Полный текст (221 стр.). Показаны 211–221 · переход к 216.
стр. 211
الثانية، والحالة الثالثة لا قتل فيها بنص هذا الحديث؛ لأنها ليست إحدى الثلاث، ولم يصح حديث يقتضي قتله، وخبر: (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ) ضعفه الترمذي، وجعله موقوفاً فهو قول صحابي، ولم يقتل ﷺ لبيداً اليهودي الذي سحره.
والآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنه أجمعين مختلفة، فعن عمر رضي الله تعالى عنه: (اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ).
وعن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قتلت جارية سحرتها.
وعن عائشة ﵂ أنها باعت جارية سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب، وحمل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فعل عمر وبنته على سحر فيه كفر، وفعل عائشة على ما لا كفر فيه، واستدل بقوله ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ) الحديث، وإذا اختلف الصحابة اتبع أشبههم قولاً بالكتاب والسنة، وكف القتل عمن لم يكفر ولا زنى ولا قتل أشبه بهما.
وقد سئل الزهري شيخ الإمام مالك رضي الله تعالى عنهما أعَلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ سُحِر، فلم يقتل من سحره، وكان من أهل الكتاب.
стр. 212
١١ - وسئل السبكي أيضاً عمن قال: ما أعظم الله فقيل له: لا يجوز. فأجاب بما حاصله: يجوز ذلك. قال الله تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ) أي: الله (وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦. أي: ما أبصره وما أسمعه، فمعنى ما أعظمه أنه تعالى في غاية العظمة.
ومعنى التعجب من ذلك أنه حارت فيه العقول، فالقصد الثناء عليه بالعظمة أو اعتقادها له، وكلاهما سائغ، وموجبهما أمر عظيم يصح أن يراد بما أعظمه.
وبلغني عن شيخنا أبي حيان أنه كتب بعدم الجواز، فنظرت فرأيت ابن السراج قال: حُكِيت ألفاظ من أبواب مختلفة مستعملة بحال
стр. 213
التعجب نحو: ما أنت من رجل، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وكاليوم رجلا، وسبحان الله من رجل ورجلا، وحسبك بزيد رجلاً، ومن رجل، والعظمة لله من رب، وكفاك زيد رجلاً، فقوله: العظمة لله من رب دليل لجواز التعجب في صفات الله تعالى، وإن لم يكن بصيغة ما أفعله وأفعل به، ومن جهة المعنى لا فرق من حيث كونه تعجباً.
وحكى ابن الأنباري عن الكوفيين أن: "ما أحسن زيداً" اسم عندهم لا فعل، تقديره شيء أحسن زيداً، خلافاً للبصريين لأدلة. منها: قوله: ما أعظم الله، ولو كان التقدير ما ذكر وجب أن يقدر هنا: شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بجعل جاعل، وقال الشاعر:
ما أقدر الله .....
ويلزم من قال: إنه فعل أن تقديره شيء أقدر الله، والله تعالى قادر لا بجعل جاعل.
стр. 214
وأجاب البصريون بأنه لا محذور أن التقدير شيء أعظم الله: أي: وصفه بالعظمة كما تقول عظمت عظيماً والشيء، إما من يعظمه من عباده، وإما ما يدل على عظمته وقدرته من صفاته أو ذاته تعالى: أي أنه أعظم لذاته لا لشيء جعله عظيماً، فرقاً وبينه وبين غيره.
وحكى أن بعض أصحاب المبرّد قدم من البصرة إلى بغداد فحضر حلقة ثعلب فسئل عن هذه المسألة فأجاب بجواب أهل البصرة، وهو أن التقدير بشيء أحسن زيداً فأورد عليه: ما أعظم الله، فالتزمه فيه، فأنكروا عليه بأنه عظيم لا بجعل جاعل، وسجنوه حتى قدم المبرّد فوافقه، وبان قبيح إنكارهم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه.
وقيل: قولنا: شيء أعظم الله بمنزلة الإخبار بأنه عظيم لا بشيء جعله عظيماً لاستحالته، وقول الشاعر:
ما أقدر الله ....
فهو وإن كان لفظه لفظ التعجب فالمراد به المبالغة في وصفه تعالى بالقدرة، كقوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) مريم/٧٥ بلفظ الأمر، وإن لم يكن في الحقيقة أمراً.
وإن شئت قدرته تقدير: ما أعظم الله، على ما بينا. انتهى كلام ابن
стр. 215
الأنباري، وهو نص صريح في المسألة وناطق بالاتفاق على صحة هذا اللفظ وأنه غير مستنكر، وإنما اختلفوا هل يبقى على حقيقته من التعجب، ويحتمل الأوجه الثلاثة التي ذكرها، أو يجعل مجازاً عن الإخبار؟ وأما إنكار اللفظ فلم يقل به أحد. والأصح أنه باق على معناه من التعجب وتأويل الشيء على ما ذكر.
وذكر أبو الوليد الباجي في كتابه "السنن" أدعية مستحبة من غير القرآن من جملتها: ما أحلمك على من عصاك، وأقربك ممن دعاك، وأعطفك على من سألك.
وروى ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن جده أبي
стр. 216
بكر رضي الله تعالى عنهم: أن بعض سفهاء قريش حثا على رأس أبي بكر تراباً فمّر به الوليد بن مغيرة أو العاص بن وائل فقال: ألا ترى ما فعل هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك، فقال أبو بكر: أي رب ما أحلمك، ولو لم يكن هذا إلا عن القاسم لكفى فضلاً عن روايته عن جده، وإن كانت مرسلة.
وفي الكشاف في (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/٢٧ معناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه أو الذي يقال له: ما أجلك وما أكرمك.
стр. 217
وفيه في (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦ أنه جاء بما دل على التعجب من إدراكه للمسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره تعالى في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين؛ لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر.
وفيه في: (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا) يوسف/٣١ المعنى: تنزيهه تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله وأما (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) يوسف/٥١ فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
وذكر أبو محمد عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري في كتابه التبصرة والتذكرة في النحو في: ما أعظم الله، أي: شيء أعظمه، وفسر الشيء بنحو ما مّر عن ابن الأنباري، ومنه: ويجوز أن يكون ذلك الشيء هو الله تعالى فيكون لنفسه عظيماً لا لشيء جعله عظيماً ثم قال: ومثل هذا يستعمل كثيراً في كلام العرب كما قال الشاعر:
نفس عصام سوّدت عصاما ....
انتهى.
стр. 218
وقال نحو ذلك أيضاً ابن الدهان سعيد بن المبارك في شرح الإيضاح: ففسر ما أعظم الله بشيء أعظمه، وفسر ذلك الشيء بنحو ما مرّ عن ابن الأنباري، وقال المتنبي:
стр. 219
ما أقدر الله أن يخزي خليفته ....
وأقره عليه الواحدي في شرحه، وتبع السبكي على ذلك الولي أبو زرعة فقال في فتاويه: لا نعلم أحداً من معتبري العلماء رضي الله تعالى عنهم منع إطلاق هذا اللفظ. أي ما أعظم الله، ما أحلم الله، وهو لفظ دال على تعظيم الرب ﷻ وتفخيم ِآثار صفاته العلية فلا مانع من إطلاقه، وفي التنزيل: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦، ثم حكى عن قتادة قال: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وقد وردت صيغة التعجب في حق الله تعالى في السيرة أيضاً، فالمانع لذلك إن كان استناده إلى أن أهل العربية يقدرون في مثل هذا من التعجب: شيئا صيره كذا، مثل هذا لا يستعمل في حق الله تعالى،
стр. 220
فهذا التقدير غير لازم ولا مطرد فقد يمتنع لمانع، وإذا كان أصل وضع اللفظ في اللغة للتعظيم فلا يمنع منه لأجل ذلك التقدير، ولا تمشي ألفاظ الناس على دقائق أهل العربية التي لا دليل عليها على أنه يمكن تقدير ما يوافقهم بما لا إنكار فيه، من غير إخلال باللائق بالرب ﷻ بأن يقدر شيء وصفه لذلك، وهو إما نفسه أو من ِشاء من خلقه، ولا يقدر: شيء صيره كذلك.
١٢ - وأفتى السبكي أيضاً فيمن سئل عن شيء فقال: لو جاء جبريل ما فعلته، بأنه لا يكفر؛ لأن هذه العبارة تدل على عظمة جبريل عنده.
١٣ - وأفتى أبو زرعة فيمن قال لآخر: سألتك أن تهجرني في الله فقال: هجرته لألفٍ لله بأن مقتضى هذا اللفظ تعدد الآلهة، وذلك كفر صريح، فإن أراده ضربنا عنقه إن لم يتب، فإن ادعى تأويلا يصرفه عن الكفر بأن أراد أسباب الهجرة التي هي لأجل الله، فكأنه قال: هجرتك لألف سبب لله تعالى، فأطلق السبب على المسبب له قُبِل ذلك منه بيمينه، لاحتمال اللفظ له، أو قال: هجرتك ألف هجرة لله، فذلك مما يحتمله اللفظ بتأويل فيقبل أيضاً حقناً للدم بحسب الإمكان، ولا سيما إن كان القائل لذلك مما لا يعرف بعقيدة سيئة، لكن يؤدب على إطلاق هذا اللفظ لبشاعة ظاهرة.
١٤ - وأفتى شيخنا زكريا الأنصاري سقى الله عهده في اثنين تخاصما، فقال أحدهما للآخر: لست مثلك، أدخل للحاكم وأعمل فضوليا، ولو أردت ذلك لدخلت إليهم وتفوضلت وكفرت ألفي كفر، فهل يكفر بذلك أو لا؟ فماذا يلزمه؟ بأنه يكفر بذلك إلا أن يريد غير الكفر من أنواع الإيذاء فلا يكفر، لكنه ارتكب محرماً، فيلزمه التعزيز البالغ الرادع له ولأمثاله عن مثل ذلك، وبأن من تلفظ بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية لا يكون مسلماً بذلك كنظيره في تكبيرة الإحرام.
стр. 221
حرّمنا الله تعالى على النار، وجعلنا من جملة أوليائه المقربين الأبرار، وأجارنا من سائر محن الدنيا والدين، وأدام لنا رضاه إلى أن نفوز بشهوده في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومنّ علينا بالإخلاص، والنجاة من سائر العلائق حين لا مناص، ونفع بما ألفناه الخاصة والعامة، وتقبله من فضله، لنرى من آثاره غاية الراحة من أهوال الحاقة والطامة، إنه أكرم كريم، وأرحم رحيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ الله لم يكن. ما شاء الله، لا قوة إلا بالله على هذا التأليف وغيره من ديني ونفسي وسائر آثاري، والحمد لله أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا.