Полный текст (5 377 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بَابُ الْحَيْضِ
ــ
باب الحيض
أصله: السيلان, تقول العرب: حاضت الشجرة إذا سال صمغها, وحاض الوادي إذا سال.
وله عشرة أسماء: الحيض والطمث, والضحك والإكبار, والإعصار والدراس, والعراك بالعين, والفراك بالفاء, والطمس بالسين, حكاهما صاحب (الأحوذي) , والعاشر النفاس؛ لقوله ﷺ لعائشة: (أنفست).
وهو في الاصطلاح: دم يخرج بعد بلوغ المرأة, من أقصى رحمها, على سبيل الصحة, من غير سبب, في أوقات معلومة.
والاستحاضة: سيلان الدم في غير أوقاته, من غير مرض وفساد, من عرق فمه في أدنى الرحم - يسمى: العاذل بالذال المعجمة - يتصل بالحيض تارة وينفصل أخرى.
والنفاس سيأتي.
ودم الفساد: الخارج قبل تسع سنين.
فجموع ما يخرج من الفرج أربعة دماء.
ونقل البخاري عن بني إسرائيل: أول ما وقع الحيض فيهم, ثم أبطله بقوله
стр. 317
أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ,
ــ
ﷺ : (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).
وقيل: أول من حاضت حواء – بالمد – لما كسرت الشجرة الحنطة أدمتها, فقال تعالى: وعزتي وجلالي لأدمينك كما أدميت هذه الشجرة.
قال الجاحظ: والذي يحيض من الحيوان أربعة: الآدميات والأرانب والضبع الخفاش.
وصدر الباب في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض﴾ الآية.
والمحيض الأول في الآية: هو الدم بالاتفاق, والثاني: كذلك عندنا.
وقيل: زمان الحيض, وقيل: مكانه وهو الفرج, كالمبيت والمقيل: اسم لموضعهما, وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين.
والسائل عنه: أسيد بن حضير, وعباد بن بشر.
قال: (أقل سنه: تسع سنين) أي: قمرية؛ لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة, فرجع فيه إلى الوجود.
قال الشافعي: أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة؛ يحضن لتسع سنين.
стр. 318
وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ, وَأَكْثرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا
ــ
وسواء في سن الحيض البلاد الحارة كتهامة, والباردة كالصين.
وقيل: إذا رأته بنت التسع ونحوها في البلاد الباردة لا يكون حيضا.
وأصح الأوجه: أنها باستكمالها, وقيل: نصفها, وقيل: أولها.
والأصح: أن التسع تقريب.
وعلى هذا: إذا رأت الدم قبله بزمن لا يسع طهرا وحيضا .. يكون حيضا, دون ما إذا وسعهما.
قال: (وأقله: يوم وليلة).
المراد: مقدار يوم وليلة, وهو أربع وعشرون ساعة؛ لأنه أقل ما علم, كذا قاله الشافعي, وهذا نصه في عامة كتبه, ونص في مواضع على أن: أقله قدر يوم فقط.
وقيل: قولان.
وقيل: دفعة كالنفاس وهو غريب.
قال: (وأكثره: خمسة عشر بلياليها) , نقل ذلك عن عطاء وشريك وجماعة من التابعين, واستأنسوا له بما روي أنه ﷺ قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منكن يا معشر النساء)! قيل: وما نقصان دينهن وعقلهن يا رسول الله؟ قال: (أما نقصان عقلهن .. فشهادة اثنتين منهن بشهادة رجل واحد, وأما نقصان دينهن .. فإن إحداهن تمكث شطر عمرها لا تصلي).
وعبر بذلك عن الحيض, لكن لم يذكره أهل الحديث بهذا اللفظ, بل بلفظ: (أليس إذا حاضت .. لم تصل ولم تصم) , فعمدتنا الاستقراء.
وأما غالب الحيض فست أو سبع؛ لما روى أبو داوود [٢٩١] والترمذي [١٢٨]: أن النبي ﷺ قال لحمنة: (تحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله)
стр. 319
وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ اَلْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَ عَشَرَ, وَلاَ حَدَّ لِأَكْثَرِهِ
ــ
أي: فيما أعلمك الله من عادة النساء, إن كانت عادتهن ستا .. فتحيضي ستا, وإن كانت عادتهن سبعا .. فتحيضي سبعا.
قال: (وأقل طهر بين الحيضتين: خمسة عشر)؛ لأنه أقل ما يثبت وجوده, ولأن أكثر الحيض إذا كان خمسة عشر .. لزم في الطهر ما ذكرناه.
وقول صاحب (المهذب): ولا أعلم فيه خلافا, معترض بما روي عن بعض أصحاب مالك: أنه عشرة أيام, وعن أحمد: لا حد له, وعن يحيى بن أكثم: أنه تسعة عشر يوما.
لنا: أن الله تعالى أجرى العادة أن الشهر ينقسم إلى طهر وحيض, ولو صح حديث: (ناقصات عقل ودين) .. لكان دليلا.
واحترز بقوله: (بين الحيضتين) عما إذا رأت الحامل الدم وجعلناه حيضا, ولم يكن بينه وبين النفاس أقل الطهر .. فإنه لا يقدح في كونه حيضا في الأصح, وعما إذا رأت أكثر النفاس ثم انقطع دون خمسة عشر, ثم عاد الدم .. فهو حيض في الأصح, وعن طهر الآيسة والمبتدأة.
قال: (ولا حد لأكثره) بالإجماع, فإن المرأة قد لا تحيض أصلا, وقد تحيض في السنة مرة واحدة.
وحكى القاضي أبو الطيب: أن امرأة كانت تحيض في زمنه في كل سنة يوما وليلة.
واقتضت عبارة المصنف: أنه لو اطردت عادة امرأة بأن تحيض دون يوم وليلة, أو أكثر من خمسة عشر .. أن ذلك لا يتبع, وهو كذلك على أصح الأوجه؛ لأن بحث الأولين أتم وأوفى, واحتمال عروض دم فاسد للمرأة أقرب من خرق العادة المستمرة.
والثاني: نعم؛ لأن المرجع في هذه المقادير إلى الوجود.
والثالث: إن وافق ذلك مذهب أحد من السلف .. أخذنا به, وإلا .. فلا.
стр. 320
وَيَحْرُمُ بِهِ: مَا حَرُمَ بِاَلْجَنَابَةِ, وَعُبُورُ اَلْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ, وَاَلصَّوُمُ,
ــ
والذي نص عليه الشافعي الثاني, حكاه صاحب (التقريب) والماوردي, واختاره المتولي وابن الصلاح وطوائف من المحققين.
وأما غالب الطهر .. فيعرف من غالب الحيض, فإذا كان ذلك ستا أو سبعا .. كان هذا أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين.
قال: (ويحرم به: ماحرم بالجنابة)؛ لأنه أغلظ, وقد قال رسول الله ﷺ : (دعي الصلاة أيام أقرائك) , وقال لعائشة: (افعلي ما يفعل الحاج, غير أن لا تطوفي بالبيت).
وفي القديم: لخوف النسيان, وقيل: قدر حاجة التعليم إن كانت معلمة.
قال: (وعبور المسجد إن خافت تلويثه)؛ صيانة له عن القاذورات, ولهذا لم يفترق الحال فيه بين المسلمة والذمية, بخلاف الجنب.
وهذا التقييد لا حاجة إليه؛ لأن الكلام في خاصية الحيض, وخوف التلويث لا يختص به, بل المستحاضة ومن به سلس البول أو جراحة نضاحة الدم يخشى من مروره التلويث كذلك.
فلو أمنت .. فالأصح: الجواز, وقيل: يحرم لغلظ حدثها.
ومحل الخلاف: قبل انقطاعه, أما بعده .. فالجمهور على الجزم بالجواز.
وفهم من هذا: تحريم دخول المنتعل بنعل فيه نجاسة رطبة.
أما إدخال البهيمة المسجد .. فسيأتي في الحج.
قال: (والصوم) بالإجماع, قال الإمام: كون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه؛ فإن الطهارة ليست مشروطة فيه, وهو يضعفها وصوم الضعيف صحيح.
والصحيح عند الجمهور: أن الحائض ليست مخاطبة بالصوم في حال الحيض.
стр. 321
وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلاَفِ اَلصَّلاَةِ, وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا,
ــ
وفائدة الخلاف في (الذخائر): فيما إذا قلنا: يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.
فإن قلنا بوجوبه عليها .. نوت القضاء, وإلا نوت الأداء؛ فإنه وقت توجه الخطاب إليها.
قال: (ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة)؛ لقول عائشة: (كنا نؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء الصلاة) , وأجمعت الأمة على هذين الحكمين.
وفيه من المعنى: أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم, وقد أعاد المصنف مسألة الصلاة في أوائل (الصلاة) , ولم يبين الشيخان حكم قضائها الصلاة: هل هو حرام أو مكروه؟
ونقل ابن الصلاح والمصنف في (طبقاتهما) عن (شرح التبصرة) للبيضاوي: أنه حرام.
وفي (شرح الوسيط) للعجلي, و (البحر) و (الشامل): أنه مكروه.
وأما ركعتا الطواف .. فنص الشافعي على أنها: تقضيهما, وتكون الصلاة في حديث عائشة محمولة على الصلاة المعهودة, لأن ركعتي الطواف لا آخر لوقتهما, فلا يتأتى قضاؤهما.
قال: (وما بين سرتها وركبتها)؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾.
وروى أبو داوود [٢١٤] والبيهقي [١/ ٣١٢] – بإسناد جيد – عن حرام بن حكيم – وهو بفتح الحاء والراء المهملتين, لا بالزاي كما قاله الزنكلوني – عن عمه عبد الله بن
стр. 322
وَقِيلَ: لاَ يَحْرُمُ غَيْرُ اَلْوَطْءِ
ــ
سعد قال سألت رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال: (لك ما وراء الإزار) , حسنه الترمذي [١٣٣].
ومراد المصنف: تحريم المباشرة, كما عبر به في (شرح المهذب) و (التحقيق) , وهو يقتضي: إباحة النظر بشهوة.
ويحتمل أن يريد: تحريم الاستمتاع مطلقا, وبه عبر في (الروضة) تبعا (للرافعي).
أما الاستمتاع بنفس السرة والركبة .. ففي (شرح المهذب) المختار: الجزم بجوازه.
قال: (وقيل: لا يحرم غير الوطء)؛ لقوله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) , رواه مسلم [٣٠٢]
واختاره الماوردي في (الإقناع) , والروياني في (الحلية) , والمصنف في (التنقيح) و (التصحيح) و (شرح المهذب) و (التحقيق) , وحمل الحديث الأول عليه.
قال الشيخ: والأقوى حمل الثاني على الأول؛ لأن: (من حام حول الحمى .. يوشك أن يقع فيه).
وجميع هذه الأحكام تثبت بمجرد رؤية الدم ظاهرا, فإن نقص عن اليوم والليلة غيرنا الحكم.
وقيل: إن أمن الوطء لقوة ورع أو ضعف شهوة .. جاز, وإلا فلا, قاله أبو الفياض وهو حسن.
وقيل: يحرم جميع ما أصابه دم الحيض من بدنها دون غيره.
стр. 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشذ ابن حربويه وعبيدة السلماني فقالا: تحرم مباشرتها في جميع بدنها.
وإذا قلنا: لا يحرم .. فهو مكروه.
فروع:
عد في (المهذب) الطهارة مما يحرم عليها.
قال المصنف: ومراده إذا قصدت التعبد بها مع علمها بأنها ل تصح, وإنما أثمت بذلك؛ لتلاعبها.
ولم يصرح الرافعي بالتحريم, بل عبر بعدم الصحة.
كل هذا في الطهارة لرفع الحدث, أما الطهارة االمقصودة للتنظيف – كأغسال الحج – فإنها تأتي بها, كما سيأتي في بابه.
ومباشرتها له فيما بين السرة والركبة القياس: تحريمها.
وفي (الرونق) و (اللباب): يحرم عليها حضور المحتضر, فإن كان لأجل حضور الملائكة .. ليكن الجنب كذلك؛ لما تقدم أن: (الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب).
فلو خالف واستمتع بالحائض عالما بالتحريم .. فقد ارتكب كبيرة, ولا غرم عليه في الجديد, بل يستغفر الله ويتوب, ويستحب أن يتصدق بدينار إن كان وطؤه في إقبال الدم, وبنصف دينار إن كان في إدباره, وهذه الصدقة واجبة في القديم, ونقله الدارمي عن الجديد أيضا.
وإنما اختلف بحسب الإقبال والإدبار؛ لأنه في أوله قد كان قريب عهد بجماع فلا يعذر, وفي آخره بعيد عهد به فخفف عنه.
وإذا ادعت الحيض وظن صدقها .. حرمت المباشرة, أو كذبها فلا, بخلاف تعليقه طلاقها بحيضها, فإن القول قولها في الحالتين؛ لأنه مفرط في تعليقه.
ولو اتفقا على الحيض واختلفا في انقطاعه .. فالقول قولها.
стр. 324
فَإِذَا اَنْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلِّ قَبْلَ اَلْغُسْلِ غَيْرُ اَلصَّوْمِ وَاَلطَّلاَقِ. وَاَلاسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَسَلَسٍ, فَلاَ تَمْنَعُ اَلصَّوْمَ وَاَلصَّلاَةَ.
ــ
قال: (فإذا انقطع) أي: لزمن الإمكان (.. لم يحل قبل الغسل غير الصوم والطلاق)؛ لأن الحيض قد زال وصارت كالجنب, وصومه صحيح بالإجماع, ويجوز أيضا الطلاق؛ لأن تحريمه إنما كان لتطويل العدة وقد زال بمجرد الانقطاع.
وأما تحريم المباشرة فيما دون السرة والركبة .. فيبقى إلى أن تطهر.
واعترض على المصنف في استثناء الطلاق, ولم يتقدم له ذكر في (باب المحرمات) , ولهذا لم يستثنه في (المحرر) , وقد استثنى الرافعي مع ما ذكره المصتف شيئين: المنع من الطهارة, وسقوط قضاء الصلاة.
وكان الأحسن أن يقول: لم يحل قبل التطهير؛ ليندرج فيه التيمم, فإنه يكفيها إذا وجد شرطه.
ويباح وطؤها بالتيمم في الحضر كما أباح الصلاة, ولو لم تجد الماء والتراب .. وجبت الصلاة كما سبق, ولا يباح وطؤها في الأصح كما تقدم.
والذمية إذا انقطع حيضها .. لا يطأها الزوج حتى تغتسل, وسيأتي حكمها في آخر (باب ما يحرم من النكاح).
قال: (والاستحاضة حدث دائم كسلس) المراد: أن حكمها حكم سائر الأحداث لا حكم الحض, سواء اتصلت بالحيض أم لا.
و (السلس) هنا بفتح اللام على أنه مصدر, فيشمل سلس النجو والبول والمذي الذي يحدث بغير سبب من نظر وغيره.
أما من به سلس الريح .. فيتوضأ لكل فريضة.
قال الشافعي: وقل من يستديم به سلس المني؛ لأن معه تلف النفس.
قال: (فلا تمنع الصوم والصلاة)؛ لأن النبي ﷺ أمر بهما حمنة بنت جحش وكانت مستحاضة, رواه الترمذي [١٢٨] وصححه.
стр. 325
فَتَغْسِلُ اَلْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ,
ــ
قال: (فتغسل المستحاضة فرجها) أي: وجوبا, قبل الوضوء أو التيمم إن كانت تتيمم؛ لقوله ﷺ : (فاغسلي عنك الدم وصلي) , متفق عليه [٣٠٦ خ – ٣٣٣م].
قال: (وتعصبه)؛ لقوله ﷺ لحمنة: (تلجمي) , قال الترمذي [١٢٨]: حسن صحيح.
وفي حديث أم سلمة: (ولتستثفر بثوب).
ويجب أن تسد الفرج بقطنة ونحوها؛ لقوله ﷺ في حديث حمنة: (أنعت لك الكرسف) , وهو: القطن. وإنما أمرت بذلك دفعا للنجاسة وتقليلا لها.
وتتلجم وتستثفر فإن كان الدم يندفع بالحشو لقتله .. لم يلزمها غيره, وإلا شدت وتلجمت.
وكيفية العصابة: أن تشد في وسطها خرقة أو خيطا, وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين تجعل وسطها على فرجها ملصقة بالقطنة التي في الفرج إلصاقا جيدا, وتشد الطرفين في التي في وسطها من قدامها وخلفها شدا محكما, ويسمى: تلجما واستثفارا, من لجام الدابة وثفرها.
قال الرافعي: والحشو والتلجم واجب إلا في صورتين:
إحداهما: أن تتأذى به ويحرقها الدم باجتماعه, فلا يلزمها.
والثانية: أن تكون صائمة فتترك الحشو نهارا, وتقتصر على الشد والتلجم.
قال ابن الرفعة: فإن قيل: قد تعارض في هذا مصلحة الصلاة والصوم, فينبغي أن يكون كما لو ابتلع بعض خيط ثم طلع الفجر وطرفه خارج وهو صائم, والأصح فيه: مراعاة الصلاة.
стр. 326
وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ اَلصَّلاَةِ, وَتُبَادِرُ بِهَا, فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلاَةِ كَسَتْرٍ وَاَنْتِظَارِ جَمَاعَةٍ .. لَمْ يَضُرَّ, وَإِلاَّ .. فَيَضُرُّ عَلَى اَلصَّحِيحِ. وَيَجِبُ اَلْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ,
ــ
وجوابه: أن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها, فلو راعينا الصلاة لتعذر عليها قضاء الصوم, وأما هناك فالقضاء متيسر كل وقت.
وسلس البول يدخل قطنة في إحليله فإن انقطع, وإلا .. لف على رأسه خرقة.
قال في (الكفاية): ول يجوز له أن يعلق قارورة يتقاطر فيها بوله؛ لأنه يصير حاملا للنجاسة في غير معدنها بغير ضرورة.
قال: (وتتوضأ وقت الصلاة)؛ لأنها طهارة ضرورة, ولا ضرورة قبل الوقت.
وقيل: يجوز تقديمها إذا انطبق آخرها على أول الوقت.
قال: (وتبادر بها) أي: بالصلاة, بعد احتياطها وطهارتها تخفيفا للمانع؛ لأن الحدث يتكرر منها وهي مستغنية عن احتماله بالمبادرة.
قال: (فلو أخرت لمصلحة الصلاة كستر وإنتظار جماعة .. لم يضر)؛ لأنها لا تعد بذلك مقصرة, وكذلك التأخير لإقامة الصلاة, والاجتهاد في القبلة, والذهاب إلى المسجد الأعظم, وكذا لتحصيل سترة لا تصل إليها.
وعد الرافعي من ذلك التأخير للأذان – والمرأة لا يستحب لها الأذان على المعروف – فكان المراد: إجابته لا تعاطيه.
قال: (وإلا) أي: وإن أخرت لا لمصلحة الصلاة (.. فيضر على الصحيح)؛ لأنها تصلي مع نجاسة يمكن التحفظ عنها.
والثاني: لا يضر كتطويلها الصلاة, وقياس على التيمم.
والثالث: إن أخرت إلى أن خرج الوقت .. لم يكن لها أن تصلي بتلك الطهارة, وإن لم يخرج .. حاز؛ لأن الواجب موسع.
قال: (ويجب الوضوء لكل فرض) , فلا تجمع بين فرضين بوضوء واحد؛ لدوام حدثها, وإنما جوزنا الفريضة الواحدة للضرورة.
стр. 327
وَكَذَا تَجْدِيدُ اَلْعِصَابَةِ فِي اَلأَصَحَّ. وَلَوَ اَنْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ اَلْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ اَنْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ, أَوِ اَعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ اَلِانْقِطَاعِ وُضُوءاً وَاَلصَّلاَةَ .. وَجَبَ اَلْوُضُوءُ.
ــ
وروي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض, فقال لها النبي ﷺ : (توضئي لكل صلاة) , قال الترمذي [١٢٥]: حسن صحيح.
والنذر كالفرض على المذهب.
أما النفل .. فلها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم, وفي وجه: ليس لها أن تتنفل بحال.
قال: (وكذا تجديد العصابة في الأصح) – أي: مع حشو الفرج وتطهيره – كما يجيب تجديد الوضوء.
والثاني: لا؛ لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها.
ويجريان فيما إذا لم تصل ولكن انتقضت طهارتها بلمس أو ريح أو مس, فإن بالت .. وجب التجديد جزما, وكذلك إن زالت العصابة عن موضعها زوالا له بال, أو ظهر الدم على جوانبها .. فتجدد قطعا.
قال: (ولو انقطع دمها بعد الوضوء ولم تعتد انقطاعه وعوده, أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءا والصلاة) أي: التي توضأت لها على أقل ممكن (.. وجب الوضوء).
أما في الأولى .. فلاحتمال الشفاء, والأصل عدم عوده.
أما في الثانية .. فلإمكان أداء الصلاة على الكمال في الوقت.
ولا تؤخر لجماعة ونحوها إذا خافت أو علمت عود الدم قبل إتمام الصلاة, بل تتعين المبادرة جزما.
فلو لم يسع زمن الانقطاع الوضوء والصلاة ... فلا عبرة به.
ولو أخبرها من يعتمد من أهل المعرفة بالعود, فكما لو اعتادت.
فلو امتد الانقطاع .. بان بطلان الطهارة, ووجب القضاء؛ اعتبارا بما في نفس الأمر.
стр. 328
فَصْلٌ:
رَأَتْ لِسِنَّ اَلْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ .. فَكُلُّهُ حَيْضٌ, وَاَلصُّفْرَةُ وَاَلْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي اَلأَصَحِّ,
ــ
ولو عبر المصنف بالطهارة بدل الوضوء .. كلن أحسن لشموله غسل الفرج من النجس.
ولو كان الانقطاع في الصلاة .. فكهو قبلها.
تتمة:
قول الأصحاب: إذا شفيت المستحاضة .. يلزمها استئناف الوضوء, المراد به: إذا خرج منها دم في أثناء الصلاة أو بعد الوضوء, وإلا فلا يلزمها الوضوء بل تصلي بوضوئها الأول بلا خلاف؛ لأنه بان أن طهارتها تامة رافعة للحدث, صرح به في (البسيط) وغيره.
ويجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر, ولا كراهة في ذلك وإن كان الدم جاريا, ولها قراءة القرآن.
وإذا توضأت .. استباحت مس المصحف وحمله, وسجود التلاوة والشكر, وعيها الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات, فلا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف.
قال: (فصل:
رأت لسن الحيض أقله ولم يعبر أكثره .. فكله حيض) سواء وافق العادة أو خالفها, اتفق لونه أو اختلف؛ لأن الشروط قد اجتمعت, واحتمال تغير العادة ممكن, حتى إذا رأت خمسة عشر, فإن جاوزها .. تبينا أن الأحمر استحاضة.
قال: (والصفرة والكدرة حيض في الأصح) سواء كانت مبتدأة أو معتادة, خالف عادتها أو وافق, وهما ليسا من ألوان الدم, إنما هما كالصديد تعلوه صفرة
стр. 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكدرة, والدليل على ذلك ما رواه البخاري تعليقا, ومالك [١٣٠] وغيره متصلا: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة الدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض, فتقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) تريد: الطهر من الحيضة.
و (الدرجة) – بدال مهملة مضمومة, وراء مهملة ساكنة بعدها جيم -: خرقة ونحوها تدخلها النرأة في فرجها, ثم تخرجها لتنظر: هل بقي شيء من أثر الحيض أو لا؟
و (القصة البيضاء) ,هي: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض.
ويقابل الأصح ستة أوجه:
أحدها: أنهما ليسا حيضا؛ لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا) , كذا رواه أبو داوود [٣١١] والحاكم [١/ ١٧٤] وغيرهما.
ووقع في (الوسيط) من قول زينب بنت جحش, وفي (النهاية) من قول حمنة, والصواب: الأول.
والثاني – وبه قال الإصطخري -: أنهما حيض في أيام العادة فقط.
والثالث: إن تقدمهما دم قوي ولو بعض يوم .. كانا حيضا.
والرابع: يشترط تقدم دم قوي يوما وليلة.
والخامس: يشترط أن يتقدمهما قوي ويلحقهما قوي.
والسادس: يشترط أن يتقدمهما قوي يوما وليلة, ويلحقهما قوي يوما وليلة.
ولم يسلم في (شرح المهذب) قول الرافعي: إن محل الخلاف في غير أيام العادة, أما في أيامها .. فهو حيض, وتابعه على ذلك في (الروضة).
стр. 330
فَإِنْ عَبَرَهُ: فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ تَرَى قَوِيَاً وَضَعِيفاً .. فَاَلضَّعِيفُ اَسْتِحَاضَةٌ, وَاَلْقَوِيُ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلاَ عَبَرَ أَكْثَرَهُ, وَلاَ نَقَصَ اَلضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ اَلطُّهْرِ
ــ
قال: (فإن عبره) أي: عبر الدم أكثر الحيض, وهذا ضابط المستحاضة, وهي تنقسم إلى: مبتدأة مميزة, ومعتادة مميزة, وغير مميزة, وقد تكون ناسية للقدر والوقت وسيأتي.
قال: (فإن كانت مبتدأة مميزة؛ بأن ترى قويا وضعيفا .. فالضعيف استحاضة, والقوي حيض إن لم ينقص عن أقله ولا عبر أكثره, ولا نقص الضعيف عن أقل الطهر)؛ لما روى أبو داوود [٢٩٠] والنسائي [١/ ١٨٥] والحاكم [١/ ١٧٤] – وقال: على شرط مسلم -: أن النبي ﷺ قال لفاطمة: (دم الحيض أسود يعرف, فإذا كان ذلك .. فأمسكي عن الصلاة, وإذا كان الآخر .. فتوضئي وصلي فإنما هو عرق).
فإن فقد واحد من الشروط الثلاثة .. فهي غير مميزة, فلو رأت خمس عشر حمرة, ثم خمس عشر سوادا, ثم استمر السواد .. فهي فاقدة للتمييز, فتترك الصلاة في الشهر الأول بكامله, وفي الشهر الثاني يوما وليلة على الصحيح, وستا أو سبعا على القول.
قال الأئمة: وليس لنا مستحاضة تجع الصلاة هذه المدة إلا هذه.
قال شيخنا: ولك أن تقول: قد تؤمر بالترك في أضعاف ذلك, كما إذا رأت صفرة ثم شقرة, ثم سوادا بلا ثخانة ولا رائحة كريهة, ثم سوادا بأحدهما, ثم سوادا بهما معا, ونحو ذلك, وأقام كل دم خمسة عشر يوما, فإنها تترك في كل واحد للمعنى الذي ذكروه, وهو كونه أقوى مما قبله.
ولو لم تكن الخمسة عشر متصلة, بأن كانت ترى يوما أسود, ويومين أحمر .. فلا تمييز.
стр. 331
أَوْ مُبْتَدَأَةً لاَ مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ, أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ .. فَاَلأَظْهَرُ: أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ, وَطُهْرَهَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ.
ــ
ولو كانت المبتدأة لا تذكر وقت الابتداء .. فكا لمتحيرة.
واختلفوا فيما تحصل به القوة على وجهين:
أحدهما – وادعى الأمام الاتفاق عليه -: اللون فقط.
والأصح: أن القوة تحصل بأحد ثلاث خصال: اللون والثخانة والرائحة الكريهة. وعلى هذا, فلأسود أقوى من الأحمر, والأحمر أقوى من الأشقر, والأشقر أقوى من الأصفر والأكدر إن جعلنا هما حيضا.
ويرجع ماله صفتان على ماله صفة, وما له ثلاث على ماله صفتان, فإن تعارضت الصفات .. رجع بالكثرة, فإن استوت فكان في كل واحد صفة واحدة .. رجح بالسيق.
قال: (أو مبتدأة لا مميزة؛ بأن رأته بصفة) واحدة (أو فقدت شرط تمييز .. فالأظهر: أن حيضها يوم وليلة, وطهرها: تسع وعشرون)؛ لأن سقوط الصلاة عنها في هذا القدر متيقن, وفيما عداه مشكوك فيه, فلا يترك اليقين إلا بأمارة ظاهرة كالتمييز والعادة.
والثاني: ترد إلى غالب عادة النساء, وهو: ست أو سبع؛ لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: (تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء, وكما يطهرن لميقات حيضهن) , صححه الترمذي [١٢٨]
стр. 332
أَوْ مُعْتَادَةً بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ .. فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْراً وَوَقْتاً,
ــ
وقوله ﷺ : (ستا أو سبعا) الصحيح: أنه للتنويع, أي: إن كانت عادة النساء ستا .. فتحيضي ستا, وإن كانت سبعا .. فسبعا.
ومحل ما ذكره: إذا عرفت ابتداء مدتها, فإن جهلته .. فلها حكم المتحيرة.
والأصح: أن الستة والسبعة ينظر فيها إلى نساء عشيرتها من الأبوين, فإن فقدن .. فبدلها, وقيل: نساء العصبة, وقيل: البلد, فإن حاض بعضهن ستا وبعضهن سبعا ولا غالب .. فست, فإن نقصن عن ست .. فست, أو زدن عن سبع .. فسبع.
وقيل: تتخير بين الستة والسبعة.
قال: (أو معتادة) أي: غير مميزة (بأن سبق لها حيض وطهر .. فترد إليهما قدرا ووقتا)؛ لما روى مالك [١٣٨] والشافعي [١/ ٦٠] وأحمد [٦/ ٣٢٠] وأبو داوود [٢٧٨] – بأسانيد صحيحة – عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ , فاستفتت لها رسول الله ﷺ , فقال: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر, قبل أن يصيبها الذي أصابها, فلتدع الصلاة قدر ذلك من السهر, فإذا خلفت ذلك .. فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل).
стр. 333
وَتَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي اَلأَصَحِّ,
ــ
وحكى المرعشي قولا غريبا: أنه أثر للعادة, ومحل الرد إلى العادة بعد الخمسة عشر, أما قبلها في الدور الأول .. فلا؛ لاحتمال انقطاعه فيها.
كل هذا في العادة المستمرة, أو المختلفة المنتظمة, فتجري على نظامها.
فلو لم تنتظم العادات, بل تتقدم هذه مرة وهذه مرة .. فالأصح: الرد إلى ما تقدم الاستحاضة وإن كانت مرة في الأصح, فإن نسيت ما قبل الاستحاضة .. فعند الأكثرين: ترد إلى أكثر العادات.
قال: (وتثبت بمرة في الأصح)؛ لحديث أم سلمة, فإنه رد المرأة إلى الشهر الذي قبل الاستحاضة.
والثاني: بمرتين؛ لأنها من العود, ورد بأن هذا اصطلاح من الفقهاء, فكيف يستفاد منه الحكم الشرعي؟
والثالث: بثلاث؛ لقوله ﷺ : (دعي الصلاة أيام أقرائك) , وأقل الجمع ثلاث.
والرابع: إن كانت مبتدأة .. فمبرة, وإن كانت معتادة .. فبمرتين.
والعادة في هذا الباب أربعة أقسام:
أحدها: ما تثبت بمرة بلا خلاف, وهي الاستحاضة؛ لأنها علة مزمنة إذا وقعت دامت غالبا, وسواء فيه المبتدأة والمعتادة والمميزة.
والثاني: ما لا تثبت فيه العادة بالمرة ولا بالمرات المتكررة بلا خلاف, وهي ما إذا انقطع دمها فرأت يوما دما ويوما نقاء واستمرت بها الأدوار هكذا, وقلنا بقول:
стр. 334
وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ اَلْمُمَيِّزَةِ بِاَلتَّمَيِيزِ, لاَ اَلْعَادَةِ فِي اَلأَصَحِّ
ــ
اللقط, فأطبق الدم على لون واحد .. فإنه لا يلتقط قدر أيام الدم بلا خلاف, وإنما نحيضها ما كنا نجعله حيضا بالتلفيق.
والثالث: ما لا تثبت بمرة ولا مرات على الأصح, وهو التوقف بسبب تقطع الدم إذا كانت ترى يوما دما ويوما نقاء كما سيأتي.
والرابع: ما تثبت بالثلاث جزما, وفي ثبوته بالمرة والمرتين وجهان, والأصح: الثبوت, وهو قدر الحيض, كما ذكره المصنف.
قال: (ويحكم للمعتادة المميزة بالتمييز, لا العادة في الأصح)؛ لأن التمييز علامة في الدم والعادة علامة في صاحبته, ولأنه علامة قائمة في شهر الاستحاضة فكان عتباره أولى من عادة انقضت, ولما تقدم من قوله ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف, فإذا كان ذلك .. فأمسكي عن الصلاة) ,
والثاني: أنها تأخذ العادة لا التمييز؛ لحديث أم سلمة, ولأن العادة قد ثبت واستقرت وصفة الدم بصدد الزوال.
والثالث: إن أمكن الجمع بينهما .. حيضناها الجميع, وإن لم يمكن .. سقطا وكانت كمبتدأة لا تمييز لها.
فلو رأت خمسة سوادا, ثم أطبقت الحمرة .. فالخمسة حيض على الأوجه كلها.
وصورة المسألة: إذا لم يتخلل بين العادة والتمييز أقل الطهر, فإن تخلل كما إذا كانت عادتها خمسة من أول الشهر, فرأت عشرين أحمر, ثم خمسة أسود .. فلأصح: أن كلا منهما حيض.
وقيل: يطرد الخلاف, فلو كانت مع التمييز ناسية للعدد, فعلى الأصح: لا يختلف, وعلى الوجه الآخر: هي كفاقدة التمييز.
وقال الإمام: ترد إلى التمييز للضرورة.
стр. 335
أَوْ مُتَحَيِّرَةً؛ بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْراً وَوَقْتاً .. فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ, وَاَلْمَشْهُورُ: وُجُوبُ اَلِاحْتِيَاطِ, فَيَحْرُمُ: اَلْوَطْءُ, وَمَسُّ اَلْمُصْحَفِ, وَاَلْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ اَلصَّلَاةِ,
ــ
قال: (أو متحيرة؛ بأن نسيت عادتها قدرا ووقتا).
لو عبر بقوله: (كأن نسيت) .. كان أولى, وكذا لو أبدل النسيان بالجهل أيضا؛ لأنه لا يستدعي سبق علم, وقد تجن وهي صغيرة وتستمر لها عادة, ثم تفيق وهي مستحاضة ولا تعرف شيئا.
سميت بذلك؛ لأنها تحيرت في نفسها, وتسمى محيرة؛ لأنها حيرت الفقيه في أمرها.
والمراد: أنها ليس لها تمييز, فإن ميزت .. ردت إلى التمييز على المذهب؛ للضرورة.
قال: (.. ففي قول: كمبتدأة) بجامع فقد العادة والتمييز, فيكون حيضها من الوقت الذي عرفت ابتداء الدم فيه أقل الحيض أو غالبه كما سبق.
وقيل: هنا ترد إلى غالبة قطعا, فإن لم تعرف وقت ابتداء الدم, أو كانت مبتدأة ونسيت وقت ابتداء الدم كما سبق .. فحيضها من أول كل هلال, ودورها شهر هلالي, ومتى أطلقنا الشهر في المستحاضة .. فالمراد به: ثلاثون يوما إلا في هذا الموضع.
قال: (والمشهور: وجوب الاحتياط)؛ لأنه اشتبه حيضها بغيره, ولا يمكن التبعيض من غير معرفة أوله, ولا جعلها طاهرا أبدا في كل شهر, ولا حائضا أبدا في كل شهر, فتعين الاحتياط؛ للضرورة لا لقصد التشديد عليها.
قال: (فيحرم: الوطء, ومس المصحف, والقراءة في غير الصلاة)؛ لاحتمال الحيض.
ومباشرتها كمباشرة الحائض, وكذا كثها بالمسجد إلا في طواف الفرض, وكذا نفله في الأصح.
وتقرأ ما زاد على الفاتحة في الصلاة على الأصح.
стр. 336
وَتُصَلِّي اَلْفَرَائِضَ أَبَداً, وَكَذَا اَلنَّفْلُ فِي اَلأَصَحِّ, وَتَغْتَسِلُ لكُلِّ فَرْضٍ,
ــ
ونفقتها واجبة على الزوج وإن منع الوطء, ولا خيار له في فسخ نكاحها؛ لأن وطأها متوقع.
قال: (وتصي الفرائض أبدا) أي: وجوبا؛ احتياطا للصلاة, وهذا الموضع مما رجح فيه جلب المصلحة على دفع المفسدة الحاصلة في الصلاة مع الحيض.
وسواء في الصلاة: المفروضة والمنذورة, وغيرها كركعتي الطواف إذا أوجبناهما.
وعبارة أحسن من قول (المحرر)): فرائض الأوقات.
قال: (وكذا النفل في الأصح) أي ندبا؛ لأنه من مهمات الدين, فلا تمنع منه راتبا كان أو غيره على الأصح.
والثاني: يحرم؛ لأن الضرورة لم تدع إليها, فأشبهت مس المصحف والقراءة في غير الصلاة.
والثالث: تصلي الراتبة دون غيرها, والخلاف جار في نقل الصوم والطواف.
وتنقضي عدتها بثلاثة أشهر على الأصح, إلا أن تعلم من عادتها ما يقتضي زيادة على ذلك أو نقصانا فتعمل به, ولا يلزمها إذا وطئت التصدق بدينار على القديم؛ لأجل الشك.
واقتضى إطلاق المصنف: أنه لا فرق في جواز النقل لها بين أن يبقى وقت الفريضة أو بخرج, وهو الأصح في زوائد (الروضة).
وخالف في (شرح المهذب) و (التحقق) و (شرح مسلم) , فصحح في الجميع عدم الجواز بعد خروج الوقت.
قال: (وتغتسل لكل فرض)؛ لحديث حمنة, ولاحتمال الانقطاع قبلها.
فإن ذكرت وقت الانقطاع بأن قالت: كان الدم ينقطع مع غروب الشمس مثلا .. لزمها الغسل لكل يوم عقب الغروب خاصة.
ويلزمها إيقاع غسلها في الوقت, وقيل: يجوز لن يكون الغسل والصلاة في آخر
стр. 337
وَتَصُومُ رَمَضَانَ ثُمَّ شَهْراً كَامِلَيْنِ, فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ,
ــ
الوقت, إذا لم يبق منه شيء إلا ما يسعهما.
وهل يجب عليها أن تبادر إلى الصلاة عقب الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم, كالمستحاضة.
والأصح: لا؛ لأنا إنما أوجبنا البدار هناك تقليلا للحدث, والغسل إنما تؤمر به لاحتمال الانقطاع, ولا يمكن تكرر الانقطاع بين الغسل والصلاة. ويكفي غسل واحد للطواف, وركعتيه إذا أوجبناهما في أصح الوجهين, لكن لا بد من وضوء آخر في الأصح.
ويستثنى ذات التقطع في النقاء؛ فإنه لا غسل عليها.
وسكت المصنف عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت, وهو شعر بعدم وجوبه, وهو المنصوص ورأي الجمهور؛ لما في وجوبه من الحرج الشديد, ورجح الرافعي والمصنف وجوبه؛ ذهولا عن النص, والتفريع عليه يطول مع مخالفته لمذهب الشافعي.
وستأتي الإشارة إليه في لفظ المصنف في (صلاة الجماعة) في قوله: (غير المتحيرة).
قال: (وتصوم رمضان)؛ لاحتمال الطهر فيه.
قال: (ثم شهرا كاملين)؛ لاحتمال حيضها في رمضان أكثر الحيض.
قال: (فيحصل من كل أربعة عشر)؛ لاحتمال الطهر في أثناء يوم وينقطع في أثناء آخر, فيفسد من كل شهر ستة عشر يوما, فإن نقصها .. فثلاثة عشر يوما من كل شهر.
وقيل: يحصل لها من كل شهر خمسة عشر.
وقال الإمام: اثنان وعشرون؛ تفريعا على أن مرد المبتدأة الغالب.
وإن نقص رمضان وكمل الثاني .. حسب منهما سبعة وعشرون على المذهب, فيبقى يومان.
وإن كمل رمضان ونقص الثاني .. حسب منهما سبعة وعشرون, ويبقى ثلاثة أيضا.
стр. 338
ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ: ثَلاَثَةً أَوَّلَهَا, وَثَلاَثَةً آخِرَهَا, فَيَحْصُلُ اَلْيَوْمَانِ اَلْبَاقِيَانِ, وَيُمْكِنُ قَضَاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ, ثُمَّ اَلثَّالِثِ وَاَلسَّابِعَ عَشَرَ. وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئاً .. فَلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ,
ــ
قال: (ثم تصوم من ثمانية عشر: ثلاثة أولها, وثلاثة آخرها, فيحصل اليومان الباقيان)؛ لأن الدم إن كان طرأ في اليوم الأول منها .. انقطع في أثناء السادس عشر فسلم السابع والثامن عشر, وإن طرأ في الثاني .. انقطع في السابع عشر فسلم الأول والثامن عشر, وإن طرأ في الثالث .. سلم الأول والثاني, ولا تتعين هذه الكيفية, بل لو صامت أربعة من الستة في أول الثمانية عشر واثنين في آخرها, أو بالعكس, أو اثنين في أولها واثنين في آخرها واثنين في الوسط كيف شاءت .. حصل اليومان الواجبان.
قال: (ويمكن قضاء يوم بصوم يوم, ثم الثالث والسابع عشر)؛ لوقوع يوم من الأيام الثلاثة في الطهر على كل تقدير, ثم إنه لا يتعين الثالث للصوم الثاني, ولا السابع عشر للصوم الثالث, وإنما ذكرهما الأئمة؛ لبيان أن السبعة عشر أقل مدة يمكن فيها أولها وخمسة في آخرها, وكلما زادت في المدة يوما .. زادت في الصوم يومين: يوم في أولها, ويوم في آخرها, وعلى هذا القياس تعمل في طوافها.
فرع:
لا يصح جمع المتحيرة بالسفر أو المطر في وقت الأولى؛ لأن الجمع بالسفر في وقت الأولى شرطه تقدم الأولى صحيحة يقينا أو ظنا, وهو منتف ههنا, بخلاف الجمع في وقت الثانية.
قال: (وإن حفظت شيئا) , كالعدد دون الوقت, أو عكسه.
قال: (.. فلليقين حكمه) من حيض أو طهر - وسياق كلامه: أن هذه متحيرة, والأكثرون: لا يسمونها متحيرة - فإذا قالت: كان حيضي ستة أيام من العشر الأول .. فأربعة طهر بيقين, تفعل ما تفعله الطاهرات, والخامس والسادس حيض بيقين فهي
стр. 339
وَهِيَ فِي اَلْمُحْتَمِلِ كَحَائِضٍ فِي اَلْوَطْءِ, وَطَاهِرٍ فِي اَلْعِبَادَةِ, وَإِنِ اَحْتَمَلَ اَنْقِطَاعاً .. وَجَبَ اَلْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ. وَاَلأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ اَلْحَامِلِ وَاَلنَّقَاءَ بَيْنَ اَلدَّمَيْنِ حَيْضٌ
ــ
كالحائض مطلقا فيهما؛ إعطاء لكل من اليقينين حكمه. والأربعتان مختلفتان, فلأولى تحتمل الطروء فقط, والثانية تحتمل الانقطاع فقط, فهي فيهما كالمتحيرة, إلا أنها في الأربعة الأولى تتوضأ لكل فرض لعدم إمكان الانقطاع, وفي الثانية تغتسل لكل فرض لاحتمال الانقطاع.
قال: (وهي في المحتمل كحائض في الوطء, وطاهرة في العبادة)؛ مراعاة للاحتياط.
والمراد ب (المحتمل): محتمل الحيض والطهر.
قال: (وإن احتمل انقطاعا .. وجب الغسل لكل فرض)؛ احتياطا, ويسمى هذا طهرا مشكوكا فيه, والذي لا يحتمل ذلك يسمى حيضا مشكوكا فيه – كما تقرر – فيجب فيه الوضوء فقط.
قال: (والأظهر: أن دم الحامل والنقاء بين الدمين حيض) أشار إلى مسألتين:
الأولى: إذا رأت الحامل دما يصلح أن يكون حيضا, وفيها قولان: قديم وجديد: ففي الجديد: حيض؛ لقوله ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف) , ولأنه كدم المرضع, وإنما حكم الشارع ببراءة الرحم به بناء على الغالب.
والقديم: أنه حدث دائم كسلس؛ لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: (ألا لا توطأ حامل حتى تضع, ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) , فجعل
стр. 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحيض دليلا على براءة الرحم.
ثم قيل: محل القولين بعد حركة الولد, أما قبلها .. فحيض قطعا.
وقيل: إذا مضى للحمل أربعون يوما.
والمذهب: طردهما فيهما.
ودخل في كلام المصنف: ما تراه بين التوأمين, وفيه القولان.
وقيل: حيض قطعا, وقيل: دم فساد قطعا.
وعلى الجديد .. تثبت فيه جميع أحكام الحيض, إلا العدة وتحريم الطلاق.
ويستثنى من إطلاقه: الدم الخارج عند الطلق ومع الولد؛ فإنهما ليسا بحيض ولا نفاس على الأصح.
وأما الخارج قبل الطلق .. ففي (الشرح) و (الروضة): أنه ليس بنفاس بلا خلاف.
وفي (الحاوي): أنه نفاس إن اتصل بدم النفاس.
المسألة الثانية: إذا رأت دما ونقاء, ولم يجاوز خمسة عشر .. فالدم حيض, وفي النقاء قولان جديدان:
أحدهما: أنه طهر – ويسمى قول اللقط والتلفيق – لأنه إذا دل الدم على الحيض .. وجب أن يدل النقاء على الطهر.
والأظهر – وبه قال أبو حنيفة -: أنه حيض, ويسمى قول السحب.
ووجهه: أن دم الحيض لا يسيل على الدوام, بل في وقت دون وقت.
ويشترط في جعل الجميع حيضا بلوغ مجموع الدماء يوما وليلة, فإن نقصت .. كان دم فساد.
وقيل: يشترط أن يكون كل من الدمين بالغا أقل الحيض.
وقيل: لا يشترط شيء من ذلك.
وقيل: يشترط بلوغ أولهما, وقيل: أحدهما.
стр. 341
وَأَقَلُّ اَلنِّفَاسِ: لَحْظَةٌ,
ــ
وصورة المسألة: أن يكون النقاء زائدا على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض التي ينقطع فيها جريان الدم ويبقى أثره؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بأن دم الحيض لا يسيل دائما, بل لا بد له من فترات, فإن لم يزد عليها .. فالجميع حيض بلا خلاف.
ومحل القولين في الصلاة والصوم ونحوهما, ولا يجعل النقاء طهرا في انقضاء العدة بالإجماع, ولا خلاف أنها في يوم النقاء تعمل عمل الطاهرات؛ لأنه قد لا يعود, فإذا عاد الدم .. غيرنا الحكم.
وقوله: (بين الدمين) هو الموجود في كثير من النسخ, وكذلك كان في نسخة المصنف, ثم أصلح بعده بقوله: (بين أقل الحيض)؛ لما تقدم من أن محل القولين ذلك.
ولا فرق على القولين بين أن يكون قدر الدم أكثر من قدر النقاء, أو يكونا متساويين, حتى إذا رأت يوما وليلة دما وثلاثة عشر نقاء, ثم رأت الخامس عشر دما .. كان على القولين.
قال: (وأقل النفاس: لحظة)
(النفاس) بكسر النون: الدم الخارج من الفرج, بعد ولادة ما, تنقضي به العدة, مأخوذ من النفس وهو: الدم, أو لأنه يخرج عقب النفس, أو من قولهم: تنفس الصبح إذا ظهر.
ويقال لذات النفاس: نفساء بضم النون وفتح الفاء, وجمعها, نفاس, ولا نظير له إلا ناقة عشراء فجمعها: عشار, قال تعالى: ﴿وإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
يقال: نفست المرأة – بضم النون – إذا رأت النفاس, وسواء وضعت حيا, أو ميتا كاملا أو ناقصا, وكذا لو وضعت علقة أو مضغة.
واختلفوا في ابتداء مدته على أوجه:
أصحها: من حين فراغ الرحم بالكلية.
وقيل: من الدم البادي عند الطلق.
стр. 342
وَأَكْثَرُهُ: سِتُّونَ,
ــ
وقيل: من الدم الخارج مع ظهور شيء من الولد وإن لم ينفصل.
وقيل: من الخارج بعد انفصاله وإن بقي غيره, واختاره الغزالي.
ولو ولدت ولم بر دما إلا بعد خمسة عشر يوما .. فلا نفاس لها في الأصح.
وقيل: يكون نفاسا إذا رأته في الستين.
والأصح: أن أقله: لحظة – كما قاله المصنف – للاستقراء.
و (اللحظة): النظرة, والمراد: قدرها.
وعبر بعضهم ب (مجة) , وهي: الدفعة من الدم, وهي بفتح الميم.
ووقع في (الكفاية) بضمها, وهو وهم.
وقيل: أقله ساعة من الساعات الأربع والعشرين, حكاه الماوردي.
وقال المزني: أقله أربعة أيام, وعلل بأن أكثر النفاس أربعة أضعاف أكثر الحيض, فكان أقله أقل أربعة أضعاف أقل الحيض.
وقال أبو يوسف: أحد عشر يوما؛ حتى تزيد على أكثر الحيض.
وقدره بعض العلماء بثلاثة أيام.
قال: (وأكثره: ستون)؛ لقول الأوزاعي: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين, وروى ربيعة نحوه.
وأبدى الأستاذ أبو سهل لذلك معنى لطيفا, نقله ابن الصلاح في فوائد (رحلته) , وهو: أن المني يمكث في الرحم أربعين يوما على حاله, ثم يمكث مثلها علقة, ثم مثلها مضغة, ثم ينفخ فيه الروح كما في الحديث الصحيح, والولد يتغذى بدم الحيض, فحينئذ لا يجتمع الدم من حين النفخ؛ لكونه غذاء للولد, إنما يجتمع في المدة التي قبلها وهي أربعة أشهر, وأكثر الحيض خمسة عشر يوما, فيكون أكثر النفاس ستين.
وقال بعض العلماء: أكثره سبعون يوما.
وقال أبو حنيفة: أربعون.
стр. 343
وَغَالِبُهُ: أَرْبَعُونَ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِاَلْحَيْضِ, وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ
ــ
قال: (وغالبه: أربعون)؛ لما روته أم سلمة قالت: (كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوما) رواه أبو داوود [٣١٥] والترمذي [١٣٩] , وصححه الحاكم [١/ ١٧٥].
وعن المزني: أنها الأكثر, وحكى الترمذي [١٣٩] ذلك عن الشافعي.
قال: (ويحرم به ما حرم بالحيض) بالإجماع؛ لأنه دم حيض مجتمع, فيحرم الطلاق فيه كما صرح به الرافعي في (كتاب الطلاق) , وإن كان كلامه هنا بخلافه.
قال: (وعبوره ستين كعبوره أكثره) أي: كعبور الحيض أكثره في الرد إلى التمييز والعادة, والأقل والغالب, فإن كانت مميزة .. ردت إلى التمييز بشرط أن لا يزيد القوي على ستين, وإن كانت مبتدأة في النفاس .. فالأصح: أن نفاسها الأقل, وهو لحظة.
والثاني: الغالب, وهو أربعون.
وإن كانت معتادة بأن تقدم لها نفاس تعرف قدره .. ردت إلى العادة, وإن نسيت عادتها, فهل تجعل كمبتدأة في النفاس أو يحتاط؟ فيه قولان.
والصفرة والكدرة فيه كهما في الحيض, وفي النقاء المتخلل القولان.
تتمة:
إذا انقطع دم النفساء واغتسلت, أو تيممت حيث يشرع لها التيمم .. فللزوج أن يطأها في الحال من غير كراهة, وإن خافت عود الدم .. استحب له التوقف عن الوطء احتياطا.
* * *
خاتمة
يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والاستحاضة النفاس, فإن كان زوجها عالما .. لزمه تعليمها, وإلا .. فلها الخروج لسؤال العلماء, بل يجب
стр. 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويحرم منعها, إلا أن يسأل هو ويخبرها فتستغني بذلك.
وليس لها الخروج إلى مجلس ذكر أو تعلم خير إلا برضاه.
وفي كتب الغريب: (أن رسول الله ﷺ لعن الغائصة والمغوصة).
و (الغائصة): التي لا تعلم زوجها أنها حائض ليجتنبها, فيجامعها وهي حائض.
و (والمغوصة): التي لا تكون حائضا, فتكذب زوجها وتقول: إنها حائض, فيجتنبها.
* * *
стр. 345
فهرس الكتاب
بين يدي الكتاب
٧
ترجمة الإمام الشافعي
١٦
ترجمة الإمام النووي
٣٦
ترجمة الإمام الدميري
٤٧
أضواء على كتاب (منهاج الطالبين)
٦٨
(الإبتهاج في بيان اصطلاح المنهاج)
٧٩
(سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج)
٩٩
وصف النسخ الخطية
١٤٢
منهج العمل في الكتاب
١٤٦
رموز تخريج الكتاب
١٤٨
الخاتمة
١٥١
صور المخطوطات المستعان بها
١٥٥
(النجم الوهاج في شرح المنهاج)
خطبة الكتاب
١٨٥
كتاب الطهارة
٢٢١
باب أسباب الحدث
٢٤٦
فصل: في آداب الخلاء وفي الاستنجاء
٢٨٦
باب الوضوء
٣١١
باب مسح الخف
٣٦٠
باب الغسل
٣٧٤
باب النجاسة وإزالتها
٤٠٢
стр. 346
باب التيمم
٤٣٤
فصل: في بيان أركان التيمم وكيفيته
٤٥٧
باب الحيض وما يذكر معه من النفاس والاستحاضة
٤٨٦
فصل: إذا رأت المرأة لسن الحيض أقله
٤٩٨
فهرس الكتاب
٥١٥
* * *
стр. 347
كتابُ الصَّلاةِ
الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ:
ــ
كتاب الصلاة
جمعها: صلوات، وهي في اللغة: الدعاء بخير، قال الله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم، ولتضمنها معنى التعطف عديت بـ (على). وهي من الله : الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدمي: الدعاء.
وفي الشرع: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة. ولا ترد صلاة الأخرس؛ لأن الكلام في الغالب.
وقيل: لأنها تفضي إلى المغفرة، والمغفرة تسمى صلاة، قال الله ﵎: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ أي: مغفرة.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلوة﴾ أي: حافظوا عليها. وقوله تعالى: ﴿إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبًا موقوتًا﴾ أي: محتمة مؤقتة.
وتجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا إلى أن لا يبقى ما يسعها كلها، فإذا أراد تأخيرها إلى أثناء الوقت .. لزمه العزم على فعلها في أصح الوجهين، ويجريان في كل واجب موسع.
قال: (المكتوبات خمس)؛ لقوله ﷺ : (خمس صلوات
стр. 348
الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ،
ــ
كتبهن الله على عباده)، قال السائل: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) رواه الشيخان [خ٤٦ - م١١].
وفيهما في حديث الإسراء: (هن خمس، وهن خمسون).
وفيهما في حديث معاذ: (وأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة).
وقال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (٣٩) ومن الليل فسبحه﴾ الآية.
فقبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: الظهر والعصر، ومن الليل: المغرب والعشاء، والإجماع منعقد على ذلك.
وكان قيام الليل واجبًا في أول الإسلام ثم نسخ عن الأمة، وكذا عنه ﷺ على الأصح.
وبدأ بالمكتوبات؛ لأنها أهم وأفضل. ومراده: المفروضات العينية؛ لتخرج صلاة الجنازة، لكن الجمعة من المفروضات العينية ولم تدخل في كلامه، إلا إذا قلنا: إنها بدل عن الظهر.
وكان فرض الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة، وقيل: بستة عشر شهرًا.
قال: (الظهر) أي: صلاة الظهر. وبدأ بها؛ لأنها أول صلاة ظهرت، أو لأن الله تعالى بدأ بها في قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾.
وهي أول صلاة علمها جبريل النبي ﷺ ، ولذلك بدأ الشافعي بها في الجديد، وبدأ في التقديم بالصبح؛ لأنها أول النهار.
وقيل: سميت ظهرًا؛ لأنها تفعل وقت الظهيرة، وقيل: لأنها ظاهرة وقت الزوال.
قال: (وأول وقته: زوال الشمس) بالإجماع. وزوال: ميلها عن كبد السماء،
стр. 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويعرف ذلك بطول الظل بعدما تناهى قصره، والمراد بذلك: فيما يظهر لنا لا ما في نفس الأمر.
والأصل في المواقيت ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله، مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد .. صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي وقال: يا محمد؛ هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين) رواه أبو داوود [٣٩٦]، وحسنه الترمذي [١٤٩]، وصححه ابن خزيمة [٣٢٥] والحاكم [١/ ١٩٣].
و (الشمس) تجمع على شموس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شمسًا- كما قالوا للمفرق: مفارق- وهي في السماء الرابعة، وهي أفضل من القمر.
стр. 350
وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ [الشَّيْءِ] مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ،
ــ
قال الإمام فخر الدين: وهي تقطع في خطوة الفرس في شدة عدوها عشرة آلاف فرسخ.
قال: (وآخره: مصير ظل [الشيء] مثله)؛ لحديث جبريل ﵇.
و (الظل) أصله: الستر- ومنه: أنا في ظل فلان، ومنه: ظل الجنة. وظل الليل: سواده- وهو يشمل ما قبل الزوال وما بعده. والفيء مختص بما بعد الزوال.
فائدة:
سئل الشيخ- عن الرجل هو آخر أهل الجنة دخولًا إذا تراءت له شجرة يقول: (يا رب؛ أدنين من هذه الشجرة لأستظل بظلها ...) الحديث: من أي شيء يستظل والشمس قد كورت؟
فأجاب بقوله تعالى: ﴿وظل ممدود﴾، وبقوله تعالى: ﴿هم وأزواجهم في ظلل على الأرائك﴾، وبـ (أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ...) الحديث. ولا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل والاستظلال، وإنما الناس ألفوا أن الظل ما تنسخه الشمس، وربما في أذهانهم أن الظل عدم الشمس، وليس كذلك بل الظل مخلوق لله تعالى، وليس بعدم بل هو أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها، فذلك الخيال يحصل من تلك الشجرة التي يراها ذلك الرجل، وليس هو في مكانه الذي يكون فيه ذلك الوقت، فيطلبه؛ ليحصل له به روح وراحة.
قال: (سوا ظل استواء الشمس)، وهو: الظل الذي يكون للشخص قبيل الزوال غالبًا، وذلك يكثر في قصر النهار ويقل في طوله، ويختلف باختلاف الأماكن، وفي بعضها لا يكون أصلاً كمكة وصنعاء اليمن في يوم واحد وهو أطول أيام السنة.
قال: (وهو أول وقت العصر)؛ لحديث جبريل ﵇.
стр. 351
وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، وَالاِخْتِيَارُ: أَنْ لاَ تْؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالْمَغَرِبُ: بِالْغُرُوبِ،
ــ
وقال الشيخان: إنه لا خلاف في دخول وقت العصر حين يخرج وقت الظهر عندنا، لكن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بتلك الزيادة. ونفيهما الخلاف عجيب، ففي الزيادة المذكورة ثلاثة أوجه في (شرح المهذب) و (الكفاية):
أحدها: هذا.
والثاني: أنها من وقت الظهر.
والثالث: فاصلة بينهما.
قال: (ويبقى حتى تغرب)؛ لقوله ﷺ في حديث ابن [عمرو]: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول) رواه مسلم [٦١٢/ ١٧٤]، ورواه ابن أبي شيبة [١/ ٣٥٣] بلفظ: (وقت العصر ما لم تغرب الشمس).
وقال الإصطخري: يخرج بخروج وقت الاختيار، وكذلك قال في العشاء والصبح؛ وقوفًا مع بيان جبريل ﵇. وأجيب بحمله على بيان وقت الاختيار.
فيجتمع للعصر خمسة أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة وهو من مصير الظل مثلين إلى الاصفرار، ووقت كراهة وهو وقت الاصفرار، ووقت تحريم وهو أن يؤخرها إلى ما لا يسعها، فإن الصحيح تحريمه وإن جعلنا الصلاة فيه أداء، وهو مطرد في كل الأوقات.
قال: (والاختيار .. ألا تؤخر عن مصير الظل مثلين)؛ لبيان جبريل ﵇. وسمي اختيارًا لما فيه من الرجحان، وقيل: لاختيار جبريل إياه.
وعلم من هذا: أن جميع وقت الظهر وقت اختيار وهو كذلك.
قال: (والمغرب: بالغروب) بالنص والإجماع.
والمرد: غروب جميع القصر؛ لما روى أبو داوود [٤٢٠] عن سلمة بن الأكوع
стр. 352
وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ
ــ
قال: (كان النبي ﷺ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها)، وهو ظاهر في الصحارى.
ولا يضر بعد الغروب بقاء شعاع، خلافًا للماوردي؛ فإنه شرط سقوطه بعد غيبوبة حاجب الشمس، وهو الضوء المستعلي عليها كالمتصل بها. والإجماع منعقد على خلاف دعواه.
قال: (ويبقى حتى يغيب الشفق الأحمر في القديم)؛ لما روى مسلم [٦١٢/ ١٧٣] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق).
واحترز بـ (الأحمر) عن الأصفر والأبيض.
ولم يذكر في (المحرر) هذا القيد؛ لأن المعروف في اللغة: أنه الحمرة كما ذكره الجوهري وغيره.
قال: (وفي الجديد: ينقضي بمضي قدر وضوء، وستر عورة، وأذان، وإقامة، وخمس ركعات)؛ لأن جبريل ﵇ صلاها في اليومين في أول الوقت، كذا استدل به الأصحاب.
ورد بأن جبريل ﵇ إنما بين الوقت المختار وهو المسمى بوقت الفضيلة، وأما الوقت جائز وهو محل النزاع .. فليس فيه تعرض له وإنما استثنى مقدار هذه الأمور؛ للضرورة.
стр. 353
وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ .. جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
والمراد بـ (الخمس): المغرب وسنتها، وأن تكون الركعات وسطًا معتدلة بلا إطالة.
واعتبر القفال في كل إنسان فعل نفسه المعتاد.
وقيل: وركعتان قبلها أيضًا، قاله الإمام.
وكان ينبغي للمصنف أن يرجح هذا؛ لأنه صحح في الكتاب استحباب ركعتين قبل المغرب.
واستحب أبو بكر البيضاوي أربعًا بعدها. فيعتبر على هذا: تسع.
وقيل: يكفي بقدر ثلاث فقط.
ويعتبر أيضًا: قدر أكل لقم يكسر بها الجوع، كذا في (الروضة) و (الشرح)، وفي شرحي (المهذب) و (الوسيط): أن الصواب على هذا القول: أنه يتناول كفايته من الطعام.
والمتجه: اعتبار زمن الاجتهاد للقبلة؛ لأنه من شروط الصلاة كالطهارة والستر.
وتعبيره بـ (القدر) يفهم منه: أنه لا فرق بين أن يحتاج إلى ذلك أم لا، والحكم كذلك، لكن لو عبر بالطهارة ولبس الثياب .. كان أعم ليشمل طهارة الحدث الأكبر والأصغر، والتيمم، واستحباب التعمم والتقمص والارتداء.
فإن قيل: الجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا جائز، ومن شرط صحة الجمع أن يقع أداء الصلاتين في وقت أحداهما، وذلك يدل على سعة وقت المغرب.
فالجواب: أن الصلاتين حالة الجمع كالصلاة الواحدة، وسيأتي: أن المغرب يجوز استدامتها.
قال: (ولو شرع في الوقت ومد حتى غاب الشفق .. حاز على الصحيح)؛ لأن النبي ﷺ قرأ في المغرب بـ (الأعراف)، رواه الحاكم [١/ ٢٣٧] وقال: صحيح الإسناد، وقرأها في الركعتين كلتيهما.
والثاني: لا يجوز مدها؛ لوقوع بعضها خارج الوقت.
стр. 354
قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ،
ــ
والثالث: تجوز استدامتها القدر الذي تتمادى إليه الفضيلة أول الوقت في جميع الصلوات.
ثم إذا جوزنا .. فيتجه اشتراط إيقاع ركعة في الوقت الأصلي.
فإذا شرع في الصبح أو الظهر أو غيرهما من الصلوات ومدها إلى خروج الوقت .. جاز؛ لأن الصديق ﵁ طول مرة في صلاة الصبح، فقيل له: كادت الشمس أن تطلع! فقال: (لو طلعت .. لم تجدنا غافلين).
وفي كراهة ذلك وجهان، الصحيح: أنه خلاف الأولى، بل في (عمدة الفوراني) وجه: أن ذلك مستحب، وفي زوائد (الروضة) وجه: أن هذا المد حرام.
قال: (قلت: القديم أظهر والله أعلم)؛ لأن الشافعي علق القول به في (الإملاء) على صحة الحديث وقد صح.
وروى ابن حبان في (صحيحه) [١٥٢٤] من حديث جابر: (أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ المغرب، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم).
وأجيب عن حديث جبريل ﵇ بأنه إنما بين فيه الأوقات المختارة، أو أنه متقدم؛ لأنه بمكة وهذه الأحاديث بالمدينة، وأيضًا هذه الأحاديث أقوى إسنادًا منه ورواتها أكثر، وصحح هذا القول ابن خزيمة وابن المنذر والترمذي والخطابي والبيهقي والبغوي والروياني والعجلي والغزالي في (الإحياء) وابن الصلاح والطبري وابن الفركاح والشيخ، وهو الصواب.
قال: (والعشاء: بمغيب الشفق) بالإجماع، ولحديث جبريل ﵇.
والمراد: المعهود وهو الأحمر؛ لما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر
стр. 355
وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، وَالاِخْتِيَارُ: أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ.
ــ
أن النبي ﷺ قال: (الشفق: الحمرة، فإن غاب الشفق .. وجبت الصلاة).
وقال أبو حنيفة والمزني: هو البياض بعد الحمرة؛ لأن الصبح لما وجبت بالبياض المتقدم على الشمس .. اقتضى أن تجب العشاء بالبياض المتأخر عنها.
و (العشاء) ممدود، ويجوز أن يقال لها: العشاء الآخرة وأنكره الأصمعي، ورد عليه بما روى مسلم [٤٤٤]: أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة أصابت بخورًا .. فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
وفي بلاد المشرق نواح يقصر ليلهم، فلا يغيب شفقهم فيها، فهؤلاء يصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلاد إليهم، كما أن من ليس لهم قوت .. يلزمهم إخراج زكاة الفطر من قوت أقرب البلاد إليهم.
قال: (ويبقى في الفجر) - أي: الصادق- لقوله ﷺ : (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى) رواه مسلم [٦٨١]. خرجت الصبح بدليل، فيبقى على مقتضاه في غيرها.
وعند الإصطخري يخرج وقتها بنصف الليل.
قال: (والاختيار: أن لا تؤخر عن ثلث الليل)؛ لحديث جبريل ﵇.
وروى الترمذي [١٦٧] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه).
وهذا القول أصح عند الأكثرين وأقوى في الدليل.
ويجوز في (الثلث) ضم اللام وإسكانها.
قال: (وفي قول: نصفه)؛ لما روى الحاكم [١/ ١٤٦] أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل).
وفي (صحيح مسلم) [٦١٢] عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →