Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَهِيَ: صَاعُ، وَهُوَ: سِتُ مِئَةِ دِرْهَمِ وَثَلاَثَةُ وَتِسْعُونَ وَثُلُثٌ. قُلْتُ: اٌلأَصَحُ: سِتُ مِئَةِ وَخَمْسَةٌ
وَثمَانُونَ [درهمًا] وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمِ كَمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ اٌلنَبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ .....
ــ
والسابع: يبدأ بنفسه ثم يتخير في الباقي.
والثامن: يتخير بين نفسه وغيره.
والتاسع: يخرجه عن واحد لا بعينه.
قال: (وهي: صاع)؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم في أول الباب. وكان الصاع معروفًا في زمن النبي صلي الله عليه وسلم يسع أربعة أمدادـ والمُد: رطل وثلث ـ فلما حج هارون الرشيد ومعه أبو يوسف .. حصل بينه وبين مالك مناظرة في تقديره؛ لأن أبا حنيفة يقول: إنه ثمانية أرطال بالعراقي، فأحضر أهل المدينة صيعانهم كل منهم يقول: هذا صاعي عن أبي عن جدي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، وعايره هارون الرشيد فكانت خمسة أرطال وثلث فرجع أبو يوسف إلي ذلك. والذي في (الروضة) و (شرح المهذب) عن الدرامي: أنه تقريب، ومال إليه ابن الصلاح وخالف قي (شرح المهذب) هنا فقال: إنه تحديد.
قال: (وهو: ست مئة درهم وثلاثة وتسعون وثلث)؛ بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون.
قال: (قلت: الأصح: ست مئة وخمسة وثمانون [درهمًا] وخمسة أسباع درهم كما سبق في زكاة النبات والله أعلم). هذا تفريغ على ما صححه وهو: أن رطل بغداد تسعون مثقالًا.
والأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن؛ استظهارًا.
قال ابن الرفعة: كان قاضي القضاة سيد المتورعين عماد الدين السكري ﵀ يقول حين يخطب بمصر خطبة عيد الفطر: والصاعق حان بكيل بلدكم هذه، سالم
стр. 1157
وَجِنْسُهُ: اٌلْقوتُ اٌلْمُعَشَرُ، وَكَذَا اٌلَأقِطُ فِي اُلأظْهَرِ. وَتَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ،
ــ
من الطين والعيب والغلث، ولا يجزئ في بلدكم هذه إلا القمح.
قال القفال: والحكمة في إيجاب الصاع: أن الفقير يشتغل عن الكسب يوم العيد وثلاثة أيام بعده؛ إذ لا يجد فيها من يستعمله، والصاع كفاية الرجل أربعة أيام؛ لأن الذي يتحصل من الصاع عند جعله خبزًا ثمانية أرطال، وهي كفاية الفقير أربعة أيام.
قال: (وجنسه: القوت المعشَر) أي: جنس المخرج: القوت الذي يجب فيه العشر أو نصفه كما سبق، فلا يخرج من التين والسمك ولحم الصيد وإن اقتات بذلك بعض أهل النواحي؛ لأن النص ورد في بعض المعشرات وقيس عليها بقيتها بجامع الاقتيات، وثبت السلت في حديث صححه الحاكم.
وفي القديم: لايجزئ الدس والحِمَص؛ لأنهما إدمان.
وقيل: لا يجزئ الأرز في الكفارة، وهو جائز هنا.
قال: (وكذا الأقِط في الأظهر)؛ لأن ذلك ثبت في (الصحيحين) [خ١٥٠٦ـ م٩٨٥] في حديث أبي سعيد ﵁.
والقول الثاني: لا يجزئ؛ لأنه لا عيش فيه فأشبه التين والخَرُوب.
وشد الماوردي والروياني فجعلا محل القولين في أهل البادية الذين يقتاتونه دون أهل الحاضرة كذا في (شرح المهذب)، وليس بشاذ؛ فقد أشار إليه ابن كج والشيخ أبو محمد في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة)
وشرط إجزائه: أن لا يكون الملح قد أفسد جوهره؛ لأنه معيب. وإذا أجزأ الأقط .. أجزأ اللبن والجبن لمقتاته علي الأصح. ولا يجزئ المخيض.
والمصل والسمن والكشك ومنزوع الزُبْد اتفاقًا.
(والأقط) بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز تسكينها مع تثليث الهمزة حكاه ابن سيده وغيره.
قال: (وتجب من قوت بلده) كالكفارة، ولأن النفوس متشوقة إليه. فإن كان في البلد أقوات وغلب بعضها ... فمن الغالب.
стр. 1158
وَقِيلَ: قُوتِهِ، وَقيِلَ: يَتَخَيَرُ بَيْنَ اٌلَأقْوَاتِ، وَيُجَزِئُ الَأعْلَى عَنِ اٌلَأَدْنى، وَلَا عَكْسَ، وَاٌلاعْتِبَارُ بِاٌلْقِمَةِ
فِي وَجْهٍ، وَبِزِيَادَةِ اٌلِاقْتِيَاتِ فِي اٌلَأصَحَ، فَاٌلْبُرُ خَيْرُ مِنَ اٌلتَمْرِ وَاٌلَأرُزَ،
ــ
والصواب: أن المراد قوت السنة لا قوت وقت الوجوب قاله في (شرح المهذب)، وفي (الوسيط): المعتبر حال وجوب الفطرة، وفي (الوجيز): يوم الفطر.
قال: (وقيل: قوته) كما يعتبر ماله في الزكاة، وهو قول الإصطخري وابن خيران، فإن اقتات نوعين ... فمن أغلبهما، فإن استويا ... تخير. فلو كان يليق به الشعير فأكل القمح تنعمًا أو العكس .. وجب ما يليق به.
قال: (وقيل: يتخير بين الأقوات)؛ لظاهر حديث أبي سعيد ﵁.
وأجاب الأول بأن (أو) فيه للتنويع.
قال: (ويجزئ الأعلى عن الأدنى)؛ لأنه زاد خيرًا فكان كما لو دفع بنت لبون عن بنت مخاض.
وقيل: لا يجزئ كالحنطة عن الشعير والذهب عن الفضة، حكاه في (الكفاية).
والفرق على الأول: أن زكاة المال متعلقة بعينه فأمر أن يواسي مما آتاه الله، وزكاة الفطر منظور فيها إلي القوت فإذا أخرج أعلاه .. كان محسنًا.
قال: (ولا عكس)؛ لأنه يضر المستحقين.
قال: (والاعتبار) أي: في الأعلى والأدنى (بالقيمة في وجه)؛ لأنه أرفق بالمساكين.
فعلى هذا: يختلف باختلاف الأوقات والبلاد.
قال: (وبزيادة الاقتيات في الأصح)؛ لأنه المقصود.
قال: (فالُبرُخير من التمر والأرز)؛ لأنه المقتات غالبًا.
وحكي الماوردي وجهًا: أن التمر خير من البر؛ لأنه أزيد ثمنًا.
стр. 1159
وَاٌلَأَصَحُ: أَنَ اُلشَعِيرَ خَيْرُ مِنَ اٌلتَمْرِ، وَأنَ اٌلتمْرَ خَيْرٌ مِنَ اٌلزَبِيبِ. وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتِ
وَعَنْ قَرِيبِهِ أَعْلَى مِنْهُ. وَلَا يُبَعَضُ اٌلصَاعُ. وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لَا غَالِبَ فِيهَا .. تَخَيَرَ،
ــ
ولو قيل: أفضلها يختلف باختلاف البلاد .. كان متجهًا.
قال: (والأصح: أن الشعير خير من التمر)؛ لأنه أبلغ في الاقتيات.
قال: (وأن التمر خير من الزبيب)؛ لأنه أكثر اقتياتًا منه.
ويعرف من كلام المصنف: أن الشعير خير من الزبيب؛ لأنه خير من التمر الذي هو خير من الزبيب، قال في (شرح المهذب): وهو الصواب.
قال: (وله أن يخرج عن نفسه من قوت، وعن قريبه أعلى منه) كما لو كان عليه كفارتان فأطعم عشرة
وكسا عشرة؛ لأن المحذور إنما هو تبغيض الصاع الذي يخرج عن شخص.
وكان الأحسن أن يقول: (وعن غيره)؛ ليشمل الرقيق ومن يتبرع عنه بإذنه والزوجة.
قال: (ولا يبعض الصاع) أي: المخرج عن واحد؛ لأنه واجب واحد فلا يتبعض، كما لا يجوز أن
يكسو خمسة ويطعم خمسة في كفارة اليمين. هذا إذا كان من جنسين، فإن كان من نوعي جنس ... فيجوز.
قال في (اللباب): ولا يجوز كون الصاع من جنسين إلا في ثلاث مسائل:
العبد المشترك، والمبعض، وإذا كان في بلد طعامهم جنسان ليس أحدهما أغلب من الآخر، لكن في الثالث
نظر.
قال: (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخير)؛ لأنه ليس تعيين البعض للوجوب بأولي من بعض.
فإن قيل: لم يجب الأصلح كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون؟ ... قلنا: لتعلقه بالعين.
فلو كان في بادية لا قوت لهم فيها يجز في الفطرة بأن كانوا يقتاتون الأشياء.
стр. 1160
وَاٌلَأفْضَلُ أَشْرِفُهَا. وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ ... فَاٌلأَصَحُ: أَنَ اٌلِاعْتِبَارَ بِقُوتِ بَلَدِ اٌلْعَبْدِ. قُلْتُ: اٌلْوَاجِبُ اٌلْحَبُ اٌلسَلِيمُ،
ــ
النادرة ... أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، فإن استوي بلدان في القرب واختلف قوتهما ... تخير.
قال: (والأفضل أشرفها) أي: في الاقتيات؛ لقوله تعالي: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
قال: (ولو كان عبده ببلد آخر ... فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد)؛ نظرًا إلى أنها وجبت عليه ابتداء ثم تحملها السيد.
والثاني: الاعتبار ببلد السيد تفريعًا على أنها وجبت عليه ابتداء.
وسيأتي في العبد المشترك ما يخالفه.
قال: (قلت: الواجب الحب) فلا تجزئ القيمة خلافًا لأبي حنيفة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وجوزها
أبو ثور عند الضرورة.
ولا يجزئ الدقيق ولا السويق.
وقال الأنماطي: يجزئ الدقيق؛ لرواية أبي داوود [١٦١٤] من حديث أبي سعيد ﵁: (أو صاع من دقيق)
، لكن قال أبو داوود: إنها من وهم سفيان بن عيينة وإنهم أنكروها عليه فتركها.
وقال ابن عبدان: يجزئ السويق والخبز؛ لأنهما أرفق بالمساكين.
قال: (السليم) فلا يجزئ العتيق المتغير الطعم أو اللون، وكذا الرائحة كما في (شرح المهذب)، ولم يصرح به الأكثرون،
ولا المسوس والمدودـ وهما بكسر الواوـ لقوله تعالي: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾،
ولأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبً.
وقال القاضي حسين: يجزئ المعيب والمسوس إذا لم يجد غيرهما وهو يقتات منهما. ويجزئ القديم وإن قلت قيمته.
стр. 1161
وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطرَةَ وَلَدِهِ اٌلصَغِيرِ اٌلْغَنِيَ .. جَازَ كَأجْنَبِيَّ أَذِنَ، بِخِلَافِ اٌلْكَبِيرِ، وَلَوِ اٌشْتَرَكَ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي عَبْد ..
لَزِمَ اٌلْمُوسِرَ نِصْفُ صَاعِ، وَلَوْ أَيْسَرَا وَاٌخْتَلَفَ وَاجِبُهُمَا .. أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ وَاجِبِهِ فِي اٌلَأصَحَّ، وَاٌللهُ
أعْلَمُ .....
ــ
قال: (ولو أخرج من ماله فطرة الصغير الغني ... جاز)؛ لأنه يستقل بتمليكه فيقدَّر كأنه ملَّكه ذلك ثم تولى الأداء عنه، ويستوي في ذلك الأب والجد، لكن يستثنى من ذلك أولاد البنات، وخرج بذلك الوصي والقيم فلا يجوز لهما الإخراج من ماله إلا بإذن القاضي؛ لأن اتحاد الإيجاب والقبولمختص بالأب والجد.
قال: (كأجنبي أذن) أي: كما لو قال لغيره: اقض ديني عني. فإن لم يجزئه قطعًا؛ لأنها عبادة فلا تسقط عن المكلف بغير إذنه.
قال: (بخلاف الكبير) فإنها لا تقع عنه إلا بإذنه؛ لأنه لا يستقل بتمليكه، ولذلك قيده في (شرح المهذب) ب (الرشيد) وهو ظاهر، والمجنون كالصغير صرح بهما البغوي.
وأما الزوجة .... فلها أن تؤدي فطرتها دون إذن الزوج بناء على أنها وجبت عليها ثم تحملها زوجها.
قال: (ولو أشترك موسر ومعسر في عبد) والصورة: أن المعسر محتاج إلي الخدمة بحيث لا نكلفه بيعه.
قال: (... لزم الموسر نصف صاع)؛ لأن ذلك يقابل ملكه. هذا إذا استوت الحصتان، وإلا فالمعتبر على قدر الملك.
وقال أبو ثور: يجب علي صاحب كل حصة صاع ولو كانوا مئة شريك إذا كانوا موسرين.
قال: (ولو أيسرا أختلف واجبهما .. أخرج كل واحد نصف صاع من واجبه في الأصح والله أعلم)؛ لأنهما إذا أخرجا هكذا .... أخرج كل واحد منهما جميع ما لزمه، كثلاثة محرمين قتلوا ظبيًا فأخرج أحدهم ثلث شاه، وأطعم الثاني بقيمة ثلث
стр. 1162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شاه وصام الثالث عدل ذلك .... فإنه يجزئهم.
والمراد ب ـ (اختلاف الواجب): اختلاف قوت بلادهم.
والثاني: يخرجان من أدني القوتين؛ دفعًا للضرر عن المزكين.
والثالث: يخرجان من أعلاهما؛ حذرًا من الإضرار بالمساكين.
والرابع: من قوت بلد العبد؛ لأنها طهرة له. وهذا هو الأصح؛ لأن الأصح أن المخرج يتحمل كما تقدم.
والذي صححه المصنف هنا صححه مثله في (الروضة) و (تصحيح التنبيه)، وهي في (شرح المهذب) على الصواب.
ومن نصفه ونصفه حر، والأب إذا كان في نفقة ولدين ... حكمه حكم العبد المشترك.
فرع:
يجب أن تصرف زكاة الفطر إلى الأصناف الموجودين الذين ذكرهم الله تعالى.
وقيل: يجوز أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء أو المساكين، ولا يجوز لأقل من ذلك؛ لقول ابن عباس ﵄: (إن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين) رواه أبو داوود [١٦٠٥]، فخصم بالذكر فدل على الاكتفاء بهم، وتقرر أنها متى ذكرت المساكين .. جاز الصرف إلي الفقراء أيضا، ولأنها قليلة في الغالب لا تقع من الجميع موقعًا، وبهذا قال الإصطخري ونقل عنه مثل ذلك في (زكاة المال)، ووافقه الشيخ في (زكاة الفطر).
وقيل: يجوز صرفها لواحد، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وابن المنذر.
تتمه:
سئل أبو الفارقي عن الصوفية المقيمين في الرباط: هل عليهم فطرة؟ فقال: إن كان الوقف على معين .. وجبت؛ لأنهم ملكوا الغلة قولًا واحدًا، وكذا إذا وقف
стр. 1163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على المقيمين بالرباط إذا حدثت غلة ملكوها ومن حدث بعدهم لا يشاركهم. وإن كان وقفة على الصوفية مطلقًا، فمن دخل الرباط قبل غروب الشمس على عزم المقام. لزمته الفطرة في المعلوم الحاصل للرباط. هذا كله إذا وقف عليهم مطلقًا، فإن شرط لكل واحد قوته كل يوم ... فلا زكاة عليهم.
قال: وهكذا حكم المتفقهة في المدارس؛ فإن جِرَايَتَهُم مقدرةٌ بالشهر، فإذا أهل شوال وللوقف غلة ... لزمهم الفطرة وإن لم يكونوا قبضوا؛ لأنه ثبت ملكهم على قدر المشاهر من جملة الغلة.
قال: ويجوز للفقهاء الإقامة في الرباط ولتناول معلومة، ولا يجوز للمتصوف القعود في المدارس وأخذ جرايتها؛ لأن المعنى الذي يطلق به اسم المتصوف موجود في المتفقة ولا عكس.
خاتمة
دفع فطرته إلى فقير ممن تلزمه الفطرة، فدفعها الفقير إليه عن فطرته .... جاز للدافع الأول أخذهما خلافًا لمالك.
قال الإمام: وجوب الفطرة لا ينافي أخذ الصدقة؛ لأن أخذها لا يقتضي غاية الفقر والمسكنة، وقد تجب زكاة المال على من تحل له الصدقة؛ فإنها تحل من غير الفقر والمسكنة، وقد تجب زكاة المال على من تحل له الصدقة؛ فإنها تحل من غير الفقر والمسكنة.
стр. 1164
بَابُ مِنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ, وَمَا تَجِبُ فِيهِ
شَرْطُ وُجُوبِ زكَاةِ المَالِ: الإِسْلَامُ, والْحُرِيَّة, وَتَلزَمُ المُرْتَدِّ إِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَهُ,
ــ
باب من تلزمه الزكاة, وما تجب فيه
المراد: شروط من تجب عليه, وشروط المال الذي تجب فيه, وبيان ما يؤثر في إسقاطها. وليس المراد: بيان الأنواع من ماشية ونقد وغيرهما؛ فإن ذلك تقدم.
ولما كانت (من) لأولى العلم و (ما) لغيرهم أتى هما فيهما.
قال: (شرط وجوب زكاة المال: الإسلام) فلا يُطالب بإخراجها الكافر الأصلي لا في حال الكفر ولا بعد الإسلام.
واحترز بـ (زكاة المال) عن زكاة الفطر؛ فإنها تلزم الكافر عن غيره كما سبق.
وتقدم في (باب التيمم) الكلام على لفظ المال.
قال: (والحرية) , فلا تجب على رقيق؛ لأنه لا ملك له.
وعلى القديم: يملك بتمليك سيده ملكًا ضعيفًا, ومع ذلك لا زكاة له, ولا على سيده على الأصح.
قال: (وتلزم المرتد إن أبقينا على مُلكه)؛ مؤاخذة له بحكم الإسلام, فإن أبقيناه ..
وجبت, وإلا .. فلا.
والأصح: أن ملكه موقوف فهي كذلك.
وصورة المسألة: أن تمضى عليه في الردة سنة بعد ملك النصاب, فعلى المذهب: إذا أخرجنا في حال ردته .. جاز على المذهب, كما لو أطعم عن الكفارة بخلاف الصوم؛ فإنه عمل بدن.
وقال صاحب (التقريب): لا تجزئه إذا أخرجنا في حال الردة.
أما إذا وجبت الزكاة ثم ارتد .. فإنها تؤخذ من ماله على المشهور, وحكي في (شرح المهذب) الاتفاق عليه.
стр. 1165
دُونَ المُكَاتَبِ. وَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبيّ وَالْمَجْنُونِ, ......
ــ
قال: (دون المكاتب) فلا تجب عليه؛ لأن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة, وصح عن جابر ﵁ أنه قال: (لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق) , ورواه الدارقطني مرفوعًا [٢/ ١٠٨] , وبهذا قال كافة العلماء سوى أبى ثور؛ فإنه جعله كالحر.
وأوجب أبو حنيفة العشر في زرعه دون باقي أمواله.
ولو حذف المصنف المسألة .. لاستغنى عنها باشتراط الحرية.
قال: (وتجب في مال الصبي والمجنون)؛ لعموم: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) , ولقوله ﷺ : (ابتغوا في أموال اليتامى؛ لا تذهبها للصدقة) رواه الشافعي ﵁ مرسلًا [أم ٢/ ٢٨] , واعتضد بقول خمسة من الصحابة كما قاله الإمام أحمد, وبالقياس على زكاة المشعرات وزكاة الفطر, فإن أبا حنيفة- وهو الخصم- وافق عليهما.
والمجنون في معنى الصبي, والمخاطب بالإخراج: الولي كنفقة القريب والأرش.
وأما المال المنسوب إلى الجنين بوصية أو غيرها .. فالمذهب: أنه لا زكاة فيه؛ لعدم تحقق حياته, وهو الذي احترز المصنف عنه بلفظ (الصبي).
وقال الشيخ عز الدين: إذا نهى الإمام الأوصياء عن إخراج زكاة الموصى عليه .. لم يكن عذرًا.
وإذا أعتقد الولي أنها غير واجبة .. قال الشيخ: يقهره القاضي على إخراجها ويرفع يده؛ لأن مفسده منعه تتعدى إلى الصغير, قال: ولا فرق بين أن يكون الولي شافعيًا أو حنفيًا؛ لأن القاضي يفعل مقتضى مذهبه, لن الشافعي يزداد الإنكار عليه.
قال: وأما القاضي الشافعي .. فلا رُخصة له في ترك إخراجها؛ فإن ترك إخراجها
стр. 1166
وَكَذَا مَنْ مَلَكَ بِبَعْضِهِ الحُرّ نِصَابًا فِي الأَصَحِّ, وَفِى الْمَغْصُوبِ والضَّال والْمَجْحُودِ فِي الأَظْهَرِ,
ــ
خطأ , وتصير مضمونة للأصناف على الولي والقاضي الشافعي, بخلاف الحنفي الذي يعتقد عدم وجوبها.
فائدة:
حكي ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتى رحمهما الله: أنه لما كان قاضى الغربية .. كتب إلى مستنيبه قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز يسأله عن دراهم الأيتام: كيف تخرج الزكاة منها وهى مغشوشة والغش الذي فيها ملك الأيتام؟! فاستصعب الجواب عليه في ذلك.
قال الشيخ: إن كان الغش يُماثل أُجرة الضرب والتخليص .. فيتسامح به, وعمل الناس على الإخراج منها.
قال: (وكذا من ملك ببعضه الحر نصابًا في الأصح)؛ لأن ملكه تام, ولهذا يُكفّر كفّارة الحرّ الموسر.
والثاني: لا؛ لنقصانه بالرق, وبهذا جزم الأكثرون, واعتذروا عن وجوب زكاة الفطر بأنها تتبعض وزكاة المال لا تتبعض.
قال: (وفى المغصوب والضال والمجحود في الأظهر)؛ لملك النصاب وتمام الحول وعموم الأدلة الآمرة بالزكاة, ولابد فيه من مراعاة السموم كما تقدم.
والثاني- وهو التقديم-: لا؛ لتعطل فائدتها.
وقيل: تجب قطعًا.
وقيل: إن عاد بفوائده كالسائمة تعود بنمائها .. وجبت, وإلا .. فلا.
والسرقة كالضلال وذكره في (المحرر) , لكن أسقطه المصنف؛ لدخوله في المغصوب.
وموضع الخلاف في المغصوب والمجحود: إذا لم تكن له بينة, فإن كانت .. وجب الإخراج قطعًا؛ لأنه مقصر, وكذا إذا علم القاضي به إذا قلنا: يقضى بعلمه.
стр. 1167
وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ, وَالمُشْتَرى قَبَلَ قَبْضِهِ, وَقِيلَ: فِيهِ القَوْلَانِ وَتَجِبُ فِي الحَالِ عَنِ الغَائِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَإلاّ .. فَكَمَغْصُوبٍ. والدَّيْنُ ْإِنْ كَانَ ماَشِيَةً, أَوْ غَيْرَ لَازمِ كَمَالِ كِتَابِةٍ .. فَلَا زكَاةَ,
ــ
قال: (ولا يجب دفعها حتى يعود)؛ لعدم التمكين قبله, فيزكيه حينئذ للأحوال الماضية ما لم تنقص عين النصاب إخراج زكاة بعض الأحوال.
وإن كانت ماشية .. فشرطها: إن تكون سائمة عند المالك والغاصب كما تقدم.
قال: (والمشترى قبل قبضه) أي: بعد انقضاء الخيار؛ لأنه يمكنه تسليم الثمن وتسلمُّه, فتجب فيه الزكاة قطعًا إذا مضى حول من يوم الشراء.
قال: (وقيل: فيه القولان) أي: في المغصوب وغيره؛ لأن تصرفه فيه غير نافذ وإن رضي البائع, وعلم من مجئ قوله المغصوب: إن القائل بالوجوب لا يوجب الإخراج قبل القبض.
قال: (وتجب في الحال عن الغائب إن قدر عليه)؛ لأنه كالمال الذي في صندوقه.
هذا إذا كان المال مستقرا في بلد, فإن كان سائرًا .. لم يخرج زكاته حتى يصل إليه.
ويجب إخراجها في بلد المال, فإن أخرج في غيره .. فيأتي فيه خلاف نقل الزكاة.
قال: (وإلا .. فكمغصوب) يعنى: إذا لم يقدر عليه لانقطاع الطريق .. فيأتي فيه القولان في المغصوب؛ لعدم القدرة في الموضعين.
قال: (والدين إن كان ماشية, أو غير لازم كمال كتابة .. فلا زكاة).
أما الماشية .. فإن علة الزكاة فيها النماء ولا نماء فيها في الذمة, بخلاف النقد إذا ثبت في الذمة؛ فإن علّة الزكاة فيه: كونه معدًا للتصرف والربح, وهذا المعنى حاصل فيما إذا كان على ملئ.
ومنهم من علل ذلك بأن السوم شرط فيها ولا وجود للسوم في الذمة, واعترضه الرافعي بأنه يجوز أن يثبت في الذمة لحم راعية, وإذا جاز ذلك .. جاز أن يثبت الذمة راعية.
стр. 1168
أَوْ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا .. فَكَذا فِي القَدِيمِ, وفِي الجَدِيدِ: إِنْ كَانَ حَالًا وَتَعَذّرَ أخذُهُ لإعْسِارٍ وَغَيْرِهِ .. فَكَمَغْصُوبٍ, واِنْ تَيَسَّر .. وَجَبَتْ تَزْكِيَتُهُ فِي الحَال. أَوْ مُؤجَّلًا .. فالْمَذْهَبُ: اَنَّهُ كَمَغْصُوبٍ,
ــ
وأما مال الكتابة .. فالملك فيه غير تام, وللعبد إسقاطه بالكلية, والمالك غير قادر على التصرف التام فيه, فلذلك لم تجب زكاته.
وألحق ابن الرفعة الثمن في مدة خيار المجلس بدين الكتابة.
واحترز بـ (مال الكتابة) عن الدين الذي على المكاتب لسيده من معاملة , وفى سقوط الزكاة عنه تناقض في (المهمات).
وعما إذا أحال المكاتب سيده بالنجوم على شخص .. فإنه يصح وتجب الزكاة فيه؛ لأنه لازم لا يسقط من ذمة المحال عليه بتعجيز المكاتب ولا فسخه.
قال: (أو عرضًا أو نقدًا .. فكذا في القديم) أي: لا زكاة فيه سواء كان على ملئ أو على غيره حالًا أو مؤجلًا؛ لأنه لا ملك فيه حقيقة فأشبه دين المكاتب.
واستشكل شيخنا التعليل بما لو حلف انه لا مال له .. فإنه يحنث بالحالّ والمؤجل على الأصح.
قال: (وفي الجديد: إن كان حالًا وتعذر أخذه لإعسار وغيره .. فكمغصوب) فيأتي فيه الخلاف السابق, فلو كان مقرًا له في الباطن .. وجبت الزكاة دون الإخراج قطعًا, فلو كان يقدر على أخذه من مال الجاحد بالظفر من غير خوف ولا ضرر فهل يكون الحكم كما لو تيسر أخذه بالبينة أو لا؟ المتبادر من كلام الشيخين وغيرهما: لا, وهو محتمل.
قال: (وإن تيسر) بأن كان على مُقرّ باذل (.. وجبت تزكيته في الحال) كالمال المودع والذي في خزانته.
قال: (أو مؤجلًا .. فالمذهب: انه كمغصوب) فيأتي فيه الخلاف المتقدم.
стр. 1169
وقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ, ...
ــ
قال: (وقيل: يجب دفعها قبل قبضه) كالغائب الذي يسهل إحضاره.
ويقابل المذهب طريقة قاطعة بعدم وجوب الزكاة, وأخرى قاطعة بوجوبها.
ولو عبر بقوله: (قبل حلوله) كان أولى؛ فإن هذا الوجه محله: إذا كان الدين على ملئ ولا مانع سوى الأجل, وحينئذ متى حلّ .. وجب الإخراج قبض أم لا.
فائدة:
قال الشيخ: إذا أوجبنا الزكاة في الدين وجعلنا تعلقها بالمال تعلق شركة .. اقتضى أن يملك أرباب الأصناف ربع عشر الدين في ذمة المدين, وذلك يجر إلى أمور لا يتنبه لها كثير من الناس كالدعوى بالصداق والديون؛ لأن المدعى غير مالك للجميع فيكيف يدعى به؟ إلا إن له ولاية القبض لأجل أداء الزكاة, فيحتاج إلى الاحتراز عن ذلك في الدعوى, وإذا حلف على عدم المسقط .. ينبغي أن يحلف إن ذلك باق في ذمته إلى حين حلفه لم يسقط, وانه يستحق قبضه حين حلفه, ولا يقول: انه باق له.
قال: (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) وهو آخرها تاريخًا؛ لإطلاق النصوص الآمرة بأداء الزكاة سواء كان الدين حالًا أم مؤجلًا, من جنس المال أم غير جنسه, لآدمي أم لله تعالى كالزكاة والكفارة والنذر, ولأنها إن تعلقت بالذمة .. فهي متسعة, أو بالعين .. فالتعلق بالذمة لا يمنع مما تعلق بالعين؛ لأن عبد المديون إذا جني تعلق حق الجناية برقبته.
والثاني: يمنع, وفى علته وجهان:
أصحهما: ضعف ملك المديون؛ لإشرافه على التصرف في الدين.
أصحهما: إن مستحق الدين تلزمه الزكاة, فلو اوجبناها على المديون أيضًا .. أدى إلى تضعيف الزكاة الواحدة.
ويتفرع على ذلك لو كان مستحق الدين ذميًا .. فعلى الأول: لا تجب, وعلى الثاني: تجب.
стр. 1170
وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي المَالِ البَاطِنِ, وَهُوَ النَّقْدُ والْعَرْضُ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ, فَحَالَ الْحَوْلُ فِي الْحَجْرِ .. فَكَمَغْصُوبِ
ــ
فلو زاد المال على قدر الدين وكان الزائد نصابًا .. وجبت زكاته قطعًا, أو دونه .. فالجميع على الخلاف.
قال: (والثالث: يمنع في المال الباطن, وهو النقد والعرض) وكذا زكاة الفطر أيضًا, ولا تمنعها الأموال الظاهرة وهى: المواشي والزروع والثمار والمعادن, والفرق: إن الظاهرة تنمو بنفسها أو هى نماء في نفسها, والباطنة ليس كذلك.
لكن التعبير بـ (النقد) يخرج غير المضروب فكان الصواب: التعبير بـ (الذهب والفضة).
ومحل الخلاف: إذا لم يكن له من المال الزكوى ما يقضى به الدين, فإن كان .. وجبت قطعًا.
قال: (فعلي الأول: لو حجر عليه لدين, فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب)؛ لأنه حيل بينه وبين ماله الحجر المانع من التصرف.
ولا شك أن للمحجور عليه أحوالًا:
احدهما: أن يفرق الحاكم أمواله بين غرمائه, ويقبضونه.
الثاني: أن يبيعه منهم, ولا زكاة عليه في الحالين.
الثالث: أن يعين لكل غريم قدر دينه ويأذن له في قبضه ويحول الحول قبل قبضه .. فملك المحجوز باق حتى يقبضه الغريم.
والمذهب: انه لا زكاة على المفلس في هذه الحالة, لضعف الملك, وهو مشكل, فكيف يمكنهم من أخذه من غير بيع أو تعويض؟ لا جرم صوّرها في (السلسة) بما إذا كان ماله من جنس الدين.
فروع:
ملك نصابًا, فنذر التصدق به أو بكذا منه, فمضى الحول قبل التصدق ..
فالأصح: القطع بمنع الزكاة لتعلق النذر بعينه, وقيل: على الخلاف في الدين.
стр. 1171
وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ .. قُدِّمَتْ,
ــ
ولو قال: جعلت هذا المال صدقة, أو هذا الغنام ضحايا, أو على أن أضحى بهذه الشاه .. فلا زكاة.
وإذا دفع دراهم إلى رجل ليصرفها إلى فقير, أو فى جهة من جهات البر, فتم الحول قبل صرفها .. لزمه زكاتها؛ لبقائها في ملكه, بخلاف ما لو دفعها إلى الأمام ليصرفها في ذلك.
ولو أوصى بدراهم للفقراء, فحال الحول عليها بعد موته قبل أن تصرف .. فلا زكاة.
قال: (ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة) أي: وضاقت التركة عنهما (.. قدمت) سواء كانت زكاة مال او زكاة فطر؛ لقوله ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى) متفق عليه [خ ١٩٥٣ - م١١٤٨].
والحديث ورد في الحج والصوم, ولا شك أن الزكاة أحق بالتقديم منهما.
وقوله: (زكاة) على سبيل التمثيل, وإلا .. فكل حق من حقوق الله تعالى كالكفارة تجرى فيها الأقوال عند الاجتماع مع الدين, وكذلك الزكاة مع الحج كما صرح به في (الكفاية) وسيأتي في (الوصية) أيضا.
واحترز بقوله: (في تركة) عما إذا اجتمعوا على حي وضاق ماله عنهما .. فإن الأقوال لا تجرى فيه, بل إن لم يكن محجورًا عليه .. قدمت الزكاة جزمًا, وان كان محجورًا عليه .. قدم حق الآدمي جزمًا.
ويؤخر حق الله تعالى ما دام حيًا كما صرح به الرافعي في (الباب الثالث) من (الإيمان) , لكن صرح القاضي أبو الطيب فيها بجريان الأقوال, وسيأتي في (كتاب الجزية): انه يسوى بينها وبين دين الآدمي على المذهب مع أنها حق الله تعالى.
وصورة مسألة الكتاب: إذا كانت الزكاة في الذمة أن تلف المال بعد الوجوب والتمكن, فأما إذا كان ما وجبت فيه الزكاة موجودًا .. فهي مقدمة قطعًا, قاله جماعة منهم القاضيان: الحسين وابن كج, وهو مقتضى النص, وهذا متعين إذا قلنا: إنها تتعلق بالمال تعلق الشركة. ووقع في (الشرح) و (الروضة) في هذا اضطراب.
стр. 1172
وَفِى قَوْلٍ: الدَّيْنُ, وَفِى قَوْلٍ: يَسْتَوِيَانِ. وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ, وَالْجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِىٌ, وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا, أَوْ بَلَغَهُ الْمَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ .. وَجَبَتْ زَكَاتُهَا,
ــ
قال: (وفى قول: الدين)؛ لأن صاحبه محتاج وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة, وكما يقدم القصاص على القطع في السرقة.
وجوابه: إن الحدود ومبناها على الرديء.
قال: (وفى قول: يستويان)؛ لعدم الترجيح, فيوزع المال عليهما كما إذا كان عليه دينان لرجلين وضاق ماله .. فإنه يقسم بينهما.
وفى قول رابع: يقدم الأسبق منهما وجوبًا.
قال: (والغنيمة قبل القسمة أن اختار الغانمون تملكها ومضى بعد حول, والجميع صنف زكوى, وبلغ نصيب كل شخص نصابًا, أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخُلطة .. وجبت زكاتها) كسائر الأموال.
واحترز بـ (واختار الغانمون تملكها) عما إذا أعرضوا أو سكتوا .. فلا زكاة؛ لأنها لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك ولم يوجد واحد منهما.
ولو فرعنا على القول بـ (أنها تملك بمجرد الاستيلاء) فهو ملك ضعيف بدليل سقوطه بمجرد الأعراض.
وان اختاروا ولم يمض بعده حول .. فلا زكاة.
وان وجد الاختيار والحول ولكنها كانت أصنافا كسائمة ونقود .. فلا زكاة أيضا؛ لأن كل واحد من الغانمين لا يدرى الصنف الذي يحصل له ولا مقداره.
والمراد بـ (بلغه المجموع): غير الخمس.
وموضع ثبوت الخُلطة بالنسبة إلى المالك, وذلك في السائمة جزمًا, وفى غيرها
стр. 1173
وَإِلاَّ .. فَلاَ. وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعيّنًا .. لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمّ حَوْلٌ مِنَ الإِصْدَاقِ. وَلَوْ أَكْرَي دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلاَّ زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ,
ــ
على الأصح بالنسبة إلى من تصح الخلطة معه, لا كأهل الخمس؛ فإن الخلطة لا تثبت معهم.
فإذا اجتمعت الشروط .. وجبت الزكاة وان لم يُفرز الخمس.
وقيل: لا زكاة قبل إفرازه.
وقوله: (زكوى) هو الصواب, ووقع في (المهذب): (زكائى) وهو مُعترض.
قال: (وإلا .. فلا) أي: إذا لم يختاروا التملك, ولم يمض حول, أو مضى وهى أصناف أو صنف غير زكوى كقماش, أو لم يبلغ الجميع نِصابًا كمئة درهم, أو بلغه في غير موضع ثبوت الخلطة .. فلا زكاة في جميع ذلك؛ لانتفاء الشروط.
قال: (ولو أصدقها نصاب سائمة معينًا .. لزمها زكاته إذا تم حول من الإصداق) سواء استقر بالدخول والقبض أم لا؛ لأنها ملكته بالعقد.
واحترز بـ (المعيّن) عما إذا كان في الذمة .. فلا زكاة فيه؛ لأن وصف السوم لا يثبت في الذمة كما تقدم, خلاف أصداق الدراهم والدنانير؛ فإن الزكاة تجب فيها ناء على وجوها في الدين, فلم يذكر السائمة لاختصاص الزكاة بها بل لاختصاصها باشتراط التعيين.
والصلح عن دم العمد كالصداق وألحق بهما أن الرفعة بحثًا مال الجُعالة.
ولو أصدقها عض نصا سائمة معين .. اعتبرت شروط الخلطة.
ولو طالبته المرأة فامتنع .. كان كالمغصوب, قاله المتولي.
قال: (ولو اكري دارًا ارع سنين ثمانين دينارًا وقبضها .. فالأظهر: انه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر)؛ لأنها قل الاستقرار معرضة للسقوط الانهدام.
стр. 1174
فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامٍ السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ, وَلِتَمَامِ الثَّانِيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لسَّنَةِ وعِشْرِينَ لسَنَتَيْنِ, وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لسَّنَةِ وعِشْرِينَ لثَلاَثِ سِنِينَ, وَلِتَمَامِ الرابعة زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةِ وَعِشْرِينَ لأَرْبَعٍ, وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ
ــ
والفرق بينه وبين الصداق: إن الأجرة تجب في مقابلة المنافع فينفسخ العقد فواتها, والصداق ليس في مقابلتها دليل: استقراره بموتها قبل الدخول, والتشطير الطلاق.
واحترز بـ (قبضها) عما إذا كانت معينة ولم يقبضها .. فهي كالمبيع قل القبض. و (المحرر) مثّل المسألة مئة دينار فعدل المصنف إلى ثمانين؛ لأن حسابها أسهل.
قال: (فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين) لسنة؛ لأنه الذي استقر ملكه عليه وهذا لا خلاف فيه.
قال: (ولتمام الثانية زكاة عشرين لسنة وعشرين لسنتين) وهو: دينار ونصف؛ لأنه ملكه قد استقر على أربعين دينارًا وكانت في ملكه سنتين وواجها ديناران, ولم يخرج إلا واجب عشرين عن سنة واحد وهو نصف دينار, فيبقى عليه دينا ونصف.
إما الدينار .. فعن العشرين التي هي أجرة السنة الثانية؛ فإنها أقامت في ملكه سنتين ولم يخرج عنها شيئًا: وإما النصف .. فزكاة السنة الثانية عن العشرين التي هي أجرة السنة الأولى.
قال: (ولتمام الثالثة زكاة أربعين لسنة وعشرين لثلاث سنين)؛ لأنه استقر ملكه على ستين دينارًا وكانت في ملكه ثلاث سنين, فعليه زكاتها لثلاث سنين وهى: أربعة دنانير ونصف, أدى دينارين ويخرج الباقي.
قال: (ولتمام الرابعة زكاة ستين لسنة وعشرين لأربع)؛ لأنها استقرت الآن وقد مضى عليها في ملكه أربع سنين, وواجب ثمانين في أربع سنين ثمانية دنانير, أدى منها أربعة ونصفًا فيخرج الباقي وهو ثلاثة ونصف.
قال: (والثاني: يخرج لتمام الأولى زكاة الثمانين) هذا قسيم لقوله:
стр. 1175
فَصْلٌ:
تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ, وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ
ــ
(فالأظهر) , ودليله: انه ملك الثمانين ملكًا تامًا, ولهذا لو كانت الأجرة أمة .. حل له وطؤها.
تتمة:
محل الخلاف: في الإخراج فقط, إما الوجوب .. فثابت قطعًا.
وصورة المسألة: أن يخرج من غيرها فإن أخرج من عينها .. نقص بحسابه, وهذا يعلم: إن ما في الكتاب و (الروضة) ليس مفرعًا على المذهب- وهو: تعلقها بالعين تعلق شركة- كذا نبه عليه الرافعي, وحذفه من (الروضة) ولابد منه, ولا يخفى أن الصورة فيما إذا كانت السنين متساوية, فإن كانت متفاوتة .. زاد القدر المستقر في بعض السنين ونقص في بعض.
قال: (فصل: تجب الزكاة على الفور)؛ لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمى إذا طولب به, فلم يجز له التأخير كالوديعة إذا طلبها صاحبها.
وقال أبو حنيفة: تجب على التراخي, وأوجب الحج على الفور.
والكلام هنا في زكاة المال, إما زكاة الفطر .. فتقدم أنها موسعة إلى أخر نهار العيد.
قال: (إذا تمكن)؛ لأن التكليف بدونه تكليف بما لا يطاق, فإن آخر .. إثم وضمن.
قال: (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) , فلا يجب الإخراج عن الغائب- وان جوزنا نقل الزكاة- لاحتمال تلفه قبل وصوله إليه.
لكن يستثنى ما إذا أخر لطلب الأفضل أو انتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح .. فالأصح: جواز التأخير ويكون ضامنًا على الأصح.
стр. 1176
وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّىَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ, وَكَذَا الظَّاهِرِ فِي الْجدِيدِ, ......
ــ
وعبارة (المحرر): (وجود المصروف إليه) , وهى أحسن؛ لشمولها الأصناف والإمام ونائبه, وأيضا التعبير بـ (الأصناف) يوهم: انه لو وجد بعضهم .. لا يكون متمكنًا, والمنقول: انه متمكن من أداء حصة الموجودين فقط حتى لو تلف المال .. ضمن حصتهم.
قال: (وله أن يؤدى بنفسه زكاة المال الباطن)؛ لقوله تعالى: ﴿إن تُبدُوا الصدقات فنعمّا هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم﴾ , وادعى المحاملي فيه الإجماع.
لكن نقل الرفعة عن أبى الطيب: انه ليس له أن يفرقها بنفسه؛ لأنه مال للإمام فيه حق فأشبه الخراج والجزية.
وعلى الأول: ليس للإمام طلبها, فإن بذلها صاحبها طوعًا .. قبلها.
وأورد شيخنا على المصنف: إن مقتضى عبارته: أن السفيه له إن يفرق بين الزكاة نفسه, وسيأتي في (الوكالة): انه لا يجوز إلا بإذن وليه. وفى الإيراد نظر لا يخفى.
و (المال الباطن) تقدم بيانه قريبًا.
قال: (وكذا الظاهر في الجديد) وهى: المواشي والمعشرات والمعادن؛ قياسًا على الباطن.
والقديم: يجب صرفها إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقة﴾ , وإذا لزم الإمام الأخذ .. لزم الأرباب الأموال الدفع.
وموضع الخلاف: إذا لم يطلب الإمام, فإن طلب .. وجب الدفع بلا خلاف؛ بذلًا للطاعة كذا في (الروضة) , واعترضه في (المهمات) بحكاية خلاف ضعيف فيه.
ولا فرق في جريان القولين بين الإمام الجائر والعادل.
وفى وجه: يجوز الدفع إلى الجائر ولا يجب, وفى وجه آخر: لا يجوز الدفع إليه.
стр. 1177
وَلَهُ التَّوْكِيلُ, وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ, وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَائِرًا
ــ
قال: (وله التوكيل)؛ لأنه حق مالي فكان كديون الآدميين.
وقيل: إن زكاة الفطر لا تدخلها النية مع القدرة على أدائها بنفسه.
ولا فرق بين الجواز بين أن يكون المال من جهة الوكيل أو المُوكّل, ولا بين أن يكون من أهل الزكاة أم لا, فيوكل الفاسق والرقيق والصبي؛ قياسًا على ذبح الأضحية, لكن يشترط في الكافر والصبي تعيين المدفوع إليه كما نص البغوي والرويانى عليه.
قال: (والصرف إلى الأمام)؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يبعثون السعادة لأخذ الزكوات.
قال: (والأظهر: أن الصرف إلى الأمام أفضل)؛ لأنه اعرف بالمستحقين واقدر على التفرقة.
والثاني: تفريقه نفسه أفضل لينال اجر الدفع, وليخص الأقارب والجيران والأحق.
قال: (إلا أن يكون جائرًا) .. فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأنه ليس على يقين من البراءة بالدفع إليه (٢).
والثاني: الأفضل اصرف إليه مطلقًا؛ لعموم: (خُذ من أموالهم) , وصححه في (شرح المهذب).
والثالث: الأفضل: أن يفرق بنفسه مطلقًا.
والمراد بالجائر والعادل في (باب الزكاة) فقط.
стр. 1178
وتجِبُ النّيّةُ, فَيَنْوِى: هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي, أَوْ فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي وَنَحْوَهُمَا, وَلاَ يَكْفِى: فَرْضُ مَالِي, وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ
ــ
والمصنف تبع (المحرر) في تعبيره بـ (الأظهر) , والصواب: التعبير بـ (الأصح)؛ لأن المسألة ذات أوجه لا أقوال.
ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة, أما الظاهرة .. فدفعها إلى الأمام أفضل قطعًا, وكل من التفرقة نفسه والدفع إلى الأمام اقل من التوكيل جزمًا؛ لأنه (١) قد يجور فلا يسقط الفر عن الموكل.
قال: (وتجب النية)؛ لعموم حديث: (الأعمال بالنيات).
ومقصوده: إن النية هنا ركن- كالصلاة- ومحلها: القلب على الأصح كما تقدم, وقيل: يكفى هنا الاقتصار على اللسان؛ لأن هذا يشبه المعاوضة.
فلو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة .. لم تسقط عنه الزكاة عندنا.
قال: (فينوى: هذا فرض زكاة مالي, أو فرض زكاة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة, أو الصدقة المفروضة؛ لدلالة كل واحد من هذه على المقصود.
لكن عبارته تشعر باشتراط التعرض للفرضية مع الزكاة, والصحيح: القطع بعدم اشتراطها؛ لأن الزكاة لا تكون إلا فرضًا, وبهذا خالفت الصلاة, فلو قال: هذا فرضي .. لم يجزئه بلا خلاف.
قال: (ولا يكفى: فرض مالي)؛ لأنه قد يكون نذرًا أو كفارة.
قال: (وكذا الصدقة في الأصح)؛ لأنها قد تكون نافلة.
والثاني: يكفى؛ لأنه ظاهر في الزكاة مستعمل في الكتاب والسنة.
وعبارة المصنف كعبارة (الشرحين) و (الروضة) و (الكفاية) , والذي في (شرح المهذب): انه إن نوى الصدقة فقط .. لم يجزئه لا خلاف؛ لأن الصدقة
ــ
ــ
ــ
أي: الوكيل.
في هامش (ج): (نسخة: يخون).
стр. 1179
وَلاَ يَجِبُ تَعيِينُ المَال, وَلَو عَيَّنَ .. لَم يَقَع عَن غَيرِهِ. وَتَلزَمُ الوَليَّ النِّيَةُ إذَا أَخرَجَ زكَاةَ الصَّبِيَّ والمَجنُونِ. وتَكفِي نِيَّةُ المُوكِلِ عِندَ الصَّرفِ إِلَى الوَكِيلِ فِي الأَصَحَّ,
ــ
تطلق على غير المال, قال ﷺ : (كل تكبيرة صدقة, وكل تحميدة صدقة).
وإن نوى صدقة ماله أو صدقة المال .. فوجهان: أصحهما: لا يجزئ, وكلام المصنف محمول على هذه الصورة.
قال: (ولا يجب تعيين المال)؛ لأن الفرض لا يختلف به كالكفارات, فإذا ملك أربعين شاة وخمسة أبعرة, فأخرج شاة ناويًا الزكاة ولم يعين بقلبه أحد النوعين .. جاز ويعين ما شاء, فإن تلف أحدهما بعد الأداء أو بان تالفًا .. فله جعله عن الباقي.
قال: (ولو عين .. لم يقع عن غيره)؛ لأنه لم ينو ذلك الغير, فإن أراد: إن كان تالفًا فعن الحاضر .. وقع عن الحاضر على المذهب.
قال: (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي أو المجنون)؛ لأن المؤدى عنه ليس أهلا لها فقام الولي مقامه.
ومقتضى عبارته: أنه لا ينوي عن السفيه مع أنه ملحق بهما في النية عنه كما صرح به الجرجاني, وجزم به في (شرح المهذب) وادعى الاتفاق عليه, وتوقف ابن الرفعة في المسألة؛ لعدم وقوفه على نقل فيها, وهذا يدفع اعتراض شيخنا المتقدم في قول المصنف: (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن).
قال: (وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح)؛ لوجودها من المخاطب بها.
والثاني: لا بد من نية الوكيل عند التفرقة أيضًا كالحج.
وفرق الأول بأن الحج يقع بأفعال النائب فاعتبرت نيته, ولزكاة تقع بمال المستنيب فاعتبرت نيته.
стр. 1180
الأَفضَلُ أَن يَنوِيَ الوَكِيلُ عِندَ التَّفرِيقِ أَيضًا. وَلَو دَفَعَ إلَى السُّلطَانِ .. كَفَتِ الِّنيَة عِندَهُ, فَإن لَم يَنوِ .. لَم يُجِزئ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِن نَوَى السُّلطَانُ. وَالأصَحُّ: أَنَّهُ يَلزَمُ السُّلطَانَ النِّيَةُ إِذَا أَخرَجَ زَكَاةَ المُمتَنِعِ, وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكفِي
ــ
والوجهان مبنيان على أن المالك إذا فرق بنفسه .. جاز أن يقدم النية على الدفع وهو الأصح؛ لعسر المقارنة كما في الصوم.
فإن نوى قبل العزل .. لم يجز قطعًا؛ لأنه قصد لا نية كذا قاله الماوردي, وكلام القفال ينازع فيه.
قال: (والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا)؛ خروجًا من الخلاف.
قال: (ولو دفع إلى السلطان .. كفت النية عنده)؛ لأنه نائب المستحقين.
ولا تشترط نية السلطان عند الدفع إلى الأصناف؛ لأن يده كيدهم. وحكم الساعي في ذلك كالإمام.
قال: (فإن لم ينو) أي: المالك عند الدفع إلى السلطان (.. لم يجزئ على الصحيح وإن نوى السلطان) كما لو دفع إلى الأصناف بغير نبة؛ فإن السلطان نائبهم.
والثاني: يجزئ؛ لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض, فاكتفى بهذا الظاهر عن النية.
قال: (والأصح: أنه يلزم السلطان النية إذا أخرج زكاة الممتنع, وأن نيته تكفي) أي: نية السلطان تكفي في السقوط باطنًا؛ لأنه في ذلك كولي الطفل.
والثاني: لا تلزم السلطان النية ولا تكفي؛ لئلا يتهاون المالك فيما هو متعبد به. أما السقوط ظاهرًا إذا نوى الإمام .. فلا خلاف عليه.
وإن لم ينو .. لم تسقط في الباطن, وكذا في الظاهر في الأصح, فإن نوى الممتنع حالة الأخذ منه .. برئت ذمته جزمًا.
стр. 1181
فَصلٌ:
لا يَصِحُّ تَعجِيلُ الزَّكَاةِ عَلى مِلكِ النِّصَابِ, وَيَجُوزُ قَبلَ الحَولِ,
تتمة:
من استقر عليه فرض زكاة, ثم مرض ولا مال له .. قال العبادي: ينبغي أن ينوي أنه يؤدي الزكاة إن قدر, ولا يقترض؛ لأنه دين.
وقال شاضان بن إبراهيم: يقترض؛ لأنه دين لله تعالى وهو أحق بالقضاء, قال: فإن اقترض ودفع الزكاة ونوى الوفاء إذا تمكن .. فههو معذور بالاتفاق.
قال الشيخ: وما قال شاذان أولى مما قاله العباديح لأنه عصى بتأخير الزكاة, فإذا وجد من يقرضه ورضي بذمته .. نعين ذلك طريقًا للتوبة.
قال: (فصل:
لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب).
تعجيل الزكاة جائز في الجملة خلافًا لمالك وابن المنذر وابن خزيمة.
لنا: ما روى أبو داوود [١٦٢١] والترمذي [٦٧٨] والحاكم [٣/ ٣٣٢]: (أن العباس ﵁ سأل النبي ﷺ أن يعجل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك) , ولأنه أجل رفقًا فجاز تقديمه على أجله كالدين, كما إذا ملك مئة درهم فجعل خمسة دراهم, أو خمسة وثلاثين شاة فعجل منها واحدة؛ لأن الزكاة وجبت بسببين: ملك النصاب والحول, فجاز تقديمها على أحدهما كتقديم الكفارة اليمين على الحنث, ولا يجوز تقديمها على اليمين والحنث جميعًا؛ فإن المخالفين قد وافقوا عليها.
هذا في الزكوات العينية, أما زكاة التجارة كما إذا اشترى عرضًا قيمته مئة فعجل زكاة مئتين, أو قيمته مئتان فعجل زكاة مئة, وحال الحول وهو يساوي ذلك .. فإنه يجوز على الصحيح؛ لأن النصاب في التجارة معتبر بآخر الحول كما تقدم.
قال: (ويجوز قبل الحول) أي: بعد انعقاده تمامه خلافًا لابن المنذر وابن حربوية.
стр. 1182
وَلاَ تُعَجَّلُ لِعَامَينِ فِي الأَصَحَّ
ــ
استدل الأصحاب بأن النبي ﷺ بعث عمر ﵁ على الصدقة, فقيل: منع جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ ! فقال: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله, وأما خالد .. فإنكم تظلمون خالدًا ..) الحديث, رواه الشيخان [خ ١٤٦٨ _ م ٩٨٣].
وابن جميل يعز الوقوف على اسمه, ففي (تعليق القاضي حسين) و (البحر): أن اسمه عبد الله, وفي (غريب الحديث) لأبي عبيد: كنيته أبو جهم, وفي (تعليق القاضب (: أنه الذي نزل فيه: ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ , والمعروف: أن تلك القصة لثعلبة بن حاطب.
قال: (ولا تعجل لعامين في الأصح)؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها فهو كالتعجيل قبل ملك النصاب.
والثاني: يجوز كدية الخطأ, ولأن النبي ﷺ تسلف من العباس ﵁ صدقة عامين, رواه أبو داوود [١٦٢١] وابن ماجه [١٧٩٥] والترمذي [٦٧٨] في موضعين من كتابه وقال في أخدهما: إنه حسن, وخرج مسلم في (صحيحه) [٩٨٣] معناه من حديث أبي هريرة ﵁, لكن أجاب البيهقي [٤/ ١١١] بأنه مرسل, أو محمول على أنه استلف منه صدقة عامين مرتين, أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد.
وصحح هذا الوجه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والشيخ أبو محمد والمتولي والغزالي والجرجاني والشاشي والعبدري والروياني وسليم وابن الصلاح, وقال في (المهمات): إنه المنصوص في (الأم) والمعتمد في الفتوى لا ما صححه الشيخلن. وما عدا العامين حكمه حكم العامين.
وموضع الخلاف: إذا كان المال زائدًا على النصاب, فإن كان قدره بلا زيادة .. لم يجز في حق السنة الثانية قطعًا؛ لأنه إذا تم الحول الأول .. زال الملك - على التحقيق - فيما أخرجه فينقص النصاب, فإذا لم يبق نصاب كامل بأن ملك إحدى وأربعين شاة, فعجل منها شاتين .. فالأصح: المنع.
стр. 1183
وَلَهُ تَعجِيلُ الفِطرَةِ مِن أَوَّلِ رَمَضَانَ, وَالصَحِيحُ: مَنعُهُ قَبلَهُ, وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبلَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ, ولاَ الحَّبِّ قَبلَ اشتِدَادِهِ, وَيجَوزُ بَعدَهُمَا.
ــ
قال: (وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) خلافًا لمالك؛ فإنه منع التعجيل إلا بيوم أو يومين؛ لما روى هو [١/ ٢٨٥] والشافعي أأم ٢/ ٦٩] وابن حين [٣٢٩٩] عن ابن عمر ﵄ أنه كان يخرجها قبل الفطر بيومين, وألحق الجمهور جميع الشهر بذلك قياسًا, ولأنها وجبت بسببين: الصوم والفطر وقد وجد أحدهما, فجاز تقديمه على الآخر كزكاة المال.
وفي وجه: لا يجوز في الليلة الأولى من الشهر, ويجوز بعد طلوع فجرها إلى آخر الشهر؛ لأنه قبل الفجر لم يشرع في الصوم.
قال: (والصحيح: منعه قبله)؛ أنه تقديم على السببين.
والثاني: يجوز في جميع السنة؛ لأن وجود المخرج عنه نفسه سبب.
وأجاب القاضي أبو الطيب بأن ما له ثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على سببين منها, ككفارة الظهار والعود, ومع ذلك لا يقدم على الآخرين.
قال: (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه, ولا الحب قبل اشتداده)؛ لأنه لا سبب للوجوب إلا ذلك, وما وجب بسبب واحد يمتنع تقديمه عليه, ولأنه قبل ذلك لا يعرف مقداره تحقيقًا ولا تخمينًا فصار كتقديم الزكاة على النصاب.
والثاني: يجوز كزكاة المزاشي والنقود بعد الحول.
قال: (ويجوز بعدهما) أي: بعد بدو الصلاح واشتداد الحب؛ لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج.
والثاني: لا يجوز بل لا بد من جفاف الثمر وتصفية الحبوب, فلو كان الرطب لا يجيء منه تمر والعنب لا يجيء منه زبيب .. فلا يأتي خلاف كما لو أخرج بعد جفاف الثمرة ولا يسمى ذلك تعجيلًا.
стр. 1184
وَشَرطُ إِجزَاءِ المُعَجَّلِ: بَقَاءُ المَالِكِ أَهلًا لِلوُجُوبِ إلَى آخِرِ الحَولِ, وَكَونُ القَابِضِ فِي آخِرِ الحَولِ مُستَحَقًا, وَقِيلَ: إن خَرَجَ عَنِ الِاستِحقَاقِ فِي أَثنَاءِ الحَولِ .. لَم يُجِزئهُ, وَلاَ يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ, ......
ــ
قال: (وشرط إجزاء المعجل: بقاء المالك أهلًا للوجوب إلى آخر الحول)؛ لأنه لو لم يبق كذلك .. لا يبقى شرط الوجوب.
ويشترط أيضًا: بقاء المال, فلو أتلفه المالك أو تلف أو نقص .. خرج المعجل عم كونه زكاة, وقد يبقى المال وأهلية المالك, وتتغير صفة الواجب, كما لو عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين من الإبل فبلغت بالتوالد ستًا وثلاثين قبل الحول .. فإن بنت مخاض المعجلة لا تجزئه وإن صارتبنت لبون في يد القابض, بل يستردها ثم يخرجها ثانيًا أو يخرج بنت لبون أخرى.
قال: (وقيل: إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول .. لم يجزئه) كما لو لم يكن عند الأخذ أهلًا ثم صار عند تمام الحول من أهله.
والأصح: الإجزاء؛ اكتفاء بالأهلية في طرفي الأداء والوجوب.
فرع:
غاب الآخذ عند الحول ولم تعلم حياته أو احتياجه .. أفتى الشيخ بالإجزاء وفقًا للحناطي وصاحب (البحر).
قال: (ولا يضر غناء بالزكاة)؛ لأن المقصود من صرف الزكاة إليه غناه بها, لكن يرد عليه ما ذكره الفارقي في (فوائد المهذب (: أنه لو استغنى بزكاة أخرى واجبة أو معجلة .. فإنه يكون كما لو استغنى بغير الزكاة, واستشكله الشيخ بماإذا كانتا معجلتين واتفق حولهما؛ إذ ليس استرجاع إحداهما بأولى من الأخرى.
стр. 1185
وَإذَا لَم يَقَع المُعَجَّلُ زَكَاةً .. استَرَدَّ إن كَانَ شَرطَ الاستِردَادَ إن عَرَضَ مَانِعٌ. وَالأصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: هذِهِ زَكَّاتِي المُعَجَّلَةُ فَقَط .. استَرَدَّ, وَأنَّهُ إن لَم يَتَعَرَّض لِلتَعجِيلِ ولَم يَعلُمُهُ القَابِض ُ .. لَم يَستَرِدَّ, ......
ــ
ثم قال: والثانية أولى بالاسترجاع, وكلام الفارقي يشعر بأن الأولى هي التي تسترجع.
ولو كانت الثانية واجبة .. فلأولى هي المسترجعة وعكسه بالعكس.
قال: (وإذا لم يقع المعجل زكاة .. استرد إن كان شرط الاسترداد إن عرض مانع)؛ لأنه مال دفعه إلى مستحق قبضه في المستقبل, فإذا عرض مانع .. استرد كما لو دفع الأجرة معجلًا ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة.
قال: (والأصح: أنه إذا قال: هذه زكات المعجلة فقط .. استرد)؛ لأنه عين الجهة فإذا بطلت .. رجع كما فلنا في تعجيل الأجرو.
والثاني: لا يسترد؛ لأن العادة الجارية بأن المدفوع إلى فقير لا يسترد.
والوجهان جاريان فيما لم يصرح بالتعجيل ولكن علم به القابض.
هذا في العلم المقارن للقبض, فإن وجد بعده .. قال الشيخ: لم أر فيه تصريحًا, قال: والأقرب الأول.
هذا إذا علم مع بفاء المقبوض, فإن كان بعد تلفه أو إتلافه .. فلا.
وأشار المصنف بقوله: (هذه زكاتي) إلى أن محل الوجهين: إذا دفعها المالك, فإن دفعها الإمام .. لم يحتج إلى اشتراط الاسترداد؛ فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها, وإلا .. فهو صدقة تطوع.
قال: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد)؛ لتفريطه بترك الإعلام عند الأخذ.
والثاني: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع.
والثالث –وهو المنصوص, وصححه في (الكفاية) , واقتضى كلام الرافعي أن الأكثرين عليه-: إن كان المعطي الإمام .. رجع, وإن كان المالك .. فلا؛ لأن
стр. 1186
وَأنَهُمَا لَوِ اختَلَفَا في مُثبِتِ الاستِردَادِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَمَتَى ثَبَتَ والمُعَجَّلُ تَالِفٌ .. وَجَبَ ضَمَانُهُ, والأَصَحُّ: اعتِبَارُ قِيمَتَهِ يَومَ القَبضِ,
ــ
الإمام يعطي مال الغير فلا يمكن وقوعه تطوعًا, ولا تهمة أيضًا في استرداده, بخلاف المالك.
قال: (وأنهما لو اختلفا في مثبت الاسترداد) كما لو اختلف في ذكر التعجيل, أو في التصريح بالرجوع إن شرطناه.
قال: (.. صدق القابض بيمينه) وكذلك وارثه؛ لأن الأصل عدم اشتراطه, والغالب كون الأداء في الوقت.
والثاني: المصدق الدافع سواء كان هو المالك أو الساعي؛ لأنه أعرف بقصده, ولهذا لو أعطى ثوبًا لغيره وتنازعا في أنه عارية أو هبة .. صدق الدافع.
ووقع في (شرح المهذب) تصحيح هذا الوجه وكأنه سبق قلم.
وقد سبق: أن علم القابض بالتعجيل يثبت الاسترداد, فإذا تنازعا فيه .. صدق القابض بلا خلاف؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته, وإذا حلف القابض .. بحلف على البت.
قال: (ومتى ثبت) أي: الاسترداد (والمعجل تالف .. وجب ضمانه)؛ لأنه قبضه لغرض نفسه, فيضمنه بالمثل إن كان مثليًا, وإن كان تقومًا .. فبالقيمة على الأصح.
وقيل: يضمن الحيوان بالمثل الصوري؛ لأن المقصود بتعجيل الزكاة: الرفق المواساة, فجرى مجرى فرض الحيوان.
قال: (والأصح: اعتبار قيمته يوم القبض)؛ لأن الزيادة حصلت في ملك القابض, فلا يضمنها كما لو تلف الصداق في يد المرأة ثم ارتدت قبل الدخول أو طلقها .. فإن الزوج يرجع بقمة يوم القبض.
والثاني: قيمة يوم التلف؛ لأنه وقت انتقال الحق إلى القيمة كالعارية.
والثالث: أقصى القيم؛ لأنه بان أن اليد يد ضمان.
стр. 1187
وَأنَّهُ لَو وَجَدَهُ نَاقِصًا .. فلاَ أَرشَ, وَأَنَّهُ لاَ يَستَرِدُّ زِيَادَةً مُنفَصِلَةً. وَتَأخِيرُ الزَّكَاةِ بَعدَ التَّمَكُّنِ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَإن تَلِفَ المَالُ
ــ
وعن البندنيجي: اعتبار قيمة يوم الرجوع, وغلطه المصنف.
وإذا لم يقع المعجل زكاة .. وجب إخراجها ثانيًا, لكن يستثنى ما لو عجل شا عن أرعين فتلفت عن\ الفقير .. فلا يجب التجديد على المذهب؛ لأن الواجب على القابض القيمة ولا يكمل بها نصاب السائمة.
قال: (وأنه لو وجده ناقصًا .. فلا أرش)؛ لأنه حدث في ملكه, فلا يضمنه كالأب إذا رجع في الموهوب ناقصًا.
والثاني: له الأرش؛ لأن جملته مضمونة فكذلك جزؤه, ولي كالهبة؛ لأن جملتها غير مضمونة فجزؤها أولى.
واحترز بقوله: (وجده) عما إذا عجل شاتين فلم يجد إلا واحدة؛ فإنه يرجع بقيمة الأخرى بلا خلاف.
قال: (وأنه لا يسترد زيادة منفصلة) كما لا يرجع فيها الأب إذا رجع في هبته.
والثاني: يأخذها مع الأصل؛ لأنا تبينا بما طرأ آخر أنه لم يملك المقبوض.
واحترز ب (المنفصلة) عن المتصلة كالسمن ونحوه؛ فإنها تتبع الأصل.
قال: (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) سواء طولب به أم لا؛ لأنه قصر بحبسه الحق عن مستحقه فيلزمه أن يؤدي ما كان يؤديه قبل التلف.
هذا هو المراد ب (الضمان) لا أنه يضمنه ضمان المتلفات, فإذا كان عنده خمس من الإبل فأتلفها .. لزمه شاة ويؤخذ منه الحكم في إتلاف من باب أولى.
وهذه المسألة وما بعدها لا تعلق لها بفصل تعجيل الزكاة, فكان ينبغي إفرادها بفصل كما في (المحرر) , وحكمها مبنى على أن التمكن شرط في الوجوب أو في الضمان, وقد تقدم: أن الأصح: الثاني, وتظهر فائدتها في نقص النصاب بعد الحول وقبل التمكن كما سيأتي.
стр. 1188
فَإن تَلِفَ قَبلَ التَّمَكُّنِ .. فَلاَ , وَلَو تَلِفَ بَعضُهُ .. فَالأظهَرُ: أَنَّهُ يَغرَمُ قِسطَ مَا بَقِيَ. وإن أتلَفَهُ بَعدَ الحَّولِ وقَبلَ التَّمَكُّنِ .. لَم تَسقُطِ الزَّكَاةُ. وَهِيَ تَتَعَلَّقُ باِلماَل ِتعَلُّقَ الشَّركَةِ
ــ
قال: (فإن تلف قبل التمكن .. فلا) كما لو ملك زادًا وراحلة ولم يتمكن من فعل الحج ثم مات.
وقال أحمد: يضمن.
قال: (ولو تلف بعضه .. فالأظهر: أنه يغرم قسك ما بقي) فيه مسألتان:
إحداهما: إذا كان المال نصايًا بغير زيادة - كخمس من الإبل تلف منها واحد قبل التمكن وبعد الحول - سقط ما يقابل التالف ويغرم الباقي, فيغرم في المثال المذكور أربعة أخماس شاة على قولنا: إن التمكن شرط في الضمان دون الوجوب, وإن قلنا: شرط في الوجوب .. لم يجب شيء كما لو نقص النصاب قبل الحول.
الثانية: إذا كان أكثر النصاب كتسع من الإبل, فإن قلنا: الوقص عفو وهو الأظهر .. وجب شاة, وإن علقنا الفرض بالجميع .. فالأصح: تجب خمسة أتساعها. ولو عبر المصنف ب (اللزوم) ونحوه تحاشيًا من لفظ (الغرم) .. كان أحسن.
قال: (وإن أتلفه بعد الحول وقبل التمكن .. لم تسقط الزكاة)؛ لأنه معتد.
وفي) شرح الجيلي) وجه: أنها تسقط.
كل هذا في زكاة المال, ويدل له تقسيمه التلف إلى ما بعد الحول وقبله, أما زكاة الفطر .. فتستقر في الذمة بإتلاف الن=مال قبل التمكن وبعده, وكذا بتلفه بعد التمكن, وفيما قبله وجهان, أصحهما في (شرح المهذب): أنها لا تستقر' وجزم في (الكفاية) بأنها تستقر أيضًا.
قال: (وهي تتعلق بالمال تعلق الشركة)؛ لقوله تعالى: ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ , ولقوله ﷺ في حديث أبي بكر ﵁ المتقدم: (في خمس من الإبل شاة, وفي خمس وعشرين كذا, وفي ست وثلاثين كذا ..) ,
стр. 1189
وفِي قَولٍ: تَعَلُّقِ الرَّهنِ, وَفِي قَولٍ: بِالذِّمَّةِ -
ــ
وإليه يشير قوله ﷺ : (ما نقص مال من صدقة)؛ لأن ماله استقر بعد الحول على ما عدا الواجب, فلم ينقص ماله بذلك كالمال المشترك إذا أخذ شريكه حصته منه.
وإنما جاز الإخراج من غيره؛ لأن الزكاة مبنية على المساهلة فاحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها من الأموال المشتركة.
قال: (وفي قول: تعلق الرهن) فيكون الواجب في ذمة المالك والنصاب مرهون به, لكن هل المرهون كله أو قدر الزكاة فقط فيه؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (وفي قول: بالذمة) ولا تعلق لها بالعين؛ لقوله ﷺ لمعاذ: (أعلمهم: أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم) وكلمة (على) للإلزام في الذمة, وبالقياس على زكاة الفطر, ولأنها لو وجبت في العين .. لامتنع الإخراج من غيرها بغير رضا من هي له كأحد الشريكين. وهذا أضعف الأقوال.
وفي المسألة قول رابع: إنها تتعلق بالمال تعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني؛ لأنها تسقط بهلاك النصاب كما يسقط الأرش بموت العبد وصححه الغزالي.
وخامس: إنه موقوف, فإن أدى من عين المال .. تبينا أن أهل السهمان استحقوا عند الوجوب جزءًا من المال, وإن أدى من غيره .. تبينا أنهم لم يستحقوا من عينه شيئًا.
ويتفرع على الخلاف: لو ملك نصابًا فقط ولم يزكه أحوالًا, فعلى قول الذمة .. يزكه لجميعها, وعلى قول الشركة .. للحول الأول فقط؛ لأن الأصناف ملكوا قدر الزكاة فنقص النصاب, وعلى قول الأرش والرهن .. هو كقول الذمة في الأصح, وقيل: كقول الشركة.
стр. 1190
فَلَو بَاعَهُ قَبلَ إِخرَاجِهَا .. فَالأظهَرُ: بُطلانُهُ فِي قَدرِهَا وصِحَّتُهُ فِي البَاقِي.
ــ
قال: (فلو باعه) أي: باع جميع النصاب الزكوي بعد وجوب الزكاة و (قبل إخراجها .. فالأظهر: بطلانه في قدرها)؛ لأنه باع ملكه وملك غيره.
والثاني: يصح في الجميع بناء على التعلق بالذمة.
والثالث: يبطل في الجميع؛ للجمع بين ما يملكه وما لا يملكه فغلب جانب البطلان.
قال: (وصحته في الباقي)؛ لأنه ملكه. وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة.
فرع:
رهن نصاب الزكاة بعد وجوبها جائز على الأصح, وكذا قبل وجوبها, فإذا أخذت الزكاة من المرهون, ثم أيسر الراهن .. فقيل: يؤخذ منه قدرها؛ ليكون رهنًا.
والأصح: لا؛ لتعلقها بالمال بغير اختياره.
تتمة:
جميع ما سبق محله: إذا باع الجميع, وإليه أشار بقوله: (فو باعه).
فأما إذا باع البعض, فإن لم يبق قدر الزكاة .. فهو كما لو باع الجميع , وإن أبقى قدرها .. فلأصح: البطلان بناء على الأصح: أنها تعلق شركة.
كل هذا في الزكوات العينية, أما زكاة التجارة بعد وجوب زكاتها .. فالبيع فيها جائو على الأصح؛ لأنها متعلقة بالقيمة وهي لا تفوت بالبيع.
خاتمة
إذا علم المشتري أن الزكاة وجبت على البائع ولم يخرجها .. ثبت له الخيار بسبب أن ملكه في بعض ما اشتراه لم يكمل؛ لأن للساعي انتزاعه من يده بغير اختياره, فلو أدى الزكاة من موضع آخر .. سقط خياره؛ لأن الخلل قد زال.
стр. 1191
كتاب الصيام
يَجِبُ صَومُ رَمضَانَ
ــ
كتاب الصيام
هو في اللغة: الإمساك؛ ومنه: ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا)﴾ أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام, وتقول العرب في وقت الهاجرة: صام النهار؛ لإمساك الشمس فيه عن السير, وفرس صائم, أي: واقف, قال النابغة الذبياني [من البسيط]:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وفي الشرع: إمساك جميع النهار القابل للصوم عن المفطرات الآتية من عاقل مسلم طاهر عن الحيض والنفاس.
قال: (يجب صوم رمضان)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)﴾ أي: فرض, و (الأيام المعدودات): أيام شهر رمضان, وجمعها جمع قلة ليهونها, وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم رمضان إلا أنهم ضلوا عنه, أو التشبيه في أصل الصوم دون وقته, وفي (الصحيحين) [خ ٨_ م ١٦]: (بني الإسلام على خمس)
стр. 1192
بِإكمَالِ شَعبَانَ ثَلاَثِينَ, أَو رُؤيَةِ الهِلاَلِ
ــ
وذكر صوم رمضان, وانعقد الإجماع عليه, وهو معلوم من الدين بالضرورة من جحده .. كفر وقتل بكفره.
وكان افتراضه في شعبان في السنة الثانية من الهجرة, واختلفوا: هل كان قبل فرضه صوم واجب فنسخ أو لا؟
والأشبه بمذهب الشافعي: الثاني, وعلى الأول قيل: كان عاشوراء, وقيل: الأيام البيض.
وسمي رمضان من الرمض وهو: شدة الحر؛ لأن العرب لما أرادت أن تضع أسماء الشهور .. وافق أن الشهر المذكور كان شديد الحر فسموه بذلك, ككما سمي الربيعان اموافقتهما زمن الربيع.
وقيل: لأنه يرمض الذنوب – أي: يحرقها – وهو ضعيف؛ لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع.
وجمعه: رمضانات وأرمضاء.
وذكر الطالقاني في (حظائر القدس) له أربعة وستين اسمًا ذكر الشيخ بعضها.
وتعبير المصنف ب (رمضان) يؤخذ منه: أنه لا يكره ذكره بدون الشهر, وهو الأصح في شرحي (المهذب) و (مسلم) وغيرهما.
وقال أكثر الأصحاب: يكره؛ لقوله ﷺ : (لا تقولوا رمضان؛ فإن رمضان من أسماء الله تعالى, ولكن قولوا: شهر رمضان) لكنه ضعيف كما قاله البيهقي [٤/ ٢٠١] وغيره.
وقيل: إن كانت معه قرينة تدل على إرادة الشهر .. لم يكره, وإلا .. كره.
واختلف العلماء: هل الصوم أفضل من الصلاة؟ أو هي أفضل منه؟ وهو مذهبنا, أو الصلاة بمكة أفضل منه وهو بالمدينة أفضل منها مراعاة لموضع نزول فرضهما؟ على أقوال.
قال: (بإكمال شعبان ثلاثين, أو رؤية الهلال)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمراد ب (الشهود) هنا: العلم؛ إما بالرؤسة أو باستكمال عدد شعبان ثلاثين يومًا, وفي (البخاري) [١٩٠٩] عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم .. فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (, وفيه [١٩١٣]: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا محسب, الشهر هكذا وهكذا وهكذا) وأشار بأصابع يده ثلاثًا وعقد الإبهام في الثالثة.
وخالف أحمد فأوجب الصيام ليلة الثلاثين إذا حصل الغيم؛ لقوله ﷺ : (فإن غم عليكم .. فاقدروا له) فإن معناه: ضيقوا له, وقالت عائشة ﵂: (لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان) , وهو مردود برواية البخاري [١٩٠٩]: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا).
وقال ابن سريج وابن قتيبة: معناه: قدروه بحسب المنازل.
ولا عبرة بكبر الهلال في الليلة الثانية؛ ففي الحديث: (من علامات الساعة انتفاخ الأهلة).
وإذا عرف المنجم والحاسب ذلك .. فلا خلاف أنه لا يجب عليهما الصوم, وهل يجوز لهما؟ فيه طريقان:
أصحهما: أنه يجوز لهما دون غيرهما, ولا يجزئهما عن فرضهما.
وقيل: للحاسب دون المنجم.
وقيل: لهما ولغيرهما.
واستشكل الشيخ تصحيح المصنف الجواز لهما مع عدم الإجزاء, وقال: الصواب: أنه إذا جاز .. أجزأ.
وجمع شعبان: شعبانات.
стр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرع:
قال شخص: رأيت النبي ﷺ في النوم وأخبرني: أن الليلة أول رمضان, لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالاجماع كما قاله القاضي عياض؛ وذلك لاختلال ضبط الرائي لا للشك في لرؤية.
قال القرافي: وكذلك لو أخبره بطلاق زوجته التي يعلم أنه لم يطلقها, وأخبره عن حلال أنه حرام, أو بالعكس, أو غير ذلك من الأحكام .. قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما يراه في النوم, كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان .. فإنا نقدم الأرجح بالسند أو اللفظ, فقدم خبر اليقظة على المنام.
حادثة:
شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان فقط, واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته, قال الشيخ: لا تقبل الشهادة به؛ لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية والظن لا يعارض القطع, والبينة شرطها: إمكان ما شهدت به حسًا أو عقلًا أو شرعًا؛ لاستحالة المشهود به, والشرع لم يأت بالمستحيلات, ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما.
ولأن الشاهد قد يشتبه عليه أو يرى ما يظنه هلالًا وليس بهلال, أو تريه عينه ما لم ير, أو يكون جهله عظيمًا يحمله على أن يعتقد أن في حمله الناس على الصيام أجرًا, أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولًا عند الحكام.
وكل هذه الأنواع قد سنعناها ورأيناها فيجب على الحاكم في مثل ذلك أن لا يقبل هذه الشهادة ولا يحكم بها ويستصحب الأصل في بقاء الشهر؛ فإنه دليل شرعي محقق
стр. 1195
وَثُبوتُ رُؤيَتِهِ بِعَدلٍ, وَفِي قَولٍ: عَدلاَنِ
ــ
حتى يتحقق خلافه, ولا يقول: الشرع الغى قول الحساب مطلقًا والفقهاء قالوا: لا يعتمد, فذلك إنما قالوه في عكس هذه الصورة؛ لأن ذلك فيما إذا دل الحسلب على إمكان الرؤية وهذا عكسه.
قال: (وثبوت رؤيته بعدل) نص عليه في القديم ومعظم الكتب الجديدة, سواء كانت السماء مصحية أم لا؛ لأن ابن عمر ﵄ رآه فأخبر النبي ﷺ فصامه وأمر الناس بصيامه, رواه أبو داوود [٢٣٣٥] بإسناد صحيح وصححه ابن حبان [٣٤٤٧] والحاكم [١/ ٤٢٣] , وروى الأربعة عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: (إني رأيت هلال رمضان, فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: نعم, قال) (أتشهد أني رسول اللله؟) قال: نعم, قال: (يا بلال أذن في الناس فليصوموا).
قال: (وفي قول: عدلان) كسائر الشهادات.
وعلى هذا: فلا بد من: الذكورة, والبلوغ, والحرية, والعدالة الباطنة, ولفظ الشهادة في مجلس القضاء, لكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعاوى.
وهذا آخر قولي الشافعي في (الأم) , وفي (المهمات): أنه المعتمد في الفتوى.
وأفاد في (الإحياء) في (باب الأخوة): أن (الأم) رواها البويطي عن الشافعي ومات قبل ترتيبها, فربها الربيع واستدرك فيها أشياء.
وقيل: إن صح الحديث .. فعدل, وإلا .. فعدلان.
следующие страницы →