← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَإِلَّا .. فَيَسْتَرِدُّ، وَيُشْهِدُ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ ــ إذا رهن عبدًا له صنعة يمكن أن يعملها عند المرتهن فأراد السيد أن يعملها عنده، فإنه لا يمكن؛ لأن اليد للمرتهن كما سيأتي. قال: (وإلا .. فيسترد)؛ للحاجة إلى ذلك، كما إذا رهن دارًا أو عبدًا لا يحسن إلا الخدمة، أو كان يحسن الصنعة ولم يرد السيد إلا الاستخدام .. استخدمه نهارًا ويرده إلى المرتهن ليلًا، ويكون ذلك في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه كالأمة المزوجة. وشرط جواز الاسترداد في الأمة: أن يؤمن غشيانها كمحرم، أو كان ثقة وله أهل. قال: (ويشهد إن اتهمه) فيشهد شاهدين: أنه أخذه للانتفاع، فإن وثق به .. لم يكلف الإشهاد في الأصح؛ لما فيه من المشقة. فروع: يجوز ختان العبد الصغير إن كان في وقت يندمل الجرح قبل حلول الدين، وأما ختان الكبير .. فقال المتولي ونصر المقدسي وشيخه سليم وابن داوود: يجوز أيضًا، وفي (التهذيب): أنه لا يجوز، وقال المصنف: إنه ظاهر النص، وفيه نظر، والمختار: الجواز. وليس للراهن المسافرة بالعين المرهونة بحال وإن قصر سفره؛ لما فيه من الخطر، ويمنع من زرع الأرض إن ضر، وإلا؛ فإن كان يحصد قبل محل الدين .. جاز، وإن لم يحصد إلا بعده .. فقولان: أصحهما: المنع؛ لقلة الرغبة في الأرض المزروعة. قال: (وله بإذن المرتهن ما منعناه) فيحل الوطء، ويصح التزويج والإعتاق وغيرها من الانتفاعات إذا أذن فيها؛ لأن المنع كان لحقه وقد زال بإذنه.

стр. 1857

وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ .. فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، ــ ومقتضى إطلاقه: جواز الرهن بالإذن، ويجعل فسخًا للرهن السابق، فإن كان كذلك .. فيشكل عليه ما سبق من منع رهنه عند المرتهن بدين آخر؛ فإن ارتهانه يتضمن الرضا به، فينبغي أن يصح ويكون فسخًا، وقد صرح الإمام وغيره بأن البيع وغيره من التصرفات مع المرتهن جائز؛ لأنه في معنى الإذن، لكن إذا ابتدأ الراهن بالإيجاب .. ففي الصحة تردد حكاه الإمام عن شيخه؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأذونًا له فيه، وحكى فيه في (البسيط) وجهين. قال: (وله الرجوع قبل التصرف الراهن) كما للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل، وإذا رجع .. فالتصرف بعده تصرف بغير إذن. نعم؛ يستثنى منه: ما إذا وهب ولم يقبض، أو وطئ ولو تحبل .. فله الرجوع؛ ليمتنع الوطء بعده. وأفهمت عبارة المصنف: أنه إذا باع بشرط الخيار فرجع المرتهن .. لم يصح رجوعه ولم يبطل البيع، وهو كذلك على الأصح. قال: (فإن تصرف جاهلًا برجوعه .. فكتصرف وكيل جهل عزله) وفيه وجهان: الأصح: عدم النفوذ كما سيأتي في بابه. قال: (ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه .. لم يصح البيع) المراد: إذا شرط ذلك لفظًا .. يفسد العقد؛ لأنه شرط في الإذن شرطًا فاسدًا فأبطله، أما إذا قصده ولم ينطق به .. فلا يلتفت إليه، فلو نطق به لا على صورة الشرط، بل أتى بما اقتضته عبارة المصنف فقال: أذنت لك في بيعه لتعجل المؤجل .. قال الشيخ: فالذي

стр. 1858

وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الأَظْهَرِ. فَصْلٌ: إِذَا لَزِمَ الرَّهْنُ .. فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، ــ يظهر: أن هذا ليس بشرط ولا يلتفت إليه أيضًا، ويكون الإذن صحيحًا والبيع صحيحًا؛ لأنه ليس فيه إلا التصريح بقصده، وأنه الحامل له على الإذن وذلك لا يقتضي اشتراطًا. قال: (وكذا لو شرط رهن الثمن في الأظهر) أي: أذن في البيع بشرط أن يجعل الثمن رهنًا مكانه .. لم يصح؛ لأن الثمن مجهول عند الإذن، كذا علله الرافعي وغيره، ومقتضى هذه العلة: أن الثمن لو كان معلومًا .. صح. والثاني: يصح؛ لأن الرهن قد ينتقل من العين إلى البدل. قال الشيخ: ومحل القولين: إذا كان الدين مؤجلًا سواء شرط كون الثمن رهنًا أم جعله رهنًا، فلو كان حالًا وشرط كون ثمنه رهنًا .. فيصح قطعًا؛ لأنه زاد تأكيدًا، لأن ذلك حكمه إذا أطلق الإذن، وفي المؤجل إذا أطلق الإذن .. بطل الرهن بالبيع. تتمة: يجرى القولان: فيما إذا أذن له في الإعتاق بشرط جعل القيمة رهنًا، أو في الوطء بهذا الشرط إن أحبل، وإذا اختلفا في الإذن بعد البيع فقال المرتهن: أذنت في البيع بشرط أن يرهن الثمن، وقال الراهن: بل مطلقًا .. فالقول قول المرتهن بيمينه، كما لو اختلفا في أصل الإذن. قال: (فصل: إذا لزم الرهن .. فاليد فيه للمرتهن)؛ لأن الثقة بالتوثق إنما تحصل بجعله في يده، لكن يستثنى: ما لو رهن عبدًا مسلمًا، أو مصحفًا من كافر، أو سلاحًا من حربي .. فإنه يوضع عند عدل.

стр. 1859

وَلَا تُزَالُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ .. جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الِانْفِرَادِ بِهِ .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَا .. فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فُسِّقَ .. جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا .. وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ ــ ولو رهن جارية، فإن كانت محرمًا له أو طفلة، أو كان المرتهن امرأة، أو أجنبيًا ثقة وعنده زوجة أو امرأة أو نسوة ثقات .. وضعت عنده، وإلا .. فعند محرم لها أو امرأة ثقة أو عدل بالصفة المذكورة، والخنثى كالجارية لكن لا يوضع عند امرأة. قال: (ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق)؛ جمعًا بين الحقين. قال: (ولو شرطا وضعه عند عدل .. جاز)؛ لأن كلًا منهما قد لا يثق بالآخر ويثق بثالث، وكما يتولى العدل الحفظ يتولى القبض أيضًا. وعبارة (الشرحين)، و (الروضة): في يد ثالث، وهو الصواب؛ فإن الفاسق كالعدل في ذلك، ولا يجوز له أن يسلمه لأحدهما إلا بإذن الآخر، ولا إلى ثالث بغير إذنهما، فإن فعل .. ضمن، ولو كانا غائبين وأراد السفر ولا وكيل لهما .. فحكم تسليمه إلى حاكم حكم الوديعة. قال: (أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به .. فذاك) أي: فيتبع الشرط. قال: (وإن أطلقا .. فليس لأحدهما الانفراد في الأصح)؛ لعدم الرضا بيد واحد. والثاني: يجوز؛ لما في الاجتماع على الحفظ من المشقة. قال: (ولو مات العدل أو فسق .. جعلاه حيث يتفقان، وإن تشاحا .. وضعه الحاكم عند عدل)؛ قطعًا للمنازعة. وكذا إن كان فاسقًا فزاد فسقه، أو كان غير فاسق ولكن تبين عجزه؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وكذا لو اتفقا على إبقائه عنده وقد طرأ فسقه، أو اتفقا على نقله عنه من غير تغير حال .. جاز.

стр. 1860

وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ــ وصورة التشاح قد تستشكل؛ لأنه إن كان قبل القبض .. فالتسليم غير واجب وإجبار الحاكم إنما يكون في واجب، وإن كان بعده .. فلا يجوز نزعه ممن هو في يده. والجواب: أنها مصورة بما إذا وضعاه عنده ففسق أو مات، كما هو ظاهر كلام المصنف. فرع: لو مات المرتهن أو تغير حاله والرهن عنده .. كان للراهن نقله إلى آخر، وليس عليه الرضا بيد وارثه وإن ساوى مورثه في العدالة، فيضعه الحاكم عند عدل. وقيل: لا تزال يدهم، بل يضم إليهم غيرهم إن طلبه الراهن. قال: (ويستحق بيع المرهون عند الحاجة)؛ لأن ذلك فائدة الرهن. واستنبط ابن الرفعة من استحقاق البيع: أنه لا يجب على الراهن الوفاء من غير الرهن كما صرح به الإمام، واستشكله الشيخ عز الدين في (مختصره)؛ لما فيه من تأخير الحق الواجب على الفور بسبب الرهن، ورده الشيخ عليه، وأختار: أنه يجب الوفاء إما من الرهن، وإما من غيره إذا كان أسرع وطالب المرتهن به .. فإنه يجب؛ تعجيلًا للوفاء، وكذلك يستحق بيع المرهون عند الإشراف على التلف قبل الحلول. ووقع في (الفتاوى): أن رجلًا رهن دارًا بدين عليه، ثم غاب وله دار أخرى غير مرهونة، فادعى المرتهن على الغائب عند الحاكم وأثبت الدين والرهن، وكانت كل من الدارين يمكن وفاء الدين من ثمنها، فترك القاضي الدار المرهونة وباع التي ليست بمرهونة؟. فاختبط الفقهاء في ذلك:

стр. 1861

وَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ، وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَاذَنْ .. قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: تَاذَنُ أَوْ تُبْرِئُ. وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ .. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ .. بَاعَهُ الْحَاكِمُ .... ــ فمن قائل بالجواز؛ لأن الواجب الوفاء من مال المديون ولا فرق في ذلك بين المرهون وغيره، كما لو لم يكن بالدين رهن. ومن قائل بعدم الجواز؛ لأن بيع الرهن مستحق وبيع غيره غير مستحق ولا وجه لبيع غير المستحق مع إمكان بيع المستحق. وأفتى الشيخ بأن للحاكم بيع ما يرى بيعه من المرهون وغيره؛ لأن له ولاية على الغائب فيفعل ما يراه مصلحة. وإن كان للغائب نقد حاضر من جنس الدين وطلب المرتهن .. فإنه يوفى منه ويأخذ الرهن، وكذلك إذا كان بيع الرهن أروج .. فإنه يباع دون غيره إذا لم يكن نقد حاضر وطلبه المشتري. قال: (ويقدم المرتهن بثمنه)؛ لأن حقه كان معلقًا به وبالذمة. قال: (ويبيعه الراهن)؛ لأنه المالك. قال: (أو وكيله)؛ لأنه قائم مقامه. قال: (بإذن المرتهن)؛ لاشتراكهما في الحق، ووكيل المرتهن كالمرتهن. قال: (فإن لم يأذن) وأراد الراهن بيعه (.. قال له الحاكم: تأذن أو تبرئ)؛ دفعًا لضرر الراهن. قال: (ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن .. ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه) وذلك بالحبس ثم بالتعزير. وقال أبو حنيفة: لا يبيعه بل يحبسه إلى أن يبيع. قال: (فإن أصر .. باعه الحاكم)؛ دفعًا للضرر، فإن كان الراهن غائبًا .. أثبت

стр. 1862

وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ .. صَحَّ، وَإِلَّا .. فَلَا ــ ذلك عند الحاكم ليبيعه، فإن لم تكن بينة أو لم يكن حاكم .. فله بيعه بنفسه كمن ظفر بمال من له عليه دين وهو جاحد. حادثة: رجل رهن عينًا بدين مؤجل وغاب من له الدين، فأحضر الراهن المبلغ إلى الحاكم وطلب منه قبضه ليفك الرهن .. هل له ذلك؟ أجاب الشيخ بأن له ذلك ويجب عليه؛ لما روى الشافعي [أم ٣/ ١٣٧] عن أنس ﵁: أنه كاتب غلامًا، فأتى الغلام بالنجوم وأراد إقباضها ليعجل له العتق، فامتنع أنس ﵁، فأتى المكاتب عمر بن الخطاب ﵁ وذكر له ذلك، فأمره عمر ﵁ بأخذها منه. وسيأتي نظير هذا في (باب الكتابة) عن أبي سعيد المقبري. قال: (ولو باعه المرتهن بإذن الراهن .. فالأصح: أنه إن باع بحضرته .. صح، وإلا .. فلا)؛ لأنه يبيعه لغرض نفسه فيتهم في الاستعجال وعدم الاحتياط. والثاني: يصح مطلقًا، وبه قال الأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ، كما لو أذن له في بيع غيره من أمواله. والثالث: لا يصح مطلقًا؛ لأنه توكيل فيما يتعلق بحق نفسه. كل هذا إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره، فمن علل بالاستحقاق .. فالمنع مستمر، ومن علل بالتهمة .. صح وهو الأصح، ولو كان الدين مؤجلًا .. انتفى الأمران فيصح في حضرته وغيبته. وحيث صححنا إذنه، فإن قال: بعه لي .. صح، وإن قال: بعه لنفسك .. لم

стр. 1863

وَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ .. جَازَ، وَلَا تُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الأَصَحِّ. فَإِذَا بَاعَ .. فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ. وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَرْهُونُ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي ..... ــ يصح في الأصح، وإن أطلق .. فالأصح: الصحة. وإذن السيد للمجني عليه في بيع العبد الجاني، وإذن الوارث للغرماء في بيع التركة كإذن الراهن للمرتهن. قال: (ولو شرط أن يبيعه العدل .. جاز) أي: صح الشرط سواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا. فلو عزله الراهن .. انعزل، أو المرتهن .. فلا في الأصح؛ لأنه وكيل الراهن وإذن المرتهن شرط فيه. قال: (ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصح)؛ استصحابًا لحكم الإذن الأول. والثاني: يشترط؛ لأنه قد يكون له غرض في استبقائه وقضاء الحق من غيره. واحترز بـ (الراهن) عن المرتهن؛ فإنه لابد من مراجعته، لأنه ربما أمهل أو أبرأ، كذا جزم به العراقيون. وقال الإمام: لا خلاف أن المرتهن لا يراجع؛ لأن غرضه توفية الحق، بخلاف الراهن؛ لما تقدم، وبيَّن في (المهمات) تبعًا للشيخ: أنه لا تنافي بين الطريقين. قال: (فإذا باع .. فالثمن عنده من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن)؛ لأنه ملكه. وقال أبو حنيفة ومالك: هو من ضمان المرتهن، ولو ادعى العدل تلفه .. قُبل قوله كالمودع. قال: (ولو تلف ثمنه في يد العدل ثم استحق المرهون، فإن شاء المشتري ..

стр. 1864

رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ شَاءَ .. عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ .... ــ رجع على العدل)؛ لوضع يده (وإن شاء .. على الراهن، والقرار عليه)؛ لأنه ألجأ المشتري شرعًا إلى التسليم للعدل بحكم توكيله. والمراد بـ (التلف في يد العدل): أن يكون ذلك بغير تفريط، فإن فرط .. اقتصر الضمان على العدل. هذا إذا لم يكن العدل مأذونًا له من جهة الحاكم لموت الراهن أو غيبته، فإن كان .. فالأصح: أن المشتري يرجع على الراهن فقط إن كان حيًا، وإلا .. ففي تركته، ولا يكون العدل طريقًا في الضمان؛ لأنه نائب عن الحاكم، فإن كان البائع الحاكم .. لم يطالب به قطعًا ابتداء ولا قرارًا. فرع: انتهى الثمن إلى يد الراهن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًا .. طالب المشتري الراهن قطعًا، وأما الوكيل، فإن لم يمر الثمن بيده .. لا مطالبة عليه، وإن مر بيده .. فوجهان: أصحهما: يطالب والقرار على الراهن، وهذا الفرع كثيرًا ما يلتبس على الحكام، وسيأتي في (الوكالة). قال: (ولا يبيع العدل إلى بثمن مثله حالًّا من نقد بلده) كالوكيل، هذا عند إطلاق الإذن، فلو باع بأقل من ثمن المثل بقدر يسير في العرف .. صح، وإلا .. فلا. وعبارته توهم: أن الراهن والمرتهن ليسا كذلك، والمتجه: إلحاقهما به، فلو قال: ولا يباع .. لكان أعم، وقد يقال: إنهما إذا اتفقا على بيعه بشيء .. لا اعتراض عليهما؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.

стр. 1865

فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ .. فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ ــ قال: (فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار .. فليفسخ وليبعه) سواء كان خيار مجلس أو شرط، وهو أحسن من قول (المحرر) و (الشرح): قبل التفرق. والمراد: أنه لا ينفسخ بمجرد الزيادة وهو كذلك في الأصح، لكن لا يبادر إليه إلا بعد ظهور استقرار الزيادة، فإن ظهر له استقرارها فلم يفسخ .. انفسخ في الأصح. ولو باع العدل من الراغب ولم يفسخ .. صح على الأصح، بل قد يقال: البيع بدون الفسخ أولى؛ لأنه قد يفسخ فيرجع الراغب، فلو قال له: تخير بين الفسخ وبين البيع بلا فسخ .. كان أولى. وإذا قلنا بالأصح فلم يعلم الوكيل حتى انقضى الخيار والزيادة مستقرة .. قال الشيخ: فالأقرب: أنه يبين الفسخ، لكن لم أر من صرح به. حادثة: رجل عليه دين رهن به كرمًا، وحل الدين وهو غائب، وأثبت صاحب الدين الإقرار والرهن والقبض وغيبة الراهن، وثبت عند الحاكم: أن قيمته قدر الدين، فأذن في تعويضه للمرتهن عن دينه، ثم بعد مدة قامت بينة: أن قيمته يوم التعويض أكثر، وكان يوم التعويض يوم التقويم الأول. أجاب الشيخ: يستمر التعويض ولا يبطل بقيام البينة الثانية مهما كان التقويم الأول محتملًا؛ لأنه بيع في دين واجب على صاحبه فلا يبطل بالبينة المعارضة، ولأن فعل هذا المأذون كفعل الحاكم، وقد اختلف فيه هل هو حكم أو لا؟ وعلى كل تقدير لا يجوز نقضه إلا بمستند، والبينة المعارضة لا تصح مستندًا.

стр. 1866

وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ ــ قال: (ومؤنة المرهون على الراهن) بالإجماع، ولا يقدح في ذلك قول الحسن بن صالح: إنها على المرتهن. وشملت عبارته: النفقة والكسوة والعلف والسقي وتجفيف الثمار وأجرة الإصطبل والبيت الذي يحفظ فيه المتاع. قال: (ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح)؛ استبقاءً للوثيقة. والمراد: أنه يجبر عليها من ماله لا من الرهن. والثاني: لا يجبر، لكن يبيع الحاكم عند امتناعه جزءًا من المرهون بحسب الحاجة، فلو كانت المؤنة تستغرقه قبل الأجل .. بيع ورهن ثمنه. وقوله: (لحق المرتهن) أشار بذلك إلى أن له المطالبة بها، وكان الأحسن حذف (الواو) أو حذفها وما عطفته؛ لأنه حشو، وجزم الأكثرون بأن الراهن لا يجبر على المداواة، وأجرى المتلوي فيها الوجهين. والظاهر: أنه لا فرق بين المداواة عن جراحة أو مرض. قال: (ولا يمنع الراهن من مصلحة المرهون كفصد وحجامة) أي: عند الحاجة إليهما؛ لأنه يحفظ به ملكه، وكذلك له المعالجة بالأدوية المظنونة النفع. وفي معنى (الفصد) توديج الدابة، وهو: فتح الودجين، وهما: عرقان عريضان في صفحتي العنق. وكذلك تبزيغها، وهو: فتح الرهصة، وهو: الماء في الحافر. وكذلك له المعالجة بالمراهم ونحوها. وله أن يفعل ما فيه مصلحة كدهن الماشية الجرباء.

стр. 1867

وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ ــ وله رعيها في وقت الأمن وتأوي ليلًا إلى من له عليه اليد. وله تأبير النخل. وما يحصل من السعف والليف الذي يقلع كل سنة والعراجين للراهن كالثمرة، وما كان موجودًا عند الرهن مرهون. قال: (وهو أمانة في يد المرتهن)؛ لقوله ﷺ : (الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه). وفي رواية: (لا يغلق الرهن على راهنه، له غنمه وعليه غرمه) رواه الدارقطني [٣/ ٣٢] وابن حبان [٥٩٣٤] والحاكم [٢/ ٥١]، وقال: على شرط الشيخين. ومعنى قوله: (من راهنه) أي: من ضمان راهنه. قال الشافعي ﵁: هذا من أفصح ما قالت العرب: الشيء من فلان، أي: من ضمانه. وقوله: (لا يغلق) معناه: لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله الإسلام. وممن قال بأن الرهن أمانة من الصحابة: أبو هريرة ﵁، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، ومن أتباعهم: ابن أبي ذئب وأحمد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: إنه مضمون بأقل الأمرين من قيمته أو الحق المرهون به. وقال مالك: إن كان تلفه ظاهرًا .. فغير مضمون، وإن كان باطنًا .. ضمن بقيمته. قال: (ولا يسقط بتلفه شيء من دينه)؛ لأنه وثيقة في دين ليس بعوض فيه فلا يسقط الدين بتلفه كالضامن والشاهد. قال الشيخ: وقول المصنف: (ولا يسقط) بـ (الواو) أحسن من حذفها في (المحرر) و (الشرحين) و (الروضة)؛ لأنها تدل على ثبوت حكم الأمانة مطلقًا حتى يصدق في التلف، ولا يلزمه ضمانه لا بقيمة ولا بمثل خلافًا لمن خالف فيه،

стр. 1868

وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ ــ لكنه لو عطف بـ (الفاء) كصاحب (التنبيه) .. كان أحسن؛ فإنه يفيد ثبوت الأمانة مطلقًا، ويسبب عدم السقوط عنها. فروع: ليس للراهن أن يقول: أحضر المرهون وأنا أقضي دينك من مالي، بل لا يلزمه الإحضار بعد قضائه، وإنما عليه التمكين كالمودع، والإحضار وما يحتاج إليه من مؤنة على رب المال. ولو قال: خذ هذا الكيس واستوف حقك منه .. فهو أمانة في يده إلى أن يستوفي، فإذا استوفاه .. صار مضمونًا عليه. ولو قال: خذه بدراهمك وكانت الدراهم التي فيه مجهولة القدر أو كانت أكثر من دراهمه .. لم يملكه ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد، وإن كانت معلومة بقدر حقه .. ملكها إذا لم تكن للكيس قيمة، فإن كانت .. فهو من مسألة مد عجوة. قال: (وحكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان) أي: في أصل الضمان لا في مقداره، فالذي يقتضي صحيحُه الضمان بعد التسليم كالبيع والقرض والعمل في القراض والإجارة يقتضيه فاسده أيضًا، وما لا يقتضيه كالرهن والعين المستأجرة والهبة لا يقتضيه فاسده. أما الأول .. فلأن الصحيح إذا وجب الضمان فالفاسد أولى، وأما الثاني .. فلأن إثبات اليد عليه بإذن المالك ولم يلتزم بالعقد ضمانه، وهذه القاعدة ذكرت هنا؛ لأنه يترتب عليها فروع كرهن المغصوب وما سيأتي. ويستثنى من طردها: إذا قال: قارضتك على أن الربح كله لي، أو ساقيتك على أن الثمرة كلها لي .. فلا أجرة لهما كما سيأتي في موضعه. وإذا عقد الجزية غير الإمام .. فإنها لا تصح على الصحيح، ولا جزية فيها على الذمي على الأصح. وإذا استأجر الأب الأم لإرضاع الولد وقلنا بالفساد .. لا أجرة على الأصح.

стр. 1869

وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ .. فَسَدَا. وَهُوَ قَبْلَ الْمَحِلِّ أَمَانَةٌ، ــ وإذا قال الإمام لمسلم: إن دللتني على القلعة الفلانية فلك منها جارية ولم يعينها .. فالأصح: صحة العقد كما لو جرى مع كافر. فإن قلنا: لا تصح هذه العجالة فدل .. لا يستحق أجرة، ومن عكسها: عمل الشريك في نصيب صاحبه غير مضمون إذا كانت الشركة صحيحة، ومضمون إذا كانت فاسدة، وهذه ذكرها المصنف في بابها. وكذلك الهبة إذا صحت .. تكون العين غير مضمونة، وكذا إذا فسدت على الأصح، كما صححه المصنف في زياداته في آخر (باب الهبة)، واعترض به على الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، لكه جزم في (الشرح الصغير) بمقابله. وما لا يقتضي صحيحه الضمان إذا صدر من سفيه أو صبي .. يكون مضمونًا أيضًا على قابضه منه مع فساده. قال البغوي في (الفتاوى): إذا استأجر الولي رجلًا لأمر من أمور الصبي إجارة فاسدة ككثير من الإجارات الواقعة في هذا الزمان .. فأجرة المثل على الولي؛ لأن العقد لم ينعقد في حق الصبي. قال: (ولو شرط كون المرهون مبيعًا له عند الحلول .. فسدا) أي: الرهن والبيع، أما الرهن .. فلتأقيته بالحلول، والبيع .. لتعليقه. وخرج بقوله: (ولو شرط) ما إذا قال: رهنتك وإذا لم أقضك عند الحلول فهو مبيع منك .. فسد البيع. قال الشيخ: ويظهر أن الرهن لا يفسد؛ لأنه لم يشترط فيه شيئًا، وكلام الروياني يقتضيه، ولم يتعرض الرافعي لها. قال: (وهو قبل المحل أمانة)؛ لأنه مقبوض بحكم الرهن الفاسد، وهذا من ثمرة القاعدة المتقدمة.

стр. 1870

وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ. وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ .. فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ إِسْلَامُهُ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ ــ وأما بعد المحل .. فهو مضمون؛ لأنه مقبوض بحكم الشراء الفاسد. وفي وجه: إنما يضمنه إذا أمسكه بعد المحل على جهة البيع، أما إذا أمسكه على جهة الدين .. فلا. قال: (ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه)؛ لأنه أمين، ولا يلزمه شيء، وما أوهمه كلام (الوسيط) من خلاف في تصديقه لا يغتر به؛ إذ لا خلاف فيه. هذا إذ لم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا خفيًا، فإن ذكر ظاهرًا .. ففيه التفصيل المذكور في (الوديعة). قال: (ولا يصدَّق في الرد عند الأكثرين)؛ لأنه قبضه لغرض نفسه فكان كالمستعير، وأيضًا إقامة البينة على الرد ممكنة، وكذا الحكم في دعوى المستأجر ردَّ العين، وقيل: يصدَّق كالمودع. ولو ادعى وارث المرتهن الرد .. لم يقبل قطعًا، ولو ادعى المرتهن الرد على رسول الراهن .. لم يصدَّق في الأصح. قال: (ولو وطئ المرتهن المرهونة بلا شبهة .. فزانٍ) يجب عليه الحد إجماعًا، فإن كانت شبهة كأن ظنها زوجته أو أمته .. فلا حد، وعليه المهر، والولد حر نسيب، وعليه قيمته للراهن، وأسقط أبو حنيفة الحد؛ لشبهة كونها مرهونة، ولم يقل أحد من المسلمين بحل الوطء. واعترض الشيخ على المصنف في قوله: (فزانٍ)؛ لأنه (لو) لا تجاب بـ (الفاء)، وكان الصواب أن يقول: كان زانيًا. قال: ويقع في كلام الفقهاء هذا، كأنهم أجروها مجرى (إن). قال: (ولا يقبل قوله: جهلت تحريمه، إلا أن يقرب إسلامه، أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء)؛ لأنه يخفى عليه ذلك.

стр. 1871

وَلَوْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الأَصَحِّ فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ ــ قال: (ولو وطئ بإذن الراهن .. قبل دعواه جهلَ التحريم في الأصح فلا حد)؛ لأن التحريم مع الإذن قد يخفى على كثير من الناس. والثاني: لا تقبل دعواه؛ لبعدها، ويحدُّ. وذكر الإمام في (النهاية) عن عطاء: أنه كان يجيز إعارة الجواري للوطء، وكان يبعث بالجواري إلى ضيفانه، وهذا تبعد صحته عنه، وبتقدير صحته ليس بشبهة؛ لضعفه، والحدُّ لا يُدرأ بالمذاهب إنما يدرأ بما يتمسَّك به أهل المذاهب من الأدلة، وليس لعطاء في هذا متمسك. قال: (ويجب المهر إن أكرهها)؛ لأن وجوبه حيث لا يجب الحد حق للشرع فلا يؤثر فيه الإذن كالمفوضة. وفي قول: لا يجب، للإذن، وهذا حكاه في (المحرر) وجهًا، وأسقطه المصنف. وأفهم كلامه: أنها إذا طاوعته .. لم يجب المهر، وهو كذلك، لقوله ﷺ : (لا مهر لبغي). قال: (والولد حر نسيب) كسائر الشبهات. قال: (وعليه قيمته للراهن)؛ لأن المالك رضي بإتلاف المنفعة لا بالإحبال، ولا تصير الأمة أم ولد في الحال، وكذا لو ملكها بعد ذلك. ويلغز بهذه فيقال: رجل وطئ أمة لغيره لم نوجب عليها مهرها ويجب عليه قيمة أولادها؟

стр. 1872

وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ وَقَبَضَ بَدَلَهُ .. صَارَ رَهْنًا، وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ .. لَمْ يُخَاصِمِ الْمُرْتَهِنُ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (ولو أتلف المرهون وقبض بدله .. صار رهنًا)؛ لقيامه مقامه، ويجعل في يد من كان الأصل في يده، وكذلك لو جني عليه فأخذ أرش الجناية .. تعلق به حق المرتهن؛ لأن الأرش بدل عن الفائت فقام مقامه، وكذلك لو ظهر المرهون وقفًا وأخذت قيمته من البائع، وسيأتي في (كتاب الوقف) ذكر المسألة ونظائرها إن شاء الله تعالى. وقوله: (وقبض) يقتضي: أنه لا يكون رهنًا قبل قبضه، والأصح: خلافه. وظاهر عبارته: أنه يصير رهنًا بغير إنشاء صيغة رهن، وهو كذلك في (الروضة) هنا. وحكى الرافعي في نظيره من الوقف وجهين، وقال: إنهما جاريان في بدل المرهون، وصحح المصنف: أنه لابد من إنشاء وقف فيه، وقد يتوهم من هذا: أنه لابد من إنشاء الرهن هنا على الأصح، واستبعده الشيخ، وفرق بأن هنا جميع أحكام الرهن ثابتة له فلا فائدة في إنشاء الرهن، وهناك قبل الوقف لم يصر وقفًا وإنما استحق أن يوقف، وقد يرى الناظر المصلحة في رده، ووقف غيره بخلاف هذا. قال: (والخصم في البدل الراهن)؛ لأنه المالك، وإذا خاصم .. فللمرتهن أن يحضر خصومته؛ لتعلق حقه بما يأخذه. وإن نكل الراهن .. فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان، كغرماء المفلس. وقال أبو حنيفة: الخصم في البدل المرتهن؛ لتعلق حقه به. قال: (فإن لم يخاصم .. لم يخاصم المرتهن في الأصح)؛ لأنه غير مالك. والثاني: يخاصم؛ لتعلق حقه بما في ذمته، وبهذا جزم القاضي، ونسبه الإمام إلى المحققين، وجزم هو والغزالي به، فلذلك اختاره الشيخ.

стр. 1873

فَلَوْ وَجَبَ قِصَاَصٌ .. اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ. فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ بِعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ .. لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ وَلَا إِبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَانِيَ ــ الخلاف في (الشرح) و (الروضة) وغيرهما قولان، فكان الصواب: التعبير بالأظهر. قال: (فلو وجب قصاص .. اقتص الراهن)؛ لأنه ولي الدم. قال: (وفات الرهن)؛ لفوات العين وبدلها، ولا يجب على السيد أن يعفو على مال، بل له أن يقتص من العبد الذي قتله. هذا إذا كانت الجناية على النفس، فإن كانت على الطرف فاقتص .. بقى الرهن بحاله. قال: (فإن وجب المال بعفوه أو بجناية خطأ .. لم يصح عفوه عنه)؛ لأنه يبطل به حق المرتهن، وفي قوله: ينفذ إذا انفك الرهن. وقوله: (بجناية خطأ) زيادة مضرة؛ فإنه لو وجب المال بجناية العمد ابتداء؛ لكون الجاني حرًا أو والدًا أو غير ذلك مما يمنع القصاص .. كان كذلك. قال: (ولا إبراء المرتهن الجاني)؛ لأنه غير مالك، ولا يبطل بهذا الإبراء حقه من الوثيقة على الأصح. فروع: لو صالح الراهن عن الأرش على جنس آخر .. لم يصح إلا بإذن المرتهن، فإن أذن .. صح وكان المأخوذ رهنًا، وللرافعي فيه إشكال، ولغيره جواب عنه، وإذا لم تنقص القيمة بالجناية كما إذا قطع ذكر العبد .. فالأرش للراهن لا حق للمرتهن فيه، قاله الماوردي وغيره. ولو أقر إنسان: أنه جنى على المرهون، فصدقه المرتهن، وكذبه الراهن .. أخذ منه الأرش وكان رهنًا، فإذا برئ من الدين بغيره .. فالأصح: أن الأرش يرد إلى

стр. 1874

وَلَا يَسْرِي الرَّهْنُ إِلَى زِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ كَثَمَرٍ وَوَلَدٍ، وَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ .. بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ .. بِيعَ مَعَهَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ .. فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الأَظْهَرِ. ــ المقر، وقيل: يجعل في بيت المال. وإذا أخذت قيمة المرهون للحيلولة .. فمقتضى ما ذكره القاضي في (الفتاوى): أنه لا يتعلق بها حق المرتهن. قال: (ولا يسري الرهن إلى زيادة منفصلة كثمر وولد) أي: حدث الحمل بهما بعد الرهن وانفصلا قبل البيع؛ لأنه عقد لا يزيل الملك فلم يسر إلى النماء كالإجارة، وبالقياس على ولد الجناية؛ فإن الأرش لا يتعلق به بالاتفافق بيننا وبين أبي حنيفة، وقد خالف هنا، وخالف مالك في الولد في الموضعين ووافق على الثمر، وكلهم اتفقوا في الكسب على أنه ليس برهن، أما المتصلة .. فتتبع الأصل. قال: (ولو رهن حاملًا وحل الأجل وهي حامل .. بيعت)؛ لأنا إن قلنا: الحمل يعلم .. فكأنه رهنهما، وإلا .. فقد رهنها والحمل محض صفة. قال: (وإن ولدته .. بيع معها في الأظهر)؛ بناء على أن الحمل يعلم ومقابله مبني على مقابله. قال: (وإن كانت حاملًا عن البيع دون الرهن .. فالولد ليس برهن في الأظهر)؛ بناء على أنه يعلم. والثاني: أنه كزيادة متصلة فلا يمنع من بيعها. وعبارة المصنف تقتضي: أنه على هذا القول يوصف بأنه مرهون، وليس كذ لك؛ لأنه إذا لم يعلم .. فلا حكم له، وإنما أراد التبعية في البيع. وإذا قلنا بالأظهر .. تعذر بيعها حتى تضع؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن، وبيعها حاملًا يقتضي التوزيع، والحمل لا تعرف قيمته.

стр. 1875

فَصْلٌ: جَنَى الْمَرْهُونُ .. قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنِ اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ .. بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ .. بَطَلَ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ .. لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ ــ فلو سأل الراهن: أن تباع ويسلم الثمن كله للمرتهن .. قال في (الأم): فذلك له. تتمة: ضرب شخص الجارية المرهونة فألقت جنينًا ميتًا .. فعليه عشر قيمة الأم ولا يكون مرهونًا، فإن نقصت الجارية بالإجهاض .. فلا شيء على الضارب، ولكن قدر أرش النقص في العشر يكون رهنًا، وإن نقصت بالضرب .. وجب أرشه ويكون رهنًا، وأما أرش البكارة .. فمرهون؛ لأنه ليس جزءًا من الزوائد بل بدل جزء. قال: (فصل: جنى المرهون .. قُدِّم المجني عليه)؛ لأنه حق متعلق بالرقبة، وحق المرتهن ثابت في الذمة أيضًا فلا يفوت بفوات العين. هذا إذا لم يأمره السيد بالجناية، فإن أمره وكان العبد لا يميز أو أعجميًا يعتقد وجوب طاعته .. فالجاني السيد، ولا يتعلق برقبة العبد شيء. قال: (فإن اقتص أو بيع له .. بطل الرهن)؛ لفوات محله، فإذا سقط حق المجني عليه بعفو أو فداء أو اقتص في الطرف .. بقي الرهن، فلو عاد إلى ملكه .. لم يعد رهنًا إلا بعقد جديد. قال: (وإن جنى على سيده فاقتص) أي: المستحق، سيدًا كان أو وارثه، أو السلطان عند عدمهما، وأشار بذلك إلى أن للسيد أن يقتص للزجر والانتقام، وهو أحوج إلى ذلك من الأجانب. قال: (.. بطل) أي: الرهن في المقتص منه، نفسًا كان أو طرفًا؛ لما تقدم. قال: (وإن عُفي على مال .. لم يثبت على الصحيح) وكذلك لو كانت الجناية خطأ؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مال.

стр. 1876

فَيَبْقَى رَهْنًا، وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ .. بَطَلَ الرَّهْنَانِ. وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ .. تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ، وَقِيلَ: يَصِيرُ رَهْنًا، ــ والثاني –وبه قال ابن سريج-: يثبت ويتوصل به الراهن إلى فك الرهن. وينبغي أن يقرأ (عُفي) بضم العين؛ ليشمل ما إذا كانت الجناية على نفس السيد وعفا الوارث، وما إذا كانت على طرف أو نفس من يستحق القصاص عليه فعفا. والصحيح في الجميع واحد، لكن الخلاف مختلف، فإن كان مراد المصنف عفو الوارث عن الجناية على نفس السيد .. فالخلاف قولان، وإن أراد عفو السيد عن الجناية على طرف .. كان موافقًا لما في (الروضة)؛ فإنه عبر فيها بالصحيح، لكن يكون أسقط مسألة عفو الوارث، وهي في (المحرر)، فلو عبر بالأظهر .. لنص على مسألة الوارث، وفهمت مسألة السيد من باب أولى، بخلاف العكس، ولو جنى على السيد خطأ .. كان كالعفو. قال: (فيبقى رهنًا) أي: لازمًا لا يباع في الجناية، وعلى مقابله هو رهن أيضًا، لكن يباع فيها كما لو كانت على أجنبي. قال: (وإن قتل مرهونًا لسيده عند آخر فاقتص .. بطل الرهنان)؛ لفواتهما. قال: (وإن وجب مال .. تعلق به حق مرتهن القتيل) سواء وجب بعفو أو بجناية الخطأ؛ لأنه بدله، ولأن السيد لو أتلف المرهون .. غرم قيمته لحق المرتهن، فإذا أتلفه عبده .. كان تعلق الغرم به أولى، وإنما وجب المال وإن كان السيد لا يثبت له على عبده ذلك؛ لأجل تعلق حق الغير. قال: (فيباع وثمنه رهن)؛ لأن حق مرتهن القتيل في مالية العبد القاتل لا في عينه، وأشار إلى أنه يصير رهنًا من غير إنشاء رهن، وهو كذلك كما تقدم. قال: (وقيل: يصير رهنًا)، إذ لا فائدة في البيع، بل ينتقل إلى مرتهن القتيل ليتوثق به. وإنما يظهر أثر الخلاف: إذا طلب الراهن النقل ومرتهن القتيل البيع، أما إذا عكس .. فيجاب الراهن، فلو اتفق الراهن والمرتهنان على شيء .. اتبع.

стр. 1877

فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ .. نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ، أَوْ بِدَيْنَيْنِ وَفِي نَقْلِ الْوَثِيقَةِ غَرَضٌ .. نُقِلَتْ. وَلَوْ تَلِفَ مَرْهُونٌ بِآفَةٍ .. بَطَلَ. وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ .. لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ ــ قال: (فإن كانا مرهونين عند شخص بدين واحد .. نَقَصَت الوثيقة) كما لو مات أحدهما، و (نَقَصَت) بفتح النون والصاد المهملة من النقصان. قال: (أو بدينين وفي نقل الوثيقة غرض .. نقلت) كما إذا اختلف الدينان حلولًا وتأجيلًا، وكذا قدرًا والقتيل مرهون بأكثرهما، وحيث كان القاتل أكثر قيمة .. نقل منه بقدر قيمة القتيل فقط، وهل تنقل عينه أو ثمنه؟ وجهان، أما إذا لم يكن غرض .. فلا نقل، كرهن القتيل بأقلهما. قال: (ولو تلف مرهون بآفة .. بطل) أي: انفك الرهن؛ لفوات محله، وليس المراد: أنه يرتفع العقد كالفسخ. قال: (وينفك بفسخ المرتهن)؛ لأن الحق له، وهو جائز من جهته، فله فسخه متى شاء. قال: (وبالبراءة من الدين) سواء كان بإبراء، أو قضاء، أو اعتياض، أو إقالة عن سبب الدين المرهون به، أو انتقال الدين إلى من عليه بإرث أو حوالة؛ لزوال المانع. قال: (فإن بقي شيء .. لم ينفك شيء من الرهن) بالإجماع؛ لأن الرهن وثيقة بالدين وبكل جزء منه فكان كرقبة المكاتب. ولو شرط: أنه كلما قضى من الحق شيئًا انفك من الرهن بقدره .. فسد الرهن؛ لاشتراط ما ينافيه. حادثة: سئل شيخ الإسلام عن رهن اتحد عقدًا وراهنًا ومرتهنًا، ثم إن المرتهن فك الرهن

стр. 1878

وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا .. انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبِرَئَ أَحَدُهُمَا .. انْفَكَّ نَصِيبُهُ ــ في بعض المرهون، هل ينفك ذلك البعض ويصير الباقي رهنًا بجميع الدين المرهون به أو لا؟ أجاب: نعم ينفك ذلك البعض ويصير الباقي رهنًا بالدين المرهون به. قال: وقد وقعت هذه المسألة قديمًا بالبهنسا، ووقع فيها تنازع، وكتبت فيها بهذا، وهو المعتمد، وما ذكر من قول من يقول: لا ينفك البعض .. فذلك في صور ليس هذه منها، إنما مرادهم ما يكون الانفكاك بأداء، أو إبراء، أو حوالة، ونحو ذلك مما يقتضي فراغ الذمة عن ذلك القدر المتعلق بذلك البعض من جهة التعدد، ولهذا لم يتعرض لصورة تلف بعض المرهون ونحوه مما لا يقتضي فراغ الذمة عن ذلك القدر المتعلق بذلك البعض. قال: (ولو رهن نصف عبد بدين ونصفه بآخر فبرئ من أحدهما .. انفك قسطه)؛ لتعدد الصفقة بتعدد الراهن. قال: (ولو رهناه فبرئ أحدهما .. انفك نصيبه)؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع قطعًا والراهن كالبائع، وعن أبي حنيفة خلافه. تتمة: إذا انفك الرهن في نصيب أحدهما وطلب القسمة، فإن كان المرهون مما يقسم بالأجزاء وهو المثليات كالمكيلات والموزونات والمذروعات المتساوية الأجزاء .. فله أن يقاسم المرتهن بإذن شريكه، نص عليه.

стр. 1879

فَصْلٌ: اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ .. صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، وَإِنْ شُرِطَ فِي بَيْعٍ .. تَحَالَفَا ــ وإن كان مما لا ينقسم بالأجزاء كالثياب والعبيد .. قال العراقيون: لا يجاب إليه، وإن كان أرضًا مختلفة الأجزاء كالدار .. لزم الشريك أن يوافقه، وفي المرتهن وجهان: أصحهما: له الامتناع؛ لما في القسمة من التبعيض وقلة الرغبة. قال: (فصل: اختلفا في الرهن) إما في أصله؛ بأن قال رب الدين: رهنتني كذا، وأنكر المالك، أو قال: رهنتني عبدك، فقال: بل ثوبي. قال: (أو قدره) كما إذا قال: رهنتني هذين العبدين، فقال: بل أحدهما (.. صُدِّق الراهن بيمينه إن كان رهن تبرع)؛ لأن الأصل يعضده، وهو عدم الرهن، سواء كانت العين في يد الراهن أو المرتهن. وفي وجه: يصدق المرتهن بيمينه إذا كانت في يده. ولو عبر المصنف بدل (الراهن) بالمالك .. كان أولى؛ لأن منكر الرهن ليس براهن. قال: (وإن شُرط في بيع .. تحالفا) كسائر كيفيات البيع إذا اختلف فيها. والمراد: أنهما اختلفا كيف صدر البيع مع اتفاقهما على اشتراط الرهن واختلافهما في شيء مما تقدم كأصل الرهن وقدره؟ فهذا في الحقيقة اختلاف في كيفية عقد البيع، فيقضى بالتحالف، وهذه يعلم حكمها من (باب التحالف) فهي مستغنىً عنها. لكن يرد عليه ما لو اتفقا على البيع بشرط الرهن واختلفا في الوفاء به -أي: هل رهن أو لا؟ - فادعاه المرتهن، وأنكره الراهن ليأخذ الرهن ويتوصل به إلى أن يفسخ المرتهن البيع .. فلا تحالف، بل يصدَّق الراهن؛ فإنهما لم يختلفا في كيفية البيع الذي هو مناط التحالف.

стр. 1880

وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِئَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا .. فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ فِي نَصِيبِ الثَّانِي قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدِّقِ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ: غَصَبْتَهُ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَقْبَضْتُهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي الأَصَحِّ ــ قال: (ولو أدعى أنهما رهناه عبدهما بمئة وصدقه أحدهما .. فنصيب المصدق رهن بخمسين)؛ مؤاخذة بإقراره (والقول في نصيب الثاني قوله بيمينه)؛ لما تقدم. قال: (وتقبل شهادة المصدق عليه) أي: على النافي؛ لخلوها عن جلب نفع ودفع ضرر، فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي .. ثبت رهن الجميع، ولو زعم كل منهما: أنه لم يرهن وأن شريكه رهن وشهد .. قبلت شهادتهما في الأصح؛ لأنهما ربما نسيا، وإن تعمدا .. فالكذبة الواحدة لا توجب الفسق، ولهذا لو تخاصم رجلان في شيء ثم شهدا في حادثة .. قبلت شهادتهما وإن كان أحدهما كاذبًا في ذلك التخاصم. ولك أن تقول: إنما لا توجب الكذبة الفسق إذا لم يكن جحد حق. وعن ابن القطان وجه ثالث: أن الذي شهد أولًا تقبل شهادته دون من شهد آخرًا؛ لأنه انتهض خصمًا. قال: (ولو اختلفا في قبضه، فإن كان في يد الراهن، أو في يد المرتهن وقال الراهن: غصبتَه .. صُدِّق بيمينه)؛ لأن الأصل عدم اللزوم وعدم الإذن في القبض. قال: (وكذا إن قال: أقبضته عن جهة أخرى في الأصح) كإيداع أو إعارة أو كراء ونحوها؛ لأن الأصل عدم إذنه في القبض عن جهة الرهن.

стр. 1881

وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ .. فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، وَقِيلَ: لَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ لإِقْرَارِهِ تَاوِيلًا كَقَوْلِهِ: أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ ــ والثاني: القول قول المرتهن؛ لأنهما اتفقا على قبض مأذون فيه وأراد الراهن أن يصرفه إلى جهة أخرى، والظاهر خلافه؛ لتقدم العقد المحوج إلى القبض. قال: (ولو أقر بقبضه ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة .. فله تحليفه) أي: للراهن تحليف المرتهن: أنه أقبضه؛ لأنا نعلم غالبًا: أن الوثائق يشهد عليها قبل تحقق ما فيها. قال: (وقيل: لا يحلفه إلا أن يذكر لإقراره تأويلًا كقوله: أشهدت على رسم القبالة)؛ لأنه ذكر أمرًا محتملًا. وقيل: لا يحلفه مطلقًا. وقال القفال: إذا أقر في مجلس القاضي .. لا يحلفه وإن ذكر تأويلًا. وقال غيره: لا فرق. وقال الإمام: إن اتحد المجلس .. كان كإكذابه نفسه، وإن اعتذر في مجلس آخر .. قُبِل. ومن التأويل: أن يقول: إنما أقبضته بالقول ظانًا أنه يكفي، أو جاءني كتاب عن وكيلي: أنه أقبض، فبان مزورًا. والخلاف جار: فيما إذا أقر لزيد بألف وشهدت عليه بينة بذلك، فقال: إنما أقررت بذلك؛ لأنه وعدني أن يقرضني فحلِّفوه. وأفتى ابن الصلاح بأنه إذا ادعى: أن المال الذي أقر به كان في يده مضاربة .. أن له أن يحلفه؛ لأن ذلك قد يفعل. ولو كان رب الدين قد أقبضه عوضه .. لم يكن له أن يحلفه: أنه أقبضه إياه.

стр. 1882

وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: جَنَى الْمَرْهُونُ، وَأَنْكَرَ الآخَرُ .. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ .. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: جَنَى قَيْلَ الْقَبْضِ .. فَالأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ فِي إِنْكَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ .. غَرِمَ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَغْرَمُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، ــ و (الرسم): الكتابة. و (القَبالة) بفتح القاف: الورقة التي يكتب فيها الإقرار بدين أو غيره. قال: (ولو قال أحدهما: جنى المرهون، وأنكر الآخر .. صدق المنكر بيمينه)؛ لأنه الأصل، والمراد: أنه قال: جنى بعد القبض، وذلك يفهم من قوله بعده: (قبل القبض). قال: (ولو قال الراهن: جنى قبل القبض .. فالأظهر: تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره)؛ صيانة لحقه، لأن الراهن قد يواطئ المجني عليه والعبد على إبطال حق المرتهن. والثاني: يصدق الراهن؛ لأنه أقر في ملكه بما لا يجر لنفسه نفعًا. وفي قول ثالث –انفرد به الإمام والغزالي-: إن كان موسرًا .. قبل، وإلا .. فلا، كالإعتاق. ومحل القولين في المسألة: إذا عين الراهن المجني عليه فصدقه، وإلا .. فالرهن بحاله جزمًا، ودعوى الراهن زوال الملك كدعوى الجناية. قال: (والأصح: أنه إذا حلف .. غرم الراهن للمجني عليه) كما لو قتله؛ لأنه حال بينه وبين حقه. والثاني: لا يغرم، وهما مبنيان على قولي الحيلولة، بل الخلاف في المسألة هو ذلك، وهو قولان لا وجهان، فكان الصواب: التعبير بالأظهر. قال: (وأنه يغرم الأقلَّ من قيمة العبد وأرشِ الجناية) كما في جناية أم الولد؛ لامتناع البيع. والثاني: أرشَ الجناية بالغًا ما بلغ، وهما في كل عبد جان.

стр. 1883

وَأَنِّهُ لَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ .. رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَا عَلَى الرَّاهِنِ. فَإِذَا حَلَفَ .. بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ فَبِيعَ وَرَجَعَ عَنِ الإِذْنِ وَقَالَ: رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَعْدَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ. وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وقَالَ: أَدَّيْتُهُ عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ ــ قال: (وأنه لو نكل المرتهن .. ردت اليمين على المجني عليه، لا على الراهن)؛ لأن الحق المقر به إنما هو للمجني عليه لا للراهن. والثاني: على الراهن؛ لأن الخصومة بينهما، وعبارته تقتضي: أنهما وجهان أيضًا، والأصح: قولان. يقال: نَكل عن اليمين –بفتح الكاف- ينكُل –بضمها- أي: جَبُنَ، والناكل: الجبان الضعيف. وقال أبو عبيدة: نكِل بالكسر لغة فيه، وأنكره الأصمعي. قال (فإذا حلف .. بيع في الجناية)؛ لثبوتها باليمين المردودة. وعلى هذا: لا خيار للمرتهن في فسخ البيع المشروط فيه؛ لأنه الذي فوته بنكوله هذا إذا استغرقت الجناية قيمته، فإن لم تستغرق .. بيع منه بقدرها، ولا يكون الباقي رهنًا على الأصح. قال: (ولو أذن) أي: المرتهن (في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال: رجعت قبل البيع، وقال الراهن: بعده .. فالأصح: تصديق المرتهن)؛ لأن الأصل استمرار الرهن. والثاني: الراهن؛ لقوة جانبه بالإذن. والثالث: القول قول السابق منهما بالدعوى. قال القمولي: وينبغي أن يكون هذا هو الأصح كنظيره من الرجعة وفي عزل الوكيل، أما إذا أنكر أصل الرجوع .. فهو المصدق. قال: (ومن عليه ألفان بأحدهما رهن فأدى ألفًا وقال: أديته عن ألف الرهن ..

стр. 1884

صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا .. جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ، وَقِيلَ: يُقَسَّطُ ــ صدق) سواء اختلفا في النية أو في اللفظ؛ لأنه أخبر بنيته وكيفية أدائه. وفي القديم: القول قول القابض. وكذلك الحكم لو كان بأحد الدينين ضامن أو كان حالًا والآخر مؤجلًا. وسكت المصنف عن تحليف الدافع، وحكمه: أنهما إن اختلفا في اللفظ .. حُلِّف بلا نزاع، وإن اختلفا في النية .. فوجهان: أصحهما: التحليف أيضًا، ويستثنى المكاتب إذا اختلف مع السيد فيما أداه .. فالمجاب السيد كما سيأتي في بابه. ولو لم يتعرضا للجهة، ثم قال المكاتب: قصدت النجوم، وأنكر السيد، أو قال: صدقت ولكن قصدت أنا الدين .. فوجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): تصديق المكاتب، وهو مشكل، بل القياس: تصديق السيد؛ لأن التعيين في الابتداء إليه، فالقياس: أنا نراعي ذلك. قال: (وإن لم ينو شيئًا .. جعله عما شاء)؛ لأن التعيين إليه. قال: (وقيل: يقسط)؛ لعدم الأولوية، لكن هل يقسط على قدر الدينين أو على المستحقين بالسوية؟ فيه تردد للصيدلاني. تتمة: اختلف وارث الدافع ورب الدين في المدفوع، فقال الوارث: عن المرهون، وقال المرهون عنده: عن غيره؟ أفتى الشيخ بأن الوارث ههنا يقوم مقام الموروث؛ لأنه حق مالي فيورث، وليس كتعيين الطلاق في إحدى الزوجتين.

стр. 1885

فَصْلٌ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَهُ بِالْمَرْهُونِ، وَفِي قَوْلٍ: كَتَعَلُّقِ الأَرْشِ بِالْجَانِي. فَعَلَى الأَظْهَرِ: يَسْتَوِي الدَّيْنُ الْمُسْتَغْرِقُ وَغَيْرُهُ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (فصل): هذا الفصل ليس له كبير تعلق بـ (باب الرهن)، لكن الإمام ذكره فرعًا هنا، والغزالي في أثناء الباب، فتبعهما معظم الأصحاب. قال: (من مات وعليه دين .. تعلق بتركته)؛ مراعاة لمصلحة الميت، فإن وفت التركة بدينه .. لم تكن نفسه مرتهنة به؛ لأن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي. قال: (تعلُّقَه بالمرهون) وإن كان الأصح انتقالها إلى الوارث مع وجود الدين؛ لأن ذلك أحوط للميت وأقرب لبراءة ذمته، فلا يصح تصرف الوراث فيه جزمًا، وهذا هو المفتى به، بخلاف ما لو تملك اللقطة ومات ولم يظهر رب الدين .. فلا تعلق لذلك بتركته؛ إذ لو تعلق للزم الحجر لا إلى غاية، وكذا إذا كان عليه دين وانقطع خبر صاحبه. قال: (وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني)؛ لأن كلًا منهما ثبت بغير رضا المالك. فعلى هذا: يأتي في التصرف فيه الخلاف في بيع العبد الجاني وقال الفوراني: كحجر الفلس، واختاره ابن الرفعة. قال: (فعلى الأظهر: يستوي الدين المستغرق وغيره في الأصح)؛ نظرًا للميت وتوفيةً بقاعدة الرهن. والثاني: إن كان الدين أقل .. نفذ تصرف الوارث إلى أن يبقى قدر الدين؛ لأن الحجر في مال كثير بشيء حقير بعيد، وسواء فيما ذكرناه علم الوارث بالدين أم لا. وعبارة المصنف والرافعي تفهم: أن هذا التفريع مختص بالقول الأول، وتعليل

стр. 1886

وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ وَلَا دَيْنَ ظَاهِرٌ، فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ تَصَرُّفِهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ .. فُسِخَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَارِثِ إِمْسَاكَ عَيْنِ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ ــ الرافعي يقتضيه أيضًا حيث قال: كما هو قياس الدين والمرهون. ونقل في (المطلب) جريان الخلاف فيه أيضًا إذا قلنا: كتعلق الأرش، فكان الأولى أن يقول: فعلى القولين. فلو أدى بعض الورثة بقسط ما ورث .. انفك نصيبه في الأصح، بخلاف ما إذا رهن عبدًا ومات؛ فإنه لا ينفك إلا بوفاء جميع الورثة في الأظهر. قال: (ولو تصرف الوارث ولا دين ظاهر، فظهر دين بِرَدِّ مبيع بعيب .. فالأصح: أنه لا يتبين فساد تصرفه)؛ لأنه كان يجوز له التصرف ظاهرًا. والثاني: يتبين فساده؛ إلحاقًا للدين الظاهر بالمقارن، لتقدم سببه. والخلاف جار فيما لو حفر بئرًا فتردى فيها عبد أو بهيمة بعد موته. وكان الأحسن أن يقول: (ثم طرأ دين). قال: (لكن إن لم يُقض الدين .. فسخ)؛ ليصل المستحق إلى حقه. وقيل: لا ينفسخ بل يطالب الوارث بالدين ويجعل كالضامن. قال في (الدقائق): وقوله: (يُقض) هو بضم الياء؛ ليعم قضاء الوارث والأجنبي، ولو عبر بالسقوط .. لعم الإبراء أيضًا. قال: (ولا خلاف أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله)؛ لأنه خليفة المورث، والمورث كان له ذلك، ولأنه قد يكون له غرض صحيح فيه ولا ضرر على الغرماء فيه. فلو أوصى ببيعها في وفاء دينه .. علم بوصيته، ولو كانت أقل من الدين وأراد الوارث أخذها بقيمتها وأراد رب الدين بيعها رجاء زيادة من راغب .. فوجهان: أصحهما: المجاب الوارث؛ لأن الظاهر: أنها لا تشترى بأكثر من القيمة، وللناس غرض في إخفاء تركة مورثهم، وفيه نظر.

стр. 1887

وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الإِرْثَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَكَسْبٍ وَنِتَاجٍ ــ قال: (والصحيح: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث) نص عليه الشافعي وأحمد، كما لو خلف الميت عينًا مرهونة، ولأن له أداء الدين من غير التركة، ولأنه لو كان باقيًا على ملك الميت .. لوجب أن يرثه من أسلم أو عتق من أقاربه قبل قضاء الدين، وأن لا يرثه من مات قبل القضاء من التركة. والثاني –ونقل عن القديم وهو مذهب مالك-: أنه يمنع؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾. وأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن المعنى: المقادير لا المقدر؛ لأنه لما بين للزوجة الثمن .. كأنه قال: لا تعتقدوا أن الثمن من أصل المال بل هو من الذي يفضل بعد وفاء الدين. وقال أبو حنيفة: إن كان الدين مستغرقًا .. منع مطلقًا، وإن كان غير مستغرق .. لم يمنع مطلقًا. وكان الصواب: التعبير بالأظهر أو الجديد؛ لما علم من كون المسألة ذات قولين. قال: (فلا يتعلق بزوائد التركة ككسب ونتاج)؛ لما تقدم من: أن زوائد المرهون لا تكون مرهونة، فإن قلنا: الدين يمنع انتقالها .. تعلق بزوائدها؛ لبقائها على ملك الميت. تتمة: استعار عبدًا ليرهنه من واحد فرهنه من اثنين، أو ليرهنه من اثنين فرهنه من واحد .. قال المتولي وغيره: يصح، وقال البغوي: لا يصح، وصححه الرافعي. والظاهر: أن الجواز في الأول مفرع على أنه لا يجب تعيين المرهون عنده، أما إذا قلنا بتعيينه .. فيتعين ما عينه. * * *

стр. 1888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة قال الشيخ: غلط جماعة من المفتين والقضاة في زمننا في فرع، ووقع البحث فيه مع من وقع البحث معه حتى رجع، وهو: إذا كان الدين على الميت للوارث .. ظنوا أنه يسقط منه بقدر إرثه، حتى إذا كان حائزًا .. يسقط الجميع. والصواب: أن يقال: يسقط من دين الوارث ما يلزمه أداؤه من ذلك الدين لو كان لأجنبي، وهو نسبة إرثه من الدين إن كان مساويًا للتركة أو أقل، ومما يلزم الورثة أداءه إن كان أكثر، ويستقر له نظيره من الميراث، ويقدر أنه أخذ منه ثم أعيد إليه عن الدين، وهذا سبب سقوطه وبراءة ذمة الميت منه، ويرجع على بقية الورثة ببقية ما يجب أداؤه على قدر حصصهم، وقد يفضي الأمر إلى التقاص إذا كان الدين لوارثين.

стр. 1889

كِتَابُ التَّفْلِيسِ منْ عَلَيْهِ دُيُونٌ حَالَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَالِهِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ ــ كتاب التفليس هو في اللغة: النداء على المفلس وشهرته بصفة الإفلاس. وفي الشرع: جعل القاضي من عليه الدين مفلسًا بمنعه من التصرف في ماله. وأفلس الرجل: صار ماله فلوسًا، كأجنب أي: صار جنبًا، وقيل: صار إلى حالة يقال فيها: ليس معه فلس، إذا ذهب ذهبه وفضت فضته. وافتتح الباب في (المحرر) بما روى الدارقطني [٤/ ٢٣٠] وصحح الحاكم [٣/ ٢٧٤] عن كعب بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ حجر على معاذ، وباع ما له في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي ﷺ : (ليس لكم إلا ذلك) ثم بعثه إلى اليمن وقال: (لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك) فلم يزل باليمن حتى توفي النبي ﷺ . وبما روى مسلم [١٥٥٩/ ٢٤] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها .. فهو أحق بها من الغرماء) وهو أصرح من الرواية المشهورة: (أيما رجل مات أو أفلس .. فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه)؛ فإن الحنفي يحمله على المغصوب والعواري. قال: (من عليه ديون حالة زائدة على ماله يحجر عليه)؛ للحديث المتقدم. والمراد بـ (الديون): الجنس؛ لأن الدين الواحد يحجر به، فلو لم يكن عليه إلا

стр. 1890

بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ ــ ديون مؤجلة وطلب أصحابها الحجر، وقلنا بالإفلاس بحل الديون .. لم يحجر عليه بها على الأصح؛ لأن طلب الحجر فرع طلب الدين والمؤجل لا يطلب. وعبارة المصنف تقتضي: أنه لا يحجر عليه إذا لم يكن له مال، وتوقف فيه الرافعي. قال: وجاز أن يقال: يجوز؛ منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد أو اتهاب. وقوله: (يحجر عليه) أي: يجب على الحاكم ذلك، كما صرح به في زوائد (الروضة) عن الأصحاب، وعبر في (المحرر) –تبعًا للإمام وغيره- بجوازه، فعدل عنها المصنف لذلك. قال: ولعل مرادهم: أن القاضي يفعل المصلحة من الحجر والبدار إلى البيع. قال: (بسؤال الغرماء)؛ لأن ذلك لمصلحتهم، فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء فيضر بالباقين، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع. قال في (الكفاية): ومن هذه العلة يستنبط: أن المال لو كان مرهونًا .. امتنع الحجر، ولم أقف عليه منقولًا. ولفظ (المال) يطلق على الأعيان وعلى الديون كما صرحوا به في (الأيمان)، وعلى المنافع كما صرح به الرافعي في (الوصية).

стр. 1891

وَلَا حَجْرَ بِالْمُؤَجَّلِ. وَإِذَا حُجِرَ بِحَالٍّ .. لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ فِي الأَظْهَرِ ــ فأما اعتبار العين .. فواضح، لكن ما لا يصل إلى الأداء منه كالمغصوب والغائب ينبغي عدم اعتباره، والدين إن كان حالًّا على مليء مقر .. اعتبر، وإلا .. فلا. وأما المنفعة .. فلا اعتبار بها كما سيأتي في الكلام على إيجار أم الولد الموقوفة. والمراد: الغرماء المطلقون التصرف، أما المحجور عليهم .. فسيأتي حكمهم. قال شيخنا: وفي الحجر بدين الله تعالى إذا طلبه من له طلبه نظر، وكذا الحجر بالدين على الصبي ونحوه، وعبارة المصنف تشمله، فإن رأينا الحجر به .. حجر على الولي في مال المحجور عليه، أم المكاتب .. فلا يحجر عليه بالتماس السيد النجوم؛ لأنه متمكن من إسقاطها. و (الغرماء): جمع غريم، وقد تقدم ذكره في (صلاة الجماعة). قال: (ولا حجر بالمؤجل)؛ لأنه لا يطالب به الآن. ولو كان بعضه حالًّا وبعضه مؤجلًا، فإن كان الحال قدرًا يحجر به .. حجر، وإلا .. فلا. قال: (وإذا حجر بحالٍّ .. لم يحل المؤجل في الأظهر)؛ لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت عليه، وهذا نص (المختصر). والثاني: يحل كالموت، وبه جزم في (البويطي)، لكن تعبيره بـ (الأظهر) مخالف لتعبير (الروضة) بـ (المشهور). وأجاب الشيخ عن الأول بأن ذمة الميت خربت. وإذا قلنا: يحل المؤجل بالإفلاس، فإذا أزيل عنه الحجر وبقي بعض الأجل .. قال القفال: يعود الحق مؤجلًا، وهذا فرع غريب في تأجيل الحال، وهو مبني على مسألة الزائل العائد.

стр. 1892

وَلَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ بِقَدْرِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ .. فَلَا حَجْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِه .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ ــ وفي الحلول بالجنون ثلاث طرق: أحدها: يحل به؛ لأنه لا استقلال له كالميت وقيمه كالوارث. والثاني: لا يحل به؛ لأن قيم المجنون له أن يبتاع له بثمن مؤجل عند ظهور المصلحة، فإذا لم يمنع الأجل ابتداء .. فأولى أن لا يقطعه دوامًا. والثالث: قولان، والأصح: أنه لا يحل مطلقًا. قال الشيخ: ولم يصرح الرافعي بتصحيح في ذلك، لكنه الذي يفهم من كلام الأصحاب. ووقع في (الروضة): ولو جن وعليه مؤجل .. حل على المشهور وهو مكتوب على كشط ومضروب عليه، ثم كشط الضرب. قال الشيخ: ولا ريبة في أن الصحيح: عدم الحلول. وفي الحلول باسترقاق الحربي خلاف مرتب على المفلس، وأولى بالحلول. وبحل الدين أيضًا بالردة المتصلة بالموت، كما اتفقوا على أنه يحل بالموت؛ لقوله ﷺ : (ذمة الميت معلقة بدينه حتى يقضى عنه). قال: (ولو كانت الديون بقدر المال، فإن كان كسوبًا ينفق من كسبه .. فلا حجر)؛ لأنه لا حاجة إليه، بل يأمره بقضاء الدين. قال: (وإن لم يكن كسوبًا وكانت نفقته من ماله .. فكذا في الأصح)؛ لتمكنهم من المطالبة في الحال.

стр. 1893

وَلَا يُحْجَرُ بِغَيْرِ طَلَبٍ. وَلَوْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ وَدَيْنُهُ قَدْرٌ يُحْجَرُ بِهِ. حُجِرَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُحْجَرُ بِطَلَبِ الْمُفْلِسِ فِي الأَصَحِّ ــ والثاني: يحجر؛ لئلا يذهب ماله، واختاره الإمام. قال: (ولا يحجر بغير طلب)؛ لأن الحق لهم وهم أعرف بمصالحهم، فلو كانت الديون لمجانين أو صبيان أو محجور عليهم بسفه .. حجر لمصلحتهم بلا التماس، ولا يحجر لدين الغائبين؛ لأنه لا يستوفى ما لهم في الذمم، إنما تحفظ أعيان أموالهم، على أن في المسألة تناقضًا بيَّنه في (المهمات). قال: (ولو طلب بعضهم ودينه قدر يحجر به .. حجر)؛ لئلا يضيع حقه بتكاسل غيره، ولأنه كجميع الغرماء إذا طلبوا، ثم لا يختص الحجر به بل يعم أثره الجميع. والمراد بكونه (يحجر به): أن يكون زائدًا على ماله، أو مساويًا له على الوجه المتقدم. قال: (وإلا .. فلا) أي: إذا لم يكن دين الطالب زائدًا على الأصح، ولا مساويًا له على ذلك الوجه .. فلا حجر؛ لأن دين الطالب ممكن وفاؤه بكماله ولا ضرر إلى طلب الحجر، هذا هو المشهور. واختار الجويني والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والمتولي: أنه يحجر به، وقواه المصنف. قال: (ويحجر بطلب المفلس في الأصح)؛ لأن له فيه غرضًا ظاهرًا. وفي (الرافعي): أنه الحجر على معاذ ﵁ كان بسؤاله، وهذا لم يثبت، بل في (النهاية): أنه كان بسؤال الغرماء. والثاني: لا يحجر؛ لأن الحرية والرشد ينافيان الحجر، وإنما جوز بسؤال الغرماء للضرورة، واختاره الشيخ، قال: وصورة المسألة: أن يثبت الدين بدعوى

стр. 1894

وَإِذَا حُجِرَ .. تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى حَجْرِهِ لِيُحْذَرَ ــ الغرماء وإقامتهم البينة على إقراره ولم يطلبوا الحجر، ويطلب هو، أو كان القاضي عالمًا بثبوت الدين وقلنا: يعتمد العلم، أما بدون ذلك .. فلا يكفي طلب المفلس. قال: (وإذا حجر .. تعلق حق الغرماء بماله) كالرهن؛ لأن ذلك فائدة الحجر سواء كان ماله عينًا أو دينًا أو منفعة. قال شيخنا: وفي تعلقه بالدين المؤجل حتى لا يصح الإبراء منه نظر ظاهر، والظاهر: خلافه. فعلى هذا: إذا حل .. هل يتعلق به جزمًا، أو يتخرج على الخلاف في الأموال الحادثة؟ فيه نظر. ومعنى (التعلق بماله): أنه لا ينفذ تصرفه فيه بما يضر الغرماء، ولا تزاحمه الديون الحادثة. واحترز بـ (حق الغرماء) عن ديون الله تعالى كالزكاة والكفارات والنذور؛ فإنها لا تتعلق بماله كما جزم به الشيخان في الباب الثاني من (كتاب الأيمان) بعد ذكرهما الأقوال في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي، وقالا: إن الأقوال لا تجري في المفلس، بل يقدم حق الآدمي ما دام حيًا. قال الشيخ: ولم يحتج المصنف إلى ذكر المنع من التصرف كما ذكره غيره؛ لأن ذلك حقيقة الحجر. قال: فإن قلت: الصحيح عند الرافعي والمصنف: أنه يحجر بسؤال المفلس، وذلك يدل على أن الحجر لنفسه .. فالجواب أنه لأجل الغرماء وإن جاز بسؤاله؛ لأن من مصلحته وفاء ديونه. قال: (وأشهد على حجره ليحذر) وهذا الإشهاد مندوب على الأصح.

стр. 1895

وَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ .. فَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ فَضَلَ ذَلِكَ عَنِ الدَّيْنِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. لَغَا، وَالأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ بَاعَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنِهمْ .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ ــ وقيل: واجب. وقيل: شرط لا يصح الحجر إلا به. والحاكم مخير في صيغة الحجر بين أن يقول: وقفت عليك مالك ومنعتك من التصرف، وأن يقول: حجرت عليك ومنعتك من التصرف. ويستحب مع الإشهاد النداء عليه، ولم يقل أحد بوجوبه. قال: (ولو باع أو وهب أو أعتق .. ففي قول: يوقف تصرفه)؛ لأنه محجور عليه لحق الغرماء، فيكون تصرفه موقوفًا كالمريض، وكذلك الحكم في وقفه وإجارته وغيرهما، ويصح تدبيره ووصيته؛ لنفوذهما بعد الموت. قال: (فإن فضل ذلك عن الدين .. نفذ) كما إذا حصل إبراء أو بيع بزيادة ثمن. قال: (وإلا .. لغا) أي: الجميع إن لم يفضل شيء؛ إلحاقًا له بالمريض، فإن فضل شيء لبعضها فقط .. لغا الأضعف فالأضعف، فيلغو الرهن ثم الهبة ثم البيع ثم الكتابة ثم الوقف ثم العتق، كذا في (الروضة). وفي (المهذب): يحتمل عندي نقض الآخر فالآخر كالمريض، وصرح في (المطلب) بأن هذا القول غير القول بوقف العقود المنسوب إلى القديم، فإن ذاك إنما تحصل فيه الصحة أو الملك من حين الإجارة، وهنا يتبين أنه صح وملك من حين العقد، ومع هذا القول لا يسوغ للمفلس الإقدام على التصرف، بل يمنعه قولًا واحدًا. قال: (والأظهر: بطلانه)؛ قياسًا على الرهن، وبه قال مالك والمزني، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلا يصح تصرفه على مراغمة مقصود الحجر كالسفيه. قال: (ولو باع ماله لغرمائه بدينهم .. بطل في الأصح)؛ لاحتمال أن يكون له غريم آخر فلا يصح من غير مراجعة القاضي.
следующие страницы →