (البحر) تبعاً (للنهاية) وغيرها لأن شرط التقابض يغني عن ذلك، نعم بقي شرط آخر وهو التساوي عند اتحاد الجنس وإلى هذين الشرطين أشار المص بقوله: (فلو تجانسا)، أي: الثمنان كالذهب والفضة مثلها (شرط التماثل) أي: التساوي وزناً (والتقابض) قبل افتراق العاقدين بأبدانهما والتقييد بالعاقدين يعم المالكين والنائبين، وتقييد الفرق بالأبدان يفيد عموم اعتبار المجلس ومن ثم قالوا: إنه لا يبطل بما يدل على الإعراض، ولو سار فرسخاً ولم يتفرق صح وقد اعتبروا المجلس في مسألة هي ما لو قال الأب اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل، كذا عن محمد لأنه لا يمكن اعتبار المتفرق بالأبدان هنا فاعتبر المجلس، كذا في (البدائع).
وفي (الذخيرة) وكل وكيلين تصارفا ثم ذهب أحدهما قبل القبض وقبل الآخر بطل حصة الغائب، كالمالكين إذا قبض أحدهما دون الآخر لم يجز، ونبه بقوله شرط التماثل أنه لو زاد أحدهما بعد التفرق أو حط شيئاً من الجنس فسد عند الإمام وقال أبو يوسف: لا يفسد وهما باطلان ووافقه محمد في الزيادة وجوز الحط كالهبة المستقلة، ومبنى الخلاف على أن الشرط الفاسد يلتحق بأصل العقد عنده خلافاً لهما وأجمعوا على أن الزيادة والحط لو كانا من غير الجنس لم يفسد، ويشترط في لزوم الزيادة قبضها قبل الافتراق، كذا في (البدائع)، وفيها لو استق أحد بدلي الصرف بعد الافتراق، فإن أجاز المستحق والبدل قائم أو ضمن العاقد وهو هالك جاز، وإن استرده وهو قائم أو ضمن القابض قيمته وهو هالك بطل، (وإن اختلفا) أي: المجانسان (جودة).
قال في (القاموس): جاد يجود جودة صار جيداً (أو صياغة) بكسر حرفة لخبر مسلم وغيره: (الذهب بالفضة والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) وانتصابه بعامل مقدر وهو بيعوا
стр. 1513
وإلا شرط التقابض
ــ
الذهب بالفضة بدلالة الباء فإنها تقتضي فعلًا يلتصق بواسطتها بما دخلت فيه، وهاهنا ذكرت في المبادلة فناسب كونه بيعوا ويجوز رفعه أي بيع الذهب.
قال في (الفتح): والأولى أن يجعل عامله متعلق المجرور أي يباع الذهب بالفضة وقال الطيبي: الذهب يباع بالذهب مثلًا بمثل وانتصاب مثلًا وسواء على الحال والعامل فيه على النصب هو ما اقتضاه الجار من معنى الفعل وهو بيعوا كما مر، وعلى الرفع هو بيع أي مماثلًا وسواء بسواء ويباع بعد إسقاط الصنعة بالأثمان، لأنه لو باع إناء نحاس بمثله وأحدهما أثقل من الآخر جاز مع أن النحاس وغيره مما يوزن من الأموال الربوبية أيضًا لأن صفة الوزن في النقدين منصوص عليها فلا تتغير بالصنعة، ولا يخرج عن كونه موزونا بتعارف جعله عدديا لو تعورف ذلك بخلاف غيرها فإن الوزن فيه بالعرف فيخرج عن كونه موزونًا بتعارف عدديته إذا صيغ وصنع كذا في (الفتح) حتى لو تعارفوا بيع هذه الأواني بالوزن لا بالعدد لا يجوز بيعها بجنسها إلا متساويًا، كذا في (الذخيرة).
وأعلم أنه بشروط العلم بالمماثلة حتى لو تبايعا إناء بإِناء مجازفة ولم يعلما كميتها وكانا في نفس الأمر متساويين لم يجز لأن الشبهة هنا تقوم مقام الحقيقة ولو وزنا في المجلس فظهر متساويين يجوز استحسانًا كان هذا العقد إنشاء لأن ساعته كساعات واحدة، واختلف في التقابض هل هو بشرط البقاء على الصحة أو ابتداء الصحة. والمختار هو الأول وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا ظهر الفساد فيهما هو صرف يفسد فيما ليس صرفًا عند الإمام ولا يفسد على القول الأصح، كذا في (فتح القدير). وإلا أي: وإن لم يتجانسا (شرط التقابض) يعني قبض البدلين باليد لما روينا ولا يكتفى فيه بالتخلية، كما في (فوائد القدوري) قيد بالنقدين لأنه لو باع أحدهما بفلوس شرط قبض أحد البدلين، كما في (الذخيرة).
وفي (البزازية) اشترى فلوسًا بدرهم ولم تكن الفلوس حاضرة عند بائعها جاز ثم قال: لو اشترى مائة درهم بفلس يكفي التقابض من أحد الجانبيين فإن قلت: هذا مناف لما في (فتاوى قارئ الهداية) أنه سئل هل يجوز بيع مثقال من الذهب بقنطار من الفلوس نسيئة أم لا؟ أجاب لا يجوز بيع الفلوس إلى أجل بذهب أو فضة لأن علماءنا نصوا على أنه لا يجوز/ إسلام موزون إلا إذا كان الموزون المسلم فيه مبيعًا كزعفران ونحوه وليست من المبيعات بل صارت أثمانًا انتهى.
قلت: لا منافاة بينهما لاختلاف الموضوع وذلك لأنه عروض شبهت بالثمن، فبالنظر إلى الأول يكتفى بقبض أحد البدلين، وبالنظر إلى الثاني لا يصح السلم فيها
стр. 1514
فلو باع الذهب بالفضة مجازفة صح إن تقابضا في المجلس ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه فإن باع دينارًا بدراهم واشترى بها ثوبًا فسد بيع الثوب ولو باع أمة مع طوق قيمة كل ألف بألفين ....
ــ
وزنًا فتدبره، وفيها غصب قلبًا من أحد النقدين ثم استهلكه فعليه ثمنه مصوغًا من خلاف جنسه، فإن تفرقا قبل قبض القيمة جاز عندنا خلافًا لزفر لأنه صرف وعندنا هو صرف حكمًا للضمان لا مقصودًا فلا يشترط فيه القبض، ولو اشترى المودع الوديعة بخلاف جنسها وتفرقا قبل أن يحدد المودع قبضًا في الوديعة بطل الصرف، بخلاف المغصوبة لأن قبض الصرف ينوب عن قبض الشراء بخلاف الوديعة (فلو باع الذهب بالفضة مجازفة صح) البيع (إن تقابضا في المجلس) لوجود القبض المستحق عليه دون التماثل قيد باختلاف الجنس لأنه مع اتحاده لا يصح البيع مجازفة إلا أن يعلم التساوي في المجلس وقد مر (ولا يصح التصرف قبل قبضه) هذا يعم البدلين لأن كلًا منهما ثمن فلا يصح التصرف فيه بهبة ولا صدقة ولا بيع حتى لو وهبه البدل أو تصدق أو أبرأه منه وقبل بطل الصرف وإلا لا، (فلو باع دينارًا بعشرة واشترى بها ثوبًا فسد بيع الثوب) والصرف على حاله لأن القبض مستحق بالعقد حقًا لله تعالى في تجويزه فواته وكان ينبغي أن تجوز العقد في الثوب كما قال لأن الدراهم لا تتعين فينصرف فيها العقد إلى مطلقها.
ولكنا نقول الثمن في باب الصرف مبيع وبيع المبيع قبل قبضه لا يجوز وليس من ضرورة كونه مبيعًا أن يكون متعينًا كما في المسلم فيه، كذا في (الهداية) ولا يخفى أن زفر إنما قال: يجوز البيع بناء على عدم تعيين بدل الصرف ثمنًا فجاز أن يعطى من غيره ولا شك أن يقول بعدم جواز بيع المبيع قبل القبض فإذا قال بصحة هذا البيع لما قلنا كان بالضرورة قائلًا بأن البيع انعقد موجبًا دفع مثله وتكون تسميته بدل الصرف تقديرًا للثمن، سواء سميته مبيعًا أو ثمنًا لأنه إنما يلزم بيع المبيع قبل قبضه إذا لزم بتسميته بعينه وليس هنا هكذا وعلى هذا فبطلان بيع الثوب مطلقا كما هو المذهب مشكل هذا حاصل ما في (فتح القدير)، وفيه ترجيح لقول زفر ودفعه في (البحر) بما لا يصلح دفعًا حذفنا مخافة الإطالة بلا فائدة نعم قوله إنما يلزم حينئذ حيز المنع إذ المسلم فيه كذلك، وفي (الحواشي السعدية): كون مبيعًا في باب الصرف ثبت ضرورة فلا يعتبر جعله مبيعًا فيما إذا حصل في مقابلة الثوب كما لا يخفى يؤيد ذلك ما سيجيء في بيع الدراهم الغالية الغش بمثلها متفاضلًا حيث شرط القبض في المجلس انتهى، ولا خلاف أن بدل الصرف إذا كان متعينًا كالمصوغ والتبر لا يجوز التصرف فيه (ولو باع أمة مع طوق) في عنقها حاصل هذه المسائل أن
стр. 1515
ونقد من الثمن ألفًا فهو ثمن الطوق، وإن اشتراها بألفين ألف نقد وألف نسيئة فالألف ثمن الطوق وإن باع سيفًا حليته خمسون بمائة ونقد خمسين فهو حصتها، وإن لم يبين أو قال من ثمنهما ولو افترقا بلا قبض صح في السيف دونها إن تخلص بلا ضرر وإلا بطلا
ــ
الجمع بين النقود وغيرها في المبيع لا يخرج النقود عن كونها صرفًا بما يقابلها (من الثمن ألفًا) ثم افترقا (فهو) أي: المنقود (ثمن الطوق) فإن لم ينص الدافع عليه تحريًا للجواز بتحكيم ظاهر حالهما، وكذا لو قال: خذه منهما كما سيأتي لأن المستثنى قد يراد به الواحد أيضًا بخلاف ما لو قال من ثمن الجارية لأن هذا الظاهر عارضه الصريح، وظاهر أن المعول عليه عند المقابلة بالجنس إنما هو القدر لا القيمة وحينئذ فلا حاجة إلى بيان الطوق كما لا حاجة إلى بيان قيمة الجارية قدر الطوق مقابل به والباقي بالجارية.
قلت: قيمتها أو كثرت ففي عبارته مسامحة ظاهرة نبه عليها الشارح نعم إذا قدر أن الثمن بخلاف جنس الطوق فبيان قيمتها يفيد أن الثمن ينقسم عليها على قدر قيمتها، وكون قيمتها مع مقدار الطوق متساويين ليس بشرط بل إذا بيع نقد مع غيره بنقد في جنسه لابد أن يزيد الثمن على النقد المضموم إليه فلو قال: مع طوق زنته ألفًا بألف ومائة لكان أولى لكن قال في (الفتح): وفي جعل الطوق ألف مثقال إفراط في التصور لأنه عشرة أرطال مضروبة ووضع هذا المقدار في العنق فيه نوع تعذيب (ومن باع سيفًا) جمع على أسياف وسيوف وأسيف وأسماؤه تنيف على الألف، كذا في (القاموس) (حليته خمسون) درهمًا (بمائة) والحلية الزينة من ذهب أو فضة يقال حلية السيف والسرج وغيره (ونقد) من الثمن (خمسين فهو) أي: المنقود (حصتها وإن لم يبين) المشتري أنه حصتها لما قلنا (أو قال) المشتري: خذ الخمسين (من ثمنها) لما مر من المثنى يراد به الواحد (ولو افترقا) أي: المتعاقدان (بلا قبض صح) البيع (في) حصة (السيف) لعدم اشتراط قبض ثمنه (إن تخلص السيف بلا ضرر) لأنه حينئذ يقدر على تسليمه كبيع الجارية مع الطوق (وإلا) وإن لم يتخلص إلا بضرر (بطلا) / أي: بيع الحلية والسيف لتعذر تسليم السيف بلا ضرر كبيع جذع من سقف وبقي ما لو نصفه من ثمن الحلية والآخر من ثمن السيف وجعل الكل من ثمن السيف وفيما يكون عن الحلية لأنهما شيء واحد، كذا في (الشرح)، ونقل عن (المبسوط) ولو قال من السيف خاصة وقال الآخر: نعم أو قال: لا وتفرقا على ذلك انتقض البيع في الحلية قال الشر: وينبغي أن تكون هذه المسألة كالمتقدمة من أنه يصرف إلى الحلية على ما بينا من أنه على ما مر من التفصيل بأن تخلصت الحلية بلا ضرر صح في السيف خاصة وإلا بطل في الكل، وفي (المحيط)
стр. 1516
ولو باع إناء فضة وقبض بعض ثمنه وافترقا صح فيما قبض والإناء مشترك بينهما
ــ
لو قال: خذ هذا من ثمن النصل خاصة ينظر إن لم يمكن التمييز إلا بضرر يكون المنقود ثمن الصرف ويصحان جميعًا لأنه قصد صحة البيع ولا صحة له إلا بصرف المنقود إلى الصرف فحكمنا بجوازه تصحيحًا للبيع، وإن أمكن تمييزها بغير ضرر بطل الصرف لأنه صرح بفساد الصرف وقصد جواز البيع ويجوز البيع بدون جواز الصرف فعلى هذا ما ذكر في (المبسوط) محمول على ما إذا كانت الحلية تتخلص من غير ضرر توفيقًا بينه وبين ما في (المحيط)، قال في (البحر): وفيه نظر لأن ما في (المحيط) إنما هو فيما إذا صرح بالنصل دون السيف ولا شك في عدم انصرافه إلى الحلية لكن بشرط أن يتخلص بلا ضرر وإلا صرف لها، ونقل عن (البدائع) إن ذكر أنه عن السيف يقع على الحلية، وإن ذكر أنه من ثمن النصل فإن أمكن التخليص بلا ضرر يقع عن المذكور ويبطل الصرف بالافتراق وإلا فهو ثمن الصرف ويصحان انتهى.
وأقول: في (القاموس) النصل والنصلان حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض جمعها نصل ونصال ونصول، وحاصل الأمر أن الشر سوى بين السيف والنصل في انصرافه إلى الحلية إن لم تتخلص الحلية إلا بضرر، وحمل ما في (المبسوط) من إطلاق الفساد على ما إذا تخلصت بلا ضرر وهذا مما لا محيص عنه وعليه يحمل أيضًا ما في (السراج) خذ هذا المعجل حصة السيف كان على الحلية لأن السيف اسم للحلية أيضًا لأنها تدخل في بيعه تبعًا، ولو قال: هذا من ثمن النصل والجفن خاصة فسد البيع لأنه صرح بذلك فأزال الاحتمال فلم يمكن حمله على الصحة، واعلم أن الجواب في المسألة، أعني مسألة الجارية والسيف مقيد بما إذا كان الثمن أكثر من المطوق والحلية، فإن كان مثله أو أقل أو لا يدرى واختلف المقومون في ذلك لا يجوز البيع للربا حقيقة فيما إذا كانت أقل أو مساوية بسبب زيادة البدل الآخر أو احتماله فيما إذا لم يدر الحال.
(ومن باع إناء فضة) بفضة أو ذهب وحذفه لأن الباب معقود للصرف (وقبض بعض ثمنه) في المجلس (وافترقا) من غير قبض الباقي (صح) البيع (فيما قبض) لوجود شرط الصرف فيه وبطل فيما لم يقبض ولا يشيع الفساد في الكل لأنه طارئ بعد صحة العقد بناء على ما هو المختار من أن القبض قبل الافتراق شرط البقاء على الصحة لا شرط التعليق (والإناء مشترك بينهما) أي: المتعاقدين، ولا يثبت للمشتري خيار عيب الشركة لأنها جازت من قبله لعدم النقد قبل الافتراق، ولذا لو هلك أحد العبدين قبل القبض ثبت الخيار له في الباقي لعدم صنعه وقوله في (الفتح): ولا يتخير واحد من المتعاقدين لأن عيب الشركة جاز بفعلهما وهو الافتراق بلا قبض فيه
стр. 1517
وإن استحق بعض الإناء أخذ المشتري ما بقي بقسطه أو رده ولو باع قطعة نقرة فاستحق بعضها أخذ ما ما بقي بقسطه بلا خيار وصح بيع درهمين ودينار بدرهم ودينارين وكر بر وشعير بضعفهما ......
ــ
نظر إذ البائع لا صنع له ومن ثم اقتصر الشر وغيره على المشتري وهو الظاهر (وإن استحق بعض الإناء أخذ المشتري ما بقي بقسطه) من الثمن أو لأن الشركة في الإناء عيب لم يحدث بصنعه بخلاف ما مر (ولو باع قطعة نقرة) وهي قطعة فضة مذابة، كذا في (الديوان) وعليه فالإضافة من إضافة الجنس إلى النوع قاله العيني وفي (المغرب) النقرة القطعة المذابة من الذهب أو الفضة ويقال: نقرة فضة على الإضافة للبيان (واستحق بعضها أخذ) المشتري (ما بقي بقسطه بلا خيار) لأن التبعيض لا يضرها فلم يلزم عيب الشركة لإمكان أن يقطع حصته مثلًا، وهذا الإطلاق مقيد بما إذا كان الاستحقاق بعد القبض، فإن كان قبله كان له الخيار لتفرق الصفقة عليه (وصح بيع درهمين ودينار بدرهم ودينارين و) صح أيضًا بيع (كر بر وشعير بضعفهما) بأن يبيعهما بكري بر وكري شعير، وقال زفر: لا يجوز لأنه قابل الجملة بالجملة ومن قضيته الانقسام على الشيوع لا على التعيين وفي صرف الجنس إلى خلافه تغيير تصرفه.
قلنا: فيه تصحيح والإجماع على أنه متى أمكن تصحيح تصرف العاقد ارتكب وقد أمكن بجعل الدرهمين بالدينارين والدينار بالدرهم ونقض بأنه غير متعين إذ يمكن أن تعتبر مقابلة درهم من الدرهمين بمقابلة الدرهم والدينار من الدينارين بمقابلة الدرهم.
وأجيب: بأن التغيير ما أمكن تقليله متعين، وهنا فرض ثلاثة تغييرات على أن المدعى إنما هو صرف الجنس لا خلاف جنس لا بخصوص ذلك الطريق وما ذكر من ذلك ومنه أيضًا أن يصرف نصف الدرهم إلى نصف الدرهم والنصف الآخر بمقابلة الدينار وكل ذلك لا يخرج عن صرف الجنس إلى خلاف الجنس، وأفاد الشر أنه لو قال عند البيع: على أن يكون الجنس مقابلًا بخلاف الجنس صح يعني إجماعًا، وأورد أن تصحيح التصرف ممكن في مسائل حكمتم بالفساد فيها هي ما لو اشترى قلبًا بعشرة وثوبًا بعشرة ثم باعها مرابحة لا يجوز، وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب، وكذا لو اشترى عبدًا بألف، ثم باعه قبل نقض الثمن عن البائع مع عبد آخر بألف وخمسمائة لا يجوز في المشتري بألف، وإن أمكن تصحيحه بألف إليه وكذا لو جمع بين عبده وعبد غيره وباعه أحدهما لا يجوز وإن أمكن صرفه إلى عبد غيره.
وأجيب عن الأولى بأنا لو صرفنا إلى الثوب لكان تولية في القلب وهي تضاد
стр. 1518
وأحد عشر درهمًا بعشرة دراهم ودينار ودرهم صحيح ودرهمين غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة ودينار بعشرة عليه
ــ
المرابحة فكان إبطالًا له، والطريق في الثانية غير متعين لأنه يمكن صرف الزيادة على الألف إلى المشتري واعترض بأن الطريق في مسألة (الكتاب) غير متعينة أيضًا في واحد كما قد علمت وأجيب بأنه أقل تغييرًا بخلاف مسألة العبدين فكان أولى، وفي الثالثة: أضيف المبيع إلى المنكر وهو ليس بمحل للبيع والمعين ضده قال الشر: والأصل في هذا الباب أن أحد البدلين تجب قيمته على الآخر وتظهر فائدته في الرد بالعين والرجوع بالثمن عند الاستحقاق ووجوب الشفعة فيما فيه تجب ثم إن كان العقد مما لا ربا فيه، فإن كان لا تتفاوت آحاده فالتسمية على الأجزاء، فإن تفاوت فعلى القيمة، وإن كان (درهمًا بعشرة دراهم) ودينار أردف هذه المسألة وإن علمت مما قبلها لبيان أن صرف الجنس إلى خلاف جنسه لا فرق فيه بين كون البدلين فيهما جنسان من الأموال الربوية وفي أحدهما كما هنا، كذا في (العناية) فتكون العشرة بالعشرة والدرهم بالدينار.
فرع
اشترى تراب الفضة بفضة لا يجوز لأنه إن لم يظهر في التراب شيء فظاهر وإن ظهر فهو بيع الفضة بالفضة مجازفة، ولهذا لو اشتراه بتراب فضة لا يجوز، ولو اشتراه بتراب ذهب أو بذهب جاز لعدم لزوم العلم بالمماثلة لاختلاف الجنس، كذا في (الفتح) (و) صح أيضًا بيع (درهم صحيح ودرهمين غلة) بفتح المعجمة وتشديد اللام الدراهم المقطعة أي المكسرة تكون في القطعة ربع وثمن وأقل وقيد ما يرده بيت المال ويقبله التجار قال الشارح: ولا تنافي بينهما لاحتمال أن تكون هي القطعة (بدرهمين صحيحين ودرهم غلة) للمساواة في الوزن والجودة والصحة في الأموال الربوية ساقطة وعبارة القدروي ويجوز بيع درهمين صحيحين بدرهمين غلة ودرهم صحيح بدرهم غلة، قال الحدادي: وصوابه كما قال المص انتهى، وأنت قد علمت أن مناط الصحة هو المساواة ولا شك في وجودها فيما قاله القدروي فتدبر في وجه عدم الصواب (و) صح أيضًا بيع (دينار بعشرة عليه) اتفاقًا والتقيا قصاصًا لأنه جعل ثمنه دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض وذلك جائز إجماعًا لأن التعيين للاحتراز عن الربا ولا ربا في دين سقط، ولا فرق في الدين بين أن يكون عليه أو لحقه قبل الافتراق وقيل: لا يجوز التقاص بدين حادث، والأول أصح.
وفي (الحواشي السعدية): فإن اختلج مالك في صحة المقاصة ..... لا
стр. 1519
أو بعشرة مطلقة ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة وغالب الفضة والذهب فضة، وذهب حتى لا يصح بيع الخالصة بها ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويًا وزنًا وغالب الغش ليس في حكم الدرهم والدنانير فصح بيعها بجنسها متفاضلًا
ــ
يتعين الدين، ولهذا لو تصادقا أن لا دين يبطل العقد فكان الإطلاق والتقييد سواء فليتأمل وفيه نظر يعرف مما سيأتي (أو) باعه (بعشرة مطلقة) أي: غير مقيدة بالدين الذي عليه (ودفع) البائع (الدينار) للمشتري (وتقاصا العشرة بالعشرة) قيد بذلك لأنهما لو لم يتقاصا لم تقع المقاصة بينهما إجماعًا، كذا في (العناية) وبه عرف أن هذا قيد في الثانية ثم الجواز مع التقاص استحسان أنه لا يجوز وهو قول زفر لكونه استبدالًا ببدل الصرف قبل قبضه وجه الاستحسان أنه بالتقاص انفسخ العقد الأول وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين، لأنهما لما أن غيرا موجب العقد فقد فسخاه أي آخر اقتضاء كما لو جدد البيع بأكثر من الثمن الأول كذا قالوا: وقرر في (فتح القدير) أنه لا حاجة إلى اعتبار فسخ الأول لأن موجب العقد عشرة مطلقة تصير متعينة بالقبض وبالإضافة بعد العقد إلى العشرة الدين صارت كذلك غير أنه بقبض سابق ولا يبالى به بحصول المقصود من التعيين بالقبض بالمساواة، بخلاف ما لو وجد البيع من الثمن الأول فإن الفسخ لازم لأن أحدهما لم يصدق على الآخر بخلاف العشرة المطلقة مع هذه العشرة للصدق لأن الإطلاق ليس قيدًا للعقد بها وإلا لم يكن قضاؤها أصلًا إذ لا وجود للمطلق بقيد الإطلاق انتهى.
وبهذا يستغنى عما أورد لو ثبت الفسخ بالمقاصة لوجب قبض الدينار على البائع بحكم الإقالة لأن لإقالة الصرف حكم الصرف، وأجيب بأن الإقالة ضمنية فجاز أن لا يثبت لها حكم البيع إلا أنه يلزم عليه موافقة زفر لهم أن المانع إنما هو بناء المسالة على الاقتصار وهو لا يقول به وعلى ما ادعاه لاقتضاء أصلًا فتدبره. (وغالب الفضة) أي: والفضة الغالية (و) غالب (الذهب فضة وذهب) / لأن النقود لا تخلو عن قليل غش للانطباع وقد يكون خلقيًا فيكون كالمستهلك (حتى لا يجوز بيع الخالصة بها ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويًا) وكذا لا يصح الاستقراض بها إلا (وزنًا) أي: يعتبر فيها من تحريم التفاضل ما يعتبر في الخالص منها (وغالب الغش) أي: المغشوش منهما (ليس في حكم الدراهم والدنانير فيجوز بيعها بجنسها متفاضلًا) وزنًا وعددًا صرفًا للجنس إلى خلاف جنسه ضرورة صحة العقد والثابت بالضرورة لا يتعدى فبقي العقد فيما وراء ذلك صرفًا ولذا شرط التقابض في المجلس، أما بالنسبة إلى الذهب والفضة فظاهر، وأما بالنسبة إلى الصغر فلعدم التمييز إلا بضرر والمراد بقاؤه على الصحة لما عرف إذ القبض له لا لصحة العقد، ومشايخ ما رواء النهر لم
стр. 1520
ولا يتعين بالتعيين لكونه أثمانًا ويتعين بالتعيين إن كانت لا تروج والمتساوي كغالب الفضة في التبايع والاستقراض وفي الصرف كغالب الغش
ــ
يفتوا بجواز ذلك يعني التفاضل في العدالية والعطارقة لأنها أغر الأموال في ديارهم، فلو أبيح لا تفتح باب الربا والغطريفية نسبة إلى غطريف الكندي أمير خراسان أيام الرشيد قيل: هو خالد قيد بالجنس لأنه لو باعها بفضة خالصة، فإن كانت الخالصة التي في المغشوشة مثله أو أقل أو لا يدري فسد البيع، وإن كانت أكثر صح على ما مر في حلية السيف، وصح أيضًا التتابع أي البيع والشراء والاستقراض بما يروج من غالب الغش من النقدين عددًا نصب على التمييز أو وزنًا أو بهما لأن المعتبر فيما لا نص فيه العرف ولا شك أنها بغلبة الغش فصارت كالفلوس وفيها تعتبر العادة في المعاملة.
(ولا تتعين) المرابحة (بالتعيين لكونها أثمانًا) بالاصطلاح فما دام موجودًا لا تبطل الثمنية لقيام المقتضى فلو هلكت قبل القبض لا يبطل العقد (وتتعين بالتعيين إن كانت لا تروج) لأنها سلعة في الأصل وإنما صارت ثمنًا بالاصطلاح فما دام موجودًا لا تبطل الثمنية لقيام المقتضى، لو هلكت قبل القبض لا يبطل العقد وتتعين بالتعيين إن كانت لا تروج لأنها سلعة في الأصل وإنما صارت ثمنًا بالاصطلاح، فإذا تركوا المعاملة بها رجعت إلى الأصل حتى لو هلكت قبل القبض بطل العقد هذا إذا كان يعلمان بحالها ويعلم كل المتعاقدين أن الآخر يعلم، فإن كانا لا يعلمان أو لا يعلم أحدهما أو يعلمان ولا يعلم كل أن الآخر يعلم فإن البيع يتعلق بالدراهم المرابحة في ذلك لا بالمشار إليه من هذه الدراهم التي لا تروج وإن كانت يقبلها البعض ويردها البعض فيه في حكم الزيوف النبهرجة فيتعلق العقد بجنسها كما هو في المرابحة لكن يشترط أن يعلم البائع خاصة ذلك من أمرها لأنه رضي بذلك أدرج نفس في البعض الذي يقبلها وإن كان البائع لا يعلم تعلق العقد إلى الأروج فإن استوت في الرواج جرى التفصيل الذي أسلفناه في كتاب البيع، كذا في (الفتح).
(والمتساوي) فضة وغشًا وذهبًا كذلك (كغالب الفضة) والذهب (في التبايع والاستقراض) حتى لا يجوز البيع بهما ولا إقراضهما إلا وزنًا لأن الفضة موجودة فيها حقيقة وهي غير مغلوبة فوجب اعتبارها بالوزن شرعًا إلا إذا أشار إليها في المبالغة فيكون بيانًا لقدرها ووصفها كما لو أشار إلى الجياد ولا ينتقض البيع بهلاكها قبل التسليم لأنها ثمن فلا يتعين ويعطى مثلها (وفي الصرف كغالب الغش) حتى لو باعها بجنسها جاز على وجه الاعتبار، ولو باعها بالخالصة لا يجوز حتى يكون الخالص أكثر مما فيه، وفي (الخانية) لو كان نصفها فضة ونصفها صفراء لا يجوز فيه
стр. 1521
ولو اشترى به أو بفلوس نافقة شيئًا وكسد بطل البيع
ــ
التفاضل قال الشر: وظاهر أنه أراد به فيما إذا بيعت بجنسها وهو يخالف ما ذكر هنا ووجهه أن فضتها لما لم تكن مغلوبة جعلت كأن كلها فضة في حق الصرف احتياطًا (ولو اشترى) بها أي: بالتي غلب غشها وفي نسخة (به) أي بغالب الغش (أو بفلوس نافقة) أي: رابحة يقال نفقت نفقًا من باب تعب نفدت ويتعدى بالهمز فيقال: أنفقتها كذا في (المصباح)، وكذا إذا باع بها (شيئًا وكسد) كل واحد منهما قبل القبض أو انقطعا عن أيدي الناس يقال: كسد الشيء يكسد من باب قتل لم ينفق لقلة الرغبات وأصل الكساد الفساد (بطل البيع) عند الإمام وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا وإلا فمثله أو قيمته.
وقالا: لا يبطل لأن العقد إلا أنه تعذر التسليم للكساد وهو لا يوجب الفساد كما لو اشترى بالرطب فانقطع وإذا بقي العقد كان عليه قيمتها يوم البيع عند أبي يوسف، وعند محمد آخر ما تعامل الناس بها قبل الفتوى على قول أبي يوسف وقيل على قول محمد رفقًا بالناس وله أن الثمن قد هلك بالكساد فبقي بيعًا بلا ثمن، والغالب أن الرواج لا يقود بخلاف الرطب فإنه لو انقطع يعود في العاد القابل غير أنه يخير بين الفسخ والصبر إلى أن يحصل لا يقال فلتصر مبيعة/ إذا انتفت ثمنيتها لأنا نقول تصير مبيعة في الذمة، والبيع في ذمة لا يجوز إلا في السلم واعترض عليه بأن ثمنيتها يوجب أن يكون بيع مقايضة فلا يستلزم كونه دينًا ولا يبطل بعدم القبض قبل الافتراق، قال في (الفتح): وهذا المعترض لم ينتبه لصورة المسألة وهي أنه باعه بدراهم كذا وكذا غلب غشها وليس فيها أنه أحضر الدراهم وأشار إليها بعينها بل باع بها على نمط ما يباع بالأثمان إذ الغرض أن البيع وقع بها في حال رواجها أثمانًا وشرط في العيون أن يكون الكساد في سائر البلدان، فلو راجت في بعضها لا يبطل البيع لأنها لم تهلك وإنما تعيبت قالوا: هذا على قول محمد، وأما على قولهما فينبغي أن يكتفي بالكساد في تلك البلدة التي وقع فيها البيع بناء على اختلافهم في بيع الفلوس بالفلسين عندهما يجوز اعتبارًا لاصطلاح البعض، وعند محمد لا يجوز باعتبار الاصطلاح الكل فالكساد يجب أن يكون على هذا القياس أيضًا، كذا في (العناية) و (فتح القدير) وغيرهما واعترضهم في (الحواشي السعدية) بأن محمدًا لا يقول بأن الكساد يوجب الفساد فكيف يستقيم ذلك على قوله فليتأمل.
أقول: وكذا أبو يوسف لا يقول به أيضًا كما قد علمت فكيف يكتفى للفساد في تلك البلدة على قوله ثم رأيت بعد التأمل أن مما يجب المصير إليه في الجواب أن ما في (العيون) مبني على ما جرى عليه في (المبسوط) و (الأسرار) و (شرح
стр. 1522
وصح البيع بالفلوس النافقة وإن لم يعين وبالكاسدة لا حتى يعينها ولو كسدت أفلس القرض يجب رد مثلها
ــ
الطحاوي) من أن الفساد بالكساد في الفلوس قول لكل وأن الخلاف الأول مقصور على الدراهم المغشوشة وسوى القدوري بين الكل وهو الوجه إذ لا فرق يظهر ولم أر من أفصح عن هذا والله الموفق.
وأعلم أنها لو راجت قبل فسخ البائع البيع عاد البيع جائزًا لعدم انفساخ العقد بلا فسخ كذا في (البزازية) وعلى هذا فقول المص بطل البيع أي يثبت للبائع ولاية فسخه والله الموفق، قيد بالكساد لأنها لو نقضت قيمتها قبل القبض فالبيع على حاله بالإجماع ولا يتخير البائع، وكذا لو غلب وازدادت ولا يتخير المشتري ويطالب بالقدر بذلك العيار الذي كان وقت البيع وفي (الخلاصة) و (البزازية) عن (المنتقى) غلت الفلوس أو رخصت، فعند الإمام الأول والثاني أولًا ليس عليه غيرها وقال الثاني ثانيا: عليه قيمتها يوم البيع والقبض وعليه الفتوى انتهى. أي يوم البيع في البيع ويوم القبض في القبض والمذكور في (الخانية) تبعًا للإسبيجابي لزوم المثل فقط، قال في (البزازية): والإجارة كالبيع والدين وفي النكاح يلزمه قيمة ذلك الدرهم وإن كان فقد بعض الثمن دون بعض فسد في الباقي قيدنا بعدم قبض البائع لأنه لو قبضها ولو فضوليًا فيه فكسدت لا يفسد البيع ولا شيء له.
(وصح البيع بالفلوس النافقة) لأنها نوع من أنواع الأموال كالدراهم حتى لو هلك قبل القبض لا ينفسخ العقد، ولو استبدل بها جاز (وإن لم يعين) لأنها أثمان والثمن النقد تعينه بل ولو عين لا يتعين إلا إذا قال: أردنا تعليق الحكم فيتعلق العقد بعينها كذا في البحر لا يجب سده (لا) أي: لا يصح البيع (حتى يعين) لأنها مبيعة في هذه الحالة لابد أن يتعين (ولو كسدت أفلس القرض يجب) على المستقرض (رد مثلها) عددًا عند الإمام باتفاق الروايات وأما إذا استقرض دراهم غالبة الغش فقال أبو يوسف: في قياس قول أبي حنيفة عليه مثلها ولست أرى ذلك عنه وقال الثاني: عليه قيمتها من الذهب يوم القرض في الفلوس والدراهم وقال محمد: في آخر وقت نفاقها لأنه لما تعذر ردها كما قبض ببطلان وصف الثمنية وجب رد قيمتها وأصل الاختلاف في وقت الضمان فيمن غصب مثليًا فانقطع وله أنه إعارة وموجبة رد الجنس معنى والثمنية فضل فيه إذ القرض لا يختص به وتأخير صاحب (الهداية) دليلها ظاهر في اختيار قولهما قالوا: وهو أنظر للمقرض وقول أبي يوسف أيسر وقول أنظر للجانبين قال في (البزازية) وغيرها وعليه الفتوى، ثم قال: وكذا الخلاف إذا أقرضه طعامًا بالعراق وأخذه بمكة فعند أبي يوسف عليه قيمته يوم قبضه، وعند
стр. 1523
ولو اشترى شيئًا بنصف درهم فلوس صح ومن أعطى صيرفيًا درهمًا فقال: أعطني به نصف درهم فلوسًا ونصفا إلا حبة صح.
ــ
محمد يوم الخصومة، وكذا الخلاف في الفلوس المغصوبة بعد كسادها إذا كسدت حال قيام العين وكذا العد إلى ثم قال: لو اشترى بالنقد الرابح وتقايضا ثم تقايلا بعد الكساد رد البائع المثل لا القيمة عند الإمام (ومن اشترى شيئًا) من الفاكهة أو غيرها (بنصف درهم فلوس) بأن البائع سلعة اشتريتها منك بذلك (صح) الشراء ولزمه دفع ما يباع من الفلوس بنصف درهم فضة، وكذا إذا قال: بدانق من الفلوس وهو سدس درهم أو بقيراط وهو نصف السدس وقال/ زفر: لا يصح لأنه اشترى بالفلوس وهي معدودة ونصف درهم ودانق وقيراط منه موزونة فذكرها لا يغني عن بيان العد فبقي الثمن مجهولًا.
قلنا: بل هو معلوم فأغنى ذكر العدد وإذا صار كناية عما يباع بنصف وربع درهم لم يلزم جهالة الثمن والتقييد بالنصف اتفاقي لأنه بدرهم أو درهمين كان الحكم كذلك قيل: هذا قول أبي يوسف وهو الأصح، وعند محمد لا يجوز إلا فيما دون الدرهم ولم يذكر في (المبسوط) خلاف محمد والمذكور في غيره خلاف ظاهر الرواية عنه لأنه إذا كان المدار إنما هو على العلم بما يباع بالدرهم من الفلوس مع وجوب الحمل عليه تصحيحًا للعقد فلا فرق بين دون الدرهم والدراهم فضلًا عن الدراهم (ولو أعطى صيرافيًا درهمًا) أي: كبيرًا فضة (وقال: أعطني به نصف درهم فلوسًا) بالنصف صفة لنصف وجعله في (العناية) بدلًا منه ويجوز الجر على أن يكون صفة لدرهم (ونصفًا إلا حبة) أي: درهمًا صغيرًا وزنه نصف درهم كبيرًا إلا حبة (صح) هذا العقد لأنه لما لم يتكرر لفظ نصف بل قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة كان نصف درهم إلا حبة بمثله من الفضة والباقي بإزاء الفلوس حتى لو كرره، والمسألة بحالها بطل في الكل على قياس قول الإمام لأن الفساد قوي مقارن للعقد فيشيع وعندهما صح في الفلوس وبطل فيما يقابل الفضة، ولو كرر لفظ الإعطاء كان جوابه كجوابهما في أن الفساد يحض النصف الآخر لأنهم بيعان لتعدد الصفقة وهذا هو المختار خلافًا لما حكى عن بعض المشايخ من أنه لا يجوز وإن كرر والله الموفق للصواب.
стр. 1524
كتاب الكفالة
هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة وتصح بالنفس
ــ
كتاب الكفالة
عقب البيع بها لأنها تكون فيه غالبًا، ولما كانت بالأمر معاوضة عند الرجوع عما ثبت في الذمة من الأثمان ذكرها بعد الصرف (وهي) لغة: الضم سواء كان متعلقة عينًا أو معنى، قال في (المغرب): وتركيبه يدل على الضم والتضمين، وفي (المصباح) كفلت بالمال وبالنفس كفلًا من باب قتل وكفر لا أيضًا والاسم الكفالة، وحكى أبو زيد سماعًا من العرب من بابي تعب وقرب، وحكى ابن القطاع كفلته وكفلت به وعنه إذا تحملت به ويتعدى إلى المفعول ثان بالتضعيف والهمزة فيحذف الحرف فيهما، وعرفا: ما أفاده بقوله على ضم ذمة إلى (ضم ذمة) الكفيل (إلى ذمة) أي: إلى ذمة الأصيل، والذمة وصف شرعي به الأهلية لوجوب ماله وعليه، وفسرها فخر الإسلام بالنفس والرقبة التي لها عهد والمراد بها العهد فقولهم في ذمته أي في نفسه باعتبار عهدها من باب إطلاق الحال وإرادة المحل، كذا في (التحرير) (في المطالبة) لم يقل بالدين لأنها كما تكون بالدين تكون بالنفس وبالأعيان المضمونة وهو ما يجب تسليمه بعينه فإن هلك ضمن مثله وإلا فقيمته كالمغصوب والمبيع فاسد أو المقبوض على سوم الشراء كما سيأتي إذ المطالبة لا فرق فيها بين أن يكون المطلوب من أحدهما هو المطلوب من الآخر أو لا، وجعل مسكين المطلوب منهما واحدًا وهو تسليم النفس إذ المطلوب عليه تسليم نفسه والكيل قد التزمه، كما في (البحر).
وأقول: لم أر في مسكين ما يدل على ما ادعى وقبل في الدين فيثبت بها دين آخر في ذمة الكفيل ويكتفي باستيفاء أحدهما ولم يرجح في (المبسوط) أحد القولين لكن في (الهداية) وغيرها الأول أصح ووجهه كما في (العناية) أنهما كما تصح بالمال (تصح بالنفس) ولا دين، وكما تصح بالدين تصح بالأعيان المضمونة ويلزم أن يصير الدين الواحد دينين وحاصله أن الأول أعم وهذا أخص وفيه نظر، إذ من عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال، وأما الكفالة بالنفس وبالأعيان فهي المطالبة اتفاقًا وهما ماهيتان لا يمكن جمعهما في تعريف واحد، وأفرد تعريف الكفالة بالمال لأنه محل الخلاف وبه استغنى عما في نكاح (الدرر) من تعريفها بضم ذمة إلى ذمة في مطالبة النفس أو المال أو التسليم مدعيًا أن قولهم والأول أصح لا صحة له، وعن هذا أجاب في (الفتح) بأنه ثم ما ادعاه في (النهاية) من اللزوم نلتزمه إذ لا مانع منه شرعًا بعد أن الاستيفاء ليس إلا من أحدهما
стр. 1525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالغاصب وغاصب الغاصب فضلًا عن أنه أصح لأنهم قسموها إلى كفالة في المال، والنفس ثم إن تقسيمهم يشعر بإحضارها مع أنهم ذكروا في أثناء المسائل ما يدل على وجود قسم ثالث وهو الكفالة بالتسليم انتهى. وأنت قد علمت ما هو الواقع لا يجب الحكم بكل ممكن إلا بموجب ولا موجب لأن التوثق يحصل بالمطالبة وهو يستلزم ثبوت اعتبار الدين في الذمة كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن وهو في ذمة الموكل، وفي الهبة والشراء إنما جعلتا في حكم دينين تصحيحًا لتصرف صاحب الحق وذلك عند وقوعه بالفعل ضرورة ولا ضرورة قبله ثم قال: ولا يخفى أما نقل عن الإمام أن الدين فعل يقتضي أن/ يكون في ذمة الكفيل أيضًا كما هو في ذمة الأصيل إذا فعل الأداء واجب عليه انتهى.
وأجاب في (البحر): إنها إنما وجب عليه لإسقاط المطالبة عنه وأبو حنيفة إنما جعله فعلًا لسقوطه عن الميت إذ لا يتأتى الفعل منه فلم تصح الكفالة عن ميت مفلس، وليس مراده أن حقيقة الفعل لأنه وصف قائم بالذمة وإنما مراده أن المقصود منه الفعل، ثم قال: أثر الخلاف يظهر فيما إذا أحلف الكفيل أن لا دين عليه فعلى الأصح لا يحنث، وعلى الضعيف يحنث ونقل عن (الخانية) ادعى عليه أنه ضمن له عن فلان الغائب كذا كذا درهمًا قال الشيخ الإمام يحلفه بالله ما له عليك هذا المال من الوجه الذي يدعي، وعن أبي يوسف هذا إذا عرض المدعى عليه للقاضي بأن قال: إن الرجل قد يضمن مالًا ثم يؤدي أو يبرئه الطالب أو يؤديه المضمون عنه فيبر الضامن وإن لم يعرض يحلفه ما ضمن، وينبغي أن يكون ما عن الشيخ مفرعًا عل الضعيف وما عن الثاني على الأصح انتهى.
أقول: هذا وهم منشؤه توهم أن قوله ما له عليك هذا المال يفيد ما ادعاه وليس كذلك إذ معناه ما له عليك المطالبة وكيف يصح على ما ادعاه أن يكون ما عن الثاني مفرعًا على الأصح وهو يوافقه فيما إذا عرض المدعي فتارة يفرع على الأول وتارة على الثاني ما هذا التواني وركنها الإيجاب والقبول بالألفاظ الآتية عندهما ولم يجعل أبو يوسف في قوله الأخير القبول ركنًا بل قال: بأنها تتم بالكفيل وحده موقوفة على إجازة الطالب، وقيل نافذة وللطالب حق الرد وهو الأصح كما في (المحيط) أي: من تولية وأثر الخلاف يظهر فيما إذا مات المكفول له قبل القبول من قال تتوقف قال لا يؤاخذ الكفيل، وفي (السراج) قال فضولي: ضمنت مال فلان على فلان من الدين فبلغهما فأجازا لا يجوز عندهما، وعند أبي يوسف يجوز ولو قبل عن الغائب أحد تقف في قولهم جميعًا، وكذلك هذا الاختلاف فيما إذا كفل صبي لا يتوقف
стр. 1526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكفالة إلى قبول وليه عندهما خلافًا لأبي يوسف، وشرطها في الكفيل كونه من أهل الشرع فلا ينفذ من مجنون ولا صبي إلا إذا استدان الولي نفقة لليتيم وأمره إذ يضمن المال عنه فإنه يصح، ولو أمره بكفالة نفسه عنه لم يصح لأن ضمان الدين قد لزمه من غير شرط فالشرط لا يزيده إلا تأكيدًا فلم يكن متبرعًا، كذا في (البحر) معزيًا إلى (البدائع)، ثم رأيته في (المحيط) عزى المسألة إلى (المبسوط) ولفظه في كفالة الصبي وإن استدان له أبوه أو وصيه وأمر أن يكفل عنه الدين أو يكفله بنفسه جازت الكفالة بالدين دون النفس لأن الأب أو الوصي متى استدان على الصبي للنفقة كان لهما الرجوع بذلك في مال الصبي فكان أداء الدين على الصبي إلا أن الوصي ينوب عنه في الأداء فإذا أمر بالضمان فقد أذن له في الأداء وهو تمليك الأداء بإذنه فيجب عليه الأداء فلم يكن هذا الضمان تبرعًا انتهى.
وهو صريح في أن الصبي يطالب بهذا المال بموجب الكفالة ولولاها لكان الطلب إنما هو على الولي وبهذا التقرير بطل قول عصري هذا الاستثناء مستدرك بل لا تصح كفالة الصبي مطلقًا فتدبره ولا من مريض إلا من الثلث ولم ينفد من عبد ولو مأذونًا في التجارة، ولو أخذ بها بعد العتق إلا إذا أذن المولى ولا من مكاتب بإذن المولى ويطالب به أيضًا بعد العتق وقالوا: إنها تصح من المكاتب والمأذون عن المولى وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كانت بأمره ثم رأيته كذلك في (عقد الفرائد) معزيًا إلى (المبسوط) حيث قال: وكفالة العبد التاجر عن سيده بمال أو بنفسه بغير إذنه باطل، وفيه كفل عن المولى بإذنه ولا دين عليه جاز لأن الحق في ماليته له كما لو رهنه، ولو أدى عنه بعد العتق لا رجوع له وفي المكفول به أن يكون دينًا صحيحًا فلا كفالة ببدل الكتابة، وينبغي أن يكون من ذلك الكفالة نفقة الزوجة قبل القضاء بها أو المضي لما قدمناه من إنها لا تصير دينًا إلا بهما وبدل الكتابة دين إلا أنه ضعيف ولا تصح الكفالة به فما ليس دينًا أولى، وقد أفتيت به وأن يكون مقدور التسليم فلا يجوز بالحدود القصاص.
وفي (الأصل) أن يكون قادرًا على تسليم المكفول به فلم يصح عن ميت مفلس وأن يكون المكفول عنه معلومًا، فلا تصح لو كفل عن واحد وفي المكفول له كونه معلومًا أيضًا موجودًا في مجلس العقد كما مر وألفاظها ستأتي وسبب وجودها تضيق الطالب على المطلوب مع قصد الخارج رفعه عنه، وسبب شرعيتها دفع هذه الحاجة ودليلها الإجماع وسنده قوله ﷺ : (الزعيم غارم) رواه أبو داود والترمذي
стр. 1527
وإن تعددت بكفلت بنفسه وبما عبر عن البدن
ــ
وقال: حديث حسن ومحاسنها جليلة هي تفريج كرب الطالب في المطلوب الخائف على نفسه حيث كفيا مؤنة ما أهمهما ومع ذلك فالامتناع عنها أقرب إلى الاحتياط لأنه مكتوب في التوراة الزعامة/ أولها ملامة وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة، كذا في (المجتبى) وتصح الكفالة بالنفس (وإن تعددت) بان أخذ منه كفيلًا ثم كفيلًا أو كان للكفيل كفيل، ويجوز عود الضمير إلى النفس بأن يكفل واحد نفوسًا والأول هو الظاهر أنه ينقاد إليه، وأما بغيره فلا يمكنه إحضاره بالاستعانة بأعوان الحاكم، كذا في (الفتح).
تتمة: طلب المدعي كفيلًا بنفس المدعى عليه بعد الدعوى إلى أن يثبتها وقال: بينتي في المصر أجبر المدعى عليه على التكفيل، وإن لم يقل في المصر اختلف المشايخ وسيأتي في الدعوى وفي الدين المؤجل إذا قرب الحلول وأراد المديون المسافرة قبل حلول الأجل وعلم أنه يحل وهو غائب لا يجبر على الإعطاء الكفيل في الظاهر ولكن يقال لرب الدين: إن أردت فأخرج معه فإذا حل الأجل طالبه بدينك وله منعة من السفر إلى أن يوفيه قال في (الظهيرية): وكذلك لو قالت المرأة للقاضي: إن زوجي يريد أن يغيب فخذ بالنفقة كفيلًا لا يجيبها إلى ذلك لأنها لم تجب بعد، واستحسن الإمام الثاني أخذ الكفيل رفقًا بها وعليه الفتوى ويجعل كأنه كفل بما ذاب لها عليه، وفي (المحيط) لو أفتى بقول الإمام في سائر الديون كان حسنًا رفقًا به لناس قال في (عقد الفرائد): وهذا ترجيح من صاحب (المحيط) واعلم أن ظاهر ما في (الظهيرية) يفيد أن يكون كفيلًا بنفقتها عند الثاني ما دام غائبًا ويجعل كأنه كفل بما ذاب أي وجب لها عليه ووقع في كثير من العبارات أن الإمام الثاني استحسن أخذ الكفيل بنفقة شهر وقد قالوا: كما في (المجمع) لو كفل لها بنفقة كل شهر لزمته ما دام النكاح بينهما عند أبي يوسف وقالا: يلزمه نفقة شهر (بكفلت نفسه) لأنه حقيقة في معناها.
(و) تصح أيضًا (بما عبر) به من أعضائه (عن) جملة (البدن) كرأسه ووجهه ورقبته وعنقه وبدنه وروحه وذكروا في الطلاق الفرج ولم يذكروه هنا قالوا: وينبغي صحة الكفالة إذا كان امرأة، كذا في (التتارخانية) وأما القلب فقال بعضهم: إنه وإن ورد إطلاقه على الكل إلا أن استعماله في هذا المعنى لغة وعرفًا نادر، ولم يذكر محمد العين قال البلخي: لا يصح كذا في الطلاق إلا أن ينوي به البدن قال في (الفتح): الذي يجب أن يصح في الكفالة والطلاق إذ العين مما عبر به عن الكل يقال: عين القوم وهو عين الناس ولعله لم يكن معروفًا في زمانهم أما في زماننا فلا
стр. 1528
وبجزء شائع وبضمنته وبعلي وإلي وأنا زعيم به وقبيل به
ــ
شك في ذلك، وأما الدم فذكر الشر في الطلاق أنهم صححوا صحة التكفيل به وخرج ما لو كفل بيده أو رجله، وقد مر في الطلاق أنهم لم تعارفوا إطلاق اليد على الجملة وقع الطلاق فكذا في الكفالة (و) تصح أيضًا (بجزء شائع) منه بثلثه وبجزء منه لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ فذكر بعضها شائعًا كذكر كلها، ولو أضاف الكفيل الجزاء إلى نفسه ككفلت لك نصفي أو ثلثي فإنه لا يجوز، كذا في (السراج) لكن لو قيل: إن ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله لم يفترق الحال (وبضمنته) أي: تصح أيضًا بهذا اللفظ لأنه تصريح بمقتضى الكفالة لأنه يصير ضامنًا للتسليم والعقد ينعقد بالتصريح بموجبه كالبيع ينعقد بالتمليك، وفي (الخانية) لو قال: أنا ضامن حتى تجتمعا أو تلتقيا لا يكون كفيلًا لأنه لم يبين المضمون أهو نفس أو مال وفي (التتارخانية) لو قال: علي حق فهو كفيل إلى الغاية التي ذكرها وعلى هذا لو قال: حتى لو تلتقيا.
(و) تصح أيضًا (بقوله علي وإلي) لأن الأول صيغة التزام ومن هنا أفتى قارئ (الهداية) بأنه لو قال: التزمت بما على فلان كان كفالة والثاني بمعناه هنا ومنه قوله ﷺ : (من ترك مالًا فلورثته ومن ترك كلًا أو عيالًا فإلي) قيل: ويجوز أن يكون عطف تفسير فيكون المراد به العيال ورد بأن المستعمل في التفسير الواو لا أو، وأيضًا الأصل في العطف التغاير (وأنا زعيم به) لأنه يسمى زعيما كما مر فقال تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) [يوسف: ٧٢] أي: كفيل، ورده الرازي في (شرح الطحاوي) بأنه ليس هناك كفالة بل القائل مستأجر لمن جاء به وهو الذي يلزمه ضمانا لأجرة التي عقد عليها لمن جاء به، وجوابه يحمل على أنه كان رسولًا من جهة الملك وكأنه يقول: إن الملك قال لمن جاء حمل بعير ثم يقول من جهته وأنا بذلك الحمل كفيل انتهى. وفي كونه مستأجرًا نظر إذ المستأجر مجهول فأنى تصح الإجارة وأيضًا فيه عدول عن الظاهر بما لا داعي إليه إذ على ما ادعى يكون قوله وأنا به زعيم تصريح بما علم من قوله لمن جاء به حمل بعير.
وقال الفخر الرازي: هذه كفالة لرد مال السرقة وهو كفالة لما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم (وقبيل به) أي: كفيل يقال: قبل قبالة بفتحها في الماضي وفسرها في المضارع ويسمى الصك قابلة لأنه يحفظ الحق فمعناه القابل للضمان وبقي منه
стр. 1529
لا بأنا ضامن لمعرفته، فإن شرط تسليمه في وقت بعينه أحضره فيه إن طلبه فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم
ــ
الألفاظ/ حميل بفتح الحاء المهملة بمعنى كفيل به يقال: حمل به حمالة بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع قيل: الكفيل لغة أهل العراق، والزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر ولك عندي هذا الرجل أوافيك به على أن ألقاك به أو أودعه إلي (لا) يصير كفيلًا (بأنا) أي: بقوله أنا (ضامن لمعرفته) عندهما وقال أبو يوسف: يصير ضامنًا للعرف وجه قولهما أنه إنما التزم معرفته دون المطالبة فيصير كالتزامه الدلالة عليه أو اتفاق عليه والظاهر ما قالا، وفي (الذخيرة) و (الواقعات) و (الخلاصة) وبه يفتى أي بظاهر الرواية، وفي (البزازية) سأل ابن الإمام محمد بن الحسن عن قوله أنا ضامن لمعرفة فلان فقال على قول الإمام وأبيك كفيلًا وعلى قول الإمام الثاني يكون كفيلا للعرف، لكن المشهور عن الإمام الثاني أنه لا يكون كفيلًا به يفتى في العربي انتهى.
ولو ضمن تعريفه اختلف المشايخ قال في (الفتح): والوجه اللزوم لأنه مصدر متعد إلى اثنين فقد التزم أن يعرفه للغريم بخلاف معرفته فإنه لا يقتضي إلا معرفة الكفيل للمطلوب انتهى. وعن هذا قال في (السراج) لو قال: أنا أعرفه لا يكون كفيلًا، وفي (الخانية) لو قال: معرفة فلان علي قالوا: يلزمه أن يدله عليه انتهى. وقياسه أنه لا يلزمه ذلك في مسألة الكتاب وما مر من أنه صار كالتزامه الدلالة عليه يؤيده ولا يلزم من لزوم دلالته عليه أن يكون كفيلًا بنفسه ليترتب عليه أحكامها (وإن شرط تسليمه في وقت أحضره) أي: لزمه إحضاره (فيه) أي: في ذلك الوقت أو بعده (إن طلبه) لأن التزامه بالشرط في الكفالة فيجب عليه الوفاء به، وفي (التتارخانية) كفل بنفس رجل ويسلمه ثم إن الطالب لزم المطلوب فقال له الكفيل: دعه وأنا علي كفالتي أو علي مثل كفالتي لا شك أنه كفالة مؤقتة (فإن أحضره) أي: المكفول عنه (وإلا حبسه الحاكم) لامتناعه من إيفاء حق مستحق عليه لكن لا يحبسه أول مرة بل حتى يظهر مطله، قال الشر: وينبغي أن يفصل كما فصل في الحبس بالدين إن ثبت الحق بإقراره ولا يعجل بحبسه لعدم ظهوره مطله وإن بالبينة حبسه كما وجب لظهور مطله فكذا هذا وهو بحث موافق للمنقول، ففي (البزازية) وغيرها أقر بالكفالة بالنفس أو ثبت بالبينة عند الحاكم قال الخصاف: لا يحبسه فيهما أول مرة وفي ظاهر الرواية كذلك في الإقرار، وأما في البينة فيحبسه ولو أول مرة انتهى.
وكذلك إلا أن يظهر له تعذر الإحضار عليه بدلالة الحال عليه أو الشهود بذلك
стр. 1530
وإن غاب أمهله مدة ذهابه وإيابه فإن مضت ولم يحضره حبسه وإن غاب ولم يعلم مكانه لا يطالب به فإن سلمه بحيث يقدر المكفول له أن يخاصمه كمصر
ــ
فيخرج وينظر إلى القدرة عليه كالإعسار بالدين هذا إذا لم يظهر عجزه ابتداء، فإن ظهر لا يحبسه لكنه لا يحول بينه وبين الكفيل فيلازمه ولا يمنعه من إشغاله، وفي (التتارخانية) لو أضرته ملازمته له استوثق منه بكفيل، وفي (الفتح): عن (الواقعات) كفل بنفس محبوس فلم يقدر أن يتأتى به الكفيل لا يحبس الكفيل لأنه عجز عن إحضاره، وفي (السراج): كفل ثلاثة رجل بنفسه كفالة واحدة فأحضر أحدهم برؤوا جميعًا ولو متفرقة لم يبرأ الباقون (فإن غاب) المكفول عنه وطلب الغريم منه إحضاره (أمهله) الحاكم ولا يحبسه (مدة ذهابه وإيابه) بالكسر أي: رجوعه فإن أبى حبسه من غير إمهال كما في (البزازية) وقيده في (التتارخانية) بما إذا لم يكن بالطريق عذر، فإن كان لا يؤاخذ الكفيل به (فإن مضت ولم يحضره حبسه) لتمرده عن الوفاء عما لزمه بالتزامه.
(وإن غاب ولم يعلم مكانه) إما بتصديق الطالب، كما في (الشرح) أو ببينة أقامها الكفيل أنه غاب غيبة لا تدرى كما في (القنية) (لا يطالب به) لظهور عجزه وهو يلازمه، ذكر السرخسي أنه يلازمه, وشيخ الإسلام أنه لا يلازمه كذا في (التتارخانية)، ولو اختلفا فإن كانت له خرجة معروفة أي موضع معلوم للتجارة فالقول للطالب ويؤمر الكفيل بالذهاب إليه وإلا فللكفيل فإن أقام الطالب بينة أنه في موضع كذا يؤمر بالذهاب إليه ولم أر ما لو أقاما بينتين وينبغي أن تقدم بينة الطالب لأن معها زيادة علم، ولو ارتد ولحق بدار الحرب أمر الكفيل بالذهاب إليه إن كان بيننا وبينهم مواعدة وإلا يطالب به، ولم يفصل في المذهب بين المسافة البعيدة والقريبة واللحاق وإن كان موتًا فهو حكمي في ماله ليعطي الأقرب إليه أما حقوق العباد فثابتة على حالها وفي كل موضع، قلنا: بالذهاب إليه للطالب أن يستوثق الكفيل بكفيل آخر وأفاد في (الخانية) أن للكفيل بالنفس أن يمنع المطلوب عن السفر إن كانت الكفالة حالة حتى يخرجه عن عهدتها وإن كانت مؤجلة ليس له منعه قبل حلول الأجل انتهى. ويأتي فيه ما مر في الدين المؤجل من أنه يقال له: إن شئت فاخرج معه إلى أن يحل وقت الكفالة فامنعه من السفر وينبغي أن يلزم الطالب بأن يقول يعود معه إلى المطلوب والله الموفق.
(فإن سلمه) إليه فإن بعد طلبه برئ مطلقًا وإلا فلا/ بد أن يقول: سلمته إليك بحكم الكفالة (بحيث يقدر المكفول له أن يخاصمه كمصر) من الأمصار ويشترط عندهما أن يكون هو المصر الذي كفل فيه، وعند الإمام ليس بشرط وقولهما أوجه.
стр. 1531
برئ ولو شرط تسليمه في مجلس القاضي سلمه ثمة
ــ
كما في (الفتح) والخلاف مقيد بما إذا كان في المصر الآخر سلطان أو قاض وكانت الكفالة غير مقيدة بمصره وإلا فلا يبرأ اتفاقًا، كذا في (التتارخانية) وفيه بحث لأنه إذا لم يكن فيه سلطان ولا قاض فليس بمصر (برئ) سواء وقته فيسلمه قبله أو لا لأنه أتى بما التزمه وقد حصل مقصود الطالب والتأجيل حق الكفيل وله إسقاطه واحترز بقوله بحيث الخ عما لو سلمه في برية أو سواد، وما في (القنية) لو كان المكفول جاء لسامع قوم في مدرسة فجاء الكفيل بالمكفول عنه وقال: هذا هو المكفول عنه فلم يجلس بل مر وخرج إلى باب آخر فهذا القدر تسليم منه انتهى. ينبغي أن يحمل على ما إذا كان التسليم بعد الطلب وظاهر أن قوله بحيث يعذر خرج مخرج الشرط في صحة تسليمه سواء كان ذلك بعد طلبه أولا، وما في (القنية) لو سلمه ليلًا في مكان لا يمكنه القضاء وفر منه، فإن كان التسليم بطلبه يخرج عن العهدة والظاهر ضعفه.
(ولو شرط تسليمه في مجلس القاضي سلمه) الكفيل (ثمة) أي: في مجلس القاضي حتى لو سلمه في السوق لا يبرأ وهذا قول زفر وبه يفتى لأن الشرط مقيد فيلزمه تسليمه على الوجه الذي التزمه ومحل الخلاف ما إذا كان أهل البلد لا يطيقون الغريم من الطالب فإن كانوا يطيقونه لا يبرأ بتسليمه في السوق اتفاقًا، وفي (الواقعات الحسامية) جعل هذا رأيًا للمتأخرين لا قولًا لزفر ولفظه: والمتأخرون من مشايخنا يقولون: جواب الكتاب أنه يبرأ إذا سلمه في السوق أو في مواضع أخر في المصر بناء على عاداتهم في ذلك الزمان، أما في زماننا فلا يبرأ لأن أكثر الناس يعينون المطلوب على الامتناع عن الحضور لغلبة الفسق فكان الشرط مفيدًا فيصح وبه يفتى انتهى. وهو الظاهر إذ كيف يكون هذا اختلاف عصر وزمان مع أن زفر كان في ذلك الزمان، وفي (التتارخانية) شرط تسليمه عند الأمير أو عند هذا القاضي فسلمه عند قاض آخر جاز، وفي (فتح القدير) شرط تسليمه عند الأمير فسلمه عند القاضي أو عزل ذلك القاضي وولي غيره فرفعه عند الثاني جاز، ذكره في (الخلاصة) ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ وفي (العيون) لو ضمن بنفس رجل وحبس المطلوب في السجن فأتى به الذي ضمنه إلى مجلس القاضي فدفعه إليه قال محمد: لا يبرأ لأنه في الحبس، ولو ضمنه وهو في السجن يبرأ، ولو قال المطلوب في السجن: دفعت نفسي إليك عن كفالته كان جائزًا أيضًا، وفي (المحيط) كفل برجل غائب أو محبوس يجوز لأنه كفل غير واجب على الأصيل وهو تسليم نفسه وهو مقدور التسليم لأنه يعرف مكانه فيمكنه أن يذهب ويأتي به وعليه ما على المحبوس ويخلصه من السجن انتهى.
стр. 1532
وتبطل بموت المطلوب والكفيل لا الطالب وبرئ بدفعه إليه وإن لم يقل إذا دفعته إليك فأنا بريء وبتسليم المطلوب نفسه من كفالته
ــ
(وتبطل) الكفالة بالنفس (بموت المطلوب) لتحقق عجز الكفيل عن إحضاره ولأنه سقط الحضور عن الأصيل بالموت فيسقط الإحضار عن الكفيل وسيأتي فيما لو كفل برقبة عبد فمات (و) بموت (الكفيل) لأنه لم يبق قادرًا على تسليم المكفول بنفسه وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب الذي هو بالنفس، بخلاف الكفيل بمال إذا مات لأنه ماله يصلح للوفاء بذلك فيطالب به القائم عليه بعده وقيل: لا تبطل بموت الكفيل ويطالب وارثه بإحضاره، ذكره الكرخي في باب الصلح عن الحقوق التي ليست بمال، كذا في (السراج) (لا) تبطل بموت (الطالب) لأن وصيه أو وارثه يخلفه فلو ترك ورثة وسلمه الكفيل إلى بعضهم برئ منهم خاصة وللباقين مطالبتهم بإحضاره، ولو سلمه لأحد الوصيين برئ بالنسبة إليه وللآخر مطالبته، كذا في (الينابيع) وقد يشكل على هذا قولهم أحد الورثة ينتصب خصمًا فيما له وفيما عليه وفي (منظومة ابن وهبان) قيل تبطل بموت الطالب، وعزاه في (الشرح) إلى النتف وقال: إنه غريب لا يعرف في غيره والمذهب ما قاله المص كغيره (وبرئ) الكفيل (بدفعه) أي: المكفول (إليه) أي: الطالب (وإن لم يقل) وقت التكفيل (إن دفعته فأنها برئ) لأن موجب الدفع البراءة فتثبت وإن لم ينص عليها، وقدمنا أن الدفع إن كان قبل الطلب فلابد أن يقول سلمه إليك بحكم الكفالة، ولو أبى الطالب أن يقبل أجبر على معنى أنه ينزل قابضًا.
وأعلم أن الطالب نعم الوكيل فلو كان الأخذ للكفيل وكيل رب الدين فسلمه إليه وقد أضافه إلى نفسه برئ، وإن أضافه إلى موكله لا يبرأ، ولو سلمه إلى الموكل برئ كذا في (التتارخانية) والوصي فلو سلمه إلى الورثة أو الغريم لا يبرأ كما في (البزازية)، والقاضي فلو أخذ المدعى عليه كفيلًا بالنفس فسلمه الكفيل إلى المدعي لا يبرأ ولو إلى القاضي برئ هذا أداء لم يضفه القاضي إلى المدعي، فإن أضافه إليه بأن قال: إن المدعي يطلب منك كفيلًا بالنفس فأعطاه انعكس الحكم كما في (الخانية) / وذكر هذه المسألة هنا لغرض هو أن المقصود من الكفالة إنما هو التوثيق لاستيفاء الحق، فما لم يستوف يجب عليه تسليمه مرة بعد أخرى فأزال هذا الوهم ببيان أن عقد الكفالة إنما يوجب التسليم مرة لا يفيد التكرار قاله أبو الليث (و) برئ الكفيل أيضًا (بتسليم المطلوب نفسه) أي: المكفول له (من كفالته) لأن المطلوب مطالب بالتسليم، فإذا سلم نفسه فقد حصل المقصود وفي قوله من كفالته إيماء إلى أنه لابد أن يقول: سلمت لك من كفالة زيد، فإن لم يقله لا يبرأ
стр. 1533
وبتسليم وكيل الكفيل ورسوله، فإن قال: إن لم أواف به غدًا فهو ضامن لما
ــ
نص عليه في (الخانية)، ويجبر الطالب على القبول هذا إذا كان الكفالة بالأمر فإن كانت بغيره لا يبرأ، كذا في (السراج) معزيًا إلى (الفرائد) والوجه فيه ظاهر لأنها إذا كانت بغيره لا يبرأ لا يلزم المطلوب الحضور فليس مطالبًا بالتسليم فإذا سلم نفسه لا يبرأ الكفيل.
(و) برئ أيضًا (بتسليم وكيل الكفيل ورسوله) لأنهما نائبان عنه فكان فعلهما كفعله وأراد رسوله إليه لأنه رسوله إلى غيره كالأجنبي ولابد أن يقولا: سلمناه إليك بحكم الكفالة فلو قال: وبتسليم نائبه لكان أجود وأفرد لأن كفيل الكفيل لو سلمه برئ الكفيل أيضًا كما في (التتارخانية)، ولو سلمه أجنبي عن الكفيل فإن قبل الطالب برئ الكفيل لا إن سكت (وإن قال) الكفيل بالنفس (إن لم أواف به غدًا) أو إن لم أدفعه إليك غدًا أو إن غاب عنك (فهو ضامن لما عليه فلم يواف به) أو عندي لك هذا المال كما في (الخانية) (أو مات المطلوب ضمن المال) لأن الكفالة به متعلقة بشرط متعارف وهو عدم الموافاة فتصح ولو قال: إن غاب فلم أوافك به فأنا ضامن لما عليه فهذا على أن يوافيه بعد الغيبة، كذا في (الخانية) قيد بقوله: إن لم أوافه به لأنه لو قال: إن وافيتك به غدًا فعلي ما عليه ثم وافى به لم يلزمه المال لأنه شرط لزومه إن أحسن إليه، كذا في (منية المفتي) يعني أنه تعليق بشرط غير متعارف، ولو كفل بنفسه على أنه متى طالبه سلمه إن لم يسلمه فعليه ما عليه ومات المطلوب وطلب بالتسليم وعجز لا يلزمه المال لأن المطالبة بالتسليم بعد الموت لا تصح وإذا لم تصح يتحقق العجز الموجب للزوم، كذا في (البزازية).
وفي (القنية) كفل بنفسه وقال: إن عجزت عن تسليمه في ثلاثة أيام فعلي المال ثم حبس بحق أو بغير حق أو مرض مرضًا يتعذر إحضاره يلزمه المال بعد الثلاث، وفي (منية المفتي) كفلت بنفسي فلان على أني إن لم أوافك غدًا فعلي الألف وقبل المكفول له صح، وإن لم يقل الألف الذي ادعيتها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي (الخلاصة) كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدًا فعليه ألف درهم ولم يقل التي عليه فمضى الغد ولم يواف به وفلان يقول: لا شيء عليه والطالب يدعي ألفًا والكفيل ينكر وجوبه على الأصيل فعلى الكفيل ألف درهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف وفي قوله الآخر: وهو قول محمد لا شيء عليه انتهى. قيد بموت المطلوب لأن الكفيل لو مات قبل مجيء الوقت وجب المال في تركته بمضي الوقت إليه أشار في (الأصل) وطولب بالفرق بين موت المطلوب وما لو برأ المكفول له الكفيل عن الكفالة بالنفس قبل الوقت فلم يحضره لا يجب المال عليه لعدم بقاء الكفالة بالنفس وبالموت زالت أيضًا.
стр. 1534
عليه فلم يواف به أو مات المطلوب ضمن المال ومن ادعى على آخر مائة دينار فقال رجل: إن لم أواف به غدًا فعليه المائة فلم يواف به غدًا فعليه المائة
ــ
وأجيب: بأن الإبراء وضع لفسخ الكفالة فتفسخ في كل وجه والانفساخ بالموت إنما هو لضرورة العجز عن التسليم المفيد فيقتصر إذ لا ضرورة إلى تعديه إلى الكفالة بالمال، كذا في (الفتح)، ولو اختفى المكفول له فلم يجده الكفيل أو اشترى بالخيار فتوارى البائع أو حلف ليقبضن دينه اليوم فتغيب الدائن أو جعل أمرها بيدها إن لم تصل نفقتها فتغيبت فالمتأخرون على أن القاضي ينصب وكيلًا عن الغائب في الكل وهو قول أبي يوسف، كذا في (الخانية)، وفي (الخلاصة) قال أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا وإنما روي في بعض الروايات عن أبي يوسف، ولو فعله القاضي فهو حسن وفي (البزازية) إذا علق المال بعدم الموافاة لا يصدق الكفيل على الموافاة إلا بالحجة.
فرع: أخذ كفيلًا بنفس رجل ووكيلًا في خصومته ضامنًا قضي عليه به جاز، فإن دفع المكفول به إلى الطالب برئ عن الكفالة بالنفس وبقي وكيلًا وكفيلًا بالمال، ولو شرط أنه متى أوفى المكفول به كان بريئًا عن الكل برئ عن الكفالتين لأن تعليق البراءة عن المكفول جائز، وتعليق العزل والحجر بالشرط لا يجوز، كذا في (المحيط).
(ومن ادعى على آخر مائة دينار) سواء بينها بأن قال: جيدة أو رديئة هندية أو مصرية تصحيحًا لدعواه أو لم يبينها، وقول الشر: لا فرق بين أن يبين المائة أو لم يبينها بأن تعلق رجل على رجل حقًا ولزمه فقال: لي عليك حق ولم يدع عليه مالًا مقدرًا فقال له رجل آخر: دعه فأنا كفيل بنفسه فإن لم أواف به غدًا فعلي المائة دينار فادعى المدعي وأثبتها لزم/ الكفيل معناه لا فرق بين أن يذكر المائة أو لا، والعذر للمص أنه فرض المسألة فيما لو أدعى، وقد جمع في (الجامع الصغير) بينهما حيث قال محمد: عن يعقوب على أبي حنيفة في رجل لزم رجلًا وادعى عليه بمائة دينار بينهما أو لم يبينها أو لزمه ولم يدع بمائة دينار فقال له رجل دعه فأنا كفيل بنفسه إلى الغد، فإن لم أواتك به فعلي مائة دينار في الوجهين جميعًا إذا ادعى صاحب الحق أنه له وأراد بالوجهين ما إذا ادعى المائة بينها أو لا، وما إذا لم يدع شيئًا حتى لو كفل له، ثم ادعى المقدار الذي سماه الكفيل ولو تبعه المص لكان أولى.
(فقال رجل: إن لم أواف به غدًا فعليه المائة) التي بينها المدعي إما بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، وهذا قول الإمام والثاني آخرًا، وقال محمد: إن لم يبينها ثم ادعى وبينها لا يلزمه، وجعل في (الخلاصة) قول أبي يوسف الآخر مع محمد وللمشايخ طريقتان في توجيه قوله الآخر: الأولى أنه لم بينها إليه كانت رشوة التزمها
стр. 1535
ولا يجبر على الكفالة بالنفس في حد وقود
ــ
الكفيل عند عدم الموافاة وهذا لا يمنع صحة الكفالة بالنفس وعليها عول الماتريدي، الثانية: إن الدعوى غير صحيحة لجهالة المدعى به من غير بيان وفيها لا يجب إحضاره إلى مجلس القضاء فلم تصح الكفالة بالنفس، والكفالة بالمال مبنية عليها وبطلان الأصل يوجب بطلان الفروع وإليها مال الكرخي قال في (العناية): وهذا يقتضي الصحة إذا كان المال معلومًا عند الدعوى ولهما إن أمكن تصحيح هذه الكفالة، أما إذا بين المال عند الدعوى فلأنه ذكره معرفًا فينصرف إلى ما عليه وتكون البينة موجودة، وأما إذا لم يبين فلأن العادة جرت بالإجمال في الدعاوى في غير مجلس القضاء دفعًا لحيل الخصوم فتصبح الدعوى على اعتبار البائن، فإن بين التحق البائن بأصل الدعوى فتبين صحة الكفالة أولًا فيترتب عليها صحة الثانية، وأنت خبير بأن المائة في عبارة (الجامع الصغير) المتقدمة منكرة، وكذا في (المبسوط) وغيره.
قال في (الفتح): فالوجه أن يترك المقدمة الأولى ويقال: إنه إذا ظهرت الدعوى بألف ظهر أنه أراد الألف التي يدعيها حكمنا بأن الكفيل كان يبدي خصوص دعواه تصحيحًا لكلام العاقل ما أمكن فتصح الكفالة حين يقع على اعتبار بيان الدعوى بذلك القدر، وحاصل هذا أنا لا نحكم حال صدورها بالفساد بل الأمر موقوف على ظهور الدعوى بذلك القدر، فإذا ظهرت ظهر أنه إنما كفل للمدعي بها، ولو كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به كذا فعليه ما للطالب على فلان آخر جاز استحسانًا وهو قول محمد لا قياسًا وهو قول أبي يوسف، ذكره قاضي خان وجعل في (المحيط) الخلاف على العكس وأن أبا حنيفة مع الثاني والله الموفق.
(ولا يجبر) المدعى عليه (على الكفالة بالنفس في) دعوى (حد و) لا (قود) بأن يحضره الكفيل إلى مجلس القضاء لإثبات ذلك عليه وهذا قول الإمام وقالا: يجبر في حد القذف لأنه فيه حق العبد وفي ذلك القصاص لأن المغلب فيه حقه، ومعنى الجبر هنا هو الملازمة بأن يدور معه الطالب حيث دار كيلا يتغيب عنه، وإن أراد دخول داره فإن شاء المطلوب أدخله معه وإلا منعه الطالب عنه لهما أنها شرعت لتسليم النفس الواجب على الأصيل فصحت به وله إطلاق قوله ﵊: (لا كفالة في حد) قال في (غاية البيان): ولنا في رفعه نظر بل هو من كلام شريح قيد بالجبر لأن المدعى عليه لو سمح به جاز اتفاقًا بخلاف غيرهما من الحدود الخالصة كالزنا وشرب الخمر فإن الكفالة بها لا تجوز، وإن طابت نفسه وبدعواهما لأن الكفالة
стр. 1536
ولا يحبس فيهما حتى يشهد شاهدان مستوران أو عدل
ــ
بنفسهما لا تجوز إجماعًا إذ لا يمكن استيفاؤهما في الكفيل، وألحق التمرتاشي والمحبوبي حد السرقة بحد القذف على المذهبين وقيد بالقصاص لأنه في القتل والجراحة خطأ يجبر على الكفيل، يعني إجماعًا لأن الموجب هو المال، ولا خلاف أيضًا أن يجبر في التغرير لأنه من حقوق العباد وظاهر كلامهم إنما كان منه حقًا لله تعالى لا تجوز الكفالة به (ولا يحبس) المدعى عليه (فيهما) أي: في الحدود والقصاص (حتى يشهد شاهدان مستوران أو) واحد (عدل) يعرفه القاضي بذلك لأن الحبس هنا للتهمة من باب دفع الفساد وهو من الديانات وهي تثبت بأحد شرطي الشهادة وقد حبس ﵊ رجلًا بالتهمة، وذكر في (أدب القاضي) أنه على قولهما لا يحبس فيهما بشهادة العدل لحصول الاستيثاق بالكفالة. قال في (البحر): وكلامهم هنا يدل ظاهرًا على أن للقاضي أن يعذر المتهم وإن لم يثبت عليه، وذكر أنه كتب في ذلك رسالة، والذي يخصنا منها هنا أن ما كان من التغرير حقًا له تعالى فإنه لا يتوقف على دعوى ولا على ثبوت، بل إذا أخبر القاضي عدل بما يقتضيه فعليه لتصريحهم هنا بحبس المتهم بشهادة مستورين أو واحد عدل والحبس تعزير انتهى. فإن قلت: ينبغي/ أن يكون هذا رأي المتقدمين من جواز قضاء القاضي بعلمه، أما على رأي المتأخرين وهو المفتى به من أنه لا يقضي بعلمه في زماننا فينبغي أن يتوقف على الثبوت.
قلت: يجب أن يحمل الخلاف على ما كان من حقوق العباد، أما حقوق الله تعالى فيقضي فيها بعلمه، ويدل على ذلك ما في (الخانية) و (الظهيرية) و (الخلاصة) و (البزازية) الرجل إذا كان يصوم ويصلي ويضر الناس باليد واللسان وذكر بما فيه لا يكون غيبة وإن أخبر السلطان بذلك ليزجره فلا إثم عليه انتهى. وفي التعبير بالإخبار إيماء إلى أنه لا يحتاج فيه بلفظ الشهادة ولا إلى مجلس القضاء، وظاهر أن الإخبار كما يكون باللسان يكون بالبنان فإذا كتب إلى السلطان بذلك ليزجره جاز وكان له أن يعتمد عليه حيث كان معروفًا بالعدالة، وقد اكتفوا في الحرج والتعديل بكتابة المعدل إلى القاضي وكلامهم يعطي أن الحرج المجرد في حقوق الله تعالى مقبول وعلى هذا ما يكتب من المحاضرة في حق إنسان، فإن للحاكم أن يعتمده من العدول ويعمل بموجبه في حقوقه تعالى، وقد أفتيت بأنه لا شيء على الكتاب بذلك ومن أفتى فيه بوجوب التعزير فقد أخطأ، والفرع المتقدم ينادى بخطئه
стр. 1537
وبالمال ولو مجهولًا إذا كان دينًا صحيحًا
ــ
والله الموفق. بقي جواز الكفالة في حقوق العباد كالديون وهو ظاهر في عدم جوازها في حقوقه تعالى (وبالمال) عطف على النفس أطلقه فشمل ما إذا كان الأصيل مطالبًا به الآن أو لا فتصح عن العبد المحجور بما يلزمه بعد العتق بالاستهلاك أو قرض ويطالب الكفيل الآن كما لو أفلس القاضي المديون وله كفيل، فإن المطالبة تتأخر عن الأصيل دون الكفيل، كذا في (التتارخانية) (ولو) كان المال (مجهولًا) لابتنائها على التوسع وقد أجمعوا على صحتها بالدرك مع أنه لا يعلم كم يستحق من المبيع (إذا كان دينًا صحيحًا) وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء فلا يجوز ببدل الكتابة ولا بدين على كل من دخل في كتابته لسقوطه بدونهما وبدل السعاية كبدل الكتابة عنده خلافًا لهما كذا في (البزازية) وغيرها وكان الحق ببدل الكتابة وإلا فهو دين صحيح بهذا التفسير فإن قلت: دين الزكاة كذلك ولا تصح الكفالة به. قلت: إنما لم يصح لأنه ليس دينًا حقيقة من كل وجه.
تنبيه: يستثنى من صحة الكفالة بالدين الصحيح ما لو كان لهما دين على رجل فكفل أحدهما لصاحبه حصته فإنه لا يجوز لأنه تعذر تصحيحها بنصف مقدر، لأن قسمة الدين قبل قبضه لا تجوز أو شائعًا لأنه يصير كفيلًا لنفسه لأن له أن يأخذ من المقبوض نصفه، كذا في (المحيط) وقالوا: لو أعتق عبده على مال صحت الكفالة، ولو كان للمكاتب مال على رجل فأمره بدفعه لمولاه من مكاتبته أو دين سوى ذلك جاز، لأن ذلك المال واجب للمكاتب على الكفيل وهذا أمر منه أن يدفع عليه لمولاه، كذا في (البزازية) وهو ظاهر في أن هذا ليس بكفالة ببدل الكتابة فلا يرد بل إذن الدين ومقتضاه أن للمكاتب أن يرجع على الآمر بالدفع ولا يصح أن يكون حوالة، إذ لو كانت لعتق المكاتب، وفي (التتارخانية) لو ضمن بدل الكتابة وأدى رجع بما أدى يعني إذا كانت الكفالة بأمره، وفي (البزازية) دفع إلى محجور دراهم لينفقها على نفسه فكفل بها إنسان لا يصح ولو قال له: ادفع له العشرة على أني ضامن لك جازت، فطريقه أن يجعل الضامن مستقرضًا من الدافع والصبي نائب عنه في القبض، وكذا الصبي المحجور إذا باع شيئًا فكفل رجل بالدرك للمشتري إن بعد قبض الصبي الثمن لا يجوز ولو قبضه جاز، ولو اشترى متاعًا فضمن رجل الثمن للبائع عنه يلزم الكفيل الثمن ولو ضمن المتاع بعينه جاز، وفي (المحيط) كانا في سفينة فانتهيا إلى مكان قليل الماء فقال أحدهما لصاحبه: ألق متاعك في الماء على أن متاعي بيني وبينك على أنه فاسد ويضمن لصاحبه قيمة متاعه لأنه تعليق التمليك
стр. 1538
بكفلت عنه بألف
ــ
بالشرط لا يصح فبقي ضامنًا له نصف قيمة متاعه انتهى. وفي (جامع الفصولين) كفل مسلم عن ذمي بخمر للذمي قيل: لا يصح مطلقًا، وقيل: لو كان الخمر بعينها عند المطلوب يصح على قياس قول الإمام إذ يجوز عنده للمسلم أن يلزمه نقل الخمر كما لو أجر نفسه لنقله. وفي (البزازية) صادر الوالي رجلًا وطلب منه مالًا وضمن ذلك رجل وبذل الحظ ثم قال الضامن: ليس لك علي شيء لأنه ليس لك علي شيء، قال شمس الأئمة: والقاضي يملك المطالبة لأن المطالبة الشرعية كالمطالبة الحسية، ثم قال بعد ضمان الجنايات على قول عامة المشايخ: لا يصح، وقد ذكرنا أن فخر الإسلام وجماعة قالوا: يصح وجعلوا المطالبة الحسية كالمطالبة الشرعية.
تتمة: ذكر الطرسوسي في مؤلف له أن مصادرة السلطان لأرباب الأموال لا تجوز إلا لعمال/ بيت المال مستدلًا بأن عمر رضي الله تعالى عنه صادر أبا هريرة انتهى. وذلك حين استعمله على البحرين ثم عزله وأخذ منه اثني عشر ألفًا فدعاه بعد ذلك إلى العمل فأبى. أخرجه الحاكم وابن أبي حاتم، وأراد بعمال بيت المال خدمته الذين يجيبون أمواله ومن ذلك كتبته إذا توسعوا في الأموال لأن ذلك دليل خيانتهم ويلحق بهم كتبة الأوقاف ونظارتها إذا توسعوا وعمروا الأماكن التي لا تنال إلا بعظيم المال وتعاطوا أنواع الملاهي في أغلب الأحوال فللحاكم أخذ الأموال منهم وعزلهم، فإن عرف خيانتهم في وقف معين رد المال إليه وإلا وضعه في بيت المال والله أعلم، بحقائق الأحوال (بكفلت عنه بألف) نبه بذلك على أنه لا بد أن يأتي بصيغة تدل على الالتزام كما مثل، ومن ذلك ضمنت على إلي أما لو قال: دينك الذي على فلان أنا أدفعه إليك أنا أسلمه أنا أقبضه لا يصير كفيلًا، كذا في (جامع الفصولين) لما عرف من أن المواعيد لا تصير لازمه إلا باكتساب صور التعليق وقد مر. قال في (البحر): وقدمنا عن (التتارخانية) أنه لو قال: لك عندي هذا الرجل كان كفيلًا بنفسه، وعلى هذا لو قال: لا تطالب فلانًا مالك عندي لا يكون كفيلًا بالمال وقد أفتيت به، وقدمنا عن (الخانية) في المعلقة بعدم الموافاة أن عندك كعلي فعلى هذا يكون كفيلًا في التعليق فقط انتهى.
وأقول: صرح في (الخانية) أن عند تفيد اللزوم إذا أضيفت إلى الدين غير مقيد بالتعليق فإذا طالبه بدينه فقال: لا تطالب مالك عندي كان كفيلًا هذا هو الظاهر فتدبره. وفي (البزازية) ضمنت لك ما على فلان أن أقبضه وأدفعه فهذا على أن
стр. 1539
وبما لك عليه وبما يدركك في هذا البيع وما بايعت فلانًا فعلي،
ــ
يقبضه ويدفعه إليه لا على ضمان المال وعلى هذا معاني كلام الناس، ولو ضمن ألفًا على أن يؤديها من ثمن الدار هذه فلما يبعها لا ضمان على الكفيل ولا يلزمه بيع الدار، ولو كفل عنه بألف على أن يعطيها من وديعته التي عنده جاز إذا أمره بذلك، وليس له أن يسترد الوديعة منه فإن هلكت برئ والقول فيها للكفيل وإن غصبها المودع أو غيره برئ الكفيل ولم أر هل له بيعها ودفع الدين منها، وفي (الخانية) اشهدوا أني ضمنت لزيد الألف التي له على فلان فبرهن المديون على قضائها قبل الكفالة فبرئ الأصيل دون الكفيل لإقراره بها، ولو على القضاء بعدها برئا جميعًا، ومثل للمجهول بأربعة أمثلة أحدها ما أفاد بقوله: (وبما لك عليه) أي: وتصح أيضًا بكفلت عنه بما لك عليه وما ترتضي به من أنه لو قال: كفلت لك بعض ما على فلان لم يصح ممنوع، بل يصح عندنا والخيار للضامن ويلزم أن يعين أي مقدار شاء كذا في (الفتح)، وفي (البدائع) وأما كون المكفول معلوم الذات أو القدر فليس بشرط حتى لو كفل بأحد شيئين غير معين بأن كفل بنفس رجل أو بما عليه جاز، ويبرأ بدفع واحد منهما للطالب، ولو كفل بمال فلان عليه أو بما يدركه في هذا البيع جاز، ولو قال: كفلت لك بما لك على أحد هذين الرجلين صحت والتعيين للمكفول له لأن الجهالة يسيرة.
(و) يصح أيضًا بكفلت عنك (بما يدركك) أي: يتبعك، والدرك بفتح الراء وسكونها التبعية (في هذا البيع) من الرجوع بالثمن عن استحقاق المبيع، فإذا استحق كان للمشتري أن يخاصم البائع أولًا فإذا ثبت عليه استحقاق المبيع كان له أن يأخذ الثمن من أيهما شاء وليس له أن يخاصم الكفيل أولًا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أن له ذلك، وأجمعوا أن المبيع لو ظهر حرًا كان له أن يخاصم أيهما شاء، كذا في (السراج) وفي (البزازية) ولا يرجع على الكفيل بقيمة البناء والغرس.
(و) تصح أيضًا بقوله: (ما بايعت فلانًا فعلي)، فإذا بايعه كان عليه ما يجب بالمبايعة الأولى، ولو باعه مرة بعد أخرى لا يلزمه شيء في الثانية ذكره في (المجرد) عن الإمام نصًا، وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف أنه يلزمه كله، كذا في (الفتح) وفي (المبسوط) لو قال: متى وإذا أو إن بايعت لزمه الأول فقط بخلاف كلما وما انتهى. وزاد في (المحيط) الذي. وفي (البزازية) بايع فلانًا على ما أصابك من خسران فعلي لا يصح، وفيها تبعًا (للمبسوط) لو رجع من هذا الضمان قبل أن يبايعه ونهاه عن مبايعته لم يلزمه بعد ذلك شيء، ولم يشترط الولوالجي نهيه عن الرجوع
стр. 1540
وما ذاب لك عليه فعلي وما غصبك فلان فعلي، وطالب الكفيل أو المديون إلا إذا شرط البراءة فحينئذ تكون حوالة كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل كفالة
ــ
حيث قال: لو قال رجعت عن الكفالة قبل المبايعة لم يلزم الكفيل شيء وفي الكفالة بالذوب لا يصح، والفرق أن في الأولى مبنية على الأمر دلالة وهذا الأمر غير لازم، وفي الثانية مبنية على ما هو لازم انتهى. وهو ظاهر.
(و) تصح أيضًا بقوله: (ما غصبك فلان فعلي)، هذا هو الرابع من أمثلة الكفالة بالمجهول وفي الكل فيشترط القبول إلا أنه في (البزازية) قال: طلب من غيره قرضًا فلم يقرضه، فقال رجل: أقرضه فما أقرضته فأنا ضامن، فأقرضه في الحال من غير أن يقبل ضمانه صريحًا ويكفي هذا القدر انتهى. وينبغي/ أن يكون ما بايعت فلانًا أو ما غصبك فعلي كذلك إذا بايعه أو غصب منه للحال، قيد بكون الغاصب معينًا لأنه لو قال: إن غصب مالك إنسان فأنا ضامن لا يصح، كما في (البزازية) ولو قال: ما غصبك أهل الدار فأنا له ضامن لا تصح، لجهالة المكفول عنه لا يصح بخلاف ما لو قال لجماعة حاضرين: ما بايعتموه فعلي فإنه يصح فأيهم بايعه فعلى الكفيل، والفرق أنه في الأولى ليسوا معينين معلومين عن المخاطبين، وفي الثانية: معينون، والحاصل أن جهالة المكفول تمنع صحة الكفالة مطلقًا وجهالة المكفول به لا تمنعها مطلقًا وجهالة المكفول عنه في التعليق والإضافة تمنع صحة الكفالة، وفي التنجيز لا تمنع نحو كفلت بمالك على فلان أو فلان كذا في (الفتح).
وفي (المحيط) ضمنت لك هذا وإن شئت هذا فإنه يضمن الأول انتهى، ولو غصب منه عقارًا وأتلفه لا ضمان على الكفيل لعدم تحقق الغصب فيه فلم يتناوله لفظه، وفي (البدائع) إن غصب فلان ضيعتك فأنا ضامن لم يجز عندهما خلافًا لمحمد بناء على تحقق غصب العقار عنده (وطالب) المكفول له (الكفيل) إن شاء، وطالب المكفول عنه لأنه موجب الكفالة وعبارته لا تفيد أن له مطالبتهما ومن ثم زاده الشر ولو قال: وطالبهما لإفادة وعلم أن له مطالبة أحدهما بالأولى ولأغناه ذلك عن قوله بعد، ولو طالب أحدهما كان له أن يطالب الآخر وفي إيماء إلى أن له حبسها وحبس أحدهما، قال في (البزازية): وإذا حبس الكفيل يحبس المكفول عنه معه، دلت المسألة عن جواب الواقعة وهو أن المكفول له يتمكن من حبس الأصيل والكفيل وكفيل الكفيل وإن كثروا وظاهر أنه إنما يطالبهما إذا كان الدين حالًا عليهما، أما إذا كان حالًا على أحدهما فقط اقتصر الطلب عليه (إلا إذا شرط) المديون (البراءة فحينئذ تكون) الكفالة (حوالة) فتجري فيها أحكامها فلا يطالب الأصيل إلا بالقوي (كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها) بالحوالة (المحيل كفالة)
стр. 1541
ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر ويصح تعليق الكفالة بشرط ملائم كشرط وجوب الحق كإن استحق المبيع أو لإمكان الاستيفاء كإن قدم زيد وهو مكفول عنه
ــ
اعتبارًا للمعنى فيها مجازًا ونظيره الوصاية حال الحياة وكالة، والوكالة بعد الموت وصاية فإن قلت قد قالوا: إنا العارية مدة معينة بأجرة إجارة وبغير أجر ليست إعارة بل إجارة فاسدة.
قلت: إنما لم يكن إعارة لأن الإجارة تقبض العوض والعارية عدمه فلم يستعر الإجارة للإعارة (ولو طالب أحدهما) كان (له أن يطالب الآخر) بخلاف المغصوب منه إذا اختار تضمين أحد الغاصبين لأن اختياره أحدهما يتضمن التمليك منه عند قضاء القاضي فلا يمكنه التمليك من الآخر بعد ذلك، وفي (البزازية) اختار المالك تضمين الغاصب الأول ورضي به الغاصب أو لم يرض لكن حكم له بالقيمة على الأول فليس له أن يرجع ويضمن الثاني، وإن لم يرض به الأول ولم يحكم به كان له أن يرجع ويضمن الثاني، وإن اختار الأول ولم يعطه شيئًا وهو مفلس فالحاكم يأمر الأول بقبض ماله على الثاني ويعطيه له، فإن أبى المالك يحضرهما ثم تقبل البينة على الغاصب الثاني للغاصب الأول ويأخذ ذلك من الثاني فيقبضه انتهى. وفيه تقييد للإطلاق الأول (ويجوز تعليق الكفالة بشرط ملائم) أي: موافق لمقتضى العقد وذلك أحد أمور ثلاثة نبه على الأول بقوله: (كشرط وجود الحق) أي: لزومه (كإن استحق المبيع) فعلى الثمن فإن استحقاقه سبب لوجود الثمن على البائع للمشتري.
وفي (الخلاصة) قال للمودع: أتلف المودع وديعتك أو جحدك فأنا ضامن لك صح، وكذا إن قتلك أو قتل أبيك فلان خطأ فأنا ضامن للدية صح، وفي (المحيط) لو قال: إن شجك أو قطع يدك أو قتل عبدك أو غصبك كذا فأنا ضامن لقيمته ورضي به المضمون له فهو جائز (ولإمكان الاستيفاء كإن قدم زيد) فعلي ما عليه وهو معنى قوله (وهو) أي: والحال أنه (مكفول عنه) لأن قدومه سبب للاستيفاء منه قيد بكونه مكفولًا عنه لأنه لو كان غير مكفول عنه لا يصح التعليق، كذا في (الفتح) وما في (القنية) لا يصح التعليق بشرط غير متعارف كدخول الدار وقدوم زيد إلا أن الأصح ما ذكره أبو نصر أنه يصح بقدوم زيد ذكره في (تحفة الفقهاء) محمول على أنه مكفول عنه قال في (البحر): والحق أنه لا يلزم أن يكون مكفولًا عنه لظاهر ما في (القنية) ولقوله في (البدائع): إن قدومه وسيلة إلى الأداء في الجملة لجواز أن يكون مكفولًا عنه أو مضاربة انتهى، فهذه العبارة إزالة اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس.
وأقول: كون ما في (القنية) ظاهر فيما ادعاه ممنوع لأن عبارته تعليق الكفالة بشرط متعارف صحيح وبغيره لا يصح، وقال القدوري في (مختصره): ويجوز تعليق
стр. 1542
أو لتعذره كإن غاب عن المصر، ولا يصح بنحو إن هبت الريح وإن جعلا آجلًا فتصح الكفالة ويجب المال حالًا
ــ
الكفالة بالشرط، قال الأقطع: إن كان الشرط لوجود الحق أو لإمكان الاستيفاء جاز التعليق كإن استحق المبيع أو قدم زيدًا لأن الاستحقاق/ للوجوب وقدوم زيد قد يسهل به الأداء بأن يكون مكفولًا عنه أو مضاربة ثم قال: الأصح ما ذكره أبو نصر أنه يصح لقدوم زيد، وقد نص به في (تحفة الفقهاء) انتهى. نعم قوله أو مضاربة يعلم منه أنه لو كان القادم مكفول مديون المكفول عنه أو مودعه أو غاصبه جازت الكفالة المعلقة بقدومه لأن قدومه وسيلة إلى الأداء في الجملة، ويحمل قوله في (الفتح) فلو كان غير مكفول عنه على ما إذا كان أجنبيًا محضًا وقوله في (الكتاب) أو لإمكان الاستيفاء يشمل ذلك وقوله: كإن قدم الخ مثال فقط وهذا فقه حسن فتدبره.
واعلم أنه يصح تعليق البراءة منها بقدوم الأصيل ففي (البزازية) ضمنت لك عن فلان ألفًا قدم فلان فأنا بريء منه إن كان فلان غير بماله بألف جاز شرط البراءة، وإن كان فلان ليس بينه وبين الطالب والمطلوب تعلق في هذه الألف تصح الكفالة ويبطل شرط الكفالة انتهى، (ولتعذره) أي: الاستيفاء (كإن غاب عن المصر) فعلي ما عليه لأن غيبته سبب لتعذر الاستيفاء منه، ومن ذلك ما في (الدراية) ضمنت كل مالك على فلان إن تؤدي وكذا إن مات ولم يدع شيئًا فهو ضامن، وكذا إن حل مالك على فلان ولم يوافك به فهو علي، وإن حل مالك على فلان أو إن مات فهو علي، وقدمنا عن (الخانية) إن غاب ولم أوفك به فأنا ضامن لما عليه فهذا على أن يواف به بعد الغيبة، وعن محمد إن لم يدفع مديونك أو لم يقضه فهو علي ثم إن الطالب تقاضى المطلوب فقال المديون: لا أدفعه ولا أقبضه وجب على الكفيل إتباعه وعنه أيضًا إن لم يعطك فأنا ضامن فمات قبل أن يتقاضاه ويعطيه بطل الضمان ولو بعد التقاضي قال: أنا أعطيك، فإن أعطاه مكانه أو ذهب به إلى السوق أو منزله وأعطاه جاز، وإن طال ذلك ولم يعطه لو الكفيل مأذون مديون طولب بكفيل خوفًا من عتق المولى فقال رجل: إن أعتقه مولاه فأنا ضامن جازت الكفالة.
وفي (القنية) إن يود فلان مالك عليه ستة أشهر فأنا ضامن له يصح التعليق، لأنه شرط متعارف (ولا يصح) تعليق الكفالة (نحو إن هبت الريح) أو جاء المطر أو إن دخلت الدار أو قدم فلان وهو غير مكفول عنه مما ليس ملائمًا (فإن جعلا أجلًا تصح الكفالة ويجب المال حالًا) هكذا وقع في نسخة الشر قال: وهكذا ذكر في (الهداية) و (الكافي) وهو سهو، فإن الحكم فيه أن التعليق لا يصح ولا يلزم المال لأن الشرط غير ملائم فصار كما لو علقه بدخول الدار ونحوه مما ليس بملائم، ذكره قاضي خان
стр. 1543
فإن كفل بماله عليه فبرهن على ألف لزمه وإلا صدق الكفيل فيما أقر بحلفه
ــ
وغيره انتهى، وعبارة (الهداية) فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحدًا منهما آجلًا إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالًا لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لم تبطل بالشروط الفاسدة كالطلاق والعتاق انتهى، فهذا التعليل ظاهر فيما فهمه الشر من أنه في التعليق بغير الملائم تصح الكفالة حالا ويبطل الشرط، وعلى هذا الظاهر جرى الإتقاني حيث قال: الشرط إذا كان ملائمًا جاز تعليق الكفالة به، وإن كان بخلاف ذلك لهبوب الريح ومجيء المطر لا يصح التعليق ويبطل الشرط ولكن تنعقد الكفالة ويجب المال لأنه كل ما جاز تعليقه بالشرط لا يبطله الشروط الفاسدة أصله الطلاق والعتاق، وغيره من الشارحين حمل التعليق في التعليل على التأجيل بجامع أن في كل منهما عدم ثبوت الحكم في الحال وهو ظاهر ليطابق ما في (الخانية) مما مر.
وقد ذكره في (المبسوط) أيضًا وهذا الحل ممكن في كلام المص إلا أن عدم ذكر التأجيل في كلامه يبعده بخلافه في عبارة (الهداية) وإذا تحققت هذا علمت أن ما في (البحر) من أن ما قاله الشر سهو لأن المص لم يقل فتصح الكفالة ويجب المال حالًا، وإنما الموجود في النسخ المعتمدة الاقتصار على قوله، ولا تصح بنحو إن هبت الريح، ولذا لم ينسب العيني السهو إلى المص وإنما نسبه إلى (الهداية) فعلى هذا الأنسب أن يقر ولا تصح بالتاء الفوقية وكل منهما مخطئ في نسبه السهو إلى (الهداية) ثم ذكر ما في (الهداية) وأن قوله لما صح تعليقها معناه تأجيلها بأجل متعارف مجازًا انتهى. مما لا تحرير فيه وذلك لأن اعتراضه إنما هو على ما وقع نسخته وهو صحيح، وكلام (الهداية) ظاهر فيما فهمه كما علمته والتأويل خلاف الأصل فكيف ينسب إلى السهو؟ ما هذا إلا كبير سهو نعم الثابت في أكثر النسخ ولا يصح بنحو إن هبت الريح أو جاء المطر، وإن جعلا فتصح الكفالة ويجب المال حالًا، أي لا يصح تعليقها بشرط غير ملائم، ويعلم من قوله وإن جعلا أجلًا فيصح أنها في التعليق لا تصح لعدم صحته وحينئذ فيكون الأنسب أن تقرأ بالفوقية مع أن الكلام في التعليق عدول عن الظاهر/ بما لا داعي إليه وصورة جعلهما أجلًا أن يقول: كفلت به أو بمالك عليه إلى أن تهب الريح أو إلى أن يجيء المطر.
(فإن كفل بماله) أي: لفلان (عليه فبرهن) فلان (على الألف) أي: على أن له عليه ألفًا (لزمه) أي: الكفيل ما برهن به عليه لأن الثابت بالبينة كالثابت عيانًا سواء كان البرهان على الأصيل أو على الكفيل حال غيبة الأصيل ويكون ذلك قضاء على الحاضر والغائب، كذا في (الخانية) (وإلا) أي: وإن لم يبرهن (صدق الكفيل فيما أقر) به (بحلفه) على نفي العلم لا على البتات.
стр. 1544
ولا ينفذ قول المطلوب على الكفيل فإن كفل بأمره
ــ
أقول: وينبغي أن يقيد بما لو أقر بما يكفل به عادة حتى لو أقر بأنه له عليه درهمًا لم يقبل منه (ولا ينفذ) ضبطه العيني بالتشديد وليس بمتعين (قول المطلوب على الكفيل) لأنه إقرار على الغير مثل مالك عليه ما أقر لك به أمس فلو قال المطلوب: أقررت له بألف أمس لم يلزم الكفيل قيد بما له عليه لأنه لو قال: بما ذاب أي حصل أو ثبت له عليه فأقر المطلوب بمال لزم الكفيل، والفرق أن الكفالة بما له عليه كفالة فلو قال بالدين القائم في الحال وبما ذاب ونحوه بما يسحب والوجود يثبت بإقراره.
ولو قال: ما قضى لك به لا يلزم إلا أن يقضي، وسيأتي ما لو غاب المكفول فبرهن الطالب عن الكفيل (فإن كفل بأمره) مقيد بأن يكون المطلوب ممن يصح منه الأمر، فلو كان صبيًا وأمر من يكفل فلا رجوع له عليه ولو كان ذلك بإذن الصبي، كما في (المبسوط) ولو عبدًا محجورًا يرجع عليه بعد عتقه، ولو مأذونين رجع عليهما لصحة أمرهما وقدمنا فروعًا من الكفالة عن العيني فارجع إليها وإن يشتمل كلامه على لفظة عني كأن يقول: اكفل عني اضمن عني لفلان فلو قال: اضمن الألف التي لفلان علي لم يرجع عليه عند الأداء لأن الكائن مجرد الأمر بالأداء فجاز أن يكون القصد ليرجع وأن يكون القصد طلب تبرعه بذلك فلم يلزم المال، وقال أبو يوسف: رجع وجعل في (الخانية) قول المطلوب بعد الدعوى بالمال: اكفل عني إقرار بالمال للمدعي وفيها على كعني فلو قال: اكفل لفلان بألف درهم علي أو انقده ألف درهم علي أو اضمن له الألف التي علي، أو اقضه ماله علي ونحو ذلك رجع بما دفع في رواية (الأصل).
وعن أبي حنيفة في (المجرد) إذا قال لآخر: اضمن لفلان الألف التي له علي وضمنها وأدى إليه لا يرجع إلا إن خليطًا أو أمره ليرجع عليه، وأجمعوا أن المأمور لو كان خليطًا له رجع وهو الذي في عياله كالوالد الذي في عياله والولد وزوجته ومن في عياله من الشريك والأجير شركة عنان، كذا في (الينابيع)، وقال في (الأصل): والخليط أيضًا الذي يأخذ منه ويعطيه ويداينه ويضع عنده المال، كذا في (السراج) وعلى هذا الثاني اقتصر في (فتح القدير) حيث قال: الخليط هو الذي يعتاد الرجل بمداينته والأخذ منه ووضع الدراهم عنده والاستجرار منه، وعزا في (الخانية) ما في (الينابيع) إلى (الأصل) وزاد ابن الأخ إذا كان في عياله قال: ذكر في بعض المواضع الخليط فذكر ما اقتصر عليه في (الفتح)، والظاهر أن الكلي يعطى لهم حكم الخليط في حق الرجوع وقد طولب بالفرق بين الأمر بالكفالة وما إذا قال: أد عني زكاة مالي أو
стр. 1545
رجع بما أدى عليه، وإن كفل بغير أمره لم يرجع ولا يطالب الأصيل بالمال
ــ
أطعم عني عشرة مساكين لا يرجع ما لم يقل: على أني ضامن وحاصل الفرق أن الأمر بالكفالة يتضمن طلب القرض إذا ذكر لفظة عني، وفي قضاء الزكاة والكفالة طلب اتهاب ولو ذكر لفظة عني والحاصل أنه إنما يرجع في الكفالة بالأمر إذا قال: عني أو علي، وإن لم يقل ذلك فإن كان خليطًا رجع وإلا لا، وفي الأمر بالهبة أو التعريض عنها أو الإقراض والحج والعتق عن كفارته أو الزكاة لا يرجع، ولو قال: عني أو علي إلا إذا قال على أني ضامن، كذا في (الخانية) والحيلة إذا أراد الرجوع بدون الأمر أن يهبه الطالب الدين ويوكل قبضه.
قال الولوالجي: وفي (الخانية) المسلم الأسير إذا اشتراه رجل بغير أمره يكون متطوعًا وبأمره كذلك في القياس، وفي الاستحسان يرجع، وإن لم يقل على أن ترجع علي وهذا كما قال لغيره: أنفق من مالك على عيالي أو أنفق على بناء داري فأنفق كان له أن يرجع على الآمر بما أنفق ثم قال: لو أمر رجلًا أن يقضي دينه ولم يقل على أن يرجع علي بذلك ولا على أني ضامن رجع المأمور على الآمر على كل حال انتهى، وأعلم أن الأمر الموجب للرجوع كما يكون حقيقًا يكون حكيمًا إذا كفل الأب عن ابنه الصغير مهر امرأته ثم مات الأب وأخذ من تركته كان للورثة الرجوع في نصيب الابن لأنه كفالة بأمر الصبي حكمًا لثبوت الولاية، فلو أدى بنفسه، فإن أشهد رجع وإلا لا، كذا في نكاح (المجمع) وكما لو جحد الكفالة فبرهن المدعى عليها بالأمر وقضي على الكفيل فأدى فإنه يرجع وإن كان متناقضًا لكونه صار ملزمًا شرعًا بالقضاء عليه كذا في/ تلخيص (الجامع الكبير) (رجع بما أدى) مقيد بما إذا أدى ما ضمن فإن أدى خلافه بأن كان المكفول به جيدًا رديًا أو عكسه رجع بما ضمن وبما إذا أدى ما وجب دفعه على الأصيل، فلو كفل بالأجرة فأداها وجوبها لا يرجع، كذا في (البزازية).
وفي قوله بما أدى إيماء أن الكفيل لو صالح عن الأصل بخمسمائة فإنه يرجع بها لا بما ضمن وفي البيع من (الفتح) لو كفل بالمسلم فيه وأداه من ماله يصير مقرضًا حتى يرجع بقيمته إن كان ثوبًا لأن الثوب مثلي في باب السلم، كذا فيما جعل تبعًا له (فإن كفل بغير أمره) ولم يجز المكفول عنه في المجلس (لم يرجع) لأنه تبرع قيدنا بعدم إجازته في المجلس لأنه لو أجاز الكفالة عنه فيه رجع الكفيل كما في (العمادية) يعني بأن قال: أجزت الكفالة عني، ولو أجازها بعد المجلس لا يرجع لأنها وقعت غير موجبة للرجوع فلا ينقلب موجبه، كذا في (كافي المص) (ولا يطالب الأصيل بالمال)
следующие страницы →