← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13782

تقويم الأدلة في أصول الفقه

أبو زيد الدبوسي

Полный текст (460 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القول في صفة حسن المأمور به قد ذكرنا أن الأمر لغة لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد، ومطلقه على الوجوب، فإذا كان الأمر من الله تعالى صار وجود المأمور به منا واجباً علينا لله تعالى، ولا يجوز في الحكمة أن يجب علينا إيجاده لله تعالى إلا لحسنه عند الله تعالى على الحقيقة، فغن القبيح في الحكمة: اسم لما ينبغي أن يعدم، والله تعالى هو الحكيم الذي لا سفه له فلا يأمرنا به فلا نجد بداً من معرفة صفة الحسن فيما أمرنا به، فنقول: - إن هذه الأفعال في صفة الحسن على أقسام أربعة: أ- ما حسن لمعنى في غيره. ب- وما حسن لمعنى في غيره. والذي حسن لمعنى في عينه على نوعين: أ- ما كان المعنى في وضعه. ب- وما كان اتصل المعنى بوضعه بواسطة حتى التحق بالواسطة القسم الأول، والذي حسن لمعنى في غيره على نوعين: أ- ما يحصل المعنى بفعل العبادة. ب- وما يحصل بعده بفعل مقصود له. فصارت الأقسام أربعة: - فأما الأول: فنحو الصلاة لأنها تتأدى بأفعال وأقوال وضعت للتعظيم في الشاهد، والتعظيم حسن في نفسه في حق المعظم إلا أن يكون في غير حينه أو حاله فيشوبه القبح لذلك المعارض، ولهذا كانت الصلاة حسنة دائمة، واستقبحت لأوقات مخصوصة وأحوال فنهينا عنها. - وأما الثاني: فنحو الزكاة والصوم والحج، لأن الزكاة تمليك المال للفقير على سبيل الكفاية بأمر الله تعالى، ولا يتم هذا العمل عملاً لله تعالى إلا بواسطة الفقير المحتاج. والصوم: كف النفس الشهوانية عن اقتضاء شهوة البطن والفرج بأمر الله تعالى ما يتم عملاً لله تعالى إلا بالنفس الشهوانية. والحج: زيارة البقعة المعظمة على سبيل التعظيم بأمر الله تعالى، ما يتم عملاً لله تعالى إلا بواسطة البقعة المعظمة، غير أن احتياج الفقير إل الكفاية كان بخلق الله تعالى

стр. 37

إياه على صفة لا يبقى إلا بالكفاية، واشتهاء النفس كذلك بخلق الله تعالى. وكذلك شرف المكان وفضله كان بخلق الله تعالى. ولما حسنت هذه الأفعال من حيث أن في الزكاة إغناء عباد الله تعالى المحتاجين. وفي الصوم قهر النفس التي هي عدو الله تعالى. وفي الحج تعظيم شعائر الله تعالى وهذه الأفعال بهذه الوسائط حسنة في الشاهد لمن وقعت له، والوسائط تثبت وسائط بخلق الله تعالى فصارت حسنة من العبد للرب عزت قدرته بلا ثالث معنى. فالوسائط لما ثبتت لله تعالى كانت مضافة إليه، ولم يبق للواسطة عبرة حكماً فصارت كأفعال الصلاة التي حسنت لأنها في نفسها تعظيم للمفعول له. وأما الوجه الثالث: فنحو قتال الكفرة والصلاة على الميت وإقامة الحدود. فالقتال فساد وما حسن إلا لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وكبت أعدائه ودفع قتالهم، فحسن بواسطة العدو وإن كان عدواً بمعصية كانت منه باختياره فصارت الواسطة واسطة بسبب مضاف إلى الكافر فصار حسناً لمعنى في غير العبادة. فالعبادة تتم بالعبد للرب تعالى فتكون الواسطة المضافة إلى غير الله تعالى غير فعل العبادة صورة ومعنى. وكذلك إقامة الحدود إضرار وإفساد وإنما حسنت لأنها زاجر عن المعاصي فحسن بواسطة المعاصي، وإنما كان عاصياً لمعنى مضاف إليه. والصلاة على الميت حسن عبادة شرعية بالميت فأما بدون الميت فعبث وإنما صلح بواسطة الميت لا بموته الثابت بالله تعالى. ولكن بإسلامه المضاف إلى المسلم كالكفر في الفصل الأول. وأما الوجه الرابع: فنحو الوضوء والسعي إلى الجمعة والغسل تبرد وتطهر عادة، وإنما انقلب عبادة شرعية وعملاً لله من حيث أنه مفتاح الصلاة المشروعة لله تعالى ألا ترى أن الوضوء لا يلزم من لا صلاة عليه، وإن كان محدثاً وكذلك لا يجب قبل مجيء وقت الصلاة. وكذلك السعي إلى الجمعة حسن لأنه سبب لإمكان إقامة الجمعة، فأما هو في نفسه فعمل مباح. والجمعة التي هي الحسنة لا تحصل بالسعي ولا بالوضوء بل بعدهما بفعل مقصود لها، وفي الفصل الأول يحسن ما فيه الحسن من قضاء حق الميت وكبت أعداء الله تعالى وزجر العاصي بنفس الفعل.

стр. 38

ثم حكم وجوب القسمين الأولين واحد وهو أن الوجوب متى ثبت لم يسقط إلا بفعل الواجب أو اعتراض ما يسقط لعينه ولا يسقط بغيره، لأنه وجب لعينه لا لغيره فلا يسقط بغيره. وحكم وجوب القسمين الآخرين واحد أيضاً وهو بقاء الوجوب ببقاء وجوب الغير، والسقوط بسقوط الغير حتى إذا سقطت الجمعة بسبب سقط السعي. وكذلك الطهارة. وكذلك حق الميت مت سقط ببغيه أو بكفره سقطت الصلاة. وكذلك لو سقطت بقضاء الولي حقه بالصلاة عليه سقطت الصلاة عن الباقين، والناس لو أسلموا حتى علت كلمة الله تعالى وذهب القتال سقط الجهاد ما لم يحدث قتال مثله من البغاة. ومتى لم يقض حق الميت بالصلاة بأن صلى عليه غير وليه كانت الصلاة باقية على الولي. وكذلك شوكة الكفار متى لم تنكسر بالقتال مرة لم يسقط الفرض ووجب ثانياً لأن المعنى الذي له وجبت العبادة في ذلك الغير بمنزلة السبب الموجب فلا يبقى الحكم بدون السبب.

стр. 39

القول في مطلق الأمر ماذا موجبه في حسن المأمور به من الفعل قال العبد رحمه الله تعالى: إني لم أقف على أقوال الناس في هذا الفصل كما وقفت على أقوالهم في حكم الأمر، فما أحد استقصى كل هذا، والذي مال إليه رأيي أن ينصرف مطلق الأمر إلى القسم الأول دون الثاني، ويحتمل القسم الثاني لأن الحسن إنما يثبت صفة للفعل المأمور به مقتضى حكمة الأمر لا موجباً للأمر لغة، لما ذكرنا إن اللغة لا تفصل بين الحسن والقبيح من الأفعال بل لكل فعل أمر موضوع منه لغة، ولما كان طريق ثبوته مقتضى الحكمة ثبت أدنى ما يرتفع به الضرورة على ما يأتيك البيان في باب المقتضى. والأدنى يتأدى بحسن في غيره، فلا يثبت الحسن في نفسه إلا بدلالة زائدة. ولكن القول الأول أصوب لأن الكلام في الأوامر بأفعال هي لله تعالى عبادة، وإذا كان المر استعباداً في نفسه صار صفة العبادة للفعل ثابتة لغة لا اقتضاءً، فقول الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ واعبدوني بها واحد فهو اسم وضع للعبادة، وكذلك الصوم إلا أنها عرفت لغة باستعارة لسان الشرع، ولسان الشرع لسان العرب، ولما وجب إثبات صفة العبادة للفعل لغة لا اقتضاء وجب إثبات صفة العبادة للفعل نفسه لا لغيره، حتى لا يصير مجازاً، ولما وجب هذا تبع صفة الحسن صفة العبادة، وكذلك شرع الله تعالى بيان للأحسن.

стр. 40

القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده ؟ قال بعضهم: الأمر بفعل واجب لا حكم له في ضده. وقال بعضهم: يقتضي نهياً في ضده، وإليه ذهب أبو بكر الجصاص. وقال بعضهم: يدل على كراهة ضده. وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده، وهو المختار عندنا. فأما الأولون: فذهبوا إلى أن ضده مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل الأمر، كالمعلق بشرط لا يقتضي نفياً عند عدم الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل التعليق. قالوا: والعبد يأثم إذا لم يأتمر بترك الواجب لا بارتكاب الضد. وأما أبو بكر الجصاص فقد ذكر في "أصوله" أن الأمر المطلق على الفور، لأن الأمر اقتضى نهياً عن ضده، والنهي عن مطلق الفعل يوجب موجبه على الفور، فكأنه ذهب إلى أن الفعل إذا وجب الإتيان به حرم تركه ضرورة واقتضاء، والحرمة حكم النهي فيثبت النهي عن ضده اقتضاء. وأما الثالث فوجهه: أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله أبو بكر إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها بالتحريم او النهي. لأن الثابت بالنص يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة. والثابت بالضرورة يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة. والضرورة ترتفع بكون ضده مكروهاً لقبح في غيره، وإن كان في نفسه حسناً كالصلاة في أرض مغصوبة، إلا أنا نقول ان الثابت بهذا الطريق يكون بالاقتضاء دون الدلالة. فإن النص يدل على مثل المنصوص عليه كتحريم التأفيف يدل على تحريم الشتم لوجود ذلك الأذى فيه وزيادة. فالدلالة أخت الإيجاب، فكما لا يوجب النص ضد الحكم المنصوص عليه لا يدل عليه، ولكن ثبوت الضد يقتضي نفي ضده كالليل مع النهار، وكذلك في الحكام إذا

стр. 41

وجب فعل في وقت لا بد أن يحرم تركه اقتضاءً فيحرم ضده لما فيه من ترك المأمور به الواجب، فكان لمعنى في غيره فلا يوجب الفساد بخلاف النهي. فأما الجواب عن القول الأول: ما ذكرنا ان الكراهة تثبت بمقتضى النص لا بالنص، والمقتضى أبداً إنما يثبت حيث لا نص ما له حد غير هذا، وليس هذا كالمعلق بالشرط فإن تعليق الحكم بالشرط لإيجاد الحكم ابتداء عند الشرط، ولما كان ابتداء الوجود عنده لم يقتض هذا نفياً قبله لأن النفي لا يتصور ابتداء الوجود عند الشرط أن يكون عدماً قبل الشرط، ولما لم يكن موجوداً من الأصل لا يتعلق عدمه بمعدم فلذلك قلنا غنه يقتضي عدماً من حيث عدم دليل الوجود، لا عدماً بدليل نافٍ. وأما الإيجاب فيقتضي حرمة ترك الواجب ضرورة، وكان حلالاً قبل الإيجاب فلذلك أضفنا ثبوتها إلى الأمر. ثم قول أبي بكر أن الأمر المطلق على الفور لأنه نهي عن ضده دعوى، والرواية في الأصول في الأمر المطلق بخلاف ما قاله أبو بكر الجصاص على ما نذكره. وكذلك النهي فإن النهي إنما يكون على الفور إذا كان مما يستغرق انتهاء العمر، فأما ما لا يستغرق انتهاء العمر فلا، فإنا نهينا عن ترك فرض الصلاة وقت الظهر ويباح الترك لأول الوقت لأن فعل الصلاة مما لا يعم ولا يستغرق الوقت فالانتهاء عن النهي بفعل الصلاة مما لا يستغرق الوقت فلا يجب البدار إلى الانتهاء على الفور، والذي يدل عليه أنا متى جعلناه نهياً عن ضده نصاً أو دلالة فقد جعلنا ضده حراماً لمعنى يرجع إليه كما في مطلق النهي، وإنه ما حرم إلا لمعنى في غيره وهو من حيث المأمور به وبينهما فرق على ما مر، والله أعلم. القول في النهي ماذا حكمه ؟ قال العبد- ﵀: إني لم أقف على الأقوال في حكمه على الاستقصاء من السلف، كما وقفت على حكم الأمر. ولكنه ضد المر لغة فيحتمل أن يكون للناس فيه أقوال أربعة على حسب أقوالهم في الأمر. فمن وقف في الأمر فليجب مثله في النهي. ومن قال بالندب في الأمر فكذا يجب في النهي أن يقول بندب على ضده. ومن قال بالإباحة فيه قال بإباحة الانتهاء هنا. ومن قال بالوجوب، ثم قال بوجوب الانتهاء هنا وعليه جمهور العلماء. ويحتمل ان لا يكون على الاختلاف لأن القول به يؤدي إلى أن يصير موجب الأمر

стр. 42

والنهي واحداً وهو الوقف، وهذا لا سبيل إليه لأن الضدين يختلف أثرهما كالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين والله أعلم. فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء وأما الأقوال في تكرار الانتهاء فلا يتصور لأن الانتهاء بالنهي مما يستغرق العمر إن كان مطلقاً لأنه لا انتهاء إلا بانعدام المنهي عنه من قبله، ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالموت عليه قبل الفعل، فلا يتصوره تكراره، بخلاف الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل المسمى له حد يعرف وجوده بحده ثم يتصور التكرار بعده، إلا ترى ان من حلف لا يدخل الدار لم يبر إلا بالموت قبل الدخول، ولو حلف ليدخلن الدار فدخل ساعتئذ بر في يمينه وإن ترك بعد ذلك وتصور منه بعده دخول آخر. فصل في بيان علة وجوب الانتهاء: اعلم بأن الشرع لا ينهى عن فعل غلا لقبحه كما لا يأمر به حقاً لله تعالى إلا لحسنه، فالقبيح: اسم لما ينبغي أن يعدم في الحكمة بخلاف الحسن، وقد ذكرنا ان النهي لغة لبيان أنه مما ينبغي ان يعدم على خلاف الأمر، فدل النهي على قبح المنهي عنه كما دل الأمر على حسن المأمور به تحقيقاً للمخالفة. فإن قال قائل: فهلا قيل إن النهي ورد لحسن الانتهاء كما قيل في الأمر أنه ورد لحسن الائتمار؟ قلنا: لأن المطلوب بالأمر فعل، والفعل حادث يكون من العبد، فالصفة التي لأجلها صح الأمر لا بد أن تثبت لذلك الحادث. فأما المطلوب من النهي أن لا يوجد المنهي عنه من قبل العبد ويبقى عدماً كذلك، والعدم الأصلي لا يكون بعلة ولا مضافاً غلى العبد حقيقة فلا يصح النهي لحسن الانتهاء فإنه ضرب فعل من العبد، وفعل العبد غير مطلوب بالنهي، بل المطلوب أن لا يوجد من قبله ذلك الفعل، وأن لا يوجد المعدوم ولا يتعلق بسبب موجب للعدم بل بانعدام أسباب الوجود فوجب ضرورة أن يقال: إن النهي صح لقبح الفعل المنهي عنه على خلاف الأمر، فإنه لحسن الفعل المأمور به يصير الفعل المسمى بالأمر مما ينبغي أن يوجد، وبالنهي مما ينبغي أن يعدم، ولهذا يصير العبد منتهياً بالنهي أولى إذا لم يوجد منه فعل المنهي عنه، ولو كان الانتهاء مطلوباً به حقاً لله تعالى لما أمرنا بالصوم وتأدية بالترك لم يكن الترك صوماً لله تعالى إلا على وجه يضاف وجوده إلى العبد بحق الأمر من الله تعالى من قصد لما فيه من منع نفسه عن اقتضاء الشهوات، وغنه ضرب فعل لأنه يثبت بالأمر ولا

стр. 43

يتصور إلا بفعل يوجده وهذا كما قالوا- فيمن حلف وقال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشأ- لم تطلق حتى يموت لأنه علق بعدم المشيئة لا بفعل سماه والعدم لا يتحقق إلا بالموت. ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق حنث إذا قال أبيت طلاقك لأن الإباء اسم لضرب فعل كالصوم وله حد يعقل فثبت ان الواجب بالنهي أن لا يوجد الفعل المنهي عنه من قبله، فغن دعته نفسه إلى فعل المنهي عنه فعليه الآن أن يمنع نفسه عن ذلك بالرد عليه وينتهي عنه ولا يطيعه ضرورة أنه إن لم ينته وجد منه ما نهي عنه فصار مرتكباً للنهي فيصير الانتهاء حسناً الآن مقتضى الفرار عن ارتكاب النهي لا لنفسه فيصير من قبيل الأمر الذي حسن لغير المأمور به، فلا يلزمه غلا بقدر ما يتعلق به حصول المقصود وبقدر ما يتعلق به المقصود يلزمه لله تعالى فيكون عبادة فإنها اسم لفعل يأتي به العبد تعظيماً لربه.

стр. 44

القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه النهي على أربعة أقسام في هذا الباب، كالأمر في حق الحسن. - منه ما ورد لقبح الفعل المنهي عنه في عينه. - ومنه ما ورد لقبح في غيره. - والذي قبح في عينه نوعان: - ما قبح وضعاً. - وما التحق به شرعاً. والذي قبح لغيره نوعان: - ما صار القبح مهم وصفاً. - وما جاوره جمعاً. - أما الأول: فكالسفه والعبث، فواضع اللغة وضع الاسمين لفعلين عرفهما قبيح في ذاتهما عقلاً. - وأما الثاني: فكالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والصلاة بغير وضوء، فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال متقوم حال العقد، والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثاً لحلوله في غير محله كضرب الميت وقتل الموات وأكل ما لا يتغذى به. وكذلك الشرع قصر اهلية العبد لأداء الصلاة على حال طهارته عن الحدث فصار فعل صلاته مع الحدث عبثاً لخروجه من غير أهله، نحو كلام المجنون والطائر فالتحقا بالقبيح وضعاً بواسطة عدم الأهلية والمحلية شرعاً. - وأما الثالث: فنحو البيع بشرط فاسد، وبيع الدرهم بالدرهمين فالنهي ورد بمعنى الشرط والشرط غير البيع، وبيع الربا منهي عنه لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به فالمماثلة شرط زائد على البيع فتمامه بوجوده من أهله في محله والمحل قائم شرعاً مع المفاضلة فإنهما مالان متقومان. وأما الرابع: فنحو البيع وقت النداء يوم الجمعة، والصلاة في أرض مغصوبة، والنهي ورد لمعنى الاشتغال بالبيع عن السعي إلى الجمعة، وبين الاشتغال والبيع مجاورة فما هو من البيع في شيء، والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة جاء لمعنى الغصب، وما هو من الصلاة في شيء فغصب الأرض في شغلها بنفسه لا بصلاته.

стр. 45

وحكم القسمين الولين أنهما حرامان غير مشروعين أصلاً لأن القبح صار صفة لعينه، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مشروعاً، فالشرع ما جاء إلا لشرع ما هو حسن ورفع ما هو قبيح. وحكم القسمين الآخرين: أنهما دليلان على كون المنهي عنهما مشروعين لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب دفع المنهي عنه بسبب القبح والقبح في غيره. وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى على ما نبينه في الباب الذي يليه. قال الشافعي ﵀: النهي على أقسام ثلاثة، فالقسم الثالث الذي ذكرناه من جملة ما قبح لمعنى في عينه شرعاً، والله أعلم.

стр. 46

القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف ؟ قال علماؤنا: مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حساً ينصرف إلى القسم الأول. وعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعاً نحو العقود والعبادات ينصرف القسم الثالث إلا بدليل. وقال الشافعي ﵀: النهي في البابين يدل على قبحه لمعنى في عينه، ويكون نسخاً لما كان مشروعاً إلا بدليل. ويحتمل أن يقال ينصرف إلى القسم الرابع بلا تفصيل. ويحتمل الانصراف إلى القسم الأول غير أني لم أقف على هذين القولين الاخرين من السلف. وإنما قلنا يحتمل لأن النهي للمنع عن الفعل والقبح يثبت ضرورة ومقتضى فيثبت الأدنى وذلك في القسم الرابع كما قلنا مثله في المر في صفة الحسن. ويحتمل أن يقال: إن النهي عن الفعل تقبيح كالأمر تحسين فيثبت الأكمل كما في الأمر. والحجة للشافعي أن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر شرعاً للمأمور به كان النهي رفعاً للمنهي عنه إلا بدليل. ولن الأمر شرعاً لتحسين المأمور به في نفسه إلا بدليل فكذلك النهي يكون لتقبيحه في نفسه. وكذلك التحريم والإحلال متضادان فيرتفع بأحدهما الآخر. ولأن الشرع ابتلاء من الله إيانا بما أمر ونهى وأحل وحرم بأصل الحكم، ثم الفعل بناء عليه فيتعين بهما أصل الحكم ثم الأداء ألا ترى أن الشرع نهانا عن الصلاة محدثاً، وعن نكاح المعتدة وبغير شهود، فلم يبق المنهي عنه مشروعاً، وغن كان النهي ورد لدخول زيادة أو لفقد شرط زائد على أصل الاسم. ولأن أدنى درجات المشروع ان يكون مباحاً في نفسه، ثم مندوباً إلى فعله، ثم واجباً، ثم فرضاً. والربا حرام في نفسه فلم يجز أن يكون مشروعاً لأن الله تعالى كما قال: ﴿وحرم عليكم الربا﴾ قال: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ثم لم يبق نكاح الأم مشروعاً بتحريم مضاف إلى الأم فلأن لا يبقى الربا مشروعاً والتحريم مضافاً إليه أولى.

стр. 47

ولا يلزمنا قولنا: أن الظهار حرام وأنه سبب مشروع لإيجاب الكفارة، لأن الكفارة تجب جزاء على ارتكاب حرام في الأصل زجراً كالحدود فلا تكون أسبابها مشروعة، ولا حسنة، فأسبابها في الحقيقة المعاصي التي هي غير مشروعة. ولا يلزمنا قولنا: إن طلاق الحائض مشروع وقد نهينا عنه لأن الطلاق مشروع بسبب ملك النكاح، والحيض صفة المرأة غير موجب خللاً في ملك النكاح، والنهي جاء لأجلها فكان لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به إلا على سبيل الوجود معه فكان من القسم الرابع. ولا يلزم استيلاد الرجل امة بينه وبين شريكه فإنه سبب مشروع للنسب وتملك نصيب الشريك وأنه حرام، لأن سبب النسب وطؤه ملك نفسه والحرمة لملك الشريك وانه مجاور لملكه لا أن يكون وصفاً له، وإنما تملك نصيب الآخر لصحة النسب ولا حرمة فيه، وإنما الحرمة في وطئه نصيب الشريك. ولا يلزم الإحرام مجامعاً لأهله فإنه مشروع وفاسد وحرام ومنهي عنه، لأن الفساد او النهي جاء لمعنى الجماع، وأنه غير الإحرام فلا يصير وصفاً له ولا لما لا يتعلق به صحة الإحرام. والحج من وقت أو مكان أو فعل، وإنما يوجد معه على سبيل المجاورة فلا يرفع أصل صحة الإحرام وكان من القسم الرابع ألا ترى ان القضاء لازم والشروع في الفساد لا يوجب القضاء بحال، وإنما الجماع منه محظور فيه غير مشروع مفسد للحج كالكلام للصلاة والحدث للطهارة، غير أن الحج لا يحتمل النقض بالأسباب الناقضة من الجماع، بخلاف الصلاة والصيام فلا يخرج من الحج لعجزه، وإذا لم يخرج منه وقد تحقق المفسر من قبله لزمه المضي ضرورة ليخرج عنه بالداء لما شرع، ويلزمه القضاء بإفساد الأول وباب الضرورة مستثنى عن أصل القياس ولذلك أبقينا طوافه مشروعاً مع فساده. وكلامنا أن النهي لرفع المشروع في وضعه لا أنه لا يجوز الامتناع عن عمله بمانع بل جائز ذلك بدليله كما يجوز مثله في العلل كلها. ولأن الكلام وقع في تحريم الله تعالى ونهيه عما كان شرع، لا في تصرف جاء من العبد ومفسد تحقق من قبله فما إلى العبد تغيير المشروعات في أنفسها، ولكنه إذا لم يؤدها بشرائط صحتها بقي تحت الوجوب، وإذا ارتكب ما يفسدها أفسد بقدر ما تحتمله العبادة شرعاً. والحج شرعاً يحتمل الفساد من حيث يجب القضاء ولا يحتمل الارتفاع أصلاً فلم يقدر عليه لعجزه، وإذا كان الرافع من الله تعالى عمل لأنه لا يوصف بالحجة عليه. ولهذا قلنا: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة علقت بسبب مشروع لها وهو

стр. 48

النكاح أو الوطء الحلال فلم يكن الحرام المحض سبباً لها. وكذلك الملك لا يثبت بالغصب وإن ضمن الغاصب لأن الملك نعمة علقت بأسباب مشروعة فلم يكن الحرام المحض سبباً للملك، والزنا حرام محض، وكذلك الغصب، وكذلك رخص السفر لا تثبت للعبد الآبق لأن الرخصة نعمة علقت بالسير المديد لغرض مباح او مندوب إليه فلا يثبت بالإباق عن المولى فإنه حرام محض. وكذلك قال: الدهن النجس لا يجوز بيعه لأن النجاسة بعد إخراج الفأرة منه صفة لازمة للدهن فصارت بمنزلة نجاسة ودك الميتة. واحتج محمد بن الحسن لتصور صوم يوم النحر مشروعاً بما روي أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم النحر وقال: "إنها أيام أكل وشرب" ويقال إنما نهانا عن فعل يتكون أو لا يتكون؟. فغن النهي عما لا يتكون لغو، فإنه لا يقال للأعمى لا تبصر ولا للآدمي لا تطر. فلما نهى عن الصوم، والمراد به صوم شرعي فنفس الإمساك للحمية او المرض غير حرام علم به أنه متصور منا شرعاً، ولأن الصوم اسم شرعي لعبادة خاصة كالحج فمطلقه ينصرف إلى حقيقته بتسمية الشرع دون اللغة لأن مطلق الاسم لحقيقته المتعارفة إلا بدليل، ولهذا لما قلنا: أن النهي طلب إعدام المنهي عنه من قبل العبد بامتناعه عن فعله، وإنما ينعدم بامتناعه إذا كان بحيث يتصور منه موجوداً بفعله بخلاف النسخ لأنه تبديل لما كان فكان تصرفاً من الله تعالى في المشروع بتبديل، وهذا تصرف في منع العبد عن الأداء، وكذلك الأمر تصرف في إيجاب الفعل فلا يرتفع بالنهي أصل الحكم، ولكن يرتفع ما لزمنا من الأداء بالأمر فيحرم فعله. وإذا ثبت هذا علم أن المنهي عن فعله من المشروع مما لا ينعدم بالنهي فبقي مشروعاً لكن حرم الفعل الذي هو سبب لوجوده مؤدى. ولأنا ذكرنا ان الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من المأمور، والنهي لبيان أن المنهي عنه مما ينبغي أن يعدم من قبله فيرتفع بالنهي عن المأمور به قدر هذا الوصف، ودل وجوب الانعدام بتركه على بقائه مشروعاً بحيث يوجد لو فعله. ولما بقي مشروعاً بحيث يوجد بفعله لو فعله فلم يقبح الفعل في نفسه لأنه لم يصر عبثاً لما تصور، ووجب إثبات القبح في غيره ليمكن تحريم الفعل بذلك الغير، لكن نثبته على وجه يكون ألزم فنجعله قبيحاً عند الإطلاق لوصف زائد متصل به ما أمكن كما نثبت الحسن في الأمر صفة للمأمور به على وجه يكون ألزم وهو الإثبات لعينه فإنه يوجب

стр. 49

الأداء لحسنه، وإثباته لعينه يحقق الوجوب عليه والوجوب من قبله. وفي النهي متى أثبت القبح لعينه انعدم المنهي مشروعاً في نفسه، والنهي للانعدام بانتهاء العبد فلم نثبته لعينه ليبقى مشروعاً، وأثبتناه وصفاً له ما أمكن لتكون حرمة الفعل لازمة أبداً لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف منه، وإذا كان الفعل مما لا يتصور حساً كشرب الخمر والزنا انصرف إلى قبح غي عينه، لأنه مع قبح عينه مما يتصور وجوده منا فيتعلق العدم بامتناعنا عنه، فلما تصور الانعدام بامتناعنا عنه أثبتنا القبح لعينه كما أثبتنا بالأمر الحسن لعينه لما تصور الوجود بفعلنا معه هذا هو الحقيقة من المر والنهي إلا بدليل. وكذلك تحريم البيع والأفعال الشرعية دليل على بقائها مشروعة، لأن الحرمة صفة لما سماه الشرع فينبغي أن يكون المسمى متصوراً ليمكن إثبات الوصف له فإنه لا يثبت بدون الموصوف كتحريم العين باسمه دليل على ثبوت المسمى ليثبت الوصف له. وإذا وجب إثبات المسمى وجب إثباته على حقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه. غير أن اسم العين لا يبطل بأن يحرم أصل الفعل فيه، ويصير غير مشروع فيه فيثبت ومتى حرمنا أصل الفعل في الشرعيات وجعلناها غير مشروعة بطل حقيقة الاسم للمسمى كتحريم الربى، فالربا: اسم لضرب بيع، وأنه ما لم ينسخ لم يحرم أصل المعاقدة، ولم يخرج من أن يكون مشروعاً ومتى انتسخ بقي الاسم له مجازاً فثبت أن الحقيقة في الجمع بين صفة حرمة وبين المسمى إلا أن لا يمكن. وفي باب ملك اليمين إثبات صفة الحرمة مع بقاء الملك مشروعاً كالعصير يتخمر فأمكن ذلك فيما شرع سبباً لملك اليمين. ولأن المشروع ثابت مشروعاً بشرع الله تعالى وتقديره كالمخلوق حادث بخلق الله تعالى وتقديره، فلم يجز أن يوصف بأنه حرام شرعاً أو قبيح شرعاً. فالقبيح شرعاً ما كانت الحكمة في إعدامه، وهذه مما كانت الحكمة في إيجادها، وإنما أضيفت الحرمة الشرعية إليها على معنى أنها أسباب لحرمة أفعالنا فيها بخروجها من أن تكون محال لها شرعاً بالأسباب التي ذكرت. والعين باسمه يبقى على الحقيقة مع خروجه عن محلية الفعل المشروع الذي نهينا عنه فجمع بين الأمرين. وأما المشروع من العقد والعبادة فلا يبقى على الحقيقة متى لم يبق بحيث يوجد بالمباشرة لأنه اسم لما يوجد بالمباشرة لا لموجود للحال، ولا أيضاً يصير سبباً لحرمة الإيجاد متى لم تتعلق الحرمة بوصف قائم به فإنه متى كان لمعنى في غيره مجاور كان السبب ذلك المعنى لا هذا المسمى وحاصل الأمر أن النسخ رفع للمشروع ثم ينعدم أداؤنا

стр. 50

بانعدام المشروع، والنهي تحريم للفعل ثم ينعدم المشروع بامتناعنا عن الأداء فلم يجز أن يجعلا باباً واحداً. فأما قوله: إن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحاً فعله، فكذلك في أصله ولكنه جائز أن يحرم بعارض لا يرفع أصله ولا يفارقه فيحرم بالعارض الذي هو غير مشروع لا بالمشروع، كالطواف مشروع مباح صحيح مندوب إليه، وبعد الجماع يفسد ويبقى مشروعاً فاسداً، فدلنا بقاء الطواف مع صفة الفساد مشروعاً، وهو عبادة بدنية بأي سبب كان الفساد، على أنه ليس بوصف يرتفع به أصل المشروع بمنزلة ملك اليمين حيث لم يرتفع بالحرمة. ثم أثر الضرورة التي ذكرها الخصم ثابت في حقنا بأن عجزنا عن نقض الحج ولزمنا المضي مع الفساد، وإن كان الفساد سبيله الترك، فأما البقاء مشروعاً مع الفساد فبحكم الله وتقديره، والله تعالى قادر على أن يرفعه به كما رفعه بالإحصار. والخمر مملوك ملكاً شرعياً وأنه حرام لا يجوز الانتفاع به بوجه. والصيد المملوك بعد الإحرام ملك، والانتفاع به والتصرف حرام لأن الحرمة تعلقت بوصف زائد عارض وهو الأمر الثابت له بإحرامه أو بالحرم، وأمكن الجمع بينهما لأن ملك التصرف غير ملك الرقبة. وكذلك الدهن إذا تنجس بمجاورة الفأرة حتى صارت النجاسة صفة لازمة له فبقيت بعد إخراج الفأرة لا يحرم أصل الدهن ولا الانتفاع به إلا ما لا يتأدى مع النجاسة، لأنه لم يغير أصله كالنجاسة بالثوب، بخلاف ودك الميتة لأن النجاسة للعين بالشرع ولا مجاورة بين العين والشرع، والشرع مبدل بأن كان ظاهراً فجعله نجساً بالتحريم، وكذلك النهي عن بيع وشرط، فالنهي جاء لمعنى الشرط وأنه شيء زائد جاوره وصفاً له لازماً لأن الشرط لو كان يصح لصار من حقوقه لازماً إياه قل لزوم أصله فصار حرمتها بسببه مثل حرمة الدهن بسبب النجاسة المجاورة فتغير الوصف إلى حرمة وفساد ولم يتغير الأصل. وكذلك النهي عن صوم يوم النحر فإنه جاء لوصف زائد في الوقت الذي لا يتأدى إلا فيه وهو اليوم فإنه عين للصوم ضرعاً على مخالفة الليل بأن عين للفطر، ثم عين يوماً للفطر بصفة زائدة وهو العيد فبقي محلاً للصوم بأصل اليوم، ومحلاً للفطر بصفة أنه عيد فبقي الصوم بأصله مشروعاً وبوصفه غير مشروع. ولا يلزم النكاح بغير شهود فإنه غير موجب للملك لأن الأصل الذي قلنا في النهي عن طلب العقد الذي هو طلب الإعدام من العبد بالانتهاء، وقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بشهود" إخبار عن عدمه دونهم كقوله: لا زيد في الدار، وقوله ﷺ : "لا صلاة إلا

стр. 51

بوضوء". ولا يلزم نكاح المعتدة عن الغير لأن الحرمة ثابتة بتحريمها لا بتحريم العقد عليها لأن قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ أي وحرمت المنكوحات، وإنما حرمت المنكوحة كالأم على غير الزوج صيانة للأنساب، دلنا ذلك على حرمة المعتدات بلا نكاح قائم لأنها لا تجب إلا لما صار معتبراً شرعاً من وجه. ولا يلزم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فإنه إخبار عن تحريم العقد والوطء جميعاً، ولم يبق مشروعاً لأن معناه: وحرمت الأختان جمعاً بعقد أو وطء لأنهما عطفتا على الأمهات ولا يعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وإنما يعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل فلذلك وجب الحمل على المعنى الذي قلناه ليكون عطف اسم على اسم ولا يلزم ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ لأن الدليل قام على أنا نهينا عنه لحرمة المحل علينا شرعاً كالأم لقيام الصهرية مقام النسب في هذا الباب شرعاً حتى كانت حليلة الولد بمنزلة البنت وذكرت في المحرمات. وكذلك قول النبي ﷺ : "ولا تنكح الأمة على الحرة" إخبار وليس بنهي ولأن العقد حرم على الأمة لكونها محرمة في هذه الحالة- على ما بينا في النكاح- لأن الحل الذي ثبت به محلية النكاح يتصف بالرق فبقي محللة مع الحرة قبلها لا بعدها لتكون على النصف بقدر ما يمكنه إثبات التصنيف في قبول النكاح مقابلة للحرة، كما لم يحل للعبد إلا امرأتين وحل للحر أربع، ولأن ملك النكاح متى وصف بالحرمة لم يبق كما إذا اعترض رضاع فكذلك سببه إذا وصف بالحرمة لا يبقى لأنه مشروع لملكه، فلما لم يمكن الجمع بينهما تركت الحقيقة. وأما سفر الآبق فمشروع بسبب رخصة من حيث أنه سير مديد، والمعصية ثابتة صفة للعبد لا للسير بامتناعه على مولاه حتى إذا جاء الإذن ذهبت المعصية، وإن سار وبقيت المعصية مع الامتناع عليه وإن ترك السير. والغصب سبب ملك من حيث أن المشرع جعله سبب ملك للمغصوب منه بدل ماله كالبيع لا من حيث أنه أخذ بغير حق. والزنا سبب للمصاهرة من حيث أنه حرث للولد وأنه ثابت بخلق الله تعالى لا بمعصيته. والظهر يوم الجمعة مشروع لأنه معلق بزوال الشمس من اليوم ونهينا فيه عنه لأن الشرع أمرنا بأداء الجمعة مقامه فصار نهياً لمعنى في غيره كالبيع وقت النداء في هذا اليوم.

стр. 52

وكذلك إذا صلى النفل وقت الطلوع كان نفلاً مشروعاً، وقد نهينا عنه لأن أصل الصلاة مشروع بأصل الوقت والنهي جاء لوصف زائد وهو أنه وقت مقارنة الشمس قرن الشيطان فبقي الأصل مشروعاً ولم ينعدم وإن لزمه الترك بوصفه. وقلنا إذا أدى في ذلك الوقت فرضاً لزمه بوقت آخر مطلق عن النهي لم يجز لأن الوقت لما لم يبق وقت صلاة بوصفه لم يوجد بالوصف فلا تتأدى بها صلاة مشروعة عليه بأصلها ووصفها كما لا يتأدى بصوم يوم النحر صوم واجب مطلقاً. وإذا نذر صوم يوم النحر أو صلاة وقت الطلوع لزمه لأنه لما بقي مشروعاً نفلاً صح الإيجاب بالنذر لأن الشرع شرع النذر لإيجاب ما هو نفل من الصيام والصلاة، ولكن لا يؤدي فيهما لأن الأداء فيهما صار حراماً لوصفه فلا يلزمه ما حرم، وانعدم ولزمه ما بقي، وإذا أدى خرج عن النذر لأن الوصف لم يلزمه لما لم يبق الوقت محلاً له فيؤدي كما وجب وإنما لا يلزمه الأداء فيه لأنه معصية فلم يجب بالنذر، لأن الواجب عليه صوم مطلق وقد أضافه إلى محل لم يبق فيه صوم مطلق، وها كما يجوز أداء العصر وقت الغروب لأنه وجب لوقته كما يحتمله الوقت وقد أدى كذلك ولو أدى فيه الظهر لم يجز لأنه وجب مطلقاً، ونظيره أنه لا يتأدى عتق وجب في كفارة يمين بتحرير رقبة مطلقة بالعمياء فإنها مستهلكة من وجه، ولو نذر أن يعتقها صح النذر لبقاء أصل التحرير ويتأدى الواجب بإعتاقها وكذلك أم الولد.

стр. 53

القول في بيان أسباب الشرائع قال العبد ﵁: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسباباً لها بدليلها سوى الأمر، وإنما الأمر لإلزام أداء ما وجب علينا بسببه، كما يقول البائع للمشتري: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلباً للأداء لا سبباً للوجوب في الذمة. وقد بينا في آخر الكتاب في فصل أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن أداء الواجب في الذمة لا يجب بحق الوجوب بل بالطلب من مستحقه، وذلك بالخطاب، والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب عرفنا شرع الله تعالى على هذا بدليله مع استقامة الإيجاب بمجرد الأمر وذلك لما ذكرنا في ذلك الباب أنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه، نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه، وإن استغرق وقت العبادة، وكذلك الصبي على أصل الشافعي يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام والقتل وإن كان طفلاً لا يصح خطابه، فعلمنا بذلك أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم، وإنه كان لزمهم حقوق العباد بمداينة الولي عليهم ويعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك، وقد صح في حقه. ألا يرى أن وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحداً من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلاة تجب مكررة، وكذلك سائر الحقوق، إن كان الأمر بالفعل لا يوجب تكراراً بحال أطلق أو علق بوقت. فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالي لم يملك إلا مرة واحدة، وكذلك إذا قال: حين تصبح أو تمسي، أو قال: لمجيء غد كمال قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وقال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ ونحوها، وكما لم يجب التكرار بهذه النصوص علم أن التكرار بسبب موجب يتكرر كل حين الوجوب. فنقول وبالله التوفيق: إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى، كما هو الآيات الدالة في العالم على حدوث العالم، وهي دائمة أبداً لا يحتمل زوالها عنه، فدام وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل، وإنما يسقط الأداء في بعض الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع الوجوب عليه لعجزه، وقد شرحناه في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه. وسبب وجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرار الوجوب بتكرار الأوقات فإنها لو كانت

стр. 54

شروطاً لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها. ولم يعقل غير الخطاب سبباً آخر للوجوب مع الوقت فلما بطل أن يكون الخطاب موجباً للتكرار فكان سبباً لوجوب أداء ما لزمه في ذمته بسبب آخر بقي الوقت مناسباً بنفسه، وكذلك يضاف إليه فيقال؛ صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شيء يدل على حدوثه به كقولك: عبد الله وكفارة القتل، وهذا كسب فلان وتركته وقتله، والوجوب هو الحادث فدل أنه كان بالوقت، وقد يضاف إلى الشروط لكنه مجاز لما أن الحكم وجد عنده فأشبه العلة التي يوجد الحكم عندها بها ولكن الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه. وكذلك الله تعالى قال: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ واللام تذكر للتعليل في مثلها كما تقول تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، فثبت أن الوقت هو السبب، وكل جزء من الوقت سبب تام، فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت الصلاة بعد الوقت كالزكاة بعد الحول. وكذلك تجب على الصبي إذا بلغ لآخر الوقت، ولو كان السبب أول الوقت لما وجب كما لو بلغ بعد الوقت. وكالصبي المسافر في رمضان إذا بلغ بعد رمضان ثم أقام لا يلزمه شيء، وإن كان البالغ في مثله يلزمه حين الإقامة لأن السبب في حق المسافر البالغ هو رمضان لا حين الإقامة فلا يلزم لحين الإقامة إلا من كان أهلاً للوجوب عليه في الشهر لولا السفر. وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال: صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت، وقال ﷺ "صوموا لرؤيته" كما قال الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وقال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ علق إيجاب الأداء بشهادة الشهر فعلم أنها سبب الوجوب حتى استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئاً فليؤد ثمنه، أي الواجب بالشراء إلا أن الدليل قام لنا بإباحة الله تعالى الأكل في ليالي الشهر كلها، وبأن لا يجوز فيها صوم إذ المراد بالشهر أيامه، وكذلك الصبي إذا بلغ لأول الصبح لزمه الصوم وإن لم يشهد الليل. فإن قيل: انتفاء جواز الأداء ليلاً لم يدل على خروجه عن كونه سبباً للوجوب! قلنا: إن المطلوب من الإيجاب الأداء، وفي جعل الله تعالى وقتاً سبباً لوجوب عبادة بيان شرف ذلك الوقت لحق العبادة، والعبادة في الأداء دون الإيجاب فإنه صنع الله تعالى

стр. 55

فلم يستقم الوقت المنافي للأداء شرعاً سبباً لوجوبه فعلمنا أن الأيام هي الأسباب، وكل يوم سبب لصومه على حدة، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه ما مضى، وإنما يلزمه ما بقي ولأن الصيام متفرق في الأيام تفرق الصلوات في اليوم والليلة بل أشد فإن أوقات الصلاة كانت متفرقة بأن لم يجز أداء الظهر في وقت الفجر وفات بمجيء وقت العصر قبل أداء الظهر وهذا المعنى فيما نحن فيه موجود وزيادة وهو أن بين كل يومين ليلاً لا يصلح لأداء الصوم لا أداء لما يجب ولا قضاء لما مضى ولا نفلاً. فصل وسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال السائمة، وزكاة مال التجارة وقال ﷺ : "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"، وقال لمعاذ: "ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" والغنى يكون بالمال. فإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟ قلنا: نعم لأن المال إنما يصير سبباً ونصاباً إذا أعد للنمو بسببه من تجارة أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة فإنه الجاعل للمال سبباً، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيراً علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سبباً، ولما قام مقام السبب تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء غير الذي مضى في الحول الأول. وسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما. وسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة. وبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ودين الله تعالى عبادة، وليسوا

стр. 56

هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالاً للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عوناً لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم النصرة بالقتال كان يجب متكرراً غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن الشرع قدره بالحول تيسيراً للعمل به وتشبيهاً بالمؤن الشرعية. أما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ إنما الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة واليوم في حق الصوم والأداء. وأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيراً علينا لما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على المحدث فلم يكن الحدث سبباً للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء قبل ملكهما جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت حقاً للبيت، واجباً بسببه إذا جاء وقت الأداء. فإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب الوجوب؟ قلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعاً في وقت يدل على أنه ليس بسبب للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا أن للحج أركاناً أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت خاص فيؤدى في جميع وقت الحج. وأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه الرؤوس أحراراً كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحداً. وكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم

стр. 57

ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام النصرة وهي متكررة. فإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟ قلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلاً للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافراً أو صبياً في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازاً لأنها تجب فيه لا لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطاً والوقت سبباً لكان شرطاً من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطاً كان سبباً لا محالة لصفة غير الكفر، فإن الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج فجعل الوقت شرطاً والرأس سبباً. فأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر. وسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة. وقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة. فأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها. وبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تعالى له طريقاً يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء. ففي الوطء على التغالب فساد. وفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على الأم وما بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة.

стр. 58

وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسباباً للإصابة على تراض ليكون طريقاً لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد. ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة أعمال بخلاف هوى النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته. وفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى بالفريقين جميعاً حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعاً في ما فعلوا مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان منهم جزاء وفاقاً فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾ الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ﴿فسنيسره للعسرى﴾ وقال ﷺ : "كل ميسر لما خلق له" فصار كل منا مبتلى بعمل خلق له في عامة أمره تقديراً أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتاً لقهر العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار. فالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه. والكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر.

стр. 59

القول في العبادات العبادات مؤقتة وغير مؤقتة. فالمؤقتة: ما اختص جوازها بوقت عين، تفوت العبادة بفوته. وغير المؤقتة: ما لم يذكر لها وقت وكان اعتباره لغواً في حق جواز أدائها. ثم المؤقتة على ضربين: ما كان الوقت شرطاً لجواز الأداء فيه، دون أن يكون معياراً للفعل المأمور به. وهو نوعان: وقت عين متوسع. ووقت عين مشكل توسعه وتضيقه، والضرب الآخر ما يكون معياراً للفعل المأمور به، وهو نوع لا يتصور أن يكون متوسعاً فصارت أقسام المؤقتة ثلاثاً. - وما ليست بمؤقتة: قسماً رابعاً. أما الأول فنحو وقت الصلاة كالظهر والعصر ونحوهما. فالظهر اسم معرفة لسعة من النهار ولا يشاركها سائر الطاعات فيه فكانت معرفة وعيناً لا جهالة فيه بوجه، ولا جواز للأداء إلا فيه، وهو متوسع لأنه يفضل عن أدائها إذا أداها بقدر المفروض وليس بمعيار للفعل المأمور به. والمعنى بالمعيار الوقت المثبت لقدر الفعل كالكيل في المكيلات، وقدر فعل الصلاة لا يثبت بالوقت بل بأفعال معلومة مما يشاهد من الفاعل من نحو القيام والركوع والسجود فيتم بها قدر ما أمره به من الفعل لا أثر لقدر الوقت في إثبات قدرها بوجه، فإن العبد متى قصر الأفعال تأدت بجزء قليل منه وإذا أطال ركناً منه مضى الوقت قبل أداء ما بقي. فصل وأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عيناً كزيد وأحمد، والسبت والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقاً لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقيناً بالعشر سنين حتى يكون متوسعاً يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلاً إن مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع. فإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عيناً والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني عمره.

стр. 60

قلنا: إنما سميناه عيناً لأن الاسم في الأصل اسم معرفة على ما قلنا، وإنما تحصل الجهالة بحكم المعارضة كقولنا: زيد اسم معرفة، وإذا اجتمع رجال تسموا بزيد صار المسمى به مجهولاً بحكم المعارضة، لا لأن الاسم في نفسه نكرة فكذلك هذا وليس بمعيار على ما قلناه في الصلاة. وأما المعيار فوقت الصوم فإن الصوم الشرعي لا يثبت قدره الذي يتم عنده عبادة إلا بوقته وهو اليوم يتم بتمامه، وينتقص بانتقاصه لا بفعل يشاهد من الصائم يعرف قدره بنفسه فإنه ترك ما يتصور تقديره إلا بزمان يذكر. ونظيره من المعاملات ذكر اليوم في إجارة الرجل نفسه يوماً بعمل ما فإن اليوم معيار، لأن العقد وقع على منافع يومه، والمنافع لا يمكن معرفة قدر لها بالإشارة إليها بل بزمان يذكر وإنما تكون بذكر المدة، ونظير الأول رجل آجر نفسه ليخيط هذا الثوب قميصاً بدرهم اليوم فإن اليوم لا يكون معياراً، لأن العمل الذي يجعل الثوب مخيطاً قميصاً مما يعلم قدره بتغيير صفة الثوب وتمامه بصيرورة الثوب قميصاً، وذلك معلوم من الثوب لا بالوقت فلم يصر الوقت معياراً بل بياناً لطلب الأداء فيه. ثم العين منه كرمضان فإنه اسم معرفة لذلك الشهر لا يشاركه سائر الشهور من السنة فيه، فيكون عيناً معرفة لا جهالة فيه بوجه والنكرة كقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ فالصوم مؤقت باليوم لا يجوز تأديته بالليل، وقولنا يوم لتمييز جنس النهار عن الليالي، وهذا الجنس يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد منها يسمى يوماً فكان كقولك: رجل ودرهم وكقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿فصيام شهرين﴾، ولأن الشهر اسم لزمان أمد من اليوم كاليوم من الساعة ثم هو في نفسه يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد يسمى شهراً. فصل ثم إن لكل وقت أحكاماً عرفت منه. أما الوقت المعين المتوسع الذي ليس بمعيار كوقت الصلاة فمن حكمه أن الواجب فيه يجب وجوباً متوسعاً لا يتضيق إلا لآخره، أو دليل آخر كما ذكرنا في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن الوجوب في الذمة لا يوجب المبادرة إلى الأداء، لأن الواجب للغير في الذمة لا يكون فوق الواجب له عيناً في بيته أو في يده، ومتى وقع حق الغير في يد إنسان بغير صنعة لم يجب التسليم إلى صاحبه إلا بعد الطلب، وكذلك إذا وجب بصنعه وهو غير متعدي كالمشتري فإنه لا يلزمه أداء الثمن إلا بعد الطلب، ولكن يحرم عليه الإفاتة لأن الحق للغير والإفاتة في خروج الوقت. فمتى توسع الوقت لم يكن في التأخير إفاتة فلا يتضيق عليه الأداء.

стр. 61

ومن الناس من ظن أنه لم يلزمه الأداء لأول الوقت لم يكن الوجوب متعلقاً بأوله، وإنه غلط، لما ذكرنا أن الثبوت في ذمته حقاً للغير غير لزوم الأداء، كما في الدين المؤجل الحق ثابت لصاحبه عليه ولا أداء عليه كذا هذا ثبوت فعل يسمى صلاة في ذمته حق لله تعالى غير الأداء الذي هو تسليم إلى الله تعالى. وكمن آجر لخياطة هذا الثوب قميصاً في هذا الشهر، صحت الإجارة وصار العمل حقاً عليه لصاحب الثوب والعمل متوسع عليه في الشهر، ولأن الوقت لما توسع وقد شرع للأداء فيه، ولا يقع إلا في بعضه وذلك غير معلوم بالشرع، كان العبد بالخيار في الإيقاع في أي جزء شاء، كما ان الله تعالى لما أمر بتحرير رقبة ولم يعين واحدة يخير العبد في الإيقاع في أي رقبة شاء. وكمن يقول لعبده: تصدق بدرهم اليوم يخير في ساعات اليوم إلا بدليل آخر يعين عليه البعض دون البعض. ومن حكمه: أن الخيار لا ينقطع بقول العبد: عينت هذا الجزء، لن الله تعالى لم يفوض إليه ذلك، إنما له الخيار في التعيين بالداء كالمكفر إذا عين رقبة للتكفير لم يتعين ما لم يعين بالإعتاق. وأما الإفاتة عن الوقت فحرام لأنه بمنزلة الإهلاك لعين مشار إليها، وكان القضاء بعد الوقت غير ما وجب عليه يضمنه من عنده بدل ما أفاته، وهذا حرام في كل حقوق الغير عنده إلا بإذن صاحبه، وهذا التفويت بفوت الوقت حكم كل مؤقت لا حكم الوقت المتوسع. ومن حكمه: أن الوقت ما بقي بحيث يسع للأداء كان في حكم أول الوقت في حق أن الوجوب على العبد للوقت القائم لا لما مضى، كأن ما مضى لم يكن وقتاً لأن الوجوب لو كان لما مضى، ووقت الوجوب شرط للأداء على ما مر فصارت الصلاة فائتة بمضي وقت الوجوب، فلما لم تصر فائتة علم أنه يؤدي ما لزمه لوقته القائم حتى سقطت الصلاة بكل عذر لو كان قائماً لأول الوقت، أسقطها إذا اعترض بعد التمكن منها من حيض أو سفر او جنون أو موت. ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي صلاة أخرى من نفل او فرض لأن الإيجاب يختص بالذمة حكمة بلا اتصال بشيء آخر سواها وفي الذمة متسع فلم يجز أن ينتفي عن الوقت بسبب الإيجاب عبادة كانت فيها مشروعة قبل الإيجاب، ولا اتصال لحكم الإيجاب به بوجه، ونظيره رجل آجر نفسه من رجل ليخيط له هذا الثوب قميصاً بدرهم اليوم، ثم آجر من غيره، صحا جميعاً لأن العمل استحق عليه في الذمة لا اتصال له بالوقت فلم يضق الوقت عن أخر، وفي الذمة متسع.

стр. 62

فإن قيل: لو كان وقت الصلاة كيوم الإجارة لما فاتت الصلاة بفوت الوقت كما لا تبطل الإجارة بمضي اليوم. قلنا: إنما فاتت الصلاة لأن الوقت صار شرطًا للأداء كالطهارة عرف ذلك شرعًا، والصلاة عبادة شرعية لا حسية، واليوم لا يكون شرطًا للخياطة فإنها صفة حسية توجد بدون اليوم وليست بشرعية ومن حكمه أن فرضه لم يتأدى بنية مطلق الصلاة لأن الصلوات المشروعة فيه أنواع، فلا يتعين الواحد من الجملة إلا بدليل معين. ومن حكمه: أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض، لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت وقد أدركه، وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط للوجوب لا محالة على ما مر، وهذا كالمغمى عليه تلزمه الصلاة بالوقت وهو عاجز. فصل وأما المشكل، وهو وقت الحج: فمن حكمه أنه إذا وجب مضيقًا لا يحل له التأخير عن السنة الأولى عند أبي يوسف، وعند محمد يحل، وعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان. لمحمد ﵀: أن الحج فرض العمر، والعمر يشتمل على سنين فيها أشهر الحج ما لم يقطع بالموت، والعمر ثابت والموت فيه شك فلا يرتفع الثابت بالشك فيبقى حكمه على الحياة فيصير الوقت متسعًا كوقت الصلاة، وهذا كما قلنا في صيام قضاء رمضان، وصيام الكفارة أن للعبد التأخير لأن قضاء ذلك القدر يجب في العمر كله، والعمر مشتمل على أيام وشهور كثيرة ما لم يقطع بالموت وفيه شك فلم يثبت وبقيت الحياة حكمًا. ولأبي يوسف ﵀: أن الأداء يفوت بفوت وقت الحج لا محالة من تلك السنة، وإنما يرتفع الفوت بإدراكه سنة أخرى، وفي الإدراك شك لأن حال عيشه سنة ليست بالأرجح من موته فيها فلا يثبت الإدراك فيبقى على الفوت حكمًا فيحرم التفويت. بخلاف ما لا وقت له من العبادات لأن الفوت بموته، ولا فوت للحال لأنه حي، وقد وقع الشك في موته إن أخر لأنه ربما يموت وربما لا يموت فلا يثبت بالشك فيبقى على أن لا فوت. وبخلاف الصوم لأن الوقت وإن فات بمجيء الليل فلا يعود إلا بالحياة إلى اليوم، وربما يموت فجهة الحياة أرجح لأن الفجاءة نادرة في باب المنايا، وموت الإنسان في قدر ليلة أو يومين أو ثلاثة من الفجاءة ولا يقع إلا نادرًا، ولما ترجح جهة الحياة بقي عليها

стр. 63

كالمفقود بحكم موته إذا انقضت مدة يموت فيها أقرانه لأن الحياة بعدها نادر فيترجح الموت. فأما الموت على سنة أو شهر فلن يكون نادرًا للحي الصحيح، وإذا لم يكن نادرًا لم تترجح جهة الحياة على جهة الممات، والفوت ثابت للحال فلا يرتفع بالشك على أن الصيام التي تجب مطلقة غير مؤقتة فذكر شهرين أو ثلاثة أيام لتقدير الواجب لا لتوقيته، وإنما لا يجوز الأداء ليلًا لعدم العبد ما يؤدي به، فالصيام لم يشرع ليلًا لعدم وقت أداء الكفارة، ألا ترى أنه لو أدى بالإطعام يجوز وهذا كما يعجز عن الأداء إذا لم يملك الرقبة ووجد ثمنها، وإن كان وقت الأداء قائمًا. ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي حجًا آخر لأنه لا فرق بين الحج والصلاة على ما مر بيانه، إلا أن وقت الحج متضيق على أصل أبي يوسف- ﵀ فيعتبر بوقت الصلاة إذا ضاق وإنه لا ينفي صلاة أخرى. فإن قيل: لو لم ينتف النفل بالفرض لما تأدى الفرض بنية مطلق الحج كالصلاة. قلنا: إنما لم تتأد الصلاة بمطلق النية لأن فيه صلوات مشروعة ولم يكن بعضها بأولى من بعض شرعًا ولا عرفًا، فالشرع قدم القضاء على الأداء وقدم السنن، وكذلك يفعل العرف. فأما الفرض في باب الحج فمتعين أداء بالعرف والعادة، لأنا لا نجد في العرف من يتكلف لحج بيت الله تعالى وعليه الفرض إلا للفرض، فلما ترجح الفرض بالعرف انصرف مطلق تسمية الحج إليه كما إذا باع شيئًا بدراهم، انصرف المطلق إلى نقد البلد مع بقاء سائر النقود دراهم حتى إذا سماها ثبتت. ولأنا لم نجد في العادات السليمة خروج أحد حاجًا وعليه حجة الإسلام إلا لها فتثبت النية متعينة كذلك بالخروج نفسه، وتبقى على ذلك ما لم يوجد منه ما ينافيها، والمطلق لا ينافيها فبقيت الأولى وهي متعينة فصح الأداء بنية التعيين، وهذا كما تقول فيمن أغمي عليه في رمضان ليلًا ولم يفق إلى يومين: أن صوم اليوم الأول تام وإن لم يشعر بحاله، لأنا لا نجد في العادات السليمة من أهل الإسلام إلا وأن يكون على نية الصوم أيام الشهر، كما دخل الشهر، إلا أنها لا تصح قبل الليل فحكمنا بصحة صومه بدخول الليل وإن لم يعلم بنيته لأن النية ثابتة بالعادة، لا لأن الصوم يجوز بغير النية. ومن حكمه: أنه إذا أحرم بعد سنين كان مؤديًا لا قاضيًا لأن التضييق كان بحكم الإشكال على ما مر، فلما عاش ارتفع الإشكال وصار بمنزلة وقت الصلاة. فإن قيل: لو كان الوقت على حكم التضييق لما حل له تأخير الإحرام عن أول أشهر الحج، كما لا يحل التأخير عن آخر وقت الصلاة.

стр. 64

قلنا: لا تضيق في حق تلك السنة، فإن الوقت لا يفوته إلا يوم عرفة بمنزلة وقت الصلاة. ومن حكمه: أنه لا يسقط عن العبد إذا مات بعد التمكن من الأداء بعد الوجوب، لأن الفوت ثابت بمضي الوقت من أول السنة الأولى، وإنما يرتفع بإدراك وقت آخر من سنة أخرى فإذا مات ولم يدركه تحقق الفوت بما أخر عن السنة الأولى، والتفويت موجب ضمان القضاء لا السقوط، كما في الكفارات لا يبرأ عنها بالموت بعد المكنة، لما في الموت من التفويت. ومن حكمه أيضًا: الإثم إذا مات، أما على قول أبي يوسف فلأن التأخير كان حرامًا. وعلى قول محمد ﵀ حل له بشرط ألا يصير مفوتًا وذلك برجاء الحياة وإدراك وقت آخر، وإذا مات صار مفوتًا فذهب شرط الإباحة فبقي حرامًا، والإباحات جائزة بشروط فيها حظر لأن العبد إن شاء لم يستبح بالحظر كما أبيح للرامي رمي الصيد بشرط أن لا يصيب مسلمًا أو مالًا محترمًا، وكان كمن أخر الصلاة بلا عذر على تأويل أن في باقي الوقت سعة حتى ذهب الوقت فإنه يأثم. وأما حكم الوقت الذي هو معيار، وهو وقت الصوم على ما مر فحكمه أن لا يحل التأخير عن أوله لأنه لا يتأدى إلا في جميعه. ومن حكمه: أن فرضه ينفي سائر الصيام عنه شرعًا، لأن الشرع إنما يشرع من العبادات ما يتصور منا فعلها، لأنها أسماء لأفعالنا تعظيمًا لله تعالى واليوم الواحد لا يتصور منا فيه إلا فعل صوم يوم واحد لأنه مقدر به ومعيار لوجوده لا يوجد ببعضه ولا في غيره، وإذا صار الذي يتصور شرعه فيه فعل صوم واحد وجعل بالشرع فرضًا لم يبق فيه غيره، وإن كان فعل الأداء في الذمة كأن الله تعالى يقول: جعلت ما يتصور من الصوم غدًا فرضًا لي بحق الوقت عليكم. وكمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم فخاطه الرجل يريد الإعانة كانت على الإجارة، وإن كان الإيجاب تناول فعلًا في الذمة لا منفعة وقت الأداء إلا أنه أوجب في ذمته خياطة ذلك الثوب قميصًا، وإنه لا يتصور فيه إلا خياطة واحدة، وإذا صارت واجبة بالإجارة لم يبق غيرها فيه خياطة أخرى منه. بخلاف وقت الصلاة لأن الوقت ليس بمعيار لفعل الصلاة على ما مر بل هو شرط للأداء أو سبب، والشرط الواحد يصلح لصلوات وكذلك العلة ولهذا يجتمع فيه صلوات يؤديها جملة فانقلاب إحداها فرضًا لم ينف الأخرى كالرجل يؤاجر نفسه للخياطة قميصًا في يوم عيّنه يمكنه أن يخيط لغيره فيه بإجارة، وكذلك له في ثوب آخر لأن الوقت ليس بمعيار لعمله الذي سماه، إنما المعيار لعمله الذي سماه هو الثوب فلا ينفي فيه منه

стр. 65

خياطة أخرى وتبقى في الوقت إذا كان المعيار هو الوقت. ومن حكمه: التأدي فيه بنية مطلق الصوم، لأن نية صفة الصوم لتعيين الصوم بوصفه الخاص عن سائر العبادات والأعمال، وإذا لم يكن في رمضان غير الفرض أصابه بمطلق الاسم الذي يعينه عن سائر العبادات والأعمال، ولهذا قال زفر ﵀: إنه يؤدي بغير نية لأنه متعين إلا أنا شرطنا النية لأن المتعين مشروع لله تعالى من فعل الصوم علينا، لا ما يؤدي العبد الواجب عليه به، فالواجب في الذمة، والعبد يؤديه بفعل مملوك له بجعله عمله لله تعالى، فيتأدى به الواجب كدراهم في الذمة يؤدي من عليه بدراهم له، فيتأدى به الواجب بعمله. ولما لم يتناول الإيجاب عمله بقي له ولم يصر لله تعالى ما لم يجعله العبد له بخلاف من آجر نفسه لخياطة ثوب قميصًا فخاطه لا ينويها لصاحبه لأنه لما سلم إليه الثوب الذي أمره بتسليم العمل إليه بجعله صفة له، والصفة تابعة للموصوف تعين العمل للأمر بتعيين الموصوف له من غير قصد تعيين كمن آجر داره بدهم ثم قال للمستأجر: رم ما استرمت من الأجر الذي لي عليك، فرمها تعين ما أنفق فيها للآمر، لصيرورة المرمة صفة للدار المتعينة للآمر حسب التعين بالصرف إلى الآمر. فأما هنا فالوقت معيار لأداء الصوم من غير أن يصير الصوم صفة له، فلا يتعين لله تعالى بتعين الوقت لله تعالى كرجل عليه دراهم فدفع صاحب المال إليه ميزانًا ليزنها فوزن به لم يتعين لصاحب الدين بتعين المعيار له، والوقت معيار يعرف به قدره لا غير، ولكنه إذا فعله لله تعالى كانت عبادة، وذلك بقصده كفعل الصلاة. ومن حكمه: جواز الأداء بوجود النية في أكثر النهار، لأن الوقت لما صار معيارًا للمشروع وللأداء أيضًا، فلا يتصور إلا بالوقت كله لم يجز الأداء إلا من أول النهار إلى آخره، وأول النهار وقت لا يوقف عليه أصلًا، ولا يوقف عليه إلا بحرج عظيم، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فسقط اعتبار أوله وجعل مطلق الإمساك موقوفًا على أن ينقلب صومًا إذا وجدت النية بعده بحيث لا حرج فيه فمعنى الحرج يزول ببعض اليوم فصار عفوًا، وجوزنا بالنية بعد البعض والباقي بعد البعض الأكثر من النهار، كما قالوا جميعًا في النفل إلا أن الإمساك يقف على الصوم الذي هو أصل في الوقت شرعًا، فلا ينفذ بالنية إلا عليه فإن كان الوقت عينًا لفرض كرمضان ينافيه صوم غير الفرض فكان الوقت عليه. فنفذ عليه. وإن كان غير رمضان فالأصل فيه النفل فوقف المطلق عليه فلا ينفذ على غيره. ومن حكمه: أنه إذا نوى صومًا آخر كان عن الفرض لأن كونه صوماً بصفة أخرى غير مشروع فيلغو نية الوصف كما يلغو ليلًا أصل النية، وكما يلغو نية صفة الفرض في غير رمضان ولا فرض عليه فتبقى نية مطلق الصوم لأنه مشروع فيقع عن الفرض كما لو أطلق النية ابتداء.

стр. 66

ومن حكمه: أن الصوم لا يتأدى إلا في الوقت كله لأنه معيار لقدره فلا يتم بدونه، كما لا تتأدى الصلاة ما لم يتم بالأفعال التي نعقلها صلاة. ومن حكمه: أن كينونة الصائم من أهل الوجوب شرط في جميع اليوم ليجب عليه الصوم لأنه لا يتصور شرعًا إلا في جميع اليوم ككينونة المصلي من أهل الوجوب عليه شرط في جميع أفعال الصلاة لكون صلاته واجبة، إلا أنا نأمره بالصوم لأول الوقت لأنه أهل للحال، وشككنا في تبدله فتبقى العبرة للحال، ولأنا لو انتظرنا آخر أمره لفاته الوقت، ولم يمكن الأداء، والله تعالى أمره بالأداء. وقد اختلف علماؤنا بالمسافر إذا نوى صومًا غير صوم رمضان؟ قال أبو حنيفة ﵁: إن نوى صومًا واجبًا بنذر أو كفارة أو قضاء صحت نيته، وإن نوى نفلًا قال في رواية: يصح. وقال في رواية: لا يصح. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صومه عن الفرض لأن الله تعالى رخص للمسافر الفطر في رمضان ولم يسقط عنه أصل الوجوب، بدلالة أنه إذا صام جاز ولو سقط الأصل وصار رمضان كشعبان لم يجز، وكذلك لو لم يكن أهلًا للوجوب في رمضان لم يلزمه بالإقامة نحو إن كان صبيًا فيه أو كافرًا ثم أسلم أو بلغ ثم أقام لم يلزمه شيء، فثبت أن رمضان بقي سببًا للوجوب ومحلًا للأداء، ولكن رخص له الفطر فإذا لم يترخص وصام التحق بالمقيم. ولأبي حنيفة ﵁: أنه يصوم القضاء ما ترك الترخص بالفطر عن رمضان لأنه صرف الوقت إلى صوم هو ألزم فالقضاء عليه وإن لم يقم وصوم الشهر لا يلزمه ما لم يقم حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يؤاخذ به ويؤاخذ بالآخر، وإذا بقي مترخصًا تأخر الوجوب عن رمضان وبالوجوب انتفى سائره فلم ينتف وصح الأداء. أو نقول: لما لم يبطل الترخص بقي لأدائه وقتان: رمضان وعدة من أيام أخر، فلا ينفي الفرض في أحدهما صومًا آخر في الآخر، كمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب أو قميصًا بدرهم أمكن للخياط أن يخيط أحدهما تبرعًا والآخر بإجارة لأن المحل قد اتسع. وأما إذا نوى المسافر النفل؟ فقال أبو حنيفة ﵀ في رواية: صومه عما نوى لأن المحل متسع على ما قلنا بل الوجوب متأخر إلى حين الإقامة ما لم يجعله بقصد الفرض. وفي رواية: يكون عن الفرض لأن صوم الشهر أهم من النفل لأنه يلزمه بعد الإقامة

стр. 67

والنفل لا يلزمه بحال، فلما صرف الوقت إلى صوم النفل صار تاركًا لرخصة الفطر عن صوم الشهر من كل وجه فالتحق بالمقيم، وأما التي ليست بمؤقتة فالكفارات وقضاء رمضان والزكاة. فإن قيل: الصوم لا يتأدى إلا بالوقت فكان مؤقتًا! قلنا: من حيث إنه صوم ما شرع الوقت إلا في النهار فلم يجز ليلًا لعدمه شرعًا لا لعدم وقت التكفير، كما إذا حرر رقبة عمياء لم يجز لأن عتقه لا يصلح كفارة لا لعدم وقت التكفير. ومن حكمها: أن الواجب يجب متوسعًا نص عليه محمد- ﵀ في غير موضع كما نص على الحقوق التي ليست بمؤقتة، وذلك نحو الزكاة والنذور والكفارات المالية. وذكر الكرخي ﵀: أن هذه المسائل كلها على الخلاف. فعلى قول أبي يوسف ﵀؛ تجب متضيفة لأنه ربما يموت عقيب الإمكان بلا فعل، فيكون هذا آخر الوقت فلا يحل له التأخير إلى وقت تشككه في الخروج عنه، لأن اللزوم ثابت يقينًا، وكان هذا بمنزلة وقت الحج الذي مر ذكره. والصحيح عندنا ما قاله محمد بن الحسن ﵀، لأن الوقت غير مذكور شرطًا فيصير العبد مأمورًا بالأداء في عمره فلا يتعين عليه جزء منه إلا بدلالة. والجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الأيام كثيرة وقد أمر بصوم يوم من الجملة فكان خيار التعيين إلى العبد على ما مر، والوقت مذكور لتقدير الواجب لا لبيان وقت الأداء فيصير على هذا من جملة الواجبات المطلقة عن الوقت، وهو الذي يجوز في كل وقت، فالعبد مأمور بالأداء في عمره فلا يتعين جزء منه إلا بدلالة. والجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الفوت في هذه المسائل بالموت لا غير، والحياة ثابتة للحال وقد وقع الشك في المستقبل من الوقت فلا يزال الثابت بالشك فيبقى على حكم الحياة بلا إشكال على قدر ما يجوز العمل به، ألا ترى أن المفقود في حكم الأحياء فيما كان ثابت له فيعمل بذلك لأنا علمنا بحياته وشككنا بموته فيبقى الحكم على الحياة ما لم يبلغ مدة لا يعيش إليها أقرانه فيترجح بالعادة جهة الممات. وكذلك الصلاة له أن يؤخرها ما لم يغلب في رأيه أن الوقت يفوت إن أخره فيحرم إذا ترجح جهة الفوات في رأيه، ولا يحرم بالشك ولكن إذا شككت فصل للحال

стр. 68

احتياطًا، وكذلك نقول في مسألتنا هذه، وهذا كما نقول في الصائم إذا شك في الفجر ترك السحور احتياطًا فإن لم يترك فصومه تام ولا يأثم. فإن قيل: الوقت مذكور في التكفير بصوم شهرين. قلنا: إنه ذكر لبيان قدر الكفارة كما مر أن الصوم لا يقدر إلا بالأيام، وما ذكر شرطًا للأداء فبقيت مطلقة عن الوقت في حق الأداء. ومن حكمه: أن الواجب لا يفوت بالتأخير عن أول أحوال الإمكان لأن الحال لم يكن شرطًا لأدائه بل الشرط يوم من العمر، وقد بقي فكان بمنزلة وقت الحج لا يفوت ما لم يمت كما في تحرير رقبة لا يفوت بموت رقبة عينها لأن الرقاب كثيرة، والواجب عليه نكرة من الجملة والواجب في المطلق عمل في عمره وعمره ثابت للحال، وإنما يفوت بالموت وفيه شك فلا يثبت بالشك فتبقى العبرة لبقاء العمر. وهذا كما قيل: إن المفقود لا يورث لأن ملكه ثابت له فلا ينقطع بالشك ولا يرث لأن ملك غيره لم يكن له فلا يثبت له بالشك. وكذلك صوم شهرين للكفارة لأن ذكر الشهرين لتقدير العمل على ما مر، لا لبيان الوقت حتى قيل في الماليات نحو الزكاة إذا مات وأوصى وصحت شرعًا لم تصر فائتة لأن الأداء يصح بنائب عنه بأمر صح منه شرعًا فلم يفت بالموت على ما مر. ومن حكمه: أن الواجب لا يصير فائتًا بالتأخير كالصلاة إذا أخرت عن أول الوقت إلا أنا أبحنا له التأخير بناء على ظاهر الحال، وهو البقاء فإذا مات تبدل ذلك الظاهر فصارت العبرة لما آلى إليه فضمن الفائت والله أعلم.

стр. 69

القول في منازل المشروعات حقًا لله تعالى وبيان أحكامها المشروعات حقًا لله تعالى في منازل أربعة: الفريضة، والواجب، والسنة، والنافلة. أما الفريضة: فعبارة عن المقدّرة، قال الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي سميتم وقدرتم وأوجبتم، فكانت الفريضة ما أوجبها الله تعالى علينا وقدرها وكتبها علينا في اللوح المحفوظ، ولهذا سميت مكتوبة وإنما جعلها مقدرة لتكون متناهية فلا يصعب علينا الأمر فيدل الاسم على نهاية الوجوب من الأصل فلا يسمى بها إلا ما ثبت وجوبه بطريق لا شبهة فيه، نحو أصل الدين وفروعه من الصلاة والزكاة والصوم والحج فهن المكتوبات المثبتات بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع وما سواها اتباع لها أو شروط. وأما الواجب: فعبارة عن اللازم لغة، ويقال الساقط، من قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت، فكأن اللازم سمي به لسقوطه على الإنسان حتى لزمه، والمراد به في باب الشرع ما ثبت لزومه بخبر الواحد الذي يوجب العمل دون العلم فيكون كالمكتوبة في حق لزوم العمل به، والنافلة في حق الاعتقاد، حتى لا يجب تكفير جاحده ولا تضليله، فكأنه سمي به لأنه يسقط على العبد عمله، ولم يثبت كتابة الله تعالى علينا إياه وهو نحو العمرة وصدقة الفطر والأضحية وشبهها. فأما ما يلتزم بالنذر فهو غير محدود ولا مقدر كالنوافل، ويدل عليه أنه قد ثبت من أصلنا أن الزيادة على النص نسخ والمكتوبات معلومة بكتاب الله تعالى معدودة فالزيادة عليها تكون بمنزلة نسخها فلم يجز إثباتها بخبر الواحد، فلذلك لم نجعل رتبتها في الوجوب رتبة الفريضة حتى لا تصير زيادة عليها. وقد قال علماؤنا ﵏: إن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وليست بفريضة كأصل القراءة، لأن أصل القراءة ثبت بالكتاب والفاتحة بخبر الواحد، وكذلك تعديل أركان الصلاة، وكذلك الوقوف بمزدلفة في الحج، وكذلك الطهارة للطواف. وأما السنة: فعبارة عن طريقة معتادة، والسنن الطريق البين، قال النبي ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وكلمة "من" تعم الناس فثبت أن السنة من

стр. 70

حيث اللغة لا تخص طرائق الرسول، ولكنها في عرف الشرع يراد بها طرائق الدين إما للرسول ﷺ بقوله أو فعله، أو للصحابة على ما نبين بعد هذا أن الرسول ﷺ متبع قولًا وفعلًا، وكذا الصحابة. وسنة العمرين ظاهر إطلاقها في السلف حتى كانوا يأخذون البيعة من الخلفاء الراشدين على سنة الرسول وسنة العمرين. فأما بعد الصحابة فما لأحد طريق في الدين يتبع، وإنما يتبع حجته وإذا كان كذلك لم يدل إطلاق السنة على أنها طريق رسول الله ﷺ ولا أنها واجبة لأن طرائق الدين متنوعة من واجب وغيره، وكذلك قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا لا يدل على أنه من رسول الله ﷺ لأنه كان ظاهرًا بينهم أمر الخلفاء إياهم وانقيادهم لهم على ما قال الله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ وسيأتيك تمام بيانه في باب أفعال رسول الله ﷺ . وأما النافلة: فعبارة عن الزيادة، والنفل: الغنيمة لأنها زيادة حصلت بلا عوض، وولد الولد نافلة لأنه ربح ولده المكسوب، وزيادة بلا صنع كان له فيه، وسميت زوائد العبادات من جهة العبد النوافل لهذا المعنى، وهي التي يتعبد بها العبد زيادة على الفرائض والسنن المشهورة، والنافلة والتطوع نظيران في متعارف اللسان ويراد بكل واحد منهما عبادة ليست على العبد، وهذا لأن التطوع في اللغة: عبارة عن التبرع بما ليس على الفاعل، فكان بمعنى الزيادة على ما عليه. وأما أحكامها فحكم الفريضة: لزومها إيانا في حق القلب اعتقادًا بلا شبهة، حتى كان تركه كفرًا، وفي حق البدن عملًا بها حتى كان تركه عصيانًا، لأن تصديق العبد ربه بما جاء منه بقلبه إيمان فكان الترك كفرًا، وأما العمل بالبدن فطاعة وليس بإيمان لأن الإيمان تصديق بعد المعرفة، ولا معرفة لما سوى القلب بل لها إسلام لما عرفه القلب فكان ضد الطاعة عصيانًا وفسقًا. والفسق في اللغة: الخروج، يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وفسق العبد إذا خرج عن أمر ربه، والكافر على هذا رأس الفساق إلا أنه اختص باسم الكفر الذي هو فوق الفسق فبقي الفسق المطلق في العرف لما دون الكفر في الخروج. وأما الواجب فحكمه: حكم الفريضة في حق العمل بدنًا، وحكمه حكم السنة في حق القلب علمًا، لما ذكرنا أن سبب وجوبه مما لا يوجب العلم به فلا نكفر المخالف بتكذيبه، ولا نفسقه بتركه عملًا، إلا أن يكون استخفافًا بأخبار الآحاد فنفسقه لوجوب المصير إلى خبر الواحد بالإجماع على ما نذكره، ونؤثمه بترك الواجب لتركه ما عليه.

стр. 71

وأما السنة فحكمها: قبل تبين أمرها أن العبد مطالب بإقامتها معاتب على تركها من غير وجوب ولا افتراض، لأن أدنى منزلتها أنها طريقة رسول الله ﷺ أو الصحابة، وهذه طريقة أمرنا بإحيائها، ونهينا عن إماتتها، والإحياء في الفعل ما يستحق التارك الملام إلا أن يتركها استخفافًا بها فيكفر أو يفسق لأن ذلك ينصرف إلى واضعها. وأما النافلة فحكمها: أن يثاب على فعلها، ولا يذم على تركها لأنها جعلت زيادة له لا عليه، بخلاف السنة فإنها طريقة رسول الله ﷺ فمن حيث سبيلها الإحياء كان حقًا علينا فعوتبنا على تركها، وعن هذا قال أصحابنا رحمهم الله_في صلاة السفر_: أنها ركعتان، لأن العبد لا يلام على ترك الأخريين أصلاً ورأساً، ويثاب على فعلهما في الجملة، وهذا حد النوافل. وذكر أصحاب الشافعي أن السنة المطلقة عند صاحبنا تنصرف إلى سنة الرسول، وأنه على مذهبه صحيح لأنه لا يرى اتباع الصحابي إلا بحجة كما لا يتبع من بعده إلا بحجة، ويحتمل أنه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق العمرين والصحابة، لأنه كان بعد أبي حنيفة ﵁ بقرنين أو بقرن واستعمال أهل اللسان سنن المتقدمين مما يختلف ببعد المسافة وطول المدة. وكذلك لا يفرقون بين الواجب والفريضة، فإنه لما قال بوجوب قراءة الفاتحة أفسد الصلاة بتركها، كما لو ترك أصل القراءة، وكذلك تعديل الأركان، وكذلك لما قال بوجوب الطهارة للطواف، قال بفساده أصلاً إذا تركها، كما قال في باب الصلاة، ونحن شبهناه بالصلاة عملاً فألزمناه القضاء ما دام بمكة ولم نشبهه بها علماً حتى إذا لم يقض لم يحكم ببقاء الطواف عليه، وكذلك إذا طاف منكوساً لأن أصل الطواف ثابت بكتاب الله تعالى والتيامن به بالخبر فلم يبلغه رتبته. وكذلك إذا لم يطف حول الحطيم لأنه لم يثبت من البيت إلا بخبر الواحد فوجب الطواف به عملاً لا علماً. وكذلك السعي عندنا واجب وليس بركن في الحج حتى لو تركه جبر بالدم لأنه وجب بخبر الواحد. وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد_رحمهما الله_ في الحج إذا صلى المغرب ليلة الإفاضة من عرفة في الطريق: أنه يعيدها في المزدلفة فإن لم يعدها حتى طلع الفجر سقطت الإعادة، لأن التأخير إلى مزدلفة ثبت بخبر الواحد فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل من الرسول ﷺ من حيث فعل صلاة المغرب كان ليلة النحر في وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب الوقت لم يكن عملاً بالسنة بل كان قضاء محضاً لوقوع الأول فاسداً ونحن لم نعمل بذلك.

стр. 72

وكذلك قال أبو حنيفة ﵀ فيمن ترك الفجر ثم صلى الظهر وهو ذاكر لما عليه-: إن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا قضاء عليه لأنا أمرنا بقضاء الظهر بخبر الواحد، لأن الترتيب لم يجب بالكتاب فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل بالترتيب بخبر الواحد ثابت عندنا ما دامت الصلوات الفوائت قليلة، وإذا كثرت الفوائت فلا ترتيب فلا يحجب بعد الكثرة عملاً بالخبر وإنما يجب لوقوعها فاسدة كما في مسألة المغرب، ونحن لم نعلم به فما قاله الخصم أظهر، وما قلناه أحق وأدق.

стр. 73

القول في العزيمة والرخصة العزيمة في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة غاية حتى كان العزم يميناً. وهي في أسماء أحكام الشرع: عبارة عن ما لزمنا من حقوق الله تعالى بأسبابها من العبادات والحل والحرمة أصلاً بحق أنه إلهنا ونحن عبيده فابتلانا بما شاء. والرخصة في اللغة: عبارة عن معنى الإطلاق والسهولة ونحوها، ومنه رخص السعر إذا تراجع وخف على الناس واتسعت السلع وكثرت وسهل وجودها. والمراد بها في عرف اللسان: إطلاق بعد حظر لعذر تيسيراً، يقال: رخصت لك كذا: أي أطلقتك تيسيراً عليك لعذر بك، وهو المراد منها في ألفاظ الشرع. ثم العزيمة في أحكام الشرع لا تختلف أنواعها في اللزوم، لأن السبب واحد وهو النفاذ علينا على ما أمرنا الله تعالى ونهانا بحق أنا عبيده. وأما الرخصة فتختلف أحكامها في اللزوم لأنها ثبتت بسبب العذر، وأعذارنا مما يختلف. وهذا الباب لبيان أنواعها وهي أربعة: نوعان منها حقيقة، وأحدهما أحق. ونوعان منها مجاز، وأحدهما أتم مجازاً. فأحق نوعي الحقيقة: ما أبيح للعبد لعذر به مع سبب الحرمة وثبوت الحرمة تيسيراً ودفعاً للحرج فإن الله تعالى ما جعل في الدين من حرج، كإجراء كلمة الكفر على اللسان حال الكره فإنه مباح لدفع الكره مع قيام الحرمة، فإنه من قبيل ما لا يحل بحال حتى لو صبر فقتل أجر عليه، وكان أفضل لطاعته ربه في اتقاء ما حرم عليه. وكذلك الفطر في رمضان مكرهاً على هذا. وكذلك ترك الأمر بالمعروف مخافة على نفسه بدليل أنه لو أمر فقتل أو صبر عن الفطر حتى قتل كان مأجوراً لطاعة ربه في اتقاء ما حرم عليه، وكان ضده مباحاً له لإحياء نفسه فلم يكن طاعة بل كان مباحاً له تيسيراً عليه. وحكمها: أن الأخذ بالعزيمة أولى لما فيه من طاعة الله، والآخر مباح له. والنوع الثاني: ما أبيح للعبد فعله مع قيام السبب المحرم، ولكن بعد سقوط الحرمة لمانع اتصل بالسبب فمنعه أن يعمل عمله كالأجل يتصل بالثمن فلا تجب المطالبة. وخيار الشرط يتصل بالبيع فلا يجب الملك فإنه في الشرع كالفطر للمسافر في

стр. 74

رمضان فإنه مباح له مع وجود سبب الوجوب وهو شهود الشهر على ما مر بيانه. ولكن بعد سقوط حكم السبب بالأجل إلى عدة من أيام أخر حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يكن عليه شيء كما لو مات قبل رمضان، ولو لزمه حكم السبب لما سقط عنه القضاء بالفطر بعذر كما في الفصل الأول، وكالحائض. وحكها: أن الصوم أفضل لأن السبب قائم وتأخر الحكم بالأجل لا يمنع التعجيل لأنه حقها فيملك التعجيل معه إلا أن تلحقه المشقة فيكون الفطر أفضل لأن الوجوب ساقط عنه شرعًا نفيًا للمشقة عنه فيكون التعجيل مع المشقة ردًا لما أحسن الله تعالى إليه بالإسقاط، فلم يكن حسنًا بخلاف الفصل الأول فإن حكم الله تعالى عليه لازم وعليه القضاء، فلا يكون في الاشتغال في إقامته إيجاب من قبله بل يكون فيه طاعة لله تعالى فما لزمه فكان حسنًا. وأما المجاز: فأتم نوعيه ما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا على ما قال الله تعالى، فتكون فيه عند المقابلة بمن قبلنا توسعة وترفيهًا وإنها معنى الرخصة، ولكن لما لم يكن لعذر فينا بل لعدم الوجوب أصلًا لم يكن رخصة حقيقة لانعدام معنى الموجب للتوسعة الذي يكون به رخصة وكان الاسم مجازًا لوجود صورته. وأما النوع الآخر: فما ثبت بشريعتنا ثم أسقط أصل الوجوب تيسيرًا علينا بعذر، فمن حيث كان السقوط بعذر للتيسير بعذر كان بمعنى الرخصة. ومن حيث كان سقوط الحكم لسقوط الوجوب لا رفعًا للحكم بالعذر مع قيام الوجوب لم يكن حقيقة، لأن حقيقته ما كان سقوط حكمه برفع العذر لا لزوال سببه في نفسه. وهذا مثل السلم فإنه جوز رخصة على ما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فهو رخصة تثبت للمحتاج إلى بيع ما ليس عنده لإعدامه ليدفع به حاجته، فأبيح له وإن لم يكن المبيع عنده بعذر عدمه لكن على طريق سقوط الحرمة عنه، حتى إذا لم يبع سلمًا وتلف جوعًا أثم بربه لأنه لم يكن فيما أتلف نفسه مقيمًا حكمًا من أحكام الله تعالى. ومن نظيره المسح بالخف بعذر اللبس وزيادة مدة المسح للمسافر بعذر السفر فإن الغسل ساقط لسقوط وجوبه، لأن الخف يمنع سريان الحدث إلى القدمين حكمًا ولا وجوب غسل بلا حدث كما سقطت الأغلال التي كانت على من قبلنا حكمًا بوضع الله تعالى عنا. ومن هذا القبيل عندنا قصر الصلاة للمسافر، حتى إذا صلى الفجر أربعًا كان كمن يصلي الفجر أربعًا، خلافًا للشافعي فإنه يقول؛ لا قصر إلا أن يختار العبد القصر كما خير

стр. 75

المسافر بين الصوم والفطر، قال: لأن وجوب الأربع متعلق بالوقت إلا أن الشرع رخص لنا في القصر دفعًا لمشقة السفر كما في الصوم. بخلاف المسح على الخفين فإن الغسل للصلاة مقصور على محل الحدث من العضو والخف منع الحلول. قال: وغير مستنكر ثبوت الخيار للعبد بين الركعتين والأربع كالذي حلف بصوم سنة فحنث، فإنه مخير بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سنة إذا كان معسرًا في قول الأكثرين. وكذا أبو البنتين خير موسى ﷺ بين الثمانية والعشرة في مدة الإجارة وهذا لما فيه من فائدة التيسير على المخير، إلا أنا نقول: هذه الرخصة من قبيل رخصة زيادة مدة المسح بالسفر، ثم تلك الزيادة ثبتت شاء العبد أو أبى فإنه إن لم يقبل لم ينتقض مسحه بمضي يوم وليلة فكذلك هذا. وإنما قلنا أن هذه من قبيل تلك، لأن أصل الفرض هنا أربعة، وبهذه الرخصة أسقط عنه ركعتان بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه كما أن الفرض في باب المسح حال الإقامة أن ينزع خفيه ويغسل قدميه بمضي يوم وليلة وبالسفر سقط عنه هذا النزع، وهذا الغسل أصلًا بلا إثم يلحقه ولا بدل يلزمه، وتبين أنهما من جملة الإسقاطات المحضة بحكم سقوط الوجوب نحو إسقاط الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا فكانت رخصة مجازًا، وهو إسقاط حقيقة الواجب لما لم يبق له حكم بوجه فلا يبقى الأصل عزيمة بعد سقوط الواجب أصلًا. ولأن الرخصة للترفيه على ما بينا ومعنى الترفيه فيما نحن فيه متعين في القصر كما تعين معنى الترفيه في زيادة المدة في باب المسح متى قوبل بحال الإقامة. ولما أثبت الله تعالى هذا الحكم رخصة وقد تعين معناه في الثبوت كما أثبت لم يبق للعبد خيار التعيين بخلاف رخصة الإفطار، لأن الله تعالى أسقط عنه صوم الشهر بعدة من أيام أخر فعلم أنه ليس بإسقاط محض، وأن أصل الواجب لم يسقط ولكن تأخر فبقي العمل بأصل الواجب عزيمة وبالثاني رخصة. ولأن الرخصة في رمضان لما كان بتأخير العمل لم يتعين معنى الرفاهية في التأخير بل تردد لأن الصوم في الشهر مع الناس أيسر في العادات، ولكن في السفر أشق والتأخير في السفر أوسع ولكن الصوم بعده وحده أشق فثبت أن في الترخيص ضرب رفاهية فخير تحقيقًا لمعنى الرخصة، وفيما نحن فيه ضرب من الرفاهية واحد فتعين ثبوت الرخصة فيما فيه الرفاهية بلا خيار. فإن قيل: إن الله تعالى رخص في أن تصدق علينا بشرط الصلاة وقد ثبت ما أوجبه الله تعالى بلا تخيير لأحد وإنما الخيار في القبول.
следующие страницы →