إنما هو الستر الذي فيه تصاوير، ويحتمل أن يكون غير ذلك؛ لأنه ﵇ لم يوقفه علي ذلك، فإذا كان هذا دائرًا بين الأمرين؛ صرنا إلى حديث مجاهد عن أبي هريرة ﵁ فإنه صَرَّح فيه أن الستر الذي فيه تصاوير قد منع من دخول الملائكة، حيث قال جبريل ﵇: "كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال؟ فإما أن تقطع رءوسها وإما أن تجعلها بساطًا".
فعلمنا من هذا أن الثوب الذي استثناه النبي ﵇ بقوله: "إلا ما كان رقمًا في ثوب" هو الثوب الذي يبسط ويمتهن لا ما سوى ذلك من الثياب المعلقة أو الملبوسة، فافهم.
فإن قيل: قد روي في حديث زيد بن خالد الجهني قال بُسْر: "فمرض زيد بن خالد، فعدناه فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير، فقلت لعبد الله الخولاني: ألم تسمع حديثًا في التصاوير؟ قال: إنه قد قال: إلا رقمًا في ثوب" وقد مضى الحديث فيما قبل.
قلت: الجواب عنه كالجواب المذكور سواء.
стр. 6932
ص: باب: الرجل يقول: أستغفر الله وأتوب إليه
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، هل يقول كذا، أو يقول: أستغفر الله وأسأله التوبة؟
ص: قال أبو جعفر ﵀: سمعت أبا جعفر بن أبي عمران يكره أن يقول الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، ولكنه يقول: أستغفر الله وأسأله التوبة، وقال: رأيت أصحابنا يكرهون ذلك يقولون: التوبة من الذنب هي تركه وترك العود عليه. وذلك غير موهوم من أحد، فإذا قال: أتوب إليه، فقد وعد الله أن لا يعود إلي ذلك الذنب، فإذا عاد إليه بعد ذلك كان كمن وعد الله ثم أخلفه، ولكن أحسن ذلك أن يقول: أسأل الله التوبة، أي أسأل الله أن ينزعني عن هذا الذنب ولا يعيدني إليه أبدًا.
وقد روي في ذلك أيضًا عن الربيع بن خثيم:
حدثني موسى بن المبارك، قال: ثنا أحمد بن محمَّد بن يحيي بن سعيد القطان قال: ثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، قال: "لا يقل أحدكم: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم يعود فتكون كذبة وتكون ذنبًا , ولكن ليقل: اللهم اغفر لي وتب علي".
ش: اختلف العلماء في قول الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه هل ينبغي أن يقال هكذا أم يكره ذلك؟ فحكى الطحاوي عن شيخه أبي جعفر أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي الإمام الكبير الحجة، عن أصحابه الحنفية أنهم يكرهون ذلك ويقولون: التوبة من الذنب هي تركه قال: وقد روي في ذلك أيضًا. أي فيما قلنا من كراهة القول المذكور عن الربيع بن خثيم بن عائذ الثوري الكوفي، أحد التابعين الكبار الثقات.
стр. 6933
أخرجه عن موسى بن المبارك شيخ أبي حاتم الرازي، عن أحمد بن محمَّد بن يحيي بن سعيد القطان البصري نزيل بغداد وشيخ ابن ماجه، عن حسين بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، عن زائدة بن قدامة، عن ليث بن أبي سليم الكوفي، عن منذر بن يعلى الثوري، عن الربيع بن خثيم.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "التوبة من الذنب أن يتوب الرجل من الذنب ثم لا يعود إليه" فهذه صفة التوبة.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للقائلين المذكورين فيما قالوه: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبو داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، ضعفه يحيي والنسائي، قال ابن أبي عدي: إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وعامتها مستقيمة.
وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك الكوفي.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا علي بن عاصم أنا الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه".
قوله: "فهذه صفة التوبة" أي التوبة المقبولة وهي أن يتوب الرجل من الذنب ولا يرجع إليه بعد ذلك أبدًا , ولا يحتاج إلى توبة أخرى عن توبته تلك، وقد قال بعض أهل التحقيق: إن توبتنا هذه تحتاج إلي توبة أخرى؛ لأنها توبة الكذابين.
стр. 6934
ص: وهذا غير مأمون علي أحد غير رسول الله ﵇، فإنه معصوم ولذلك كان يقول ما قد روي عنه مما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان وحيوة بن شريح، قالا: ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إني لأتوب في اليوم مائة مرة، وقال أناس: إنما قال: سبعين مرة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو أيوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان، عن محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
حدثنا يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: قال عقيل: ثنا الزهري، أنَّ أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﵇. . . . ثم ذكر مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، حدثه عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: " [إني] (١) لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أنا زيد بن المنذر، قال: أنا بردة بن أبي موسى، قال: ثنا الأغر المزني قال: "خرج إلينا رسول الله ﵇ رافعًا يده وهو يقول: يا أيها الناس استغفروا ربكم ثم تويوا إليه؛ فوالله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة".
стр. 6935
قالوا: فهذا كان رسول الله ﵇ يقوله لأنه معصوم من الذنب، وأما غيره فلا ينبغي أن يقول ذلك؛ لأنه غير معصوم من العود فيما تاب منه.
ش: أشار به إلى القول: "استغفر الله وأتوب إليه"، وهذا في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: كيف كرهتم قول الرجل: "أستغفر الله وأتوب إليه" وقد روي هذا عن النبي ﵇ أنه كان يقول: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"؟.
وتقرير الجواب أن غير النبي ﵇ غير مأمون؛ لأنه غير معصوم فيتوهم منه خلف الوعد، والنبي ﵇ مأمون عن ذلك؛ لأنه معصوم، وهو معنى قوله: "قالوا: فهذا كان رسول الله ﵇ يقوله" أي قال هؤلاء القوم المذكورون هذا الذي ذكرناه من قول الرجل أستغفر الله وأتوب إليه كان النبي ﵇ يقوله؛ لأنه معصوم من الذنوب، وأما غيره فلا ينبغي أن يقول ذلك؛ لأنه غير معصوم من العود، أي الرجوع إلى الذنب الذي تاب منه.
فإن قيل: فما فائدة قول النبي ﵇ بذلك وهو لا ذنب له، فلا يحتاج إلى التوبة؟
قلت: إظهار الشكر لله تعالى علي هذه النعمة التي اختصت به إذ إرشاد الأمة وتعليمه إياهم ما يقولون عند ارتكابهم الذنوب.
ثم إنه أخرجه الحديث المذكور عن أبي هريرة وأبي موسى الأشعري والأغر بن يسار ﵃.
أما عن أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي الحمصي شيخ البخاري، وحيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي شيخ البخاري أيضًا، وأبي داود، كلاهما، عن بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي، عن محمَّد بن الوليد الحمصي الزبيدي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبد الملك ابن أبي بكر بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، عن أبي هريرة.
стр. 6936
وسماع عبد الملك المذكور عن أبي هريرة فيه خلاف.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (١): عن هشام بن عبد الملك، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، به.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن أيوب بن سليمان بن بلال القرشي المدني شيخ البخاري، عن أبي بكر بن أبي أويس، وهو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني الأعشي، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعن موسى بن عقبة، كلاهما عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه النسائى في "اليوم والليلة" (٢): عن إسماعيل الترمذي، عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمَّد بن عبد الله بن عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن أبي بكر نحوه.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي المصري، عن سلامة بن روح بن خالد الأيلي -فيه خلاف- عن عمه عقيل -بضم العين- بين خالد الأيلي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁.
الرابع: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 6937
وأخرجه البخاري (١) في "الدعوات": عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة".
وأما عن أبي موسى الأشعري عبد اللهَ بن قيس: فأخرجه عن حسين بن نصر بن المعارك، عن سعيد بن الحكم -المعروف بابن أبي مريم المصري- شيخ البخاري، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي بردة عامر بن أبي موسي عبد الله بن قيس الأشعري.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٢): عن محمَّد بن داود بن أبي ناجية الإسكندراني، عن زياد بن يونس، عن محمَّد بن جعفر، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة. . . . إلى آخره نحوه.
وقال ابن عساكر في "الأطراف": المحفوظ حديث أبي بردة، عن الأغر المزني ﵁.
وأما عن الأغر: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي، عن زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الثقفي -فيه كلام كثير، حتي قال يحيي بن معين: هو كذاب عدو الله ليس يسوي فلسًا- وهو يروي عن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، عن الأغر بن يسار الجهني الصحابي ﵁.
وأخرجه أبو داود (٣): عن سليمان بن حرب ومسدد، عن حماد بن زيد، عن
стр. 6938
ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر، عن النبي ﵇ أنه قال: "إنه ليغان علي قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة".
وأخرجه النسائي في "اليوم الليلة" (١): عن أحمد بن سليمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر -أغر مزينة- به.
وعن أحمد بن سليمان، عن جعفر بن عون، عن مسعر.
وعن ابن مثنى، عن ابن مهدي، عن شعبة جميعًا، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر، نحوه.
وعن بشر بن هلال، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أبي بردة، عن رجل من الصحابة، عن النبي ﵇ نحوه، ولم يسمه.
وعن محمد بن عبد الأعلي، عن معتمر، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، حدثني أبو بردة قال: "جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه فسمعته يقول. . . ." فذكر نحوه، ولم يسمه.
وقال ابن عساكر: روي عن أبي إسحاق وسعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبيه. ورواه غندر عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر، عن ابن عمر ﵃.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بأسًا أن يقول الرجل: "أتوب إلى الله .
ش: أي خالف أبا جعفر أحمد بن أبي عمران وأصحابه الحنفية والربيع بن خثيم فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الجماهير من الحنفية والشافعية وغيرهم؛ فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يقول: أتوب إلى الله .
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما قد روي عن النبي ﵇ حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة،
стр. 6939
عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "من جلس مجلسًا كثر فيه لغطه، ثم قال قبل أن يقوم: سبحانك ربنا لا إله إلا أنت أستغفرك ثم أتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا عثمان بن مطر، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك".
حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، قال: بلغني أن رسول الله ﵇ قال: "ما من إنسان يكون في مجلس فيقول حين يريد أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس". قال: فحدثت بهذا الحديث يزيد بن خصيفة فقال: هكذا حدثني السائب بن يزيد عن رسول الله ﵇.
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن يحيي بن سعيد، عن زرارة، عن عائشة ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﵇ يقوم من مجلس إلا قال: سبحانك اللهم ربي وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر ما تقول هذه الكلمات إذا قمت! فقال: إنه لا يقولهن أحد حين يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس".
فهذا رسول الله ﵇ قد روي عنه ما ذكرنا، وهذا أولى القولين عندنا؛ لأن الله قد أمر بذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا﴾ (١)، وقال : ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٢). وأمر رسول الله ﵇ بذلك في الآثار التي ذكرنا؛ فلهذا أبحنا ذلك وخالفنا أبا جعفر فيما ذهب إليه علي ما ذكرنا في أول هذا الباب.
стр. 6940
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه: أحاديث أبي هريرة وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وعائشة ﵃.
أما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمَّد الأعور المصيصي، عن عبد الملك بن جريج، عن موسي بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (١): عن أبي عبيدة بن أبي السفر، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، عن موسي بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه. . . إلى آخره نحوه.
وقال: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٢): عن عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، عن حجاج، بإسناده نحوه.
قوله: "لغطه" اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه.
ومعنى "سبحانك": أنزهك عن جميع النقائض والمعايب، وأصله من التسبيح؛ وهو التنزيه والتقديس، وانتصاب "ربنا" بحرف النداء المقدر، والسين في "استغفرك" للطلب.
وأما حديث أنس بن مالك: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الواسطي، عن عثمان بن مطر الشيباني البصري، فيه مقال كثير؛ فعن يحيي: كان ضعيفًا ضعيفًا. وعنه: ليس بشيء. وعن النسائي: ليس بثقة.
وهو يروي عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك.
стр. 6941
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمر بن موسى الشامي، ثنا عثمان بن مطر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﵇: "كفارة المجلس. . . ." إلى آخره نحوه.
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، وعثمان بن مطر لين الحديث، وقد روى عنه مسلم وغيره.
أما حديث السائب بن يزيد: فأخرجه عن محمَّد بن خزيمة، وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة بن عبد الله الكندي ابن أخت السائب بن يزيد، عن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، له ولأبيه صحبة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن ابن الهاد. . . . إلى آخره نحوه سواء.
وأما حديث عائشة فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن يحيي بن سعيد الأنصاري، عن زرارة بن أوفي، عن عائشة.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٢): عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن يحيي بن سعيد، عن زرارة، عن عائشة. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "وهذا أولى القولين". أراد قول أبي جعفر الفقيه ومَن تبعه، وقول الجمهور المذكورين. ثم استدل علي أوليَّة هذا القول بقوله: "لأن الله . . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 6942
قوله: "وخالفنا أبا جعفر" وهو أحمد بن أبي عمران الفقيه، أحد مشايخه الذين أخذ عنهم الحديث والفقه.
ص: فإن قال قائل: إن الله إنما أمرهم في كتابه أن يتوبوا، والتوية هي ترك الذنوب وترك العود إليها , وليس يكون ذلك بقولهم: قد تبنا، وإنما ذلك بالخروج من الذنوب وترك العود إليها، وكذلك روي في قول الله : ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (١) فذكروا ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا موسى بن زياد المخزومي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا سماك، عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر ﵁ يقول: "التوبة النصوح أن يجتنب الرجل السوء كان يعمله، فيتوب إلي الله منه، ثم لا يعود إليه أبدًا".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن النعمان، عن عمر ﵁ مثله.
فهذه صفة التوبة التي أمرهم الله في كتابه العزيز. وأما قولهم: نتوب إلي الله ، فليس من هذا في شيء.
قيل له: إن ذلك إن كان كما ذكرتم، فإنا لن نبح لهم أن يقولوا: نتوب إلي الله علي أنهم يعتقدون الرجوع إلي ما تابوا منه، ولكن أبحنا لهم أن يقولوا: نتوب إلي الله علي أنهم يريدون به ترك ما وقعوا فيه من الذنوب ولا يريدون العود في شيء منها، فإذا قالوا ذلك واعتقدوا هذا بقلوبهم؛ كانوا في ذلك مأجورين مثابين فمن عاد منهم بعد ذلك في شيء من تلك الذنوب كان ذلك ذنبًا أصابه ولم يحبط ذلك أجوره المكتوبة له بقوله الذي تقدم منه واعتقاده معه ما اعتقد، فأما مَن قال: أتوب إلي الله وهو معتقد أن يعود إلي ما تاب منه؛ فهو بذلك القول فاسق معاقب عليه؛ لأن كذب فيما قال: وأما إذا قال وهو معتقد لترك الذنب الذي كان وقع فيه وعازم علي أن لا يعود إليه أبدًا؛ فهو صادق في قوله: مثاب علي صدقه إن شاء الله تعالى.
стр. 6943
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن الله تعالى أمر عبده بالتوبة حيث قال: في كتابه الكريم: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً﴾ (١) غير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالتوبة، والتوبة ترك الذنوب وترك العود إليها , ولا يوصف الرجل بالتوبة حتي يترك الذنب ويترك العود إليه، ولا يكون تائبًا بقوله: قد تبت. ألا تري إلى ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: "التوبة النصوح: أن يجتنب الرجل السوء كان يعمله، فيتوب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه أبدًا"، [فهذه] (٢) هي صفة التوبة المأمور بها في الكتاب. وأما قول التائب: أتوب إلى الله؛ فليس بشيء كما قد تقرر فيما مضي.
وأخرج ما روي عن عمر ﵁ من طريقين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن موسى بن زياد عن [المخدوجي] (٣) إسرائيل بن يونس، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي الصحابي، عن عمر بن الخطاب ﵁.
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: "سئل عمر ﵁ عن التوبة النصوح فقال: التوبة النصوح: أن يتوب العبد من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدا".
стр. 6944
قوله: "أن يجتنب الرجل السوء" وفي بعض النسخ "الشر" وفي رواية ابن أبي شيبة "السيئ" والكل صحيح.
قوله: "كان يعمله" جملة وقعت حالًا من السوء، ويجوز أن تكون صفة علي تقدير زيادة الألف واللام في "السوء".
قوله: "قيل له" جواب عن السؤال المذكور، وهو ظاهر.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "الندم توبة".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، قال: أخبرني زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل قال: "دخلت مع أبي علي عبد الله بن مسعود، فقال له أبي: أنت سمعت النبي ﵇ يقول: الندم توبة؟ فقال: نعم".
حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، عن مالك، عن عبد الكريم، عن رجل، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم -أو ابن الجراح- عن عبد الله بن معقل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عبد الكريم، عن زياد -وليس بابن ابن مريم- فذكر بإسناده مثله.
أنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عبد الكريم، عن عبد الله بن معقل، نحوه.
فهذا رسول الله ﵇ قد جعل الندم توبة فدل ذلك علي أن مَن قال: أتوب إلى الله من ذنب كذا وكذا وهو نادم علي ما أصاب من ذلك الذنب؛ أنه محسن مأجور علي قوله. والله أعلم.
ش: ذكر حديث ابن مسعود هذا شاهدًا لصحة قول أهل المقالة الثانية؛ وذلك أنه ﵇ قد جعل الندم توبة فدل ذلك علي أن مَن قال: أتوب إلى الله، والحال أنه
стр. 6945
نادم علي ما اقترف من تلك الذنوب التي أصابها، أنه محسن علي قوله ذلك مأجور ومثاب.
وأخرج حديث ابن مسعود من خمس طرق:
الأول: بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن زياد بن أبي مريم الجزري، عن عبد الله بن معقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- قال: "دخلت مع أبي" وهو مَعْقِل بن مقرن المزني الصحابي.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الكريم الجزري، عن رجل، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود. وفيه مجهولان ولكنهما بُيِّنا في بقية الطرق أنهما: عبد الله بن معقل وأبوه معقل بن مقرن.
الثالث: عن حسين بن نصر، عن عمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري، عن عبيد الله بن عمر بن أبي الوليد الرقي، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم أو ابن الجراح، أي: أو زياد بن الجراح، والجراح هو اسم أبي مريم، وزياد هذا يقال له: ابن أبي مريم، ويقال له: ابن الجراح، وقال العجلي: زياد بن أبي مريم جزري تابعي ثقة. ووثقه ابن حبان أيضًا وقال: اسم أبي مريم: الجراح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا معمر بن سليمان الرقي، ثنا خصيف، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل قال كان أبي عند ابن مسعود، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الندم توبة".
стр. 6946
الرابع: عن حسين بن نصر أيضًا، عن الهيثم بن جميل الحافظ البغدادي نزيل أنطاكية وشيخ أحمد، عن زهير بن معاوية، عن عبد الكريم. . . . إلى آخره.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): عن أحمد بن عبدة، عن سفيان، عن عبد الكريم. . . . إلى آخره نحوه.
الخامس: أيضًا صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصافي، عن زهير بن معاوية. . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٢) نحوه.
وقد أخرج البزار (٣) هذا الحديث من طريق آخر: ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﵇ قال: "الندم توبة".
وهذا الحديث لم نسمعه إلا من عبد الواحد، عن أبي عوانة.
قلت: الأعمش لم يدرك عبد الله بن مسعود. والله أعلم.
стр. 6947
ص: باب: البكاء علي الميت
ش: أي هذا باب في بيان حكم البكاء على الميت هل يباح أم لا؟ والبكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون معه البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، وبكيته وبكيت عليه بمعنى. قال الأصمعي: بكيت الرجل وبكَّيته بالتشديد كلاهما إذا بكيت عليه، وقال أبو زيد مثله، والبكي بضم الباء جمع باك، وأصله بَكُوي، علي وزن فعول نحو رجل جالس وقوم جلوس، والبَكِيُّ -بفتح الباء-: الكثير البكاء.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أن عتيك بن الحارث بن عتيك -وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه- أخبره، أن جابر بن عتيك أخبره: "أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِبَ، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله ﵇ , وقال: غُلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين، وجعل ابن عتيك يُسكتهن، فقال رسول الله ﵇: دعهن؛ فإذا وجب فلا تبكينَّ باكية، قالوا: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: إذا مات".
ش: إسناده صحيح.
وجابر بن عتيك بن قيس الأنصاري السلمي الصحابي ﵁.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١) بأتم منه. وهو قوله بعد قوله: "إذا مات، فقالت ابنته: والله إن كنت أرجو أن يكون شهيدًا فإنك [كنت] (٢) قد قضيت جهازك، فقال رسول الله ﵇: إن الله قد أوقع أجره علي قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﵇: الشهداء سبعة سوي القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد،
стр. 6948
والمبطون شهيد، والحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد".
وأخرجه أبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
قوله: "جاء يعود عبد الله بن ثابت" أي جاء يزوره ويتفقد حاله.
وعبد الله بن ثابت الأنصاري أبو الربيع الظفري من بني ظفر بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس.
قوله: "قد غُلِب" علي صيغة المجهول.
قوله: "فاسترجع" أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مثل ما يقال: حوقل؛ إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: "يا أبا الربيع" هو كنية عبد الله بن ثابت المذكور.
قوله: "وما الوجوب" أصل الوجوب السقوط؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٤) وهو أن تميل فتسقط، وإنما يكون ذلك إذا زهقت نفسها، ويقال للشمس إذا غابت: قد وجبت الشمس.
قوله: "المطعون" من طُعِنَ الرجل فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وهو غدة كغدة البعير، تخرج في الآباط ونحوها.
"والغريق": الذي يموت في الماء غرقًا.
و"صاحب ذات الجنب": هي الشوصة، قاله أبو عمر، وقال غيره: ذات الجنب
стр. 6949
خلط ينصب إلى الغشاء المستبطن للأضلاع، فيحدث ورمًا حارًّا، وعلامته حمي لازمة وسعال وضيق نفس ووجع ناخس.
و"المبطون": العليل البطن، وهو صاحب الإسهال، وقال أبو عمر: فقيل فيه: إنه المحبون.
قوله: "تموت بجُمْع" بضم الجيم وسكون الميم، والمعني تموت وفي بطنها ولد، وقيل: التي تموت بكرًا، والجمع بمعنى المجموع، كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعني أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة، وقال أبو عمر: فيه قولان لكل واحد منهما وجهان:
أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها وقد تم خلقه وماتت من النفاس وولدها في بطنها لم تلده، قال أبو عبيد: الجمع: الناقة في بطنها ولدها. وقيل: إذا ماتت من الولادة وسواء ماتت وولدها في بطنها أو ولدته ثم ماتت.
والقول الآخر: هي التي تموت عذراء لم تنكح ولم تُفْتَض. وقيل: هي التي تموت ولم تطمث، والمعني واحد؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (١) أي لم يطأهن.
والقول الأول أكثر وأشهر.
ويستنبط منه أحكام:
سنية عيادة المرضي؛ لأنه ﵇ فعلها وأمر بها وندب إليها.
وعيادة الرجل العالم الكبير الشريف مَن هو دونه.
وفيه: الصياح بالعليل علي وجه النداء له ليسمع فيجيب عن حاله، ألا ترى أن رسول الله ﵇ صاح بقوله: يا أبا الربيع، فلما لم يجبه استرجع؟
وسنية الاسترجاع عند المصيبة.
стр. 6950
وفيه: جواز تكنية الرجل الكبير لمن هو دونه، وهذا يبطل ما يحكي عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدًا.
وفيه: إباحة البكاء على الميت كالصياح وغيره عند حضور وفاته.
وفيه: النهي عن البكاء إذا وجب موته، وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى.
وفيه: أن التجهز للعدو إذا حيل بينه وبينه، يكتب له أجر الغازي، ويقع أجره علي قدر نيته.
وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأن نية المؤمن خير من علمه.
وفيه: طرح العالم [المسألة] (١) على المتعلم، ألا ترى إلى قوله ﵇: "ما تعدون الشهادة فيكم" ثم أجابهم بخلاف ما عندهم، وأن الشهداء سبعة بنصه ﵇، ولكن المراد بهذه الشهادة الحكمية، يعني أن هؤلاء كالشهيد حقيقة عند الله في وفور الأجر؛ ولهذا يغسلون ويكفنون كسائر الموتي بخلاف الشهيد الحقيقي وهو الذي قتل ظلمًا, ولم تجب بقتله دية، أو وجد في المعركة قتيلًا كما عرف في الفروع بالخلاف الذي فيه، وقد ذكر في معنى هؤلاء السبعة شيء آخر، وفي كتاب "المعرفة": حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعته يقول فقال علي بن أبي طالب ﵁: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في حبسه ذلك فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالما فمات من ضربه ذلك فهو شهيد، وكل موت يموت به المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل.
وعن ابن مسعود ﵁ "أن مَن يتردى من الجبال، أو يغرق في البحور، أو يأكله السبع، شهداء عند الله يوم القيامة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى كراهة البكاء على الميت، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
стр. 6951
ش: أراد بالقوم هؤلاء: القاسم وعروة بن الزبير وأبا نجيح وداود بن علي فإنهم قالوا: يكره البكاء على الميت، واستدلوا علي ذلك بالحديث المذكور، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن أبي أوفي وعائشة ﵃.
ص: وبما قد روي عن النبي ﷺ "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
حدثنا ربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أحمد بن محمَّد الأزرقي، قال: ثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبى مليكة يقول: "لما ماتت أم أبان بنت عثمان بن عفان حضرت مع الناس، فجلست بين يدي عبد الله بن عمرو وعبد الله ابن عباس ﵃ فبكى النساء، فقال ابن عمر: ألا تنهى هؤلاء عن البكاء؟ إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول ذلك، فخرجت مع عمر حتى إذا كنا بالبيداء، إذا رَكْب، فقال: يا ابن عباس من الرَّكْب؟ فذهبت فإذا هو صهيب وأهله، فرجعت فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا صهيب وأهله، فلما دخلنا المدينة، وأصيب عمر ﵁ جلس صهيب يبكي عليه ويقول: واحِبَّاه، واصاحباه، فقال عمر ﵁ لا تبك؛ فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه. قال: فذكر ذلك لعائشة ﵂ فقالت: أمَ والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين، ولكن السمع يخطئ، وإن لكم في القرآن لما يشفيكم: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، ولكن رسول الله ﵇ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء بعض أهله عليه".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة. . . . فذكر نحوه، غير أنه لم يذكره قصة صهيب ﵁.
قالوا: فلما كان الميت يعذب ببكاء أهله عليه؛ كان بكاؤهم عليه مكروهًا لهم.
стр. 6952
ش: أي واحتجوا أيضًا بما روي عن النبي ﵇. . . . إلى آخره.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أحمد بن محمَّد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الأزرقي المكي شيخ البخاري، عن عبد الجبار بن الورد بن أبي الورد القرشي المكي، وثقه يحيي بن معين وأبو داود وروي له والنسائي. عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي الأحول قاصّ عبد الله بن الزبير ومدونه، روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: "كنت عند عبد الله بن عمر ونحن ننتظر جنازة أمّ أبان ابنة عثمان ﵁ وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده، قال: فأراه أُخبر بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، وكنت بينهما، فإذا صوت من الدار، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﵇[يقول] (٢): إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فأرسلها عبد الله مرسلة، قال ابن عباس: كنا مع أمير المؤمنين عمر ﵁، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو برجل نازل في ظل شجرة، فقال لي: انطلق فاعلم من ذاك؟ فانطلقت، فإذا هو صهيب، فرجعت إليه، فقلت: إنك أمرتني أن أعلم لك مَن ذاك، وأنه صهيب، فقال: مُروه فليلحق بنا، فقلت: إن معه أهله، قال: وإن كان معه أهله -وربما قال أيوب: مره فليلحق بنا- فلما بلغنا المدينة لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب، فجاء صهيب فقال: واأخاه، واصاحباه، فقال عمر ﵁: ألم تعلم -أو لم تسمع أو قال: أو لم تسمع أو لم تعلم- أن رسول الله ﵇ قال: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله؟ فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال ببعض، فأتيت عائشة ﵂، فذكرت لها قول عمر، فقالت: لا والله ما قاله رسول الله ﵇: إن الميت يعذب ببكاء أهله، ولكن رسول الله ﵇ قال: إن الكافر
стр. 6953
ليزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو أضحك وأبكي، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) ".
قال أيوب: وقال ابن أبي مليكة: حدثني القاسم، قال: "لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ".
الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢) من طرق متعددة نحو ما رواه أحمد في "مسنده"، منها ما رواه عن عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة نحو رواية الطحاوي هذه.
قوله: "لما ماتت أم أبان" وهي بنت عثمان بن عفان، وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
قوله: "بالبيداء" وهي في اللغة الأرض الواسعة، وقال ابن الأثير: البيداء المفازة لا شيء بها، وهي هاهنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة.
قوله: "إذا ركب" كلمة "إذا" للمفاجأة، والركب اسم من أسماء الجمع كنفر ورهط، وقيل: هو جمع راكب، كصاحب وصحب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق علي كل من يركب دابة.
قوله: "واحباه، واصاحباه" كلمة "وا" للندبة وهي علي وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصًا بباب الندبة، نحو: وازيداه.
стр. 6954
والثاني: أن تكون اسمًا للعجب نحو:
وَا بأبي أنت وفوكِ الأشنبُ
قوله: "أمَ والله"، أصله: أما والله، فحذفت الألف، وهي حرف استفتاح بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم.
وقال أبو عمر بن عبد البر (١): اختلف الناس في معنى قوله ﵇: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال قائلون: معناه أن يوصي الميت بذلك.
وقال آخرون: معناه أن يمدح في ذلك البكاء بما كان يمدح به أهل الجاهلية من الفتكات والغدرات وما أشبهها من الأفعال التي هي عند الله ذنوب، فهم يبكون لفقدها، ويمدحونه بها، وهو معذب بما يبكي عليه به من أهله.
وقال الآخرون: البكاء في هذا الحديث وما كان مثله معناه النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود ونحو هذا من النياحة، وأما بكاء العِبَر فلا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو أمر مجمع عليه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٢) وبقوله ﵇ لأبي [رمثة] (٣) في ابنه: "ابك لا تجني عليه ولا يجني عليك".
قال أبو عمر: أما ما صح عن النبي ﵇ من حديث عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر والمغيرة بن شعبة ﵃، وغيرهم، أن رسول الله ﵇ قال: "يعذب الميت بما نيح عليه" ذكره مسلم، مع ما روي من إنكار عائشة على ابن عمر بقولها أيضًا في حديث آخر: "إنكم لتحدثون عن غير كاذبين، عمر وابنه، ولكن السمع يخطئ" ذكره أيضًا مسلم.
стр. 6955
فللعلماء في ذلك قولان:
أحدهما: أن طائفة من أهل العلم ذهبت إلى تصويب قول عائشة ﵂ في إنكارها على ابن عمر، فمنهم الشافعي وغيره.
قال أبو عمر: وهو عندي تحصيل مذهب مالك؛ لأنه ذكر حديث عائشة في "موطإه" ولم يذكر خلافه عن أحد.
قال الشافعي: أرخص في البكاء على الميت ثلاثة أيام بلا نياحة، لما في النياحة من تجديد الحزن، ومنع الصبر، وعظم الإثم، ثم قال: وقال ابن عباس: الله أضحك وأبكي. قال الشافعي: فما روته عائشة وذهبت إليه أشبه بدلالة الكتاب والسنة، واستدل بحديث أبي رمثة، وبقوله : ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١)، وبقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). قال: وما زيد في عذاب الكافر فباستحبابه لا بذنب غيره.
وقال: آخرون، منهم داود بن علي وأصحابه: ما روي عن عمر والمغيرة أولى من قول عائشة وروايتها، قالوا: ولا يجوز أن تدفع رواية العدل بمثل هذا الاعتراض؛ لأن مَن روى وسمع أثبت حجة علي من نفي وجهل.
قالوا: وقد صح عن النبي ﵇ أنه نهي عن النياحة نهيًا مطلقًا , ولعن النائحة والمستمعة، وحرم أجرة النائحة، وقال: "ليس منا من حلق وسلق، وليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعول بدعوي الجاهلية".
قالوا: وقد قال الله [تعالى ] (٣): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤)، فواجب علي كل مسلم أن يعلم أهله ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويأمرهم به، وواجب عليه أن ينهاهم عن كل ما لا يحل لهم ويوقفهم عليه ويمنعهم منه،
стр. 6956
ويعلمهم مُهِمَّ ذلك كله؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) قالوا: فإذا علم الرجل المسلم ما جاء عن رسول الله ﵇ في النياحة على الميت والنهي عنه والتشديد فيها, ولم ينه عن ذلك أهله ونيح عليه بعد ذلك، فإنما يعذب بما نيح عليه؛ لأنه لم يفعل ما أمر به من نهي أهله عن ذلك وأمره إياهم بالكف عنه، وإذا كان ذلك كذلك فإنما يعذب بفعل نفسه وذنبه لا بذنب غيره، وليس في ذلك ما يعارض قول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، فكأن ما رواه عمر وابنه عبد الله والمغيرة وغيرهم صحيح المعنى غير مدفوع، وبالله التوفيق، انتهي.
وقال الخطابي: قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا علي ما ذهبت عائشة ﵂؛ لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي، فالخبر المفسر أولى من المجمل، ثم احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحًا من غير أن يكون فيه خلاف للآية؛ وذلك أنهم كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم، فكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم، كقول القائل (٣):
إذا مُتُّ فانْعِيني بما أنا أهلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابنةَ معْبَدِ
وكقول لبيد:
فقُومَا وقُولا بالذي تَعْلَمانِهِ ... ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تحلِقا شَعَرْ
وقولا هو المرءُ الذي لا صَديقَه ... أضاعَ ولا خافَ الأميرَ ولا غَدَرْ
إلى الَحوْلِ ثُمَّ اسمُ السَّلامِ عَليكُما ... ومَنْ يَبكِ حَوْلا كامِلا فقد اعْتَذَر
ومثل هذا كثير في أشعارهم، فإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقال ﵇: "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها".
стр. 6957
وفيه وجه آخر: وهو أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجبت عليهم بذنوب اقترفوها وجري من قضاء الله فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم: "مطرنا بنوء كذا" أي عند نوء كذا؛ كذلك قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" أي عند بكائهم عليه، لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالاً لا سببًا؛ لأنا لو جعلناه سببًا لكان مخالفًا للقرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١).والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بكاء لا معصية معه من قول فاحش ولا نياحة، واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "اشتكي سعد بن عبادة شكوى، فأتى رسول الله ﵇ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه وجده في غشيته، فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، فبكي رسول الله ﵇، فلما رأى القوم بكي رسول الله ﵇ بكوا، فقال: ألا تسمعوا أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم".
حدثنا أحمد بن الحسن، قال: سمعت سفيان يقول: حدثني ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن أبي هريرة: "أن عمر ﵁ أبصر امرأة تبكي علي ميت فنهاها، فقال له رسول الله ﵇: دعها يا أبا حفص فإن النفس مصابة، والعين بكية، والعهد قريب".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﵇ مرَّ بنساء بني الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد، فقال رسول الله ﵇: لكن حمزة لا بواكي له، فجاء نساء
стр. 6958
الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله ﵇ فقال: ويحهن، ما انقلبن بعد مرورهن، فلينقلبن، ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن عمر، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة ﵂، قالت: "رأيت رسول الله ﵇ يقبِّل عثمان بن مظعون بعد موته، ودموعه تسيل علي لحيته".
ففي هذه الآثار التي ذكرنا إباحة البكاء على الموتى، وذلك علي أن ذلك غير ضار لهم ولا سبب لعذابهم، ولولا ذلك لما بكي رسول الله ﵇ ولا أباح البكاء، ولمنع من ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وابن أبي ليلي والحسن البصري والثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بلا صوت ولا قول فاحش، وروي ذلك عن أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن مسعود وثابت بن زيد وقرظة بن كعب وأم المؤمنين عائشة ﵃.
وإليه ذهب ابن حزم، وقال في "المحلي": والصبر واجب، والبكاء مباح ما لم يكن نَوح؛ فإن النوح حرام والصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدور ونتف الشعر وحلقه للميت، كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله تعالى، وشق الثياب.
قوله: "واحتجوا في ذلك". أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة ﵃.
أما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه من وجهين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن يونس بن عبد الأعلي وعمرو بن سواد العامري، كلاهما عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
стр. 6959
وأخرجه البخاري (١): عن أصبغ عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبيد الله بن موسى، نا أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: "رجع رسول الله ﵇ يوم أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين علي هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين علي حمزة، فرقد فاستيقظ فقال: يا ويحهن؛ إنهن لهاهنا حتى الآن؟! مُروهُنَّ فليرجعن، ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
وأخرجه عن هارون بن سعيد المصري، عن عبد الله بن وهب .. إلى آخره نحوه.
قوله: "اشتكي سعد بن عبادة شكوى" أي مرض مرضًا. الشكوى والشكو والشكاة والشكاية كلها مصادر بمعنى المرض.
قوله: "في غشيته" وهي ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به حتى يظن أنه قد مات، وأصله من غشاه يغشاه إذا غطاه، وغشي الشيء إذا لابسه، وغشي المرأة إذا جامعها، وغُشي عليه فهو مَغْشِيٌّ عليه، إذا أُغْمِيَ عليه.
قال القاضي عياض: روايتنا فيه عن أكثر شيوخنا بكسر الشين وتشديدها، وعند أبي جعفر: عشية بسكون الشين، وفي البخاري: "في غاشيته"، وقال ابن الأثير: الغاشية: الداهية من خير أو شر أو مكروه، ومنه قيل: للقيامة: الغاشية، وأراد في غَشْية من غشيات الموت، ويجوز أن يريد بالغاشية القوم الحضور عنده الذين يغشونه للخدمة والزيارة أن أي جماعة غاشية.
وقال الخطابي: الغاشية تحتمل وجهين: من يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.
стр. 6960
قوله: "فقال: أقد قضى؟ " أي أقد مات؟ والهمزة فيه للاستفهام، وهو علي صيغة المعلوم، وأصل معناه: فرغ، يقال: قضي نحبه أي مات، وضربه فقضي عليه أي قتله، كأنه فرغ منه.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي نزيل مصر، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن وهب بن كيسان القرشي المعلم، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عفان، ثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عن أبي هريرة قال: "مُرَّ على النبي ﵇ بجنازة يُبكى عليها -وأنا معه وعمر بن الخطاب- فانتهر عمر ﵁ اللَّاتي تبكين مع الجنازة، فقال رسول الله ﵇: دعهن يا ابن الخطاب؛ فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب".
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن ابن أبي شيبة. . . . نحوه. والله أعلم.
واعلم أنه وقع في رواية ابن ماجه بين وهب بن كيسان وبين أبي هريرة شخص واحد، وهو محمَّد بن عمرو بن عطاء.
وفي رواية أخرى (٢) له من طريق ابن أبي شيبة أيضًا وقع بينهما شخصان أحدهما محمَّد بن عمرو بن عطاء هذا، والآخر سلمة بن الأزرق.
وأخرجه النسائي (٣): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد ابن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة.
وأما رواية الطحاوي فإنه ليس فيها بين وهب بن كيسان وبين أبي هريرة أحد كما تري ذلك.
стр. 6961
ووهب هذا قد روى عن أبي هريرة وغيره من الصحابة. ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" من التابعين.
وأما حديث عائشة ﵂، فأخرجه عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن إسماعيل بن عمر الواسطي شيخ أحمد وابن معين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فيه مقال؛ فعن محمَّد بن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به. وعن الجوزجاني: ضعيف الحديث. وعن أبي حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث ليس له حديث يعتمد عليه. وقال الدارقطني: مدينيّ يترك وهو مغفل، وقال النسائي: لا نعلم مالكًا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله.
والحديث أخرجه أبو داود (١): عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن عاصم. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣)، وفي رواية ابن ماجه: "علي خديه".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال المنذري في "مختصر السنن": وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
ويستفاد منه حكمان:
الأول: إباحة البكاء على الميت من غير صوت.
والثاني: جواز تقبيل الميت؛ فإن رسول الله ﵇ قبَّل عثمان بن مظعون، وهو ممن هاجر الهجرتين، وممن شهد بدرًا، وكانت وفاته في سنة اثنتن من الهجرة وهو أول مَن دفن بالبقيع، ومظعون بالظاء المعجمة.
стр. 6962
ص: فإن قال قائل: فإن في حديث ابن عمر الذي ذكرت ما يدل علي نسخ ما كان أباح من ذلك، وهو قوله: "ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
قيل له: ما في ذلك دليل علي ما ذكرت، قد يجوز أن يكون قوله ﵇: "ولا يبكين علي هالك بعد اليوم" من هلكاهن الذين قد بكين عليهم منذ هلكوا إلي هذا الوقت؛ لأن في ذلك البكاء ما قد أتين به علي ما جلا عنهن حزنهن.
ش: تقرير السؤال أن يقال لأهل المقالة الثانية: كيف تحتجون في إباحة البكاء على الميت بلا صوت بحديث عبد الله بن عمر، وفي حديثه ما يدل علي نسخ ما كان أباح لهم من ذلك وهو قوله: "ولا يبكين علي هالك بعد اليوم"؟ فإنه صريح في المنع عن البكاء، والجواب عنه ظاهر.
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ في تفسير البكاء الذي قصد إلى النهي في نهيه عن البكاء على الموتى ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللهَ، عن عبد الرحمن ابن عوف قال: "أخذ النبي ﵇ بيدي فانطلقت معه إلى ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فأخذه النبي ﵇ فوضعه في حجره حتى خرجت نفسه، فوضعه ثم بكي، فقلت: يا رسول الله، أتبكي وأنت تنهي عن البكاء؟! فقال: إني لم أنه عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو، ولعب، ومزامير شيطان -وصوت عن مصيبة- لطم وجوه، وشق جيوب، وهذا رحمة، من لا يَرحم ولا يُرحم، يا إبراهيم لولا أنه وعد صادق وقول حق، وأن آخرنا سيلحق أوَّلنا، لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب".
فأخبر رسول الله ﵇ في هذا الحديث بالبكاء الذي نهى عنه في الأحاديث الأُوَل، وأنه البكاء الذي معه الصوت الشديد ولطم الوجوه وشق الجيوب، وبيَّن أن ما سوى ذلك من البكاء مما فعل من جهة الرحمة أنه بخلاف ذلك البكاء الذي نهى عنه.
стр. 6963
ش: ذكر هذا شاهدًا للجواب المذكور عن السؤال المذكور، وتأييدًا لصحته، وهو أن البكاء على الميت مباح، وحكمه باقٍ ولم ينسخ، ولم ينه عنه، وإنما الذي نهي عنه هو البكاء الذي معه صوت أو لطم أو شق، والبكاء الذي يكون بدون هذه رحمة في القلوب، دل عليه حديث عبد الرحمن بن عوف.
أخرجه بإسناد حسن عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي الكوفي -شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه، فيه مقال، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، عن عبد الرحمن بن عوف الصاحبي.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا النضر بن إسماعيل، قال: نا ابن أبي ليلي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، عن عبد الرحمن ابن عوف قال: "أخذ رسول الله ﵇ بيدي فانطلق إلى النخل، فوجد إبراهيم ابن رسول الله ﵇، فأخذه رسول الله ﵇ فوضعه في حجره، فدمعت عيناه، ثم قال: يا بني إني لا أملك لك من الله شيئًا، فقلت: يا رسول الله تبكي؟! أو لم تنه عن البكاء؟ قال: إنما نهيت عن النوح، عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة -لعب ولهو ومزامير شيطان- وصوت عند مصيبة -خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان- إنه لا يُرحم من لا يَرحم، لولا أنه أمُرُ حق ووعد صدق وأنها سبيل مأتية لابد منها حتي يلحق آخرنا بأوَّلنا، لحزنَّا حزنًا أشد من هذا -يعني عليه- وإنَّا به لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الرب ".
وهذا حديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد روي عن عبد الرحمن بإسناد آخر بعض هذا الكلام.
стр. 6964
قوله: "وهو يجود بنفسه" أي يخرجها ويدفعها، مما يدفع الإنسان ماله يجود به، والجود: الكرم، يريد أنه كان في النزع وسياق الموت.
قوله: "حتى خرجت نفسه" أي روحه، والنفس تطلق على الروح وعلى الدم.
قوله: "عن صوتين أحمقين" أي موضوعين في غير محلهما؛ وذلك لأن الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه.
قوله: "فاجرين" الفاجر هو المنبعث في المعاصي والمحارم، من فجر يفجر فجورًا، ووصف الصوت بصفة مُصوِّتِه؛ لملابسته إياه.
قوله: "صوت عند نعمة: لهو" أي أحدهما صوت عند نعمة لهو.
قوله: "وصوت عند مصيبة" أي والآخر: صوت عند مصيبة.
قوله: "لطمُ وجوه" برفع اللطم وإضافته إلى الوجوه، وارتفاعه علي أنه بدل من صوت، أو بيان عنه.
قوله: "وهذا رحمة" أشار به إلى البكاء الذي هو إرسال الدمع من غير صوت ونياحة.
قوله: "لولا أنه وعد" أي لولا أن الموت وعدٌ صادق من الله تعالى.
قوله: "لحزنَّا" اللام فيه للتأكيد.
قوله: "لمحزونون" خبر لقوله: "إنا"، واللام فيه للتأكيد.
ص: وأما ما ذكرناه عن عمر وابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : "إن الميت
يعذب ببكاء أهله عليه" فقد ذكرنا عن عائشة ﵂ إنكار ذلك، وأن رسول الله ﵇ إنما قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا في قبره ببعض بكاء أهله عليه" وقد يجوز أن يكون ذلك البكاء -الذي يعذب به ذلك الكافر في قبره يراد به عذابًا علي عذابه- بكاءً قد كان أوصى به في حياته، فإن أهل الجاهلية قد كانوا يوصون بذلك أهليهم أن يفعلوه بعد وفاتهم، فيكون الله يعذبه في قبره بسبب قد كان سببه في حياته فُعِل بعد موته.
стр. 6965
ش: هذا جواب عن حديث عبد الله بن عمر الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وحاصلة من وجهين:
أحدهما: أن عائشة ﵂، أنكرت ذلك، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) ونسبت ذلك إلى الوهم عن ابن عمر.
الثاني: أن ذلك محمول علي ما إذا كان الميت قد كان أوصى به في حياته، وقد بسطنا الكلام في هذا الباب مستقصى، فليراجع إليه.
ص: وقد روي هذا الحديث عن عائشة بغير هذا اللفظ:
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟! والله ما ذاك إلا إيهام من عبد الله بن عمر يغفر الله له، إن الله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وما ذاك إلا أن رسول الله ﵇ مرَّ علي قبر يهودي، فقال رسول الله ﵇: أنتم تبكون عليه وإنه ليعذب في قبره يقول: بعمله".
فأخبرت عائشة ﵂ في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما أخبر أن ذلك الكافر يعذب في قبره بعمله وأهله يبكون عليه، وقد منع الله أن تزر وازرة وزر أخرى، فدل ذلك علي أن مَيْتًا لا يعذب في قبره ببكاء حيٍّ لم يَأمر به في حياته، وبان بحديث جابر عن عبد الرحمن بن عوف البكاء المكروه ما هو، وأنه هو الذي معه اللطم والشق، فقد ثبت بما ذكرنا إباحة البكاء على الميت إذا لم يكن معه سبب مكروه من شق ثوب ولطم وجه ونياحة وما أشبه ذلك، وقد حدثنا فهد قال: ثنا يحيي بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: "دخلت علي قرظة ابن كعب وعلي أبي مسعود الأنصاري وثابت بن زيد ﵃ وعندهم جواري يغنين، فقلت: أتفعلون هذا وأنتم
стр. 6966
أصحاب محمَّد ﷺ ؟! قالوا: إن كنت تسمع وإلا فامش؛ فإن رسول الله ﵇ رخص في اللهو عند العرس، وفي البكاء عند الموت".
ش: لما أجاب عن حديث عبد الله بن عمر بحديث عائشة ﵂ أجاب ثانيًا بحديث آخر عن عائشة أيضًا روي عنها بوجه آخر، وفيه الجواب أيضًا عن حديث عبد الله بن عمر، وحديث آخر أيضًا عن ثلاثة من الصحابة ﵃.
أما حديث عائشة فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان.
فإن قيل: عبد الرحمن فيه كلام.
قلت: قال يحيي بن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وأخرجه مسلم (١): ثنا خلف بن هشام وأبو الربيع الزهراني، جميعًا عن حماد -قال: [خلف] (٢)، ثنا حماد بن زيد- عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئًا فلم يحفظ، إنما مرت علي رسول الله ﵇ جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وأنه ليعذب".
ثنا أبو كريب (٣) قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: "ذكر عند عائشة ﵂ أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﵇ أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله، فقالت: وَهِلَ، إنما قال رسول الله ﵇: إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن، وذلك مثل قوله: إن رسول الله ﵇ قائم على القليب يوم بدر
стр. 6967
وفيه قتلي بدر من المشركين فقال لهم ما قال: إِنهِم ليسمعون ما أقول، وقد وَهِلَ، إنما قال: ليعلمون أنما كنت أقول لهم حق، ثم قرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (١) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) يقول: حتى تبوءوا مقاعدهم من النار".
وله رواية أخري (٣) وفيها: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أَمَا إنه [لم يكذب] (٤)، ولكنه نسي أو أخطأ".
والحديث أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦) أيضًا.
وقال القاضي عياض: وقد قيل: معني قوله ﵇: "إنه ليعذب ببكاء أهله عليه" أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم، وقد جاء هذا مفسرًا في حديث قبله حين بكت امرأة عند ذكرها موت أبيها، فزجرها النبي ﵇ ثم قال: "إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم" وإلى هذا نحى الطبري وغيره، وهو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي ﵇ في هذا الحديث ما أبهمه في غيره، ويندفع به الاعتراض بقوله تعالي: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧).
وأما حديث الثلاثة من الصحابة وهم: قرظة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاري الخزرجي حليف بني عبد الأشهل.
وأبو مسعود الأنصاري اسمه عقبة بن عمرو.
وثابت بن يزيد بن وديعة الأنصاري، ويقال: ثابت بن زيد بن وديعة، ويقال: ثابت بن وديعة، أبو سعد المدني، له ولأبيه صحبة.
стр. 6968
فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيي بن عبد الحميد الحماني الكوفي الثقة، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عامر بن سعد البجلي الكوفي -من رجال مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي مسعود وثابت بن زيد وقرظة بن كعب، قالوا: "رُخِّص لنا في البكاء على الميت في غير نوح".
ثنا (٢) شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: "دخلت علي أبي مسعود وقرظة بن كعب فقالا: إنه رُخِّص لنا في البكاء عند المصيبة".
ص: فإن قال قائل: فقد [روي عن] (٣) رسول الله ﵇ أن الميت يعذب في قبره بنياحة أهله عليه، وذكر ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن عبيد أبو الهذيل الطائي، عن علي بن ربيعة قال: "نيح علي قرظة بن كعب، فخطب المغيرة بن شعبة ﵁ فقال: "ما بال النياحة في هذه الأمة؟! إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن كذبًا عليّ ليس ككذب علي أحد، من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن نيح عليه عذب ما نيح عليه -أو بما نيح عليه".
قيل له: هذا عندنا -والله أعلم- على النياحة التي كانوا يوصون بها أهليهم، فتكون مفعولة بعدهم بوصيتهم بها في حياتهم، فيعذبون علي ذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد أوَّلتم حديث عبد الله بن عمر ﵄، وقلتم: إن عائشة قد أنكرت حديثه، ونسبته تارة إلى الوهم، وتارة إلى النسيان، وتارة إلى الخطأ، وأوَّلت حديثه بما ذكرنا من التأويلات، فما تقولون فيما روى
стр. 6969
المغيرة بن شعبة ﵁، وهو مثل ما رواه عبد الله بن عمر ﵄، والحال أنه سالم عن نسبته إلى الوهم أو النسيان؟ فدل علي أن البكاء حرام مطلقًا وأن الميت يعذب به.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سعيد بن عبيد الطائي أبي الهذيل الكوفي، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن علي بن ربيعة الوالبي الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن سعيد بن عبيد الطائي ومحمد بن قيس، عن علي بن ربيعة قال: "أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﵇ يقول: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة".
قوله: "فليتبوأ مقعده" أي لينزل منزله من النار، يقال: بوأه الله منزلًا أي: أسكنه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته، والمباءة: المنزل.
قوله: "ومن نيح عليه" من النياحة.
قوله: "ما نيح عليه" أي ما دام النوح عليه، فكلمة "ما" بمعنى المدة. قوله: "أو بما نيح عليه" شك من الراوي، أي أو بسبب النوح عليه، والباء للسببية، وكلمة "ما" مصدرية.
قوله: "قيل له: هذا عندنا. ." إلى آخره. جواب السؤال المذكور، وهو ظاهر.
стр. 6970
ص: باب: رواية الشعر هل هي مكروهة أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم رواية الشعر وإنشاده، هل يباح أم يكره؟ والشعر في الاصطلاح: كلام موزون مقفي مقصود به، واحترزنا بالمقصود عما إذا وقع اتفاقًا لما في قوله ﵇:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
فإنه لا يسمي شعرا؛ لأنه وقع اتفاقًا لا قصدًا، والشعر يطلق علي بيت واحد بخلاف القصيدة؛ فإنها لا تطلق إلا علي عشرة أبيات، وقيل: أقلها سبعة أبيات.
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن ومحمد بن سليمان الباغندي، قالا: ثنا خلاد بن يحيي، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﵇ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا".
ش: رجاله ثقات. وعمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المدني المخزومي، ذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وذكره ابن الأثير في الصحابة.
وأبو حريث بن عمرو صحابي بالاتفاق.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا زهير بن محمد وأحمد بن إسحاق -واللفظ لزهير- قالا: ثنا خلاد بن يحيي، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد. . . . إلى آخره نحوه سواء.
وقال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن عمرو بن حريث، عن عمر ﵁، موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا خلاد عن سفيان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) موقوفًا: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن