← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وَيُسَنُّ: شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ، ــ وقيل: يلتفت إليه كالمتحزن على فراقه، وهذا هو الصحيح، بل الصواب: فيوليه ظهره ولا يمشي القهقري كما يفعله كثير من العوام؛ فذلك مكروه. وقد كره ابن عباس ومجاهد قيام الرجل على باب المسجد ناظرًا إلى الكعبة عند انصرافه. ويستحب أن يزور الأماكن المشهورة بالفضل في مكة وهي ثمانية عشر موضعًا منها: البيت الذي ولد فيه النبي ﷺ ، وبيت خديجة، ومسجد دار الأرقم عند الصفا، والغار الذي بجبل حراء، والذي يجبل ثور المذكور في القرآن. فائدة: قال الحسن البصري: الدعاء يستجاب في خمسة عشر موطنًا بمكة: في الطواف، والملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، ومزدلفة، ومنىً، وعند الجمرات الثلاث. قال: (ويسن: شرب ماء زمزم)؛ لما روى مسلم [٢٤٧٣]: أن النبي ﷺ قال: (إنها مباركة، إنها طعام طعم (. وفي (أبي داوود الطيالسي) [٤٥١]: (وشفاء سقم (. وأما حديث: (ماء زمزم لما شرب له (.. فرواه أحمد [٣/ ٣٥٧] وابن أبي شيبة [٤/ ٣٥٨] والبيهقي [٥/ ١٤٨] وابن ماجه [٣٠٦٢]، وقال الحافظان زكي الدين والدمياطي: إنه حسن، ورواه الحاكم [١/ ٤٧٣] والدارقطني [٢/ ٢٨٩] وقال: صحيح الإسناد. وروي ابن الجوزي في (الأذكياء (: ان سفيان بن عيينة سئل عنه فقال: صحيح. وليس لاستجاب الشرب منها وقت مخصوص، بل يستحب بعد طواف الإفاضة وفي كل زمان. ويستحب استقبال القبلة عند شربه، وأن يتضلع منه؛ فقد روي البيهقي [٥/ ١٤٧] من طرق ان النبي ﷺ قال: (آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون

стр. 1472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من زمزم) وقد شربه جماعة من العلماء لمطالب فنالوها. ويستحب أن يقول: اللهم؛ إنه قد بلغني عن نبيك محمد ﷺ انه قال: (ماء زمزم لما شرب له)، وإني أشربه لتغفر لي، ويذكر ما يريد دينًا ودنيا. وكان ابن عباس ﵄ إذا شربه .. قال: (اللهم؛ إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء) وقال الحاكم [١/ ٤٧٣] صحيح الإسناد. ويستحب الدخول إلى البئر والنظر فيها، وأن ينزع منها بالدلو الذي عليها ويشرب. قال الماوردي: ويستحب ان ينضح منه على رأسه ووجهه وصدره، وأن يتزود من مائها، وأن يستصحب منه ما أمكنه؛ ففي (البيهقي) [٥/ ٢٠٢]: (أن النبي ﷺ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم، فبعث إليه بمزادتين، وأن عائشة ﵂ كانت تحمله وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله في القرب، وكان يصبه على المرضى ويسقيهم منه). ويستحب دخول الكعبة إذا لم يتأذ به أحدًا، والصلاة فيها وأقلها ركعتان، وليكن في الموضع الذي صلى فيه ﷺ . ويستحب لداخلها أن يكون متواضعًا خاشعًا. قال القاضي الطبري: وأن لا يرفع بصره إلى سقفها، ويكون حافيًا.

стр. 1473

وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ ــ ويستحب الإكثار من دخول الحجر، والصلاة فيه والدعاء؛ فإنه أو أكثر من الكعبة كما تقدم. وينبغي للحاج والمعتمر مدة مقامه بمكة أن يغتنم الطواف والصلاة في المسجد، والاعتمار والصدقة وأنواع البر والقربات؛ فإن الحسنة هناك بمئة ألف حسنة. فرع: بيع أستار الكعبة: منعه ابن عبدان وصاحب (التلخيص). وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى رأي الإمام، يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا وإعطاء. وقال الشيخ: لا بأس بتفويض الأمر إلى بني شيبة يتصرفون فيها بما شاؤوا من بيع وغيره، وهو ملخص ما في (المهمات)؛ لأن عمر ﵁ كان يقسمها بين الحاج. قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة ﵃: (ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه؛ من حائض وجنب وغيرهما). وأما غير الكسوة من الصفائح ونحوها .. فلا يباع أصلًا، وكذلك كسوتها الداخلة فيها لا تزال، بل تبقي على ما هي عليه؛ لأن الذي تكلم فيه الأصحاب إنما هي الستور التي جرت العادة أن تغير في كل سنة. قال: (وزيارة قبر رسول الله ﷺ بعد فراغ الحج) فذلك من أفضل الطاعات والقربات. والله ما جئتهم زائرًا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزميَ عن طيبة ... إلا تعثرت بأذيالي

стр. 1474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا اختصاص لا ستجاب الزيارة بوقت، بل هي مندوبة مطلقًا؛ لقوله ﷺ : (من زار قبري .. وجبت له شفاعتي) رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من حيث ابن عمر ﵄. وقال ﷺ : (من جاءني زائرًا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي .. كان حقًا على الله أن يكون له شفيعًا يوم القيامة) رواه ابن السَّكَن في سننه (الصحاح المأثورة). وقال ﷺ : (ما من أحد يسلم علي .. إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ رواه أبو داوود [٢٠٣٤]. وروي ابن النجار عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من صلى علي عند قبري .. وكل الله به ملكًا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة). وينبغي أن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام عليه ﷺ ، فإذا وقع بصره على حرم المدينة وأشجارها .. زاد منها، وسأل الله تعالى أن ينفعه بهذه الزيارة وأن يتقبلها منه. وأن يغتسل عند دخوله، ويلبس أنظف ثيابه، ويستحضر شرف المدينة، وأنها أشرف الأرض بعد مكة عند الشافعي ﵁، وأفضلها مطلقًا عند مالك وآخرين، وأن الذي شرفت به خير الخلق أجمعين. فإذا دخل المسجد قال الذكر الذي يقول بكل مسجد، ثم يصلي تحية المسجد بين المنبر وقبره ﷺ ، فإذا فرغ من الصلاة .. شكر الله على هذه النعمة.

стр. 1475

ثم يزور بأدب وخضوع فيقول غير رافع صوته كثيرًا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وأشباه ذلك ثم يقول: اللهم؛ آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. ثم يتأخر صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر الصديق، ثم قدر ذراع فيسلم على عمر بن الخطاب ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين. ثم يرجع إلي موقفه الأول قُبالة وجه النبي ﷺ ، ويتوسل به ويتشفع إلى الله سبحانه؛ فقد روى الحاكم [٢/ ٦١٥] عن النبي ﷺ أنه قال: (لما اقترف آدم الخطيئة ... قال: يا رب؛ أسألك بحق محمد ﷺ إلا ما غفرت لي، فقال الله تعالى: (يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟) قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك .. رفعت رأسي فرأيت في قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله عزوجل: (صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي؛ إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ومن أحسن ما يقول الزائر بعد ذلك: ما أنشده العتبي في القصة المشهورة (١) [من البسيط]

стр. 1476

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم وينبغي المحافظة علي الصلاة في مسجده الذي كان في زمنه؛ فالصلاة فيه بألف صلاة. وليجدر من الطواف بقبره ﷺ ، ومن الصلاة داخل الغرفة الشريفة بقصد تعظيمه. ويكره إلصاق البطن والظهر بجدارة كراهة شديدة. ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه كما لو كان بحضرته ﷺ في حياته. ويستحب أن يصلي بين المنبر والقبر فذلك روضة من رياض الجنة. وتستحب زيارة البقيع وقباء، وأن يأتي بئر أريس فيشرب منها ويتوضأ، وكذلك الآبار السبعة، وأن يزور المساجد بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعًا، وأن يصوم بالمدينة ما أمكنه، ويتصدق على جيران رسول الله ﷺ المقيمين والغرباء بما أمكنه. وإذا أراد السفر ... استحب أن يودع المسجد بركعتين، ويأتي القبر الشريف ويعيد نحو السلام الأول ويقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من حرم رسولك ﷺ ، ويسر لي العود إلى الحرمين سبيلًا سهلًا، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وردنا إلى أهلنا سالمين غانمين. وينصرف تلقاء وجهه ولا يمشي القهقرى. ولا يجوز لأحد أن يستصحب شيئًا من الأكر (١) المعمولة من تراب الحرم، ولا من الأباريق والكيزان المعمولة من ذلك. ومن البدع تقرب العوام بأكل الصيحاني في الروضة. الأُكَرـ جمع أُكْرةـ: الحفرة في الأرض.

стр. 1477

فَصْلٌ: أَرْكَانُ اٌلْحَّ خَمْسَةٌ: اٌلإِحْرَامُ، ــ . تتمة: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا إذا قضوا حجهم ... تصدقوا بشيء ويقولون: اللهم هذا عما لا نعلم. والأيام المعلومات عند الشافعي ﵁ عند العشر الأوائل من الحجة، والمعدودات أيام التشريق، والمعلومات أفضل من المعدودات. وزيارة الخليل ﷺ وزيارة بيت المقدس سنتان مستقلتان لا تعلق لهما بالحج. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (من حج ولم يؤفث ولا يفسق .. خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) (١) وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد. ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو كغارة أو نحوها من حقوق الله تعالى ... لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا أنفسها، فلو أخرها بعده .... تجدد إثم آخر، والحج المبرور كالتوبة يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما رجب عليه من الصلاة والزكاة ... فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ... قتل، ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعًا. قال: (فصل: أركان الحج خمسة: الإحرام) أجمعوا على أنه لابد منه، وسماه أبو حنيفة: شرطًا، وحكاه في

стр. 1478

وَاٌلْوُقُوفُ، وَاٌلطَّوَافُ، وَاٌلسَّعْيُ، وَاٌلْحَلْقُ إِذَا جَعَلْناهُ نُسُكًا، وَلَا تُجْبَرُ، وَمَا سِوى اٌلْوُقوفِ أَرْكَانٌ فِي اٌلْعُمْرَةِ أَيْضًا وَيُؤَدَّى اٌلنُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ: ــ (التنويه) قولًا، والمراد هنا بـ (الإحرام): النية التي يدخل بها فيه، والكلام فيه كالكلام في النية في الصلاة، لكن لا خلاف عندنا أنه ركن وإن كان في نية الصلاة نزاع مذهبي، ولا يلزم جريانه هنا. قال: (والوقوف، والطواف) بالإجماع والمراد: طواف الإفاضة. قال: (والسعي)؛ لانه ﷺ سعى وقال: (خذوا عني مناسككم) (١). وقال: (يأيها الناس؛ اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي) رواه الشافعي. [أم٢/ ٢١١] وأحمد [٦/ ٤٢١] والبيهقي [٥/ ٩٨] والدارقطني [٢/ ٢٥٥]. وقال الحافظ زكي الدين في الكلام على أحاديث (المهذب)): (إنه حسن، واختلف فيه كلام المصنف في (شرحه)، فقال في أول كلامه: روي بإسناد ضعيف، وفي آخره: بإسناد حسن. والصواب: أنه روي بإسنادين: أحداهما ضعيف والآخر حسن. قال: (والخلق إذا جعلناه نسكًا) وكذلك التقصير، أما إذا جعلناه استباحة محظور ... فا. قال الرافعي: وينبغي عد الترتيب الواجب هنا ركناُ كما عدوه في الوضوء والصلاة. قال: (ولا تجبر) أي: هذه الخمسة لا تجبر بالدم، بل يتوقف الحج عليها؛ لأنها الماهية المركبة تنتفي بإنتفاء جزئها كأركان الصلاة وغيرها. قال: (وما سوى الوقوف أركان في العمرة أيضًا) كما هي أركان في الحج؛ لأنه ﷺ فعلها كذلك. قال: (ويؤدى النسكان على أوجه) أي: ثلاثة، ولذلك أتى بصيغة جمع القلة. وروى الشيخان [خ١٥٦٢ـم١٢١١] عن عائشة ﵂ أنها قالت: (خرجنا مع أخرجه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داوود (تحفة)) (٢٨٠٤)، وأحمد (٣/ ٣٣٧).

стр. 1479

أَحَدُهَا: اٌلإِفْرَادُ، بأن يَحِجَّ، ثُمَ يُحْرِمَ بِاٌلْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ اٌلْمَكَّيَّ وَياتِيِ بِعَمَلِهَا. اٌلثَّانِي: اٌلْقُرانُ، بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ اٌلْمِيقَاتِ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ اٌلْحَجَّ فّيَحْصُلَانِ ..... ــ رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا ومنا من أهل باعمرة والحج) وهذا إجماع. ووجه الحصر: أنه قدم الحج ... فهو الإفراد، أو العمرة .. فالتمتع، أة أتى بهما .. فهو القرآن. واحترز عما إذا أتى بنسك على حدته .. فليس هو شيئًا من الأوجه. قال: (أحداهما: الإفراد، بأن يحج، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي ويأتي بعملها) فلو عكس لم يكن مفردًا. والمراد بـ (إحرام المكي): أن يخرج إلى أدنى الحل كما تقدم، وصورة الكتاب هي حقيقة الإفراد الذي هو أفضل، وإلا .. فلو حج ولم يعتمر في سنته ... كان إفرادًا أيضًا، ولكن كل من التمتع والقران أفضل منه (١)؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه. ومن صور الإفراد: أن يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج من الميقات، صرح به القاضي والإمام والغزالي. قال: (الثاني: القران، بأن يحرم بهما من الميقات، ويعمل عمل الحج فيحصلان)؛ لأن أعماله تكثر فيدخل فيه عمل العمرة في عمل الحج. ولم يجترئ بقوله: (من الميقات) عن شيء، بل المراد: أن يحرم بهما معًا فيتخذ ميقاتها، حتى لو أحرم بهما من دون الميقات كان قرانًا صحيحًا مجزئًا بلا خلاف، وعليه دم الإساءة. وأراد بـ (الميقات): ميقات الحج، حتى إن المكي أو الآفاقي إذا كان بمكة وأحرم منها بهما ... كان قرانًا على الأصح؛ إدراجًا للعمرة تحت الحج من الميقات كما أدرجت أفعالها في أفعاله

стр. 1480

وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ، ثُمَّ بِحَجَّ قَبْلَ اٌلطَّوَافِ .. كَانَ قَارِنًا، ..... ــ وقوله: (فيحصلان) أي: يدخل عمل العمرة في عمل الحج، ويكفيه طواف واحد وسعي واحد، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لابد من طوافيين وسعيين. لنا: ما ثبت في (الصحيحين) [خ١٥٥٦ـم١٢١١] عن عائشة ﵄: أن الذين جمعوا الحج والعمرة مع رسول الله ﷺ إنما طافوا طوافًا واحدًا، وقال النبي ﷺ : (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) فأبت، فبعث معها أخاها فأعمرها من التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. وروى مسلم [١٢١٥] عن جابر ﵁ قال: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا)، [زاد في حديث محمد بن بكر]: (طوافه الأول). وكان طاووس يحلف بالله تعالى: ما أحد من أصحاب النبي ﷺ قرن فطاف طوافين. وبالقياس على الحلق؛ فإنه يكفي حلق واحد عنهما بالإتفاق، فإذا علم الاكتفاء بعمل واحد، فهل نقول إنه للحج والعمرة جميعًا أو للحج فقط والعمرة لا حكم لها لانغمازها في الحج؟ لم يصرح الأصحاب بذلك، بل أطلقوا الاندراج. قال الشيخ: والأقرب الثاني؛ فإنهم قالوا: العمرة تبع للحج فواتًا وفسادًا. قال: (ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج، ثم بحج قبل الطواف) أي: قبل الشروع فيه (... كان قارنًا)؛ لما روى مسلم [١٢١٣]: أن عائشة ﵂ أجرمت بع مرة، فدخل عليها النبي ﷺ : فوجدها تبكي فقال: (ما شأنك؟) فقالت: حضت وقد أحل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، فقال لها ﷺ : (أهلي بالحج) ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت .. طافت

стр. 1481

وَلَا يَجُوز عَكْسُهُ فِي اٌلْجَدِيدَ ــ بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لها ﷺ : (قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا). تنبيهان: أحدهما: قوله: (في أشهر الحج) يفهم: أن تقديم الإحرام بالعمرة على أشهره مانع من إدخال الحج عليها وليس كذلك، فالأصح: أنه يجوز، فكان الصواب: تأخير هذا القيد عن ذكر الحج فيقول: ولو أحرم بعمرة ثم بحج في أشهر الحج. الثاني: قوله: (قبل الطواف) احترز به عما إذا طاف ثم أحرم بالحج؛ فإنه لا يصح؛ لشروعه في أسباب التحلل. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز إدخال الحج على العمرة بعد أن يفتتح الطواف. كل هذا في العمرة الصحيحة، فلو أفسدها ثم أدخل عليها الحج .. فالأصح: أنه ينعقد فاسدًا، وقيل: صحيحًا ثم يفسد، وقيل: صحيحًا ويستمر، وقيل: لا ينعقد أصلًا. قال: (ولا يجوز عكسه في الجديد) أي: إدخال العمرة على الحج، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ لأن أفعال العمرة إستحقت بإحرام الحج فلا يفيد إحرام العمرة شيئًا، بخلاف إدخال الحج على العمرة فإنه يستفيد أشياء أخر كالوقوف والرمي والمبيت. والقديم ـ وبه قال أبو حنيفة وصححه الإمام ـ: يجوز عكسه. فإذا قلنا بالجديد ... كان إحرامه بالعمرة لاغيًا، ولم يتغير إحرام الحج. وإن قلنا بالقديم ... صح وكان قارنًا. وعلى هذا إلى متى يجوز إدخال العمرة؟ فيه أربعة أوجه: أحداها: ما لم يشرع في طواف القدوم.

стр. 1482

اٌلثَّالثُ: اٌلَتَّمَتُعُ، بِأَنْ يُحْرِمَ بِاٌلْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرَغَ مِنَهَا، ثُمَّ يُنْشاءَ حَجًّا مِنْ مَكَّة. وَأَفْضَلُها اٌلإِفْرَادُ، ... ــ والثاني: ما لم يشرع في السعي. والثالث: مالم يقف بعرفات. والرابع: ما لم يشرع في شيء من أسباب التحلل وهذا هو الأصح. قال: (الثالث: التمتع، بأن يحرم العمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشاء حجا من مكة قال ابن المنذر جمع هل العلم على أن اآافاقي إذا فعل ذلك ... كان متمتعًا، سمي بذلك لتمتعه بين النسكين بمحظورات الإحرام، أو لتمتعه بسقوط العود إلى الميقات، لكن تقييد المصنف بقوله: (من بلده) لا حاجة إليه؛ لأن المنقول عن النص أنه لو جازوه مريدًا للنسك وأحرم بعده ثم تمتع .. لزمة الدمان. وقوله: (ثم ينشيء حجًا من مكة) ذكره أيضًا للتصوير لا للاحتراز؛ فإنه لو أحرم بالحج من الميقات ... فالمشهور: أنه متمتع لا دم عليه كما سيأتي. وقيل: مفرد، واختاره الشيخ، فكان الأحسن: أن يحذف لفظة (من مكة). لكن عبارته تشمل: ما إذا اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج، وقد تقدم عن القاضي والإمام والغزالي: أنه إفراد بلا خاف، وقضية كلامه: أنه تمتع لا دم فيه. قال: (وأفضلها الإفراد)؛ لأن الذين رووه عن النبي ﷺ أكثر وأوفقه، فإنه ثبت في (الصحيحين) عن جابر [خ١٥٦٤ـ١٢١٦] وعائشة [خ١٥٦٢ـم١٢١١/ ١١٨] وابن عمر [م١٢٣١] وابن عباس [١٥٦٤ـ١٢٤٠] رضي الله عنهم، وأجمعوا على عدم كراهته، واختلفوا في كراهة التمتع والقران، وفيهما الدم ولا دم في الإفراد بالإجماع، والجبر دليل النقصان. والخلفاء الراشدون بعد النبي ﷺ أفردوا الحج وواظبوا عليه، رواه الدارقطني [٢/ ٢٣٩] وهو فعل أهل الحرمين وعلمائهم، ولو لم يعلموا أن النبي

стр. 1483

وَبَعْدَهُ اٌلتَّمَتُعُ، ثُمَّ اٌلْقِرَانُ، وَفِي قَوْلِ: اٌلتَّمَتُّعُ مِنَ اٌلِإفْرَادِ ــ ﷺ حج مفردًا ... لم يواظبوا عليه، لكن شرط تفضيله أن يعتمر من سنته، فإن أخر العمرة عن عام الحج ... فالتمتع والقران أفضل منه بلا خلاف، ولأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه كما تقدم. وقال القاضي حسين والمتولي: الإفراد أفضل مطلقًا، وهو ظاهر إطلاق المصنف ههنا، لكنه قال في (شرح المهذب): إن هذه المقالة شاذة. نعم؛ التمتع والقران أفضل من حجة واحدة باتفاق العلماء، وممن قال بترجيح القران على قرينه: أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي وأبو الطيب بن سلمة، واحتجوا بما روى مسلم [١٢٥١] عن أنس ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ أهل بهما جميعًا: (لبيك عمرة وحجًا لبيك عمرة وحجًا). والقائل بالأول قال: راوية الإفراد أولى؛ لأن روايتها عن جابر ﵁، وهو أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك من أول الخروج من المدينة إلي التحلل. قال: (وبعده التمتع، ثم القران)؛ لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين، والقارن يأتي بعمل واحد. قال: (وفي قول: التمتع أفضل من الإفراد) والقران؛ لأن فيه مبادرة إلى العمرة، بخلاف الإفراد؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها، وربما مات قبل ذلك. وفي (الصحيحين) [خ١٦٩٢ـم١٢٢٧] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان ممتعًا). وفيهما [خ١٥٧١ـ١٢٢٦] عن عمران بن حصين ﵁ قال: (تمتع النبي ﷺ وتمتعنا معه). وأجاب الأولون بأن المراد: تمتع بعد التحلل من الحج وقبل الإحرام بالعمرة. وقال قاضي حماة: ينبغي أن يكون القران أفضل إذا اعتمر قبل الحج أو أراد الاعتمار بعده؛ لتحصل عمرتان إنما يكون الإفراد والتمتع أفضل من القران إذا أراد الاقتصار على عمرة القران، قال: وهذه دقيقة فليتفطن لها ليعمل بها.

стр. 1484

وَعَلى اٌلْمُتَمَتَّعِ دَمٌ بَشَرْطِ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي اٌلْمَسْجِدِ اٌلْحَرَامِ، وَحَاضِرُوهُ: مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَة. قُلْتُ: اٌلَأصَحٌ: مِنَ اٌلْحَرَمِ، وِاٌللهُ أَعْلَمُ ــ قال: (وعلى المتمتع دم)؛ لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والمراد بـ (الدم): الشاه التي تجزاء في الأضحية، ويقوم مقامها سبع بدنة أو سبع بقرة، وكذلك جميع الدماء الواجبة في الحج إلا جزاء الصيد. قال: (بشرط: أن يكون من حاضري المسجد الحرام)؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). فالإشارة عندنا إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي والصيام. وعند أبي حنيفة إلى التمتع، فلا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده. وعندنا: المكي لا يكره له التمتع ولا القران، وإذا فعل .. لا دم عليه، وبه قال مالك وأحمد وداوود. والمعنى فيه أن الحاضر بمكة ميقاته للحج نفس مكة فلم يرتج ميقاتًا، بخلاف غيره. وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع والقران، فإن فعل ... فعليه دم الإساءة. قال: (وحاضروه: مَنْ دون مرحلتين من مكة)؛ لأن من قرب من شيء ودنا منه يقال: حضره قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) أي: قريبة منه. ومن كان بهذه المسافة .. فهو منزَّل منزلة المقيم بمكة؛ لأن المسجد الحرام المذكور في الآية ليس المقصود به نفس المسجد، بل مكة؛ لأنها محل السكنى. قال: (قلت: الأصح: من الحرم والله أعلم)؛ لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام، إلا قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فإن المراد به نفس الكعبة، وهذا هو الراجح في (شرح الرافعي).

стр. 1485

وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ اٌلحَجَّ مِنْ سَنَتِهِ. وَأَنْ لَا يَعُودَ لِإحْرَامِ اٌلْحَجَّ إِى اٌلْمِيقَاتِ. ــ فرعان: أحدهما لو قصد غريب مكة فدخلها متمتعًا ناويًا الإقامة بها بعد فراغ النسك، أو نوى الاقامة بها بعدما اعتمر .. فليس بحاضر، ولا يسقط عنه الدم، كذا نص عليه في (الإملاء). الثاني: من له مسكنان أحداهما في حد القرب والآخر بعيد، فإن كان مقامه بإحداهما أكثر ... فالحكم له، فإن استويا في الأهل وكان ماله بأحدهما أو في أحدهما أكثر ... فالحكم له، فإن استويا في ذلك وكان عزمه الرجوع إلى أحدهما ... فالحكم له، وإلا ... فالحكم للذي خرج منه. قال: (وأن تقع عمرته في أشهر الحج)؛ لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحج بالعمرة في مظنته ووقت إمكانه، ويستنكرون ذلك ويقولون: هو من أفجر الفجور، فورد التمتع رخصة وتخفيفًا. فلو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهره ثم حج .. لم يلزمه دم عند جميع العلماء، إلا طاووس فإنه رأى لزومه مع أن الجميع سموه متمتعًا. ولو أحرم بها في غير أشهره ثم أتى بجميع أفعالها في أشهره ثم حج ... فقولان: أظهرهماـ وهو نص (الأم) ـ: لا دم عليه، وهو مأخوذ من عبارة الكتاب؛ لأن عمرته كلها لم تقع في أشهر الحج. والثاني ـ وهو نص القديم و (الإملاء) ـ: يجب الدم. قال: (من سنته) أي: من سنة الحج؛ لما روى البيهقي [٤/ ٣٥٦] بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب النبي ﷺ يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم .. لم يهدوا. فلو اعتمر ثم حج من السنة الثانية .. لا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد؛ لعدم المزاحمة. قال: (وأن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات) أي: الذي أحرم منه بالعمرة، بل

стр. 1486

وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ: إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَالأَفْضَلُ: ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ ــ أحرم به من مكة، فإن عاد إليه وأحرم منه بالحج .. لم يلزمه الدم؛ لأن ريح الميقات قد زال بعوده إليه، ولو عاد إلى مثل تلك المسافة .. كفى أيضا؛ لأن المقصود قطع تلك المسافة محرما. وكلام المصنف يفهم: أنه لا يشترط لوجوب الدم نية التمتع، ولا قوع النسكين عن شخص واحد، ولا بقاؤه حيًا إلى فراغ الحج، وهو كذلك وفي الأول وجه، وفي الأخير قول، فإن شرطنا نية التمتع .. ففي وقتها ثلاثة أوجه: أحدها: حالة الإحرام بالعمرة. والثاني: ما لم يفرغ منها، وهو الأصح. والثالث: مالم يشرع في الحج. ومثل هذه الأوجه في الجمع بين الصلاتين. قال: (ووقت وجوب الدم: إحرامه بالحج)؛ لأن الشروط قد تكملت بالإحرام فوجب الدم، وسكت المصنف عن وقت جوازه، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: بعد الإحرام بالعمرة. وأصحها: بعدها. والثالث: بعد الإحرام بالحج، ولا يجوز قبل العمرة بلا خلاف، ويجوز بعد الإحرام بالحج بلا خلاف. وقال أبو حنيفة وغيره: لا يجوز إلا يوم النحر. وقال مالك: حتى يرمي جمرة العقبة. قال: (والأفضل: ذبحه يوم النحر) نص عليه؛ خروجًا من خلاف الأئمة الثلاثة فإنهم قالوا: لا يجوز في غيره؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد ممن كان معه أنه ذبح قبله.

стр. 1487

فِإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ .. صَامَ عَشَرَةَ أَيَامٍ، ثَلاَثَةٌ فِي الْحَجِّ تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، ــ قال: (فإن عجز عنه في موضعه) سواء قدر عليه في بلده أم لا بخلاف كفارة اليمين؛ لأن الهدي يختص ذبحه بالحرم، والكفارة لا تختص. وعبر المصنف بـ (العجز) ليدخل فيه العجز الجسمي والشرعي كما لو وجده يباع بأكثر من ثمن مثله، أو كان محتاجا إليه أو إلى ثمنه وغير ذلك. قال: (.. صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ الآية. والمراد: بعد الإحرام، فلا يجوز تقديمها على الإحرام، بخلاف الدم، فإنه يجوز تقديمه - كما تقدم – لأن الصوم عبادة بدنية فلم يجز تقديمها على وقتها كالصلاة، بخلاف الدم، فإنه عبادة مالية فيجوز تقديمها كالزكاة. قال: (تستحب قبل يوم عرفة)؛ لأن الحاج يستحب له فطره كما تقدم، فيستحب أن يحرم بالحج في السادس، أما يوم النحر وأيام التشريق .. فلا يجوز صومها فيه على الجديد كما تقدم. ولو أحرم بالحج ولا هدي ثم وجده قبل الشروع في الصوم .. وجب، وإن وجده بعد الشروع فيه .. ندب ولا يجب، ولو أحرم واجدًا له ثم أُعدِم .. فهو على الخلاف. وقوله: (ثلاثة أيام في الحج) المراد: قبل يوم النحر، ويندب قبل يوم عرفة، فلو أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها .. أثم وصارت قضاء على الصحيح وإن صَدَقَ أنها في الحج لندوره.

стр. 1488

وَسَبْعَةٌ إِذًا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلًاثَةِ، وَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَوْ فَاتَهُ الثَّلاَثَةُ فِي الْحَجُ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَبْعَةِ. ــ والأصح: أنه لا يجب تقديم الإحرام بالحج على اليوم السابع، لكن يستحب قبل السادس. قال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله في الأظهر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾. والمراد: الرجوع إلى الأهل والوطن. (ففي الصحيحين) [خ١٦٩١ - ١٢٢٧] عن ابن عمر ﵄: ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أمصاركم. ولا يجوز صومها في أثناء الطريق، فلو أراد الإقامة بمكة .. صامها بها. والثاني: أن المراد بـ (الرجوع): الفراغ من الحج؛ أي: إذا رجعتم من منى إلى مكة؛ لأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلا عليه، وبهذا قال الأئمة الثلاثة. قال: (ولو فاته الثلاثة في الحج .. فالأظهر: أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة) كما في الآداء؛ لأن ترتيب أحدهما على الآخر لا يتعلق بوقت فلم

стр. 1489

وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ ــ يسقط بالفوات كترتيب أفعال الصلاة. والثاني: لا يجب، وصححه الإمام وطائفة قياسا على التفريق في قضاء الصلوات، فإن أوجبنا .. فقيل: يكفي مطلق التفريق. والأصح: أنه يجب أن يفرق بقدر ما كان به الآداء، وذلك أربعة أيام ومدة سيره إلى بلده، وقيل: يكفي يوم واحد. وتعبيره بـ (الأظهر) تبع فيه (المحرر) و (الروضة). والأصح في) الشرح الصغير): كونهما وجهين. فروع: إذا شرع في صوم الثلاثة أو السبعة ثم وجد الهدي .. لم يلزمه، لكن يستحب. وقال المزني: يلزمه. والمتمتع الواجد للهدي إذا مات بعد فراغ الحج ولم يكن أخرجه .. وجب إخراجه من تركته بلا خلاف، وإن مات قبل فراغ الحج ولو عقب الإحرام .. ففيه قولان: أظهرهما: يخرج من تركته أيضا. ومن فرضه الصوم إذا مات، فإن مات قبل تمكنه منه .. فالأصح: يسقط، وإن تمكن .. فالأصح: أنه كصوم رمضان يأتي فيه القديم والجديد، وهل يتعين صرف الأمداد إلى مساكين الحرم؟ فيه قولان: أظهرهما: لا يتعين، بل يستحب. قال: (وعلي القارن دم)؛ لما روى الشيخان [خ١٧٠٩ - م١٢١١/ ١٢٠] عن عائشة رضى الله عنها قالت: (دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقالوا أهدى

стр. 1490

كَدَم التَّمَتُّعِ. قُلْتُ: بِشِرطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر وكن قارنات). قال: (كدم التمتع) أي: في أحكامه السالفة جنسا وسنا، وبدلا عند العجز؛ لأنه فرع عن دم التمتع. وعن القديم: أنه تجب عليه بدنة. قال: (قلت: بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام والله أعلم)؛ لأن دم القران فرع عن دم التمتع، وهو غير واجب على الحاضر فكذلك دم القران. وعن الحناطي حكاية وجه: أن على الحاضر دم القران. قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا الخلاف مبنيا على الوجهين في أن دم القران دم جبر أو دم نسك، والمشهور: الأول. تتمة: الآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا فاعتمر عقب دخوله مكة ثم حج .. قال الغزالي: لم يكن متمتعًا؛ إذا صار من الحاضرين لأنه لا يشترط قصد الإقامة، وتوقف الرافعي فيها؛ لعدم الاستيطان. وكلام الشيخ أبي حامد والقاضي والمتولي يعتبر الاستيطان كما اقتضاه بحث الرافعي. واختار المصنف: أنه متمتع ليس بحاضر فيلزمه الدم. واختار الشيخ عدم وجوب الدم وأطال فيه. * * * خاتمة سئل الشيخ عن آفاقي أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قرن من عامه هل عليه دم او دمان بسبب التمتع والقران؟ فأجاب الشيخ بأن عليه دما واحدًا للتمتع، ولا شيء للقران من جهة أن من دخل مكة فقرن أو تمتع .. فحكمه حكم حاضري المسجد

стр. 1491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحرام، وعلى تقدير أن لا يلحق بهم .. ففي هذه الصورة قد اجتمع التمتع والقران، ودمهما متجانس فيتداخلان، قال: هذا ما ظهر لي. وفي (تجريد المَحاملي (: أن المزني قال في (المنثور (: عليه دمان؛ دم للتمتع ودم للقران. ***

стр. 1492

بَابُ مًحَرَّمَاتِ الإحْرَامِ أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَاسِ الرَّجُلِ ــ باب محرمات الإحرام الأصل في الباب: ما وري الشيخان [خ١٥٤٢ - م١١٧٧] عن ابن عمر ﵄ انا لنبي ﷺ سأله رجل فقال: يا رسول الله؛ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال صبى الله عليه وسلم: (لا يَلبَسُ القمص والعمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس). وللبخاري [١٨٣٨]: (ولا تنتقبِ المرأة ولا تلبس القفازين). دل الحديث بمفهومه على إباحة ما سوى المنصوص، وفيه دليل على أن المفهوم يدخله العموم، وهذا من بديع الكلام وجزله؛ فإنه ﷺ سئل عما يلبسه المحرم فقال: لا يلبس كذا وكذا .. فحصل في الجواب: انه لا يلبس المذكورات ويلبس ما سواها، فكان التصريح بما لا يلبس أولى لإنحصاره، وأما الملبوس الجائز .. فغير منحصر لكن في) سنن أبي داوود) [١٨٩١]: أن رجلًا سأل النبي ﷺ ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال: (لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويلات .. إلى آخره). وقال في) اللباب) و (الرونق): إن المحرمات علة المحرم عشرون شيئًا. وبالغ المصنف في اختصار أحكام الحج، ولا سيما هذا الباب، وأتى بصيغة تدل على حصر المحرمات فيما ذكره، (والمحرر) سالم من ذلك فإنه قال: يحرم في الإحرام أمور منها كذا. قال: (أحدها: ستر بعض رأس الرجل)؛ لما تقدم من قوله: (لايلبس العمائم ولا البرنس)، وقوله في المحرم الذي خر عن بعيره: (ولا تخمروا رأسه؛

стр. 1493

بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا ــ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)، وادعى الماوردي الإجماع على ذلك. وضبط الإمام والغزالي ذلك بستر قدر يقصد ستره لغرض كشد العصابة واللصوق للشجة، وأبطله الرافعي باتفاقهم على أنه لو شد خيطًا على رأسه لا فدية عليه مع أنه يقصد لمنع الشعر من الإنتشار. قال: فالوجه: الضبط بتسميته ساترًا كل الرأس أو بعضه، وفيما قاله نظر؛ لأنه لا يعد ساترًا، ولهذا قال المصنف: الصواب مال قالاه ولا نقض؛ لأن الخيط لا يعد ساترًا كما قال الأصحاب. وتجب الفدية بتغطية البياض الذي وراء الأذن. وأفهمت عبارته: أنه لا يجوز ستر وجهه وهو كذلك، ولا فدية فيه عند جمهور العلماء؛ لأنه قدر ورد فعله عن عثمان رضى الله عنه. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه؛ لقوله ﷺ في المحرم: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) رواه مسلم [١٢٠٦/ ٩٨]. قال البيهقي: إن ذكر الوجه وَهَمٌ من بعض الرواة؛ على أن أبا حنيفة ومالكًا لا يقولون بمنع ستر رأس الميت ووجهه، وهذا الحكم لا فرق فيه بين البالغ والصبي، إلا أنا لصبي لا يأثم. وهل الفدية في ماله أو مال الولي؟ فيه خلاف سبق في أول (كتاب الحج)، ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين أن يطول زمان الستر أو يقصر. قال: (بما يعد ساترًا)، سواء اعتيد الستر به أم لا، مخيطًا كان أم غيره، حتى الطين والحناء الثخينين على الصحيح، والخلاف كالخلاف في ستر العورة به. ولو استظل بخيمة أو محمل .. فلا شيء عليه؛ لأنه لا يعد ساترًا، وخص المتولي ذلك بما إذا لم يمس المظلة والمحمل، أما إذا مسهما .. فتلزمه الفدية. قال الرافعي: ولم أر هذا لغيره.

стр. 1494

إلاَ لِحَاجَةٍ، ــ قال المصنف: وما قاله المتولي ضعيف أو باطل. ولو حمل على رأسه زنبيلًا أو عِدلًا من مكان إلى مكان .. فلا فدية على المذهب. وقيل: تجنب به الفدية، وهو نصه في (الإملاء)، واختار الخطابي، وبه قال أبو حنيفة. وقال الماوردي: محل الخلاف إذا لم يقصد الستر، فإن قصده .. لزمته الفدية قطعًا. ولو انغمس في ماء أو غطى رأسه بكفه .. جاز ولا فدية عليه وإن أطال، وإن كان بكف غيره .. فكذلك على الأصح، وفي وجه: يحرم وتلزمه الفدية، والفرق جواز السجود على كف الغير دون كف نفسه، وهم قد جعلوا الماء الكدر في الصلاة ساترًا. ولو غطى رأسه بثوب شفاف تبدو البشرة من ورائه .. وجبت الفدية؛ لأنه ساتر هنا بخلاف الصلاة. وأجمعوا على أنه لو قعد تحت سقف أو خيمة .. جاز. وقال مالك وأحمد: لا يجوز أن يستظل في المحمل إلا إذا كان الزمان يسيرًا، وكذا إذا استظل بيده. لنا: حديث أم الحصين ﵂ قال: (حججنا مع رسول الله صلى الله عليه سلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا واحد آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) رواه مسلم [١٢٩٨]. قال: (إلا لحاجة) فيجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ لكن تلزمه الفدية قياسًا على الحلق بسبب الأذى. والحاجة تشمل المداواة والحر والبرد، ولهذا كانت أولى من قول (المحرر):

стр. 1495

وَلُبْسُ الْمَخِيطِ أَوِ الْمَنْسُوجِ أَوِ الْمَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ ــ (إلآ لحاجة مداواة) فلو كانت عليه جراحة فشد عليها خرقة، فإن كانت في غير الرأس .. فلا فدية عليه، وإن كانت في الرأس .. لزمته الفدية لكن لا إثم عليه. وإذا لم يجد نعلين .. قطع الخف أسفل من الكعبين أو لبس المُكَعَّب، وهذا مثل الخف المقطوع، ولا يجوز لبس الخف المقطوع والجمجم مع وجود النعلين على الأصح. والثاني: يجوز وهو مذهب أبي حنيفة. والفرق بين وجوب قطع الخف وعدم وجوب قطع الإزار على الصحيح: ورود الأمر بقطع الخف دون السراويل. قال: (ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه)؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم. والمراد: لبس المخيط وما في معناه مما هو على قدر عضو من البدن، فيحرم كل مخيط بالبدن أو بعضٌ منه كالقميص والتُّبّان والخف والران والجوشن والجورب واللبد والملتصق بعضه ببعض، فأن لبس شيئًا من ذلك مختارًا .. لزمه الفدية طال الزمان أو قصر، ولا يشترط استيعاب العضو كما قلناه في الرأس. فلو لبس القباء .. لزمه الفدية وإن لم يخرج يديه من كميه على الصحيح. وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: إذا لم يدخل يديه في كميه .. جاز.

стр. 1496

إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ غَيْرَهُ ــ لنا: قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: (ولا يَلبَسُ القميص ولا السراويل ولا العمامة ولا البرانس ولا القباء) هكذا رواه البيهقي [٥/ ٤٩] بإسناد على شرط الصحيح وقال: هذه الزيادة صحيحة محفوظة. ولو ألقى على بدنه وهو مضطجع قباء أو فَرَجِيَّة .. قال الإمام: إن صار على بدنه بحيث لو قام عد لابسه .. لزمته الفدية، وإن كان بحيث لو قام لم يستمسك عليه .. فلا فدية. ولو ارتدى بالقميص أو اتزر بالسراويل .. فلا فدية كما لو اتزر بإزار مرقع. وعبارته تشمل: ما لو شق الإزار نصفين ولف على ساق وعقده، والمنقول فيه: التحريم والفدية، خلافا للإمام والمتولي. ويحرم أيضا خلال الرداء بمسلة ونحوها. ويحرك ربط طرف بآخر بخيط ونحوه على المذهب، لكن يجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطًا، وأن يجعل له فيه الحجزة ويدخل فيها التكة، وأن يشد طرف إزاره في طرف ردائه. واستعمل المصنف (سائر) بمعنة الجميع تبعا للغزالي والجوهري وقد تقدم الكلام على ذلك في آخر خطبة الكتاب. ويجوز أن يلبس المحرم المنطقة، ويشد على وسطه الهيمان احتاج إليه أم لا، ويَحتَزِمَ بعمامته. ويحرم على الرجل لبس فردة خف خلافا للصيمري. قال: (إلا ان لا يجد غيره)؛ فإنه يجوز أن يلبس المخيط من غير فدية، ويلبس السراويل إذا لم يجد الإزار؛ لما روى الشيخان [خ١٨٤٣ - م١١٧٨] عن ابن عباس

стр. 1497

وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ كَرَاسِهِ‘ وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ ... ــ ﵄ ان النبي صلى الله عليه قال:) السراويل لمن لم يجد الإزار‘ والخف لمن لم يجد النعلين ( هذا إذا لم يتأتّ الاتزار بالسراويل‘ فإن أمكن الاتزار به على هيئته .. امتنع لبسه‘ كما إذا فقد الرداء ووجد القميص .. فإنه يرتدي به ولا يلبسه. ولو أمكن فتق السراويل وخياطته إزاراّ .. فالأصح: أنه لا يكلف ذلك؛ لإطلاق الخبر وإضاعة المال. والفرق بينه وبين وجوب قطع الخف عند فقط النعل مشكل. والمراد بـ (عدم الوجود): فقده من ملكه‘ وتعذر شرائه وإجارته بعوض مثله واستعارته. وحَصْرُ المصنف الجواز بعدم الوجدان يقتضي المَنْعَ لحاجة الحر والبرد والمداودة‘ والمجزومُ به في) الرافعي) وغيره: الجواز مع الفدية‘ وقد تقدم في الرأس على الصواب. قال: (ووجه المرأه كرأسه)؛ لما تقدم في رواية البخارى [١٨٣٨] من قوله ﷺ :) ولا تنتقب المرأة) لكن لها أن تستر من وجهها ما لا يتأتى ستر الرأس إلا به. فإن قيل: لم لا عكستم فأوجبتم عليها أن تكشف من الرأس ما لا يتأتى كشف الوجه إلا به؟ قلنا: لأن الستر أحوط من الكشف‘ لكن لها أن تستر منه ما لا يتاتى ستر جميع رأسها إلا به؛ احتياطًا للستر. أما الخنثى .. فقال القاضي أبو الطيب: لا خلاف أنَّا نأمره بالستر ولبس المخيط‘ كما نأمره أن يستتر في الصلاة كاستتار المرأة‘ وهل تلزمه الفدية؟ وجهان: والذى قاله الجمهور: أنه إن ستر وجهه أو رأسه .. لم تجب الفدية للشك‘ وإن سترهما .. وجبت. قال: (ولها لبس المخيط) بالإجماع‘ ولا فرق فيما ذكره بين الحرة والأمة على المذهب.

стр. 1498

إِلاَّ الْقُفَّازَينِ فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ ‘ ... ــ وقيل: الأمة كالرجل‘ والمبعضة كالحرة عورة وإحرامًا. قال: (إلا القفازين في الأظهر)؛ لما روى البخارى [١٨٣٨] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن النقاب والقفازين) وبهذا قال علي وابن عمر وعائشة ﵃‘ وإليه ذهب مالك وأحمد. والقول الثاني: يجوز؛ لما روى الشافعي ﵁ [أم ٢\ ٢٠٣] عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام‘ وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري وصححه الغزالي‘ ولا وجه له مع الحديث إلا أن يثبت ما قيل: إن قوله: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) مدرج من كلام ابن عمر ﵄‘ وهو بعيد. ولا خلاف في المذاهب كلها في منع النقاب إلا من شذ. و (القفاز) بضم القاف: شيء يعمل غلافًا لليد يحشى بقطن. قال في) الكفاية): وكذا حكم القفاز الواحد. وخرج بالقفازين: ما لو اختضبت فلفت على يدها خرقة على ذلك ‘ أو لفتها بلا خضاب .. فلا فدية على المذهب. قال: (الثانى: استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه) أما في الثوب .. فلما تقدم من قوله ﷺ :) ولا يلبس من الثياب ما مسه من زعفران أو ورس). وأما البدن .. فبالقياس عليه‘ ولقوله ﷺ في الذي مات محرمًا: (ولا تقربوه طيبًا). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه ممنوع من استعمال الطيب في جميع بدنه‘ وخالف أبو حنيفة في الثوب بتفصيل عنده‘ ولا فرق عندنا بين الأخشم وغيره‘ ولا في البدن بين ظاهره وباطنه.

стр. 1499

وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّاسِ وَاللِّحْيَةِ ــ والاستعمال: أن يلصق الطيب ببدنه أو ثيابه على الوجه المعتاد في ذلك‘ فلو احتوى على مجمرة‘ أو حمل فأرة مشقوقة أو قارورة مفتوحة‘ أو جلس على الفراش مطيب ‘ أو لبست المرأة حليًا محشوًا به .. حرم. ولو حمل مسكًا أو غيره في كيس أو خرقة مشدودة .. لم يحرم على النص. ولو وطاء بنعله طيبًا .. حرم إن علق منه به شيء‘ وإلا .. فلا. وخرج بقوله: (استعمال) ما لو أكره على التطيب ففعل .. فلا فدية جزما ً‘ وكذا لو تطيب ناسيًا أو جاهلًا بتحريمه على الأصح‘ خلافًا للمزني. ولو ألقت الريح ونحوها عليه طيبًا .. فمعذور‘ لكن تلزمه المبادرة إلى إزالته ‘ فإن أخر إزالته مع التمكن .. لزمه الفدية. ولو جلس عند الكعبة وهي تبخر أو حانوت عطار .. فلا فدية عليه على الأصح‘ لكنه إن تعمد الشم كره. و (الطيب): ما ظهر فيه غرض التطيب كالورد والياسمين واللينوفر والبنفسج والريحان الفارسي الكادي‘ غير أنه إذا شمها من بعد كحانوت الفكاه والبستان .. لم يفتد‘ وإن ألصقها ببدنه .. افتدى‘ وإن وضعها بين يديه على هيئة معتادة وشمها .. فإطلاقهم يقتضي الفدية‘ وهي واردة على قول المصنف: (في ثوبه أو بدنه). ولا يكره للمحرم شراء الطيب‘ كما لا يكره له شراء المخيط. وقول المصنف: (أو بدنه) أولى من قول) المحرر (: (وبدنه) بالواو‘ ومن قول) التنبيه (: في ثيابه وبدنه. قال: (ودهن شعر الرأس واللحية) وإن لم يكن الدهن مطيبًا؛ لأنه يرجل الشعر ويزينه‘ والحاج أشعث أغبر. ولا فرق في ذلك بين أن يدهن بزيت أو سمن أو زبد‘ وكذلك الشحم والشمع المذابان‘ ولا في اللحية بين الرجل والمرأة

стр. 1500

وَلاَ يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَاسِهِ بِخِطْمِيًّ ــ وخرج بقوله: (شعر الرأس واللحية) الأصلع والأمرد فلا فدية عليهما, لكن يرد عليه محلوق الرأس إذا دهنها .. فالأصح عند الشيخين: تحريمه, والأصح في) الكفاية) خلافه. وعلم منه جواز دهن باقى البدن وهو كذلك؛ لأنه لا يقصد تحسينه, لكن تقييده باللحية يخرج باقى شعور الوجه كالحاجب والشارب والعنفقة والعذارين, وفيه نظر؛ فإن ظاهر إطلاقهم يقتضى تحريم ذلك كما قاله المحب الطبرى. وأباح أحمد وداوود دهن جميع البدن, ومنعه مالك في الأعضاء الظاهرة. ومنعه أبو حنيفة بالزيت والشيرج, وجوزه بالسمن والزبد, وأجمعوا على جواز أكل ذلك. وقوله: (دهن) هو بفتح الدال مصدر بمعنى التدهن, وأما (الدهن) بالضم .. فهو الذى يدهن به. قال: (ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي) ولا بسدر ونحوه؛ لأن ذلك لإزالة الأوساخ, بخلاف الدهن فإنه للتنمية, لكن الأولى أن لا يفعل ذلك. وينبغى إذا غسل رأسه أن يرفق في الدلك حتى لا ينتتف شعره. فروع: للمحرم أن يفتصد ويحتجم ما لم يقطع شعرًا, ولا بأس بنظره في المرآة, والسنة أن يلبد رأسه عند الإحرام, وهو أن يعقص شعره ويضرب عليه بالخطمي أو الصمغ أو غيرهما لدفع القمل. ولا يحرم عليه أخذ القمل من ثيابه وبدنه, ولكنه يحرم أخذه من شعر رأسه ولحيته, فإذا فعل .. تصدق بما يراه من تمرة أو لقمة. قال الشافعي ﵁: ومن قتلة قملة .. تصدق بلقمة, قال: وللصبيان حكم القمل, وهو بيضها.

стр. 1501

الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ ــ ويحرم عليه الاكتحال بما فيه طيب, فإن اكتحل بما لا طيب فيه .. فروى المزني أنه لا بأس به, وفي (الإملاء) أنه يكره. وتوسط آخرون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتوتياء الأبيض .. لم يكره, وإن كان فيه زينة كالإثمد .. كره, وهذا التفصيل هو الأصح في (شرح المهذب (, وبه جزم في) شرح مسلم) وقال: إنه مذهب الشافعي ﵁. قال: (الثالث: إزالة الشعر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي: شعر رؤوسكم, وشعر سائر الجسد ملحق به بجامع الترفه. وقال داوود: لا فدية في حلق شعر غير الرأس, وهو رواية عن مالك. وقوله: (إزالة) أحسن من قول (المحرر): حلق الشعر؛ لأن النتف والتقصير والإحراق وبالنورة كذلك, ومراده إزالتها من نفسه, أما إذا حلق لغيره, فإن كان المحلوق حلالًا .. فلا شيء, وإن كان محرمًا فحلقه بإذنه .. حرم عليهما, والفدية على المحلوق؛ لأنه لو حلف أن لا يحلق راسه فأمر غيره فحلق .. حنث, وسيأتى في (الأيمان) ما يخالف هذا. وقد يقال: إن الحالق مباشر فكيف قدم عليه الآمر؟ وأجاب القاضي أبو الطيب بأن الشعر في يد المحرم كالوديعة, ومن أمر بإتلاف وديعة في يده .. ضمنها دون المباشر لذلك. وإن كان المحلوق نائمًا أو مكرهًا .. فالأصح: أنها على الحالق. ومراد المصنف بـ (الشعر) الجنس فيحرم إزالة الشعرة الواحدة, ويفهم ذلك من قوله بعد ذلك: (والأظهر: أن في الشعرة مد طعام). ولو كشط المحرم جلدة رأسه .. فلا فدية, والشعر تابع. قال الشافعي ﵁: ولو افتدى .. كان أفضل, لكن يستثنى ما لو نبتت شعرة أو شعرات داخل جفنه وتأذى بها .. فإنه لا فدية عليه في قلعها على الراجح. ولو طال شعر حاجبه أو رأسه وغطى عينيه فقطع الزائد .. فلا فدية أيضًا كدفع الصائل.

стр. 1502

أَوِ الظُّفْرِ. وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلاَثَةِ أَظْفَارِ, ــ ولو مشط لحيته فنتفت شعرات .. لزمه الفدية, فلو شك هل كان منتتفًا أو انتتف بالمشط .. فالأصح: لا فدية تغليبًا لأصل البراءة. والثانى: نعم؛ إحالة على السبب الظاهر. ويجوز للمحرم حك رأسه لكن يكره بالأظافير. قال: (أو الظفر)؛ قياسًا على إزالة الشعر بجامع الترفه. وقال داوود: يجوز للمحرم قلم أظفاره كلها ولا فدية عليه. ويستثنى: ما لو انكسر بعض طفره وتأذى به .. فله قطع المكسور فقط. قال: (وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار)؛ لأنها جمع, وهذا لا خلاف فيه عندنا إذا حصلت دفعة واحدة أو متواليات وكانت مع ذلك في محل واحد, ولا يزاد عليها بالزيادة, ويكفي الدم في حلق جميع الرأس. وقال أبو حنيفة: تكمل الفدية في حلق ربع الرأس. وقال أبو يوسف: في نصفه. وقال مالك: فيما يزول به الأذى, وكلها تقديرات لا دليل عليها. ويرد على دليلنا: أن شعر الرأس مضاف فينبغى أن يعم, لكن لا قائل به, فلو حلق ثلاث شعرات من ثلاثة أمكنة أو في ثلاثة أزمنة متفرقة .. فطريقان الأصح: إفراد كل شعرة بحكمها, وفيها الأقوال الأربعة الآتية: الأصح: ثلاثة أمداد, وقيل: ثلاثة دراهم, وقيل: دم كامل, وقيل: ثلاثة دماء. وأخذ الأظفار في مجلس واحد أو مجالس كالشعرات. ولو حلق شعر رأسه وبدنه متواصلًا .. ففدية على الصحيح. وقال الأنماطي: فديتان. وكذا إذا قلم أظفار يديه ورجليه.

стр. 1503

وَالأَظهَرُ: أَنً فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَفِي اٌلشَّعْرتَيْنِ مُدَّيْنِ ــ قال: (والأظهر: أن في الشعرة مد طعام، وفي الشعرتين مدين)؛ لأن الله تعالى عدل في جزاء الصيد من الحيوان إلى الطعام، وأقل ما يجب للفقير في الكفارات مد، والشعرة الواحدة هي النهاية في القلة فقوبلت به. والقول الثاني: يجب في الشعرة الواحدة ثلث دم، وفي الشعرتين ثلثاه عملًا بالتقسيط، قال القاضي وغيره: وهو أقرب إلى القياس. والثالث: في الشعرة درهم وفي الشعرتين درهمان؛ لأن تبعيض الدم يعسر، وكانت الشاة في زمن رسول الله ﷺ بثلاثة دراهم. والرابع: يجب فيها دم كامل. والظفر في جميع ذلك كالشعر، وقطع بعض أحدهما كقطع كله. فإن قيل: من حلق أو قلم ثلاثة فصاعدًا مخير بين إراقة دم وإخراج ثلاثة آصع وصيام ثلاثة أيام كما سيأتي، فكيف جاءت هذه الأقوال هنا؟ وهلا خيروه؟ فالجواب: أن محل هذه الأقوال عند اختياره الدم، أما إذا اختار الصوم .. فإنه يصوم يومًا واحدًا جزمًا، أو الإطعام .. فإنه يطعم صاعدًا واحدًا جزمًا، قاله العمراني في (إشكالات المهذب). قال ابن الرفعة: قال بعض من اجتمعت به: هذا الذي قاله إن ظهر على قولنا: إن الواجب ثلث دم أو درهم، فلا يظهر على قولنا: إن الواجب فيها مد؛ إذ يرجع حاصل هذا القول إلى أنه يخير بين المد والصاع، والشخص لا يخير بين الشيء وبعضه. وجوابه المنع؛ فإن المسافر مخير بين القصر والإتمام والجمعة والظهر، فقد خير بين الشيء وبعضه. فرع: إذا فعل محظورين أو أكثر، فإن كان أحدهما استهلاكًا والآخر استمتاعًا كالحلق والقلم مع الطيب واللباس .. فالصحيح: تعدد الدماء.

стр. 1504

وَلِلْمَعْذُورِ أَن يَحْلِقَ وَيَفْدِي ــ وإن كانا استهلاكًا .. فالمشهور: التعدد، إلا إذا لبس ثوبًا مطيبًا .. فالمنصوص: فدية واحدة. وإن كانا استمتاعًا، فإن اتحد النوع؛ بأن تطيب بأنواع من الطيب كمسك وزعفران وكافور، أو نوع واحد مرارًا، أو لبس مرارًا أنواعًا من الثياب كعمامة وسراويل وقميص وخف، أو قبل امرأة ثم أخرى، فإن فعل ذلك متواليًا من غير تخلل تكفير .. ففدية واحدة، سواء طال الزمان في معالجة لبس القميص أو قصر؛ لأنه إذا توالى .. فهو كالفعل الواحد، فإن اتحد الزمان والمكان لكنه تخلل في أثناء اللبس كفارة .. ففدية، فإن فعل ذلك في مجالس أو مجلس وتخلل زمان طويل، فإن كفر عن الأول .. لزمه للثاني كفارة بلا خلاف، وإن فعل الثاني قبل التكفير عن الأول .. فالجديد يتكرر، والقديم لا. فملخص ذلك: أنه إذا لبس ثم لبس تتكرر الفدية، أما إذا ستر رأسه بقبع ثم بعمامة ثم بطيلسان في أزمنة، أو نزع العمامة ثم لبسها .. فكثيرًا ما يسأل عن ذلك، والذي أفتى به الشيخ وغالب فقهاء العصر عدم التكرر ما دام الرأس مستورًا؛ لأن المحرم في الرأس إنما هو الستر، والمستور لا يُستَر، بخلاف البدن؛ فإن الفدية فيه متعلقة باللبس فيقال لِلاَّبِس: لَبِسَ. وفي كلام الشيخ محب الدين الطبري ما يقتضي: أن الرأس كالبدن والمعتمد: الفرق، ولهذا عبر المصنف وغيره في الرأس بـ (الستر) وفي البدن بـ (اللبس). قال: (وللمعذور أن يحلق ويفدي) سواء كان معذورًا بقمل أو مرض أو حر أو وسخ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وفي (الصحيحين) [خ ١٨١٦ - م ١٢٠١/ ٨٥] عن كعب بن عجرة ﵁ قال: فِيَّ أُنْزِلَت هذه الآية، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: (أيؤذيك هوامك؟) قال ابن عون: أطنه قال: نعم، فأمره أن يحلق ويفدي.

стр. 1505

الْرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، ــ وهكذا كل محظور أبيح للحاجة، فإن الكفارة تجب فيه إلا لبس السراويل والخفين المقطوعين على ما سبق؛ لأن ستر العورة ووقاية الرجل عن النجاسة مأمور به، فخفف فيهما لذلك. قاعدة: ما كان إتلافًا محضًا كالصيد .. ففيه الفدية وإن كان ناسيًا أو جاهلًا، وما كان ترفهًا وتمتعًا .. فلا تجب مع النسيان والجعل كاللبس والطيب، وما أَخذ شبهًا منهما كالجماع والحلق والقلم .. ففيه –مع الجهل والنسيان- خلاف، والأصح في الجماع: عدم الوجوب، وفيهما: الوجوب. قال: (الرابع: الجماع)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال ابن عباس ﵄: (الرفث: الجماع) فلفظه خبر ومعناه النهي، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا. وأجمعت الأمة على تحريم الجماع على المحرم، صحيحًا كان الإحرام أم فاسدًا. وتجب به الكفارة والقضاء، ولا فرق في الوطء بين القبل والدبر من الذكر والأنثى، والزوجة والمملوكة، والزنا واللواط وإتيان البهيمة. وقال مالك: لا يفسد بإتيانها.

стр. 1506

وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الْحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، ــ وحكى الرافعي عن رواية ابن كج وجهًا كمذهبه. ولو لف الرجل على ذكره خرقه وأولج .. ففي فساد حجه ثلاثة أوجه –كما في الغسل- أصحها: يفسد ويجب الغسل. قال: (وتفسد به العمرة) أي: المفردة بالإجماع، أما التي في ضمن الحج في القرآن إذا جامع بعد تحلله الأول .. فإنها لا تفسد تبعًا وإن لم يأت بشيء منها. وقال الأودني: تفسد، وكلام المصنف يوهمه. ولو قدم القارن مكة وطاف وسعى ووقف ثم حلق قبل الرمي ثم جامع .. فسد نسكاه وإن كان بعد أفعال العمرة تبعًا. قال: (وكذا الحج قبل التحلل الأول) أجمعوا على أن الجماع قبل الوقوف يفسد الحج، وأما بعده .. فخالف فيه أبو حنيفة. لنا: أنه وطء صادف إحرامًا صحيحًا لم يحصل فيه التحلل الأول فأشبه ما قبل الوقوف. واحتج أبو حنيفة بقوله: (الحج عرفة)، وحمله أصحابنا على أن المراد الأمن من الفوات. وقوله: (قبل التحلل الأول) قيد في الحج؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد. واحترز عما إذا وقع الجماع بعده؛ فإن الحج لا يفسد به كما أفتى به ابن عباس ﵄، ولا يعرف له مخالف. وقيل: يفسد كمذهب أبي حنيفة. تنبيهان: أحدهما: شرط كون الوطء مفسدًا: العقل والعمد والعلم بالتحريم، فلو جامع ناسيًا .. فالجديد الأظهر: لا إفساد ولا كفارة، وإن أكره .. لم يفسد على المذهب.

стр. 1507

وَتَجِبُ بِهِ: بَدَنَةٌ، ــ والمراد هنا بالفساد: وجوب القضاء لا الخروج من العبادة كما سيأتي. والأصح: أن جماع الصبي والعبد مفسد، وأن موجبه القضاء، وأنه يجزئ في حال الصبا والرق. الثاني: شملت عبارته: ما إذا أحرم مجامعًا، وفيه أوجه: أصحها: في زوائد (الروضة (: أنه لا ينعقد. والثاني: ينعقد صحيحًا، ثم إن نزع .. استمر، وإلا .. فلا. والثالث: ينعقد فاسدًا، فيمضي فيه ويقضي ولا يكفر وإن لم يستمر، ولو أحرم به في حال نزعه .. ففيه في (الكفاية) أوجه كذلك. قال: (وتجب به بدنة) أي بالجماع المفسد؛ لأن عمر وابنه وابن عباس وأبا هريرة ﵃ أفتوا بذلك، ولا مخالف لهم فكان إجماعًا. وقيل: في إفساد العمرة شاة؛ لانخفاض رتبتها عن الحج، وهو بعيد. وقال أبو حنيفة: الواجب بإفساد الحج بالجماع شاة. وخرج بالجماع المفسد مسألتان: إحداهما: إذا جامع في الحج بين التحللين .. ففيه شاة؛ لأنه محظور لم يحصل به إفساد فكان كالاستمتاعات. وقيل: تجب به بدنة؛ لأنه وطء صادف إحرامًا صحيحًا فكان كالواقع قبل التحلل. وقيل: لا يجب به شيء بالكلية. الثانية: إذا تكرر منه الجماع في العمرة أو الحج قبل التحلل الأول، وحاصل ما فيه خمسة أقوال: أصحها: أنه كالوطء بين التحللين تلزمه به شاة. والثاني: بدنة. والثالث: كفارة واحدة كما لو جامع الصائم في يوم مرارًا أو زنى مرارًا.

стр. 1508

وَاَلمُضِيُّ في فَاسِدِهِ، وَالقَضَاءُ، وَإنْ كانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا ــ والرابع: لا شيء عليه. والخامس: إن كان كفر عن الأول .. فدى الثاني، وإلا .. فلا. وعبارة المصنف تقتضي وجوب البدنة على المرأة المطاوعة؛ لأن حجها يفسد بذلك، والمشهور: أنها على الخلاف السابق في الصوم، فيكون الصحيح: عدم الوجوب. والدم الواجب بالجماع الأصح: أنه دم ترتيب بتجب به بدنة، فإن لم يجد .. فبقرة، فإن لم يجد .. فسبع شياه، فإن عجز .. قوم البدنة دراهم بسعر مكة حال الوجوب، ثم الدراهم بطعام، فإن عجز .. صام عن كل مد يومًا. قال: (والمضي في فاسده)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وعلى هذا أجمع الصحابة. وقال: ربيعة وداوود: يخرج من نسكه. ومعنى (المضي في فاسده): أن يعمل الأعمال التي بقيت عليه، وإذا ارتكب محظورًا بعد الإفساد .. أثم ولزمته الكفارة، وحكمه في ذلك حكم الإجرام الصحيح، إلا في الجماع .. ففيه ما سبق. أما ما سوى الحج والعمرة من العبادات .. فلا حرمة لها بعد الفساد، ويخرج منها بذلك إلا الصوم؛ فإنه يجب إمساك بقية اليوم في رمضان خاصة كما تقدم. قال: (والقضاء، وإن كان نسكه تطوعًا)؛ لما تقدم من فتوى الصحابة بذلك، ويقع القضاء عن الذي أفسده، إن كان فرضًا .. وقع عنه، وإن كان تطوعًا .. وقع عنه، هذا في غير القضاء. أما إذا أحرم بالقضاء فأفسده بالجماع .. فعليه كفارة وقضاء واحد، حتى لو أحرم بالقضاء مئة مرة وأفسد كل مرة منهن .. لزمه قضاء واحد، ويقع عن الأول، وتلزمه لكل مرة بدنة، ولا يتصور القضاء في سنة الإفساد، إلا إذا أحصر بعد أن أفسد وتعذر عليه المضي، فيتحلل، ثم يزول الحصر والوقت باق، فيحرم بالقضاء، ويجزئه في سنته.

стр. 1509

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ عَلَى اَلْفَوْرِ ــ وإنما جعلوا المأتي به قضاء مع أنه يفعل في وقته وهو العمر؛ لأنه لما أحرم به تضيق عليه، كالصلاة إذا أحرم بها ثم أفسدها ثم أتى بها .. كانت قضاء كما تقدم. وقال: (والأصح: أنه على الفور)؛ لقول الصحابة: إنه يقضي من قابل. والثاني: أنه على التراخي كما كان الأداء. وقوله: (على الفور) أحسن من قول غيره: من قابل؛ لأن عبارته تشمل العمرة وهي تمكن على الفور، وتشمل الحج أيضًا إذا أمكن في سنة الإفساد كما تقرر. فروع: يحرم على الرجل أيضًا الاستمناء، وتلزمه الفدية على الأصح. وتحرم عليه المباشرة بشهوة كالقبلة ونحوها وإن كان لا يفسد بها النسك، وكما تحرم هذه الأمور على المحرم تحرم أيضًا على المرأة الحلال إن تمكن منها في الأصح؛ لأن فيه إعانة على المعصية، كذا قاله الرافعي في (باب الإيلاء). وتحرم المباشرة على الحلال أيضًا حال إحرام المرأة. وإذا باشر زوجته بشهوة ثم جامع .. دخلت شاة المباشرة في بدنة الجماع على الأصح. ومكان الإحرام في القضاء مكان الأداء إن كان أبعد من الميقات الشرعي، ولا يلزمه في القضاء أن يسلك الطريق الذي سلكه في الأداء بلا خلاف. وإذا خرجت الزوجة معه للقضاء .. لزم الزوج قدر نفقة الحضر بلا خلاف، وكذا ما زاد بسبب السفر على الأصح. وإذا خرجنا للقضاء .. استحب أن يفترقا من حين الإحرام، فإذا وصلا إلى الموضع

стр. 1510

الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَاكوُلٍ بَرِّيٍّ ــ الذي أصابا فيه الذنب .. ندبت المفارقة، ولا يجتمعا إلا وقت التحلل؛ لأن معاهد الوصال مألوفة، وفي القديم: يجب ذلك. قال: (الخامس: اصطياد كل مأكول بري) طيرًا كان أو وحشًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وإن كان المذكور في الآية يحتمل اسم المفعول كما يحتمل المصدر، فالمصدر هو المقصود هنا، واستغنى المصنف بلفظ الاصطياد عن قيد التوحش. وكما يحرم صيده يحرم تنفيره والإعانة عليه بدلالة أو إعارة آلة، ولا فرق بين المستأنس وغيره خلافًا لمالك، ومن المستأنس دجاج الحبش، وهو شبيه بالدراج وكذلك الإوز البري، كل منهما يحرم على المحرم قتله ويجب به الجزاء، ولا فرق في ذلك بين المملوك وغيره، خلافًا للمزني. واحترز بـ (البري) عن (البحري)، وهو: الذي لا يعيش إلا في البحر، فصيده حلال بالنص والإجماع، فإن عاش في البر والبحر .. فهو كالبري؛ تغليبًا للتحريم؛ وسواء كان البحر في الحل أو الحرم كما نص عليه في (الأم) في موضعين. وفي (البحر) عن الصميري: يحرم صيد بحر الحرم، وهو شاذ. والجراد بري على المشهور، فيه الجزاء، وفي قول غريب: إنه بحري؛ لأنه بحري؛ لأنه يتولد من روث السمك. وطير الماء من البري وإن لازم الماء. فروع: إذا حلب لبن صيد .. ضمنه بقيمته خلافًا للروياني. وبيض الطائر المأكول حرام على المحرم، مضمون بقيمته، وقيمته معتبرة باجتهاد عدلين فقيهين. وقال المزني: لا شيء فيه.
следующие страницы →