Полный текст (125 стр.). Показаны 106–125 · переход к 111.
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . عَلَى الصُّفْرِ (١)
١٢٩ - وَأَفْضَلُهُمْ صِدِّيقُهُ (٢) وَوَزِيرُهُ (٣) ... أَبَو بَكْرِ (٤) ذُو الْإِنْفَاقِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ (٥) الحواشي
(١) أي النحاس، قال الرازي في مختار الصحاح مادة (ص ف ر): [الصُّفْرُ بالضم نحاس يعمل منه الأواني، وأبو عبيدة يقوله بالكسر].(٢) وإنما سمي ﵁ بالصديق لسبقه الناس إلى تصديقه رسول الله ﷺ على إتيانه بيت المقدس من مكة, ورجوعه منه إلى منزله بمكة في تلك الليلة، وقد ورد في ذلك حديث عند الحاكم (٣/ ٦٥)(٤٤٠٧) من حديث عائشة ﵂، وقد صححه الألباني، وانظر الصحيحة(٣٠٦) ، ومن فضائله أيضاً: أنه أول من آمن به من الرجال، وقد أسلم بدعوته خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وكان رفيق النبي ﷺ في الهجرة، وخليفة رسول الله في الصلاة بالناس، وفضائله كثيرة، وقد ألفت فيها الكتب، والرسائل، منها: "فضل أبي بكر الصِّديق ﵁" لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. عبد العزيز بن محمد الفريح. و"الفضائل المجتمعة في الخلفاء الأربعة" للإمام السيوطي، تحقيق د. طارق الطواري. و"فضائل الصديق" لأبي طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي العشاري. تحقيق وتخريج عمرو بن عبد المنعم. و"تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق" لأبي القاسم المقدسي، تحقيق محيي الدين مستو. و" أبو بكر الصديق" لمحمد رضا.(٣) روى الترمذي (١/ ٣١٥)(١٦٩) ، وأحمد (١/ ٣٤) من طريق علقمة عن عمر بن الخطاب قال: (كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معهما)، والحديث صححه الشيخ الألباني ﵀ والأرناؤوط. وروى أحمد (٤/ ٢٢٧) عن شهر بن حوشب عن بن غنم الأشعري أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄: [لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما] قال الشيخ الأرناؤوط: (إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، وحديث عبد الرحمن بن غنم عن النبي مرسل)، والحديث ضعفه الشيخ الألباني ﵀ وانظر السلسلة الضعيفة(١٠٠٨) .(٤) قال الشيخ محمد رضا: [وقيل كنى بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة.].(٥) روى أبو داود (٢/ ١٢٩)(١٦٧٨) ، والترمذي (٥/ ٤١٦)(٣٦٧٥) ، وقال: حسن صحيح، والدارمي
(١/ ٤٨٠)(١٦٦٠) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ " فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له: رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا]. والحديث حسنه الشيخ الألباني ﵀. وروى البخاري (١/ ١٧٧)(٤٥٤) ، ومسلم (٤/ ١٨٥٤)(٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر، وبكى، فقال: فديناك بآبائنا، وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به. وقال رسول الله ﷺ إن أمنّ الناس علي في ماله، وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن إخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر]. والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الشيخ محمد رضا في كتابه: "أبو بكر الصديق": [لما أسلم آزر النبي ﷺ في نصر دين الله تعالى بنفسه، وماله. وكان له لما أسلم ٠٠٠ ,٤٠ درهم أنفقها في سبيل الله، مع ما كسب من التجارة. قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى. وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ وقد أجمع المفسرون على أن المراد به أبو بكر. وقد رد الفخر الرازي على من قال إنها نزلت في حق علي ﵁].стр. 107
١٣٠ - وَمِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقُ (١) . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) روى ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٠) عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله جعل الحق على لسان عمر، وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق، والباطل] وهذا إسناد معضل. وقال عبدالسلام بن محسن آل عيسى في كتابه: "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية ﵁" (١/ ٧٨: ٨١): [وأمّا لقبه ﵁ فهو (الفاروق)، وهو ﵁ جدير بهذا اللقب، فإنه ممن فرق الله به بين الإسلام، والكفر بعد إسلامه. وبعد توليه الخلافة، وظهر به الإسلام، وخفقت راياته في أرجاء المعمورة.
وقد اختلف فيمن لقّبه بهذا اللقب، فقيل إن الذي لقّبه بذلك هم أهل الكتاب. قال الزهري ﵀: وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئاً.
وقيل: إن الذي لقّبه بذلك النبي ﷺ وأنه قال: "إن الله جعل الحقّ على لسان عمر، وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ، والباطل".
وكلتا الروايتين لم تثبتا، ولعل الصواب أن الذين لقّبه بذلك هم المسلمون، لأن الإسلام عز وظهر بإسلامه كما ثبت ذلك في الصحيح، ولا مانع أن يكون أهل الكتاب لقبوه بذلك لما رأوا من عدالته، وظهور الحقّ على يديه.стр. 108
. . . . . . لَا يُنْسَى فَضْلُهُ (١) ... وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ (٢) ذُو الْقُرْبِ بِالصِّهْرِ
١٣١ - وَمِنْ بَعْدِهِ (٣) . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) وفضائل سيدنا عمر كثيرة منها: أن إسلامه كان فيه عزة للإسلام والمسلمين، وأن النبي ﷺ دعا الله أن يعز الإسلام به أو بأبي جهل، وأن القرآن نزل بموافقته في عدة مواضع معروفة، وأن الشيطان كان يفر منه، وأن النبي ﷺ قال عنه، وعن أبي بكر: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وأن النبي ﷺ ذكر خلافته وأثنى عليها وأشار إلى خلوها من الفتن، وإلى اتساع الدولة الإسلامية وكثرة الفتوحات فيها، وأنه أول من لقب بأمير المؤمنين، وأنه أول من وضع التاريخ الهجري. وقد ألفت الكتب في فضائله، ومنها: "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية ﵁" عبدالسلام بن محسن آل عيسى. و"محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" تأليف: يوسف بن الحسن بن عبدالهادي ابن المبرد، دراسة وتحقيق: عبدالعزيز بن محمد بن عبد المحسن. و"عمر بن الخطاب" لمحمد رضا. و"عبقرية عمر" لعباس محمود العقاد.(٢) ويقال لعثمان ﵁: (ذو النورين) لأنه تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي النبي ﷺ ، ولا يعرف أحداً تزوج بنتي نبي غيره. وانظر تاريخ الخلفاء (ص/١٤٨).(٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (٧/ ٣٤): [قد سبق بيان الاختلاف في أي الرجلين أفضل بعد أبي بكر وعمر: عثمان، أو علي، وأن الإجماع انعقد بآخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ﵃ أجمعين - ".стр. 109
زَوْجُ الْبَتُولِ (١) عَلِي الَّذِي ... جَاهَدَ الْكُفَّارَ بِالْبِيضِ (٢) وَالسُّمْرِ (٣)
الفصل الثالث
موقفنا من الفتنة التي وقعت بين الصحابة ﵃ -
١٣٢ - وَأَنْ نَتَرَضَّى (٤) عَنْ صِحَابِ مُحَمَّدٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) أي فاطمة بنت النبي ﷺ .(٢) بكسر الموحدة، فهو السيف، وبفتحها: ما يلبس على الرأس من آلات الحرب (الخوذة)، والأقرب عندي في هذا البيت المعنى الأول. قال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٣٥١): [البيض: بفتح الموحدة، جمع بيضة، وهي: الخوذة، أو بكسرها جمع أبيض، وهو: السيف].(٣) أي الرماح، قال ابن حجة الحموي في خزانة الأدب(٢٨٣٤٠) : [...
(والبعض ماتوا من التوهيم واطرحوا ... والسمر قد قبلتهم عند موتهم)
فذكر الموت في البيت يوهم السامع أن نساءهم السمر قد أدارتهم إلى جهة القبلة، كما هو المعهود، والتوهيم هنا في التقبيل، وفي السمر، والمراد بالسمر: الرماح، وبالتقبيل: الطعن في الأفواه التي تنزل هنا منزلة التقبيل، واستعارة التقبيل للرماح في غاية الحسن، فإنهم شبهوا سنان الرمح باللسان، وشبهوا مواقع الطعن بالثغور، ويعجبني هنا قول ابن المزين في الرمح:
(أنا أسمر والراية البيضاء لي ... لا بالسيوف وسل من الشجعان) ...].(٤) التَّرَضِّي مِنْ الرِّضَا , وَهُوَ ضِدُّ السُّخْطِ , وَالتَّرَضِّي: طَلَبُ الرِّضَا , وَالتَّرَضِّي أَيْضًا: أَنْ تَقُولَ: ﵁.
والترضي عن الصحابة، وغيرهم من التابعين، والصالحين مستحب قال النووي في الأذكار: [يُستحبّ الترضّي والترحّم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعبَّاد وسائر الأخيار فيقال: ﵁، أو ﵀، ونحو ذلك].
ومحبة جميع الصحابة، واعتقاد فضلهم واجب، قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (١/ ٥٧٧): [وهذا - أي تعزير شاتم الصحابة ﵃ مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه، والعلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم، والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول].стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كَمَا أَمَرَ الرَّحْمَنُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ (١) الحواشي
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال الشوكاني في فتح القدير في تفسير هذه الآية: [لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين، والأنصار ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعد ما قوي الإسلام، والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة؛ لأنه يصدق على الكل أنهم جاءوا بعد المهاجرين الأولين، والأنصار، والموصول مبتدأ وخبره ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَان﴾ ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ فيكون يقولون في محل نصب على الحال، أو مستأنف لا محل له، والمراد بالأخوة هنا أخوة الدين، أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم، ولمن تقدمهم من المهاجرين، والأنصار ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي غشا، وبغضا، وحسدا أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين، والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا، لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم، فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه ﷺ وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله، وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلفة، والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله ﷺ المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله، وسنة رسوله، وخير أمته، وصالحي عباده، وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين، وأهله بكل حجر، ومدر، والله من ورائهم محيط].стр. 111
١٣٣ - وَنُمْسِكُ عَمَّا بَيْنَهُمْ مِنْ تَشَاجُرٍ ... وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لِلْكُلِ ذُو غَفْرِ (١)
الفصل الرابع
فضل أهل البيت عموما وأمهات المؤمنين خصوصاً وفضل الصحابة
١٣٤ - وَأَنَّ لِأَهْلِ الْبَيتِ فَضْلَاً عَلَى الْوَرَى ... فَحَقِّقْهُ فِيهِمْ لِلْفَقِيرِ وَلِلْمُثْرِي (٢) الحواشي
(١) قال الإمام أحمد بن حنبل في كتابه السّنّة: [من السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن الذي جرى بينهم، فمن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة]. وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٦): [وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين، إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات، وقد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة] وقد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄ فقال: فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا - يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه -. وفي الباب آيات، وأحاديث وآثار، ونقول كثيرة، وليس هذا محل بسطها، وانظر "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي، و " تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدثين" لمحمد أمحزون، وبحث: " رد البهتان عن معاوية بن أبي سفيان" لأبي عبد الله الذهبي ...(٢) أي للفقير، وصاحب المال الكثير. قال الشيخ عبد المحسن العباد في رسالته "فضل أهل البيت": [عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الإفراطِ والتَّفريط، والغلُوِّ والجَفاء في جميعِ مسائل الاعتقاد، ومِن ذلك عقيدتهم في آل بيت الرَّسول ﷺ ، فإنَّهم يَتوَلَّونَ كلَّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبدالمطلِّب، وكذلك زوجات النَّبِيِّ ﷺ جميعاً، فيُحبُّون الجميعَ، ويُثنون عليهم، ويُنْزلونَهم منازلَهم التي يَستحقُّونَها بالعدلِ والإنصافِ، لا بالهوى والتعسُّف، ويَعرِفون الفضلَ لِمَن جَمع اللهُ له بين شرِف الإيمانِ وشرَف النَّسَب، فمَن كان من أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقواه، ولصُحبَتِه إيَّاه، ولقرابَتِه منه ﷺ . ومَن لَم يكن منهم صحابيًّا، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقواه، ولقربه من رسول الله ﷺ ، ويَرَون أنَّ شرَفَ النَّسَب تابعٌ لشرَف الإيمان، ومَن جمع اللهُ له بينهما فقد جمع له بين الحُسْنَيَيْن، ومَن لَم يُوَفَّق للإيمان، فإنَّ شرَفَ النَّسَب لا يُفيدُه شيئاً.]
وقد وردت في فضائل أهل البيت أدلة كثيرة عامة، وخاصة، فمن الأدلة العامة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، أنها واردة في أهل الكساء، ويدخل فيها أيضاً زوجات النبي كما سبق بيان ذلك، وقوله ﷺ : [إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي] وأيضاً ما ورد من الصلاة عليهم في التشهد، وغير ذلك الكثير، وأما ما ورد من أدلة في الفضائل الخاصة لبعضهم، كسيدنا على، والعباس عم النبي ﷺ ، وزوجات النبي أمهات المؤمنين، وفاطمة، والحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، والمهدي ﵃ أجمعين - الذي قال عنه النبي ﵌: [المهدي من عترتي من ولد فاطمة] وهذا رواه أبو داود من حديث أم سلمة، وصححه الألباني، وغير ذلك مما يخرجنا استقصاؤه إلى التطويل الممل. وقد ألف العلماء قديماً وحديثاً رسائل كثيرة في فضائل آل البيت، ومنها على سبيل المثال: رسالة "حقوق أل البيت بين السنة والبدعة" لابن تيمية، ورسالة "إحياء الميت بفضائل أهل البيت" للسيوطي، و"جواهر العقدين في فضل الشريفين" للسمهودي، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، و"استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف" للسخاوي تحقيق خالد بن أحمد بابطين ...стр. 112
١٣٥ - وَأَنَّ ابْنَةَ الصِّدَّيقِ عَايِشَةَ الرِّضَي (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) أي المرضي عنها، عند الله ، وعند رسوله ﷺ ، وعند أهل الحق، وذلك لحسن خصالها، ولما لها من فضائل يصعب على العاد إحصائها.
فلا يخفى على المسلم فضل أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، وما تمتعن به من منزلة سامية عند الله، وعند رسوله ﷺ ولا ريب أن الصديقة بنت الصديق، الطاهرة العفيفة التي نزلت براءتها من فوق سبع سماوات بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، عائشة ﵂ أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة: فقد حازت قصب السبق إلى قلب رسول الله ﷺ من بين سائر أزواجه، فهي التي لم يتزوج بكرا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في فراش امرأة من نسائه سواها، وهي التي نالت شرف خدمة النبي ﷺ وتمريضه في أخر أيام حياته، فكان موته وهو بين سحرها ونحرها، وقبض وهو راض عنها، وقبر في بيتها، فرضي الله عن عائشة وأرضاها. وقد قال ﷺ في حقها: [كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] متفق عليه من حديث أبي موسى ﵁. وفضائل أم المؤمنين عائشة كثيرة وقد عدَّ الزركشي لها أربعين خصيصة، في كتابه " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" فانظره.стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . ... مُنَزَّهَةٌ مِمَّا يَقُولُ أُولُو الأَشَرِ (١) الحواشي
(١) قال الزبيدي في تاج العروس مادة (أش ر): [قالوا: الأشَرُ: البَطَرُ وقيل: أشَدُّ البَطَرِ وقيل: الأشَرُ: الفَرَحُ بَطَراً وكُفْراً بالنِّعمة وهو المَذْمُومُ المَنْهِىُّ عنه لا مُطْلَقُ الفَرَحِ. وقيل: الأشَرُ: الفَرَحُ والغُرُور.] والمقصود بهذا الذم هنا: الشيعة أخذاهم الله فهم الذين الذين تكبروا عن الحق فلم يقبلوه، واتهموا أمنا أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها بأبشع التهم، فاتهموها بالكفر، وعدم الإيمان، وزعموا أنها من أهل النار، ونسبت الشيعة الإثنا عشرية الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سموات إلى الفاحشة، وزعموا أن المهدي الذي ينتظرونه يقيم الحد عليها ﵂، وادعوا أنها وأم المؤمنين حفصة ﵄ سقتا السم لرسول الله ﷺ ، إلى غير ذلك من المزاعم التي يُكذبون فيها صريح القرآن، وما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وينبغي أن يعلم أن سب عائشة ﵂ بما برأها الله منه يعتبر كفر، وتكذيب بصريح القرآن، ويستحق فاعله القتل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (ص/٥٦٨): [قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم، فروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (النور:١٧)، وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: [سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق: أتي المأمون [بالرقة] برجلين شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة، وترك الآخر، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا؛ لأن الذي شتم عائشة رد القرآن] وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه، والعلم من أهل البيت، وغيرهم. قال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي [بطرستان] وكان يلبس الصوف، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى المدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فقال: يا غلام اضرب عنقه فقال له العلويين: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (النور:٢٦) فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي. وروي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد انه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا، ومن بني الآباء فقال: هذا سمى جدي قرنان، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل، فقتله].
وقال ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" (١/ ١٠١) بعد ما ذكر حديث الإفك: [علم من حديث الإفك المشار إليه أن من نسب عائشة إلى الزنا كان كافرا، وهو ما صرح به أئمتنا، وغيرهم؛ لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية، ومكذبها كافر بإجماع المسلمين، وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض؛ لأنهم ينسبونها إلى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون].стр. 114
١٣٦ - وَكُلُّ نِسَاءِ الْمُصْطَفَى أُمُّهَاتِنَا (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) أي في تحريم نكاحهن، والاحترام، والتوقير، والإكرام لا في الخلوة بهنَّ ولا في حرمة بناتهنَّ، ونحو ذلك، كما أن أبوة النبي ﷺ لنا أبوة دينية لا نسبية.
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ شرف اله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم، والمبرة، والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن - - رضي الله تعالى عنهن - بخلاف الأمهات، وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني، وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات للناس].
وقال العلامة الشنقيطي ﵀ في "أضواء البيان" (٦/ ٥٧٠ - ٥٧١): [قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. قال ابن كثير: أي في الحرمة، والاحترام، والتوقير، والإكرام، والإعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهنّ، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع. اهـ. محل الغرض منه. وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه ﷺ أُمّهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأُم، واحترامهم لهن، كاحترام الأُم إلخ. واضح لا إشكال فيه. ويدلّ له قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ﴾؛ لأن الإنسان لا يسأل أُمّه الحقيقية من وراء حجاب. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَاّ اللَاّئِى وَلَدْنَهُمْ﴾، ومعلوم أنهن ﵅، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أنه هو ﷺ أب لهم. وقد روي عن أُبيّ بن كعب، وابن عباس، أنّهما قرءا: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وهو أب لهم، وهذه الأبوّة أبوّة دينية، وهو ﷺ أرأف بأُمّته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جلَّ وعلا في رأفته ورحمته بهم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وليست الأبوّة أبوّة نسب؛ كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ﴾، ويدلّ لذلك أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه: أن النبيّ ﷺ قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه» - والحديث حسنه الشيخ الألباني، وقوى إسناده الشيخ الأرناؤوط -، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة، فقوله ﷺ في هذا الحديث: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد»، يبيّن معنى أبوّته المذكورة، كما لا يخفى.].
مسألة: هل نساء النبي ﷺ أمهات الرجال والنساء، أم أمهات الرجال خاصة؟
قال الإمام القرطبي عقب كلامه السابق: [واختلف الناس هل هن أمهات الرجال والنساء، أم أمهات الرجال خاصة على قولين: فروى الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت لها: يا أمة فقالت لها: (لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم) قال ابن العربي: وهو الصحيح. قلت: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي: أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء، يدل عليه صدر الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة، وجابر- قلت: يشير إلى ما ذكره قبل عبارته هذه بسطور، وهو ما رواه مسلم عن أبي هريرة، وعن جابر ﵄ مرفوعا: [مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو بذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي] واللفظ لجابر ودلالة الحديث هنا دلالة عامة فهو يدل على شفقة النبي على عموم أمته رجالاً، ونساءاً - فيكون قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ عائدا إلى الجميع، ثم إن في مصحف أبي بن كعب: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) وقرأ ابن عباس: (من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم) وهذا كله يوهن ما رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص، وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم والله أعلم].
وأثر أم المؤمنين عائشة ﵂ الذي ذكره أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٦٥، ٦٧، ١٧٨، ٢٠٠)، والبيهقي في "سننه" (٧/ ٧٠) من طرق عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة به، ورواته ثقات غير فراس، فقال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق يهم. وهذا الأثر ليس من أوهامه، وعليه فالإسناد حسن على أقل الأحوال. وله شاهد ضعيف رواه أحمد (٦/ ١٤٦) عن لميس أنها قالت: قالت امرأة لعائشة: يا أمه، فقالت عائشة: [إني لست بأمكن، ولكني أختكن]، وأعله الشيخ الأرناؤوط بجابر الجعفي، ويزيد بن مرة، وجهالة لميس. وقال ابن سعد (٨/ ١٧٨، ٢٠٠) عقب الحديث: قال الواقدي: فذكرت ذلك لعبد الله بن موسى المخزومي، فقال: أخبرني مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء] إلا أن الواقدي هذا متروك الرواية، والراجح عندي الصيرورة إلى قول أم المؤمنين عائشة ﵂، لعدم المعارض، وهو اختيار الإمام البغوي حيث قال في تفسيره: [واختلفوا في أنهن كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعا، وقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمه! فقالت: (لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم) فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن].стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . ... وَرَادِدُ هَذَا الْقَوْلِ مُسْتَوجِبُ الْهَجْرِ (١)
١٣٧ - عَلَيْهِمْ (٢) سَلَامِي مَا حَيِيتُ وَإِنْ أَمُتْ ... تُحَيِّيهِمُ عَنِّي عِظَامِيَ مِنْ قَبْرِي (٣) الحواشي
(١) ليس الهجر فقط، بل يستتاب، وإلا قتل؛ لتكذيبه بصريح القرآن كما سبق بيان ذلك.(٢) الضمير هنا يحتمل أموراً، وأرجحها عندي أنه عائد على جميع من ذكر في الأبيات السابقة من: أهل البيت، وأزواج النبي، والعشرة المبشرين بالجنة، والسابقين إلى الإسلام من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين -.(٣) قصد الناظم هنا المبالغة، وجرى على طريقة الشعراء في أنهم يقولون ما لا يفعلون.
وكون عظام الميت تتكلم، أو تسلم على أحد يحتاج لدليل، ولعله يقصد لسانه، فإنه لما كان معتاداً لإلقاء السلام على زوجات النبي ﷺ ، أو الصحابة ﵃ على حسب مقصوده من الضمير، وكلاهما محتمل، فإنه يجري عليه ما كان يعمل من ذلك بعد موته، وهذا أيضاً يحتاج لدليل مع أن ظاهر عبارته يأباه.
وما قاله الناظم هنا شبيه بما قاله توبة بن حمير:
ولو أنَّ ليلى الأخيليةَ سَلّمت ... عليَّ ودوني جَنْدلٌ وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشةِ أوزقا ... إليها صدىً من جانبِ القَبر صائحُ
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٩٨): [وقال أبو عبيد: أما الهامة فإن العرب كانت تقول إن عظام الميت تصير هامة فتطير. وقال أبو عمرو مثل ذلك، وكانوا يسمون ذلك الطائر الصدى يعني الذي يخرج من هامة البيت إذا بلي]. وقال المعلق على ديوان الحماسة موضحاً معنى قول توبة بن حمير السابق: [وكانت العرب تزعم أن عظام الموتى تصير هاما، وإصداء، ومعنى البيتين: لو أن ليلى الأخيلية سلمت علي وأنا مقبور، وفوقي تراب، وحجارة لأجبتها مسلما تسليم بشاشة، أو أجابها بدلا مني صوت عظامي من جانب القبر]. ونحو ما قاله توبة قال صفي الدين الحلي:
وَهَيفاءُ لَو أَهدَت إِلى المَيِّتِ نَشرَها ... لَأُنشِرَ مَن ضُمَّت عَلَيهِ الصَفائِحُ
وَلَو أَنَّها نادَت عِظامي أَجابَها ... فَمي لا صَدىً مِن جانِبِ القَبرِ صائِحُстр. 116
١٣٨ - هُمُ عُدَّتِي فِي شِدَّتِي وَذَخِيرَتِي ... لِآَخِرَتيِ (١) مِصْبَاحُ دِيني غِنَى. . . . . . الحواشي
(١) قد يكون مقصود الناظم: أنهم عدته بمحبتهم وتوقيرهم وإجلالهم، وما يقتدي به من أفعالهم - كما سبق في توجيه البيت(١٢٣) .
وننبه هنا على أن جميع من ذُكِرَ في الأبيات السابقة من: أهل البيت، وزوجات النبي ﷺ ، والعشرة، وغيرهم، لا يجوز في حقهم إطلاق القول بأنهم بذواتهم عدة عند الشدة، وذخراً للآخرة؛ لعدم ورود الدليل بذلك، والتوقف على ما ورد فيه الدليل أسلم لديننا، وسداً لذرائع الشرك.
قال الشيخ محمد العثيمين في المناهي اللفظية عند جوابه على السؤال رقم(٨٤) : [وإضافة الشيء إلى سبب موهوم غير معلوم حرام، ولا يجوز، وهو نوع من الشرك، مثل: العقد، والتمائم، وما أشبهها، فإضافة الشيء إليها خطأ محض، ونوع من الشرك؛ لأن إثبات سبب من الأسباب لم يجعله الله سبباً نوع من الإشراك به، فكأنك أنت جعلت هذا الشيء سبباً، والله تعالى لم يجعله، فلذلك صار نوعاً من الشرك بهذا الاعتبار.]. وقال الشيخ ياسر برهامي في فضل الغني الحميد (ص/٥١): [أما أن يدعي أحداً أن شيئاً هو سبب لخير، أو لشر، دون دليل شرعي، ولا كونه سبباً ظاهراً، فهو كذب على الشرع، وكذب على القدر، وذريعة إلى الشرك الأكبر، فلهذا كان من الشرك الأصغر.].
ويوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٨)، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ (الجن:٢١)، وروى البخاري (٣/ ١٠١٢)(٢٦٠٢) ، ومسلم (١/ ١٩٢)(٢٠٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: [قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا].стр. 117
. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَقْرِي (١)
الخاتمة
الفصل الأول
منهج المنظومة
١٣٩ - فَهَا قَدْ نَظَمْتُ فِي اعْتِقَادِي قَصِيدَةً ... مُنَزَّهَةً عَنْ مَنْطِقِ الَّلغْوِ (٢) وَالْهُجْرِ (٣)
١٤٠ - عَرِيَّاً عَنِ الْإِيطَاءِ (٤) فِيهَا رَوِيُّها (٥) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) لعله يقصد هنا الفقر المعنوي، فيكون مراده أنهم يضيئون له طريق العلم بما حملوه لنا من علم النبي -
ﷺ .(٢) قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن مادة (لغا): [اللغو من الكلام: ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور ...].(٣) قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٢٧٣): [الهُجْر: الخَنَا في القول والفُحْش. يقال: أَهْجَر في مَنْطقه اذا جاء بالخَنَا والقَبيح من القول ...].(٤) قال الأزهري في التهذيب مادة (وطئ): [أبو عبيد عن أبي عبيدة، قال: أبو عمرو ابن علاء: الإيطاء ليس في الشعر عند العرب، وهو إعادة القافية مرتين، وقد أَوطأَ الشاعر. قال الليث: إنما أخذ من المُواطأَة، وهي الموافقة على شيء واحد، يقال واطأ الشاعر، وأوطأ إذا اتفقت له قافيتان على كلمة واحدة معناهما واحد. قال: فإذا اختلف المعنى واتفق اللفظ فليس بإبطاء. وأخبرني أبو محمد المزني عن أبي خليفة، عن محمد بن سلام الجمحي أنه قال: إذا كثر إيطاء في قصيدة مرات فهو عيب عندهم.].(٥) الرَّوِيُّ: هو حرف القافية، قال ابن منظور في اللسان مادة (روى): [الرَّويُّ حرف القافية ... قال الأَخفش: الرَّويُّ الحرف الذي تُبْنى عليه القصيدة ويلزم في كل بيت منها في موضع واحد نحو قول الشاعر:
إِذا قلَّ مالُ المَرْءِ قلَّ صديقُه ... وأَوْمَتْ إِليه بالعُيوبِ الأَصابعُ
قال: فالعين حرف الرَّويّ وهو لازم في كل بيت].
وجاء في الموسوعة العربية العالمية: [الروي، هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتُنسب إليه، فيُقال: قصيدة دالية وتائية ولابُد لكُل شعر من روي نحو قوله:
مابالُ عينِك منها الماءُ يَنْسَكِبُ ... كأنّه من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
فالباء هي الروي.]. وحرف الرَّوِيُّ في منظومتنا هو: الراء.стр. 118
. . . . . . . . . . . . ... وَلَيْسَتْ مِنَ التَّضْمِينِ مُثْقَلَةَ الظَّهْرِ (١)
الفصل الثاني
مذهب الناظم
١٤١ - عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْبَانِيَ الْأَصْلِ أَحْمَدَ ... إِبْنِ حَنْبَلِ الْعَلَّامَةِ الْقُثَمِ. . . . . . . . . . الحواشي
(١) قال عبد الحميد بن محمد في شرحه على نظم العمريطي للورقات المسمى "لطائف الإشارات" (ص/٤ - ٥): [لا يخفى أن في كلامه - أي العمريطي ﵀ من عيوب القافية التضمين، وهو كما في كتابي "فتح الجليل الكافي لمتممة متن الكافي في العروض والقوافي" و "شرح الخزرجية": تعليق قافية البيت الأول بصدر البيت الذي بعده بأن يفتقر إليه في الإفادة، وسمي تضميناً؛ لأن الشاعر ضمن البيت الثاني معنى الأول لأنه لا يتم إلا بالثاني، لكن هذا جائز للمولدين في غير المدائح الشعرية، والبديعيات الأدبية سواء المديح النبوي، وغيره، فهذا لا يجوز الإتيان به حتى لهم، وأما نظم أنواع العلوم الكثيرة خصوصاً أهل الأراجيز في الفنون الشهيرة مثل الرجزية فيجوز لهم هذا التضمين كأمثاله بلا شك ولا ريب، وما في ارتكابه من عيب؛ لأن من نظم في علم من العلوم إنما قصد حصر الألفاظ، وضبط المعاني، لتحصيل المقتضى البياني، وتسهيل الملفوظ اللساني، فلذلك لم يراع أكثر أهل المنظومات في فنون العلوم تجنب التضمين، وما شابهه من الضرورات في مناظيمهم سيما أراجيزهم؛ لأن قصدهم التحقيق في منظوماتهم، وتبليغ معلوماتهم. ثم إن التضمين العروضيين هذا غير التضمين الذي ذكره البيانيون نوعاً من أنواع البديع فإنه مستحسن جداً، وهو أن يضمن الشاعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه على أنه من الغير، إن لم يكن ذلك مشهوراً عند البلغاء، لئلا يتهم بالأخذ والسرقة، وإلا فلا حاجة إليه، وقد بينته بياناً شافياً في شرحي على بديعيتي فانظره إن شئت].стр. 119
. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْحَبْرِ (١)
الفصل الثالث
سبب تسمية المنظومة بنهج الرشاد
١٤٢ - وَسَمَّيْتُهَا نَهْجَ (٢) . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) أي العالم، والصالح، وقد سبق بيان معنى القتم عند التعليق على البيت العاشر.
والناظم هنا قد نسب اعتقاده للإمام أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي؛ لأنه صار علماً على أهل السنة والجماعة، وإماماً في عصر المأمون في المحنة التي أبتلي بها علماء السلف في ذلك العهد، فإن المأمون أدخل على الأمة الإسلامية من علم اليونان، وعلم الكلام ما يستحق عليه الجزاء من الله ؛ لأنه أدخل على الأمة علوماً أفسدت العقائد، ونصر البدعة نصراً عزيزاً، وحصل منه إيذاء لأهل السنة فكان يحبسهم، ويشهِّر بهم ويطوف بهم في الأسواق ويضربهم، والعياذ بالله، مما اضطر كثير من العلماء إلى أن يوافقوا ولو ظاهراً على سبيل أنهم مكرهون ومنهم من تأول، ولكن الإمام أحمد ﵀ ومحمد بن نوح أصرا على أن يعلنا الحق بدون تأويل، ولكن محمد بن نوح توفي، وصلى عليه الإمام أحمد الذي بقي وحيداً يدافع عن السنة، وعقيدة المسلمين، وحصل له من الإيذاء والإهانة ما لا يصبر عليه إلا أمثاله حتى كانوا يجرونه في الأسواق بالبغلة، ويضربونه بالسياط حتى يغمى عليه، وهو صابر ومصمم على أن يبقى على ما هو عليه من قول الحق، لأنه لو قال خلاف الحق في ذلك الوقت ولو بالتأويل لضل الناس، إذ أن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد بن حنبل، فبذلك استحق أن يكون إماماً. وقال الإمام علي بن المديني: أحمد إماماً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: أحمد سيدنا حفظ الله أحمد هو اليوم حجة الله على خلقه، وقال: إن الله تعالى أعز هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. ومناقب الإمام أحمد كثيرة أفرد سيرته البعض بالتأليف، ومن ذلك على سبيل المثال: سيرة الإمام أحمد بن حنبل لابنه صالح بن أحمد، ومناقب الإمام احمد بن حنبل لابن الجوزي، ومحنة الإمام احمد بن حنبل لعبد الغني المقدسي، والجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل لمحمد بن السعدي الحنبلي، إلى غير ذلك من المؤلفات.(٢) قال الجوهري في الصحاح مادة (نهج): [النَهْجُ: الطريق الواضح. وكذلك المَنْهَجُ والمِنْهاجُ. وأَنْهَجَ الطريقُ، أي استبانَ وصار نَهْجاً واضحاً بَيِّناً. قال يزيد بن الحذَّاق العبديّ:
ولقد أضاءَ لك الطريقُ وأَنْهَجَتْ ... سُبُلُ المَسالِكِ والهُدى تُعْدي
أي تُعين وتقوِّي. ونَهَجْتُ الطريق، إذا أَبَنْتَهُ وأوْضحته. يقال: اعْمَلْ على ما نَهَجْتُهُ لك ...]стр. 120
. . . . . . . . الرَّشَادِ (١) لِكَوْنِهَا ... تَفُوقُ بِنَظْمِ الْاِعْتِقَادِ عِلِى الدُّرِّ (٢)
الفصل الرابع
رجاء من الله
١٤٣ - رَجَوْتُ بِهَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ مَنْزِلَاً ... رَفِيعَاً لِبَاسِي فِيهِ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرِ
الفصل الخامس
مدح الناظم لمنظومته
١٤٤ - فَدَونَكَهَا بِكْرَاً (٣) تَأَرَّجَ عَرْفِهَا (٤) ... يَفُوقُ عَلَى رَيَّا (٥) . . . . . . . . . الحواشي
(١) وقال الجوهري أيضاً في مادة (رشد): [الرَشادُ: خلاف الغَيّ]، وعليه فنهج الرشاد بمعنى: طريق الهداية الواضح.(٢) أي اللؤلؤ العظيم الكبير.(٣) البكر هو أول كل شيء، والمعنى أن الناظم ﵀ يمتدح منظومته بأن فيها أفكاراً بكراً، لم يسبقه إلى نظمها على هذه الصورة أحد، وبأن فيها معان بديعة، وتقارير مبتكرة، فإنها على صغر حجمها قد حوت جملاً كثيرة مفيدة، قرر فيها مذهب السلف، ورد على الشيعة وأمثالهم من المبتدعة، إلى غير ذلك مما هو مسطر فيها، فرحم الله ناظمها.(٤) أي توهج، وانتشر ريحها الطيب، وذلك لما ذكر فيها من مذهب أهل الحق، وما نزهها به عن منطق اللغو، والهجر.(٥) أي الريح الطيبة، قال أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث باب رَيَّا: [والرَّيَّا: الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ. قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا ... نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
قوله: بِرَيَّا القَرَنْفُلِ: لَا يَكُونُ الرَّيَّا إِلَاّ رِيحاً طَيّبَةً ...].стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . .القَرَنْفُلِ (١) وَالقُطْرِ (٢)
١٤٥ - مُحَجَّبَةً فِي خِدْرِهَا (٣) غَيْرَ طَامِثٍ (٤) ... وَلَيْسَ الْعَجُوزُ الْأَيِّمُ (٥) كَالْكَاعِبِ (٦) الْبِكْرِ (٧)
١٤٦ - جَنَا النَّحْلِ (٨) لِلسُّنِّىِّ عَذْبِاً (٩) مَذَاقُهَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) هو برعم زهرة لها عبير فواح، وجاء في الموسوعة العربية العالمية: [القُرُنْفُل اسم يطلق على البراعم الزهرية اليابسة لشجرة مدارية تنتمي للفصيلة الآسية. تستخدم البراعم اليابسة منه توابل. وينمو القرنفل بريًا في أجزاء من إندونيسيا، وجزر الهند الغربية، وهو محصول في إندونيسيا، ومدغشقر وتنزانيا. يبلغ ارتفاع شجرة القرنفل الخضرة ما بين ٤,٥ و٩ أمتار، وهي شجرة دائمة الخضرة، وتبدو أوراقها الكبيرة الطرية المتطاولة مستدقة الشكل. وتنمو أزهارها ذات اللون الضارب إلى الأرجواني على ساقين ذواتي عقد. ويتم قطف براعم هذه الأزهار التي تسمى أزهار القرنفل قبل أن تتفتح. ويبدو لونها عندئذ آخذًا في الاحمرار، لكنها تتحول إلى البني الغامق عند جفافها. وللقرنفل عبير فواح ومذاق حاد دافئ يستخدم أساسًا لأغراض الطهي. ويضاف الزيت المستخرج من براعم شجرة القرنفل وساقها لأطباق الحلوى ليضفي عليها نكهة ورائحة طيبة.].(٢) وهو عود يتبخر به. وانظر لسان العرب مادة (قطر).(٣) الخدر هو كل ما يواري.(٤) قال الأزهري في تهذيب اللغة مادة (طمث): [وقال أبو الهيثم: يقال للمرأة طُمِثَتْ تُطمَثُ أي أُدميت بالافتضاض، وطَمِثَتْ على فَعِلَتْ تَطمثُ إذا حاضت أول ما تحيض فهي طامث ...].(٥) التي لا زوج لها، سواء كانت تزوجت من قبل أو لم تتزوج. وانظر مختار الصحاح مادة (أيم).(٦) أي التي نهد ثديها. وبكل هذه الصفات يشير الناظم إلى أهمية منظومته، وفضل ما احتوته من معان جليلة، وأنها مُقَدَّمة على ما يسطره أهل البدع والأهواء.(٧) وقد أعرضت في تعليقي على هذه المنظومة عن ذكر ما فيها من استعارات، ونحو ذلك؛ لاختياري القول بعدم جواز المجاز في اللغة، والقرآن، وقد فصلت القول في ذلك في رسالتي: تتمة منع جواز المجاز ببيان الأساليب والإطلاقات العربية التي ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان. فانظرها.(٨) أي العسل، وقال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ (النحل:٦٩).(٩) أي مستساغاً، قال ابن دريد في جمهرة اللغة مادة (بذع): [عَذُب الماءُ وغيره، إذا استساغ. والعَذْب: ضد
المِلْح، وكل مستسيغٍ من طعام أو شراب، وجمعه عِذاب.].стр. 122
. . . . . . . . ... شَجَى (١) الْحَلْقِ (٢) لِلْبِدْعِيِّ أَوْ كَلَظَى (٣) الْجَمْرِ
الفصل السادس
التماس واعتذار
١٤٧ - فَيَا نَاظِرَاً فِيهَا تَدَارَكْ لِمَا عَسَى ... يَكُونُ بِهَا مِنْ خَافِيَ الْوَهْنِ بِالْجَبْرِ (٤)
١٤٨ - فَقَدْ خُلِقَ التَّقْصِيرُ وَالنَّقْصُ فِي الْوَرَى ... لِيَنْفَرِدَ الْبَارِي عَلَا بِاسْمِهِ الْوِتْرِ (٥) الحواشي
(١) قال الخليل بن أحمد في العين مادة (شجو): [والشَّجا، مقصورٌ، ما نشب في الخلق من غُصَّةِ همِّ أو عودٍ أو نحوه، والفِعلُ: شجي يشجي بكذا شجىً شديداً، والشَّجا: اسم ذلك الشيءِ، قال:
ويَراني كالشَجَا في حلقِه ... عسراً مَخرجُه ما ينتزع].(٢) بالأصل: (قذى العين)، وبالهامش تصويبها لـ: (شجى الحلق).(٣) أي كلهب، قال الصاحب بن عباد في المحيط في اللغة مادة (لظى): [اللَّظى: اللَّهَبُ الخالِصُ. ولَظى غَيْرُ مَصْرُوْفَةٍ: من أسْمَاءِ جَهَنَّمَ. ولَظِيَتِ النَّارُ تَلْظَى لَظىً. والحَرُّ يَتَلظَّى: أي يَتَلَهَّبُ، ويَلْتَظِي].(٤) أي بالتصويب والإصلاح، لا بالتشهير والإفساد.(٥) الوتر من أسماء الله، ومعناه: الواحد الفرد الذي أنفرد بصفات الجلال والكمال، المستغني بذاته عن غيره، وهو سبحانه واحد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وانظر تتمة أضواء البيان (٩/ ٢١٠ - ٢١١) (الفجر/١: ٤).
وقال د. محمود عبد الرازق في محاضرة له عن شرح الأسماء الحسنى الدالة علي صفات الفعل: [الاسم الرابع والثمانون من أسماء الله الحسنى، هو اسم الله: الوتر، فقد سماه به رسول الله ﷺ علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية، ودالا علي الوصفية في بعض النصوص النبوية، وقد ورد المعنى محمولا عليه مسندا إليه، كما ورد في صحيح البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: (لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَاّ وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَاّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ)، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)، وعند أبي داود والترمذي وابن ماجة والنَسائى وصححه الشيخ الألباني منстр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حديث عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وفي رواية: إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، وعند أحمد من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. والوِتْرُ في اللغة هو الفَرْدُ أَو ما لم يَتَشَفَّعْ من العَدَدِ، قال تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر:٣) قيل: الوتر آدم ﵇ والشَّفْع أنه شُفِعَ بزوجته، وقيل: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وقيل: الأَعداد كلها شفع ووتر كثرت أَو، قلّت، وقيل: الوتر هو الله الواحد والشفع جميع الخلق خلقوا أَزواجاً، وكان القوم وتِراً فَشَفَعْتهم وكانوا شَفْعاً فَوَتَرْتهم، وعند البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ أن رجلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى، وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ : (إِذَا تَوَضَّاتَ فَانْتَثِرْ وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ) أي اجعل الحجارة التي تستنجي بها فرداً استنج بثلاثة أَحجار، أَو خمسة، أَو سبعة، ولا تستنج بالشفع.
والله تعالى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعا، فالله خلق المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:٤٩)، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته وبغيرها لا يشعر بسعادته فلا بد من الزوجية ومشاركته لأسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته، فيراعى في قراره ضروريات أولاده زوجته، ولا يمكن أن تستمر الحياة التي قدرها الله على خلقه بغير الزوجية، حتى في تكوين أدق المواد الطبيعية، فالمادة تتكون من مجموعة من العناصر والمرَكَّبات، وكل عنصر مكون من مجموعة من الجزيئات، وكل جزيء مكون من مجموعة من الذرات، وكل ذرة لها نظام في تركيبها تتزواج فيه مع أخواتها، سواء كانت الذرةُ سالبةً أو موجبةً، فالعناصر في حقيقتها عبارة عن أخوات من الذرات متزاوجات متفاهمات، متكاتفات ومتماسكات ففي علم الطبيعة والفيزياء معلوم أنه لا يتكون جزئُ الماء إلا إذا اتحدت ذرتان من الهيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين؟ فالذرات متزاوجة سالبها يرتبط بموجبها، لا تهدأ ولا تستقر إلا بالتزاوج من بعضها البعض، فهذه بناية الخلق بتقدير الحق، بنيت على الزوجية والشفع، أما ربنا فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، كما ثبت في السنة النبوية: (إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ).
وقد قيل أيضا في معنى الشفع والوتر أن الشفع: تنوع أوصاف العباد بين عز وذل، وعجز وقدرة، وضعف وقوة، وعلم وجهل، وموت وحياة، والوتر: انفراد صفات الله فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، ومن أساسيات التوحيد والوترية أن تفرد الله عمن سواه في ذات الله وصفاته وأفعاله ...].стр. 124
١٤٩ - وَقُلْ رَبِّ سَامِحْ مَنْ تَكَلَّفَ نَظْمِهَا ... وَقَارِئَهَا وَالسَّامِعِيَن وَمَنْ يُقْرِى
خاتمة
١٥٠ - وَأبْيَاتُهَا خَمْسُونَ مَعَ مِائَةٍ (١) لَهَا ... سَنَا الْبَدْرِ (٢) مَعْ صَوْبِ الْغَمَامِ عَلَى الْبَذْرِ (٣)
١٥١ - مُؤَلِّفُهَا نَجْلُ الْعَبادِيِّ يُوسُفُ ... وَخَاتِمُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ (٤) الحواشي
(١) وقال البغدادي في "هداية العارفين" وهو يتكلم عن مؤلفات الناظم: (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد في ثلاثمائة بيت)، وليس الخبر كالمعاينة.(٢) أي لها ضوء ساطع، كالقمر ليلة تمامه، ومقصوده به هنا البرق.(٣) أي نزول المطر من السحاب على الحب.(٤) فائدة: الفرق بين الحمد، والشكر من كلام شيخ الإسلام، قال ﵀ في مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٣ - ١٣٤) عندما سُئِلَ عن الحمد والشكر ما حقيقتهما، هل هما معنى واحد، أو معنيان وعلى أي شيء يكون الحمد، وعلى أي شيء يكون الشكر؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد، أو لم يكن. والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فان الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (الأنعام/١) وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (سبأ/١) وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (فاطر/١).
وأما الشكر فانه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب، واليد، واللسان كما قيل: أفادتكم النعماء منى ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجبا. ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ (سبأ/١٣).
والحمد إنما يكون بالقلب، واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه، ومن هذا الحديث (الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره) - قلت: عزاه الشيخ الألباني في الضعيفة(١٣٧٢) للبغوي في شرح السنة (٢/ ١٤٤)، من حديث ابن عمرو ﵄ مرفوعاً به، وضعفه - وفى الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) - رواه مسلم (٤/ ٢٠٩٥)(٢٧٣٤) من حديث أنس ﵁ والله أعلم].
وبالأصل بجوار هذا البيت وجدت عبارة: قوبلت بالأصل. وعبارة: (بلغ سعيد قراءةً ليّ. كتبه: يوسف السرمري).стр. 125
تمت بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه وَمَنِّه.
علقها منشئها يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي السرمري
عفا الله عنه، وعن جميع المسلمين
فِي شهر صفر فِي سنة ثلاثين، وسبعمائة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله، وصحبه، وسلم.