Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
أما بعد ..
فإنه مما يمتن به المولى على الإنسان أن ييسر له طرقَ الخير، فأحمد الله للعلي الكبير أن يسر لي الوقوف على هذا المخطوط ضمن مجموعة أخرى من المخطوطات التي قام بتصويرها عن طريق الحاسب الآلي، ونشرها بين طلاب العلم بعض الإخوة المحبين لنشر العلم - فجزاهم الله خيراً- وكان هذا المخطوط هو أول ما لفت نظري من بينهم، فأخذت في قراءته، فألفيته رائعة من روائع السلف، ينم على غزارة علم ناظمها، فاستعنت بالله متطفلاً على موائد المحققين، وأخذت في بذل الوسع لتحقيقه، والتعليق عليه، لإخراجه في أفضل صورة أستطيعها، فلله الفضل، والمنة.
سبب اختيار هذا المخطوط:
١ - تعلقه بأشرف العلوم، وهو علم العقيدة.
٢ - تضمين الناظم فيه لبعض القضايا الفقهية الهامة كبيان: تحريم المسكرات، والمعازف والغناء، وربا الفضل، والحيل المذمومة، وبذلك تحققت فيه شمولية، وتنوع مواده.
٣ - اشتمال المنظومة على بيان عقيدة السلف، والرد على المخالفين، وبيان زيف منهجهم بأسلوب رائع، وحجة قوية.
٤ - تعريف الناس بهذا العلم الجهبذ، فإنه مع كثرة تصانيفه، وسلامة منهجه، وثناء العلماء
стр. 2
عليه، إلا أنه لم يطبع له ﵀ سوى نظم: "الحمية الإسلامية للانتصار لمذهب ابن تيمية" - وهو غير مشهور -.
عملي في المخطوط:
١ - قمت بنسخه، وتصحيحه.
٢ - قمت بإثبات ما وجدته من تصويبات على هامش المخطوط، وأشرت في هامش التحقيق إلى الفروق بين الأصل، والتصويب.
٣ - قمت بوضع عناوين، وتقاسيم للمنظومة لتقريبها للقارئ، وتيسيراً للإفادة منها.
٤ - ضبط، وشكل ألفاظه (١) ، مع ترقيم الأبيات؛ ليسهل تناولها على القارئ.
٥ - التعليق، والتوضيح لما أشكل، أو استغلق من ألفاظه، وذلك بإتباع ما يلي:
أ - ذكر الأدلة الشرعية التي تعضد ما ذهب إليه الناظم.
ب - شرح غريب الألفاظ بالرجوع إلى كتب المعاجم، والغريب.
ج - تقريب المعنى الذي يقصده الناظم فيما أشكل من أبيات، مع البعد عن التكلف، والغلو.
د - التعليق على ما يظهر أن الناظم قد جانبه فيه الصواب، مع محاولة تحميل كلام الناظم على أفضل محامله، على أن يكون ذلك مدعوماً بالأدلة الشرعية، ومشفوعاً بكلام أهل العلم.
هـ - وقد راعيت أثناء كتابتي للتعليقات عدم الإسهاب الممل، وعدم التعليق إلا عند
الحاجة؛ حتى لا يطول الكتاب بما لا فائدة فيه، أو بما يستغنى عنه. الحواشي
(١) وقد عاونني في ذلك بعض الإخوة الذين لهم دراية أكثر مني بعلم العروض، فجزاهم الله خيراً، كما أن بعضهم قد ذكر لي أن هذه المنظومة من البحر الطويل، ثم أخذ يتكلم عن صوره، وعن الضرورات الشعرية في المنظومة، إلا أنني أعرضت عن ذكر كل هذا، لأنني لست أهلاً للكتابة في هذا العلم، ولا أستطيع تمييز الصواب من الخطأ فيه، وقد رأيت أن ذكره لا يفيد الغالبية من طلاب العلم. ولعل بعض البلاغيين يسد هذا الخلل فيما بعد. فهذا جهد المقل، فيما ظنَّ أنه يحسنه، وكما قيل: ما لا يدرك كله، لا يترك جله، والله المستعان.стр. 3
٦ - قمت بالترجمة للمؤلف ﵀.
٧ - قمت بإعداد فهرس شامل لموضوعات ومسائل المنظومة والتعليق.
وصف النسخة الخطية:
ذكرت فيما سبق أنني حصلت على هذه المخطوطة مصورة عن طريق الحاسب الآلي، وقد وجدت على الصفحة الصفحة الأولى منها:
أصل رقم = ١٥٤
عدد الأوراق = ٩ ق
رقم المصورة = ٩٥٢
وعلى الأخيرة من المخطوطة: خاتم دار الكتب الأهلية.
والمخطوطة مكتوبة بخط جيد ومقروء، وعليها تصويبات قراءة على الناظم، وسماعات.
صورة الصفحة الأولى من المخطوط
стр. 4
صورة الصفحة الثانية من المخطوط
صورة الصفحة قبل الأخيرة من المخطوط
стр. 5
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
توثيق اسم المنظومة:
اسم المنظومة: نهج الرشاد في نظم الاعتقاد - كما هو مذكور على الصفحة الأولى منها.
وأيضاً قال الناظم في آخرها:
١٤٢ - وَسَمَّيْتُهَا نَهْجَ الرَّشَادِ لِكَوْنِهَا ... تَفُوقُ بِنَظْمِ الْاِعْتِقَادِ عِلِى الدُّرِّ
بالإضافة إلى أن كل من ذكرها من أهل العلم، سماها بهذا الاسم.
توثيق نسبتها للناظم:
ناظمها هو: جمال الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي السرمري - كما هو مذكور على الصفحة الأولى منها، وفي بدايتها.
وأيضاً قال الناظم في آخرها:
١٥١ - مُؤَلِّفُهَا نَجْلُ الْعَبادِيِّ يُوسُفُ ... وَخَاتِمُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ
بالإضافة إلى أن كل من ترجم للناظم ذكرها ضمن مؤلفاته.
стр. 6
ترجمة الناظم (١) :
اسمه، ونسبه، وكنيته:
هو: جمال الدين أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي - بالتخفيف - ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي.
مولده:
قال ابن ناصر الدين الدمشقي في الرد الوافر: (مولده فيما وجدته بخطه في سابع عشر رجب من سنة ست وتسعين وستمائة بسر من رأى).
وسر من رأى هي مدينة سامراء، قال الحموي في معجم البلدان (٣/ ١٧٣): [سامراء لغة في سر من رأى، مدينة كانت بين بغداد، وتكريت على شرقي دجلة، وقد خربت، وفيها لغات: سامراء ممدود، وسامرا مقصور، وسر من رأ مهموز الآخر، وسر من را مقصور الآخر ... وبها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخرج منه، وقد ينسبون إليها بالسرمري ... وذكر محمد بن أحمد البشاري نكتة حسنة فيها قال: لما عمرت سامراء، وكملت، واتسق خيرها، واحتفلت سميت: سرور من رأى، ثم اختصرت فقيل: سر من رأى، فلما خربت، وتشوهت خلقتها، واستوحشت سميت: ساء من رأى، ثم اختصرت فقيل: سامراء ...].
طلبه للعلم، ورحلاته، وشيوخه:
أخذ الناظم ﵀ العلم عن الأئمة، والمسندين من شيوخ العراق كالصفي عبد المؤمن بن عبد الحق، وأبي الثناء محمود بن علي الدقوقي، وغيرهما، ورحل إلى دمشق فسمع من أصحاب ابن الحواشي
(١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٨/ ٢٥٠ - ٢٥١)، وإنباء الغمر لابن حجر (١/ ٣٥)، وإيضاح المكنون للبغدادي (١/ ٥٤٣)، (٢/ ٤٩)، وبغية الوعاة للسيوطي (٤٢٣، ٤٢٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (١/ ١٣٠: ١٣٣)، وذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الحسيني (١/ ١٦٠ - ١٦٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٢٤٩)، وكشف الظنون لحاجي خليفة (٥٦، ١٣١، ٥٢٤، ١٠٧٠، ١١٢٥، ١١٥٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١٣/ ٣٣٢)، والمقصد الأرشد لبرهان الدين إبراهيم بن مفلح (١/ ٣٤٩)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٥٥٨).стр. 7
عبد الدائم، وجماعة غيرهم، وأجاز له أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار وعدة سواه.
وأخذ الفقه عن سراج الدين حسين بن يوسف بن أبي السري التستري، ثم انتقل إلى بغداد سنة تسع وعشرين، وأجاز له ابن الشحنة، وابن الدواليبي، وغيرهما.
برع الناظم في علوم كثيرة منها: العربية، والفرائض. ونظم، وخرج، وحدث، واقعد بأخرة، وقد جاز الثمانين.
وقد ذكره أيضاً الذهبي في المعجم المختص فقال: قدم علينا سنة ست وأربعين وقرأ عليَّ.
ومن شيوخهم (١) الذين أثنى عليهم، وامتدحهم كثيراً: الشيخ حسان حيث قال عنه في منظومتنا هذه:
٨ - فَلَوْلَا مَكَانُ الشَّيخِ حَسَّانِ أَصْبَحَتْ ... مَدِينَةُ سَامَّرَاءَ فِي غَايَةِ الضُّرِ
٩ - وَلَوْلَا خِلَالٌ شَدَّهَا لَتَعَطَّلَتْ ... رُسُومُ الْهُدَى وَاسْتَوْسَقَتْ دَوْلَةُ الشِّرِ
١٠ - هَوُ الْعَالِمُ الْمَرْضِيُّ وَالقُثَمُ الذي ... يَفَتِّحُ أَقْفَالَ الْمَسَائِلِ بِالسَّبْرِ
١١ - إِذَا سَأَلُوهُ عَنْ دَلِيلِ مَقَالِةِ ... أَجَابَ بِقَوْلِ اللهِ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ
١٢ - وَإِنْ يَسْتَزِيدُوا قَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ ... وَإِن يَسْتَزِيدُوا قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرِ
١٣ - كَفَانِي أَنِّي أَنْتَمِي بِعَقِيَدتيِ ... إِلَيْهِ وَإِنِّي فِي طَرِيقَتَهِ أَجْرِي
تقدير الناظم لتقي الدين ابن تيمية ووصفه بأنه شيخ الإسلام:
قال ابن ناصر الدين الدمشقي في الرد الوافر: [وترجم - أي الناظمُ - الشيخ تقي الدين بشيخ الإسلام فيما كتبه بخطه، وجمع في شمائله اللطيفة ترجمة مونقة منيفة إعلاما بقدره، وتنبيها قال فيما وجدته بخطه فيها: حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء، والأئمة النبلاء، الممعنين في الخوض في أقاويل المتكلمين، لإصابة الصواب، وتمييز القشر من اللباب: أن كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين، ومعقولاتهم، وأنه لم يستقر في قلبه منها قول، ولم يبن له من مضمونها حق بل رآها كلها موقعة في الحيرة، والتضليل، وجلها ممعن يتكلف الأدلة، والتعليل، وأنه كان خائفا على نفسه من الوقوع بسببها في التشكيك، والتعطيل، حتى مَنَّ الله سبحانه، وتعالى عليه بمطالعة مؤلفات هذا الإمام ابن تيمية، شيخ الإسلام، مما أورده من النقليات، والعقليات في هذا النظام، فما هو إلا أن الحواشي
(١) وسوف يأتي احتمال عند شرح هذه الأبيات أنه ليس من شيوخه، فالله أعلم بالصواب.стр. 8
وقف عليها، وفهمها فرآها موافقة للعقل السليم، وعلمها حتى انجلى ما كان قد غشيه في أقوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك، وظفر بالمرام.
ومن أراد اختبار صحة ما قلته فليقف بعين الإنصاف العرية عن الحسد، والانحراف أن شاء على مختصراته في هذا الشأن كـ: شرح العقيدة الاصبهانية، ونحوها، وإن شاء على مطولاته كـ: تخليص التلبيس من تأسيس التقديس، والموافقة بين العقل والنقل، ومنهاج الاستقامة والاعتدال، فإنه - والله - يظفر بالحق، والبيان، ويستمسك بأوضح برهان، ويزن حينئذ في ذلك بأصح ميزان ...].
تلاميذه:
وقد أخذ عن الناظم - رجمه الله - ابن رافع مع تقدمه، وذكره في معجمه، وحدث عنه، ومات قبله.
وروى عن أيضاً جماعة منهم ابنه إبراهيم.
ثناء العلماء عليه:
قال ابن ناصر الدين في الرد الوافر: الشيخ الامام العلامة الحافظ البركة القدوة ذو الفنون البديعة والمصنفات النافعة ... وكان إماما ثقة عمدة زاهدا عابدا محسنا جهده، صنف في أنواع كثيرة نثرا ونظما وخرج وأفاد وأملى رواية وعلما ... وكان عمدة في نقد رجال الحديث وضبطه.
وقال الذهبي: وله معرفة بالمذهب، ونظم جيد في علوم الحديث، وغيرها.
وقال ابن العماد في شذرات الذهب: الشيخ العالم المفنن الحافظ.
وقال أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ: الإمام العلامة الحافظ جمال الدين أبو المظفر ... وكان عمدة ثقة ذا فنون إماما علامة له مصنفات عدة في أنواع كثيرة نثراً، ونظماً خرج، وأفاد، وأملي رواية، وعلما.
وقال كحالة في معجم المؤلفين: محدث، حافظ، فقيه، فرضي، نحوي، ناظم، مشارك في غير ذلك.
وقال الزركلي في الأعلام: حافظ للحديث، من علماء الحنابلة.
مصنفاته (١) : الحواشي
(١) وكل مصنفاته مخطوطه - على حسب علمي - ولم يطبع له سوى نظم: (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية) فقد قام بطبعه: مجمع البحوث العلمية الإسلامية بالهند، وقدَّم له، وعلق عليه: صلاح الدين مقبول أحمد، مع رسالة: قصيدة في الرد على التقي السبكي والدفاع عن بن تيمية لأبي عبد الله بن يوسف الشافعي. ولكنه غير مشهور، ولم أقف عليه.стр. 9
قال ابن حجي رأيت بخطه ما صورته: مؤلفاتي تزيد على مائة مصنف كبار، وصغار في بضعة، وعشرين علماً، ذكرتها على حرف المعجم في "الروضة المورقة في الترجمة المونقة".
ومن مصنفاته:
١ - إحكام الذريعة، إلى أحكام الشريعة.
٢ - الأربعين الصحيحة في الحديث.
٣ - الأربعين الصحيحة فيما دون أجر المنيحة.
٤ - الأرجوزة الجلية في الفرائد الحنبلية.
٥ - الإفادات المنظومة في العبادات المختومة.
٦ - تخريج الأحاديث الثمانيات.
٧ - الثمانيات.
٨ - الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية (نظم).
٩ - الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر.
١٠ - ذكر القلب الميت بفضائل أهل البيت.
١١ - رسالة الجراد وما في شانه من الصلاح والفساد.
١٢ - شرح اللؤلؤة في علم العربية.
١٣ - شفاء الآلام في طب أهل الإسلام.
١٤ - صحاح الأحكام وسلاح الحكام. قال حاجي خليفة في كشف الظنون: قد ... جمعه: في قوله ﵊: (بني الإسلام على خمس ... الخ).
١٥ - عجائب الاتفاق وغرائب ما وقع في الآفاق.
١٦ - عجايب الآفاق (١) .
١٧ - عقود (٢) اللآلي في الأمالي. الحواشي
(١) ولعله والذي قبله كتاب واحد، والله أعلم بالصواب.(٢) وسماه بعضهم: عقد، وبعضهم: عنقود.стр. 10
١٨ - عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين.
١٩ - غيث السحابة في فضل الصحابة.
٢٠ - الفوائد السرمرية.
٢١ - نشر القلب الميت بنشر فضل أهل البيت.
٢٢ - نظم الغريب في علوم الحديث لأبيه نحو من ألف بيت.
٢٣ - نظم مختصر ابن رزين في الفقه.
٢٤ - نهج الرشاد في نظم الاعتقاد. وهو النظم الذي بين أيدينا موضوع التحقيق.
وغير ذلك.
وفاته:
وتوفي يوم السبت الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة، بدمشق وقد جاوز الثمانين، ودفن بمقبرة الصوفية جوار تربة الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمهما الله -.
وبعد ...
ولا يسعني في ختام هذه المقدمة، وقبل أن أبدأ في عرض منظومتنا موضوع التحقيق، إلا أن أقول كما قال الناظم ﵀:
١٤٧ - فَيَا نَاظِرَاً فِيهَا تَدَارَكْ لِمَا عَسَى ... يَكُونُ بِهَا مِنْ خَافِيَ الْوَهْنِ بِالْجَبْرِ
١٤٨ - فَقَدْ خُلِقَ التَّقْصِيرُ وَالنَّقْصُ فِي الْوَرَى ... لِيَنْفَرِدَ الْبَارِي عَلَا بِاسْمِهِ الْوِتْرِ
١٤٩ - وَقُلْ رَبِّ سَامِحْ مَنْ تَكَلَّفَ نَظْمِهَا ... وَقَارِئَهَا وَالسَّامِعِيَن وَمَنْ يُقْرِى
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وميزان حسنات كل من شارك فيه بنصح ومشورة، أو مراجعة.
وهذا أوان الشروع في المقصود، والله المستعان، وعليه البلاغ، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
غفر الله له، ولوالديه .. أمين
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الفقير إلى الله - تعالى -: يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد السرمري، عفا الله - تعالى - عنه:
المقدمة (١)
١ - بَدَاتُ اعْتِقَادِي بِاسْمِ ذِي الْعَفْوِ وَالْغُفْرِ (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) وهذه العناوين، والتقاسيم ليست من صلب المنظومة، وإنما هي من عمل المحقق.(٢) بدأ المصنفون كتبهم بالبسملة لأمور: منها - التأسي بفعل الصحابة ﵃ في افتتاحهم المصحف الإمام بالتسمية وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، سواء من يقول بأن البسملة آية من الفاتحة، ومن لا يقول ذلك.
ومنها - الإقتداء بالرسول ﷺ في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما في رسالته ﷺ إلى هرقل، في الحديث المتفق عليه.
ومنها - العمل بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)، أي ذاهب البركة، والحديث لا يثبت فقد رواه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "(١٢١٠) (٢/ ٦٩)، ومن طريقه السمعاني في " آداب الإملاء والاستملاء" (ص/٥٢)، ورواه السبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ٦) - كلهم - من طريق أحمد بن محمد بن عمران - وأسقطه السمعاني - عن محمد بن صالح البصري عن عبيد بن عبدالواحد بن شريك عن يعقوب بن كعب الأنطاكي عن مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا به. وأحمد بن محمد بن عمران، هو المعروف بالجنيدي، قال عنه الخطيب في "تاريخه": كان يضعف في روايته.، وقال الزهري: ليس بشيء. وقد أفرد العلماء هذا الحديث بالتصنيف، وقد حكم عليه الشيخ الألباني ﵀ في الإرواء(١) (١/ ٢٩) بأنه ضعيف جداً، وقد اختلف العلماء في جواز العمل بالحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال، والراجح المنع، وانظر " القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" للحافظ السخاوي، ومقدمة " صحيح الترغيب والترهيب " للشيخ الألباني، وبحث "تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف" للدكتور: عبد العزيز عبدالرحمن بن محمد العثيم.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ٩): [وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار].стр. 12
. . . . . . . . . . . . . . . . ... وثَنَّيْتُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلْوَاحِدِ الْبَرِّ (١)
٢ - وَأَنْ لَاِ إِلَهَ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَالْخَفَا ... سَوَى بِارِئِ خَلْقِهِ مُنَزِّلِ الْقَطْرِ (٢)
٣ - وَأَهْدَيْتُ مِنّيِ لِلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ ... صَلَاةً كَمَا مَرَّ النَّسِيمُ (٣) عَلَى الزَّهْرِ (٤)
٤ - وَعِتْرَتِهِ (٥) . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) البدء بالحمدلة فيها نحو الوجوه الثلاث السابقة فقد ابتداء الصحابة كتابة المصحف الإمام بالفاتحة، وهي تبدأ بالحمد بعد البسملة، وكان النبي ﷺ يبدأ خطبته بالحمد، وأيضاً قد ورد في ذلك حديث مرسل لا يثبت، رواه أبو داود(٤٨٤٠) (٤/ ٢٦٢) وقال: (رواه يونس، وعقيل، وشعيب وسعيد بن عبدالعزيز عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً)، وكذا صوب الدارقطني الإرسال في الحديث في سننه (١/ ٢٢٩) ولفظه: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)، وقد اشتهر الكلام على هذا الحديث وانظر الإرواء(٢) (١/ ٣٢).
فائدة: ظاهر صنيع الناظم هنا من البدء بالبسملة، ثم التثنية بالحمدلة، يحتاج لتوجيه للجمع بين الحديثين - على فرض ثبوتهما، أو اختيار العمل بالحديث الضعيف في الفضائل - ووجه الجمع: أن الأولية في البدء بالبسملة أولية حقيقية مطلقة، وأما الأولية في البدء بالحمدلة فهي أولية نسبية، أي بالنسبة لما يأتي بعدها.(٢) أي المطر.(٣) قال الثعالبي في فقه اللغة: (النَّسِيمُ حَرَكَةُ الرِّيحِ في لِينٍ وضُعْفٍ).(٤) ووجه الشبه هنا قد يكون فيه تكلف وبعد، ولولا خشية إفساد عروض البيت لقلت: الأولى في هذا البيت: إبدال كلمة (كما) بـ (كلما).(٥) روى الترمذي (٥/ ٦٦٣)(٣٧٨٨) ، وغيره عن أبي سعيد، وزيد بن أرقم ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم منстр. 13
الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما] وقال: وهذا حديث حسن غريب.
وقد اختلف العلماء في بيان درجة هذا الحديث، وفقهه اختلافاً كثيراً، فقد ضعفه الإمام أحمد، وغيره. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٧/ ٣٩٤): [أما قوله: [وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض] فهذا رواه الترمذي وقد سئل عنه احمد بن حنبل، فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر القاضي أبو يعلي، وغيره. ولكن أهل البيت لم يتفقوا، ولله الحمد على شيء من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه].
وهذا الحديث قد ورد من طرق أخرى كثيرة عن جابر بن عبد الله، أبي هريرة، وابن عباس، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وقد تتبع الشيخ الألباني طرق الحديث، وصححه بالشواهد، وكذا فعل الشيخ الأرناؤوط في تحقيق المسند حيث صححه بالشواهد، ما عدا قوله: [ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض].
وسوف أنقل هنا ما وجه به الشيخ الألباني الحديث بعد تصحيحه، وما ردَّ به على الشيعة في تفسيرهم المنحرف له، قال ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٤/ ٣٥٩): [من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة , ويلهجون بذلك كثيرا, حتى يتوهم أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك , وهم جميعا واهمون في ذلك , وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من الحديث في قوله ﷺ : " عترتي " أكثر مما يريده الشيعة , ولا يَرُدَّه أهل السنة بل هم مستمسكون به , ألا وهو أن: العترة فيهم هم أهل بيته ﷺ وقد جاء ذلك موضحا في بعض طرقه كحديث الترجمة: " عترتي أهل بيتي " وأهل بيته في الأصل هم: نساؤه ﷺ وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعا - كما هو صريح قوله تعالى في (الأحزاب): (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) , وتخصيص الشيعة (أهل البيت) في الآية بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵃ دون نسائه ﷺ من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصاراً لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه, وحديث الكساء، وما في معناه غاية ما فيه: توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها، كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره,
стр. 14
وكذلك حديث " العترة " قد بيَّن النبي ﷺ أن المقصود أهل بيته ﷺ بالمعنى الشامل لزوجاته - قلت: أي بطريق التبعية، لا الأصالة -، وعلي، وأهله. ولذلك قال التوربشتي - كما في " المرقاة " (٥/ ٦٠٠): " عترة الرجل: أهل بيته، ورهطه الأدنون, ولاستعمالهم " العترة " على أنحاء كثيرة بينها رسول الله ﷺ بقوله: " أهل بيتي " ليعلم أنه أراد بذلك نسله، وعصابته الأدنين، وأزواجه ".
والوجه الآخر: أن المقصود من " أهل البيت ": إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب، والسنة , قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: " (العترة) هم أهل بيته ﷺ الذين هم على دينه، وعلى التمسك بأمره ". وذكر نحوه الشيخ علي القاريء في الموضع المشار إليه آنفا. ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: " إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت، وأحواله , فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه، وحكمته. وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة). قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه ﷺ في آية التطهير المتقدمة: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ). فتبين أن المراد بـ (أهل البيت) المتمسكين منهم بسنته ﷺ فتكون هي المقصود بالذات في الحديث ولذلك جعلها أحد (الثقلين) في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الأول وهو القرآن , وهو ما يشير إليه قول ابن الأثير في " النهاية ": " سماهما (ثقلين) لأن الآخذ بهما (يعني الكتاب والسنة) والعمل بهما ثقيل , ويقال لكل خطير نفيس (ثقل) , فسماهما (ثقلين) إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما ".
قلت: والحاصل أن ذكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث كذكر سنة الخلفاء الراشدين مع سنته ﷺ في قوله: " فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين ... ". قال الشيخ القاريء (١/ ١٩٩): " فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي, فالإضافة إليهم, إما لعملهم بها, أو لاستنباطهم واختيارهم إياها ". إذا عرفت ما تقدم فالحديث شاهد قوي لحديث " الموطأ " بلفظ: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما , كتاب الله وسنة رسوله ". وهو في "المشكاة" (١٨٦) . وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سود صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ. والله المستعان ...].
وقد بيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن المراد بعترته: أهل بيته، وسوف يأتي في التعليق التالي - بمشيئة الله - زيادة بيان للمراد بالأهل.
стр. 15
وِالْأَهْلِ (١) وَالصَّحْب والذي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) فرَّق أبو هلال العسكري في "معجم الفروق اللغوية" بين معنى العترة، والآل، والأهل حيث قال: [الفرق بين العترة والآل: أن العترة على ما قال المبرد: " النصاب، ومنه عترة فلان أي منصبه "، وقال بعضهم: " العترة أصل الشجرة الباقي بعد قطعها قالوا فعترة الرجل أصله "، وقال غيره: " عترة الرجل أهله وبنو أعمامه الأدنون " واحتجوا بقول أبي بكر ﵁ عن عترة رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - يعني قريشا فهي مفارقة للآل على كل قول لان الآل هم: الأهل والأتباع، والعترة هم: الأصل في قول والأهل وبنو الأعمام في قول آخر].
وقال أيضاً: [الفرق بين الأهل والآل: أن الأهل يكون من جهة النسب والاختصاص، فمن جهة النسب قولك: أهل الرجل لقرابته الأدنين، ومن جهة الاختصاص قولك أهل البصرة، وأهل العلم، والآل خاصة الرجل من جهة القرابة، أو الصحبة تقول: آل الرجل لأهله وأصحابه، ولا تقول آل البصرة وآل العلم، وقالوا: آل فرعون أتباعه، وكذلك آل لوط، وقال المبرد: إذا صغرت العرب الآل قالت أهل، فيدل على أن أصل الآل الأهل، وقال بعضهم: الآل عيدان الخيمة وأعمدتها، وآل الرجل مشبهون بذلك لأنهم معتمده، والذي يرفع في الصحارى آل لأنه يرتفع كما ترفع عيدان الخيمة، والشخص آل لأنه كذلك.] وانظر أيضاً جلاء الأفهام لابن القيم (ص/٢٠٣: ٢٠٩) لبيان وجوه التفريق بين: الآل، والأهل.
إلا أن ظاهر صنيع ما وقفت عليه من كلام العلماء التسوية بين المعاني الاصطلاحية لـ: العترة، وأهل البيت، وآل النبي.
وقد اختلف العلماء في المراد بالآل على أقوال كثيرة ذكرها ابن القيم في جلاء الأفهام (ص/٢١٠)، وما بعدها، وغيره، وأقوى الأقوال عندى ما رحجه الشيخ: عبد المحسن بن حمد العباد البدر في رسالته: "فضلُ أهل البيت وعلوُّ مكانتِهم عند أهل السُّنَّة والجماعة"حيث قال: [القولُ الصحيحُ في المرادِ بآل بيت النَّبِيِّ ﷺ هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبدالمطلب، وهم بنُو هاشِم بن عبد مَناف؛ قال ابن حزم في جمهرة أنساب العرب (ص:١٤): (وُلِد لهاشم بن عبد مناف: شيبةُ، وهو عبدالمطلب، وفيه العمود والشَّرف، ولَم يبْقَ لهاشم عَقِبٌ إلَاّ مِن عبدالمطلب فقط).стр. 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠٧٢) عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله ﷺ يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما ﷺ : ((إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنَّما هي أوساخُ الناس))، ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس.
وقد ألْحَق بعضُ أهل العلم منهم الشافعي وأحمد بنِي المطلب بن عبد مَناف ببَنِي هاشم في تحريم الصَّدقة عليهم؛ لمشاركتِهم إيَّاهم في إعطائهم من خمس الخُمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه(٣١٤٠) عن جُبير بن مُطعم، الذي فيه أنَّ إعطاءَ النَّبِيِّ ﷺ لبَنِي هاشم وبنِي المطلب دون إخوانِهم من بنِي عبد شمس ونوفل؛ لكون بنِي هاشم وبَنِي المطلب شيئاً واحداً.
فأمَّا دخول أزواجه ﵅ في آلِه ﷺ ، فيدلُّ لذلك قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتماً؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ، ولا يُنافي ذلك ما جاء في صحيح مسلم(٢٤٢٤) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: ((خرج النَّبِيُّ ﷺ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾))؛ لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث، وتخصيصُ النَّبِيِّ ﷺ لهؤلاء الأربعة ﵃ في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه ...
وزوجاتُه ﷺ داخلاتٌ تحت لفظ ((الآل))؛ لقوله ﷺ : ((إنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّد))، ويدلُّ لذلك أنَّهنَّ يُعطَيْن من الخُمس، وأيضاً ما رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه (٣/ ٢١٤) بإسنادٍ صحيح عن ابن أبي مُلَيكة: ((أنَّ خالد بنَ سعيد بعث إلى عائشةَ ببقرةٍ من الصَّدقةِ فردَّتْها، وقالت: إنَّا آلَ محمَّدٍ ﷺ لا تَحلُّ لنا الصَّدقة)).стр. 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦٥٠) ، والترمذي(٦٥٧) ، والنسائي(٢٦١١) بإسنادٍ صحيح ـ واللفظ لأبي داود ـ عن أبي رافع: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث رجلاً على الصَّدقة مِن بَنِي مخزوم، فقال لأبي رافع: اصْحَبنِي فإنَّك تُصيبُ منها، قال: حتى آتِي رسولَ الله ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولَى القوم مِن أنفسِهم، وإنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقة)).]. وانظر أيضاً جلاء الأفهام (ص/٢١٠) وما بعدها، ومقالة: " آلُ البَيْتِ" للشيخ: عثمان الخميس.стр. 18
. . . . . . . . . . . . . . ... تَلَاهُمْ بِإِحْسَانٍ (١) إِلَى آَخِرِ الدَّهْرِ
دواعي تأليف المنظومة
٥ - وَبَعْدُ فَدَاعِ النَّظْمِ أَشْيَاءُ غَادَرَتْ ... سَوَامِ الْكَرَى (٢) فِي مُقْلَتَيَّ عَلَى ذُعْرِ (٣) الحواشي
(١) هذا البيت معطوف على سابقه، والمعنى أنه صلى على النبي ﷺ ، وعلى من ذكر من العترة، والأهل، والصحب، ومن تلاهم من المؤمنين، وقد اختلف العلماء في الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً، ومن أجمع من تكلم في هذه المسألة الإمام ابن القيم فقد قال في جلاء الأفهام (ص/ ٤٨١ - ٤٨٢) بعد أن عرض الخلاف في أفراد هذه المسألة: [وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي إما أن يكون آله - وذكر أيضاً: أنه إذا أبدل لفظ الآل بالأهل، ففي الإجزاء وجهان -، وأزواجه، وذريته، أو غيرهم، فان كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي، وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة، وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء، وغيرهم جاز ذلك أيضا، فيقال: اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصا معينا، أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعارا لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعارا له، ومنع منها نظيره، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁ فإنهم حيث ذكروه قالوا: عليه الصلاة، والسلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعارا لا يخل به، فتركه حينئذ متعين، وأما أن صلى عليه أحيانا بحيث لا يجعل ذلك شعارا، كما صلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت صلى الله عليه، وكما صلى النبي على المرأة، وزوجها، وكما روي عن علي من صلاته على عمر، فهذا لا بأس به، وبهذا التفصيل تتفق الأدلة، وينكشف وجه الصواب، والله الموفق].(٢) أي النعاس، وانظر مختار الصحاح مادة (كرى)، وقال الثعالبي في فقه اللغة: [اَلكَرَى والغُمْضُ وهُوَ أنْ يَكُونَ الإنسانُ بين النَّائِمِ واليَقْظَان].(٣) والمعنى الإجمالي لهذا البيت أن الناظم بدأ في ذكر الأشياء التي دعته إلى كتابة هذا النظم، فذكر منها في هذا البيت: أنه كان مشغولاً لكتابة هذا النظم، وهذا الانشغال منع مرور لذيذ النوم على عينه، وبيَّن أيضا أن هذا الانشغال جعله خائفاً فزعاً. فهنا ظهر أنه لم يطلب منه أحد تأليف هذا النظم، وإنما هو الذي أنشأ هذه النية من تلقاء نفسه لما رأى من الفتنة التي أنشأها بعض الأوباش كما سيأتي.стр. 19
٦ - وَرُبَّ حَدِيثٍ أَذْهَلَ الْقَلْبَ ذِكْرُهُ ... عَنِ الْبِحْثِ وَالّتِكَرارِ وَالدَّرْسِ لِلّذِكْرِ (١)
٧ - وَأَوْبَاشُ (٢) نَاسٍ أَضْرَمُوا نَارَ بِدْعَةٍ ... يُؤَجِّجُهَا ذُو الطَّعْنِ مِنْهُمْ وُذُو الْغِمْرِ (٣)
الباب الأول
محاربة شيخه للبدع بالاعتماد على الأدلة الشرعية
٨ - فَلَوْلَا مَكَانُ الشَّيخِ حَسَّانِ (٤) أَصْبَحَتْ ... . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . الحواشي
(١) وهذا سبب آخر وهو أن التذكر والتفكير في النظم، وموضوعه أذهل قلبه عن البحث، والتكرار، والدرس.(٢) الأوباش، جمع الوَبْشُ، وهم: الأخْلاطِ والسَّفِلَةِ. وانظر القاموس المحيط: باب الشين، فصل الواو.(٣) قال ابن سلام في غريب الحديث (٢/ ١٥٤): [الغمر: الشحناء، والعداوة، وكذلك الإحنة، والغِمْر أيضاً: الحقد وزناً ومعنى، وانظر المغرب (باب: الغين مع الميم، والمصباح المنير، مادة: الغمر).(٤) لم أقف له على ترجمة بعد طول بحث، وقد ذكر الناظم أشياء كثيرة من أوصافه، وتمسكه بالسنة، ستأتي في الأبيات التالية، وقد أشار بعض إخواننا احتمالا أن يكون الفقيه الشاعر الفحل أبي زكرياء يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري الأنصاري الحنبلي المتوفى ﵀ شهيدا على أيدي التتار سنة٦٥٦هـ والملقب بحسان السنة كما ذكر ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٢٠٠)، وقال عنه الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة: وكان حسان وقته.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٣/ ٢١١) في ترجمته (يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعرم عبد السلام الشيخ الإمام العلامة البارع الفاضل في أنواع من العلوم جمال الدين أبو زكريا الصرصري الفاضل المادح الحنبلي الضرير البغدادي معظم شعره في مدح رسول الله ﷺ وديوانه في ذلك مشهور معروف غير منكر ويقال إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بتمامه في اللغة وصحب الشيخ علي بن إدريس تلميذ الشيخ عبد القادر وكان ذكيا يتوقد نورا وكان ينظم على البديهة سريعا أشياء حسنة فصيحة بليغة وقد نظم الكافي الذي ألفه موفق الدين بن قدامة ومختصر الخرقي وأما مدائحه في رسول الله ﷺ فيقال إنها تبلغ عشرين مجلدا وما اشتهر عنه أنه مدح أحدا من المخلوقين من بني آدم إلا الأنبياء ولما دخل التتار إلى بغداد دعي إلى ذارئها كرمون بن هلاكو فأبى أن يجيب إليه وأعد في =стр. 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... مَدِينَةُ سَامَّرَاءَ (١) فِي غَايَةِ الضُّرِ
٩ - وَلَوْلَا خِلَالٌ شَدَّهَا (٢) لَتَعَطَّلَتْ ... رُسُومُ الْهُدَى وَاسْتَوْسَقَتْ (٣) دَوْلَةُ الشِّرِ
١٠ - هَوُ الْعَالِمُ الْمَرْضِيُّ وَالقُثَمُ (٤) الذي ... يَفَتِّحُ أَقْفَالَ الْمَسَائِلِ بِالسَّبْرِ (٥) الحواشي
(١) سبق التعريف بها في المقدمة عند الكلام على مولد الناظم في ترجمته.(٢) أي خصال حسنة أرساها عند الناس، وهذا يدل على علو قدر هذا الرجل عند الله - عزوجل - لقيامه مقام الأنبياء بإرساء الخصال الحسنة عند الناس بالدعوة، والتعليم والقدوة الحسنة. وعند الناس لتقبلهم منه هذه الخصال حتى رسخت عندهم، وقاوموا بها دولة الشر.(٣) أي اجتمعت والمراد استتباب الأمر لها، قال الخطابي في غريب الحديث (١/ ١١٣): [وقوله استوسقوا معناه اجتمعوا وانضموا يسومهم الانقياد والاستسلام].(٤) القُثَمُ من معنيين أحدهما: من القثم وهو الإعطاء، يقال: قثم له من العطاء يقثم إذا أعطاه، والثاني: من القثم الذي هو الجمع، يقال للرجل الجموع للخير: قثوم وقثم. قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٢٧): [القُثَم: المجْتَمِع الخَلْقِ، وقيل: الجامِع الكامِل، وقيل: الجَمُوع للخير، وبه سُمِّي الرجُل قُثَم. وقيل: قُثَم مَعْدُول عن قائِم، وهو: الكثير العَطاء - ومنه حديث المبعث [أنتَ قُثَمُ أنت المُقَفّى أنت الحاشِر] هذه أسماء للنبي ﷺ ].(٥) قال العلامة الشنقيطي ﵀ في المذكرة (ص/٢٥٧): [والسبر بالفتح لغة: الاختبار، ومنه
يسمى ما يعرف به طول الجرح وعرضه سباراً ومسباراً، وأصل هذا الدليل من حيث هو مبني على أمرين: أحدهما: حصر أوصاف المحل، وهو المعبر عنه بالتقسيم. ثانيهما: إبطال ما ليس صالحاً للتعليل بطريق من طرق الأبطال الآتية .. فيتعين الوصف الباقي وهو المعبر عنه بالسبر.] والمعنى أن الناظم ﵀ يشير إلى تمكن شيخه من العلم، وقوة قدرته على فهم، وحل المسائل المشكلة.стр. 21
١١ - إِذَا سَأَلُوهُ عَنْ دَلِيلِ مَقَالِةِ ... أَجَابَ بِقَوْلِ اللهِ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ
١٢ - وَإِنْ يَسْتَزِيدُوا قَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ ... وَإِن يَسْتَزِيدُوا قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرِ (١)
١٣ - كَفَانِي أَنِّي أَنْتَمِي بِعَقِيَدتيِ ... إِلَيْهِ وَإِنِّي فِي طَرِيقَتَهِ أَجْرِي (٢)
الباب الثاني
منهج الفرق الضالة في الاستدلال
١٤ - وَيَكْفِي سِوَايَ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) وخصَّ الناظم سيدنا أبا بكر بالذكر؛ لبيان فضله، وللرد على الشيعة - أخزاهم الله -، الذين قدموا علياً على الشيخين ﵃ أجمعين - وأيضاً لما ورد من الأمر بالإقتداء به، وبسيدنا عمر ﵄ فقد روى الترمذي (٥/ ٦١٠)(٣٦٦٣) عن حذيفة ﵁ قال: [كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال: إني لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر]. والحديث له شواهد عن عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر ﵃، وقد صححه الشيخ الألباني وانظر الصحيحة(١٢٣٣) ، وحسنه الأرناوؤط بالشواهد في هامش المسند. ولعل الناظم هنا يشير بالبعض إلى الكل، وخص سيدنا أبا بكر بالذكر لما ذكرت، فهو يشير إلى رسوخ قدم شيخه في الاستدلال، وعلمه بكثير من الأدلة من القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة. وهنا تلميح من الناظم للرد على العقلانيين الذين يقدمون العقل على النقل.(٢) وذلك لأن عقيدته مستمدة من عقيدة النبي ﷺ ، وصحابته الكرام، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.стр. 22
. . . . . . . . . . . . . . . . ... بِتَعْلِيمِ عِلْم الْمَنْطِقِ (١) السَّيئِ النَّشْرِ (٢)
١٥ - عَقِيدَتُهُ أَنَّ الْكِتَابَ وَسُنَّةَ الْـ ... نَبِيِّ مَعَاً لَيْسَا دَلِيلَاً عَلَى أَمْرِ
١٦ - وَلَكِنْ دَلِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَهُ ... نَتَائِجُ (٣) أَفْكَارٍ عَلَى عَقْلِهِ تَجْرِي
١٧ - وَذَاكَ دَلِيلٌ فِي الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ (٤) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) المنطق علم يقصد به ضبط التفكير، وتقرير منهج عقلي للتفكير، والنظر، والبحث، واستخراج النتائج.
جاء في الموسوعة العربية العالمية: [المنطق فرع من فروع الفلسفة يعنى بقواعد التفكير السليم. ويشتَغِل معظم الدّارسين في مجال المنطق بشكل من التفكير يُسمَّى القضية المنطقيّة. وتتكون القضية المنطقية من مجموعة من العبارات تُسمَّى المقدمات تتبعها عبارة أخرى يطلق عليها اسم النتيجة. فإذا كانت المقدمات تُؤَيِّد النتيجة، كانت القضية المنطقية صحيحة. وإذا كانت المقدمات لا تُؤيِّد النتيجة، كانت القضية المنطقية خاطئة ...].(٢) قال ابن منظور في اللسان مادة (نشر): [قال أَبو عبيدة نَشْر الأَرض بالسكون: ما خرج من نباتها، وقيل: هو في الأَصل الكَلأُ إِذا يَبِسَ ثم أَصابه مطر في آخر الصَّيف فاخضرّ، وهو رديء للرّاعية ...]، ومقصود الناظم بيان فساد مخرج هذا العلم، وأن منشأه من فلاسفة اليونان.(٣) بالأصل: نتيجة، وفي الهامش تصحيحها إلى: نتائج.(٤) وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الكتب في الرد على أهل المنطق ومنها: نقض المنطق، والرد على المنطقيين، نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، وقد لخصه السيوطي في: (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام).
وقال الشيخ العثيمين ﵀ في خاتمة شرحه للسفارينية (ص/٦٣٠): [العلماء اختلفوا فيه: فمنهم من حرمه، ومنهم قال: ينبغي أن يُعلم، ومنهم من فصَّل قال: الإنسان الذي عنده منعة لا يؤثر على عقيدته فإنه ينبغي أن يتعلمه ليحاج به قومه أي قوم المنطق ومن لم يكن كذلك فلا يتعلمه لأنه ضلالة، والصحيح: أنه لا يتعلمه مطلقاً؛ لأنه مضيعة وقت لكن إن اضطُّر إلى شيءٍ منه فليراجع ما اضطُّر إليه منه فقط ليكون تعلمه إياه كأكل الميتة متى يحل؟ عند الضرورة، وبقدر الضرورة، فإن كان هناك اضطرار أخذ من علم المنطق ما يضطر إليه فقط أما أن يدرسه ويضيع وقته فيه فلا ...].стр. 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إلا أن العلامة الشنقيطي ﵀ حمل محل النزاع في هذا الخلاف، ونحوه على المنطق المشوب بعلم اليونان، وأما المنطق المصفى من شوائبهم فلابد من تعلمه فقال في مذكرة آداب البحث والمناظرة: [(.. ومن المعلوم أنّ المقدمات التي تتركب منها الأدلة التي يحتج بها كل واحدٍ من المتناظرين إنما توجه الحجة بها منتظمة على صورة (القياس المنطقي).
ومن أجل ذلك كان فن (آداب البحث والمناظرة) يتوقف فهمه كما ينبغي على فهم ما لابد منه من فن (المنطق)، لأنّ توجيه السائل المنع على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلاً أو القدح في الدليل بعدم تكرار الحد الأوسط أو باختلال شرط من شروط الإنتاج ونحو ذلك لا يفهمه من لا إلمام له بفن (المنطق).
وكانت الجامعة قد أسندت إلينا تدريس فن آداب البحث والمناظرة، وكان لا بد من وضع مذكرة تمكن طلاّب الفن من مقصودهم فوضعنا هذه المذكرة وبدأناها بإيضاح القواعد التي لا بد منها من فن (المنطق) لآداب البحث والمناظرة واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك (الأصول المنطقية) خالصة من شوائب الشبه الفلسفية؛ فيها النفع الذي لا يخالطه ضرر البتة لأنها من الذي خلّصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة كما قال العلاّمة شيخ مشايخنا وابن عمنا المختار بن بونة شارح الألفية والجامع معها ألفية أُخرى من نظمه تكميلاً للفائدة في نظمه في فن (المنطق):
﴿فإن تقل حرّمه النواوى ... وابن الصلاح والسيوطي الراوي
قلتُ نرى الأقوال ذي المخالفة ... محلّها ما صنف الفلاسفة
أمّا الذي خلّصه من أسلما ... لا بد أن يُعلم عند العلماء﴾
وأ مّا قول الأخضري في (سلّمه):
(فابن الصلاح والنواوي حرما ... وقال قوم ينبغي أن يعلما
والقولة المشهورة الصحيحة ... جوازه لكامل القريحة
ممارس السنة والكتاب ... ليهتدي به إلى الصواب)
فمحلّه: المنطق المشوب بكلام الفلاسفة الباطل ..
ومن المعلوم أنّ فن المنطق منذ ترجم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميع المؤلفات توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلاّ من له إلمام به، ولا يفهم الرد على المنطقيين في ما جاؤا به من الباطل إلاّ من له إلمام بفن المنطق. وقد يعين على رد الشبه آلتي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية فزعموا أنّ العقل يمنع بسببها كثير منстр. 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... لَأَنَّا عَرَفْنَا اللهَ بِالنَّقْلِ لَا الْفِكْرِ (١)
١٨ - وَمَعْرِفَةُ الرَّحَمَنِ بِالْعَقْلِ فِرْيَةٌ ... عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْعُرْفُ بِالشَّيءِ كَالنّكْرِ
١٩ - وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ (٢) لَأَنَّهُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) الأصل في معرفة الله أنها فطرية لا تحتاج إلى نظر، واستدلال، وهذه المعرفة تتم بالوحي، ومن طرق معرفة الله تعالى التي لا تتناقض مع الفطرة، والوحي دليل العقل، غير أنه قليل الجدوى صعب المنال، وعليه فإنكار القول بأن الله تعالى يعرف بالعقل فيه نظر، وأيضاً قصر المعرفة علي العقل، والنظر، والاستدلال قول باطل، والحق واسطة بينهما كما سبق.(٢) جاء في الموسوعة العربية العالمية: [عِلْمُ الكَلَام الإسلامي علم يهتم بدراسة العقيدة الإسلامية ويدافع عنها، ويرد الشبهات التي تثار حولها بالأدلة العقلية، والبراهين الجدلية، مستحدثا في ذلك مصطلحات استمدها من الفلسفة وطرقاً استنبطها منها.
وسُمي هذا العلم علم الكلام ـ كما يقول الشهرستاتي ـ لسببين: أولهما أن أخطر مسألة خاض فيها المتكلمون هي مسألة كلام الله التي تجاوز الأمر فيها حدّ المناظرة وتبادل الرأي إلى الفتنة والقتل والسجن، كما هو معروف في فتنة خلق القرآن ومواقف رجال كالإمام أحمد بن حنبل منها. وثانيهما سبب منهجي يتمثل في أن المتكلمين أرادوا أن يميزوا مناهج أبحاثهم عن المنطق الذي تبناه الفلاسفة واستخدموه في مباحثهم الفلسفية. فسمَّى المتكلمون طريقتهم في البحث: الكلام ...].стр. 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... خِلَافُ كَلَامِ الْمُصْطَفَى الطَّاهِرِ الطُّهرِ
٢٠ - أَدِلَّتُهُ لَا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ ... بَلَى (١) مِنْ كَلَامِ الْأَخْطَلِ (٢) الْفَاجِرِ الْعِرِّ (٣) الحواشي
(١) بلى: حرف يستخدم جواباً لاستفهام مقترن بنفي خاصة، وهو هنا ليس من مقصود الناظم، وإنما ذكره مراعاةً للوزن، ومقصوده استخدام حرف الإضراب الإبطالي (بل) كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء:٢٦) أي: بل هم عباد.(٢) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو التغلبي، الملقب بالأخطل (أبو مالك) شاعر، نشأ على المسيحية في أطراف الحيرة بالعراق ولد سنة ١٩هـ، وتوفي سنة ٩٠ هـ، قال عنه الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (٩/ ٢٦١): [كان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة قبحه الله وابعد مثواه وهو الذي انشد بشر ابن مروان قصيدته التي يقول فيها:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهرا
وهذا البيت تستدل به الجهمية على آن الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجة، ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا، فانه إنما يقال استولى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا حتى يقال استوى عليه أو معنى الاستواء الاستيلاء ولا تجد أضعف من حجج الجهمية حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله اعلم] وانظر ترجمته في: الأغاني للأصفهاني (٨: ٢٨٠ - ٣١٩)،الموشح للمرزباني (١٣٢ - ١٤٢)، نقائض جرير والأخطل لأبي تمام، المرزباني، طبقات الشعراء لابن سلام (١٠٧ - ١١٧).(٣) كذا بالأصل العِرِ - بكسر المهملة -، ولم أهتدِ لمعناها، والذي وجدته في كتب الغريب، والمعاجم معان
لهذه الكلمة بفتح المهملة، وضمها، ومن هذه المعاني ما قاله ابن منظور في لسان العرب مادة (عرر): [والمَعَرَّةُ الإِثم ... والمَعَرَّةُ الأَمر القبيح المكروه والأَذى وهي مَفْعلة من العَرّ ... قال ابن الأَعرابي عُرَّ فلانٌ إِذا لُقِّبَ بلقب يعُرُّه وعَرَّه يعُرُّهُ إِذا لَقَّبه بما يَشِينُه وعَرَّهم يعُرُّهم شانَهُم وفلان عُرّةُ أَهله أَي يَشِينُهم ... ابن الأَعرابي العَرَّةُ الخَلّةُ القبيحة وعُرّةُ الجربِ وعُرّةُ النساء فَضيحَتُهنّ وسُوءُ عشْرتهنّ وعُرّةُ الرجال شرُّهم ...]. وما قاله الجوهري في الصحاح في مادة (عرر) فقال ما ملخصه: [العَرّ، بالفتح: الجَرَب ... والعُرَّةُ أيضاً: البَعر والسِرْجينُ وسَلح الطَيْر. تقول: فلان عُرَّةٌ وعَارورٌ وعَارورةٌ، أي قَذِر. وهو يّعُرُّ قومه، أي يدخل عليهم مكروهاً يلطخهم به. والمَعَرَّةُ: الإثم. والعَرارَةُ بالفتح: سوء الخُلق ... وعَرَّهُ، أي ساءه]. وكل هذه المعاني محتملة، والله أعلم.стр. 26
٢١ - بِدَوْرٍ عَلَى التَّعْطِيلِ (١) لَا دَرَّ دَرَّهُ (٢) ... بِتَمْوِيهِ (٣) قَوْلٍ فِي الْمَخَارِجِ مُزَوَّرِ (٤)
٢٢ - وَمَا قَصْدُهُ نَفْيُ الْمَخَارِجِ وَيْلَهُ (٥) ... بَلَى قَصْدُهُ نُفْيُ الْكَلَامِ مِنَ السِّفْرِ (٦)
٢٣ - فَنْيَاً (٧) لِهَذا الْمَذْهَبِ الْمُذْهِبِ الَّذِي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) قال الشيخ العثيمين ﵀ في شرح الواسطية (ص/٥٤): [التعطيل بمعنى التخلية والترك، كقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾، أي: مخلاة متروكة. والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان كلياً أو جزئياً، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلاً.].(٢) الدَّرُّ: العمل من خير، أَو شر. فإذا ذم عمله، قيل: لا دَرَّ دَرُّهُ أَي لا كثر خيره، ولا زكا عمله. والمقصود هنا الدعاء بذلك على القائل بالتعطيل. انظر جمهرة اللغة، واللسان، والصحاح مادة (درر).(٣) التَّمْوِيهُ: هو التلبيسُ، ومنه قيل للمُخادِع: مُمَوِّه. وقد مَوَّهَ فلانٌ باطِلَه إذا زَيَّنه وأَراه في صورةِ الحقّ. وانظر اللسان مادة (موه).(٤) قال الزبيدي في تاج العروس مادة (زور): [وزَوَّرَ تَزْوِيراً: زَيَّنَ الكَذِبَ وكَلامٌ مُزَوَّرٌ: مُمَوَّهٌ بالكَذِب ...].(٥) بالأصل: ويحه، وفي الهامش تصحيحها إلى: ويله.(٦) أي الكتاب، والمقصود هنا القرآن، والمعنى أن حقيقة مذهب التعطيل نقي، وتكذيب للقرآن والسنة بلا قرائن.(٧) دعاء بالفناء، وهو انتهاء الوجود.стр. 27
. . . . . . . . . . . . ... أَقَلُّ أَذَىً فِيهِ بِصَاحِبِهِ يُزْرِي (١)
الباب الثالث
منزلة السنة
٢٤ - رَعَى السُّنَّةَ الْبَيْضَاءَ رَبِّي لَأَنَّهَا ... كَشَمْسِ الضُّحَى أَوْ فِي الدُّجَنَّةِ (٢) كَالْبَدْرِ
٢٥ - وَمَا السُّنَّةُ الْبَيْضَاءُ (٣) إِلَّا الَّتِي قُضِى ... عَلَيْهَا (٤) رَسُولُ اللهِ مَعْ صَحْبِهِ الْغُرِّ (٥)
٢٦ - وَتَابَعَهُمْ فِيهَا بِإِحَسَانٍ الْأُولَى (٦) ... رَضُوا فَرَضِي (٧) عَنْهُمْ بِهَا عَالِمُ السِّرِ الحواشي
(١) أي يعيب، ويُحَقِر. وانظر القاموس (باب: الياء، فصل: الزاي)(٢) أي الظلمة، وانظر مختار الصحاح (مادة دجن).(٣) أي الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلاً.(٤) يحتمل أن يكون المعنى المراد هنا: من قول الناظم: (قُضِى عليها)، أي: مات عليها، فهو يشير إلى قوله ﷺ : (قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) رواه ابن ماجه (١/ ١٦)(٤٣) ، وأحمد (٤/ ١٢٦) من حديث العرباض ﵁ مطولاً به، والحديث صححه الألباني، والأرناؤوط. ويحتمل أن يكون معنى: (قَضَى عليها) حكم بها، فتكون على بمعنى الباء، كنحو قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُول﴾ أي: بأن، كما قرأ أبي ﵁. (الإتقان، للسيوطي (٢/ ٢٠٢)) فيكون مقصوده بالسنة هنا المحكمة لا المنسوخة، والمعنى الأول أولى.(٥) أي أصحاب السبق المُقَدَّمين، وأصل الغُرَّةُ بالضم: بياضٌ في جبهة الفرس فوق الدِرهم، ويقال: فلان غُرَّةُ قومه، أي سيدهم، وهم غُرَرُ قومهم. وغُرَّةُ كل شيء: أوَّله وأكرمه. (وانظر الصحاح للجوهري مادة (غرر)).(٦) يشير إلى القرون الثلاثة المفضلة التي وصفها النبي ﷺ بأنها خير القرون، فقد روى البخاري (٢/ ٩٣٨)(٢٥٠٩) ، ومسلم (٤/ ١٩٦٢)(٢٥٣٣) من حديث عبد الله ﵁ مرفوعاً: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).(٧) بالأصل: ورضي، وفي الهامش تصحيحها إلى: فرضي.стр. 28
الباب الرابع
عقيدة الناظم
٢٧ - وَإِنِّي عَلَى مَا مَاتَ عَنْهُ مُحَمَّدٌ ... وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ إِلَى حَشْرِي
الفصل الأول
الأسماء والصفات
٢٨ - أُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ ﷻ ... تَعَالَى عَنِ التَّشْبِيهِ (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) التشبيه هو التسوية بين المشبه، والمشبه به في أكثر الصفات، والتمثيل: التسوية في كل الصفات، وكان الأولى بالناظم التعبير بنفي التمثيل لا التشبيه لوجوه، قال الشيخ العثيمين ﵀ في شرح السفارينية (ص/٨٦): [قوله: (ولا تشبيه): يعني: أنهم لا يشبهون الله بخلقه، ومراد المؤلف بالتشبيه (التمثيل) ولهذا لو عبّر به لكان أولى من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الذي جاء به القرآن والسنة نفي التمثيل لا نفي التشبيه، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ...
الوجه الثاني: أن نفي التشبيه فيه إجمال؛ لأنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه فهذا غلط، وإن أراد نفي التشبيه في كل الصفات فهذا هو التمثيل ... فنفي التشبيه من كل وجه من الوجوه هذا خطأ، لأن هناك تشابه واشتراك في بعض المعاني، فمثلاً: الحياة، يتصف بها الخالق ويتصف بها المخلوق، فبينهما تشابه من حيث أصل الصفة وهي الحياة، ولولا هذا التشابه المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق ما عرفنا معاني صفات الله، فلا بد أن يكون هناك اشتراك وتشابه من بعض الوجوه؟
لله علم وللمخلوق علم بين علم الله وعلم المخلوق تشابه من حيث أصل المعنى، المخلوق يدرك ما يعلمه والخالق كذلك، فهناك اشتراك في أصل المعنى، للمخلوق بصر وللخالق بصر، البصر للخالق والمخلوق مشتركان في أصل الرؤية، فبينهما تشابه من هذا الوجه، لكنهما لا يتماثلان، لأن المماثلة: (التساوي من كل وجه)، والمشابهة: (الاشتراك ولو في بعض الوجوه).
الوجه الثالث: أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس يساوي نفي الصفات مطلقاً. وذلك عند من يقول: كل من اثبت لله صفة فهو مشبه، فإذا قلنا: (من غير تشبيه): صار معنى هذا الكلام عندهم أي من غير إثبات صفة، فيوهم هذا بأن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أهل التعطيل، لأنهم يرون أن معنى (نفي التشبيه) يعني نفي الصفات، حيث يزعمون أن كل من أثبت لله صفة فهو مشبِّه].стр. 29
. . . . . . . . . . وَالْوَصْفِ (١) وَالْحَصْرِ (٢)
٢٩ - سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَّيْسَ شَيءٌ كَمِثْلِهِ ... كَمَا جَاءَ فِي الْقُرآَنِ إِنْ كَنْتَ مَنْ تَدْرِي
٣٠ - فَسُبْحَانَهُ مِنْ مَالِكٍ مُتَكَبِّرٍ ... تَفَرَّدَ دُونَ الْخَلْقِ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ
٣١ - وَيَنْزِلُ لَا تَكْيِيفَ لِي فِي نُزُولِهِ (٣) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) مذهب أهل السنة والجماعة: أننا نصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، أو وصفه به نبيه ﷺ في السنة الثابتة، لا نتجاوز القرآن والسنة، كما قال الإمام أحمد ﵀ وأيضاً من مذهب أهل السنة، مع إثبات هذه الصفات لله : إثبات كيف لها، ولكنه مجهول بالنسبة لنا (تفويض الكيف). وهذا الكلام مبسوط في محله من كتب العقيدة.(٢) قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ فذاته غير محصورة في مكان، بل هو مستوٍ على عرشه بائن من خلقه. وكما أن ذاته سبحانه غير محصورة في مكان فإننا لا نستطيع أن نحيط بها أو ندركها.
وكذلك أسمائه، وصفاته، لا نستطيع أيضاً أن نحيط بها من حيث الكيفية والكُنْهْ التي هي عليه، وكذلك لا نستطيع أن نحصر عددها؛ لأن من الأسماء ما أستأثر الله بعلمه، وكل اسم يدل على الذات، والصفة عن طريق المطابقة، والتضمن، واللزوم.(٣) القول في النزول، وسائر الصفات كقول الإمام مالك ﵀ في الاستواء: [الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة] والكلام في الكيف، والسؤال عنه محرم؛ لأنه يجر إلى التأويل وتكذيب ظاهر القرآن والسنة، فلا يقال: كيف ينزل؟ هل يخلو من عرشه؟ هل ينتقل؟ وهل يحل في السماء؟ وكل هذه الأسئلة وأشباهها باطلة وقد جرت أقوام إلى تكذيب القرآن، والسنة، فقالوا: لا ينزل؛ هروباً من لوازم الإجابة على هذه الأسئلة المحرمة، وقالوا: بل تنزل الرحمة، أو ينزل أمره تعالى، أو ينزل ملك، وكل هذا تعطيل لظاهر القرآن والسنة بلا قرينة صحيحة، إلا شبهاً في عقولهم الفاسدة، مبدؤها السؤال عن الكيف، وما أحسن قال علماؤنا: إذا قال لك الجهمى: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنّه الباري تعالى غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته.стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . ... تَعَالَى سَمَاءَ الدُّنْيَا يَقُولُ أَلَا سَائِلًا (١) سِتْرِي
٣٢ - وَذَلِكَ إِذْ يَبْقَى مِنَ اللَّيْلِ ثُلْثُهُ ... كَذَلِكَ حَتَّى يُفْصَلَ اللَّيْلُ بِالْفَجْرِ (٢)
٣٣ - وَرَبِّي كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ اسْتَوَى ... عَلَى الْعَرْشِ (٣) أَمَّا كَيْفَ ذَاكَ فَلَا أَدْرِي
٣٤ - وَمَذْهَبُنَا لَا كَيْفَ لَا مِثْل لَا لِمَا (٤) ... بِالْإِقْرَارِ والْإِمْرَارِ مِنْ غَيْرِ مَا فَسْرِ (٥) الحواشي
(١) بالأصل: سلوا، وفي الهامش تصحيحها إلى: ألا سائلاً.(٢) روى البخاري (١/ ٣٨٤)(١٠٩٤) ، ومسلم (١/ ٥٢١)(٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).(٣) ووصفه تعالى بالاستواء على العرش قد ورد في القرآن في سبع مواضع، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه/٥)، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ [(الأعراف/٥٤)، (يونس/٣)، (الرعد/٢)، (الفرقان/٥٩)، (السجدة/٤)، (الحديد/٤)].(٤) لعله يقصد أنه لا يسأل لماذا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣).(٥) أي: تفسير وبيان، قال الجوهري في الصحاح مادة (فسر): [الفَسْرُ: البيانُ. وقد فَسَرْتُ الشيءَ أفْسِرُهُ فَسْراً. والتَفْسير مثله.] ويحمل على النهي عن تفسيرها كتفسير المبتدعة من الجهمية، وأتباعهم من الفلاسفة وأهل الكلام، فحذر عن مثل تلك التفسيرات المخالفة لدين الإسلام. وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٥٠ - ٥١). وأرى أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى بطلان نسبة مذهب تفويض المعنى في الصفات للسلف، وذلك لأن حقيقة هذا المذهب الباطل نسبة الجهل إلى الأنبياء، والمرسلين ﵈ وأنهم كانوا يجهلون معاني نصوص صفات الله تعالى، وأنهم كانوا يخاطبوننا بما لم يكونوا يعرفوا معناه، وفيه أيضاً تكذيب للقرآن، واستطالة للفلاسفة.
وعليه: فنسبة هذا المذهب إلى السلف خطأ، فالسلف يفوضون في الكيف، لا المعنى، فظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار المعنى، وأقوال السلف في إثبات معاني نصوص الصفات على سبيل الإجمال، أو التفصيل متواترة، ولمزيد بيان انظر " درء تعارض العقل والنقل " لتقي الدين بن تيمية (١/ ١١٥) وما بعدها، وكتاب: " موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضاً ونقداً " لسليمان بن صالح بن عبدالعزيز الغصن (٢/ ٨٢٧: ٩١٥)، وكتاب: "مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات (عرض ونقد) " لأحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي، ورسالة: " تحفة الإخوان في صفات الرحمن" لمحمد بن محمد بن عبد العليم، الفصل الأول، وغيرها من المراجع.стр. 31
الفصل الثاني
الإيمان
٣٥ - وَإِيْمَانُنَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَنِيَّةٌ ... فَقَوْلٌ كَمَنْ يَقْرَا وَفِعْلٌ كَمَن يُقْرِي (١) الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ١٧٠ - ١٧١): [ومن هذا الباب أقوال السلف، وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح ... والمقصود هنا أن من قال من السلف الإيمان: قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن زاد إتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا بإتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل إنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبدالله التسترى عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة].
وقد بسط الشيخ العثيمين ﵀ الكلام في تعريف الإيمان، ومثَّل له فقال في شرح الواسطية (ص/٤١٧): [وأما في الشرع، فقال المؤلف ﵀: " قول وعمل ".
وهذا تعريف مجمل فصله المؤلف ﵀ بقوله: " قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح ". فجعل المؤلف ﵀ للقلب قولاً وعملاً، وجعل للسان قولاً وعملاً.
أما قول اللسان؛ فالأمر قيه واضح، وهو النطق، وأما عمله؛ فحركاته، وليست هي النطق، بل النطق ناشئ عنها إن سلمت من الخرس. وأما قول القلب؛ فهو اعترافه وتصديقه. وأما عمله فهو عبارة عن تحركه وإرادته؛ مثل الإخلاص في العمل، فهذا عمل القلب، وكذلك التوكل والرجاء والخوف؛ فالعمل ليس مجرد الطمأنينة في القلب، بل هناك حركة في القلب. وأما عمل الجوارح؛ فواضح ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، فيكون عمل الجوارح إيماناً شرعاً؛ لأن الحامل لهذا العمل هو الإيمان ... هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. وشموله لهذه الأشياء الأربعة لا يعني أنه لا يتم إلا بها، بل قد يكون الإنسان مؤمناً مع تخلف بعض الأعمال، لكنه ينقص إيمانه بقدر ما نقص من عمله.
وخالف أهل السنة في هذا طائفتان بدعيتان متطرفتان: الطائفة الأولى: المرجئة، يقولون: إن الإيمان هو الإقرار بالقلب، وما عدا ذلك فليس من الإيمان!!. ولهذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص عندهم؛ لأنه إقرار القلب، والناس فيه سواء، فالإنسان الذي يعبد الله آناء الليل والنهار كالذي يعصي الله آناء الليل والنهار عندهم، ما دامت معصيته لا تخرجه من الدين!! ...
الطائفة الثانية: الخوارج والمعتزلة؛ قالوا: إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها شرط في بقائه، فمن فعل معصيته من كبائر خرج من الإيمان. لكن الخوارج يقولون: إنه كافر، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين منزلتين، فلا نقول: مؤمن، ولا نقول: كافر، بل نقول: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وصار في منزلة بين منزلتين. هذه أقوال الناس في الإيمان.]стр. 32
٣٦ - يَقِلُّ بِعِصْيَانٍ وَيَنْمُو (١) بِضِدِّهِ (٢) ... وَإِنْ قَلَّ حَتَّى كَانَ فِي زِنَةِ الذَّرِّ (٣) الحواشي
(١) بالأصل: (وينموا)، والصواب ما أثبته.(٢) ((هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك أشهر من أن تذكر.(٣) وأقل درجات الإيمان - ويطلق عليه: إيمان الحد، أو الركن، أو مطلق الإيمان - لا يزيد، ولا ينقص؛ لأن نقصانه كفر، وإنما يُزاد عليه، فيدخل في منزلة الإيمان الواجب، ثم منزلة الإيمان المستحب. وهذا القدر من الإيمان يمنع صاحبه من الخلود في النار، مع جواز دخولها، وقد اختلف العلماء في بيان أفراد هذا النوع من الإيمان. والكلام على ذلك مشهور في محله، وليس هذا محل بسطه.стр. 33
عودة للأسماء والصفات
٣٧ - وَأَنَّ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ وَأَنَّهَا ... تُمَرُّ كَمَرِّ السُّحْبِ مِنْ غَيْرِ مَا نَشْرِ (١)
الفصل الثالث
منهج التلقي
٣٨ - وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآَنِ أَوْ صَحَّ ... عَنِ السَّيِّدِ الْمُخْتَارِ مِن نَاقِلِي الْأَثَرِ
٣٩ - تَلَقَّتْهُ مِنَّا بِالْقَبُولِ قُلُوبُنَا ... وَذَلَّتْ لَهُ الْأَسْمَاعُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ (٢)
الفصل الرابع
الإيمان بالكتاب
٤٠ - وَأَمَّا كِتَابُ اللهِ فَهْوَ مُنَزَّلٌ ... وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ (٣) وَلَا هُوَ بِالشِّعْرِ
٤١ - يَعُودُ إِلَيْهِ مِثْلَ مَا مِنْهُ أَوَّلَاً ... بَدَا هَكَذَا قَالَ الثِّقَاتُ أُولُو. . . . . . . . . . الحواشي
(١) أي تفسير، بسط، قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن، مادة (نشر): [النشر: نشر الثوب، والصحيفة، والسحاب، والنعمة، والحديث: بسطها]، وظاهر كلام الناظم يحتمل أحد أمرين: الأول: أن يكون مقصوده بالأمر الذي يتوقف عن تفسيره هو: الكيف كمذهب السلف، والثاني أنه قد يكون مقصوده التوقف عن بيان المعنى، كمذهب المفوضة، وقد سبق الكلام على التفويض في التعليق على البيت الرابع والثلاثين.(٢) انظر رسالة "منهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة" لأحمد بن عبدالرحمن الصويان. ورسالة "فضل إتباع السنة" لمحمد عمر بازمول.(٣) قول السلف عن القرآن أنه غير مخلوق، أي أن الله - عزوجل - قد تكلم به على الحقيقة لفظا ومعنى، بصوت وحرف مسموع كما صحت بذلك الأحاديث. وأما من قال أن القرآن مخلوق، فمقصوده نفي صفة الكلام عن الله - عزوجل -، وأن الله خلق القرآن، ولم يتكلم به.стр. 34
. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . الْخَبَرِ (١)
٤٢ - حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لِتَالٍ وَسَامِعٍ ... وَيُكْتَبُ بِالْأَقْلَامِ فِي الصُّحْفِ بِالْحِبْرِ (٢) الحواشي
(١) قال اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٢٧)، وما بعدها بعد أن ساق الآيات والأحاديث التي تدل على أن القرآن صفة من صفات الله، وأنه غير مخلوق: [سياق ما روى من إجماع الصحابة على أن القرآن غير مخلوق: روى عن علي ﵁ قال يوم صفين: " ما حكمت مخلوقا، وإنما حكمت القرآن" ومعه أصحاب رسول الله ﷺ ومع معاوية أكثر منه، فهو إجماع بإظهار، وانتشار، وانقراض عصر من غير اختلاف، ولا إنكار، وعن ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود مثله. وعن عمرو بن دينار: " أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر]. ثم أخذ يسوق هذه الروايات عن الصحابة ﵃ أجمعين - بأسانيده، وقد تتبعت بعضها فوجدت فيه مقال، إلا أنها تدل بمجموعها على أن لها أصلاً. ثم قال:
(٢/ ٢٣٤): [ذكر إجماع التابعين من الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة والبصرة ...] ثم أخذ يسوق هذه الأسانيد ...
وقال ابن أبي العز الحنفي شرح العقيدة الطحاوية (ص/١٧٩): [الطحاوي ﵀ يقول: كلام الله منه بدا، وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدا وإليه يعود، وإنما قالوا: منه بدا؛ لأن الجهمية من المعتزلة، وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل فبدأ الكلام من ذلك المحل. فقال السلف: منه بدا، أي هو المتكلم به، فمنه بدا لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر:١)، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (السجدة: ١٣) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ (النحل: ١٠٢)، ومعنى قولهم: وإليه يعود -: يرفع من الصدور، والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية، ولا في المصاحف، كما جاء ذلك في عدة آثار].(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠١): [والقرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم، وأصواتهم فإن الكلام لمن قاله مبتدئاً، لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ (التوبة: ٦) وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج:٢١ - ٢٢)، وقال تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (البينة:٢، ٣)، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (الواقعة:٧٧،٧٨)، والقرآن كلام الله بحروفه، ونظمه، ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن، وفي كلام الله ...].стр. 35
٤٣ - وَمِثْلُ الْحُرُوفِ الْآَيِ لَا خُلْفَ فِيهِمَا (١) ... كَمَا كَالصِّفَاتِ الذَّاتُ صِينَتْ عَنِ الْحَزْرِ (٢)
٤٤ - وَلَيْسَ مِنَ الْقُرْآَنِ تَرقِيشُ (٣) خَطِّهِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) قال السيوطي في الإتقان (١/ ١٨١): [قال الزمخشري: الآيات علم توقيفي، لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا: (ألم) آية حيث وقعت، و (المص)، ولم يعدوا (المر)، و (الر)، وعدوا (حم) آية في سورها، و (طه)، و (يس)، ولم يعدوا (طس) ...].(٢) الحَزْرُ: التقدير، قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (باب الراء، فصل الحاء): [الحَزْرُ: التقديرُ والخرْصُ] ومقصود الناظم: أن القول في الصفات، كالقول في الذات، وأن الكلام في ذلك توقيفي، لا دخل للعقل في إثباته على سبيل التفصيل. ونحن لا ننكر أن العقل السليم قد يدرك ما يجب لله ويمتنع عليه على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل.(٣) أي تزويقه، وزخرفته ونقطه، وفي اللسان مادة (رقش): [الأَصمعي: رُقَيْش تصغير رَقَش وهو تنقيط الخطوط والكتاب ... والرَّقْشُ والترْقِيشُ: الكتابةُ والتنقيط ... ورَقَّشَ كلامَه: زَوّرَه وزَخْرَفه، من ذلك؛ قال رؤبة:
عاذِلَ قد أُولِعْتِ بالترْقِيشِ ... إِليَّ سرّاً فاطْرُفي ومِيشِي].
والمقصود هنا علامات نقط الحروف، وعلامات الضبط، والرسم العثماني للمصحف كان خالياً من النقط، والشكل، وقد اختلف العلماء في حكم هذا المصحف العثماني، فذهب البعض إلى أنه توقيفي يجب الأخذ به في كتابة القرآن، وذهب البعض إلى أنه ليس توقيفياً، ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان ﵁ وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الالتزام به، وذهب فريق ثالث إلى أنه اصطلاحي ولا مانع من مخالفته وقد كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط، والشكل اعتماداً على السليقة العربية السليمة، فلما تطرق إلى اللسان العرب الفساد اجتهد العلماء في تحسين الرسم العثماني بوضع النقط، والشكل، والذي اشتهر عنه فعل ذلك هو أبو الأسود الدؤلي، وربما كان للآخرين، كالحسن البصري، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم الليثي جهوداً في تحسين الرسم العثماني، ثم تدرج العلماء بعد ذلك في وضع علامات الوقف، والوصل، والأرباع، ونحو ذلك، وقد كان العلماء في بداية الأمر يكرهون ذلك خوفاً من الزيادة في المصحف، وفرَّق بعضهم بين النقط الجائز، والأعشار والفواتح التي لا تجوز، ثم انتهى الأمر إلى الجواز، وقد أخرج ابن أبي داود عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: " لا بأس بنقط المصاحف". وأخرج عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: " لا بأس بشكله". وقال النووي: " نقط المصحف، وشكله مستحب؛ لأنه صيانة له من اللحن، والتحريف" وانظر الإتقان للسيوطي (٢/ ٤٥٤) وما بعدها، ومباحث في علوم القرآن للقطان (ص/١٣٩) وما بعدها.стр. 36
. . . . . . . . . . . . . . . ... وَلَكِنْ عَلَامَاتٌ كَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ
عودة للأسماء والصفات
(صفة الكلام)
٤٥ - وَكَلَّمَ مُوسَى رَبُّهُ مُسْمِعَاً لَهُ ... بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ (١) وَهْوَ فِي حُجُبِ الْكِبْرِ (٢) الحواشي
(١) ذكر البخاري في "صحيحه" معلقاً بصيغة الجزم (١/ ٤١)، وبصيغة التمريض (٦/ ٢٧١٩) من حديث عبدالله بن أنيس، ووصله في "الأدب المفرد" (١/ ٣٣٧)(٩٧٠) ، ووصله أحمد في "المسند" (٣/ ٤٩٥)، وغيرهما، عن عبدالله بن أنيس مرفوعاً (يحشر الله العباد، أو الناس عراة غرلاً بهما، قلنا: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، أحسبه قال: كما يسمعه من قرب، أنا الملك) والحديث حسن إسناده الحافظ في الفتح (١/ ٢١٠)، وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الأدب المفرد(٧٤٦) ، وحسن إسناده الشيخ الأرناؤوط في تحقيق المسند، وانظر: رسالة الإمام أبي نصر السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت.(٢) وبالأصل بجوار هذا البيت وجدت عبارة: (بلغ سعيد قراءةً عليّ. كتبه: يوسف السرمري).
لعل الناظم يشير إلى ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (مريم/٥٢) فقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال موسى يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، وهذا إسناد مرسل، وفي الباب آثار أخرى موقوفة، ومقطوعة انظرها في العظمة لأبي الشيخ، وفي تفسير الطبري، وغيره.
وإليك جملاً مما ورد في بيان حجب الله . روى البخاري (٦/ ٢٧١٠)(٧٠٠٦) ، ومسلم (١/ ١٦٣)(١٨٠) عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه: عن النبي ﷺ قال: (جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، وروى مسلم (٤/ ٢٠٢٣)(٢٦٢٠) عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : (العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته)، والحديث له ألفاظ أخرى مشهورة في غير الصحيح، وانظر الصحيحة(٥٤١) .
وقال الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ٦٤) محققاً ما ورد في الحجب عند تعليقه على الحديث الذي ذكره الإمام الغزالي في الإحياء: " إن لله سبعين حجاباً من نور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره ": [أخرجه أبو الشيخ بن حبان في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة " بين الله، وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور " وإسناده ضعيف. وفيه أيضا من حديث لأنس قال: " قال رسول الله ﷺ لجبريل هل ترى ربك؟ قال إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور " وفي الأكبر للطبراني من حديث سهل بن سعد " دون الله تعالى ألف حجاب من نور، وظلمة " ولمسلم من حديث أبي موسى " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ولابن ماجه " شيء أدركه بصره "].стр. 37
الفصل الخامس
الإيمان بالقضاء والقدر
٤٦ - وَمَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الْمُهَيْمِنُ لَمْ يَكُنْ ... وَمَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ لَابُدَّ أَنْ يَجْرِي
٤٧ - وَنَصْبِرُ لِلْبَلْوَى وَنَرْضَى بِمَا قَضَى ... نُسَلِّمُ وَالتَّسْلِيمُ مِنْ سِمَةِ الْحُرِّ (١) الحواشي
(١) الناظم - غفر الله له - لم يفرق بين الرضا بالقضاء، وبالمقضي، ومذهب أهل السنة التفريق بينهما فالقضاء غير المقضي، والفعل غير المفعول، والله - عزوجل - لم يأمر عباده بالرضا بالمعاصي، والمعائب، ولعل الناظم ﵀ يقصد الرضا بالمقضي الديني الشرعي. إلا أن القول بعدم التفريق بينهما نشأ عند من جعل المشيئة (الأمر الكوني - القدري)، هي نفس المحبة (الأمر الشرعي - الديني)، والفعل عين المفعول، ولازم هذا الدخول في مذهب القدرية، ومذهب المرجئة والجبرية على تفصيل، قال السفاريني في اللوامع (١/ ٣٦١): [لفظ الرضا بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، وصار له حرمة أوجبت لطائفة قبوله، من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مقضياً للرب - تعالى - مخلوقاً له ينبغي الرضا به، ثم انقسموا فرقتين، فقالت فرقة: إذا كان القضاء، والرضا متلازمين فمعلوم أنا مأمورون بتغيير المعاصي، والكفر، والظلم، فلا تكون مقضية مقدرة - وهم القدرية، وقالت فرقة: قد دلَّ العقل، والشرع على أنها واقعة بقضاء الله، وقدره، فنحن نرضى بها - كالمرجئة، والجبرية، وكل من الفريقين على سبيل ضلال، وانحراف عن نهج الحق، وطريق الصواب].
وقال السفاريني ﵀ في الدرة المضية:
وليس واجباً على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا
لأنه من فعله تعالى ... وذاك من فعل الذي تقالا
ولزيادة بيان أنقل لك ما قاله ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص/٢٤٩) حيث قال: [فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه؟!
فالجواب: أن يقال أولا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب، ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط، ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه، ويمقت، ويلعن، ويذم.
ويقال ثانيا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير، وعدل، وحكمة نرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب - تعالى - ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به، والوجه الثاني: تعلقه بالعبد، ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدره الله، وقضاه، وكتبه، وشاءه، وجعله أجلا للمقتول، ونهاية لعمره - يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل، وباشره، وكسبه، وأقدم عليه باختياره، وعصى الله بفعله - نسخطه، ولا نرضى به]. وانظر أيضاً: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٠)، وما بعدها، وشرح العقيدة السفارينية للشيخ العثيمين ﵀ (ص/٣١٩)، وما بعدها.стр. 38
٤٨ - وَمَا جَاءَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مُقَدَّرٌ ... كَذَلِكَ مَا يَاتِي مِنَ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ
٤٩ - وَلَوْ شَاءَ لَا يُعْصَى تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 39
. . . . . . . . . . . . ... لَمَا خَلَقَ الشَّيْطَانَ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ (١)
الفصل السادس
الكتاب والسنة هما مصدر الأحكام الشرعية
٥٠ - وَلَا أَمْرَ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ ... كَذَا الصَّدُّ كَالتَّحْلِيلِ لِلشَّيءِ وَالْحَظْرِ (٢)
عودة للقضاء والقدر
٥١ - وَلَا يُجْعَلُ التَّقْدِيرُ للِذَّنْبِ (٣) حُجَّةً ... لَنَا بَلْ عَلَيْنَا حُجَّةُ اللهِ بِالنُّذُرِ (٤) الحواشي
(١) ومن الجدير بالذكر الإشارة في هذا الموطن إلى الإرادة الشرعية، والكونية. فالإرادة الشرعية بمعنى
المحبة، وهي تختص بما يحبه الله من الأمور الشرعية، وقد يقع فيها المراد، وقد لا يقع، فالله تعالى يريد الصلاة شرعاً لكن قد يصلي الإنسان وقد لا يصلي مع أن الله قد أراد الصلاة شرعاً.
والإرادة الكونية على العكس يلزم فيها وقوع المراد، ولا تختص بما يحبه الله، بل تكون فيما يحبه وما يكرهه، كنحو خلق الشيطان، والكفر، والمعاصي. فإن قيل: كيف يقع ما لا يحبه ، فالجواب أنه لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء، ولا يقع في ملكه ما يكرهه كراهة مطلقة، بمعنى أن المعاصي، وإن كانت مكروهة لله من وجه، فإنها محبوبة إليه من وجه آخر، وهو ارتفاع درجة المؤمن عند مقاومتها، ووقوع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد عند وقوعها، وكذلك الأمراض كفارة للمؤمن، ونحو ذلك. (مستفاد من شرح الشيخ العثيمين ﵀ للسفارينية (ص/١٦٠)، وما بعدها، (ص/٢٨٣) وما بعدها. وللتوسع انظر "شفاء العليل" لابن القيم.(٢) وقصد الناظم هنا بيان أن الأحكام الشرعية التكليفية تستفاد من الأدلة الشرعية، وفيه إلماح للرد على المعتزلة المعظمين لعقولهم الفاسدة، والمقدمين لها على النقل.(٣) قال ابن القيم ﵀ في شفاء العليل (ص/١٨): [القدر يحتج به في المصائب دون المعائب].(٤) وقد وردت آيات كثيرة تدل على أنه لن يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل: كقوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (المائدة: ١٩)، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر:٧١)، وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الملك:٨، ٩)، إلى غير ذلك من الآيات.стр. 40
الباب الخامس
الكلام على بعض المحرمات
الفصل الأول
المسكرات
٥٢ - وَيَحْرُمُ مَا أَفْضَى إِلَى السُّكْرِ أَكْلُهُ ... أَوِ الشُّرْبُ مِنْهُ كَالْحَشِيشَةِ وَالْخَمْرِ
٥٣ - وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَهْوَ نَظِيرُهُ (١) ... وَإِنْ قَلَّ كَالنَّزْرِ الْقَلِيلِ (٢) مِنَ الْمِزْرِ (٣)
الفصل الثاني
المعازف والغناء الحواشي
(١) والعلة الجامعة هنا هي الإسكار، وإذهاب العقل، وروى البخاري (٥/ ٢١٢٢)(٥٢٦٦) ، ومسلم (٤/ ٢٣٢٢)(٣٠٣٢) عن ابن عمر ﵄ قال: (خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل)، وما ذُكِرَ فهو على سبيل التمثيل لا الحصر، وكل ما تحقق فيه علة تغطية العقل وإذهابه، فهو خمر مهما كان اسمه، ومادة صنعه قلَّ، أو كثر كما صح عنه - ﷺ عند أصحاب السنن: (ما أسكر كثيره فقليله حرام).(٢) أي القلة القليلة.(٣) المِزْرُ: نوع من الشراب يصنع من الذرة، ومن الشعير، ومن الحنطة، وقد روى البخاري (٤/ ١٥٧٩)(٤٠٨٨) ، ومسلم (٣/ ١٥٨٥)(١٧٣٣) من حديث أبي موسى ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ أنا ومعاذ ابن جبل إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب يقال له: البتع من العسل، فقال: (كل مسكر حرام). واللفظ لمسلم.следующие страницы →