ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ما يوافق ذلك.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر وهلال بن يحيى، قالا: ثنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة قال: "أخبرني من رفع إلى أبي بكر الصديق ﵁ صاعَ بُر بين اثنين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حماد، عن الحجاج بن أرطاة، قال: "ذهبت أنا والحكم بن عتيبة إلى زياد بن النضر فحدثنا عن عبد الله بن نافع، أن أباه سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني رجل مملوك، فهل لي مال زكاة؟ فقال عمر- ﵁: أما زكاتك على سيدك أن يؤدي عنك عند كل فطر صاعًا من شعير أو تمر أو نصف صاع بُر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير قال: "كنا نخرج زكاة الفطر على عهد عمر بن الخطاب ﵁ نصف صاع".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث قال: "خطبنا عثمان بن عفان ﵁ فقال في خطبته: أدوا زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، عن كل صغير وكبير، وحرٍّ ومملوك، ذكر وأنثى".
حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا القواريري ... فذكر بإسناده عن عثمان ﵁: "أنه خطبهم فقال: أدوا زكاة الفطر مُدَّين من حنطة".
ولم يذكر ما سوى ذلك مما ذكره ابن أبي داود.
فهذا أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ قد أجمعوا في ذلك على ما ذكرنا.
ش: أي: وقد روي في كون صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع أيضًا عن الخلفاء الثلاثة ما يوافق ما روي من الآثار المذكورة.
وأخرج ما روي عن أبي بكر ﵁ بإسناد فيه مجهول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود، وعن هلال بن يحيى
стр. 4027
ابن مسلم الرأي البصري أحد أصحاب أبي حنيفة الكبار، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن عاصم، عن أبي قلابة، قال: "أخبرني من أدى إلى أبي بكر في صدقة الفطر نصف صاع من طعام".
وأخرج ما روي عن عمر بن الخطاب من طريقين:
الأول: عن أبي بكرة، عن أبي عمر أيضًا، عن حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي قاضي الكوفة، كان كثير الإرسال والتدليس، واحتج به الأربعة، وروى له مسلم مقرونًا بغيره.
والحكم بن عتيبة -بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء- الكندي الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة.
وزياد بن النضر ذكره البخاري في "تاريخه" وقال: يكنى أبا النضر وسكت عنه.
وعبد الله بن نافع المدني مولى عبد الله بن عمر فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف.
وقال النسائي: متروك. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. روى له المجماعة.
وأخره البخاري في "تاريخه" (٢): عن علي بن المديني، عن جرير، عن منصور، عن الحكم نحوه.
وقال: ورواه عثمان بن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عن أبي السفر.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور، روى عنه البخاري مقرونا بغيره، وروى له مسلم في مقدمة كتابه، والباقون سوى النسائي.
стр. 4028
عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير -أو عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير- على الاختلاف الذي ذكرناه.
وأخرج ما روي عن عثمان من طريقين أيضًا:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، [عن عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري أبي معمر المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود] (١) عن حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام، عن أبي الأشعث شراحيل بن آدة الصنعاني -من صنعاء الشام- روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
وهذا إسناد صحيح قوي.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن عثمان ﵁ قال: "صاع من تمر، أو نصف صاع من بُرٍّ".
قلت: نصف صاع هو مُدّان من البُر.
الثاني: عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، عن عبد الله بن عمر والقواريري ... إلى آخره.
قوله: "قد أجمعوا في ذلك" أي في إخراج صدقة الفطر من القمح على ما ذكرنا وهو نصف صاع.
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن ابن عباس.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "أمرت أهل البصرة إذْ كنت فيهم أن يعطوا عن الصغير والكبير، والحر والمملوك مُدَّين من حنطة".
стр. 4029
ش: أي: قد روي عن عبد الله بن عباس مثل ما روي عن الخلفاء الثلاثة في كون صدقة الفطر من القمح نصف صاع.
أخرجه عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي الكوفي- قال العجلي: ثقة. روى له مسلم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه لين، عن عطاء بن أبي رباح ... إلى آخره.
وأخرج أبو داود (١): ثنا محمَّد بن المثنى، نا سهل بن يوسف، قال حميد: أُخْبِرْنا عن الحسن قال: "خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا. قال: مَن ها هنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم؛ فإنهم لا يعلمون، فرض رسول الله ﵇ هذه الصدقة صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع قمح، على كل حرٍّ أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فلما قدم عليٌّ ﵁ رأى رخص السعر قال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعًا من كل شيء. قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على مَن صام".
وأخرجه النسائي (٢) وقال: الحسن لم يسمع من ابن عباس.
وكذا قاله الإِمام أحمد وابن المديني وأبو حاتم.
وقال صاحب "تنقيح التحقيق": الحديث رواته ثقات مشهورون لكن فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل.
وقد جاء في مسند أبي يعلى الموصلي (٣) في حديثٍ عن الحسن قال: أخبرني ابن عباس. وهذا إن ثبت دلَّ على سماعه منه، والله أعلم.
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن عمر بن عبد العزيز ﵁ وغيره من التابعين.
стр. 4030
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن حمران، قال: ثنا عوف، قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة كتابًا فقرئ على منبر البصرة وأنا أسمع: أما بعد، فمُرْ مَنْ قِبَلك من المسلمين أن يُخرجوا زكاة الفطر صاعًا من تمر أو نصف صاع من بُر".
ش: أي: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز الخليفة مثل ما روي عن ابن عباس: أن صدقة الفطر من البر نصف صاع.
أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله بن حمران بن أبان القرشي البصري مولى عثمان بن عفان، ثقة روى له مسلم، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي العبدي الهجري، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة، عن (عوف) (٢) قال: "سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ يُقرأ بالبصرة في صدقة رمضان: على كل صغير أو كبير، حرٍّ أو عبد، ذكر أو أنثى نصف صاع من بر أو صاع من تمر".
قلت: عدي بن أرطاة الفزاري من أهل دمشق، استعمله عمر بن عبد العزيز على البصرة، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: يحتج به.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: "في زكاة الفطر: صاع من كل شيء سوى الحنطة، والحنطة نصف صاع".
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب: "في زكاة رمضان قال: صاع تمر أو نصف صاع بُرٍّ".
стр. 4031
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا -أراه- عفان، قال: ثنا شعبة، قال: "سألت الحكم وحمادًا وعبد الرحمن بن القاسم، عن صدقة الفطر، فقالوا: نصف صاع حنطة".
ش: هذا لبيان قوله: "وغيره من التابعين" وهم: إبراهيم النخعي، ومجاهد المكي، وسعيد بن المسيب، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الرحمن ابن القاسم.
وأخرج ما روي عن إبراهيم ومجاهد، عن أبي بكرة بكار، عن أبي عمر حفص ابن عمر الضرير، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور بن المعتمر.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: "صدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، عن كل إنسان نصف صاع من قمح".
حدثنا (٢) جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: "عن كل إنسان نصف من قمح، وما خالف القمح من تمر أو زبيب أو أقط أو شعير أو غيره فصاع".
وأخرج ما روى عن مجاهد من طريق أخر وهو أيضًا صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد ﵁.
وأخرج ما روي عن ابن المسيب بإسناد صحيح: عن عبد الله بن محمد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره.
وقد أخرج عن سعيد فيما مضى من طرق عديدة.
стр. 4032
وأخرج ما روي عن البقية بإسناد صحيح أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو داود، عن شعبة، أنه سأل الحكم وحمادًا فقالا: "نصف صاع حنطة"، قال: وسألت عبد الرحمن بن القاسم وسعد بن إبراهيم فقالا مثل ذلك.
ص: فهذا كل ما روينا في هذا الباب عن رسول الله ﵇، وعن أصحابه من بعده، وعن تابعيهم من بعدهم، كلها على أن صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع، ومما سوى الحنطة صاع، وما علمنا أحدًا من أصحاب رسول الله ﵇ ولا من التابعين رُوي عنه خلاف ذلك، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك إذْ كان قد صار إجماعًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ إلى زمن مَنْ ذكرنا من التابعين.
ش: كلمة "هذا" للتنبيه؛ يُنبه بهذا أن كل ما رواه في هذا الباب عن رسول الله ﵇، وعن أصحابه من بعده، وعن التابعين من بعدهم، على أن صدقة الفطر من القمح نصف صاع، وما سواه نحو التمر والشعير صاع، فإذا كان كذلك؛ يتعين الوقوف
عند ذلك، ولا يُجَاوز إلى غيره.
قوله: "وما علمنا أحدًا ... إلى آخره".
فإن قيل: قد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: "كتب إلينا ابن الزبير: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (٣)، صدقة الفطر صاع صاع".
وروى عن أبي العالية ومسروق وأبي عبد الرحمن كذلك:
стр. 4033
قال ابن أبي شيبة (١): ثنا جرير، عن عاصم، عن أبي العالية، قال: "عن كل إنسان صاع من قمح في صدقة الفطر".
ثنا (٢) غُندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت مسروقًا يقول: "صدقة الفطر: صاع صاع".
ثنا (٣) غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: "صاع صاع عن كل صغير وكبير مكتوب".
قلت: أما حديث أبي الزبير فليس فيه ما يدل على أن صدقة الفطر من القمح صاع، وإنما هو إخبار عن غالب ما كانوا يؤدونه وهو التمر والشعير ونحوهما، وكذلك قول مسروق وأبي عبد الرحمن.
وأما قول أبي العالية فمحمول على أن ذلك صاع بطريق الفضل لا الوجوب، وإنما الواجب هو نصف الصاع على ما دلت عليه الأخبار المذكورة في هذا الباب.
وقال البيهقي في "الخلافيات": جاءت أحاديث في صاع من بر، وأحاديث في نصف صاع، ولا يصح شيء من ذلك.
قلت: فيه نظر؛ لأن في نصف صاع من بر جاءت أخبار صحيحة على ما مرَّ ذكرها، فنفيه منفيٌّ.
ص: ثم النظر أيضًا قد دل على ذلك؛ وذلك أنا رأيناهم قد أجمعوا أنها من الشعير والتمر: صاع.
فنظرنا في حكم الحنطة في الأشياء التي يؤدى عنها التمر والشعير كيف هو؟
فوجدنا كفارات الأيمان قد أجمع أن الإطعام فيها من هذه الأصناف أيضًا، ثم اختلف في مقدارها منها، فقال قوم: مقدار ذلك من التمر والشعير نصف صاع، ومن الحنطة مثل نصف ذلك.
стр. 4034
وقال آخرون: بل هو من الحنطة نصف صاع ومما سوى ذلك صاع، وكلهم قد عدل الحنطة بمثليها من التمر والشعير، فكان النظر على ذلك إذ كانت صدقة الفطر صاعًا من التمر والشعير أن تكون من الحنطة مثل نصف ذلك، وهو نصف صاع.
فهذا هو النظر في هذا الباب أيضًا، وقد وافق ذلك ما جاءت به الآثار التي ذكرنا، فبذلك نأخذ.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: ثم القياس أيضًا "قد دلَّ على" أن صدقة الفطر من القمح نصف صاع؛ "وذلك أنا رأيناهم" أي الأخصام الذين اختلفوا في هذا الباب "أجمعوا أنها" أي أن صدقة الفطر.
قوله: "قد أُجمع" على صيغة المجهول.
قوله: "فقال قوم" أراد بهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الكفارة في اليمين هي مُدٌّ، وهو ربع الصاع.
وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس ﵃.
قوله: "وقال آخرون" أي: جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي، وأبا حنيفة وأصحابه وآخرين، على ما سيجيء مستقصًى إن شاء الله في موضعه.
قوله: "إذْ كانت" أي: حين كانت.
قوله: "فبذلك نأخذ" أشار به إلى أنه اختار في هذا الباب قول أهل المقالة الثانية، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ﵏.
стр. 4035
ص: باب: وزن الصاع كم هو ؟
ش: أي: هذا باب في بيان وزن الصاع كم هو من المقدار؟
قال الجوهري: الصاع الذي يكال به وهو أربعة أمداد، والجمع أصْوُع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزةً، والصواع لغة فيه، ويقال: هو إناء يُشرب فيه.
وقال ابن الأثير: الصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي. وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز.
وقيل: هو رطلان. وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا، أو ثمانية أرطال.
وقال عياض: جمع الصاع أصْوُع وآصُع، ولكن الجاري على العربية أصْوُع لا غير، والواحد صاع وصواع وصُوْع ويقال: أصؤع -بالهمزة لثقل الضمة على الواو- وهو مكيال لأهل المدينة معروف، فيه أربعة أمداد بمد النبي ﵇.
وقال أبو عمر: قال الخليل: الصاع طاس يشرب به.
وفي "المطالع": ويجمع على أصْوُع وصيعان.
ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا محمَّد شجاع وسلمان بن بكار وأحمد بن منصور الرمادي، قالوا: ثنا يلى بن عبيد، عن موسى الجهني، عن مجاهد قال: "دخلنا على عائشة ﵂ فاستسقى بعضنا فأتى بعُسّ. قالت عائشة ﵂: كان النبي ﵇ قبل يغتسل هذا. قال مجاهد: فحزرته فيما أحزر ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال".
ش: ابن أبي عمران هو أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، نزيل مصر، وثقه ابن يونس.
стр. 4036
ومحمد بن شجاع البغدادي أبو عبد الله الثلجي -بالثاء المثلثة- أحد أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي، قد تكلم فيه جماعة من المحدثين، والظاهر أن أكثره تحامل؛ لأنه كان ذا عبادة وتلاوة.
وسليمان بن بكار بن سليمان السبائي أبو الربيع المصري.
وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي شيخ ابن ماجه وأبي عوانة الإسفراييني، قال الدارقطني: ثقة.
ويعلى بن عبيد الإيادي روى له الجماعة.
وموسى بن عبد الله الجهني أبو عبد الله الكوفي، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وهذا الإسناد صحيح.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن عبيد، قال: نا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن موسى الجهني قال: "أتي مجاهد بقدح فقال: حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله ﵇ كان يغتسل بمثل هذا".
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢) من طريق موسى الجهني: "كنت عند مجاهد، فأتي بإناء يسع ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال فقال: قالت عائشة ﵂: كان رسول ﵇ يغتسل بمثل هذا".
قوله: "فأتي بعُسٍّ" العُسّ -بضم العين وتشديد السين المهملتين-: وهو القدح الكبير، ويجمع على أَعْساس وعِسَاس.
ص: قال أبو جعفر: فذهب ذاهبون بلى أن وزن الصاع ثمانية أرطال. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا: لم يَشُك مجاهد في الثمانية، وإنما شَك فيما فوقها، فثبتت الثمانية بهذا الحديث وانتفى ما فوقها. وممن قال بهذا القول أبو حنيفة ﵀.
стр. 4037
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين إلى أن وزن الصاع ثمانية أرطال: الحجاج بن أرطاة، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي، وأحمد في رواية، وممن قال بذلك أبو حنيفة.
واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
بيان ذلك: أنه قد ثبت في "الصحيح" (١): "أنه ﵇ كان يغتسل بالصاع". ثم إن "العُسَّ" المذكور في حديث عائشة كان مثل الصاع الذي يغتسل به رسول الله ﵇، لقول عائشة ﵂: "كان النبي ﵇ يغتسل بمثل هذا".
ثم إن مجاهدًا لما حزره حزره بثمانية أرطال أو بتسعة أو بعشرة، فحصل اليقين في الثمانية، وإنما الشك فيما فوقها، فثبتت الثمانية وانتفى ما فوقها.
وبهذا الكلام حصل الجواب عما قاله ابن حزم في "المحلى": وهذا لا حجة فيه؛ لأن موسى قد شك في هذا الإناء من ثمانية أرطال إلى عشرة، وهم لا يقولون: إن الصاع لا يزيد على ثمانية أرطال ولا فلسًا.
فإن قيل: إن النبي ﵇ لم يُعيّر له الماء للغسل بكيل معلوم ولا كان يتوضأ ويغتسل بإناء مخصوص، بل قد توضأ واغتسل في الحضر والسفر بلا مراعاة لمقدار الماء، وقد صح أنه اغتسل هو وعائشة جميعًا من إناء يسع ثلاثة أمداد، ومن إناء أيضًا يُسمى الفَرَق، وأيضًا من إناء يسع فيها خمسة أمداد، وأيضًا بخمسة مكاكي، فإذا كان كذلك فكيف يستدل بحديث عائشة المذكور أن الصاع ثمانية أرطال؟!
قلت: المراد من هذا ثبوت كون الصاع ثمانية أرطال فقط لا التعرض إلى بيان مقدار ما كان يغتسل به النبي ﵇،وقد دلَّ قول عائشة ﵂: "كان النبي ﵇ يغتسل بمثل هذا" مع حزر مجاهد ذلك الإناء بثمانية أو أكثر على المدعى وهو المطلوب.
على أن ابن عدي أخرج في "الكامل" (٢): عن عمر بن موسى بن وجيه، عن
стр. 4038
عمرو بن دينار، عن جابر قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال".
وكذلك الدارقطني (١): عن جعفر بن عون، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال".
ولا يضر ما ذكرنا ما قالوا من تضعيف إسناد هذين الحديثين؛ لأنا ذكرناهما استئناسًا لما ذكرنا وشاهدًا له، والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: وزنه خمسة أرطال وثلث رطل. وممن قال ذلك: أبو يوسف.
ش: أي: خالف الذاهبين إلى حديث مجاهد عن عائشة في وزن الصاع جماعة آخرون، وأراد بهم: أهل المدينة نحو ربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعيد بن المسيب ومالكًا وآخرين غيرهم، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد؛ فإنهم قالوا: وزن الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، وممن قال ذلك: أبو يوسف ﵀، ولم يذكر الطحاوي محمَّد بن الحسن مع مَن هو؟ وذكر أصحابنا في كتبهم أن كون الصاع ثمانية أرطال هو قول أبي حنيفة ومحمد، وكونه خمسة وثلثًا هو قول أبي يوسف، ولعلَّ عن محمَّد روايتان فلذلك لم يذكره ها هنا كما هو عادته، وذكره فيما بعد.
ص: وقالوا: هذا الذي كان يغتسل به رسول الله ﵇ هو صاع ونصف وذكروا في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة، عن جعفر بن بُرقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد وهو الفَرَق".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد من قدح يقال له: الفَرَق".
стр. 4039
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب ... فذكر بإسناده نحوه.
قالوا: فلما ثبت بهذا الحديث الذي روي عن عائشة: أن رسول الله ﵇ كان يغتسل هو وهي من الفَرَق، والفَرَق ثلاثة أصوع، كأن ما يغتسل به كل واحد منهما صاعًا ونصفًا.
فإذا كان ذلك ثمانية أرطال كان الصاع ثلثها، وهو خمسة أرطال وثلث. وهذا قول أهل المدينة أيضًا.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون: هذا بيان استدلالهم لما قالوا: وزن الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، تقريره أن الإناء الذي كان يغتسل به رسول الله ﵇ كانت صاعًا ونصفًا؛ لأن عائشة- ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد وهو الفرق، والفرق ثلاثة أصوع، فحينئذ يكون ما اغتسل به كل واحد منهما صاعًا ونصفًا، فإذا كان المذكور في رواية مجاهد عن عائشة: ثمانية أرطال، يكون الصاع ثلث الفَرَق وهو خمسة أرطال وثلث؛ لأن الفرق ستة عشر رطلًا، وهي ثلاثة أصوع، وثلث ستة عشر، خمسةٌ وثلث.
ثم الفرق -بفتح الفاء والراء وبإسكانها- أيضًا لغتان والفتح أفصح وأشهر، وزعم الباجي أنه الصواب، وليس كما زعم، بل هما لغتان.
وقال ابن الأثير: الفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثني عشر مدًّا، وثلاثة أصوع عند أهل الحجاز، وقيل: الفَرَق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع، فأما الفرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلا، وقال أصحابنا في كتب الفقه: الفَرَق ستة وثلاثون رطلًا، وكذا ذكره صاحب "الهداية" ثم علله بقوله: لأنه أقصى ما يقدر به.
وقال القاضي: قال أحمد بن يحيى: الفرق اثني عشر مُدًّا، وقال أبو الهيثم: هو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وذلك ثلاثة آصع، وكذلك فسره سفيان في كتاب مسلم
стр. 4040
أنه ثلاثة آصع، وحكي عن أبي زيد أنه إناء يسع أربعة أرباع، وقال غيره: هو إناء ضخم من مكاييل أهل العراق.
قلت: فعل هذا لم يتقرر الفرق على ستة عشر رطلًا، فلم يكن ثلاثة أصوع، ولا كان الصاع خمسة أرطال وثلثًا، فحينئذ لم يتم استدلالهم بما ذكروه، فافهم.
ثم إنه أخرج حديث عائشة من ثلاثة طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري وأبي داود، عن زائدة بن قدامة، عن جعفر بن برقان الكلابي الجزري، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يغتسل من إناء -وهو الفَرَق- من الجنابة".
قال معمر: عن الزهري في الحديث قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد. فيه قدر الفَرَق".
وأخرجه مسلم (٢) نحوه.
الثاني: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه سواء.
стр. 4041
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد القرشي المقرئ القصير شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنهما قالت: "كان رسول الله ﵇ يغتسل في القدح هو الفَرَق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد".
قوله: "من إناء واحد، من قدح" كلمة "مِن" في قوله: "من إناء" لبيان الجنس، والتي في قوله: "من قدح" لبيان النوع، وليس المراد أنه كان يغتسل بملء الفرق، بدليل الحديث الآخر: "كان يغتسل بالصاع".
واعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء الذي يجزئ في الغسل والوضوء غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغَسل وهو جريان الماء على الأعضاء؛ لأن الغَسل هو الإسالة، فإذا لم يسل يصير مسحًا، وذا لا يجوز، وقال الشافعي (٢):
وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي. وقالوا: المستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مُدّ.
وأجمعوا أيضًا على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطيء البحر.
ثم الأظهر أنه كراهة تنزيه لا تحريم، خلافًا لبعض الشافعية.
ص: وكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: أن حديث عروة عن عائشة إنما فيه ذكر الفَرَق الذي كان يغتسل منه رسول الله ﵇ وهي، ولم يُذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه، هل هو ملؤه أو أقل من ذلك؟ فقد يجوز أن يكون كان يغتسل هو وهي بملئه، ويجوز أن يكون كان يغتسل هو هي بأقل من ملئه، فما هو صاعان فيكون كل واحد منهما مغتسلًا بصاع من ماء، ويكون معنى هذا الحديث موافقًا لمعاني الأحاديث
стр. 4042
التي رويت عن رسول الله ﵇ أنه كان يغتسل بصاع؛ فإنه قد روي عنه في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن إبراهيم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع".
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مسلم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يغتسل بالصاع".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا هُدْبة بن خالد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يغتسل بقدر الصاع، ويتوضأ بقدر المد".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا أبان، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "بالمد ونحوه".
حدثنا محمَّد بن العباس بن الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا المبارك بن فضالة، قال: حدثني أبي، عن معاذة، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية، عن عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك قال: "سألنا أنسًا عن الوضوء الذي يكفي الرجل من الماء، فقال كان رسول الله ﵇ يتوضأ من مد فيسبغ الوضوء، وعسى أن يفضل منه، قال: وسألناه عن الغسل من الجنابة كم يكفي من الماء؟ قال: الصاع. فسألت أعن النبي ﵇ ذكر الصاع؟ قال: نعم مع المد".
стр. 4043
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا بشر، قال: ثنا أبو ريحانة، عن سفينة مولى أم سلمة ﵄ قال: "كان رسول الله ﵇ يغسله الصاع من الماء ويوضيه المد".
ففي هذه الآثار: أن رسول الله ﵇ كان يغتسل بصاع وليس فيه مقدار وزن الصاع كم هو؟ وفي حديث مجاهد عن عائشة: ذكر ما كان يغتسل به وهو ثمانية أرطال.
وفي حديث عروة عن عائشة أنها كانت تغتسل هي ورسول الله ﵇ من إناء هو الفَرَق. ففي هذا الحديث ذكر ما كانا يغتسلان منه خاصةً، وليس فيه ذكر مقدار الماء الذي كانا يغتسلان به، وفي الآثار الأُخر ذكر مقدار الماء الذي كان يغتسل به، وأنه
كان صاعًا.
فثبت بذلك لما صححت هذه الآثار وجُمعت وكشفت معانيها، أنه كان يغتسل من إناء هو الفَرَق، وبصاع وزنه ثمانية أرطال، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة، وقد قال بذلك أيضًا محمَّد بن الحسن.
ش: أي: وكان من الحجة والبرهان عليهم، أي على أهل المقالة الثانية لأهل المقالة الأولى، وأراد بذلك الجواب عما استدلوا به، بيان ذلك: أن حديث عروة عن عائشة ليس فيه إلا ذكر الفَرَق الذي كان النبي ﵇ وعائشة يغتسلان منه، ولم يذكر
فيه مقدار الماء الذي كان فيه، هل كان ملء الفرق أو أقل منه؟ فهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكونا قد اغتسلا منه وهو ملآن.
والآخر: أن يكونا قد اغتسلا منه بأقل من ملئه بما هو صاعان فيكون كل واحد منهما مغتسلا بصاع من ماء، فحينئذٍ يكون معنى هذا الحديث موافقًا لمعاني الأحاديث الأُخَر التي فيها أنه كان يغتسل بصاع، فإنه روي ذلك في حديث عائشة أيضًا وحديث أنس وحديث جابر بن عبد الله وحديث سفينة مولى النبي ﵇ على ما نذكره، وقد ذكر في أحاديثهم أنه ﵇ كان يغتسل بصاع، ولكن لم يبين فيها
стр. 4044
مقدار وزن الصاع كم هو، وذكر في حديث مجاهد عن عائشة المذكور في أول الباب أنه كان يغتسل بثمانية أرطال، وذكر في حديث عروة عن عائشة أنها قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد من قدح يقال له: الفَرَق" والمذكور فيه ما كانا يغتسلان منه فقط، وليس فيه بيان المقدار الذي اغتسلا منه، وفي الأحاديث الأُخَر ذكر مقدار الماء الذي كان ﵇ يغتسل به وهو الصاع.
فتصحيح معاني هذه الآثار يقتضي أنه كان يغتسل من إناء هو الفَرَق، وبصاع وزنه ثمانية أرطال، وهذا لاخفاء فيه، فإذا كان كذلك يثبت به ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى، والله أعلم.
ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ من سبع طرق:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن عبد الرحيم بن سليمان الأشلّ الطائي، عن حجاج بن أرطاة النخعي الكوفي القاضي، عن إبراهيم بن المهاجر البجلي، عن صفية بنت شيبة الحاجب، المختلف في صحبتها، عن عائشة ﵂.
وهذا إسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
الثاني: عن فهد أيضًا، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح (١).
الثالث: عن فهد أيضًا، عن يحيى الحماني أيضًا، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن مسلم بن كيسان الضبي الملائي البرَّاد الكوفي الأعور، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عائشة.
وهذا معلول بمسلم بن كيسان؛ فإنه ضعيف، فقال أحمد: لا شيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال البخاري: ذاهب الحديث. وقال
стр. 4045
النسائي: متروك. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان لا يدري ما يحدث به.
الرابع: عن أحمد بن داود المكي، عن هدبة بن خالد شيخ الشيخين وأبي داود، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا هدبة، نا همام، نا قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يغتسل بقدر الصاع ويتوضأ بقدر المد".
الخامس: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة.
وهذا أيضًا صحيح.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة "أن النبي ﵇ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد".
قال أبو داود: رواه أبان، عن قتادة، قال: سمعت صفية.
وأخرجه البيهقي (٣): من رواية عفان، عن أبان، عن قتادة، حدثتني صفية.
وأخرجه الدارقطني (٤): من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة؛ وقال: "بنحو المد ونحو الصاع".
السادس: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة.
стр. 4046
وهذا أيضًا صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن صفية ابنة شيبة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد أو نحوه".
السابع: عن محمَّد بن العباس بن الربيع الغبري البصري، عن أسد بن موسى، عن المبارك بن فضالة وثقة ابن حبان وضعفه أحمد، وقال العجلي: لا بأس به. وقال أبو داود: كان شديد التدليس، وهو يروي عن أبيه فضالة بن أبي أمية القرشي العدوى وثقه ابن حبان، عن معاذة بنت عبد الله العدوية البصرية أم الصهباء، روى لها الجماعة.
وأخرج حديث أنس ﵁ عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي شيخ البخاري وأبي داود، عن بقية بن الوليد الحمصي، قال في "الميزان": كان مدلسًا، فإذا قال: "عن" فليس بحجة.
وقال ابن عدي: إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت.
وقال العجلي: ثقة فيما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء، استشهد به البخاري، وروى له مسلم في المتابعات، واحتج به الأربعة.
عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشامي الأردني الطبراني، وثقه ابن حبان، وقال النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بالقوي. وعن يحيى: ثقة. وعنه: ضعيف. روى له الأربعة.
عن عبد الله بن عبد الله بن جَبر -بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة- بن عتيك، ويقال: جابر بن عتيك الأنصاري المدني، روى له الجماعة.
وأخرج البخاري (٢): عن أبي نعيم، ثنا مسعر، قال: حدثني ابن جَبر، قال:
стр. 4047
سمعت أنسًا يقول: "كان النبي ﵇ يغسل -أو يغتسل- بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد".
وأخرجه مسلم (١): عن قتيبة بن سعيد، قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن ابن جبر، عن أنس قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد".
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن الصباح البزاز، قال: أنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن عبد الله بن جَبر، عن أنس قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع".
وأخرج حديث جابر بن عبد الله: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، فيه مقال؛ فعن أحمد: لم يكن بالحافظ. وعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ليس بالقوي. وعنه: ضعيف الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الأربعة.
عن سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن محمَّد بن حنبل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: "كان النبي ﵇ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد".
قلت: انفرد به أبو داود عن بقية الستة.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤) بهذا الطريق.
стр. 4048
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (١) بهذا اللفظ: عن طريق محمَّد بن الفضل، عن الحصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.
قال: النووي: حديث جابر ضعيف؛ فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. وقال المنذري: لا يحتج به.
قلت: قد تابعه عليه حصين كما رواه الحاكم، فيكون حديثه حسنًا بالمتابعة، على أن يزيد لم ينسب للكذب ولا للفسق ولا فَحُشَ خطؤه.
فإن قيل: فيه سالم بن أبي الجعد وهو مدلس كما قال الذهبي، وقد عنعن.
قلت: لعل أبا داود اطلع على تصريحه بسماعه من جابر؛ فلذلك سكت عليه حين أخرجه.
وأخرج حديث سفينة مولى أم سلمة، وهو مولى رسول الله ﵇ ولكنه كان عبًدا لأم سلمة زوج النبي ﵇ فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم رسول الله ﵇ حياته.
وقد اختلف في اسمه فقيل: بحران، وقيل: رومان، وقيل: قيس، وقيل: شَنْبَة ابن مارفنّة من أبناء فارس.
عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن بشر بن المفضل، عن أبي ريحانة عبد الله بن مطر البصري، عن سفينة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (٢): نا إبراهيم، نا مسلم.
وحدثني أبو كامل الجحدري وعمرو بن علي، كلاهما عن بشر بن المفضل -قال أبو كامل: ثنا بشر- قال: ثنا أبو ريحانة، عن سفينة قال: "كان رسول الله ﵇ يغسله الصاع من الماء من الجنابة ويوضئه المد".
стр. 4049
ص: وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أيضًا ما يدل على هذا المعنى.
حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن جَبْر، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد وهو رطلان".
حدثنا فهد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله -يعني ابن جِبْر- عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع".
فهذا أنس قد أخبر أن مُدَّ رسول الله ﵇ رطلان، والصاع أربعة أمداد، فإذا ثبت أن المدَّ رطلان، ثبت أن الصاع ثمانية أرطال.
ش: أي: قد روي عن أنس ما يدل على أن الصاع ثمانية أرطال، وهو قوله: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد وهو رطلان"، فقد أخبر أن مُدَّ رسول الله ﵇ رطلان، فإذا ثبت أن المد رطلان ثبت أن الصاع ثمانية أرطال؛ لأن المُدّ ربع الصاع بلا خلاف.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن الحماني، عن شريك ابن عبد الله النخعي، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الله بن جَبْر بن عتيك، عن أنس بن مالك.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن شريك ... إلى آخره
وأخرجه الدارقطني من طريقين أخرين:
الأول (١): عن جعفر بن عون، نا ابن أبي ليلى، ذكره عن عبد الكريم، عن أنس قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ بمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال".
стр. 4050
والثاني (١): عن أحمد بن محمَّد بن زياد القطان وعلي بن الحسن السواق، قالا: ثنا محمَّد بن غالب، نا أبو عاصم موسى بن نصر الحنفي، نا عبدة بن سليمان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن جرير بن يزيد، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ كان
يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال".
فإن قيل: قال البيهقي: إسناد حديث الدارقطني ضعيف.
قلت: قد حَسُنَ إسناده بما رواه الطحاوي بإسناد صحيح، وتقوى أيضًا بما أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢): عن عمر بن موسى بن وجيه الوجيهى، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ بالمد رطلين، ويغتسل ثمانية أرطال".
فإن قيل: قال البيهقي: صاع الزكاة وصاع الغسل مختلفان، وأن قدر ما يغتسل به كان يختلف باختلاف الاستعمال، فلا معنى لترك الأحاديث الصحيحة في قدر الصاع المعد للزكاة.
قلت: هذا من البيهقي مجرد دعوى بلا برهان؛ لأنه لم يذكر ولا حديثًا واحدًا فيه تعيين قدر الصاع المعد لزكاة الفطر، وأنه خمسة أرطال وثلث، فافهم.
ص: فإن قال قائل: إن أنس بن مالك ﵁ قد روي عنه خلاف هذا، فذكر ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله بن جَبْر، سمع أنس بن مالك يقول: "إن النبي ﵇ كان يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمس مكاكي".
قال: فهذا الحديث يخالف الحديث الأول.
قيل له: ما في هذا عندنا خلاف له؛ لأن حديث فريك إنما فيه أن رسول الله ﵇ كان يتوضأ بالمد، وقد وافقه على ذلك عتبة بن أبي حكيم فروى عن عبد الله بن جَبْر
стр. 4051
نحوًا من ذلك، فلما روى شعبة ما ذكرنا عن عبد الله بن جَبْر؛ احتمل أن يكون أراد بالمكوك المد؛ لأنهم كانوا يسمون المد مكوكًا، فيكون الذي كان يتوضأ به مدًّا، ويكون الذي يغتسل به خمس مكاكي، يغتسل بأربعة منها وهي أربعة أمداد وهي صاع، ويتوضأ بأخر وهو مد، فجمع في هذا الحديث ما كان يتوضأ به للجنابة، وما كان يغتسل به لها وأفرد في حديث عتبة ما كان يغتسل به لها خاصةً دون ما كان يتوضأ به، وإن كان ذلك الوضوء لها أيضًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: استدلالكم بما روى عبد الله بن جَبْر عن أنس لا يتم؛ لأنه روي عنه ما يخالف هذا، وهو: "أنه كان يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمس مكاكي".
وتقريرالجواب أن يقال: لا نسلم المخالفة المذكورة؛ لأن المذكور فيما رواه شريك عن عبد الله بن جَبْر عن أنس: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بالمد"، وقد وافقه على ذلك عتبة بن أبي حكيم فيما روي فيما مضى، حيث قال: حدثني عبد الله بن جَبْر بن عتيك قال: "سألنا أنسًا عن الوضوء الذي يكفي الرجل، قال: كان رسول الله ﵇ يتوضأ من مُد"، فلما روى شعبة بن الحجاج في هذا الحديث عن عبد الله بن جَبْر، عن أنس: "أنه ﵇ كان يتوضأ بالمكوك" احتمل أن يكون أراد بالمكوك المد؛ لأنهم كانوا يسمون المُد مكوكًا، قال ابن الأثير: المكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه؛ لأنه جاء في الحديث مفسرًا بالمد.
فحينئذٍ يكون الذي كان يتوضأ به مدًّا، ويتفق معنى الأحاديث، ويكون الذي يغتسل به خمس مكاكي، كان يغتسل بأربعة منها أي بأربع مكاكيك وهي أربعة أمداد وهي صاع، ويتوضأ بمكوك آخر وهو مُدّ، غاية ما في الباب أنه جمع في حديث شعبة هذا ما كان يتوضأ للجنابة وما كان يغتسل به لها، حيث قال: "ويغتسل بخمس مكاكي"، وأما في حديث عتبة بن أبي حكيم فقد فصَّل، وأفرد ما كان يغتسل به للجنابة خاصة، وما كان يتوضأ به خاصة أيضًا؛ وذلك لأن عتبة قال: "سألنا أنسًا عن الوضوء الذي يكفي الرجل من الماء، فأجاب أنس بأنه ﵇ -
стр. 4052
كان يتوضأ من مد" ثم قال: "سألنا أنسًا عن الغسل من الجنابة كم يكفي من الماء؟ قال: الصاع ... " الحديث، فبحسب تفصيل السؤال أجاب بتفصيل الجواب.
ثم إسناد حديث شعبة عن ابن جَبْر عن أنس صحيح.
وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري.
وأخرجه مسلم (١): نا إبراهيم، نا مسلم، نا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي.
ونا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جَبْر، قال: سمعت أنسًا قال: "كان رسول الله ﵇ يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك".
وأخرجه النسائي (٢): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن جَبْر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي".
وأخرجه أبو داود (٣) أيضًا.
ثم "المكوك" بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى، وهي إناء يسع المد معروف عندهم، ويقال: المكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، وقال عياض: المكوك مكيال لأهل العراق يسع صاعًا ونصف صاع بالمدني.
وقال الجوهري: المكوك مكيال، وهي ثلاث كيلجات، والكيلجة مَنا وسبعة أثمان مَنا، والمَنا رطلان، والرطل اثنى عشر أوقية، والأوقية إستار وثلثا إستار، والاستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانيق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوح، والطسوح حبتان، والحبة سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم. انتهى.
стр. 4053
ثم المكوك يجمع على مكاكيك وعلى مكاكيّ أيضًا على إبدال الياء من الكاف الأخيرة، فيقال: مكاكي بتشديد الياء، فقد وقع في رواية مسلم: "مكاكيك" وفي رواية الطحاوي والنسائي: "مكاكي".
ص: وسمعت ابن أبي عمران، يقول: سمعت ابن الثلجي، يقول: إنما قُدِّرَ الصاع على وزن ما يعتدل كيله ووزنه من الماش والزبيب والعدس، فإنه يقال: إن قيل ذلك ووزنه سواء.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن المعتبر في الصاع الذي هو ثمانية أرطال أن يكون كيلًا ووزنًا، فعلى هذا يعتبر فيما يستوي كيله ووزنه، مثل الماش والزبيب والعدس، فإذا كان الصاع يسع ثمانية أرطال من العدس أو الماش مثلًا فهو الصاع الذي يكال به الشعير والتمر.
وروي عن أبي حنيفة أنه يعتبر وزنًا؛ لأن الناس إذا اختلفوا في صاع يقدرونه بالوزن، فدل أن المعتبر هو الوزن، وروي عن محمَّد أنه يعتبر كيلًا؛ لأن النص ورد باسم الصاع، وأنه مكيال لا يختلف وزن ما يدخل فيه خفةً وثقلًا، فوجب اعتبار الكيل المنصوص عليه وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا وزن وأدي، جاز عند أبي حنيفة ولا يجوز عند محمَّد.
قوله: "وسمعت ابن أبي عمران" هو أحد مشايخه الذين أخذ عنهم الفقه، وهو أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر.
وابن الثلجي: بالثاء المثلثة، هو محمَّد بن شجاع بن الثلجي الفقيه الكبير من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي.
ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا علي بن صالح وبشر بن الوليد، جميعًا عن أي يوسف قال: "قدمت المدينة فأخرج إلى من أثق به صاعًا، فقال: هذا صاع النبي ﵇. فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل".
وسمعت ابن أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس ﵀.
стр. 4054
وسمعت أبا خازم يذكر أن مالكًا سئل عن ذلك فقال: هو تحري عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب ﵁.
فكأنَّ مالكًا لما ثبت عنده أن عبد الملك تحرى ذلك من صاع عمر ﵁، وصاع عمر صاع النبي ﵇، وقد قُدِّر صاع عمر- ﵁ على خلاف ذلك.
فحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حُميد، قال: ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة قال: "الحجاجي صاع عمر بن الخطاب ﵁".
حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "عيَّرنا الصاع فوجدنا حجاجيًّا، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سفيان بن بشر الكوفي، قال: ثنا شريك، عن مغيرة وعبيدة، عن إبراهيم قال: "وضع الحجاج قفيزه على صاع عمر ﵁".
فهذا أولى مما ذكره مالك من تحري عبد الملك؛ لأن التحري ليس معه حقيقة، وما ذكره إبراهيم وموسى بن طلحة من العيار معه حقيقة؛ فهذا أولى، والله أعلم.
ش: أشار بهذا إلى أن أبا يوسف قد احتج لما ذهب إليه أيضًا بما وقف عليه من صاع النبي ﵇ بإخراجه إليه من يثق به، ثم أشار إلي ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله.
أما الأول: فأخرجه عن أحمد بن أبي عمران الفقيه البغدادي عن علي بن صالح [...] (١) وبشر بن الوليد بن خالد بن الوليد الكندي القاضي، أحد أصحاب أبي يوسف خاصة، وأحد الأئمة الأعلام، الثقة المأمون، كلاهما عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي، أكبر أصحاب أبي حنيفة قال: "قدمت ... " إلى آخره.
стр. 4055
وأخرج البيهقي في "سننه" (١): من طريق الحسن بن منصور، نا الحسن بن الوليد قال: "قدم علينا أبو يوسف من الحج فأتيناه، فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابًا من العلم همني ففحصت عنه؛ قدمت المدينة فسألت عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﵇. قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتك بالحجة [غدًا] (٢)، فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يُخبر عن أبيه أو أهل بيته: أن هذا صاع رسول الله ﵇، فنظرت فإذا هي سواء.
قال: فعيَّرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان معه يسير، فرأيت أمرًا قويًّا، فقد تركت قول أبي حنيفة، في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة".
وأخرج أيضًا (٣): عن محمَّد بن عبد الوهاب الفراء، سمعت أبي يقول: "سأل أبو يوسف مالكًا عند أمير المؤمنين عن الصاع كم هو رطلًا؟ قال: السنة عندنا أن الصاع لا يُرطل ففحمه".
قال محمَّد بن عبد الوهاب: وسمعت الحسين بن الوليد يقول: قال أبو يوسف: "فقدمت المدينة فجمعنا أبناء أصحاب رسول الله ﵇ ودعوت بصاعاتهم، فكلٌّ حدثني عن آبائهم، عن رسول الله ﵇ أن هذا صاعه، فقَدَّرْتها فوجدتها مستويةً، فتركت قول أبي حنيفة ورجعت إلى هذا".
قوله: "فأخرج إليَّ من أثق به" قد بيَّنه أحمد بن أبي عمران بقوله: "يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس ﵀.
قوله: "وسمعت أبا خازم" بالخاء والزاي المعجمتين، واسمه عبد الحميد بن عبد العزيز البصري، أحد أصحاب أبي حنيفة، وحكايته عن مالك منقطعة؛ لأنه لم يدركه. وأراد بعبد الملك هو ابن مروان بن الحكم أمير المؤمنين.
стр. 4056
وأما الثاني: فهو قوله: وقد قدر صاع عمر ﵁ على خلاف ذلك أي على خلاف ما روي عن مالك، فأخرجه من ثلاث وجوه:
الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه والبخاري في غير الصحيح، وعن يحيى: ثقة. وعن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته.
عن وكيع بن الجراح روى له الجماعة، عن علي بن صالح بن صالح حي الهمداني أبي الحسن الكوفي روي له الجماعة إلا البخاري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن موسى بن طلحة بن عبيد الله أبي عيسى التيمي المدني، روي له الجماعة.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن موسى بن طلبة: "أن القفيز الحجاجيّ قفيز عمر أو صاع عمر".
ثم طعن ابن حزم أن فيه مجهولًا، ورواية الطحاوي ليس فيها مجهول.
الثاني: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد أيضًا، عن وكيع بن الجراح، عن أبيه الجراح بن مليح الكوفي روى له الجماعة سوى النسائي، البخاري في غير "الصحيح".
عن مغيرة بن مقسم الضبي أبي هاشم الكوفي الفقيه الأعمى روى له الجماعة، عن إبراهيم النخعي.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سفيان بن بشر بن أيمن بن غالب الأسدي الكوفي ذكره ابن يونس وقال: كوفي قدم مصر، وسكت عنه.
стр. 4057
عن شريك بن عبد الله النخعي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، وعن عبيدة بن معتب الضبي الكوفي فيه مقال، استشهد به البخاري، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
كلاهما يرويان عن إبراهيم النخعي.
قوله: "الحَجَّاجي" أي: الصاع الحجاجي، وهو نسبة إلى حجاج بن يوسف الثقفي، وهو الذي وضع الصاع الذي هو ثمانية أرطال على صاع عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: "قفيزه" القفيز بفتح القاف وكسر الفاء، قال الجوهري: القفيز مكيال وهو ثمانية مكاكيك، والجمع: أقفزة وقفزان.
وقال ابن الأثير: القفيز مكيال يتواضع الناس عليه وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك.
قوله: "فهذا أولى" أي الحجاجي الذي هو على صاع عمر ﵁ أولى مما ذكره مالك؛ لأن فيما ذكره تحري عبد الملك بن مروان، وليس في التحري حقيقة، وما ذكره إبراهيم النخعي وموسى بن طلحة من العيار فيه حقيقة، فهذا أولى، والله أعلم.
فإن قيل: قال ابن حزم: وهذه الآثار ولئن سلمنا صحتها- ولكنها لا تنفعهم؛ لأنا لا ننازعهم في صاع عمر- ﵁ ولا في قفيزه، إنما ننازعهم في صاع النبي ﵇، ولسنا ندفع أن يكون لعمر ﵁ صاع وقفيز ومُدّ، رتبه لأهل العراق لنفقاتهم وأرزاقهم كما بمصر الوَيْبَة والأردب، وبالشام المدّ.
قلت: الجواب عنه ما ذكرنا من أنه لم ينقل ذلك بنقل صحيح أن عمر ﵁ وضع صاعًا دون صاع النبي ﵇، ولئن سلمنا أنه فعل ذلك فالظاهر أن الحجاج إنما وضع قفيزه على صاع عمر الذي هو كان على صاع النبي ﵇.
стр. 4058
ص: كتاب الصيام
ش: أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصيام، ولما فرع عن بيان العبادة المالية شرع في بيان العبادة البدنية، وكان المناسب أن يذكر كتاب الصوم عقيب كتاب الصلاة؛ لكون كل منهما عبادةً بدنية، وكتاب الزكاة بحذاء كتاب الحج؛ لكون الصوم عبادة بدنية وكون الحج عبادة بدنية ومالية، ولكن لما كان اتصال الزكاة بالصلاة أشد وأكثر حيث ذكرتا في القرآن والحديث متقارنتين، ذكرت الزكاة عقيب الصلاة، ثم قدم الصوم على الحج لكثرة دورانه بالنسبة إلى الحج، فكان الاهتمام إلى بيانه أقوى.
والصوم في اللغة: عبارة عن الإمساك مطلقًا. وقال الجوهري: الصوم الإمساك عن الطعام، وقد صام الرجل صومًا وصيامًا، وقوم صُوَّم -بالتشديد- وصُيَّم، وصام الفرس صومًا أي قام على غير اعتلاف، قال النابغة الذبياني:
خيلٌ صيامٌ وأخرى غَيرُ صائمةٍ ... تحت العَجاجِ وأُخرى تَعْلُكُ اللُّجُما
قلت: الصيام يأتي مصدرًا كقام قيامًا، ويأتي جمع صائم أيضًا كقيام جمع قائم، ونيام جمع نائم.
والصوم في الشرع: عبارة عن الكف عن المفطرات الثلاث نهارًا مع النية.
стр. 4059
ص: باب: الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم
ش: أي: هذا باب في بيان الوقت الذي يحرم فيه أكل والشرب والجماع على الصائم.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حُبيش قال: "تسحرت ثم انطلقت بلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة فدخلت عليه، فأمر بلقحة فحلبت وبقدرٍ فسخنت، ثم قال: كُلْ. فقلت: إني أريد الصوم. فقال: وأنا أريد الصوم. قال: فأكلنا وشربنا ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة. قال: هكذا فعل بي رسول الله ﵇ -أو صنعت مع رسول الله ﵇. قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح غير أن الشمس لم تطلع".
ش: إسناده صحيح. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
وزِرّ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الراء.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا حماد بن سلمة، أنا عاصم بن بهدلة ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه "قلت أبعد الصبح؟ قال: نعم هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس.
قال: وبين بيت حذيفة وبين المسجد كما بين مسجد ثابت وبُستان حوط. وقد قال حماد أيضًا: وقال حذيفة: هكذا صنعت مع النبي ﵇ وصنع بي النبي ﵇".
وأخرج النسائي (٢): أنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، عن عديّ قال: سمعت زر بن حبيش قال: "تسحرنا مع حذيفة، ثم خرجنا إلى الصلاة، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأقيمت الصلاة وليس بينهما إلا هنيهة".
стр. 4060
أنا (١) محمَّد بن يحيى بن أيوب، قال: أنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر قال: "قلنا لحذيفة: أيّ ساعة تسحرت مع رسول الله ﵇؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع".
قوله: "بلقحة" بكسر اللام، وهي الناقة الحلوب، قال الجوهري: اللقحة: اللقوح، والجمع لِقح مثل قِربة وقِرب، واللِّقاح -بكسر اللام- الإبل بأعيانها، الواحدة لقوح وهي الحلوب، مثل قلوص وقلاص، ولِقحت الناقة -بالكسر- لِقحًا ولقاحًا -بالفتح- فهي لاقح.
ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث عن حذيفة أنه أكل بعد طلوع الفجر وهو يريد الصوم. وحكي مثل ذلك عن رسول الله ﵇".
ش: ذهب إلى هذا الحديث جماعة، منهم: معمر، وسليمان الأعمش، وأبو مجلز، والحكم بن عتيبة، فإنهم قالوا: يجوز للصائم أن يتسحر ما لم تطلع الشمس.
وقال ابن حزم: وعن محمد بن علي بن الحسن ﵃: "كلْ حتى يتبين لك الفجر".
وعن الحسن: "كُلْ ما امتريت".
وعن أبي مجلز: "الساطع ذلك الصبح الكاذب، ولكن إذا انفضح الصبح في الأفق".
وعن إبراهيم: "الفجر المعترض الأحمر يُحل الصلاة ويحرِّم الطعام".
وعن ابن جريج: "قلت لعطاء: أتكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري لعلي أصبحت؟ قال: لا بأس بذلك هو شك".
وقال ابن أبي شيبة (٢): نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم قال: "لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق".
стр. 4061
وعن أبي وائل: "أنه تسحر وخرج إلى المسجد فأقيمت الصلاة".
وعن معمر: "أنه كان يؤخر السحور جدًّا حتى يقول الجاهل: لا صوم له".
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومن رأى الفجر وهو يأكل فليقذف ما في فيه من طعام أو شراب، وليصم ولا قضاء عليه، ومَن رأى الفجر وهو يجامع فلينزع من وقته وليصم ولا قضاء عليه، وسواء في كل ذلك كان طلوع الفجر بعد مدة طويلة أو قريبة فلو توقف باهتا فلا شيء عليه وصومه تام، ولو أقام عامدًا فعليه الكفارة.
ص: وقد جاء عن رسول الله ﵇ خلاف ذلك، فهو ما قد روينا عنه مما تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا أنه قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وأنه قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه إنما يؤذن لينبه نائمكم وليرجع قائمكم".
ثم وصف الفجر بما قد وصفه به، فدل ذلك أنه هو المانع من الطعام والشراب، ومما سوى ذلك مما يمنع منه الصيام. فهذه الآثار التي ذكرنا مخالفة لحديث حذيفة ﵁.
ش: أي: جاء عن رسول الله ﵇ خلاف ما روي عن حذيفة، وهو ما أخرجه في كتاب الأذان في هذا الكتاب:
ثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك نحوه.
وأخرج أيضًا في كتاب "الأذان": ثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁،
стр. 4062
أن النبي ﵇ قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه ينادي أو يؤذن ليرجع غائبكم ولينبه نائمكم. وقال: ليس الفجر أو الصبح هكذا وهكذا وجمع أصبعيه وفرقهما ... " الحديث.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وفي رواية النسائي أن رسول الله ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل لينبه نائمكم ويرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا -وأشار بكفيه- ولكن الفجر أن يقول هكذا- وأشار بالسبابتين".
ومن الأحاديث التي تخالف حديث حذيفة: ما رواه سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﵇: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق الذي هكذا حتى يستطير".
أخرجه أبو داود (٥)، وأخرجه مسلم (٦) أيضًا ولفظه: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير".
وأخرجه الترمذي (٧) ولفظه: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق". وأخرجه النسائي (٨): ولفظه "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض، حتى ينفجر الفجر هكذا وهكذا- يعني معترضًا، وقال أبو داود يعني الطيالسي: بسط بيديه يمينًا وشمالًا مادًّا يديه".
стр. 4063
ومنها حديث عائشة وابن عمر ﵃، أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
ومنها حديث أُنيسة قالت: قال رسول الله ﵇: "إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإذا أذن بلال فكلوا واشربوا".
أخرجه النسائي (٣).
وهذه الأحاديث تحدد الوقت الذي يحرم به الأكل والشرب على الصائم، وكلها مخالفة لحديث حذيفة، فيردُّ بها حديث حذيفة.
ص: وقد يحتمل حديث حذيفة ﵁ عندنا -والله أعلم- أن يكون قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤).
ش: أشار بهذا إلى جواب ثانٍ عن حديث حذيفة، وهو أنه يحتمل أن يكون وروده قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٤) إلى آخره، فلما نزلت هذه الآية نُسخ ذلك الحكم، والآية تقتضي إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يظهر الفجر الصادق؛ لأن المراد من الخيط الأبيض هو الفجر الصادق بقرينة قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤).
والخيط مجاز واستعارة في سواد الليل وبياض النهار.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الخيط الأبيض هو الصبح، والخيط الأسود الليل.
ثم إن بعضهم من الصحابة ﵃ حملوا ذلك على حقيقة الخيط الأبيض والأسود، منهم: عدي بن حاتم وغيره، على ما يأتي عن قريب.
стр. 4064
وكان واحد منهم إذا أراد أن يصوم ربط في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار.
وقال أبو بكر الرازي في "الأحكام": لا يثبت ذلك من حذيفة، ومع ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز الاعتراض به على القرآن، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب بظهور الخيط الأبيض الذي هو بياض الفجر. وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحًا لما حظرته الآية، وقال النبي ﵇ في حديث عدي بن حاتم: "هو بياض النهار وسواد الليل" فكيف يجوز الأكل نهارًا في الصوم مع تحريم الله إياه بالقرآن والسنة، ولو ثبت حديث حذيفة من طريق النقل لم يوجب جواز الأكل في ذلك الوقت؛ لأنه لم يَعْزُ الأكل إلى النبي ﵇، وإنما أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك الوقت لا عن النبي ﵇، فكونه مع النبي ﵇ في وقت الأكل لا دلالة له فيه على علم النبي ﵇ بذلك منه وإقراره عليه، ولو ثبت أنه ﵇ علم بذلك وأقره عليه، احتمل أن يكون ذلك في آخر الليل قرب طلوع الفجر، فسماه نهارًا لقربه منه.
ص: فأنه حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين ومجالد، عن الشعبي، قال: أنا عدي بن حاتم قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود، [والآخر أبيض] (٢) فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﵇ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: إن وسادك لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل".
стр. 4065
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن حصين ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدَّمي، قال: ثنا الفضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد بن الساعدي قال: "لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) جعل الرجل يأخذ خيطًا أبيض وخيطًا أسود فيضعهما تحت وسادة، فينظر متى يستبينهما فيترك الطعام. قال: فبيَّن الله ذلك، ونزلت: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ".
فلما كان حكم هذه الآية قد كان أشكل: على أصحاب رسول الله ﵇ حتى بين الله لهم من ذلك ما بيَّن، وحتى أنزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بعد ما كان قد أنزل ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١)، فكان الحكم أن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم حتى نسخ الله بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على ما ذكرنا ما قد بينه سهل في حديثه، واحتمل أن يكون ما روى حذيفة من ذلك عن رسول الله ﵇ كان قبل نزول تلك الآية، فلما أنزل الله تلك الآية أحكم ذلك وردَّ الحكم إلى ما بيَّن فيها.
ش: الفاء للتعليل، والضمير للشأن، ولما ادعى أن حديث حذيفة كان يحتمل أن يكون قبل نزول قوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) أتى على ذلك بدليل، وهو حديث عدي بن حاتم وحديث سهل بن سعد الساعدي ﵄.
أما حديث عدي فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن إسماعيل بن سالم الصائغ، أبي محمَّد البغدادي نزيل مكة شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير روى له الجماعة، عن حُصين -بضم الحاء