← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 736–772 · переход к 741.

стр. 736

ألَمَّتْ وما غيرُ الوِشاح وشاحُ ... ولا غيرُ أطرافِ الثُّدِيِّ رِماحُ ولا غيرُ ما فوقَ الروادفِ بانةٌ ... ولا غيرُ ما فوقَ الجُيُوبِ صَباحُ ولا وَرْدَ إلاَّ ما حَوتْ وجناتُها ... ولا غيرَ منظومِ الثُّغورِ أقاحُ فبِتْنا وما تحتَ الوِشاحِ مُحَرَّمٌ ... علينا وما فوقَ الوِشاحِ مُباحُ وكان القاضي أبو الحسن ﵀ للعلياء سِمَاكاً وسُها، تتيه بمفاخره (شريش) على (حمص) وَتَزْهَى، وكانت له سجايا أعذب من الرَّشفات، وأحلى من النمير والفرات، مبرأة من السهو، منزهة من التكبر والزهو. غذَّته الأصالة بزلالها؛ ورفَّته العفة تحت ظلالها، فرقى من المعالي أعلى هضابها، وبذَّ أتراب الإنابة وجميع أربابِها، لم تعرف له قط صبوة؛ ولا خطت قدماه في زلة خطوة. أعفّ الناس باطنا وظاهرا؛ وأطهرهم أردانا ومآزرا. حامل فقه وآداب؛ متفننا في اللغات والإعراب. جليل المقدار؛ سليم الإعلان والإسرار، عدلاً في أحكامه؛ جزًلا في نقضه وإِبرامه. محلّى بالسكينة والوقار؛ معلما بِسِيمَا الأخيار والأبرار، ملتزماً للتواضع والتأنيس؛ برّا بالرَّائِد والجليس، ومهابة الحال، والصواب في المقال. وليَ القضاء، وهو كاره لخِطته؛ خائف من وطأته، إبقاء منه على صيانته، وحفظا لديانته. وفي ذلك يقول: كنت مذ كنت خائفاً ... أنْ ألِي خُطَّةَ القضا لم أُرِدْها وإنَّما ... ساقها نَحْوِيَّ القضا مع أنه كان ﵀ قاصداً قصد المتورعين؛ سالكاً منهج المشرعين، عارفا بالأحكام وحقائقها؛ حافظا لجلائلها ودقائقها، جاريا في

стр. 737

أحكامه على السنن القويم؛ سالكا لمنهج الشرع المستقيم. صادق اللهجة؛ ساطع شهاب المقالة والحجة، مشكورا بكل لسان؛ مجيبا إلى كل ناء ودانٍ. تلوح أنوار البر على أفعاله؛ وَيُقْتَدَى بصالح أعماله. وكان له نَظم كانتظام الجواهر، وابتسام الأزاهر. وله في ميدان الكلام المطبوع سبْقٌ وظهور، وتصرُّفه في سُهُوله وحُزُونِه مشهور، وقد أثْبَتُّ في هذا المجموع، ما ترتشفُه الأنفس الصَّادية ماءً نميراً، وتتخذه الآذانُ سميراً، ويملأ القلوب سرورا، والعيونَ مهجة ونورا. وله قصائد سلطانيات، ومقاطع إخوانيات، ومزدوجات من النظم والنثر مطبوعات، في أوصاف شتى ومعانٍ مختلفات. طابَ نشرها، وفاحَ عنبرها. أشهر من الفجر إذا تمكَّن الإسفار، وأنور من البدر ليلة الإبدار. فمن ذلك قوله يخاطب بعض إخوانه، وهو الأديب الكاتب أبو الوليد يونس ابن محمد القسطلي: ياخليليَّ بالرِّكابِ سُحَيراً ... عَرِّجَا بالجزيرة الخضراءِ حيث هزَّ الغدِير عِطْفَيْهِ ... مما أفْلَتَتْهُ أناملُ الحصباءِ وانْبَرَى يستحيلُ بين شواطِي ... هِ زُلالاً منْ دُرَّةٍ بيضاءِ

стр. 738

ووَشى القطرُ جانبيه فباهَى ... بأزاهِيره نجومَ السَّماءِ وانْثَنى مِعْطَفُ القضيبِ اخْتِيَالاً ... لغناءِ الحَمامةِ الورْقاءِ وتراءَى أبو الوليد فخرَّتْ ... لِسَنَاهُ كواكبُ الجوزاءِ ورَقَى رتبةَ الوزارَةِ حتَّى ... حلَّ تاجاً بِمَفْرِقِ الوزراء فهنيئا لك الجزيرةُ ماذا ... حُزْت منه من السَّنا والسَّنَاءِ فاحفظيه من الحوادث حتَّى ... تنجلي بيننا وجوهُ اللقاء وقال أيضا يخاطب الفقيه القاضي ابن أخيل: سائِلْ بغُرته الهلالَ المُقْمِرَا ... أَشَذىً تفاوحَ عَرْفُه أم عنْبَرَا وسَلِ البَرَاعةَ في أنامِلِ كَفِّهِ ... شذْراً يصوغُ بطِرسه أم جَوْهَرَا أم حالتِ القِرطاسُ كافوراً بها ... فسرَتْ تَمُجُّ عليه مسكا أذْفَرَا أم صدْرُ غانيةٍ تمزَّقَ جيبُها ... فغَدَتْ تحوكُ الوَشْيَ فيه مُصَوَّرا ولعلَّها رأتِ الوشيجَ لدى الوَغَى ... فحكتْ لراحته الوشيجَ الأسْمَرا يامَنْ تََخَيَّلَ من كتابة أخْيَلٍ ... ... تَدَرْهَمَ نوره وتَدَنَّرَا هلاَّ حسبت به السماء صحيفةً ... والليلَ حِبْراً والكواكبَ أسْطُرَا قاضٍ أتى والحقُّ غُصْنٌ ذابِلٌ ... فسقاه ماء العدْلِ حتَى أثْمَرا

стр. 739

وقال يخاطب الأديب أبا العباس أحمد بن سَيِّد: يا سيدي والزمانُ يَبْلَى ... وعَهْدُ وُدِّي لكمْ جَدِيدُ إنْ فرَّقتْ بيننا اللَّيالي ... فوُدُّكُمْ في الحَشَا عتيدُ وكتب إلى الحجاج صحبة الفقيه أبي بكر بن عبد الله بن حَبَاسَة الشريشي: متَى أقولُ وقد كلَّتْ ركائبُنا ... من السُّرى وارتكاب البيدِ في البُكَرِِ يانائمين على الأكوارِ ويْحكمْ ... شدُّوا المطي بذكر الله في السَّحَرِ أما سَمِعْتُم بِحادينا وقد سَجَعتْ ... وُرْقُ الحمائم فوق الأيْك والسَّمُر هذي البشائِرُ يا حُجّاج قد وجبتْ ... غداً تحطُّونَ بينَ الرُّكْنِ والحجَرِِ وقال أيضا، وكتب بها إلى حمص، وقد حنَّ إلى أحبَّائه ومَعاهده، في ظلالِ أَمْنِها مع إخوانه وأصحابه، وزمان جادَ له بالآمال، ولأيَّامهِ غُرَرٌ وحُجُول، تروقُ العيونَ في البُكر والآصال: سلامٌ على حِمْصٍ وإنْ غيَّر البِلَى ... معَاهِدَ منها نِلتُ فيها الأمانيا وحُقَّ لَهَامِنِّي السَّلامُ لأنَّني ... وردتُ بها ماء الشبيبَةِ صافيا وفي وجَناتِ الدَّهْرِ إذْ ذاكَ رونقٌ ... كما رونَقَ الصَّقْلُ الحُسامَ اليمانيَا

стр. 740

وقال أيضا: إذا أبْصَرَ المحزونُ أرضَ شُذُونَةٍ ... وحسْنَ محيَّاها أفاقَ منَ الحزْنِِ كأنَّ على غيَطانِها ومُتُونِها ... دَبابِيجَ خُضْراً أحْكمتْها يدُ المُزْنِ مذانِبُ تنْدى في مُرُوجٍ كأنها ... عِذَارٌ بِخَدَّيْ ذي جمالٍ وذي حُسْنِ وفي هذا المعنى، من مدح المواطن، والثناء على مبهج الأقطار الأريضَةِ والأماكن كما يثني على إخوان المودة والتصافي. قول معاصره ومراسله أبي عبد الله الرصافي، حيث يقول: كم للصُّدُورِ بِبَرجَهْ ... من انفِساحِ وفُرْجَهْ قُطْرٌ عليه ضمانٌ ... منْ حيثُ ما يُتَوَجَّه إنْ يَبْسُطِ النَّفْسَ أُنْساً ... ويَمْلإ العينَ بَهّجَهْ وقول أبي عبد الله الرصافي أيضا:

стр. 741

خَلِيليَّ ما للرِّيحِ قدْ عَبَقَتْ نَشْرَا ... وما لِرُؤُوسِ الرَّكْبِ قدْ رُنِّحَتْ سُكْرَا هلِ المسكُ مفتُوقاً بِمَدْرَجَةِ الصَّبا ... أمِ القومُ أجْروا منْ بَلَنسيةٍذِكْرَا خليليَّ عُوجابي قليلا فإنَّه ... حديثٌ كبرْدِ الماء في الكبدِ الحرَّى قِفا غيرَ مَأموريْن ولْتَصْدَيَا بها ... على ثقةٍ للمُزْنِ فاسْتَسْقيا القَطْرا بجسر معانٍ والرُّصافة إنَّهُ ... على القطْر أنْ يَسْقِيَ الرُّصافة والقُطْرا بلادي التي ريشَتْ قُوَيْدِمَتي بها ... فُرَيْخاً وآوَتْني قرارتها وكْراَ ومنها: وقالُوا هلِ الفِرْدَوسُ ما قدْ وَصَفْتَهُ ... فقُلْتُ وما الفِرْدَوْسُ في الجنَّة الأخرى بَلَنْسِيَةٌ تلكَ الزَّبَرجَدَةُ التي ... تسيلُ عليها كلُّ لُؤْلُؤَةٍ نَهْراَ هيَ الدُّرَّةُ البيْضاء من حيثُ جِئْتَها ... أضاءتْ ومنْ للدُّرِّ أنْ يُشْبِهَ البَدْرَا خَليليَّ إن أصدر إليها فإنَّها ... هِيَ الوَطَنُ المحبُوبُ أوْ طَنْتها الصَّدْراَ

стр. 742

ولَمْ أطْوِ عنها الخَطْوَ هجراً لها إذَنْ ... فلا لثَمَتْ نعْلي مناكِبَها الخَضْرا ولكنَّ إجْلالاً لِتُربتها التي ... تضُمُّ فتاها النَّدْبَ أوْ كَهْلَها الحرَّا أكارِمُ عاثَ الدَّهْرُ ما شاءَ فيهِمُ ... فبادَتْ لياليهم فهل أشتكي الدَّهْرا تقَضَّوْا فمن نجمٍ هُنالك ساقطٍ ... أَبى الله أنْ يرْعى السًّمَاكَ أو النَّسْرا والقصيد كبير. وقد أثبت منه ما فيه منشرح للصدر. وقال أبو عبد الله أيضا: ولا كالرصافة من منزلٍ ... سقتها الغمائمُ صوْبَ الولِي أحنُّ إليها ومن لي بها ... وأين السريُّ من المَوْصلِ وفي بلنسية يقول الكاتب أبو نصر مثنياً عليها ومتشوقا إليها: سَقى الله عهْداً سالفاً ومودعاً ... أسالَ فُؤادي في المحاجِر أدْمُعَا وحَادَكَ يا روضاً من المُزْنِ واكفاً ... لِتُبْصِرَ عيني منْ نَبَاتكَ مُمْرِعَا وخَصَّ بسُقْياهُ بلنسيةَ المُنى ... وحيَّى مُراداً للأماني ومُرْبِعا معاهدُ عادتْ للجَنائِب ملعباً ... وكانتْ مَقيلاً للسُّرورِ ومربعا زَمَانٌ بنو عبد العزيز وُلاتُها ... وُجُودُهُمْ يحكي السَّحائبَ هُمََّّعا

стр. 743

وقد أرجت منهم وطاب نَسيمها ... كأنَّ فتيق المسك عنهم تَضوَّعا وقدْ كانَ هذا القَطْرُ أزْهَرَ مبْهَجاً ... ترى الزَّهْر في بَطْحائه متضلعا فعادَ ذراهُ مُوحشاً بعدَ أُنْسِهِ ... وأَصْبَحَ منْهُمْ خاليَ الرَّبْع بلْقعَا أطافَ بِهِمْ صرْف الزّمانِ فوَدَّعُوا ... فلا مجْدَ إلاَّ قدْ تَوَلَّى وودَّعا بكيتُ لهم حتَّى القيامة حسرةً ... وحُقَّ لعيْني أنْ تفيضَ وتَهْمَعا وقد كمل هذا الغرض في الجزء الثاني من هذا الكتاب ويا بعد ما بينه وبين قول أبي تمام ذي الاصابة والصواب، في قصيدته الثائية التي ذم في آخرها المنازل المالكية، حيث يقول: والمالكيةُ لم تكُنْ لي منزلاً ... فمقابِر اللَّذاتِ منْ قُبْراثَا لمْ آتِها منْ أيِّ وجه جِئتُها ... إلاَّ حَسِبْتُ بُيُوتَها أجْداثا بَلَدُ الفلاحةِ لو أتاها جرْوَلٌ ... أعني الحطيئة لاغْتدى حرَّاثا تصدَى لها الأذهان بعد صقالها ... وتَرُد ذكْرَانَ العُقُول إناثا أرضٌ خلعْتُ اللهو خَلْعي خاتَمي ... فيما وطلَّقْتُ السُّرُورَ ثلاثا

стр. 744

فصل جملة من شعر القاضي أبي الحسن ﵀ في أوصاف شتى. قال: نشَرَتْ ثلاثَ ذوائِبٍ من شَعْرها ... لِتُظلَّني حَذَرَ الوُشاةِ الرُّمَّقِ فكأَنَّني وكَأَنَّها وكَأَنه ... صبْحانِ باتَا تحت ليلٍ مُطْبِقِ وقال في معنى العِناق: لا مِثْلُ ضمِّى عليّاً وهو يُتْحِفُني ... سُلافَةً هيَ بُرْءُ العاشِق الدَّنِفِ عانقْتُهُ ورِداءُ الوصْلِ يَجْمَعُنا ... حتَّى الصَّباحِ عناقَ اللاَّمِ للأَلِفِ أخذ هذا من قول الآخر: يامنْ إذا قرأَ الإنْجِيلَ ظَلَّ لَهُ ... قلْبُ الحنيفِ عن القُرآنِ مُنْصَرِفا رأيْتُ شخصكَ في نومي يُعانِقُني ... كما يُعانِقُ لامُ الكاتِبِ الألِفا وقال في الجَلَم:

стр. 745

وَمُعْتَنِقَين ما اتُّهما بِعِشْقٍ ... وإنْ وُصِفَا بضمٍّ واعتناقِ لعَمْرُ أبيك ما اجتمعا لمعنىً ... سِوى حَالِ القطيعة والفراقِ وفي الخطَّاف: أهْلا بِخُطَّافٍ أتانا زائرٍ ... غردٍ يذكِّرُ بالزمان الباسِمِ لَبِستْ سرابيلَ الصَّباحِ بُطُونُهُ ... وظُهُورُه ثوبَ الظَّلامِ العاتِمِِ وقال يصف الشيب: بكَتْ دَمي أنْ رأتْ مشيبي ... يضحكُ في مفْرِقِ الجَبينِ نَوَّرَ غُصْنَ الشَّبابِ مِنِّي ... هلْ يُنْكَرُ النَّوْرُ في الغصونِ فقلتُ لا تحزني أُسَيْمَا ... ونَشِّفِي أدْمُعَ الجُفُونِ كأنه أشار في البيت الثالث إلى قول ابن الرومي، أومأ إليه بالإيماء الخفي: قدْ يَشيبُ الفتى وليس عجيباً ... أنْ يُرى النورُ في العشيب الرَّطيبِ وفي هذا المعنى يقول الآخر أيضا:

стр. 746

فلا تُنْكري منهُ المشيبَ فإنَّه ... غُبارُ صروفِ الدَّهْر فوقَ قُرونِهِ هَبِيهِ كمثل الرَّوْض لمَّا تَأَزَّرَتْ ... رُباهُ، بَدَا نُوارُهُ في غُصُونِهِ وقال القاضي أيضا: قَوَّسَ الشِّيبُ قَناتي ... بَعْدَ أنْ كانتْ سَوِيَّهْ وغدا يَشدُو برَأْسِي ... أنَا عنوانُ المَنِيَّهْ وقال أيضا في المعنى: تَعَجَّبَتْ أنْ رأَتْ مَشيبي ... يضحكُ في مفرقي سُمَيَّهْ لا تعْجَبي فالبياضُ زِِِيٌّ ... مِنْ زِيِّ قوْمي بني أُمَيَّهْ وقال يصف البدر: أُنظُرْ إلى البَدْرِ في السماء وقدْ ... حَفَّتْ بحَقْوَيْهِ الأَنْجُمُ الزُّهْرُ كأَنَّهُ بركةٌ مُفضَّضَةٌ ... حُفَّ بها منْ جَنابِها زهْرُ وقال أيضا: يا مَنْ أتَى يَخْرُصُ الزَّيتونَ فارغةً ... ويَستدِلُّ على ما فاتَ بالوَرَقِِ أتَعْلَمُ الغيبَ دونَ الناسِ كُلِّهمُ ... لا والذي خلق الإنسانَ منْ عَلَق وإنَّما أتَتْ فيما تَسْتدلُّ بهِ ... كثاقِبِ الدُّر في داجٍ منَ الغسَقِ فَتُبْ إلي اللهِ واحْذَرْ منْ عواقِبِهِ ... (منْ يَرْكبِ البحرَ لا يَأمَن من الغرقِ)

стр. 747

وسأله سائل عن أكل لحم ابن آدم مَيِّتاً. أيجوز للمضطر إليه أم لا؟ فقال: وإذا اضْطُرِرتَ لآدمِيٍّ مَيٍّتٍ ... فلْتَهْرَبَنْ منه هُرُوبَ الآبِقِ فالما لكيُّ يرى سواءً أَكْلُهُ ... مع قتْلِهِ هذا كَلامُ الصَّادِقِ والشافِعيُّ يرى مباحاً أكْلُهُ ... للبائِس المضطر خِيفة عائقِ يَعْتاقهُ منْ جُوعهِ فلَرُبَّما ... يغْتالُهُ فيَمُوتُ مِيتَةَ فاسِقِ وقال أيضا: هاكَ منِّي بيتا سيَكْثُر إن م ... تُّ على أَلْسُنِ الرُّواة اختلافُهْ إنَّما تنْظُر العيونُ لِشَخْصيْ ... ن لِمنْ ترتجيه أوْ منْ تَخافُهْ وقال أيضا: وكلف ذلك في فتى وسيم جزار، كأنه كوكب دريّ من كواكب الأسحار. قد أطلعه الحُسْنُ شمسا في فلكه؛ وأوْمَأَ كل من رآه اليه بِتَمَلُّكه. لا يَنْفكُّ دمْعُ عاشِقِه عن أنْ يَنْهَلَّ أوْ يَنْسكِب، ولا قلْبُه عن غرام ونَصَب. يخلط جده باللعب، ويضحك بين العَجَبِ والعُجْب: يا هِلالا قدْ تَبَدَّى ... فوقَ أَزْرارِ الجُيُوبِ وقضيباً يَتَثَنى ... فوقَ أحْقافِ الكَثيبِ كُنْ كمَا شِئْتَ وَدَعْني ... فيكَ منْ قوْلٍ كَذُوبِ لسْتَ جَزَّاراً ولكنْ ... أنتَ جَزَّارُ القُلوبِ ولمَّا وَرَدَ عليه الخبرُ بتَأخيره عن القَضاء، واستراحه من أمر وَلْيه، ولم يزل فيه مُبْغِضاً، حَمِدَ الله سرّا وَجَهْرا، ومَلأَ الأسماع ثناء عليه وشكراً، كأنه كان خائفا مذعورا، فجاءتْهُ بالآمان البُشْرى، أوْ فقيرا بائسا بالمنزل الرَّحْبِ والقِرى. وسُرَّ

стр. 748

بذلكَ سُرُورَ حاتِم طىء بالضيْف؛ أو العاشِق المهجور بإلمامِ الطَّيْفِ. فعادَ بعْدَ اكتئابه مُستبشراً جَذِلاً. وأنشأ يقول بِلِسانِ السُّرور مُرْتجلا: حُملْتُ على القَضاءِ ولمْ أُرِدْهُ ... وكانَ علَيَّ أثْقَلَ منْ ثبيرِِ فلَمَّا أنْ عُزلْتُ جَعَلْتُ أَشْدُو ... لقدْ أُنْقِذْتُ من شَرٍّ كبيرٍ وهذا المصراع الثاني من قصيدة مهلهل التي أولها: أَلَيْلتنا بِذي جُشُمٍ أَنِيري ... إذا أنْتِ انْقَضَيْتِ فلا تَحُوري وأنْقدني بياض الصبح منها ... لقد أنقذتِ منْ شَرٍّ كبيرٍ شهدت جنازته - رحمة الله عليه وبركاته - في اليوم الثالث، وهو يوم الثلاثاء من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وأنا يومئذ غلام يافع بين يَدَيْ أُسْتاذي خاضِع مُتَواضعٌ. مُولَعٌ بالأدَبِ وجَمالِهِ؛ ومَقْتَبِسٌ أنْوارَ العِلْم منْ رجالِه: أقُولُ لسَائِلٍ عنِّي مُلِحّ ... طِلابُ العِلْمِ رَيْحاني وراحِي فخرجت خارج المدينة بعد صلاة العصر، وهي قد ألقت من فيها من أهلِها وساكنيها؛ واجتمع قاصيها إلى دانيها. والناس بينَ باكٍ ملء عينيه، ومسْتَرجعٍ عاضٍّ على يَدَيْه. وصُلي عليه، ثم دُفِن الحلمُ والوَرَعُ معه في قبره، وتعطَّلَ جيدُ الزّمانِ منْ نظْمِه ونَثْرِه.

стр. 749

رجع وحكى محمد بن عرفة عن نفسه قال: دخلتُ على محمد بن داوُود الأصبهاني في مرضِه الَّدي ماتَ منهُ. فقلت له: كيفَ تَجِدُكَ يا سيدي؟ فقال: حُبُّ منْ تَعْلَم أوْردني ما تَرى. فقلت له: كيفَ بالاستِمتاع به مع القُدْرة عليه. فقال: الاستمتاع به علي ضربين: أحدهما: النَّظرُ المُباحُ، والاخر: اللَّذَّةُ المَحْظُورةُ، يَمْنَعْنيها ما حَدَّثَني به أبي، عن أشياخه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، انه قال: "منْ عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَ ومَاتَ فهو شهيد". وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري، انه قال: قال: رسول الله ﷺ . (العِشْقُ في غير ريبَة كَفَّارةٌ للذُّنوبِ). وكانَ يحي بن معاذ يقول: لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت العشاق؛ لان ذنوبهم ذنوب اضطرار، لا ذنوب اختيار. وروى عن النبي ﵇، قال: "الصبْرُ ثلاثة: صَبْرُكَ عن المَعْصية، وصبْرُكَ علي المُصيبَة، وصبْرُك على الطََّاعة، فالصبر على المصيبة ثلاث مائة درجة. والصبر على الطاعة ستمائة درجة. والصبر عن المعصية تسعمائة درجة". وقيل ان الله تبارك وتعالي يُمَحِّصُ خطايا أهل الهوى، ويكفر سيئاتهم لطول محنتهم، بطول محبتهم.

стр. 750

وفي هذا المعنى قال المؤمل: يكفي المُحبينَ في الدُّنيا عذابهمُ ... والله لا عذَّبتْهُم بَعْدَها سقرُ وقال بعض الحكماء: (اغلقْ أبوابَ الشَّهواتِ بأَقْفال الزَّهادةِ، وافتح أبوابَ البِرّ بمفاتيح العبادة؛ فإنَّ ذلك يُدْنيكَ من السعادة، وتستوجبُ به من الله الزيادة). وحُكيَ أن رجلا راوَد امرأةً عن نفسها، فقالت له: أما أنّكَ قدْ سَمِعْت الحديث، وقرأت القرآن فأنت أعلم؟ فقال لها: اغلقي أبواب القصر. فأغلقتها، فدنا منها، فقالت له: بقي بابٌ لم أُغْلِقْهُ. قال: أيُّ بابٍ؟ قالت: البابُ الذي بينكَ وبينَ الله، فزالَ عنها وانْصرفَ. وحكى أن رجلا من العرب قال: خرجت في طلب ضالَّة، فاذا أنا بجارية كأنها عَلَم، فراوَدْتُها عن نفسها، فقالت: ويلك. أمالَكَ زاجِرٌ منْ عَقْلٍ، إذْ لمْ يكن لكَ ناهٍ من دينٍ. فقلت لها: والله ما ترانا إلاّ الكواكبُ. فقالت: فأين مُكَوْكِبُها؟ فوالله، لقد زال بِكَلامِها عن نفسي ما كان خَطَرَ بِها. وحكي أن رجلا من أهل (البصرة) عَشِقَ جاريةً مملوكة وكان يعْلمُ ذلك، فعاتبها يوما على ذلك، فقالت له: والله يا مولاي ما كان الاَّ الجميل. ثم انه كَمَن لهما بحيث لمْ يعلمهما، فَسَمِعَهُما يتحدثان ويتشاكَيان، ثم انتحبَ الرجل مَلِيا، وبكى حُبّاً لها. فقالت له لجارية: أكَلُّ هذا الذي بك من حبِّي؟ فقال: أيْ والله فقالت: فَلْيَفْرخْ رَوْعك، ولْتَطِبْ نفسُك؛ فإن الله فرَّجَ عنك، فاصنع بي ما شئت، فانه لا مانع لك. فاشتد بكاؤه، لما سمع قولها

стр. 751

وأنشأ يقول: أمَّا الحرام فلستُ أركب محرما ... وطِلابُ مِثلك في الحلال شديدُ إنَّ امرءاً أمسيت مِلك يمينه ... يقْضي عليك بحكمه لَسَعِيدُ قال: فلما تفرقا من مكانهما، مشي اليه مولاها، وقال له: اني قد وهبت لك فلانة. وسأله عن خبرهما. فقال له: ما كان بيننا يعلم الله. ألا ما قال الشاعر: لا والذي تسجد الجِبالُ لهُ ... مَالِي بما تحت ثوبِها خَبَرُ ولا بِفيها ولا هَمَمْتُ بها ... ما كانَ إلاّ الحديثُ والنظرُ قال: وأحبَّ رجل امرأة، فأفرط في حبها، فلقيها في بعض الأيام. فأعلمها يذلك، فأخبرته أنَّها تجد بِهِ أكثر ممَّا يَجدُ بِها. ثمَّ الْتقيا بعد مدّة، فلم يكن بينهما الا ما أحلَّ الله. ثم بقيا على تلك الحال مُدَّةً طويلة، الى أنْ ماتت المرأة منْ شِدَّة حُبِّ ذلك الفتى. فكان يجيئ إلى قبرها ويُصلِّي عليه. فجاء ذات يوم، وصلى وَقَعَدَ متفكرا، فغَلَبَتْهُ عيناه وهو قاعدٌ عند القبر، فرآها في منامه. فقال لها؛ كيفَ أنت؟ وما لَقِيتِ بعد الموت. فقالت: لَقيتُ خيراً وأنشأتْ تقول: نِعْمَ المحبة يا حَبِّي ونعم هوىً ... حبّ يقود إلى خيرٍ وإحسانِ

стр. 752

فقال: علي ذلك إلى ما صرت إليه. فقالت: إلى نعيمٍ وخيرٍ لا زوال له ... في جنة الخُلْد مُلكٌ ليس بالفاني ثم قال لها أذكريني فإنِّي لست أنساك. ثم قالت: لا والله ما أنْساكَ، ولقد سألتُ الله تعالى قُرْبكَ، فأَعِنِّي على ذلك بالإجْتهاد ثم ولَّتْ عنه. فقال لها: مَتى أراك؟ فقالت له سآتيكَ عن قريب إن شاء الله. فلمْ يعِشْ الفتى بعد ذلك إلاَّ سبعة أيام ومات يرحمه الله. قال: ورأيت في كتاب (الأغاني) عن ابراهيم بن عثمان العُذْري، قال: رأيت عمر بن ميسرة، وهو كهيئة الخيال لا يكلم أحداً. وكان أهله يرون أنه عاشق، فيسألونه عن علته، فيبكي ويقول: يُسائلُني ذُو اللُّبِّ عنْ أصْل عِلَّتي ... وما أنا بالمُبْدي إلى النَّاس علَّتي سأكْتُمُها صَبْراً على حرِّ جَمْرِها ... وأسترها إذ كان في السَّتْرِ راحتي إذا كنتُ قدْ أبْصَرْتُ موضع عِلَّتي ... وكان هَوانيفي مواضِعِ لذتي صبرتُ على ما بي احتسابا ورغبةً ... ولم أكُ أُحْدُوثاتِ أهلي وَخُلَّتِي قال: فما ظَهر فحوى أمره، ولا عَلِم أحدٌ بقصته حتى حضره الموت. فقال: إنَّ التي كان بي من أجْلِها هذا الألمِ، هي فلانة ابنة عمي. والله ما حجَبَني عنها

стр. 753

وألزمني الصبر على الضُّر إلاَّ خوفُ الله تعالى. فمن ابتلى في هذه الدنيا بما ابْتُليتُ به، فلا يكن أحد أوثق عنده بسِرِّه من نفسه. ولولا أن الموت نزل بي هذه الساعة، ما أُعْلِمكم بقصتي، فاقْرؤُوها منِّى السلام. ومات في الحين ﵀. قوله: سأكتمها صبراً على حرِّ جمرها كَتْمُ الشيء؛ إخفاؤُه مع الدَّاعي إلى اظهاره. ولا يقال لمن أخفى أمراً لا يدعو إليه داعٍ: كاتِمٌ. ونظيرُ الكِتْمان؛ الإخْفاء والإسرار. يقال: كَتَمَ زيدٌ الأمر يكْتُمُهُ كتْماً، واستَكْتَمَه استكتاماً، وكاتَمَهُ مُكَاتَمَةً، وتَكاتَمَ القوم تكتُّماً. وقال صاحب العين: الكِتْمانُ: نقيض إعلان السِّرِّ. ورجل مِكْتامُ السِّر؛ إذا كان معروفا بذلك. وناقة كَتُوم؛ وهي التي لا ترْغُو إذا ركبها صاحبها: أي لا تَصيح. والجميع الكواتم. وإنما تفعل ذلك لصبرها على السَّير، وإنها لا تضْجَرُ منه، ولا تَسِيمُهُ. وقال الشاعر: ولم تبق إلاّ كل ادماء حرّة ... كواتم لم تضجر ولم تتبلدِ والكَاتِمُ من القِسِيِّ: التي لا ترن. والكاتِمُ أيضا: الخارز. قال الشاعر: فسالتْ دموعُ العين ثم تحدَّرَتْ ... فلِلّه دمعٌ ساكتٌ ونمُومُ

стр. 754

فما شَبَّهَتْ الاّ مزادة كاتم ... وَهَتْ أوْ وَهى منْ بينهن كتُومُ فكاتِم بمعنى خارِز، وكَتُوم بمعنى خَرُوز. وتقول: أكتَمْتُ الرَّجُل؛ إذا وجدْته كاتما لسرِّك. كما تقول: أَحْمَدْتُه. وقال الشاعر: لأ كتمت عبد الله والله عالِمٌ ... بمُستَوْدَعاتٍ ما لهن كَتومُ فمعنى أَكْتَمْتُه: وجدته كَاتِما. ومستودعات يعنى: كلمات مستودعات. وقال الشاعر: لئن كتمت أسماء فينا صنيعة ... فقد تكتم الأرضون والزرع فاسدُ والكثْمانُ يحسُنُ على أحوال، ويقبح علي أحوال أُخَر. فكتمانُ السِّرِّ الذي تضرُّ إذَاعتُه ضرراً لا يستحق بجرم، ولا يُقْصَدُ به نفع واجب حسن. وكتمان السر الذي تعتدل فيه الأمور، يَحْسُنُ فِعْلُهُ وتَرْكُه. وكِتْمانُ العلم والشهادة قبيح في الجملة. وفي الحديث عن عبد الرحمان الحُبُلِّي عن عبد الله بن عمر بن العاصي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"

стр. 755

وفي الحديث أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "من سئل عن علم يعلمه فكتم الجم بلجام من نار". وقيل: من ورَعِ العالم أن يَتَكَلَّم، ومن ورَعِ الجاهل أن يَسْكت. وعن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم. وتَلا قول الله ﵎ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ). وهذا تغليظ للحال في كتمان علوم الدين. وذكر أبو الحسن الرماني في قوله ﵎ (ويلعنهم اللاعنون) أربعة أقوال: أولها: أن اللَّاعِنين هم الملائكةُ والمومنون. وعَزَا هذا القول إلى قتادة والربيع وغيرهما. قال: وهو الاختيار لقوله تعالى في وعيد الكفار (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) فلعنة الله الكاتمين كلعنة الكافرين. القول الثاني: قيل اللاَّعنون دواب الأرض وهوامّها يقول: منعنا المطربمعاصي بني آدم. قال: وهو قول مجاهد وعكرمة. والقائل أن يقول، كيف جاز أن يقال للبهائم وهوام الأرض اللاعنون. وجوابة أنه لما أضيف إليها

стр. 756

فعل من يعقل، عوملت معاملة من يعقل. كما قال (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ). القول الثالث: اللاَعنون كل شيء، سوى الثَّقَلَيْن والإنس والجن. كذا روى عن ابن عباس فيما حكاه الفراء. القول الرابع: قال ابن مسعود إذا تلاعن المتلاعنان، ويروى الرجلان، رجعت اللعنه على المستحق لها، فان لم يستحقها أحد منهما، رجعت عى اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. والمعنى بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا). الآية. في قول أكثر أهل العلم: أهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى. قاله ابن عباس ومجاهد والربيع والحسن وقتادة والسِّدِّي، وجماعة سواهم. وقيل يعني بها كل من كتم ما أنزل الله. وكل من كتم شيئا من علوم الدين. فالوعيد لازم له، لأنه قد فعل مثل فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى. روى عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار، سألوا نفراً من اليهود عمّا في التوراة، فكتموهم اياه، فكان ذلك من فعلهم سبب نزول الآية. وقيل: نزل هذا الوعيد فيهم. إذ معلوم من حالهم الكتمان. والكتاب المذكور في الآية. قيل:

стр. 757

هو التوراة والانجيل. وقيل: كل كتاب أنزله الله. وأصل اللَّعْن الابعاد على جهة الطرد. قال الله سبحانه (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ) أي أبعده الله. فإذا أخبر الله تعالى أنه لعن عبداً فمعناه الاخبار، فإنه أبعده من رحمته. إذا قيل: لعنه الله، فمعناه الدعاء، كأنه قيل: أبعده الله. ولا يجوز لعن من لا يستحق العقوبة. إذ اللعن في الحكم؛ الإبعاد من رحمة الله بإيجاب العقوبة. فدبره. قال الشماخ: دعوت له القطا ونفيتُ عنهُ ... مَقام الذِّيبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ أرادَ مَقامَ الذئب اللعين. والكِتْمانُ؛ اختيارٌ من الكاتِم وقصد، وليس كالنسيان؛ لأن النسيان اضطرارٌ. وتعلّم العلم واجب ثم العمل به، وهذه الآية التي استقصيت الكلام عليها، مضمنة الزجر عن كتمان علم الدين، والحض عليه والترغيب فيه، وألزم شيء للعالم، بيان ما يعلمه، وافشاؤه وذكره عند من لم يوته الله منه شيئا امتثالا لقوله تعالى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) الآية. ولقول الرسول ﵇ لأبي هريرة: "يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلَّمْه فإنك إنْ مِتَّ وأنتَ كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق،

стр. 758

وعلم الناس سُنَّتي وان كرهوا الحديث بطوله". ومن أحسن ما يذكر هنا وألقيه بما ذكرته، حكاية الحسن بن أبي الحسن البصري مع الحجاج بن يوسف. حكى عبد الملك بن قريب الأصمعي في أخباره عن أبي نعامة، قال: كنا جلوساً ذات يوم عند الحسن في المسجد الجامع؛ فإذا الحجاج بن يوسف قد أقبل على برذون أبيض، وحوله شُرْطُه يسعون، حتى انتهى الى الحَلْقَة، فسلم ثم نزل فجلس بيني وبين الحسن. قال أبو نُعَامَة: وكان الحسن يحدث حديثا فمضى في حديثه، ولم يقطعه من أجل الحجاج حتى فرغ منه. ثم أقبل على الحجاج يسائله، فقال الحجاج: أيها الناس. ان هذا الشيخ مبارك معظم لأمر الله جلّ وعز، عالم بحق أهل القبلة، ناصح لأهل هذي الملة، صاحب استقامة، ونصيحة للعامة. فعليكم بهذا الشيخ. فألزموه واحضروا مجلسه. فان مجلسه مجلس يعرف فضله، وترتجى عاقبته. فلولا الذي لزمنا من هذه البلية، وحق الرعية، لأ حببت مشاهدتكم، وحضور شيخكم. ثم نهض فانصرف؛ فما لبثنا أن جاءت من عنده سفرة عليها أطعمة من كل ضرب. وجاءت أشربة وتحف فوضعت بيننا. فأكل من أكل، ثم رفع ذلك. وقام شيخ كبير، فاستقبل الحسن بوجهه، فسلم ثم قال: يا أبا سعيد؛ شيخ كبير من أهل، الديوان، وعطائى حقير زهيد. وانه لما خرج عطائي كلفت فيه فرسا وسلاحا. وما فيه يحتمل ذلك، ولا فيه فضل من عيالي. وان عليّ لدينا ما أصل إلى الخروج منه. ثم بكى

стр. 759

بكاء شديدا. فرفع الحسن رأسه، فبكى أشد من بكائه، ثم قال: ان سلطاننا هذا أخفر ذمة الله، وتحول عباد الله، وقتلهم علي الدينار والدرهم، وقطعهم عضوا عضوا. أخذه من كل خبيث، وأنفقه في كل سرف مضغة قليلة، وندامة طويلة. أما إذا خرج عدوّ الله، فصاحب مراكب رفافه؛ وسرادقات هفافه؛ وإذا خرج أخوه المسلم فطاويا، راجلا مهموماً، مالهم أراحنا الله منهم. قال: فسعي هذا إلى الحجاج ووالله ما برحنا، حتى جاء حرسيّان، في أعناقهما سيفان. فقالا للحسن: أجب الأمير. قال أبو نعامة: فخفنا والله. وكانت مخوفة. فانطلقت معه أنا وثابت حتى دخلنا على الحجاج، وهو قاعد على سريره، وبيده قضيب يضرب به. والغضب ظاهر في وجهه، فانتهى إليه الحسن، فسلم ووقف بين يديه. فقال له الحجاج: يا حسن. أنت صاحب الكلمات قبيل. قال: نعم، أصلح الله الأمير. قال: فنكس الحجاج رأسه، وأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: أعدهن يا علي. فاعادهن كلهن، ما أسقط منهنّ واحدة. فأطرق الحجاج أيضا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: وما دعاك إلى هذا. قال: ما أخذ الله ﵎ علينا في كتابه، في قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) قال: وكان الحسن يفسرها: لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل فأطرق أيضا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: اذهب أيها الرجل، فتكلم بما بدا لك، فانما أنت والدٌ في أنفسنا، غير ظنين عندنا ولا متهم؛ بل ناصح لخاصتنا وعامتنا، فليس مثلك يؤاخذ بقول ما كان؛ لأنك ما تريد إلا خيراً. قال: فانصرف الحسن ﵀ الى مجلسه. تمت الحكاية. فهكذا يجب للعالم أن يكون حاله، وتصدق أقواله وأعماله.

стр. 760

قال: وذكر المدائني أن رجلا أحب جارية، فطلب منها قبلة، فأبت عليه، فأنشدها: سألتُ عَطا المكيَّ هل في تَعانُقٍ ... وقبلةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ فقال: معاذَ الله أنْ يُذهب التُّقى ... لتخليص أكبادٍ بِهِنَّ جِراحُ فقالت الجارية: أنت سمعت عطاء. يقول هذا. وسألته عنه فاجابك بهذا. فقال: نعم، فأباحت له ما طلب. وقالت له: اياك أن تتعدى ما أمرك به عطاء. قوله: (مَعَاذَ الله)؛ أي أعوذ به معاذاً. والمعاذُ: المَلْجَأُ؛ لأن معنى: أَعُوذُ بِاللَّهِ: أَلْجَأُ إلى الله، وأستعينه وأستجير به. ومَعَاذ الله منصوب على المصدر، كأنه وضع موضع عوْذاً وعِياذاً وعطاء المكي، هو عطاء بن أبي رباح يكنى أبا محمد، وكان أسود أعور أفطس، أشل أعرج، ثم عمى يعد ذلك. وكان أبوه أسود، وأمه سوداء. اسمها بركة. واسم أبي رباح أَسْلَم مولى آل ابن خثيم القرشي الفهري. قاله البخاري وكان عطاء فصيح اللسان إذا تكلم، يستمع له ويقبل قوله. وقال اسماعيل بن مسلم: كان عطاء يطيل الصمت؛ فإذا تكلم يخيل الينا أنه يؤيد. وكان من القراء. سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وابن عمر وجابر بن عبد الله. وروى عنه عمرو بن دينار، وقيس بن

стр. 761

سعد، وحبيب بن ثابث ومالك بن أنس. وتوفي سنة خمس عشرة ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يحيى بن معين حج سبعين حجة وتوفي وله مائة سنة. فأما عطاء بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ﷺ ، فمدني ويكنى أبا محمد أيضا. وقيل أبا عبد الله، وأخوه سليمان بن يسار، وموسى، وعبد الملك، وعبيد الله أيضا اخوته. وكلهم من أهل الفقه والحديث. أدرك زمان عثمان، وهو صغير. وكان صاحب قصص، ولأبيه يسار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم رواية، وكان عطاء من القراء أيضا. وسمع من أبي هريرة وابن عمر وقد جاءت عنه روايات عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء. قال محمد بن يحي بن الحذاء، في كتاب

стр. 762

"التعريف": ولا يعرف له، يعنى عطاء، ادراكهما. وتوفي عبادة سنة أربع وثلاثين بالرملة من الشام، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة. روى عن هشام بن عروة، أنه قال: ما رأيت قاضيا خيرا من عطاء بن يسار. وقال مالك ﵀؛ بلغني أن عطاء كان يلبس ثوبين مصبوغين بالزعفران. وروى عنه زيد بن أسلم، وعمرو بن دينار وتوفي سنة اثنتين ومائة. وقيل سنة ثلاث. وقيل توفي سنة أربع وتسعين. قال محمد بن يحيى: وهذا أقرب للصواب. وأما عطاء بن السائب بن زيد الثقفي فكوفي، يكنى أبا زيد. أدرك على بن أبي طالب رضي الله عنه، وروى عنه شُعْبَة بن الحجاج، وأبو بكر بن عياش، وحفص بن سليمان. حدث أبو بكر بن عياش عنه، قال: مشيت أنا وأبي مع علي بن أبي طالب. فقال عليٌّ لأبي: منْ هذا؟ فقال: ابني. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة. فما زلتُ أَتعرَّف الخير. وكان من القراء أيضا. أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمان السلمي. وحدَّث قاسم بن أَصْبِغ

стр. 763

البَيَّانِي، عن أحمد بن زهير، عن أبيه عن جرير، عن واصل بن سليم. قال: صحبتُ عطاء بن السائب في طريق مكة. فكان يقرأ القرآن في ليلتين. وتوفي ﵀ سنة ست وثلاثين ومائة. وأما عطاء بن يزيد الليثي، فمدني ويكنى أبا محمد أيضا. وقيل أبا يزيد سمع أبا أيوب، وتميماً الداري، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة. ولم يذكره أبو عمرو في طبقات القراء. وسمع منه الزهري، وروى مالكَ عن ابن شهاب، عن عطاء، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فذكر الحديث. وروى مالك أيضا عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ . قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".

стр. 764

وتوفي سنة سبع ومائة وهو ابن ثنتين وثمانين سنة وأما عطاء بن عبد الله الخرساني، ويقال عطاء بن مَيْسَرَة. قاله أبو بكر البزاز وغيره، فهو مولى آل المهلب بن أبي صفرة. ويقال مولى المطلب. ويكنى أبا عثمان وقيل أبا الوليد وقيل أبا أيوب. ولد سنة خمسين وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل سنة ثلاث وثلاثين ومائة. ودفن ببيت (المقدس). وقال يحيى بن معين: قد روى مالك عن عطاء الخرساني، وعطاء ثقة، قد رأى ابن عمر وسمع منه. وقال عمرو بن علي الفَلاَّس: عطاء ليس به بأس. روى عنه مالك وغيره. وكان عطاء كثير الجهاد إلى بلاد الروم، وكان يقوم من الليل في بلاد الروم، فينادي في خبائه: يا يزيد بن يزيد، ويا عبد الرحمان بن يزيد، ويا هشام بن الغاز. ويا فلان ويا فلان، يعنى من كان حوله ومعه. قوموا. فإن قيام الليل، وصيام النهار، أيسر من مقطعات الحديد، وشراب الصديد، النجا النجا.

стр. 765

قال أبو اسحاق: قد جئت بهذه الأسماء وبعض أخبارها، وإن لم تكن شرط كتابي تشريفا وتتميماً لفوائده؛ واستعذابا لمصادره وموارده. وأرجع إلى اكمال باب الحب، والنهي عن ارتكاب الذَّنْب، واجتنابِ ما فيه سَخْطُ الرَّب. سُئل أبو هريرة عن تأويل قول الله ﵎ (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ). فقال: (النظرةُ والغَمْزةُ والقُبْلَةُ والمُباشَرةُ). وعن ابن عباس؛ ان اللَّمم كل ما دون الزناء، وعنه أيضا أنه قال: والرجل يُلِمُّ بذنب ثم يَتوب. وقال: ألم تسمع أن النبي ﷺ كان يقول: إنْ تغفر اللهُمَّ تغْفر جَما وأيُّ عبد لكَ لا أَلَمَّا

стр. 766

والشعر لأبي خراش الهذلي ومعنى ألماَ: أي لم يُلِمَّ بِذَنْبٍ. والعرب تدخل (لا) على الفعل الماضي، وتقرنها به، فتنوب مناب (لَمْ) إذا قرنت بالفعل المستقبل. قال الله ﵎ (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) أي؛ لم يصدِّق، ولم يصل. يريد فلا صدق بربه ولا صلى له. وقال تعالى (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) أي؛ لم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. قاله ابن زيد وعن ابن عباس العقبة: جبل في جهنم وقيل: هو تمثيل معناه: لم يفعل ما أمر به والاقتحام في اللغة: الدخول على شدة وضغط. وقال ذو الأصبع العَدْوَانِي يخاطب ابن عم له: لاهِ ابْنُ عمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عنِّي ولا أنتَ دَيَّاني فتَخزُوني أي لم تفضل عليّ. (فلا) في هذه المواضع كلها بمعنى (لم)؛ لأن (لم) نفيٌ للفعل الماضي. وهو من عوامل الجزم. والجازم لا يدخل على الفعل الماضي لأنه مبني. رجع وعن مجاهد والحسن أنهما قالا في معني الآية (إِلاَّ اللَّمَم). قالا: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعود.

стр. 767

وعن أبي صالح: اللمم: الزنية ثم يثوب. وقال بعض أهل العلم: اللمم صغار الذنوب وقال نفطويه: اللمم: أن يأتي ذنبا لم بكن له بعادة. وفي الحديث عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيب عن عائشة: أن النبي ﷺ . قال لها: "يا عائشة إنْ كنتِ ألممتِ بذنْبٍ فاسْتَغْفري الله فإنَّ العبْدَ إذا ألمَّ بذنْبٍ ثمَّ تابَ واستغفرَ الله غَفَر لَهُ". وعن ابن عباس وسئل عن الآية (إلاّ اللمم) فقال ألستم أعراباً. أما سمعتم قوله: وَمَنْ زِيارته لِمَامُ قال سفيان: يريد قول الشاعر: بأهلي منْ تَبْغَضُهُ عزيزٌ ... عليَّ ومنْ زيارتُهُ لِمامُ ويروى تحببه. ومنْ أُمُسِي وأُصْبحُ لا أراهُ ... ويطْرُقُني إذا هَجَعَ النِّيامُ أتنْسى إذْ تُودِّعُنا سُلَيْمَى ... بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سُقِيَ البَشام قال: ومثله الإلمام واللَّمة. حكى أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: يقال: أَلْمَمْتُ به إلْماما. وماأتيته إلاَّ لِماما. وقال الشاعر:

стр. 768

لئن آثرتْ بالحبِّ أهل بلادها ... على نازِحٍ منْ أرْضِها لا ألُومُهَا وهلْ يَسْتَوي منْ لا يَرى غيْرَ لَمَّةٍ ... ومنْ هُوَ ثاوٍ عند ليلى مُقيمها والعرب تقول: ما تأتينا إلاّ لِما ما وإلْماما؛ أي في الحين بعد الحين. وقال الشاعر: رِياشي منكم وهَوايَ مَعَكُم ... وإنْ كانت زِيارتكم لِمامَا وقال جرير: كِلاَ يَوْمَيْ أُمامَةَ يومُ صدّ ... وَإنْ لم تَأْتنا إلاَّ لِمَاما وعن الحميدي عن سفيان عن أبي حُسَيْن: اللِّمَامُ: الفينة بعد الفينة. قال صاحب العين: الفينة بعد الفينة. يريد الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللَّمم أن يهمَّ ولا يفعل؛ لأن العرب لا تقول: ألمَّ؛ إلاّ إذا فعل الإتيان؛ لا أنه همَّ به ولم يفعله. قال: واللَّمَمُ في الاستثناء صحيح، لأن الإلمام بالفاحشة فاحشة. فاللَّمَمُ من جنس الفواحش، وهو مستثنى من جملة الكبائر، وسائر الفواحش. وهو فاحشة مغفورة إذا لم يصرّ عليها فاعلها بدليل قوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ). والمغفرة لا تكون إلاَّ عن ذنب.

стр. 769

رجع ولله درّ القائل: فيا نفسِ ما لَقيتِ منْ لاعِج الهوى ... ويا قلبِ ما جَرَّتْ عليك النَّواظرُ ويا عيني مالي ومَالَكِ كلمَا ... هَمَمْتِ بَوَصْلٍ قام لي منك زاجرُ وان الحجا والصونَ والحِلْم والتُّقى ... لَدَيَّ لِرَبَّاتِ الخُدورِ ضَرائرُ أقولُ وقدْ نَمَّ الحليُّ بحرْسِه ... علينا ولا حتْ للصباحِ تَباشيرُ أيا رَبِّ حتَّى الحليّ مما أخافُه ... وحتَّى بياض الصُبح مما أُحاذِرُ وبِتْنا وباتَ الناسُ ساءتْ ... ظنونُهم وثوبي، ممَّا حرَّم اللهُ، طاهِرُ قوله: (لربّات الخدور ضرائر). الضرائر: جمع ضَرَّة. ومنه قول امرئ القيس: عنيفٍ بِتَجْمِيع الضَّرائر فاحِشٍ وضَرَّةُ الإبْهام: لحمة تحتها، ومثلها ضرّة الضَّرْع. والضَّراء من الضُّرّ. وقومٌ أَضِرَّاء. والضِّرَارُ مصدر ضارَّة. وفي الحديث (لا ضرَرَ ولا ضِرار). ومنه: الضِّرَارُ: أي الضُرُّ. وإذا أضرَّ بالرجل المرض قلت: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. والضرير: الرّجل الذَّاهب البصر. والضَّرُورة: اسم لمصدر الاضطرار. وقال صاحب العين: الضَّرُّ والضُّرُّ لغتان. يعني بفتح الضاء وضمها. فإذا

стр. 770

جمعت بين الضَّرِّ والنَّفع: فتحت الضاد. قال الله تعالى: (قُلْ لا أمْلك لِنَفسي نَفْعاً ولا ضَرَّا). وقال ابن دريد الضُّرُّ: الهُزالُ بعينه. وضريرَا الوادي: جانباه وكُلُّ شيء دَنا منك فزاحَمَكَ فقد أضرَّ بك. قال الشاعر: لأمِّ الأرض وَيْلٌ ما أجنتْ ... بحيث أضرَّ بالحَسَنِ السبيلُ ونظير الضُرِّ: الأذى والألم. وأصل الباب: الانتقاض؛ لأن الضَّرَرُ انتقاض الحقِّ. والضريرُ البصر منتقض النور. والضَّرَّتان المرأتان للرجل؛ سميتا بذلك: انتقاض كل واحدة منهما ما كان لضرتها. لأن ما كان للواحدة صار مقتسماً بين الاثنتين. وقوله: أيارَبِّ حتَّى الحليّ مما أخافه البيت. أخذه ابن الزقاق، فقال من أبيات له: وقدْ غَنَّى الحلي على طُلاها ... بِوَسْواسٍ فجاوَبَهُ الوشاحُ

стр. 771

تحاذر منْ عَمود الصُّبحِ نوراً ... مَخافَةَ أن يُلمَّ بنا افتضاح وفي هذا المعنى من العفاف، يقول بعض أهل العصر من قصيدة له: كم ليلة بتنا ونحنُ بمعزلٍ ... عنْ كل واشٍ في الهوى يلْحانِي والليلُ قدْ أرخى السّدول وجنحه ... مذ كان مشتملٌ على الكِتْمانِ وكواكبُ الآفاق تسري وُقْداً ... والرَّاحُ تُطلعُ أنجُما بِبَنانِي ومُنادمي عذبُ المراشفِ أحورٌ ... بالأنْس منه وبالوصالِ حَباني لما رأى ظمئي لخمرةِ ثغره ... مَزَج الكُؤُوسَ بريقه وسَقَانِي وسَقيتُهُ حتى تمايَل عِطْفُه ... والقدُّ لينا مثل خوطِ البانِ وتحيرتْ أجفانه وتمكنتْ ... سنَة الكَرى منْ طرفِه الوسْنانِ وسَّدْتُه عَضُدي وبات مُعانِقي ... وبَرَّدْتُ حرَّ الوجدِ بالرَّشْفانِ ورغبتُ عن فعل اللئام وعفَتي ... تَنْهَى عن الآثام والعصيانِ ما نلتُ إلا ما أباحَ لي التقى ... لو حلت الصَّهباءُ للإنْسانِ في أبيات غير هذه. وفيما أثبتُّ من الحكايات والأخبار، ورقائق هذه الأشعار، ما فيه المقنع والكفاية. ولا يتسع هذا الديوان لاستقصاء الغاية. ويجب على كل من ابتلى بالهوى أن يكتم هواه، ولا يبوح به إلي سواه، وأن يُحذِّر نفسه عواقب ربه، ويشغل بخشيته تعالى شعاب قلبه. ومن ظفر بمن يهوى فليعف، ويتجنب مالا يحل ويكفّ، ويعلم انّ التقى حبل الله؛ فمن تمسك به عصمه، ومن رغب عنه كبته وقصمه. والرفيع من رفع نفسه عن الدنيات، والوضيعُ من مال مع النفس

стр. 772

الأمارة بالسوء الى الشهوات. نسأل الله ربنا أن يعصمنا من الهوى، وأن يحفظنا من المكاره، ويجنبنا البدع والأهواء، ويسلك بنا المحجة البيضاء، ويمنّ علينا بهداه، ويوفقنا الى ما يحبه ويرضاه، ويعمر قلوبنا بمحبته، ويدخلنا في رحمته، ويختم لنا بجنته، بطوله وعزَّته. كمل السفر الأول من النسخة الكبرى من كتاب "كنز الكتاب ومنتخب الآداب" بحمد الله وعونه والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى وعلي آله وصحبه وسلم تسليما. وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر المحرم مفتتح عام ثلاثة وتسعين وتسعمائة عرف الله بركته وخيره.