والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) في "مصنفه": ثنا وكيع، عن علي بن مبارك، عن يحيى ابن أبي كثير، عن ابن ثوبان: "أن امرأة توفي عنها زوجها وبها فاقة، فسألت عمر ﵁ أن تأتي أهلها، فرخص لها أن تأتي أهلها بياض يومها".
ثنا وكيع (٢)، عن علي بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن "أن امرأة من الأنصار توفي عنها زوجها، فسألت زيد بن ثابت ﵁ فلم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلتها" (١).
قوله: "وبها فاقة" أي احتياج وفقر.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن عبيد الله وابن أبي ليلى وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه قال في المتوفى عنها زوجها: لا تبيت في غير بيتها".
ش: إسناده صحيح. وقبيصة هو ابن عقبة شيخ البخاري، وسفيان هو الثوري. وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه، قاضي الكوفة، فيه مقال، ذكر متابعًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) في "مصنفه": ثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا تبيت المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها إلا في بيتها حتى تنقضي عدتها".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن قسيط، عن مسلم بن السائب، عن أمه قالت: "لما توفي السائب ترك زرعًا بقناة، فجئت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن السائب توفي وترك ضيعة من زرع
стр. 5532
بقناة، وترك غلمانًا صغارًا، ولا حيلة لهم، وهي لنا دار ومنزل، أفأنتقل إليها؟ قال: لا تعتدي إلا في البيت الذي توفي فيه زوجك، اذهبي إلى ضيعتك بالنهار وارجعي إلى بيتك بالليل فبيتي فيه، فكنت أفعل ذلك".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم، قد تكرر ذكره.
والوهبي: هو أحمد بن خالد الكندي، شيخ البخاري في غير الصحيح.
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق المدني.
ويزيد بن قسيط: هو يزيد بن عبد الله بن قسيط المدني الأعرج، روى له الجماعة.
ومسلم بن السائب بن خباب صاحب المقصورة، قال ابن حبان: هو من التابعين الثقات، وأدخله قوم في الصحابة ظنوا أن له صحبة، روى له النسائي في "اليوم والليلة".
وأمه أم مسلم (١).
وأخرجه مالك (٢) في "موطإه": عن يحيى بن سعيد: "أنه بلغه أن السائب بن خباب توفي، وأن امرأته جاءت إلى عبد الله بن عمر ﵄ فذكرت له وفاة زوجها، وذكرت له حرثًا لهم بقناة، وسألته: هل يصلح لها أن تبيت فيه، فنهاها عن ذلك، فكانت تخرج من المدينة سَحَرًا فتصبح في حرثهم، فتظل فيه يومها ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها".
قوله: "لما توفي السائب" هو السائب بن خباب صاحب المقصورة، مولى فاطمة بنت عقبة بن ربيعة بن عبد شمس، له صحبة، توفي سنة سبع وستين.
قوله: "بقناة" أي في قناة، قال ابن الأثير: القناة واد من أودية المدينة عليه حرث وزرع ومال، وقد يقال: وادي قناة وهو غير مصروف.
قلت: للعلمية والتأنيث.
стр. 5533
قوله: "لا حيلة لهم" أي لا قوة لهم في العمل؛ لصغرهم.
قوله: "أفأنتقل إليها" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "فَبِيتِي" بكسر الباء، أمر للمؤنث من بَاتَ يَبِيتُ، وللمذكر: بِتْ، كبِع وبيعي.
واستفيد منه: أن المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها أن تنتقل من بيتها حتى تنقضي عدتها، وأن لها أن تخرج بالنهار لأجل ضروراتها، ولا تبيت إلا في منزلها.
وعن محمد بن الحسن: أنه لا بأس أن تنام عن بيتها أقل من نصف الليل؛ لأن البيتوتة في العرف عبارة عن الكون في البيت أكثر الليل، فما دونه لا تسمى بيتوتة في العرف.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه قال: سمعت أم مخرمة تقول: [سمعت] (١) أم مسلم بن السائب تقول: "لما توفي السائب فسألت ابن عمر عن الخروج فقال: لا تخرجي من بيتك إلا لحاجة، ولا تبيتي إلا فيه، حتى تنقضي عدتك".
ش: هذا طريق آخر، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير أبي المسور المدني، عن مالك: كان رجلاً صالحًا. وعن أحمد: ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئًا إنما يروي عن كتاب أبيه. وعن ابن معين: ضعيف. وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا في الوتر. روى له البخاري في "الأدب"، ومسلم وأبو داود والنسائي.
عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي مولى بني مخزوم -روى له الجماعة.
عن أم مخرمة (٢).
стр. 5534
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها في عدتها".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال في المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثًا: "لا تنتقلان، ولا تبيتان إلا في بيوتهما".
ش: هذان وجهان آخران عن عبد الله بن عمر، وإسنادهما صحيح.
وحسين بن مهدي بن مالك البصري، شيخ الترمذي وابن ماجه.
ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم، والخصيب هو ابن ناصح الحارثي، وحماد هو ابن سلمة، وأيوب هو السختياني.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر نحوه.
وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن عبدة، عن عبيد الله، عن نافع نحوه.
ص: حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن منصور، عن إبراهيم قال: "كانت امرأة في عدتها، فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى أم سلمة أم المؤمنين ﵂ أنَّ ما ترين فإن أبي اشتكى، أفآتيه فَأُمُرِّضُه؟ قالت: بيتي في بيتك طرفي الليل".
ش: سليمان هو ابن شعيب الكيساني.
وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي، وثقه أبو حاتم (٣).
стр. 5535
ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، لم يدرك أم سلمة ﵂، واسمها هند.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: "كانت امرأة تعتد من زوجها توفي عنها، فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى أم سلمة تسألها: أتأتي أباها تمرضه؟ فقالت: إذا كنت أحد طرفي النهار في بيتك".
قوله: "فاشتكى أبوها" أي مرض، من الشكْو وهو المرض، وكذلك الشكوى والشكاة والشكاية.
قوله: "أن ما ترين" وفي بعض النسخ: "أن ما تأمرين" وكلاهما صحيح، و"أن" بالفتح والتخفيف: مفسرة.
قوله: "أفآتيه، الهمزة للاستفهام، أي أفآتي أبي فأمرضه؟ من التمريض وهو القيام على المريض بمصالحه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، أنه سمع القاسم بن محمد "يرى أن تخرج المطلقة إلى المسجد". قال بكير: وقالت عمرة عن عائشة ﵂: "تخرج من غير أن تبيت عن بيتها".
ش: رجاله ثقات؛ وقد ذكر مخرمة وأبوه بكير بن عبد الله الآن.
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃.
وعمرة هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، مدنية تابعية ثقة.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن ابنة سعيد كانت تحت عبد الله بن عمر فطلقها البتة، فانتقلت، فأنكر ذلك عبد الله بن عمر ﵂".
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
стр. 5536
وسعيد هو ابن زيد أحد العشرة المبشرة.
قوله: "البتة" أراد بها الطلاق البائن.
قوله: "فأنكر ذلك" أي انتقالها من بيتها وهي معتدة عن الطلاق البائن.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن حميد بن قيس، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء، يمنعهن الحج".
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا أبو خالد الأحمر، عن مالك بن أنس، عن حميد بن قيس، عن سعيد بن المسيب قال: "رد عمر ﵁ نسوة توفي عنهن أزواجهن من البيداء، يمنعهن الحج" انتهى.
و"البيداء" الصحراء المتصلة بذي الحليفة.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المطلقة إلا في بيتها".
ش: أخرجه مالك في "موطإه" (٣).
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا الليث، عن أيوب بن موسى، عن محمد بن عبد الرحمن الدؤلي: "أن علقمة بن عبد الرحمن بن أبي سفيان طلق امرأة من أهله البتة، ثم خرج إلى العراق. فسألت ابن المسيب والقاسم وسالم بن عبد الله وخارجة وسليمان بن يسار: هل تخرج من بيتها؟ فكلهم يقول: لا، تقعد في بيتها".
стр. 5537
ش: يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري شيخ البخاري. والليث هو ابن سعد، وأيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو موسى المكي، روى له الجماعة.
ومحمد بن عبد الرحمن بن نضلة الدؤلي من أهل المدينة، وثقه ابن حبان.
والدُّؤَلِي -بضم الدال وفتح الهمزة- نسبة إلى الدئل من كنانة -بضم الدال وكسر الهمزة- وإنما تفتح في النسبة.
وعلقمة بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزى القرشي المدني، وهو الذي طلق امرأة من أهل محمد بن عبد الرحمن الدؤلي وكانت بنت عم محمد بن عبد الرحمن.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا أبو زكير يحيى بن محمد القرشي، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن نضلة قال: "طلقت بنت عمٍ لي ثلاثًا البتة، فأتيت سعيد بن المسيب أسأله فقال: تعتد في بيت زوجها حيث طُلِّقت. قال: وسألت القاسم وسالمًا وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار، كلهم يقول مثل قول سعيد".
قوله: "فكلهم يقول: لا" أي لا تخرج من بيتها.
قوله: "تقعد في بيتها" كلام مستأنف وليس هو مدخول "لا" التي للنهى، أي تقعد في بيتها ولا تخرج.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام قال: ثنا حماد، عن إبراهيم قال: "المطلقة ثلاثًا والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة، لا يختضبن، ولا يتطيبن، ولا يلبسن ثوبًا مصبوغًا ولا يخرجن من بيوتهن".
ش: إسناده صحيح.
стр. 5538
ومسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي البصري، شيخ البخاري وأبي داود.
وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، روى له الجماعة.
وحماد هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.
وإبراهيم هو النخعي.
وأخرجه أبو حنيفة: عن حماد، عن إبراهيم نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "تعتد المعتدة في بيت زوجها، ولا تكتحل بكحل زينة".
وكذا أخرج عن محمد بن سيرين وابن المسيب، وقال (٢): نا أبو داود، عن حماد ابن سلمة، عن أيوب، عن محمد، قال: "المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها لا تكتحلان ولا تختضبان".
وثنا وكيع (٣)، عن سفيان، عن عبد العزيز، عن سعيد بن المسيب قال: "المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها سواء في الزينة".
ص: فهؤلاء الذين روينا عنهم الآثار من أصحاب رسول الله ﵇ والتابعين قد منعوا المتوفى عنها من السفر والانتقال من بيتها في عدتها، ورخصوا لها في الخروج في بياض نهارها على أن تبيت في بيتها، وقد قرن بعضهم معها المطلقة المبتوتة فجعلها كذلك في منعه إياها من السفر والانتقال من بيتها في عدتها ولم يرخص أحد منهم لها في الخروج نهارًا كما رخص للمتوفى عنها زوجها في الخروج من بيتها في بياض نهارها على الضرورة.
وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا كله ظاهر.
стр. 5539
قوله: "وقد قرن بعضهم معها" أي مع المتوفى عنها زوجها، وأراد بالبعض عبد الله بن عمر من الصحابة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر وخارجة بن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي ﵃.
ص: فإن قال قائل: فإن عائشة ﵂ قد سافرت بأختها أم كلثوم في عدتها، وذكر في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا أحمد بن يونس، قال: حدثني جرير بن حازم، قال: سمعت عطاء يقول: "حجت عائشة بأختها أم كلثوم في عدتها".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو غسان، قال: حدثني جرير، قال: سمعت عطاء يقول: "حجت عائشة بأختها في عدتها من طلحة بن عبيد الله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا أفلح، عق القاسم، عن عائشة ﵂: "أنها حجت بأختها أم كلثوم في عدتها".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة مثله.
ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن للمطلقة والمتوفى عنها زوجها أن تسافرا في عدتهما إلى حيث ما شاءتا.
تقريره أن يقال: إن ما رويتم من الآثار يعارضها ما روي عن عائشة؛ فإنها قد سافرت إلى مكة ومعها أختها أم كلثوم وهي في العدة من طلحة بن عبيد الله.
وأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس -شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن جرير بن حازم، عن عطاء بن أبي رباح.
стр. 5540
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن أسامة، عن القاسم. وعن جرير بن حازم، عن عطاء: "أن عائشة أحجت أم كلثوم في عدتها".
الثاني: عن علي بن شيبة، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن جرير بن حازم، عن عطاء.
وأخرجه عبد الرازق (٢): عن معمر، عن الزهري، عن عائشة: "أنها خرجت بأختها أم كلثوم -حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله- إلى مكة في عمرة".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن أسامة، عن القاسم، عن عائشة، نحوه.
الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن أيوب بن موسى بن عمرو المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة.
وأخرجه ابن حزم (٤): من حديث حماد بن سلمة، عن قيس بن عباد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة أم المؤمنين: "أنها حجت بأختها أم كلثوم -امرأة طلحة بن عبيد الله- في عدتها في الفتنة" انتهى.
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان أحد العشرة المبشرين بالجنة، قتل يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وهو وابن أربع وستين، وقبره بالبصرة. وقال الواحدي: قتل يوم الجمل، قال خليفة: أصابته سهم غريب فقتله، قال العجلي: ويقال: إن مروان قتله.
стр. 5541
ص: قيل له: إنما كان ذاك للضرورة؛ لأنهم كانوا في فتنة، وقد بين ذلك ما حدثنا أبو داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: "لما قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل وسارت عائشة إلى مكة، بعثت عائشة إلى أم كلثوم وهم بالمدينة فنقلتها إليها لما تتخوف من الفتنة، وهي في عدتها".
وهكذا نقول إذا كانت فتنة يخاف على المعتدة من الإقامة فيها، فهي في سعة من الخروج فيها إلى حيث أحبت من الأماكن التي تأمن مَنْ فيها من تلك الفتنة.
ش: أي قيل لهذا القائل، وأراد به الجواب عما اعترضه، بيانه: أن ما ذكرتم من حج عائشة مع أختها أم كلثوم وهي في العدة إنما كان لأجل الخوف من عائشة على أم كلثوم؛ لأن زوجها طلحة بن عبيد الله قتل يوم الجمل كما ذكرنا، وكانت أم كلثوم في المدينة، ولما قدمت عائشة إلى مكة بعثت وراءها فنقلتها إلى مكة عندها؛ خوفًا عليها من الفتنة، قال: وقد بيَّن هذا المعنى القاسم بن محمد في حديثه.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق المدني، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁.
قوله: "يوم الجمل" وهو يوم كانت فيه وقعة عظيمة بين علي وعائشة ﵄ وهي مشهورة، وكانت في سنة ست وثلاثين من الهجرة، وسميت يوم الجمل؛ لأن عائشة كانت يومئذٍ في هودج على جمل، ولم ينهزم عسكرها حتى عقروا جملها فوقع بالهودج، فانفلت الناس عنها فرجعت وجاءت إلى مكة.
قوله: "وهكذا القول" يعني بجواز انتقال المعتدة عن الوفاة إلى حيث شاءت إذا كانت فتنة تخاف عليها، وكذا إذا خافت سقوط منزلها، أو خافت على متاعها من اللصوص، أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه من أجرته. والله أعلم.
***
стр. 5542
ص: باب: الأمة تعتق ولها زوج هل لها خيار ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الأمة يعتقها مولاها ولها زوج، هل لها خيار في نفسها أم لا؟
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "كان زوج بريرة حرًّا، فلما عتقت خيرها رسول الله ﵇ فاختارت نفسها".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا بشر عبد الملك ابن مروان الرقي.
وأبو معاوية اسمه محمد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير.
والأعمش هو سليمان. وإبراهيم هو النخعي. والأسود هو ابن يزيد النخعي.
وأخرجه أبو داود (١): نا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن زوج بريرة كان حرًّا حين أعتقت، وأنها خيِّرت، فقالت: ما أحب أن أكون معه وأن لي كذا وكذا".
وأخرجه الترمذي (٢): وقال: نا هناد، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان زوج بريرة حرًّا، فخيرها رسول الله ﵇.
وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "اشتريت بريرة، فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: أعتقيها فإنما الولاء لمن أعطى الوَرِق، قالت: فأعتقتها، فدعاها
стр. 5543
رسول الله ﵇ فخيرها من زوجها، قالت: لو أعطاني كذا وكذا ما أقمت عنده، فاختارت نفسها، وكان زوجها حرًّا".
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنها أعتقت بريرة، فخيرها النبي ﵇، وكان لها زوج حر" انتهى.
وبريرة كانت مولاةً لعتبة بن أبي لهب، وقال أبو عمر: كانت مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها، ثم باعوها من عائشة ﵂.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي هذا الحديث، وجعلوا للمعتقة الخيار، حرًّا كان زوجها أو عبدًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي والنخعي والثوري ومحمد بن سيرين وطاوسًا ومجاهدًا وحماد بن أبي سليمان والحسن بن مسلم وأبا قلابة وأيوب السختياني والحسن بن صالح وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأبا ثور؛ فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث، وقالوا: الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا.
وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا.
وقال ابن حزم: وإذا كانت مملوكة لها زوج عبد أو حر ولو أنه قرشي، فأعتقت في واجب أو تطوعًا أو تمام أداء كتابتها أو بأي وجه عتقت، فإنها تخيَّر، فإن اختارت فراقه فلها ذلك وإن اختارت أن تقر عنده فلها ذلك، وقد بطل خيارها، وعليها العدة في اختيارها فراقه كعدة الطلاق.
ثم قال: ومما اختلفوا فيه: هل اختيارها فراق زوجها فسخ أو طلاق؟
стр. 5544
فصحَّ عن قتادة أنها واحدة بائنة، ورويناه عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما.
وعن عطاء أنها طلقة واحدة.
وصحَّ أنه فسخٌ لا طلاق عن حماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي، ورويناه عن طاوس، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابهم.
ومما اختلفوا فيه: إن خُيِّرت قبل الدخول فاختارت فراقه ماذا لها من الصداق؟
فقال قوم: لا صداق لها. صحَّ ذلك عن الزهري، وصَحَّ عن قتادة: لها نصف الصداق وقال أصحابنا: لها الصداق كله.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن كان زوجها عبدًا فلها الخيار، وإن كان حرًا فلا خيار لها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابن أبي ليلى والأوزاعي والزهري والليث بن سعد والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إذا أُعتقت الأمة، فإن كان زوجها عبدًا فلها الخيار، وأن كان حرًّا فلا خيار لها.
قال ابن حزم: صح ذلك عن الزهري وعطاء وصفية بنت أبي عبيد وعروة بن الزبير، ونسب قوم ذلك إلى ابن عباس ولا نعلم هذا عنه.
ص: وقالوا: إنما كان زوج بريرة عبدًا، وذكروا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان زوج بريرة عبدًا، ولو كان حرَّا لم يخيرها رسول الله ﵇".
حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد وابن أبي حازم، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم -قال عبد العزيز:
стр. 5545
عن أبيه- قالا: عن عائشة: "أن النبي ﵇ لما أعتقت بريرة خيَّرها، وكان زوجها عبدًا".
قالوا: فهذه عائشة ﵂ تخبر أن زوج بريرة كان عبدًا، فهذا خلاف ما رويتموه عن الأسود، ثم قالت عائشة: "لو كان حرًّا لم يخيرها رسول الله ﵇.
ش: أي قال أهل المقالة الثانية: كان زوج بريرة عبدًا؛ لأن عائشة أخبرت في حديثها أن زوجها كان عبدًا؛ فهذأ خلاف ما رواه الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة أن زوجها كان حرَّا"
وأيضًا قالت عائشة: "لو كان زوجها حرَّا لم يُخَيِّرْهَا رسول الله ﵇".
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن إسماعيل بن سالم الصائغ البغدادي شيخ مسلم، عن جرير بن عبد الحميد، عن هشام ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي كريب ووكيع وزهير وإسحاق، جميعًا عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، روى له الجماعة، وعبد العزيز بن أبي حازم -واسمه سلمة بن دينار المدني- روى له الجماعة، كلاهما عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم، عن عائشة ﵂.
وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أنها اشترت بريرة من أناسٍ من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال رسول الله ﵇: الولاء لمن ولي النعمة، وخيَّرها رسول الله ﵇ وكان زوجها عبدًا".
стр. 5546
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن علي والوليد بن عقبة، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن بريرة خيَّرها رسول الله ﵇ وكان زوجها عبدًا".
وأخرجه النسائي (٢): أنا القاسم بن زكرياء بن دينار، نا حسين، عن زائدة، عن سماك ... إلى آخره نحو رواية مسلم.
وقال البيهقي (٣) بعد أن روى حديث بريرة من طريق سفيان وأبي عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن زوج بريرة كان حرًّا". لفظ سفيان، هكذا أدرجه "وكان حرًّا" من قول الأسود، فإن أبا عوانة فصله، ولفظه: "أنها اشترت بريرة واشترط أهلها ولاءها، قالت: يا رسول الله إني اشتريتها لأُعْتِقَهَا، وإن أهلها يشترطون ولاءها، فقال: أعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق -أو لمن أعطى الثمن- فاشترتها فأعتقتها، قال: وخُيِّرَت فاختارت نفسها، فقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنتُ معه. قال الأسود: وكان زوجها حرًّا".
قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا" [أصح] (٤).
وروى البيهقي الحديث أيضًا (٥) من طريق ابن راهويه، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري بريرة ... " فذكر الحديث، وفي آخره: قال الأسود: عن عائشة وفيه: "اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق، وخيرها من زوجها، وكان زوجها حرًّا ... " الحديث.
стр. 5547
ثم قال (١): هكذا أدرجه أبو داود.
ورواه البيهقي (٢) أيضًا من حديث آدم عن شعبة نحوه. وفيه: قال الحكم: قال إبراهيم: "وكان زوجها حرًّا".
ورواه (٣) عن حفص بن عمر، عن شعبة، وفي آخره: قال الحكم: "وكان زوجها حرًّا".
ثم قال: قال البخاري: قول الحكم مرسل، وقال ابن عباس: "رأيته عبدًا".
ثم قال البيهقي: وروى القاسم وعروة ومجاهد وعمرة، عن عائشة: "أنه كان عبدًا". قال إبراهيم بن أبي طالب (٤): خالف الأسود الناس في قوله: "كان حرًّا".
قلت: إذا كان في السند الأول من قول الأسود، وفي الثاني من قول إبراهيم أو الحكم وقد أدرجها في الحديث فقول البخاري في الأول: منقطع، وفي الثاني: مرسل، مخالف للاصطلاح (٥)؛ إذ الكلام الموقوف على بعض الرواة لا يسمى منقطعًا ولا مرسلاً، وقد تابع منصورًا الأعمشُ فرواه كذلك عن إبراهيم. هكذا أخرجه الطحاوي كما ذكر، وابن ماجه (٦)
стр. 5548
أيضًا والترمذي (١) وقال: حسن صحيح، وقول إبراهيم بن أبي طالب: خالف الأسود الناس غير مُسَلَّم، بل وافقه على ذلك القاسم وعُروة في رواية، وابن المسيب.
روى عبد الرزاق (٢): عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب قال: "كان زوج بريرة حرًّا".
وإذا اختلفت الآثار في زوجها وجب حملها على وجه لا يكون فيها تضاد، والحريّة تعقب الرقّ، ولا ينعكس، فثبت أنه كان حرًّا عندما خيرت، عبدًا قبله، ومَنْ أخبر بعبوديته لم يعلم بحريته قبل ذلك.
وقال ابن حزم ما ملخصه (٣): أنه لا خلاف أن من شهد بالحرية يقدم على من شهد بالرق؛ لأن عنده زيادة علم، ثم لو لم يُختلف أنه كان عبدًا هل جاء في شيء من الآثار أنه ﵇ إنما خيرها لأنه كان عبدًا، وبين من يدعي أنه إنما خيرها لأنه كان حرًّا، وكان أسود، واسمه مغيث، فالحق أنه إنما خيرها لكونها أعتقت؛ فوجب تخيير كل معتقة.
ولأنه روي في بعض الآثار أنه ﵇ قال لها: "ملكتِ نفسك فاختاري" كذا في "التمهيد" (٤).
فكل مَنْ ملكت نفسها تختار، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا، ويأتي عن قريب ما قاله الطحاوي في وجه التوفيق بين هذه الأخبار، وقد أكثر الناس في معاني هذه الأحاديث المروية في قصة بريرة، وتخريج وجوهها؛ فلمحمد بن جرير الطبري في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة في ذلك كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، أكثر ذلك تكلف واستنباط واستخراجات محتملة وتأويلات ممكنة لا يُقطع بصحتها.
стр. 5549
ص: قيل لهم: أما هذا الحرف فقد يجوز أن يكون من كلام عائشة، وقد يجوز أن يكون من كلام عروة.
ش: أي قيل لأهل هذه المقالة -وهي المقالة الثانية-: هذا جواب عن قولهم: هذه عائشة تخبر أن زوج بريرة كان عبدًا، وأراد بـ"هذا الحرف" هو قولهم: "وكان زوجها عبدًا"، فهذا يحتمل أن يكون من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام عروة بن الزبير، فالاحتمال لا يُثْبِت الاحتجاج القطعي.
ولئن سلمنا أنه كان من كلام عائشة ولكن قد تعارضت روايتاها فسقط الاحتجاج بها.
وأيضًا فالذي رواه أهل المقالة الثانية يُبْقي الرق، والمثبت أولى؛ لأن البقاء قد يكون باستصحاب الحال، والثبوت يكون بناء على الدليل لا محالة، فمن قال: "كان عبدًا" احتُمل أنه اعتمد استصحاب الحال، ومن قال: "كان حرًّا" بني الأمر على الدليل لا محالة، فصار كالمزكيين جَرح أحدهما شاهدًا والآخر زكاه، أنه يؤخذ بقول الجارح (١) لما قلنا. كذا هذا.
ص: واحتج أهل هذه المقالة في تثبيت ما رووه في زوج بريرة أنه كان عبدًا: بما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عثمان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمى مغيثًا، فخيَّرها النبي ﵇، وأمرها أن تعتد".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد عن ابن عباس قال: "لما خُيِّرت بريرة، رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته، فكلم له العباس النبي ﵇ أن يطلب إليها، فقال لها رسول الله ﵇: زوجك وأبو ولدك، فقالت: أتأمرني به يا رسول الله؟
стр. 5550
فقال: إنما أنا شافع، قالت: إن كنت شافعًا فلا حاجة لي فيه، واختارت نفسها، وكان يقال له: مغيث، وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزوم".
قالوا: فإنما خيرها رسول الله ﵇ من أجل أن زوجها كان عبدًا.
ش: أي واحتج أهل المقالة الثانية في تثبيت ما رووه في زوج بريرة أنه كان عبدًا، يعني في تحقيق كونه عبدًا بحديث ابن عباس ﵄ فإنه قال: إن زوج بريرة كان عبدًا أسود، وكان يقال له: مغيث، وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزوم، فخير رسول الله ﵇ بريرة وأمرها أن تعتد، وقالوا: إنما خير رسول الله ﵇ بريرة لأجل كون زوجها عبدًا.
وأخرجه عن ابن عباس من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه البخاري (١) مختصرًا: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة وهمام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "رأيته عبدًا -يعني زوج بريرة-".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمى مغيثًا، فخيرها -يعني النبي ﵇ وأمرها أن تعتد".
وأخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) بمعناه.
стр. 5551
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود.
عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه البخاري (١): نا محمد، أنا عبد الوهاب، نا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يَطُوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﵇ لعباسٍ: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا؟! فقال النبي ﵇: لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه".
وأخرجه أبو داود (٢): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة [عن ابن عباس] (٣): "أن مغيثًا كان عبدًا، فقال: يا رسول الله، اشفع إليها، فقال رسول الله ﵇: يا بريرة اتقي الله؛ فإنه زوجك وأبو ولدك، فقالت: يا رسول الله، تأمرني بذلك؟ قال: إنما أنا شافع، فكأن دموعه تسيل على خده، فقال رسول الله ﵇: ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه".
قوله: "يسمى مغيثًا" هو بضم الميم، وكسر الغبن المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره ثاء مثلثة.
قوله: "وأمرها أن تعتد"؛ لأنها باختيارها نفسها انقطع النكاح بينهما فعليها العدة، وقد ذكرنا أن الفرقة بينهما فسخ أو طلاق، وقال الكاساني في "البدائع": وإذا اختارت نفسها حتى وقعت الفرقة كانت فرقة بغير طلاق، فلا تفتقر هذه الفرقة إلى قضاء القاضي بخلاف الفرقة بخيار البلوغ.
قوله: "ودموعه تسيل" جملة اسمية حالية.
стр. 5552
قوله: "زوجك" مبتدأ محذوف أي: بريرة، زوجك وأبو ولدك.
ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: أن أولى الأشياء بنا إذا جاءت الآثار هكذا فوجدنا السبيل إلى أن نحملها على غير التضاد أن نحملها على ذلك ولا نحملها على التضاد والتكاذب، ويكون حال رواتها عندنا على الصدق والعدالة فيما رووا حتى لا نجد بدًا من أن نحملها على خلاف ذلك.
فلما ثبت أن ما ذكرنا كذلك، وكان زوج بريرة قد قيل فيه: إنه كان عبدًا في حال، حرًّا في حالٍ أخرى، فثبت بذلك تأخر إحدى الحالتين عن الأخرى، فكان الرق قد تكون بعده الحرية، والحرية لا يكون بعدها رقٌّ، فلما كان ذلك كذلك جعلنا حال العبودية متقدمًا، وحال الحرية متأخرًا فثبت بذلك أنه كان حرًّا في وقت ما خُيرت بريرة، عبدًا قبل ذلك.
هكذا تصحيح الآثار في هذا الباب، ولو اتفقت الروايات كلها على أنه كان عبدًا لما كان في ذلك ما ينفي أن يكون إذا كان حرًّا زال حكمه عن ذلك؛ لأنه لم يجئ عن رسول الله ﵇ أنه قال: إنما خيرتها لأن زوجها عبدٌ، ولو كان ذلك كذلك لانتفى أن يكون لها خيار إذا كان زوجها حرًّا، فلما لم يجئ من ذلك شيء، وجاء عنه أنه خَيَّرها وكان زوجها عبدًا نظرنا هل يفترق في ذلك حكم الحر وحكم العبد؟
فنظرنا في ذلك فرأينا الأَمَة في حال رقها، لمولاها أن يعقد النكاح عليها للحر والعبد، ورأيناها بعدما تعتق ليس له أن يستأنف عليها عقد نكاح لحر ولا لعبد، فاستوى حكم ما إلى المولى في العبيد والأحرار، وما ليس إليه في العبيد والأحرار، فلما كان ذلك كذلك، ورأيناها إذا أعتقت بعد عقد مولاها نكاح العبد عليها يكون لها الخيار في حلّ النكاح عنها، كان كذلك في الحرة إذا أعتقت يكون لها حلّ نكاحه عنها قياسًا ونظرًا على ما بينا من ذلك.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 5553
ش: أي فكان من الحجة والبرهان على أهل المقالة الثانية، وأراد بها الجواب على احتجاجهم في تحقيق ما رووه في زوج بريرة أنه كان عبدًا بحديث ابن عباس.
تقرير ذلك أن يقال: احتجاجكم بهذه الطريقة فاسد؛ لأنكم تحققون الخبر الذي فيه أن زوج بريرة كان عبدًا، وتهملون الخبر الذي فيه أنه كان حرًّا، مع أن كِلاَ الخبرين صحيح، فهذا ليس من شرط الاحتجاج، بل الوجه في مثل هذا الموضع أن تحمل هذه الآثار التي تجيء متعارضة على وجه لا يكون فيه التضاد ولا التخالف، وهذا هو الواجب؛ لما في ذلك من حمل الآثار على التعادل والتوافق، وحمل حال رواتها على الصدق والعدالة فيما رووا من ذلك.
فإذا ثبت هذا فنقول: قد اختلف في زوج بريرة فقيل: كان عبدًا، وقيل: كان حرًّا، وهاتان صفتان لا تجتمعان في حالة واحدة، فنجعلهما في حالتين، بمعنى أنه كان عبدًا في حالة، حرًّا في حالة أخري، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد عُلم أن الرق تعقبه الحرية، والحرية لا يعقبها الرق، وهذا مما لا نزاع فيه، فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة، وحال الحرية متأخرة؛ لما ذكرنا.
فثبت بهذه الطريقة أنه كان حرًّا في الوقت الذي خيرت فيه بريرة، وعبدًا قبل ذلك، فيكون قول من قال: "كان عبدًا"، محمولًا على الحالة المتقدمة، وقول من قال: "كان حرًّا"، محمولًا على الحالة المتأخرة، فإذًا لا يبقى تعارض ويثبت قول من قال: "إنه كان حرًّا" ويتعلق الحكم به.
قوله: "ولو اتفقت الروايات كلها ... " إلى آخره. جواب آخر بطريق التسليم، يعني لو سلمنا أن جميع الروايات أخبرت بأن زوج بريرة كان عبدًا فليس فيه ما يدل على صحة ما يذهبون إليه من أن زوج الأمة إذا كان حرًّا، فأعتقت الأمة، ليس لها الخيار؛ لأنه ليس فيه ما يدل على ذلك؛ لأنه لم يأت عنه ﵇ أنه قال: إنما خيرتها
стр. 5554
لأن زوجها عبد، وهذا لا يوجد أصلاً في الآثار، فثبت أنه إنما خيرها لكونها قد أعتقت، فحينئذٍ يستوي في ذلك أن يكون زوجها حرًّا أو عبدًا. فافهم.
وها هنا شيء آخر: وهو أن النبي ﷺ جعل ملكها بضعها علةً لثبوت الخيار لها، حيث قال لها -على ما جاء في بعض الروايات-: "ملكت بضعك فاختاري" وفي رواية "نفسك" فأخبر أنها ملكت نفسها، ثم أعقبه بإثبات الخيار لها بحرف التعقيب، وملكها نفسها يؤثر في دفع الولاية في الجملة؛ لأن الملك اختصاص، والحكم إذا ذكر عقيب وصف له أثر في الجملة في جنس ذلك الحكم في الشرع؛ كان ذلك تعليقًا لذلك الحكم بذلك الوصف كما في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ...﴾ (١)، وقوله: ﴿لزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ...﴾ (٢)، وروي أن ماعزًا زنى فرجم، والحكم يتعمم بعموم العلة، ولا يتخصص بخصوص المحل كما في سائر العلل الشرعية والفعلية، فزوج بريرة -وإن كان عبدًا- لكن النبي ﵇ لما بني الخيار فيه على معنى عام -وهو ملك البضع- يعتبر عموم المعنى لا خصوص المحل. فافهم.
قوله: "فنظرنا في ذلك ... " إلى آخره. بيان وجه النظر والقياس في هذا الباب، وهو ظاهر.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن طاوس:
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: "للأمة الخيار إذا أعتقت، وإن كانت تحت قرشي".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: "لها الخيار" يعني في العبد والحرِّ، قال: وأخبرني الحسن بن مسلم مثل ذلك".
стр. 5555
ش: أي قد روي نحو قول أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ عن طاوس بن كيسان اليماني.
أخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: على شرط مسلم، عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن سفيان، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه -في الأمة تعتق تحت زوج-: "أنهما تخير ولو كانت تحت قرشي".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه ... إلى آخره.
قوله: "قال: وأخبرني الحسن بن مسلم" أي قال ابن جريج: وأخبرني الحسن بن مسلم بن يناق المكي -وهو ممن روى لهم الجماعة سوى الترمذي- مثل ما أخبرني ابن طاوس، عن أبيه.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن ابن جريج، عن حسن بن مسلم قال: "إذا أعتقت عند حر، فلها الخيار". وأخرج ابن حزم (٣) مثل ذلك عن جماعة من الصحابة وغيرهم فقال: وروينا من طريق سعيد بن منصور: نا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يجعل لها الخيار على الحرِّ، وبه يقول هشيم".
ومن طريق الحجاج بن منهال، ثنا يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إذا أعتقت الأمة فلها الخيار ما لم يطأها زوجها". فَعَمَّ عمر ﵁، ولم يَخُص عبدًا من حرٍّ.
стр. 5556
ومن طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي أنه قال في الأمة تعتق تحت زوج: "فهي عليه بالخيار؛ حرًّا كان أو عبدًا، ولو أنه هشام بن عبد الملك".
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم، عن الشعبي قال: "إذا أعتقت تحت حرٍّ فلها الخيار".
ومن طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين: "إذا أعتقت عند حرٍّ فلها الخيار".
***
стр. 5557
ص: باب: الرجل يقول لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق ؟
ش: أي هذا باب في بيان الطلاق المعلق وقوعه بليلة القدر، بأن قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟
ص: حدثنا محمد بن حميد وفهد، قالا: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ قال: "سئل رسول الله ﷺ -وأنا أسمع- عن ليلة القدر، فقال: هي في كل رمضان".
قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا: أنها في كل رمضان.
فقال قوم: هذا دليل على أنها قد تكون في أوله، وفي أوسطه، كما تكون في آخره.
وقد يحتمل قوله: "في كل رمضان" هذا المعنى، ويحتمل أنها في كل رمضان يكون إلى يوم القيامة، مع أن أصل الحديث موقوف، كذلك رواه الأثبات عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر مثله، ولم يرفعه.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق الهمداني ... فذكر بإسناده مثله.
وقد رَوَى هذا الحديث أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، بلفظٍ غير هذه اللفظ:
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: "سألت ابن عمر ﵄ عن عن ليلة القدر، فقال: هي في رمضان كله".
فإن كان هذا هو لفظ هذا الحديث؛ فقد ثبت به أن معنى قوله: "هي في كل رمضان" يريد أنها في كل الشهر.
ش: إسناد حديث فهد بن سليمان صحيح.
وسعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري وما بعده كلهم من رجال الجماعة.
стр. 5558
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي.
وأخرجه أبو داود (١): نا حميد بن زنجويه النسائي، ثنا سعيد بن أبي مريم، نا محمد بن جعفر بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "وأنا أسمع" جملة اسمية وقعت حالاً.
قوله: "عن ليلة القدر" سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في السنة؛ لقول تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٢) ويقال: سميت بذلك لعظم قدرها وشرفها.
قوله: "ففي هذا" أي في هذا الحديث أنها -أي ليلة القدر- في كل رمضان.
قوله: "فقال قوم" وهم: الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة: "هذا دليل" -أي هذا الحديث يدل على أن ليلة القدر قد تكون في العشر الأول من رمضان، وقد تكون في العشر الأوسط منه، كما تكون في العشر الأخير منه.
وقال أبو عمر بن عبد البر (٣): مذهب أربعة من الصحابة ﵃: أنها في كل رمضان، وهم: ابن عمر، وأبو ذر، وأبو هريرة، وابن عباس.
وهو قول الحسن.
وذكر إسماعيل بن إسحاق، قال: أنا حجاج، قال: أنا حماد بن سلمة، قال: أنا ربيعة بن كلثوم قال: "سأل رجل الحسن -وأنا عنده- فقال: يا أبا سعيد: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، إنها ليلة فيها يفرق كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها، وقد قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٤)، وقال:
стр. 5559
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (١)، وهذا يدل على أنه لا بد أن تكون في رمضان كله. والله أعلم.
قوله: "وقد يحتمل قوله: في كل رمضان ... " إلى آخره. أشار الطحاوي: بهذا الكلام إلى أن هذا الحديث لا يدل قطعًا على أن ليلة القدر تكون في رمضان كله؛ لأن هذا اللفظ يحتمل معنيين.
الأول: هو ما ذكره هؤلاء القوم.
والثاني: أن يكون معناه: أنها تكون في كل رمضان يكون إلى يوم القيامة.
ومثل هذا الاحتمال يدفع الدلالة القطعية على المدعى، على أن أصل هذا الحديث موقوف على عبد الله بن عمر ﵄، كذلك رواه الحفاظ الأثبات عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر موقوفًا.
وقال البيهقي: رواه سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق موقوفًا.
وذكر المنذري أن أبا داود ذكر أن سفيان وشعبة روياه موقوفًا على ابن عمر، لم يرفعاه إلى النبي ﵇.
وأخرجه الطحاوي موقوفًا أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر موقوفًا عليه.
وحديث سفيان عن أبي إسحاق أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: "ليلة القدر في كل شهر رمضان".
قلت: إن كان الطحاوي يريد بقوله: مع أن أصل الحديث موقوف وَهْن استدلال القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه؛ فليس ذلك بشيء؛ فإن الموقوف مما تحتج
стр. 5560
يه طائفة من أهل العلم، على أن الأثبات وإن كانوا قد رووه موقوفًا فإنه في الحقيقة مرفوع؛ فإن هذا مما لا يدخل فيه الرأي، بل هو محمول على السماع. فافهم.
قوله: "وقد روى هذا الحديث أبو الأحوص ... " إلى آخره. إشارة إلى أن رواية أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي مما يرجح الاحتمال الثاني. في قوله: "هي في كل رمضان" وهو أن المعنى: أن ليلة القدر في كل الشهر فحينئذٍ يدل الحديث قطعًا على مدعى هؤلاء القوم.
وإسناده صحيح.
وعدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري.
واعلم أن ها هنا أقوال:
الأول: قول أبي حنيفة ومن معه قد ذكرناه.
الثاني: قول طائفة ذهبوا إلى أنها متنقلة، تكون في سنة في ليلة، وتكون في سنة أخرى في ليلة، وهكذا. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن الثوري أيضًا.
قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل تنتقل في رمضان كله.
الثالث: قول طائفة ذهبوا إلى أنها متعينة لا تنتقل أبدًا بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها، وعلى هذا قيل: في السنة كلها. وهو قول ابن مسعود ﵁، وروي عن أبي حنيفة أيضًا.
الرابع: قول طائفة ذهبوا إلى أنها تكون في شهر رمضان في ليلة واحدة لا تتقدم ولا تتأخر. وهو قول أبي يوسف ومحمد، وسيجيء الكلام فيه مستقصىً إن شاء الله تعالى.
الخامس: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في العشر الأوسط والأواخر، ولكن غير معروفة العين.
стр. 5561
السادس: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في العشر الأواخر ولكن غير معروفة العين.
روي ذلك عن عائشة ﵂، وإليه ذهب عروة.
السابع: قول طائفة ذهبوا إلى أنها تختص بأوتار العشر. وروي ذلك عن عمر وابن عباس ﵃.
الثامن: قول طائفة ذهبوا إلى أنها تختص بأشفاع العشر.
التاسع: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الثالثة والعشرين أو السابعة والعشرين.
روي ذلك عن ابن عباس.
العاشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها تُطلب في ليلة سبعة عشر وإحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين. وحكي ذلك عن علي وابن عباس وإبن مسعود ﵃.
الحادي عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الليلة الثالثة والعشرين. وهو قول كثير من الصحابة.
الثاني عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الليلة الرابعة والعشرين. وهو محكي عن بلال وابن عباس والحسن البصري وقتادة ﵃.
الثالث عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الليلة السابعة والعشرين. وهو قول جماعة من الصحابة، وهو المشهور بين الناس.
الرابع عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الليلة السابعة عشرين، وهو يحكى عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضًا.
الخامس عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في الليلة التاسعة عشر. وحكي ذلك أيضًا عن ابن مسعود وعلي ﵄.
السادس عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها في آخر ليلة من الشهر.
السابع عشر: قول طائفة ذهبوا إلى أنها كانت في زمن النبي ﵇ خاصةً، وأنها قد رفعت، لقوله ﵇ حين تلاحى الرجلان: "فرفعت".
стр. 5562
والصحيح بقاؤها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة، واستدلالهم غير صحيح؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه ﵇ قال: "فرفعت فعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في السبع والتسع"؛ وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ خلاف ذلك:
حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنى سليمان ابن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ سئل عن ليلة القدر فقال: تحروها في السبع الأواخر من رمضان".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني الزهري، عن حديث سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر".
حدثنا يزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﵇، مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا القعنبي، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، مثله.
ش: أي قد روي عن النبي ﷺ خلاف ما روي من أنها في كل رمضان.
وأخرجه من ست طرق صحاح، ورجالها رجال الصحيح ما خلا مشايخ الطحاوي.
стр. 5563
وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك، والزهري هو محمد بن مسلم، وعُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، وابن شهاب هو الزهري، والقعنبي عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
وهذا الحديث أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢)، من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر".
وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك، نحوه.
وأخرجه البخاري (٤) أيضًا: من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله ﵇ قال: "إن أناسًا منكم رأوا ليلة القدر في السبع الأول، وإن أناسًا رأوها في السبع الأواخر، فالتمسوها في السبع الأواخر".
وأخرجه مسلم أيضًا (٥) نحوه، من حديث يونس، عن ابن شهاب.
وأخرجه عبد الرزاق (٦): عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الغوابر في السبع الغوابر".
وأخرجه البيهقي (٧) من حديث مالك والليث ويونس، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أُرِي رجل في المنام أن ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان، فقال
стр. 5564
رسول الله ﵇: "أسمع رؤياكم قد تواطأت على أنها في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".
قوله: "تحروها" أي اطلبوها، أي احرصوا على طلب ليلة القدر، واجتهدوا فيه في السبع الأواخر.
فإن قيل: ما تقول في الاختلاف الذي جاء في هذا الباب؟
فإن ابن عمر ﵄ قد روى عنه ﵇ أنه قال: "تحروها في السبع الأواخر من رمضان"، وجاء في حديث أبي سعيد "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، والتمسوها في كل وتر، والتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"، وجاء في حديث أبي بن كعب: "أنها ليلة سبع وعشرين"، وفي حديث ابن عباس: "ليلة ثلاث وعشرين"، وكذا في حديث عبد الله بن أنيس، وفي حديث ابن مسعود: "من يقم الحول يصب ليلة القدر"، إلى غير ذلك من الأخبار التي جاءت في هذا الباب.
قلت: هذه الآثار كلها محمولة [على] (١) الوفاق دون الخلاف، والجمع بينها: بأنها في اختلاف السنين؛ فحديث أبي في سنة، وحديث عبد الله في سنة، وحديث أبي سعيد في أخرى، وأمر بها النبي ﵇ في العشر الأواخر في عام، وفي السبع في عام، وكلتاهما في العشر الأوسط في عام، فهذا يدل على أنها ليست في ليلة معينة أبدًا، وأنها في الأعوام أو في شهر رمضان على ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀، وسيجيء ما يقرب من هذا في أثناء كلام الطحاوي ﵀.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني أبو زُمَيل، عن مالك بن مرثد، عن أبيه قال: "سألت أبا ذر، فقلت: أسألت رسول الله ﵇ عن ليلة القدر؟ قال: نعم، كنت أسأل الناس عنها -قال عكرمة: يعني أشبع سؤالًا- قلت: يا رسول الله، أخبرني
стр. 5565
عن ليلة القدر في رمضان هي، أم في غيره؟ قال: في رمضان. قلت: وتكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا رفعوا رفعت؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلت: في أي رمضان هي؟ قال: في العشر الأول أو في العشر الآخر، ثم حدث رسول الله ﵇ وحدثت، فقلت: يا رسول الله في أي العُشْرَيْن هي؟ قال: التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها، ثم حدث رسول الله ﵇ فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك لتخبرني بحقِّي عليك في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبًا لم يغضب عليَّ قبلُ ولا بعدُ، ثم قال: إن الله لو شاء لأطلعكم عليها، التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها".
ش: رجاله ثقات.
ويعقوب بن إسحاق النحوي، روى له الجماعة سوى البخاري، الترمذي في "الشمائل".
وعكرمة بن عمار العجلي اليمامي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وأبو زُمَيل -بضم الزاي المعجمة- اسمه سماك بن الوليد الحنفي، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
ومالك بن مرثد بن عبد الله الزماني، وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه.
وأبوه مرثد بن عبد الله، وثقه ابن حبان روى له الترمذي وابن ماجه.
وأبو ذر الغفاري اسمه جندب بن جنادة.
وأخرجه النسائي (١) من حديث ابن عمار، عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد قال: "قلت لأبي ذر: سألت رسول الله ﵇ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسألَ الناسِ عنها -يعني أشد الناس مسألة- فقلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أَوَ في رمضان هي أو في غيره؟ قال: لا، بل في شهر رمضان فقلت:
стр. 5566
أتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضت الأنبياء ورفعوا رفعت معهم، أو هي إلى يوم القيامة؟ قال: لا، بل هي إلى يوم القيامة، فقلت: فأخبرني في أي شهر رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأواخر، والعشر الأول، ثم حدث نبي الله وحدثت، فاهتبلت غفلته فقلت: يا نبي الله، أخبرني في أي العشر هي؟ قال: التمسوها في العشر الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعد هذا، ثم حدث وحدثت، فاهتبلت غفلته، فقلت: أقسمت عليك يا رسول الله بحقي عليك؛ لتحدثني في أي العشر هي؟ فغضب عليَّ غضبًا ما غضب عليَّ من قبلُ ولا بعدُ، ثم قال: التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعد".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: نا سفيان، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد، عن أبيه قال: "كنت مع أبي ذر عند الجمرة الوسطى، فسألته عن ليلة القدر، فقال: كنت أَسْأَلَ الناس عنها رسول الله ﵇، قلت: يا رسول الله، ليلة القدر كانت تكون على عهد الأنبياء ﵈، فإذا ذهبوا رفعت؟ قال: لا، ولكن تكون إلى يوم القيامة. قال: قلت: يا رسول الله، فأخبرنا بها، قال: لو أُذن لي فيها لأخبرتكم ولكن التمسوها في أحد السبعين، لا تسألني عنها بعد مقامي أو مقامك هذا، ثم أخذ في حديث، فلما انبسط، قلت: يا رسول الله أقسمت عليك إِلا حدثتني بها، قال أبو ذر: فغضب عليَّ غضبة لم يغضب علي قبلها ولا بعدها مثلها".
قوله: "كنت أسألَ الناس" أي أكثر الناس سؤالاً، وأسأل ها هنا أفعل التفضيل، وقد فَسَّره عكرمة الراوي بقوله: "أشبع سؤالًا" أي أكثر وأشد سؤالًا.
قوله: "لَتخبرني" اللام فيه مفتوحة؛ لأنها للتأكيد.
قوله: "فغضب" إنما كان غضبه ﵇ لأمرين:
الأول: أنه أقسم على النبي ﵇، وليس لأحد يمين على النبي ﵇.
стр. 5567
والثاني: أنه سأل عن شيء لم يكن النبي ﵇ مأذونًا في تعيينه، كما جاء في رواية ابن أبي شيبة: "لو أذن لي فيها لأخبرتكم".
قوله: "فاهتبلت غفلته" في رواية النسائي، أي اغتنمت من الهبالة وهي الغنيمة.
وهذا الحديث ردٌّ على من يقول: إن ليلة القدر في جميع السنة، وبيان أنها في السبع الأواخر ولكنها غير معينة.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير، قال: أخبرني جابر: "أن عبد الله بن أنيس الأنصاري سأل النبي ﵇ عن ليلة القدر، وقد خلت اثنان وعشرون ليلة، فقال رسول الله ﵇: التمسوها في السبع الأواخر التي تبقين من الشهر".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن إسحاق، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن عبد الله بن عبد الله بن خبيب -أراه- عن عبد الله بن أنيس ﵇: "أنه سئل عن ليلة القدر، فقال: سمعت رسول ﵇ يقول: التمسوها الليلة -وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين- فقال رجل: هذا إذًا أول ثمان، فقال: بل أول سبع فإن الشهر لا يتم".
فقد ثبت بهذا الحديث أيضًا أنها في السبع الأواخر، وأنه إنما قصد ليلة ثلاثة وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان تسعًا وعشرين.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو زيد بن أبي الغَمْر، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: "كنت جالسًا مع أبي على الباب إذْ مرَّ بنا ابن عبد الله ابن أنيس فقال أبي: سمعتَ من أبيك يذكر عن رسول الله ﵇، فقلت: يا رسول الله، إني رجل تنازعني البادية، فمرني بليلة آتي فيها المدينة، فقال: ائت في ثلاث وعشرين".
حدثني ابن أبي داود، قال: حدثني الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن معاذ ابن عبد الله، عن أخيه عبد الله بن عبد الله قال: "كان رجل في زمن عمر بن
стр. 5568
الخطاب ﵁ قد سأله فأعطاه، قال: جلس إلينا عبد الله بن أنيس ﵁ في مجلس جهينة في آخر رمضان، فقلنا له: يا أبا يحيى، هل سمعت من رسول الله ﵇ في هذه الليلة المباركة شيئًا؟ قال: نعم، جلسنا مع رسول الله ﵇ في آخر هذا الشهر فقلنا: يا نبي الله متى تلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال: التمسوا هذه الليلة لمساء ثلاث وعشرين، فقال رجل من القوم: فهي إذًا أُولى ثمان؟ فقال: إنها ليست بأولى ثمان، ولكنها أولى سبع، ما تريد بشهر لا يتم؟ ".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه أخبر عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن أنيس قال: "كنا بالبادية، فقلنا: إن قدمنا بأهلنا شق ذلك علينا، وإن خلفناهم أصابتهم ضيعة، فبعثوني -وكنت أصغرهم- إلى رسول الله ﵇، فذكرت ذلك له، فامرنا بليلة ثلاث وعشرين".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني ابن لهيعة، قال: ثنا بكير بن الأشج، قال: سألت ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن ليلة القدر فقال: سمعت أبي يخبر عن رسول الله ﵇ أنه قال: "تحروها ليلة ثلاثة وعشرين، فكان ينزل كذلك".
حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى ابن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن أي سلمة بن عبد الرحمن، عن بُسر بن سعيد، عن عبد الله بن أنيس، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتني في ليلة القدر كأني أسجد في ماء وطين، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين".
ش: هذه سبع طرق:
الأول: فيه عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم المكي، وجابر هو ابن عبد الله الأنصاري الصحابي، وعبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري الصحابي ﵃.
стр. 5569
الثاني: إسناده حسن جيد.
ومعاذ بن عبد الله بن خبيب -بضم الخاء المعجمة- الجهني المدني، وثقه ابن معين، وروى له الأربعة.
وعبد الله بن عبد الله بن خبيب أخو معاذ بن عبد الله المذكور، وثقه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن إسحاق، عن معاذ ابن عبد الله بن خُبيب، عن عبد الله بن عبد الله بن خبيب، عن عبد الله بن أنيس صاحب رسول الله ﵇: "أنه سئل عن ليلة القدر، فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: التمسوها الليلة -وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين- فقال رجل: يا رسول الله هي إذًا أول ثمان؟ قال: لا، بل أول سبع، إن الشهر لا يتم".
الثالث: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن أبي زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر -بالغين المعجمة- واسمه عمر بن عبد العزيز مولى بني سهم المصري، ذكره ابن يونس في "تاريخه" ولم يتعرض له بشيء،
عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد القارئ المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
عن أبيه عبد الرحمن بن محمد -وثقه ابن حبان- قال: "كنت جالسًا مع أبي على الباب" وهو محمد بن عبد الله بن عبد القاري، ذكره ابن حبان في "الثقات"-: "إذْ مرَّ بنا ابن عبد الله بن أنيس" والظاهر أنه ضمرة بن عبد الله ابن أنيس، ويحتمل أن يكون عمرو بن عبد الله بن أنيس؛ لأن عبد الله بن أنيس له ابنان يرويان عنه في ليلة القدر وهما: ضمرة، وعمرو، وقال في "التكميل ": ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه في التماس ليلة القدر، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، وروى الزهري عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، وعن عمرو بن عبد الله بن أنيس نحوًا منه.
стр. 5570
وقال أبو داود في "سننه" (١): حدثنا أحمد بن يونس، قال: نا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم، عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني، عن أبيه قال: قلت: "يا رسول الله، إنَّ لي بادية كون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال: أنزل ليلة ثلاث وعشرين، فقلت لابنه: فكيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها فلحق بباديته". انتهى.
قوله: "فقال أبي" القائل هو محمد بن عبد الله بن عبدٍ، والد عبد الرحمن بن محمد الذي يروي عنه ابنه يعقوب.
قوله: "سمعتَ" بتاء الخطاب، يخاطب به ابنَ عبد الله بن أنيس، أي: هل سمعت من أبيك عبد الله بن أنيس يذكر عن رسول الله ﵇ شيئًا في شأن ليلة القدر.
قوله: "فقال: سمعت أبي" القائل هو إما ضمرة -وهو الظاهر- أو عمرو، على ما ذكرنا.
قوله: "تنازعني البادية" أي تشاغلني البادية عن المجيء إلى المدينة كل وقت.
قوله: "ائت" أمر من أَتَى يَأْتِي إِتْيَانًا.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد ابن إسحاق، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن خبيب ... إلي آخره.
وهؤلاء ثقات، غير أن قوله: "كان رجل" مجهول.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يعقوب، نا أبي، عن أبي إسحاق، حدثني معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجهني، عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن خُبيب قال: